[السند]:
أخرجه أحمد - ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق) - قال: حدثنا محمد بن مُقَاتِل، أخبرنا عَبَّاد بن العوام، حدثنا الحَجاج، عن عبد الله مولى بني هاشم- قال: وكان ثقة. قال: وكان الحَكَم يأخذ عنه -، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُسيد بن حُضير، به.
ومداره عند الجميع على الحَجاج بن أرطاة، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه خمس علل:
الأولى والثانية: ضعف وعنعنة الحجاج بن أرطاة؛ فقد قال فيه الحافظ: "صدوق، كثير الخطأ والتدليس" (التقريب ١١١٩).
ومع ضعفه المتمثل في كثرة خطئه هو مدلس أيضًا، وقد عنعن عندهم جميعًا، غير أنه جاء بصيغة التحديث عند الطحاوي، لكن مع اختلاف في السند والمتن كما سبق بيانه في "باب الوضوء من لحوم الإبل".
الثالثة: الانقطاع؛ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من أُسيد، وُلد عبد الرحمن لِسِتٍّ بَقِين من خلافة عمر - أي: نحو سنة (١٧ هـ) - وتُوفي أُسيد سنة عشرين أو إحدى وعشرين. انظر (تهذيب الكمال ترجمة ٥١٧)، و (ترجمة ٣٩٤٣).
وقال العسكري: "رَوى عن أسيد بن حضير مرسلًا" (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦١).
وبهذا أعله ابن عبد الهادي، فقال: "هو حديث مرسل؛ فإن ابن أبي ليلى لم
стр. 9382
يسمع من أُسيد بن حُضير" (تنقيح التحقيق ١/ ٣١٠).
الرابعة: الاختلاف على الحجاج في سنده ومتنه.
وقد سبق بيان ذلك مفصلًا في باب "الوضوء من لحوم الإبل".
الخامسة: المخالفة، فقد خولف فيه حجاج بن أرطاة، خالفه الأعمش:
فرواه عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، به في الوضوء من لحوم الإبل. وهو ما صوبه أبو حاتم، والترمذي، والبيهقي وغيرهم كما سبق بيانه مفصلًا.
وحديث أُسيد هذا ضَعَّفه: الضياء المقدسي (السنن والأحكام ١٥٣)، والنووي في (المجموع شرح المهذب ٢/ ٦٠)، وعبد الرحمن المقدسي (الشرح الكبير على المقنع ٢/ ٥٩)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة، ص: ٣٣٦)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٧٠)، والبوصيري في (مصباح الزجاجة ١/ ٧١)، وابن الملقن في (التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤/ ٣٧٢)، والسندي في (حاشية السندي على سنن ابن ماجه ١/ ١٨٠)، والألباني في (صحيح أبي داود، تحت حديث رقم ١٧٨).
٢١٩٦ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ».
[الحكم]: ضعيف معلول، وأعله: أبو حاتم الرازي. وتبعه: ابن عبد الهادي، ومغلطاي، والمناوي. وضَعَّفه: النووي، والبوصيري، والسيوطي، والألباني.
والأمر بالوضوء من لحوم الإبل والنهي عن الصلاة في معاطنها- ثابت في غير هذا الحديث كما سبق، وأما الوضوء من ألبانها فمنكر.
[التخريج]:
[جه ٥٠٠ "واللفظ له" / معط ١١ / علحا ٤٨ / ..... ].
سبق بتخريجه وتحقيقه في "باب الوضوء من لحوم الإبل"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 9387
٣٦٩ - بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ عَامَّةً
٢١٩٧ - حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَلَمْ يُمَضْمِضْ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَصَلَّى)).
[الحكم]: إسناده ضعيف، واستغربه ابن غلام الزهري.
[التخريج]:
[د ١٩٦ "واللفظ له" / بز ٧٤٠٩ / ناسخ ٩٣ / هق ٧٦١ / ... ].
* وسبق الحديث بتخريجه وتحقيقه برواياته في "باب ترك المضمضة من شرب اللبن ومما له دسم"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 9388
ديوان السنَّة
موسوعة شاملة لكل ما ورد عن سيد المرسلين من أقوال وأفعال وتقريرات
الطهارة
المجلد الثامن عشر
كتاب الوضوء
إعداد
مجموعة من الباحثين
إشراف
عدنان بن محمد العرعور
стр. 9389
تابع كتاب االوضوء
أبواب ما يجب منه الوضوء وما لا يجب
[السند]:
أخرجه مسلم قال: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي، عن جدي، حدثني عُقَيْل بن خالد قال: قال ابنُ شهابٍ: أخبرني عمر بن عبد العزيز أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره أنه وَجَدَ أبا هريرةَ يَتَوَضَّأُ على المسجدِ، فقال: إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتُهَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول ... فذكره.
ورواه الباغنديُّ في (مسند عمر بن عبد العزيز ٨٦) من طريق بكر بن سَوَادة، عن ابنِ شِهابٍ، به، بلفظ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)). وسندُهُ صحيحٌ.
وجاء بهذا اللفظِ من طرقٍ أخرى كثيرة، بعضها أُجْمِل في التخريج، وبعضها سيأتي قريبًا.
ورواه أحمدُ (٩٩٠٧) قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي بكرِ بنِ حفصٍ قال: سمعتُ الأَغَرَّ قال: سمعتُ أبا هريرةَ يُحَدِّثُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ)).
ورواه أبو يعلى (٦١٦١)، وغيره من طريق معاذ العنبري عن شعبة، به.
ورواه أبو داود (١٩٣) من طريق يحيى القطان عن شعبة بلفظ: ((الوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ)). وسيأتي تحقيقها في تخريجٍ مستقلٍ.
ورواه السراجُ في (حديثه ١٧٥٦) (١) من طريق أبي زيد سعيد بن الربيع، ثنا شعبة، به.
стр. 9392
ورواه الضياءُ المقدسيُّ في (بلغة الطالب الحثيث ق ٢/أ) من طريق وهب بن جرير، ثنا شعبة، به.
وإسنادُهُ صحيحٌ، رجاله ثقات رجال الشيخين.
قال الضياءُ المقدسيُّ: ((صحيح)).
