علته إسحاق بن عبد الله"، وقال في موضعٍ آخرَ: "وضعفَ إسنادهُ" (مجمع الزوائد ١٣١٣).
قلنا: وفي الإسناد علة أخرى، وهي المخالفة في رفعه:
فقد أخرجه مالكٌ في (الموطأ، الطهارة ٢٢): عن ضَمْرَةَ بنِ سعيدٍ المَازِنِيِّ، عن أَبَانَ بنِ عثمانَ، ((أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا موقوفًا، وسندُهُ صحيحٌ، فالمرفوعُ عن أبان من مناكيرِ ابنِ أبي فَرْوةَ.
[تنبيه]:
هذا المتنُ الذي ذكره البزارُ مختصرٌ من بعض رواته، ولعلَّه منَ البزارِ أو شيخِهِ؛ فقد رواه أبو يعلى -كما سبقَ (خيرة ٦٢٩/ ٣) - عن إسحاق بن إسماعيل، حدثنا مالك بن إسماعيل بإسنادِهِ إلى عثمانَ، ((أَنَّهُ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَقَالَ: أَكَلْتُ كَمَا أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ).
وهذا السياقُ سبقَ نحوه عند أحمدَ وغيرِهِ من وجوهٍ، كما تقدَّمَ.
стр. 9627
٢٢٣٢ - حَدِيثُ عَائِشَةَ
◼ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي القِدْرَ، فَيَأْخُذُ الذِّرَاعَ مِنْهَا فَيَأْكُلُهَا، ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَا يَتَوَضَّأُ [وَلَا يُمَضْمِضُ])).
وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ بِالقِدْرِ، فَيَأْخُذُ العَرَقَ، فَيُصِيبُ مِنْهُ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً)).
[الحكم]: معلٌّ من حديثِ عائشةَ، وأعلَّه البخاريُّ.
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [حم ٢٦٢٩٧ (واللفظ له) / تخ (٦/ ٤٠٨) (مختصرًا) / سعد (١/ ٣٣٧) (والزيادة الأولى له ولغيره) / عد (٨/ ٤٧٥)].
تخريج السياقة الثانية: [حم ٢٥٢٨٢ (واللفظ له) / عل ٤٤٤٩/ ش ٥٥٠/ بز (١٨/ ٢٢٦/ ٢٣٥) / هق ٧٢٨/ شعب ٥٤٤٠/ أصم ٤٢٠/ صاعد (الرابع من حديثه/ عمرية ٤٠ ق ٢٩١/ب) / أنباري (منتقى ق ١٥٨/ب)].
[التحقيق]:
له بهذه السياقة طريقان:
الطريق الأول: أخرجه أحمدُ (٢٦٢٩٧) وابنُ سعدٍ، عن عُبيدة بن حُميد، قال: حدثني عبد العزيز بن رُفَيْع، عن عكرمة، قال: قالتْ عائشة ... فذكره، وزاد فيه ابنُ سعدٍ: "ولا يمضمض"، ولم يذكرا الزيادة الثانية.
وهذا ظاهره يُشعر بعدم سماع عكرمة له من عائشة؛ ولذا أعلَّه محققو المسند بالانقطاع، وليس كذلك، فقد صرَّحَ بسماعه منها كما سيأتي، وعلى
стр. 9628
كل فهو متابع:
فأخرجه أحمدُ (٢٥٢٨٢)، وابنُ أبي شيبة (٥٥٠) -وعنه أبو يعلى (٤٤٤٩) - قالا -والسياقُ لأحمدَ-: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رُفَيْع، عن عكرمة وابن أبي مُلَيْكة (١) عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ بِالقِدْرِ، فَيَأْخُذُ العَرَقَ، فَيُصِيبُ مِنْهُ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً)).
وأخرجه الأصمُّ -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى والشُّعَب) - والأنباري، من طريق جعفر بن محمد بن شاكر، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، ثنا زائدة، حدثنا عبد العزيز بن رُفَيْع، عن عكرمة وعبد الله بن أبي مُلَيْكة، قالا: سمعنا عائشة تقول: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ عَلَى القِدْرِ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا العَرَقَ فَيَأْكُلُ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَمَا يُمَضْمِضُ وَمَا يَتَوَضَّأُ))، وعند البيهقيِّ في (الكبرى): ((وَلَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يُمَضْمِضُ)).
وأخرجه البزار (١٨/ ٢٢٦/ ٢٣٥) عن أحمد بن منصور بن سيار، قال: حدثنا ابن يعلى، به بلفظ: ((صَارَ إِلَى قِدْرٍ فَأَخَذَ مِنْهَا عَرَقًا فَأَكَلَ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الصَّلَاةِ فَمَا تَوَضَّأَ، وَتَمَضْمَضَ)).
كذا وقعَ فيه: (فَمَا تَوَضَّأَ، وَتَمَضْمَضَ)، بإثبات المضمضة!
وهو خلافُ ما رواه جعفر عن ابن يعلى، وجعفر وابن سيار ثقتان حافظان!
стр. 9629
فإما أنه سقط من نسخة البزار لفظة "ما" أو "لا".
وإما أنه من المتون التي وَهِم فيها البزارُ كما ذكرناه عن الدارقطنيِّ في مواضع أخرى.
وعَلَّقه البخاريُّ في (التاريخ) عن ابنِ مهدي، عن زائدة به بلفظ: ((أَكَلَ لَحْمًا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
فمداره عندهم على ابن رفيع، وهو ثقة من رجال الشيخين، وشيخاه ثقتان من رجال الصحيح، وخرَّجَ الشيخان لابنِ أبي مليكةَ عن عائشةَ، وخرَّج البخاريُّ لعكرمةَ عن عائشةَ.
ولذا قال الذهبيُّ: "سندُهُ صحيحٌ" (المهذب اختصار السنن الكبير للبيهقي ١/ ١٥٧).
وقال الهيثميُّ: "رواه أحمدُ، وأبو يعلى، والبزارُ، ورجاله رجال الصحيح" (المجمع ١٣٣٢).
وقال البوصيريُّ: "ورواته ثقات" (إتحاف الخيرة المهرة ١/ ٣٦٥).