فإن قيل: قد رواه أحمدُ في (مسنده ١٦٣٤٩) عن عبد الصمد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو بكر بن حفص، عن الأغر، عن رجل آخر، عن أبي هريرة، به بلفظ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)). فأدخل بين سلمان الأغر وأبي هريرة رجلًا آخر.
قلنا: هذا خطأ؛ فقد رواه السراجُ في (حديثه ١٧٥٥) عن هارون بن عبد الله وأبي قلابة الرَّقَاشي. ورواه ابنُ أخي ميمي في (الفوائد ٢٥٥) من طريق عبدة الصفار.
ثلاثتهم عن عبد الصمد عن (شعبة) (١)، عن أبي بكر بن حفص، ثنا الأغر ورجلٌ آخرُ، عن أبي هريرة، به مثله، ولفظ عبدة: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)). فبَيَّنوا أن الرجلَ إنما هو مقرون بالأغر! ولعلَّ أداةَ العطفِ (الواو) سقطتْ قبل: ((عن رجل))، والله أعلم.
وكذا رواه النسائيُّ في (الإغراب ١٨١): عن إسماعيلَ بنِ مسعودٍ، حدثنا خالدٌ، حدثنا شعبةُ، حدثنا أبو بكرِ بنُ حفصٍ قال: سمعتُ الأَغَرَّ وَرُجَلًا آخَرَ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ)).
стр. 9393
قلنا: وقد رواه غُندرٌ (محمد بن جعفر) ومعاذٌ العنبريُّ، ويحيى القطانُ، ووهبُ بنُ جريرٍ، وسعيدُ بنُ الربيعِ، كما سبقَ.
خمستُهم رووه عن شعبةَ، عن أبي بكر بنِ حفص، عن الأَغَرِّ، عن أبي هريرةَ، به. كما سبقَ.
وفي روايةِ غُندرٍ تصريحُ الأَغَرِّ بالسماعِ من أبي هريرةَ. وغُندرٌ من أثبتِ الناسِ في شعبةَ، وأحفظهم لحديثه.
ولكن خولف شعبة في وصله، قال الدارقطني في (العلل ١٥٩٩): ((وخالفه خالدٌ الحذَّاءُ وأشعثُ بنُ سَوَّار، فروياه عن أبي بكر بن حفص عن أبي هريرة مرسلًا، ولم يذكرا الأَغَرَّ)).
وعلى كُلٍّ، فالحديثُ صحيحٌ كما عند مسلمٍ، وأقرَّه جماعةٌ.
وقد قال الإمامُ أحمدُ: ((روى الزهريُّ خمسةَ أحاديث صحاحًا برجالٍ ثقات، أن النبيَّ ﷺ قال: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) (مسائل أحمد، رواية ابن هانئ ٤٤).
وقال الدارقطنيُّ: ((وعند الزهريِّ في هذا الحديثِ أسانيد: عنده ما ذكرناه عن عمر بن عبد العزيز ... وكل ما ذكرناه محفوظ عن الزهري، صحيح عنه)) (العلل ٤/ ٢٣٩).
وقال ابنُ حَزمٍ: "وأما الوضوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فإنه قد صحَّتْ في إيجاب الوضوء منه أحاديث ثابتة من طريقِ عائشةَ، وأمِّ حبيبةَ أم المؤمنين، وأبي أيوبَ، وأبي طلحةَ وأبي هريرةَ، وزيد بن ثابت، ﵃" (المحلى ١/ ٢٤٣).
стр. 9394
وقال أبو المطرف القنازعي: ((قال أبو محمد (١): أجمعَ أهلُ المدينةِ على أن لا وضوءَ على من أَكَلَ طعامًا قد مسَّته النَّارُ. فسألته عن حديث الأغر عن أبي هريرة أن النبيَّ ﷺ قال: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتْهُ النَّارُ)) فقال لي: هو حديثٌ صحيحٌ من جهةِ النقلِ)) (تفسير الموطأ، للقنازعي ١/ ١٣١).
وقال النوويُّ: ((واحتجَّ مَن أوجبه -مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ- بأحاديث صحيحة، منها حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة)) (المجموع ٢/ ٥٧).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه مسلمٌ)) (موافقة الخُبْر الخَبَر ٢/ ٢٧١).
стр. 9395
رِوَايَةُ: الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ (مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ) ١ (مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ) ٢)).
[الحكم]: صحيحٌ بغيرِ هذا اللفظِ.
[التخريج]: [طي ٢٤٩٨ (واللفظ له) / د ١٩٣ (والروايه الأولى له) / معقر ٣٦٠ (والرواية الثانية له) / علقط (٤/ ٢٤٥)].
[التحقيق]:
جاء بهذه السياقةِ من ثلاثةِ طرقٍ:
الطريق الأول:
أخرجه الطيالسيُّ قال: حدثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قارظ، قال: رأيتُ أبا هريرةَ ... فذكره بلفظ: ((الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات رجال مسلم، إلا أن أبا داود الطيالسيَّ -وإن كان ثقةً حافظًا- فهو مع ذلك كثير الخطأ، كما قال أبو حاتم في (الجرح والتعديل ٤/ ١١٣)، وقال الحافظُ إبراهيمُ بن سعيدٍ الجوهريُّ: ((أخطأ في ألف حديث))! (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٤)، واعتمدَ كلامَه الذهبيُّ في (الكاشف ٢٠٨٢). وقال في (الميزان ٢/ ٢٠٣): ((ثقةٌ، أخطأَ في أحاديثَ))، وقال ابنُ حَجَرٍ: ((ثقةٌ حافظٌ، غَلِطَ في أحاديثَ)) (التقريب ٢٥٥٠).
وقد أخطأَ في قوله: (إبراهيم بن عبد الله بن قارظ)، وإنما الصحيح:
стр. 9396
(عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) كما عند مسلم.
قلنا: وقد توبع أبو داود على هذا الخطأ.
فروى الدارقطني في (العلل ٤/ ٢٤٥) قال: حدثنا الحسينُ بنُ إسماعيلَ المحَامِلِيُّ، قال: حدثنا أبو هشامٍ الرفاعِيُّ، قال: حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ، عنِ الزهريِّ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عنِ ابنِ قَارِظٍ، قال: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَوْقَ ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: مِمَّ تَوَضَّأْتَ؟ ! قَالَ: أَكَلْتُ أَثْوَارَ أَقِطٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)).
وقد قال الدارقطنيُّ -قبله-: ((وقال عبد العزيز الماجشون عن الزهري، عن عمر-يعني ابنَ عبد العزيز-، عن إبراهيم بن قارظ. نسبه إلى جَده)).
وكلاهما أخطأَ في إسنادِهِ ومتنِهِ:
أما السندُ، فقال الدارقطنيُّ: ((فرواه عقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وشعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والوليد المُوقَري، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وبكر بن سَوَادة، وعبيد الله بن أبي زياد الرُّصَافي، وهَبَّار بن عُقَيْل، عن الزهريِّ، عن عمر بن عبد العزيز، وقالوا: عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة ... إلى أن قال: ورواه أبو أمامة بن سَهْل بن حُنَيْف، عن عبد الله بن قارظ، عن أبي هريرة. قاله عثمان بن حكيم، عنه، حديثًا آخر. وهذا القول يقوي قول من قال فيه: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ)) (العلل ٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
وأما المتنُ: فالمحفوظُ عمن تقدَّمَ ذكرهم الحديث بلفظ الأمر: ((تَوَضَّئُوا
стр. 9397
مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ))، وليس بلفظ الخبر.
الطريق الثاني:
أخرجه أبو داود قال: حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني أبو بكر بن حفص، عن الأغر، عن أبي هريرة به بلفظ: ((الوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ)).
وإسنادُهُ صحيحٌ؛ ولذا قال الألبانيُّ: "إسنادُهُ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ" (صحيح أبي داود ١/ ٣٥٢).
قلنا: ولكن خالف القطانَ جماعةٌ فرووه عن شعبةَ بلفظِ الأمرِ، وهم:
١ - محمد بن جعفر، كما عند أحمد في (المسند ٩٩٠٧)، وغيره.
٢ - عبد الصمد بن عبد الوارث، كما عند أحمد في (المسند ١٦٣٤٩)، وغيره.
٣ - معاذ بن معاذ العنبري، كما عند أبي يعلى في (مسنده ٦١٦١)، وغيره.
٤ - وهب بن جرير، كما عند ابن قدامة المقدسي في (بلغة الطالب الحثيث ق ٨/أ).
قلنا: وقد خولف شعبة في وصله أيضًا.
قال الدارقطنيُّ في (العلل ١٥٩٩): ((وخالفه خالدٌ الحذاءُ وأشعثُ بنُ سَوَّار، فروياه عن أبي بكر بن حفص، عن أبي هريرة مرسلًا، ولم يذكرا الأَغرَّ)).
الطريق الثالث:
أخرجه ابنُ المقرئ في (معجمه) قال: حدثنا محمد بن سهل بن المرزبان
стр. 9398
الأسواري، ثنا أحمد بن يونس الضبي، ثنا يعلى بن عُبيد، ثنا أبو عمرو البصري، ثنا الحسن، عن أبي هريرة، به، بلفظ: ((الوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)).
ورواه الذهبيُّ في (معجم شيوخه ٢/ ١٢) من طريق محمد بن عبد الملك الدقيقي، نا يعلى بن عبيد، بسنده، ولكن بلفظ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)).
وكذا رواه الدارقطنيُّ في (الأفراد) كما في (أطراف الغرائب ٥٠٥٣) وقال: "تَفَرَّدَ به يعلى بن عبيد، عن أبي عمرو بن العلاء عنه -أي: الحسن-. ولفظه: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) ".
قلنا: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ الحسنُ لم يسمعْ أبا هريرة، وعليه جمهور أهل العلم. انظر (جامع التحصيل، صـ ١٦٢ - ١٦٥)، ولكن ذَكَر الدارقطنيُّ له متابعًا، فقال: ((رواه عبد الأعلى، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وخالفه يزيد بن هارون ومَخْلَد بن حسين، فروياه، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ورفعاه. ولعلَّ هشامًا حفظه عن الحسنِ وابنِ سيرينَ جميعًا)) (العلل ١٥٥٣).
قلنا: ورواية هشام بن حسان عن ابنِ سيرينَ هذه رواها الخطيبُ في (تاريخه ١٥/ ١٠٢) من طريق مخلد بن الحسين، عن هشام عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)). وهذا هو المشهورُ عن أبي هريرةَ.
ابن عباس، به.
ورواه النسائيُّ في (السنن) قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني محمد بن يوسف، عن ابن يسار، به مختصرًا.
ومداره عند الجميع على ابن جريج، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات معروفون، عدا محمد بن يوسف؛ فاثنان في هذه الطبقة:
أحدهما: محمد بن يوسف القرشي، مولى عمرو بن عثمان بن عفان. وهذا هو الذي اعتمده مغلطاي هنا (شرح ابن ماجه ٢/ ٥٩).
وجاء مصرحًا باسمه هكذا عند البيهقي في (السنن الكبير ٧٤٧)، بإسنادٍ فيه ضَعْفٌ كما سيأتي.
والقرشيُّ هذا وَثَّقَهُ ابنُ معينٍ، وأبو حاتم، وأبو زرعةَ، والدارقطنيُّ، ... وغيرُهُم. وانظر (تاريخ ابن أبي خيثمة - السِّفر الثالث ٢/ ٢٨١)، و (الجرح والتعديل ٨/ ١١٨)، و (تهذيب الكمال ٢٧/ ٦١).
ومع ذلك قال الحافظُ في (التقريب ٦٤١٦): ((مقبول))، وهذا منه غير مقبول.
والثاني: محمد بن يوسف الكِنْدي الأعرج، وهذا هو الذي اعتمدَهُ بدرُ الدينِ العينيُّ في (نخب الأفكار شرح معاني الآثار ٢/ ٢٢).
والكنديُّ هذا ثقة من رجال الشيخين، كما في (التقريب ٦٤١٤).
قلنا: كلا الرجلين يَروي عنه ابنُ جُريجٍ، وكلاهما ثقة كما تقدَّمَ، ولكن
стр. 9401
اختُلف على محمد بن يوسف في إسنادِهِ، فرواه عنه ابنُ جريجٍ وابنُ عَونٍ:
أما ابنُ جُريجٍ، فاختُلفَ عليه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول عن ابن جريج: عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، بلفظ روايتنا هذه، وفيه قوله أبي هريرة مرفوعًا: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
هكذا رواه البزار قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا ابن جريج، به.