وقال الألبانيُّ: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ غاية، وعلى شرط الشيخين، والعجبُ كيف لم يخرجه الحاكمُ مُستدرِكًا إيَّاه على الشيخين؟ ! " (السلسلة الصحيحة ٣٠٢٨).
قلنا: وهو كما قالوا، ولكنه معلٌّ سندًا ومتنًا:
أعلَّه البخاري، فقال: "هذا لا يصحُّ؛ لأن أيوبَ وسِماكًا وعاصمًا رووه عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ .
وقال الليثيُّ: حدثني عقيل، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني
стр. 9630
سعيد بن خالد، سمع عروة، سمع عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ))، وهذا أصحُّ" (التاريخ الكبير ٦/ ٤٠٨).
وأقرَّه الذهبيُّ في (الميزان ٣/ ٢٣٤).
وفي هذا الكلام إعلال لهذا الحديث بأمرين:
الأمر الأول: أن الصوابَ عن عكرمةَ ما رواه أيوبُ ومَن تابعه، فأسندوه عن ابنِ عباسٍ، وليس عن عائشة، وقد سبقَ.
الأمر الثاني: أن المحفوظَ عن عائشةَ في هذا البابِ حديث ((تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ))، وهذا الحديثُ قد أخرجه مسلم (٣٥٣) من طريق عروةَ عن عائشةَ كما تقدَّم.
الطريق الثاني: رواه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٨/ ٤٧٥ - ٤٧٦) قال: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، ثنا أحمد بن المقدام، ثنا عُبيد بن القاسم، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَيَّ وَأَنَا أَطْبُخُ القِدْرَ، فَيَقُولُ: «نَاوِلِينِي»، فَأُنَاوِلُهُ القِطْعَةَ فَيَأْكُلُهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً)).
وقال ابنُ عَدِيٍّ -عقب هذا الحديث وآخر قبله-: "وهذان الحديثان مع أحاديث أُخر يرويها عُبيد بن القاسم، عن هشام بن عروة- ليس هي بمحفوظة".
ذكره في ترجمة عبيد بن القاسم، وروى عن ابنِ مَعِينٍ أنه قال: "عبيد بن القاسم الأسدي كان يكون في مسجد الجامع، وكان له هيئة، وكان كذَّابًا"، وفي ترجمته من (التقريب ٤٣٨٩) قال الحافظُ: "متروكٌ، كذَّبه ابنُ مَعِينٍ، واتَّهمه أبو داود بالوضعِ".
стр. 9631
رِوَايَةُ: أُتِيَ بِخُبْزٍ
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَلَمْ تَمَسَّ مَاءً؟! قَالَ: ((أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الأَطْيَبَيْنِ الخُبْزِ وَاللَّحْمِ؟!)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السياقِ. وأعلَّه البخاريُّ والعقيليُّ. وتَرْك الوضوء من الخبز واللحم ومما مست النار عامة- ثابتٌ صحيحٌ بما سبقَ.
[التخريج]: [تخ (٦/ ٤٠٨) (معلقًا مختصرًا) / عق (٣/ ١٦٨)].
[السند]:
علَّقه البخاري في (التاريخ الكبير) عن مَرْوان بن معاوية، عن عِمران بن أوس بن ضَمْعَج، عن أبيه، سمع أباه، عن عائشةَ، ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)). هكذا مختصرًا.
وأخرجه العقيليُّ في (الضعفاء) قال: حدثناه محمد بن إسماعيل قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا عِمران بن أوس بن ضمعج، عن أبيه، عن عائشة ... به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ ضعيفٌ؛ فيه: عِمران بن أوس، ترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٦/ ٤٠٨)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٦/ ٢٩٣)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، غير أن البخاريَّ أشارَ إلى أن حديثَه هذا معلولٌ بحديثِ عائشةَ في الوُضُوءِ مما مسَّت النار. وقد سبقَ كلامه.
стр. 9632
ونَقَلَ العُقيليُّ عن البخاريِّ أنه قال: "عمران بن أوس بن ضمعج عن أبيه، ولا يتابعُ عليه، ولا يتبين سماعه من عائشة".
ثم قال العقيليُّ: "وفي ترك الوضوء مما مست النار أحاديث بأسانيد جياد" (الضعفاء للعقيلي).
قلنا: عمران ذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩٨٦٠).
وقول البخاريِّ: "ولا يتبينُ سماعه من عائشة" يعني سماع أبيه: أوس بن ضمعج.
وتنزيل هذا الحكم على هذه الرواية فيه إشكال؛ لأن أوسًا من كبارِ التابعين، وقد سمع من عائشة كما نصَّ عليه البخاريُّ نفسُه في ترجمته من (التاريخ ٢/ ١٧)، ولا يُعْرَف أوس بتدليس.
والظاهر أن عبارةَ البخاريِّ التي رواها العقيليُّ مُنَزَّلةً على ما أسندَهُ البخاريُّ في ترجمةِ أوسٍ منَ (التاريخ ٢/ ١٧) قائلًا: قال لي علي: حدثنا مَرْوان، عن عمران بن أوس بن ضمعج الحضرمي، سمعَ أباه: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَ عَائِشَةَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
فهذه الروايةُ ظاهرها الإرسال، وهي التي ينطبق عليها قول البخاري: "ولا يتبين سماعه من عائشة"، فتنبه، وإن كان هذا هو المحفوظ عن مَرْوان، فقد خالف أبا معاوية في وصله وأرسله، وهذه علةٌ أخرى لهذا الطريق. والله أعلم.
وانظر ما سطرناه عقب الرواية السابقة.
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرًا
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ جَابِرٍ ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: ضعيف
[التخريج]: [حم ١٥٠٨٠ (واللفظ له) / عيينة (حرب/ الأول ٩٦) / كم (صـ ٨٦) / ك (تاريخ - مغلطاي ٢/ ٤٥) / عد (٧/ ٨٢) / هق ٧٣١/ شهرزوري (ق ١٨٨/ب) / جوزى (ناسخ ٤٧)].