بينما رواه عن ابن جريج جماعة، فلم يذكروا المرفوع عن أبي هريرة، وهم:
١ - عبد الرزاق، كما في (المصنف ٦٤٨) -وعنه أحمدُ في (المسند ٣٤٦٤)، وغيره-
٢ - محمد بن بكر البُرْساني، كما عند أحمدَ في (المسند ٣٤٦٤).
٣ - خالد بن الحارث، كما عند النسائيِّ في (السنن ١٨٩)، و (الكبرى ٢٣٧)، واختصر متنه بلفظ: ((أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا))، ولم يَذكر قصةَ ابنِ عباسٍ مع أبي هريرة.
٤ - مَخْلَد بن يزيد، كما عند أبي يعلى في (مسنده ٢٧٣٣)، ولفظه بنحو لفظ النسائي مطولًا.
٥ - عبد الوهاب بن عطاء، كما عند البيهقيِّ في (السنن الكبير ٧٤٧)، وقال في إسناده: ((عن محمد بن يوسف مولى عثمان))، ولكن عبد الوهاب فيه ضَعْفٌ، وقال ابنُ حَجَرٍ: ((صدوقٌ ربما أخطأَ)) (التقريب ٤٢٦٢).
فرواه خمستهم عن ابنِ جُريجٍ بسنده، لم يقولوا: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ))
стр. 9402
فنراها شاذة من هذا الوجه. والله أعلم.
الوجه الثاني عن ابن جريج:
عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة -بدل عبد الله بن عباس- بلفظ: ((أَنَّهَا قَرَّبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ جَنْبًا مَشْوِيًّا، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
رواه النسائيُّ في (السنن ١٨٨)، و (الكبرى ٢٣٦، ٤٨٨١) من طريق خالد بن الحارث، قال: حدثنا ابن جريج، قال: حدَّثني محمد بن يوسف، به.
ورواه أبو يعلى في (المسند ٦٩٨٥)، والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٦٥) من طريق عثمان بن عمر.
ورواه الطبرانيُّ في (الكبير ٢٣/ رقم ٣٨٦)، وابنُ عساكر في (تاريخه ٤/ ٢٣٧) من طريقين عن أبي عاصم.
كلاهما عن ابن جريج، به.
الوجه الثالث عن ابن جريج:
عن محمدِ بنِ يوسفَ، أن عطاءَ بنَ يسارٍ أخبرهُ أن أُمَّ سلَمةَ -زوج النبيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ ((أَنَّهَا قَرَّبَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَنْبًا مَشْوِيًّا، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)). فأبدل (عطاء بن يسار) بـ (سليمان بن يسار).
رواه أحمدُ في (المسند ٢٦٦٢٢) حدثنا عبد الرزاق وابن بكر، قالا: أخبرنا ابنُ جريج.
وروحٌ، حدثنا ابنُ جريجٍ، قال: أخبرني محمد بن يوسف، به.
стр. 9403
ورواه الترمذيُّ في (جامعه ١٩٣٦، والشمائل ١٦٤)، وغيره من طريق حَجاج بن محمد، عن ابن جريج، به.
قلنا: مدارُ الأوجهِ الثلاثةِ كما سبقَ عن ابنِ جُريجٍ، وقد اختُلفَ عليه في إسنادِهِ ومتنِهِ، فمرة يَجعل الحديث عن ابن عباس، ومرة عن أم سلمة. ومرة يجعله عن عطاء بن يسار، ومرة عن سليمان بن يسار.
وقد أشارَ البزارُ لهذا الاختلاف فقال: ((وهذا الحديثُ إنما ذكرناه لاختلافهم في إسناده، فقال بعضُ مَن رواه: عن سليمان بن يسار عن بعضِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ) (المسند ١١/ ٤٣٥).
وكذا أشارَ النسائيُّ لهذه المخالفة، فقال -عقب رواية خالد بن الحارث، عن ابن جريج، عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار عن أم سلمة-: ((خالفه الحَجاج بن محمد الأعور))، ثم أسند طريقَ حَجاجٍ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرني محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة، به.
قلنا: قد يكون هذا الاختلاف من محمد بن يوسف نفسه؛ وذلك أنه قد رُوي عنه على وجه آخر، وهي روايةُ ابنِ عون التي أشرنا إليها آنفًا.
فقد رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٥/ ١٢٧/ ٣٠٨): حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا الصلت بن مسعود الجَحْدري، ثنا سليم بن أخضر، عن ابن عون -وهو عبد الله- عن محمد بن يوسف، عن أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: ((قَرَّبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَتِفًا مَشْوِيَّةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، ولكنه منقطعٌ بين محمد بن يوسف وأمِّ سُليم؛ فإنها تُوفيت في خلافة عثمان ﵁، كما في (التقريب ٨٧٣٧)، ومحمد بن
стр. 9404
يوسف الكِنْدي تُوفي سنة أربعين ومائة. فبين وفاتيهما أكثر من مائة عام، وهو من الطبقة الخامسة طبقة صغار التابعين، فبذلك لم يدركها. ومحمد بن يوسف القرشي من الطبقة السادسة الذين عاصروا صغار التابعين؛ فهو أبعد من إدراكها.
قلنا: ومع هذا الاختلاف على محمد بن يوسف في إسنادِهِ فقد خُولِفَ، كما ذكر النسائيُّ في (السنن الكبرى/ عقب حديث ٤٨٨٢) فقال: ((خالفه زيد بن أسلم)).
ثم أسندَ عن قتيبةَ بنِ سعيدٍ قال: عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
قلنا: وهذا أرجحُ من طريقِ ابنِ يوسفَ؛ لعدم الاختلاف على زيدٍ في إسنادِهِ، بينما اختُلفَ على محمد بن يوسف، كما تقدَّمَ.
ولذا اعتمدَ البخاريُّ ومسلمٌ في (صحيحيهما) روايةَ زيدِ بنِ أسلمَ؛ فأخرجه البخاريُّ في (صحيحه ٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤) من طريق مالك عن زيد بن أسلم، به. كما أورده النسائيُّ.
قلنا: وحديثُ أبي هريرةَ قد صَحَّ من غيرِ هذا الوجهِ كما تقدَّم.
وأما حديثُ ابنِ عباسٍ، فقد رواه الشيخان: البخاري (٣٠٧)، ومسلم (٣٥٤/ ٩١) كما سيأتي قريبًا تحت ((باب ترك الوضوء مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
تخريج السياقة الثانية: [ت ٨٠ (واللفظ له)].
تخريج السياقة الثالثة: [حم ١٠٥٤٢ (واللفظ له) / فز ٢٢٢/ هريرة ١١، ٤٥/ طح (١/ ٦٣) / تد (٣/ ٣٧٢)].
[السند]:
أخرجه الترمذي قال: حدثنا ابنُ أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
ورواه ابنُ ماجهْ (٤٨٨) قال: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح، حدثنا سفيان بن عيينة، به.
ورواه أحمدُ عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، به، مختصرًا دون القصة.
ورواه البزارُ والخطيبُ في (الفقيه والمتفقه) من طريق يزيد بن هارون، عن محمد، به، مطولًا بذكر القصة.
ورواه إسماعيل بن جعفر -ومن طريقه القزوينيُّ في (التدوين) - عن محمد بن عمرو، به.
[التحقيق]:
وهذا إسنادٌ حسنٌ، رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا محمد بن عمرو، وهو ابنُ علقمة بن وقاص الليثي. روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلمٌ في المتابعات، وقال فيه الحافظ: "صدوقٌ له أوهامٌ" (التقريب ٦١٨٨).
قلنا: وقد وَهِم محمد بن عمرو في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنه:
فخالفه الزهريُّ ويحيى بن أبي كثير؛ فروياه عن أبي سلمةَ، أن أبا سفيانَ
стр. 9407
ابنَ سعيدِ بنِ المغيرةِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، فَقَالَتْ: يَا بْنَ أُخْتِي، أَلَا تَوَضَّأُ؟ ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) أَوْ قَالَ: ((مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
قال أبو زرعةَ الدمشقيُّ -مُعِلًّا روايةَ محمدِ بنِ عمرٍو-: ((محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي- من أروى أهل المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وله عن أبي سلمة أحاديث يخالف فيها.
وذَكَر له هذا الحديثَ مختصرًا، ثم أتبعه بروايةِ الزهريِّ له عن أبي سلمةَ: "أخبرني أبو سفيان بن سعيد بن الأخنس عن أم حبيبة"، به.
ثم أتبعه برواية أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان، عن أم حبيبة، به (الفوائد المعللة/ رقم ٢٢٢: ٢٢٥).
قلنا: أما روايةُ الزهريِّ: فرواها النسائيُّ في (السنن ١٨٥)، و (الكبرى ٢٣٣)، وغيره، من طريق الزبيدي.
وأبو زرعة الدمشقي في (الفوائد المعللة ٢٢٤)، من طريق يونس بن يزيد.
وأحمد في (المسند ٢٦٧٨٤)، وغيره، من طريق شعيب بن أبي حمزة.
وعبد الرزاق في (المصنَّف ٦٧١) -وعنه أحمد (٢٦٧٨٣)، وغيره- عن معمر.
والطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ رقم ٤٦٦) من طريق صالح بن كَيْسَان.
وأحمد (٢٦٣٩٩، ٢٦٧٧٩)، وغيره، من طريق ابن أبي ذئب.
стр. 9408
وعبد الرزاق (٦٧٣)، وغيره، من طريق ابن جريج.
والنسائي في (السنن ١٨٦)، و (الكبرى ٢٣٤)، وغيره، من طريق بكر بنِ سَوَادة.
فرواه ثمانيتهم وغيرهم عن الزهري، عن أبي سلمة، به.
قلنا: وقد جاءتْ روايةٌ عن الزهريِّ مُوافِقةٌ رواية محمد بن عمرو، ولكنها شاذة لا تَثبتُ:
رواها الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٦٣/ ٣٦٠) قال: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا المُقَدَّمي قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجال الصحيح عدا ابن أبي داود شيخ الطحاوي، وهو إبراهيم بن أبي داود البُرلُّسي، "كان ثقةً متقنًا حافظًا للحديثِ" (تكملة الإكمال ٨٧٨).
والمُقَدَّمي هو محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مُقَدَّم المُقَدَّمي، ثقة من رجال الشيخين.
وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى السامي، ثقة من رجال الشيخين أيضًا.
ولذا صَحَّحَ سندَهُ: بدرُ الدينِ العينيُّ في (نخب الأفكار ٢/ ١١)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ٣٥٣).
ولكن لهذا السند علتان تمنعان من الاعتداد به كمُتابِع:
العلة الأولى: أن مَعْمَرًا حَدَّثَ بالبصرةِ من حفظه بأحاديثَ وَهِم في بعضها، كما ذكر ذلك الدارقطنيُّ في (التتبع، صـ ١٢١)، وعبد الأعلى بن
стр. 9409
عبد الأعلى بصري، وحَمَل عن معمرٍ بالبصرة.
قال علي بن المديني: ((سمعتُ عبدَ الأعلى عن معمرٍ بالبصرةِ، وكان معمرٌ يحدثهم بالبصرةِ من حفظه، فوهمَ في أسانيدَ. وسماعُ عبدِ الرزاقِ عن معمرٍ أصحُّ لأنه كان يُحَدِّثُ أهل اليمن ومعه كتبه)) (التمهيد لابن عبد البر ١٠/ ١٦٩).
وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: ((حديثُ عبدِ الرزاقِ عن معمرٍ أَحَبُّ إليَّ من حديثِ هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر -يعني باليمن- وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة)) (تهذيب الكمال ١٨/ ٥٧)، و (شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٦).
وقال يعقوب بن شيبة: ((سماعُ أهلِ البصرةِ من معمرٍ حيثُ قَدِم عليهم فيه اضطرابٌ؛ لأن كتبه لم تكن معه)) (شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٦).
وقال أبو حاتم: ((معمرٌ ما حَدَّثَ بالبصرةِ فيه أغاليط)) (الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٧)، و (تاريخ دمشق ٥٩/ ٤١٦)، وغيرهما.