[التحقيق]:
له أربعة طرق عن جابر:
الطريق الأول: رواه أبو داود في (السنن ١٩٠) قال: حدثنا إبراهيم بن الحسن الخَثْعَمي، حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر، قَالَ: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يَقُولُ: ((قَرَّبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُبْزًا وَلَحْمًا فَأَكَلَ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
ورواه أحمد (١٤٤٥٣) قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جُرَيجٍ، ومحمد بن بكر، حدثنا ابن جُريجٍ، أخبرني محمد بن المنكدر، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، ذَكَرَهُ، وَزَادَ: ((ثُمَّ دَخَلْتُ مَعَ عُمَرَ، فَوُضِعَتْ لَهُ هَاهُنَا جَفْنَةٌ فِيهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَهَاهُنَا جَفْنَةٌ فِيهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَأَكَلَ عُمَرُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
стр. 9641
وهذا إسناده رجاله ثقات، ولكن شَكَّكَ ابنُ عيينةَ في سماعِ ابنِ المنكدرِ هذا الحديث من جابرٍ.
فروى عنه أحمدُ (١٤٢٩٩) أنه قال: ((سمعتُ ابنَ المنكدرِ غير مرة يقولُ: (عن جابرٍ) وكأني سمعتُه مرة يقولُ: (أخبرني مَن سمعَ جابرًا) وظننته سمعه من ابنِ عقيلٍ)).
وقال البخاريُّ: ((ثنا علي بن المديني قال: قلتُ لسفيانَ: إن أبا علقمة الفَرْويَّ روى عن ابن المنكدر، عن جابر، أن النبيَّ ﷺ أَكَلَ لحمًا ولم يَتَوَضَّأْ. فقال: أحسبني سمعتُ ابنَ المنكدرِ قال: أخبرني مَن سمعَ جابرًا)) (التاريخ الأوسط ٢/ ٢٢٨)، وانظر (التلخيص ١/ ١١٦).
وبهذا جزمَ الشافعيُّ وأحمدُ والبخاريُّ:
فقال الشافعيُّ: ((لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر)) (معرفة السنن والآثار ١/ ٢٥٠).
وكذا قال الإمامُ أحمدُ: ((محمد بن المنكدر لم يسمعْه من جابر، إنما هو حديث محمد بن عقيل عن جابر، رواه ابنُ المنكدر عن ابن عقيل عن جابر)) (المسائل، برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٩/ ٢١٩٥).
وقال البخاريُّ -عقب كلام ابن عيينة السابق-: ((وقال بعضُهم: عن ابن المنكدر: سمعتُ جابرًا. ولا يصحُّ)) (التاريخ الأوسط ٢/ ٢٢٨).
وقال البيهقيُّ: ((وهذا الذي قاله الشافعيُّ محتمل؛ وذاك لأن صَاحِبَيِ الصحيح لم يُخرجا هذا الحديث من جهة محمد بن المنكدر عن جابرٍ في الصحيح، مع كون إسناده من شرطهما. ولأن عبد الله بن محمد بن عقيل قد رواه أيضًا عن جابر، ورواه عنه جماعةٌ، إلا أنه قد رُوِي عن حَجاج بن
стр. 9642
محمد، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ المنكدرِ قال: (سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ) فذكروا هذا الحديث.
فإن لم يكن ذِكر السماع فيه وهمًا من ابنِ جُرَيجٍ فالحديثُ صحيحٌ على شرطِ صَاحِبَيِ الصحيح. والله أعلم)) (معرفة السنن والآثار ١/ ٢٥٠).
قلنا: ذِكرُ السماعِ وهمٌ من ابنِ جُرَيجٍ؛ وذلك لِما رواه غيرُ واحدٍ عن ابنِ المنكدرِ، بلفظ العنعنة، ولم يذكروا سماعًا، خِلافًا لابنِ جُرَيجٍ، وهم:
١ - مَعْمَر بن راشد، كما عند عبدِ الرَّزَّاقِ (٦٤٦)، وابنِ حِبَّانَ (١١٢٧)، وغيرهما.
٢ - رَوْح بن القاسم، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٣٤)، وابنِ الأعرابي في (معجمه ٩١٥)، وغيرهما.
٣ - جرير بن حازم، كما عند أبي يعلى في (مسنده ٢١٦٠)، وابنِ حِبَّانَ في (صحيحه ١١٣٣، ١١٤١).
٤ - أيوب السَّختياني، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٣٢)، وغيره.
٥ - عبد الوارث بن سعيد، كما عند الحارث بن أبي أسامة (بغية الباحث ٩٩).
٦ - أبو علقمة الفروي، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٣٠)، وغيره.
٧ - علي بن زيد، كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف ٥٢٥)، وغيره.
٨ - سهيل بن أبي صالح، كما عند ابنِ عَدِيٍّ في (الكامل ٦/ ٤٠٣)، والبيهقيِّ في (معرفة السنن ١٤٤٣٩).
٩ - عبد العزيز بن أبي سلمة، كما عند أبي بكر الأثرم في (سننه ١٥٧)،
стр. 9643
وغيره.
١٠ - يونس بن عُبيد، كما عند الطبرانيِّ في (الأوسط ٤٩٧٤)، وغيره.
١١ - قَزَعة بن سُويد، كما عند أبي بكر الشافعي في (الغيلانيات ٦٩٠)، وغيره.
فرووه -أحد عشرتهم- وغيرهم عن محمد بن المنكدر عن جابر. هكذا معنعنًا خلافًا لرواية ابنِ جُرَيجٍ المتقدمة. ورواية الواحد أدعَى للوهم من رواية الجماعة.
وقد كان الأئمة أحمد بن حنبل وغيره يستنكرون كثيرًا من السماعات في الأسانيد لتطرق الوهم إليها.
قال ابنُ رجبٍ الحنبليُّ: ((كان أحمدُ يستنكرُ دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ. يعني ذكر السماع)) (شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣).
قال ابنُ رجبٍ -معقبًا-: ((وحينئذٍ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يُغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد! فقد ذَكر ابنُ المديني أن شعبةَ وجدوا له غير شيء يَذكر فيه الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعًا)).