وقال ابنُ حَجَرٍ -في ترجمة معمر-: "ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلَّا أنَّ في روايتِهِ عن ثابتٍ، والأعمشِ، وعاصمِ بنِ أبي النَّجودِ، وهشامِ بنِ عروةَ شيئًا. وكذا فيما حَدَّثَ به بالبصرةِ" (التقريب ٦٨٠٩).
العلة الثانية: أن عبد الأعلى خُولفَ في سندِهِ ومتنِهِ:
خالفه عبد الرزاق الصنعاني، كما تقدَّمَ، فرواه عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، أن أبا سفيانَ بنَ سعيدِ بنِ المغيرةِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، فَقَالَتْ: يَا بنَ أُخْتِي، أَلَا تَوَضَّأُ؟ ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) أَوْ قَالَ: ((مِمَّا
стр. 9410
مَسَّتِ النَّارُ)).
وعبدُ الرزاقِ أثبتُ من عبدِ الأعلى في معمرٍ، كما قال ابنُ حَجَرٍ في (فتح الباري ٢/ ٣٦٨).
بل إن عبدَ الرزاقِ أثبتُ أصحابِ معمرٍ.
قال أحمد: ((إذا اختَلفَ أصحابُ معمرٍ، فالحديثُ لعبدِ الرزاقِ)) (تاريخ دمشق ٣٦/ ١٦٩).
قال أحمد بن صالح المصري: ((قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: رأيتَ أحدًا أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا)) (الفوائد المعللة، صـ ٢٥٥)، و (تهذيب الكمال ١٨/ ٥٦ - ٥٧).
وقال يحيى بن معين: ((ما كان أَعْلَمَ عبدَ الرزاق بمعمرٍ وأَحْفَظَه عنه! ! )) (تاريخ دمشق ٣٦/ ١٧٠).
وقال يعقوب بن شيبة: ((عبدُ الرزاقِ متثبتٌ في معمرٍ، جيدُ الإتقانِ)) (شرح علل الترمذي ٢/ ١٥١).
قلنا: وقد جاءت روايةٌ ضعيفةٌ أيضًا عن الزبيديِّ مُتابِعة لرواية معمر.
رواها العقيليُّ في (الضعفاء ٤/ ٢٢٩) من طريق يزيد بن يوسف، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). وليس في هذه الروايةِ ذِكرُ مناظرةِ أبي هريرة لابن عباس.
وعلى كُلٍّ إسنادها ضعيف؛ يَزيدُ هذا قال عنه ابن معين: ((ليس بشيء)) (الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٢٨).
стр. 9411
قال العقيليُّ -عقبه-: ((وقال معمرٌ، وعقيلٌ، وصالحُ بنُ كَيْسانَ، وشعيبٌ: عن الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس، عن أم حبيبة. وهذه الرواية أَوْلى)) (الضعفاء ٤/ ٢٢٩).
قلنا: أما رواية يحيى بن أبي كثير فرواها:
أحمدُ (٢٦٧٨٢)، وإسحاق بن راهويه (٢٠٥٨) من طريق علي بن المبارك.
وأحمد (٢٦٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤)، وغيرهما من طريق أبان بن يزيد.
وأحمد (٢٧٤٠٦)، وغيره من طريق حرب بن شداد.
ثلاثتهم (علي، وأبان، وحرب) عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي سفيان بن المغيرة عن أم حبيبة به كما رواه الزهري.
قلنا: ورواية الزهري، ويحيى بلا شك أَوْلى من رواية محمد بن عمرو بن علقمة.
قال يحيى بن معين: ((ومَن رَوى مثل الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ... إذا رووا هؤلاء هذه الأحاديث، وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة فخالفهم؛ كان القول قول الزهري ويحيى بن أبي كثير! إنهم أثبت منه)) (تاريخ ابن معين، رواية الدوري ١٠٥٩).
والذي يرجحُ روياتهما مع علوِ قدرهما وجلالتهما أن محمدَ بنَ عمرٍو لم يتفقْ عنه الرواةُ على ذكرِ ابنِ عباسٍ، فمنهم من ذكرَ القصةَ، ومنهم من لم يذكرها، بل من الرواةِ الثقاتِ مَن رواه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة به. وجعل المناظرة بين أبي سلمة وأبي هريرة كما سيأتي في الرواية الآتية. وكل هذا يدلُّ على عدمِ ضبطِ ابنِ علقمةَ له. والله أعلم.
стр. 9412
قلنا: ومع هذا حَسَّنَ إسنادَ محمدِ بنِ عمرٍو جماعةٌ:
فحَسَّنَهُ: ابنُ حَجَرٍ كما في (موافقة الخبر الخبر ١/ ٤٥٩).
وبدرُ الدينِ العينيُّ في (نخب الأفكار ٢/ ١٠).
والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ٣٥٣).
قلنا: ولعلَّ تحسينهم للقدر المرفوع؛ حيثُ وَرَدَ من طرقٍ كثيرةٍ عن أبي هريرةَ غير طريق أبي سلمة. أما القصة فلم تَرِد إلا من طريقٍ شاذٍّ أو مُنقطعٍ كما سيأتي.
رِوَايَةُ مُنَاظَرَةِ أَبِي سَلَمَةَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ
• وَفِي رِوَايَةٍ جَعَلَ مُنَاظَرَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَبِي سَلَمَةَ: ((قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ)). فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: أَلَيْسَ يَدَّهِنُ أَحَدُنَا بِالبَانِ؟! قَالَ: يَا بُنَيَّ، إِذَا جَاءَ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلَا تَضْرِبْ لَهُ الأَمْثَالَ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون ذكر مناظرة ابنِ عباسٍ لأبي هريرةَ.
[التخريج]: [بز ٨٠٢٦ (واللفظ له)].
[السند]:
قال البزارُ: حدثنا سهل بن بحر، قال: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن
стр. 9413
أبي هريرة، به.
قال -عقبه-: ((ولا نعلمُ أسندَ حماد بن زيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا هذا الحديث)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير محمد بن عمرو بن علقمة، فصدوقٌ له أوهامٌ، كما تقدَّم في الروايةِ السابقةِ.