قلنا: ومما يؤكِّدُ وهمَ ابنِ جُرَيجٍ في ذكر السماع- ما رواه أبو زرعةَ الدمشقيُّ في (تاريخه ١٠٥٨، ١٧٥٥) قال: ((حدثني علي بن عياش قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال: مشيت بين الزهري ومحمد بن المنكدر في الوضوء مما مسَّت النار، وكان الزهريُّ يراه، فاحتجَّ الزهريُّ بأحاديثَ -قال: - لم أزل أختلف بينهما حتى رجعَ ابن المنكدر إلى قول الزهري)).
فها هو ابنُ المنكدرِ يرجعُ إل مذهبِ الزهريِّ في الوضوء مما مسَّت النار. فلو كان عنده عن صحابيٍّ غير ذلك لأخذَ به، وما ساغَ له الأخذُ
стр. 9644
بمذهبِ تابعيٍّ وترك سنة رسول الله ﷺ . ولا يقالُ: إنه نَسِي. لبعد احتمالية ذلك. والله أعلم.
وبمثل هذا أعلَّه مغلطاي، فقال: ((وفي الحديثِ علةٌ خفيتْ على مَن صَحَّحَهُ، ذَكَرها البخاريُّ في (التاريخ الأوسط) فقال: ثنا علي: قلت لسفيان: إن أبا علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر عن جابر: ((أكل النبي ﷺ ولم يتوضأ)). فقال: أحسبني سمعت ابن المنكدر قال: أخبرني من سمع جابرًا: ((أَكَل النبي ... ) وقال بعضهم عن ابن المنكدر: سمعت جابرًا. ولا يصح فهذا حكم فيه بعدم صحته متصلًا، وإن كان قد صرح في (التاريخ الكبير) بسماعه من جابر.
ولا منافاة بين القولين؛ لاحتمال أن يكون ظَهَر له أنه لم يسمع هذا منه بخصوصه، وإن كان قد سمع منه غيره كما قاله، لما سأله الترمذيُّ عن حديث ابن عباس: ((الشاهد واليمين)). قال: لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من ابن عباس مع تصريحه بسماعه من ابن عباس غير ما حديث.
وما ذكره الشافعيُّ إثر رواية له في سنن حرملة، عن عبد الحميد بن عبد العزيز، عن ابنِ جُرَيجٍ مختصرًا، قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عَقيل عن جابر.
قال البيهقيُّ: "وهذا الذي قاله الشافعي محتمل؛ وذلك لأن صَاحِبَيِ الصحيح لم يُخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابرٍ في الصحيح، مع كون إسناده من شرطهما. ولأن ابن عقيل قد رواه أيضًا عن جابر، ورواه عنه جماعة، إلا أنه قد روى عن حجاج بن محمد، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ المنكدرِ، وقال: سمعتُ جابرًا. فذكروا هذا الحديث. فإن لم يكن ذِكر السماع فيه وهمًا من
стр. 9645
ابنِ جُرَيجٍ فالحديثُ صحيحٌ على شرطِ صاحبي الصحيح. والله أعلم". انتهى كلامه.
وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعيُّ، وركون إلى قولِ مَن صرَّحَ بالسماعِ، وذهول عن قول الجُعْفي- رحمهم الله تعالى-.
ويَزيده وُضوحًا أيضًا: رجوع ابن المنكدر عن هذا الرأي إلى غيره!
ذَكَر أبو زرعةَ الدمشقيُّ -في (تاريخه) عن شعيب بن أبي حمزة- أن الزهريَّ نَاظَرَ ابنَ المنكدرِ، فاحتجَّ ابنُ المنكدرِ بحديثِ جابرٍ، واحتجَّ الزهريُّ بحديثِ عمرو بنِ أمية في الوُضُوءِ مما مسَّت النار. قال: فرجعَ ابنُ المنكدرِ عن مذهبه إلى مذهبِ الزهريِّ.
ولقائلٍ أن يقولَ: لو أخذه ابنُ المنكدرِ عن جابرٍ شفاهًا، لَمَا رجعَ عنه ولا ساغَ له ذلك، ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيفة رجع عنه مسرعًا)). انظر (شرح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٣ - ٤٥).
قلنا: قد جاءتْ متابعةٌ لابنِ جُرَيجٍ على ذكرِ السماعِ، ولكنها ضعيفةٌ لا تَثبتُ، وفي متنها نكارةٌ، وهي ما رواه أبو يعلى في (مسنده ٢٠٩٨) قال: حدثنا محمدُ بنُ بَكَّارٍ، حدثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: سألتُ محمدَ بنَ المُنْكَدِرِ عنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ((أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بَعْدَ وُضُوئِهِ الأَوَّلِ. ثُمَّ أَكَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. ثُمَّ أَكَلْتُ مَعَ عُمَرَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. ثُمَّ أَكَلْتُ مَعَ عُثْمَانَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ أبو مَعْشَر نَجيح بن عبد الرحمن ((ضعيفٌ، أَسَنَّ واختلطَ)) (التقريب ٧١٠٠).
стр. 9646
قلنا: ومع ضَعْفِهِ، ففي روايته نكارة؛ حيثُ ذَكَرَ أن النبيَّ ﷺ لم يَتَوَضَّأْ في المرةِ الأُولى. وهذا مخالفٌ لروايةِ ابنِ جُرَيجٍ ومَن تابعه على أن النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ للأُولى، ولم يَتَوَضَّأْ للثانيةِ.
وكذا زادَ فيه عثمان ﵁، ولم يُتابَعْ على ذلك إلا من طريقٍ ضعيفٍ.
من ذلك ما رواه ابنُ أبي شيبةَ (٥٢٥) قال: حدثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ زيدٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: ((أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَصَلَّوْا وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علي بن زيد بن جُدْعان ((ضعيف)) (التقريب ٤٧٣٤).
قال ابنُ حَجَرٍ: ((ومن هذا الوجه رواه أبو يعلى في مسنده، وعلي بن زيد سيئ الحفظ)) (تغليق التعليق ٢/ ١٣٨).
قلنا: بقي إشكال على رواية ابن المنكدر بعد ترجيح عدم سماعه من جابر، وإنما أخذه من ابن عقيل- هو أن بعضَ الرواةِ روى الحديثَ، فجَمَع بين ابن المنكدر وابن عقيل، كما في
الطريق الثاني: وهو ما رواه ابنُ أبي عمر العدنيُّ كما في (إتحاف الخيرة المهرة) -وعنه الترمذيُّ في (جامعه)، و (الشمائل)، ومن طريقه البغويُّ في (شرح السنة) - قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله.