وقد وَهِمَ في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنِهِ، حيثُ خالفه الزهريُّ، ويحيى بنُ أبي كثير، فروياه عن أبي سلمةَ، أن أبا سفيانَ بنَ سعيدِ بنِ المغيرةِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، فَقَالَتْ: يَا بنَ أُخْتِي، أَلَا تَوَضَّأُ؟ ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) أَوْ قَالَ: ((مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
وهذا أرجحُ كما ذهبَ أبو زرعةَ الدمشقيُّ، وقد بَيَّنَّا هذا بتوسعٍ فيما سبقَ.
стр. 9414
رِوَايَةُ ((عَدَدَ هَذِهِ الحَصْبَاءِ))
• وَفِي رِوَايَةٍ: عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ قال: اجتمعَ أبو هريرةَ وابنُ عباسٍ، فقال ابنُ عباسٍ: ((لَيْسَ فِي طَعَامٍ وُضُوءٌ)). وَقَالَ (١): ((أَكَلَ ابنُ عَبَّاسٍ طَعَامًا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)). قَالَ: فَتَنَاوَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَفًّا مِنْ (حَصْبَاءَ) (٢) فَقَالَ: [سَمِعْتُ] رَسُولَ اللهِ ﷺ عَدَدَ هَذِهِ (الحَصْبَاءِ) (٣) يَقُولُ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون ذكر مناظرة ابن عباس لأبي هريرة. وهذا إسنادٌ معلٌّ، أعلَّه الدارقطنيُّ.
[التخريج]:
[بز ٨٦١٣ (مختصرًا)، ٨٦١٤ (مختصرًا) / طس ٧٢٢، ٢٢٠٩/ سرج ١٧٥٣ (واللفظ له)، ١٧٥٤ (مقتصرًا على المرفوع) / ناسخ ٥٩ (والزيادة له ولغيره) / فقط (أطراف ٥٦٧٦)].
стр. 9415
[التحقيق]:
مداره على يحيى بن أبي كثير، واختُلف عليه في إسنادِهِ ومتنِهِ:
فرواه السراج في (حديثه ١٧٥٣) قال: حدثنا عبيد الله بن جرير، ثنا أبو عمر حفص بن عمر الضرير، ثنا أبو عَوَانة، عن عبيد الله بن الأخنس، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، به.
هذا إسنادٌ رجاله ثقات، غير عبيد الله بن الأخنس، فاحتجَّ به البخاريُّ ومسلمٌ ووَثَّقَهُ جماعةٌ. ولكن ذكره ابنُ حبان في (الثقات ٧/ ١٤٧)، وقال: ((يُخطئُ كثيرًا)).
قلنا: وقد أخطأَ في سندِهِ ومتنِهِ كما سيأتي.
وقال الدارقطنيُّ: ((تَفَرَّدَ به أبو عَوانة عن عبيد الله بن الأخنس عن يحيى. وتَفَرَّدَ به أبو عمر الضرير عنه)) (أطراف الغرائب والأفراد لابن القيسراني ٥٥٨٩).
قلنا: وقد جاءتْ متابعاتٌ لعبيد الله بن الأخنس، ولكن بدون ذكر مناظرة ابن عباس لأبي هريرة:
منها: ما رواه السراج في (حديثه ١٧٥٤)، وابن شاهين في (ناسخ الحديث ٥٩٩) من طريقين عن أبي خلف موسى بن خلف العَمِّي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه جمعَ بيدِهِ حصى، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)).
ورجاله ثقات غير أبي خلف العمي.
قال ابنُ مَعينٍ -في رواية إسحاق بن منصور-: ((ليس به بأس)) (الجرح والتعديل ٨/ ١٤٠).
стр. 9416
وفي رواية ابن الجُنَيْد وابن أبي خيثمة: ((ضعيفُ الحديثِ)) (سؤالات ابن الجنيد ٥٤٩، ٨٥٤)، وانظر: (المجروحين ٢/ ٢٤٨)، و (الكامل ٩/ ٥٤١).
وقال عفان: ((حدثنا أبو خلف موسى بن خلف! ! وأثنى عليه ثناء حسنًا، وقال: ما رأيتُ مثله قط)) (الجرح والتعديل ٨/ ١٤٠).
وقال أحمد بن حنبل: ((كان يُعَدُّ من البدلاء)) (العلل، رواية ابنه عبد الله ٥٨٨٣).
وقال أبو حاتم: ((صالح الحديث)) (الجرح والتعديل ٨/ ١٤٠).
وقال يعقوب بنُ شيبة، والعجليُّ: ((ثقة)) (تهذيب الكمال ٢٩/ ٥٦)، و (معرفة الثقات وغيرهم للعجلي ١٨١٥).
وقال أبو داود: ((ليس به بأس، ليس بذاك القوي)) (سؤالات الآجري ٢٦٧).
وقال ابنُ حِبَّانَ: ((كان رديءَ الحفظِ، يَروي عن قتادةَ أشياء مناكير، وعن يحيى بن أبي كثير ما لا يشبه حديثه، فلما كَثُرَ ضرب هذا في روايته استحق ترك الاحتجاج به فيما خالف الأثبات وانفرد جميعًا)) (المجروحين ٢/ ٢٤٧).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((لا أرى بروايته بأسًا)) (الكامل ٩/ ٥٤٢).
وقال الدارقطنيُّ: ((ليس بالقويِّ، يُعتبرُ به)) (سؤالات البرقاني ٥٠١).
ولَخَّص حاله ابنُ حَجَرٍ، فقال: ((صدوقٌ عابدٌ له أوهامٌ)) (التقريب ٦٩٥٨).
قلنا: الراجحُ في حاله رَدُّ ما ينفردُ به، أو يخالف فيه، وخاصة عن قتادةَ
стр. 9417
ويحيى بنِ أبي كثير، كما بَيَّن ابنُ حِبَّانَ آنفًا.
ومنها: ما رواه البزار (٨٦١٣) قال: حدثنا المنذرُ بنُ الوليدِ الجارُودِيُّ قال: حدثنا أبي، عنِ الحسنِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أيوبَ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَدَدَ هَذَا الحَصَى -لحَصًى فِي يَدِهِ- يَقُولُ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
قال البزارُ: "وهذا الحديثُ لا نعلمُ رواه عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة إلا الحسن بن أبي جعفر، ولم نسمعه إلا من الجارودي عن أبيه".
قلنا: والحسنُ بنُ أبي جعفرٍ هو الجفريُّ، "ضعيفٌ" (التقريب ١٢٢٢)، وقد توبع:
فأخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط ٧٢٢) عن أحمد بن علي الأبار قال: حدثنا علي بن حُجْر المروزي قال: حدثنا عبد العزيز بن الحُصَيْن، عن أيوبَ السَّختياني، عن يحيى، به، مختصرًا.
وقال: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن أيوبَ إلا عبد العزيز بن الحصين والحسن بن أبي جعفر".
قلنا: وعبد العزيز هذا واهٍ، ضَعَّفه الأئمة، وتَرَكه بعضُهم. انظر (اللسان ٥/ ٢٠٢، ٤/ ٢٨).
ومن هذه الطرق عن يحيى:
ما رواه البزارُ في (مسنده ٨٦١٤) عن الجَرَّاح بن مَخْلَد، حدثنا أبو قتيبة، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
стр. 9418
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات إلا أنه منقطعٌ؛ أبو قتيبة -سَلْم بن قتيبة- لم يسمعْ من يحيى، بل لا يكادُ يدركه، وليس بمدلسٍ. فالظاهرُ أنه سقطَتْ من السندِ الواسطةُ بينهما.
وقد رواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٢٢٠٩) عن أحمد بن عبد الكريم الزعفراني العسكري قال: نا الجراح بن مخلد قال: نا أبو قتيبة قال: نا هارون بن موسى النَّحْوي، عن يحيى بن أبي كثير، به، مختصرًا.
ورجالُ إسنادِهِ ثقات عدا شيخ الطبراني، فلم أجدْ له ترجمةً إلا أنه توبع:
تابعه مسكين بن بُكَيْر عن هارونَ به. ذكره الدارقطنيُّ في (العلل ١٣٩٣).
ومسكين بن بكير ((صدوقٌ يُخطئُ)) (التقريب ٦٦١٥).
فتبين من هذا أن الواسطة بينهما هارون بن موسى.
ولكنْ ذَكَر الدارقطنيُّ في (العلل ١٣٩٣) أن أبا قتيبة رواه عن هارون، عن معمر، عن يحيى. ولم نجدْه من هذا الوجهِ.
قلنا: وقد خالف الجميعَ:
علي بن المبارك، كما عند أحمد (٢٦٧٨٢)، وغيره.
وأبان بن يزيد العطار، كما عند أبي داود (١٩٤)، وأحمد (٢٦٧٧٣)، وغيرهما.
وحرب بن شداد، كما عند أحمد (٢٧٤٠٦)، وغيره.
فرواه ثلاثتهم (علي، وأبان، وحرب) عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن أبا سفيانَ بنَ سعيدِ بنِ المغيرةِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، فَقَالَتْ:
стр. 9419
يَا بنَ أُخْتِي، أَلَا تَوَضَّأُ؟ ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) أَوْ قَالَ: ((مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
قلنا: وهذا أرجحُ من رواية عبيد الله بن الأخنس ومَن تابعه؛ لكثرة الأوهام في روايتهم، بخلاف رواية هؤلاء، فإنهم من أصحابِ يحيى المُقدَّمين فيه بعد هشام الدَّسْتُوائي.
قال إسحاقُ بنُ هانئ: ((قلتُ لأبي عبدِ اللهِ -يعني أحمد-: أيما أَحَبُّ إليك في حديث يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام أَحَبُّ إليَّ ممن روى عن يحيى بن أبي كثير. قلت: فحسين المعلم، وحرب بن شداد، وشيبان؟ قال: هؤلاء ثقات. قلت له: فهمام؟ قال: ليس منهم أصح حديثًا ولا أَحَبُّ إليَّ من هشام. قلتُ: فأبان العطار؟ قال: هو مثل همام وشيبان)).
ونَقَل الأثرمُ عن أحمدَ، قال: ((هشامٌ الدستوائيُّ أثبتُ في حديثِ يحيى من معمرٍ)).
وقال أبو زرعةَ الدمشقيُّ: ((سألتُ أحمدَ عن أصحابِ يحيى بنِ أبي كثير، فقال: هشامٌ. قلتُ: ثم مَن؟ قال: أبان. قلت: ثم مَن؟ فذَكَر آخر. قلت: فالأوزاعيُّ؟ قال: الأوزاعيُّ إمامٌ)) (شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٧).
قلنا: وقد ذهبَ الدارقطنيُّ إلى إعلالِ روايةِ ابنِ الأخنسِ ومَن تابعه بوجهٍ آخرَ، فقال -بعد ذِكر روايته ومَن تابعه-: ((وخالفه حسين المعلم وأبان بن يزيد العطار، فروياه عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن المُطلِب بن عبد الله بن حَنْطَب، عن أبي هريرة. وهو أشبه بالصواب)) (العلل ١٣٩٣).
ورواية يحيى عن الأوزاعي، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبي هريرة، به. انظرها في الرواية الآتية.
стр. 9420
رِوَايَةُ المُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ قَالَ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَتَوَضَّأُ مِنْ طَعَامٍ أَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللهِ حَلَالًا؛ لأَنَّ النَّارَ مَسَّتْهُ (مَحَشَتْهُ النَّارُ) (١)؟! فَجَمَعَ أَبُو هُرَيرَةَ حَصًى [بَيْنَ يَدَيْهِ] فَقَالَ: أَشْهَدُ عَدَدَ هَذَا الحَصَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون ذكر مناظرة ابن عباس لأبي هريرة. وهذا إسنادٌ منقطعٌ.
[اللغة]:
المَحْشُ: "احتراق الجلد وظهور العظم" (النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٠٢).
[التخريج]: [ن ١٧٩ (واللفظ له) / كن ٢٢٦/ حم ١٠٨٤٨ (والزيادة له والرواية له) / طح ٣٥١، ٣٥٢ (ولم يَسُقْ متنه)].
[السند]:
أخرجه النسائيُّ قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي، عن حسين المعلم قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول ... فذكره.
ورواه أحمد (١٠٨٤٨) قال: ثنا عبد الصمد، به.