قال: وحدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، به.
стр. 9647
ورواه ابنُ ماجه في (السنن) عن محمد بن الصَّبَّاح، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر وعمرو بن دينار وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، به. فزاد فيه: ((عمرو بن دينار)).
هكذا رواه ابنُ أبي عمرَ العدنيُّ، فقرَنَ في روايته ابن عقيل بابن المنكدر، وكذا تابعه محمد بن الصباح، وزاد: ((عمرو بن دينار)).
وتابع العدني: إسحاق بن أبي إسرائيل، كما عند أبي يعلى في (مسنده ٢٠١٧).
وهارون بن إسحاق، كما عند الطوسي في (مستخرجه ٦٧).
وتابع ابن الصباح على ذكر عمرو بن دينار- الحميدي، كما عند الحاكم في (معرفة علوم الحديث، صـ ٨٦).
قلنا: وهذه الروايات وإن كان رواتهما في الظاهر ثقات، فإن غيرَهم ممن هم أوثقُ منهم قد فَصَّلوا وبَيَّنوا، كما فعلَ الإمامُ أحمدُ، حيثُ رواه في (المسند ١٤٢٩٩) فقال: حدثنا سفيان: سمعتُ ابنَ المنكدرِ غير مرة يقولُ: (عن جابرٍ) وكأني سمعتُه يقولُ: (أخبرني مَن سمعَ جابرًا) فظننته سمعه من ابن عَقيل. ابنُ المنكدرِ، وعبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عَقيلٍ، عن جابرٍ، ((أن النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ)).
فأبانَ الإمامُ في روايتِهِ أنَّ ابنَ عيينةَ حَدَّثَ به غير مرة عن ابنِ المنكدرِ عن جابرٍ، ثم تبينَ لابنِ عيينةَ -بَعْدُ- أنَّ ابنَ المنكدرِ سمعه من ابن عَقيل عن جابرٍ.
ولعلَّ مَن جَمَع بين ابنِ المنكدر وابن عَقيل لم يسمع من ابن عيينة غيره، فروى ما سمع. ومَن فَصَّلَ وبَيَّن حجة على مَن رَوى بدون تفصيل.
стр. 9648
وروايةُ الحميديِّ -المتقدمة عند الحاكم- لا تصحُّ؛ إذ الحديثُ في (مسند الحميدي ١٣٠٣) قال: ثنا سفيان، قال: ثني عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله، به.
ومسند الحميدي من رواية بِشْر بن موسى، وليس فيه إلا ابن عقيل، فلم يذكر ابن المنكدر ولا عمرو بن دينار.
ولا يقال: إنها صحيحة بمتابعة محمد بن الصباح لها.
لأن المحفوظَ في رواية ابن عيينة عن عمرو عن جابرٍ هو وقفُ الحديثِ على أبي بكرٍ، فقال جابر ﵁: ((أَكَلَ أَبُو بَكْرٍ خُبْزًا وَلَحْمًا)).
هكذا رواه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٦٧) عن يونس بن عبد الأعلى وإبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة، به.
ويونس وابن بشار كلاهما ثقة، وقد توبع ابن عيينة عليه:
تابعه: ابنُ جُرَيجٍ، كما عند عبد الرزاق في (المصنف ٦٥٤).
ومعمر والثوري، كما عند عبد الرزاق في (المصنف ٦٥٥).
وحماد بن سلمة، كما عند ابنِ المنذرِ في (الأوسط ١١٢)، وغيره.
كما أن محمد بن الصباح جاءت رواية عنه مفردة بذكر ابن المنكدر وحده لم يذكر ابن عقيل ولا عَمْرًا. هكذا رواه مسعود بن الحسن الأصبهاني في (عروس الأجزاء ٢١) من طريق أبي العباس السراج، عن ابن الصباح، به.
الطريق الثالث: رواه الطيالسيُّ (١٨٦٥) عن شيخه بكار الليثي، عن أبي الزبير، عن جابر، وقال فيه بكار: "وأحسبه قد ذكر عثمان".
وبكار هذا هو بكار بن يحيى الليثي كما نسبه الحربيُّ في (المجالسة
стр. 9649
وجواهر العلم ١/ ٤٧٠)، ولم نجدْ له ترجمةً.
وقد توبع بكار: كما رواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٧٨٩٧) قال: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا الخضر بن آدم المروزي، حدثنا الجارود بن يزيد، عن عبد الله بن زياد بن سَمْعان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: ((مَشَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ... )) الحديث.
وسندُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ابن سمعان ((مُجْمَع على ضَعْفِهِ وتَرْكه)) (ديوان الضعفاء ٢١٧٣). والراوي عنه: الجارود ((متروك)) انظر (لسان الميزان ٢/ ٤١٠).
قلنا: والمحفوظُ عن أبي الزبير روايته عن جابرٍ قال: ((أَكَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَفِي يَدِهِ عَرَقٌ يَتَمَشَّشُهُ (١)، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه البغويُّ في (الجعديات ٢٦١٥) من طريق زهير، عن أبي الزبير، به.
وتابع زهيرًا:
هُشيم بن بَشير، كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف ٥٣٦).
وهشام الدَّسْتُوائي، كما عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٦٧).
وحماد بن سلمة، كما عند ابن المنذرِ في (الأوسط ١١٢)، وغيره.
стр. 9650
الطريق الرابع: رواه الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٤٥) قال: ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، ثنا بشر بن محمد القاري، ثنا ابن المبارك، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، به مختصرًا.
وهذا إسنادٌ غريبٌ، انفردَ به بِشر بن محمد وهو المروزيُّ، روى له البخاريُّ في (صحيحه)، وترجم له في (التاريخ الكبير ٢/ ٨٤)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٢/ ٣٦٤) بروايته عن ابن المبارك، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ١٤٤) على قاعدته المعروفة. فالراجحُ جهالة حاله، كما أن انفراده بمثل هذا الطريق الصحيح يُعَد منكرًا.
قلنا: هذه طرقُ الحديثِ، ولا يَثبتُ منها طريقٌ!
إذ إن طريقَ ابن المنكدر يرجع إلى ابن عقيل، وابن عقيل يضعفه الجمهورُ، وقد اضطربَ في متنه كما سيأتي.
وأما طريقا أبي الزبير وعمرو بن دينار فشاذان لا يصحان، إنما روياه عن جابر عن أبي بكر قوله.
ومع هذا فقد صَحَّحَ الحديثَ ابنُ حِبَّانَ، والنوويُّ في (المجموع ١/ ٥٣٣)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ٣٤٧)، وبدرُ الدينِ العينيُّ في (نخب الأفكار ٢/ ٢٤، ٤٣).
وقال ابنُ سيدِ الناسِ: ((فرجالُ هذا الخبر عند الترمذي رجال الصحيح، بمتابعة ابن المنكدر ابن عقيل، وقد رُوي من غير وجه، وثبتت له شواهد في الصحيح عن غير جابر، فلا مانع من القول بصحته)) (النفح الشذي ٢/ ٢٤١).
стр. 9651
وقال الحافظُ: ((ويشيد أصل حديث جابر ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث: قلتُ لجابرٍ: الوُضُوءُ مما مسَّت النَّارُ؟ قال: لَا)) (التلخيص ١/ ١١٦)، وصَحَّحَهُ في (موافقة الخبر الخبر ١/ ٩٠).
[تنبيه]:
ذَكَر مغلطاي تصحيحَ الجورقانيِّ هذا الحديث عقب رواية العدني المفصلة المطولة (شرح ابن ماجه ٢/ ٤١).
وتصحيح الجورقاني في (الأباطيل ٣٣٧) إنما جاء عقب رواية شعيب بن أبي حمزة المختصرة، وسيأتي ذكرها في باب مستقل.
стр. 9652
رِوَايَةُ: زَارَ عَمْرَةَ امْرَأَةَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَارَ عَمْرَةَ امْرَأَةَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فَذَبَحَتْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ شَاةً، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ)).
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]: [هقع ١٤٤٤٢].
[السند]:
قال البيهقيُّ: أخبرنا علي بن أحمد بن عَبْدَانَ، أخبرنا أحمد بن عُبيد الصَّفَّار، حدثنا إسماعيل بن أبي إسحاق، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا سعيد بن سلمة المدني، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: ابنُ المنكدرِ لم يسمعْه من جابرٍ كما تقدَّمَ قريبًا.
العلةُ الثانيةُ: سعيد بن سلمة المدني مختلفٌ فيه، ولخَّصَ حالَهُ الحافظُ فقال: ((صدوقٌ صحيحُ الكتابِ، يخطئُ من حفظه)) (التقريب ٢٣٢٦).
قلنا: وقد انفردَ سعيدٌ بذكرِ المرأة. وقد تقدَّمتْ رواية ابن عيينة وغيره عن ابن المنكدر فلم يسموها.
стр. 9653
رِوَايَةُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ إِلَى أَهْلِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَهْلِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَكَلْنَا خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَمَا مَسَّ أَحَدٌ مِنَّا وُضُوءًا.
وَانْصَرَفْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي وِلَايَتِهِ مِنَ المَغْرِبِ، فَابْتَغَى عَشَاءً، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَاهُنَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاةُ وَقَدْ وَلَدَتْ. فَحَلَبَهَا وَطَبَخَ لَنَا لُبَّاءً، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ فَصَلَّى بِنَا، وَمَا مَسَّ مَاءً وَلَا مَسَسْتُ. وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رُبَّمَا جَفَنَ لَنَا فِي وِلَايَتِهِ، فَأَكَلْنَا الخُبْزَ وَاللَّحْمَ، فَيَخْرُجُ فَيُصَلِّي وَنُصَلِّي مَعَهُ، وَمَا يَمَسُّ أَحَدُنَا وُضُوءًا)).
[الحكم]: ضعيف.
[التخريج]: [زرعة ١٧٥٤ (مختصرًا) / عتب (صـ ٥٠) (واللفظ له) / تمهيد (٣/ ٣٣٤)].
[السند]:
قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: أخبرنا أحمد بن عبد الله، وأحمد بن سعيد قالا: حدثنا مَسْلَمة (١) بن القاسم قال: حدثنا أبو الحسن العباس بن محمد الجوهري ببغداد قال: حدثنا عمي القاسم بن محمد قال: حدثنا سعيد بن منصور (٢)
стр. 9654
قال: حدثنا فُلَيْح بن سليمان قال: سَأَلْنَا الزُّهْرِيَّ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، فذَكَر فيه عن أبي هريرة، وخارجة بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، ... وغيرهم- أنَّهم كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ. فقلتُ له: إن ها هنا شيخًا من قريشٍ، يقال له عبد الله بن محمد بن عقيل ... الحديث.
ورواه الحازميُّ في (الاعتبار) من طريق سعيد بن منصور، عن فُلَيْح، به.
ورواه أبو زرعةَ الدمشقيُّ في (تاريخه ١٧٥٤) عن سعيد بن منصور، عن فُلَيْح مختصرًا، قال: ((إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ طَعَامًا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
ومداره عند الجميع على فُلَيْح بن سليمان، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: ابنُ عَقيل، الجمهورُ على تضعيفه، كما سبقَ وبيَّنَّا مِرارًا.
العلةُ الثانيةُ: فُلَيْحُ بنُ سليمانَ، وإن كان من رجال الشيخين، غير أنه ضعيفٌ، قال ابنُ حَجَرٍ: ((صدوقٌ كثير الخطأ)) (التقريب ٥٤٤٣).
وَأَكَلَ القَوْمُ مَعَهُ، ثُمَّ نَهَضَ فَصَلَّى بِنَا العَصْرَ، وَمَا مَسَّ مَاءً وَلَا أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ.
[التخريج]: [حم ١٥٠٢٠].
[السند]:
أخرجه أحمدُ قال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال ... فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: عبد الله بن محمد بن عقيل، الجمهورُ على تضعيفه، كما سبقَ مِرارًا.
العلةُ الثانيةُ: أن ابنَ عَقيلٍ قدِ اضطربَ في متنِ هذه الروايةِ.
وذلك يتضحُ بما يلي:
الأمر الأول: أن شطرَ الحديثِ الأولِ في قصةِ ابنتي سعد بن الربيع- رواه جماعةٌ عنه بلفظ:
((جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا، وَلَا يُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ! !
стр. 9657
قَالَ: فَقَالَ: «يَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ».
قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَمِّهِمَا، فَقَالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ»)).
رواه أحمدُ (١٤٧٩٨)، والترمذيُّ (٢٢٢٣) من طريقِ عُبيدِ اللهِ بنِ عَمرٍو الرَّقيِّ.
وأبو داود (٢٨٧٩) من طريقِ داودَ بنِ قَيسٍ وغيرِهِ.
وابنُ ماجهْ (٢٧٣٠) من طريقِ ابنِ عيينةَ.
فرواه ثلاثتُهم عن ابن عقيل عن جابرٍ، به.
وخالفهم ابنُ إسحاقَ، فرواه عن ابنِ عَقيلٍ عن جابرٍ بهذه القصةِ المطوَّلةِ، وهي تقسيم الميراث، ولا يقالُ بتعدد القصتين لاتِّحَادِ المخرجِ. والله أعلم.
الأمر الثاني: -وهو المتعلق بموضع الشاهد- أنه قد زاد فيه: ((ثُمّ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ))، فنصَّ في هذه الروايةِ على أن وضوءَهُ ﷺ أول الأمر كان منَ الحَدَثِ وليس من الأَكْلِ.
والرواياتُ السابقةُ كلُّها مطلقة ما خلا رواية ابنِ حِبَّانَ (١١٣٣) التي قال فيها: ((ثُمَّ قَالَ (١) تَحْتَ الصُّورِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ تَوَضَّأَ)).
أخرجها من طريق وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
ورجالها ثقات، ولكن انفرد بذكرها جرير بن حازم، فلم يذكرها أحدٌ
стр. 9658
ممن رَوى الحديثَ عن ابنِ المنكدرِ كما سبقَ، وذَكَرنا روايتهم قريبًا؛ ولذا فهي رواية شاذة.
فذِكْرُ البولِ هنا أيضًا شاذٌّ، بل منكرٌ، ولعلَّه من أوهامِ ابنِ إسحاقَ وليس ابن عقيل؛ لأن ابنَ عيينةَ وغيرَهُ قد رَوى الحديثَ عن ابنِ عَقيلٍ، فلم يَذكرِ البولَ. رواه الترمذيُّ (٨٠)، وغيره، كما سبقَ.
كما أن روايةَ ابنِ عيينةَ ومَن تابعه لم تُسَمَّ فيها المرأة.
وهذا يرجحُ أن هذه الزيادات من أوهام ابنِ إسحاقَ، وليس ابن عقيل. والله أعلم.
الأمر الثالث: اضطرابُه في ذكرِ الوُضُوءِ في أولِ الأمرِ لصلاةِ الظهرِ.
حيثُ رَوى ابنُ عيينةَ وجماعةٌ الحديثَ عن ابنِ عَقيلٍ موافقين ابن إسحاق على قوله: ((ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلظُّهْرِ، وَتَوَضَّأَ القَوْمُ مَعَهُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ)).
وخالفهم آخرون، فرووه عن ابن عقيل، فقال: ((فَأَكَلْنَا فَقُمْنَا إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَحَدٌ مِنَّا، ثُمَّ أُتِينَا بِبَقِيَّةِ الطَّعَامِ)). رواه أحمدُ (١٥١٦٢)، وغيرُهُ.
ولا شَكَّ أن هذا الاضطرابَ راجعٌ لعدمِ ضبطِ ابنِ عَقيلٍ وسوء حفظه. والله أعلم.
[السند]:
رواه أحمدُ قال: حدثنا أبو سعيد، ثنا زائدة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، به.
ورواه الطيالسيُّ -ومن طريقه الطحاويُّ- عن زائدة به بلفظ: ((مَشَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً، وَأَتَتْنَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَكْلَنَا، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الظُّهْرِ، لَمْ يَتَوَضَّأْ أَحَدٌ مِنَّا، ثُمَّ أُتِينَا بِبَقِيَّةِ الشَّاةِ، فَتَعَشَّيْنَا مِنْهَا، وَحَضَرَتِ العَصْرُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا، لَمْ يَمَسَّ أَحَدٌ مِنَّا مَاءً)).
ورواه الطبرانيُّ في (مسند الشاميين) من طريق الوَضين بن عطاء، عن ابن عقيل، به.
ورواه أبو بكرٍ الشافعيُّ في (الغيلانيات) -ومن طريقه ابنُ عساكر في (تاريخ دمشق)، والذهبيُّ في (سِيَر أعلام النبلاء) - والدولابيُّ في (الكنى)، من طريق عُبيد الله بن عمرو، عن ابنِ عَقيلٍ به.
ولفظُ الدولابيِّ: ((أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ- مِنْ شَاةٍ ذَبَحَتْهَا لَهُمُ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَصَلَّوُا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: عبد الله بن محمد بن عقيل، الجمهورُ على تضعيفه.
العلةُ الثانيةُ: اضطرابه في متنه كما تقدَّم قريبًا.
ثم إن ابنَ عَقيلٍ قد زادَ فيه -أيضًا- قصةَ أبي بكرٍ وعمرَ وعليٍّ ﵃، وقد
стр. 9661
توبع عليها ابن عقيل من طريقٍ لا يَثبتُ.
فقد أخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط) من طريق الجارود بن يزيد، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن جابر، بنحو رواية ابن عقيل.
وكذا أخرجه الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) من طريق الجارود، به.
قال الطبراني: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا ابن سمعان، تَفَرَّد به الجارود بن يزيد".
قلنا: وهما كذَّابَان، ابن سمعان كذَّبه أبو داود وغيرُهُ (التقريب ٣٣٢٦)، والجارود كذَّبَه أبو حاتم وغيرُهُ. انظر (لسان الميزان ٢/ ٩٠)، فالإسنادُ تالفٌ.
[تنبيهات]:
١ - هذا الحديثُ أخرجه الطيالسيُّ (٧٠٠٢)، وابنُ أبي شيبةَ (٣٢٦١٥)، وأحمدُ في (فضائل الصحابة ٢٣٣، ٩٧٧)، والحارثُ (بغية الباحث ٩٦١)، وابنُ أبي عاصمٍ في (السنة ١٤٥٣)، والحاكمُ (٤٧٢٠)، وغيرهم، وليس عندهم موضع الشاهد منَ البابِ، وهو تركُ الوُضُوءِ مما مسَّت النار؛ ولذا لم نذكرهم في التخريجِ، وسيأتي ذكرهم عند تخريج الحديث في كتاب فضائل الصحابة.
٢ - جاء في روايةِ الطبرانيِّ المختصرةِ (الأوسط ٧٠٠٢): حدثنا محمد بن عبدوس، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، عن الوَضين بن عطاء، بإسناده إلى أن قال: ((فَطَلَعَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» فَطَلَعَ عُثْمَانُ)).
стр. 9662
هكذا وقعَ فيه، وقد رواه الطبرانيُّ في (مسند الشاميين ٦٥١) عن هاشم بن مَرْثَد الطبراني، ثنا صفوان بن صالح (ح) وحدثنا الحسن بن السميدع الأنطاكي والحسن بن جرير الصُّوري، قالا: ثنا موسى بن أيوب النصيبي، قالا: ثنا الوليد بن مسلم، به، بذكر عليٍّ ﵁ بدلًا من عثمانَ ﵁، وهو المحفوظُ من هذا الطريقِ كما في بقيةِ المصادرِ الأُخرَى.
رِوَايَةُ: أَكَلَ ذِرَاعًا -أَوْ: كَتِفًا- ...
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ جَابِرٍ ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ ذِرَاعًا -أَوْ: كَتِفًا- فَمَسَحَ يَدَهُ، فَصَلَّى بِنَا، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: منكرٌ بذكرِ المسحِ.
[التخريج]: [تمام ١٧٥٥].
[السند]:
قال تمام: أخبرنا أبو عبد الله جعفر بن محمد بن جعفر بن هشام الكِنْدي، ثنا أبو بكر محمد بن عمرو بن نصر بن الحَجاج القُرَشي، حدثني أبي، عن أبيه نصر بن الحَجاج، حدثني الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: محمد بن عمرو بن نصر، قال فيه ابنُ مَنْدَه: ((حَدَّثَ عن أبيه
стр. 9663
بغرائبَ)) (تاريخ دمشق ٥٥/ ٣٤). وأبوه عمرو بن نصر ترجمَ له ابنُ عساكر، ولم يذكرْ فيه جرحًا ولا تعديلًا (تاريخ دمشق ٤٦/ ٤٣٦).
العلةُ الثانيةُ: الإعلال بالوقف؛ حيث إن المحفوظ عنِ الأوزاعيِّ عن عطاء بن أبي رباح عن جابرٍ، أنه قال: ((رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَكَلَ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وتابع الأوزاعيَّ:
ابنُ جُرَيجٍ، كما عند عبد الرزاق (٦٥٣) -ومن طريقه ابنُ المنذرِ في (الأوسط ١١٣) -.
وقتادةُ، كما عند أحمد في (المسند ١٤٩٢٠)، وغيره.
ومِسْعرٌ، كما عند أبي بكر الأثرم في (سننه ١٥٤).
فرووه وغيرهم عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، عن أبي بكر قوله.
قلنا: وفي المتنِ نكارةٌ حيث زاد فيه: ((فَمَسَحَ يَدَهُ))، ولعلَّها من غرائب محمد بن عمرو بن نصر. والله أعلم.
стр. 9664
رِوَايَةُ: أَكَلَ كَتِفًا:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ جَابِرٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، صَحَّ من حديثِ ابنِ عباسٍ. وهذه الروايةُ إسنادُها واهٍ، ضَعَّفها ابنُ عَدِيٍّ وابنُ عَبْدِ البَرِّ.
[التخريج]: [عد (٧/ ٨٢)].
[السند]:
قال ابنُ عَدِيٍّ: حدثنا محمد بن بَكْتل الخوارزمي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق التَّنوخي، حدثني عبد الله بن محمد القدامي، حدثنا مالك، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ لأجل عبد الله بن محمد القدامي.
قال ابنُ عَدِيٍّ: ((عامة حديثه غير محفوظ، وهو ضعيفٌ على ما تبين لي من رواياته واضطرابه فيها، ولم أَرَ للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره)).
وقال الذهبيُّ في (الميزان ٢/ ٤٨٨): ((أحدُ الضعفاءِ، أَتَى عن مالكٍ بمصائبَ)).
قلنا: وقد خالفَ القدامي عامةَ أصحاب مالك، حيثُ رووه عنه عن محمد بن المنكدر مرسلًا، بغير هذا اللفظ كما سيأتي.
قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: ((هذا الحديثُ في (الموطأ) عند جميعِ الرواةِ فيما علمتُ مرسلًا. ورواه عمر بن إبراهيم الكُرْدي وخالد بن يزيد العُمَري والقدامي،
стр. 9665
كلهم عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، مسندًا. وكلهم ضعيف لا يُحتج بروايته عن مالك ولا عن غيره لضعفهم. والصواب فيه عن مالك ما في (الموطأ) مرسلًا)) (التمهيد ١٢/ ٢٧٣).
[تنبيه]:
لم نذكر ضمن روايات الحديث هنا رواية شعيب بن أبي حمزة هذا الحديث عن ابن المنكدر، وسيأتي تخريجها في باب مستقل.
رِوَايَةُ: أَكَلَ مَرَقًا بِلَحْمٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَقًا بِلَحْمٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: منكرٌ بذكرِ المرقِ.
[التخريج]: [حنف (حارثي ٧٠)].
[السند]:
قال أبو محمد عبد الله بن محمد الحارثي البخاري: أخبرنا صالح بن أحمد القيراطي، ثنا أحمد بن خالد بن عمرو الحِمْصي، ثنا أبي، ثنا عيسى بن يزيد، عن الأبيض بن الأغر، عن أبي حنيفة، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ آفته شيخ الحارثي، صالح بن أحمد بن أبي مقاتل