كذا قال أحمدُ، وابنُ المديني، ... وغيرُهُما. انظر (جامع التحصيل ٦٨٣)، ونصَّ البزارُ على هذه العلةِ عقب روايته الحديث كما سيأتي.
العلة الثانية: حسام بن مِصَك؛ وَاهٍ جدًّا.
قال الهيثميُّ: "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه حسام بن مصك، وقد أجمعوا على ضَعْفِهِ" (مجمع الزوائد ١٣١٧). وقال ابنُ حَجَرٍ: "ضعيفٌ، يكادُ أن يُترك" (التقريب ١١٩٣).
ومع ضَعْفِهِ، فقد خولف فيه، كما ستراه في
العلة الثالثة: مخالفة ابن مصك جماعة من أصحاب ابن سيرين الثقات، إذ رووه عن ابنِ سيرين عن ابنِ عباسٍ من حديثِهِ. وكذا رُوي من غيرِ ما طريقِ عن ابنِ عباسٍ.
وبهذا أعلَّه الترمذيُّ، والبزار، والدارقطني.
فقال الترمذيُّ: "لا يصحُّ حديث أبي بكر في هذا مِن قِبل إسنادِهِ؛ إنما رواه حسام بن مصك، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ، عن أبي بكرٍ الصديقِ، عن النبيِّ ﷺ . والصحيح إنما هو عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ ﷺ . هكذا روى الحفاظُ.
ورُوِي من غيرِ وجهٍ عن ابنِ سيرينَ، عن ابن عباسٍ عن النبيِّ ﷺ .
ورواه عطاء بن يسار، وعكرمة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعلي بن عبد الله بن عباس ... وغيرُ واحدٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، ولم يذكروا فيه: عن أبي بكر الصديق. وهذا أصحُّ" (الجامع عقب حديث رقم ٨٠).
стр. 9767
وقال البزارُ: "وهذا الحديثُ قد رواه هشام بن حسان، وأشعث بن عبد الملك، ... وغيرُهُما، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . ولم يقولوا: "عن أبي بكر"، وإنما قاله حسامٌ، عن ابن عباس، عن أبي بكر. وحسامٌ فليس بالقويِّ. على أن محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس" (١/ ٩٢/ رقم ١٩).
وقال الدارقطنيُّ: "وخالفه أيوبُ السَّختيانيُّ، وهشام بن حسان، وأشعث بن سَوَّار، ... ، وغيرُهُم، فرووه عن ابنِ سيرينَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ . ولم يَذْكروا فيه أبا بكر، وهم أثبتُ من حسامٍ، والقولُ قولُهم" (العلل/ رقم ١٨).
وعزاه السيوطيُّ لأبي يعلى، وأبي نُعَيمٍ في (المعرفة)، والخلعيِّ في (فوائده)، والبزارِ، وقال: "فيه انقطاع وضَعْفٌ" (جمع الجوامع ١٤/ ٤٨).
الطريق الثاني: أخرجه ابنُ أبي حاتم في (العلل)، والدولابيُّ في (الكنى والأسماء) كلاهما عن محمد بن عوف الحمصي الطائي قال: حدثنا موسى بن أيوب النَّصِيبي، قال: حدثنا أبو شعيب يوسف بن شعيب الخَوْلاني -[وكان] يسكن اللاذقية- قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن جابر بن عبد الله، عن أبي بكر، به.
وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ قال الدارقطنيُّ: "ولا يَثبتُ هذا؛ لأن الراوي له عنِ الأوزاعيِّ ضعيفٌ. وحسان بن عطية لم يدرك جابرًا" (العلل/ آخر حديث رقم ٢٨).
وقال محمد بن عوف: "هذا خطأٌ، إنما يرويه الناسُ عن عطاءٍ، عن جابرٍ، عن أبي بكرٍ، موقوفًا" (العلل لابن أبي حاتم/ رقم ١٧٥).
стр. 9768
"وكذلك رواه قتادة، عن عطاء، عن جابر، عن أبي بكر من فعله" (العلل للدارقطني ١/ ٤٣/ رقم ٢٨).
ويتلخص من كلامهما أن الإسنادَ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى: الانقطاعُ؛ فإن حسانَ بنَ عطيةَ لم يدركْ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ.
العلةُ الثانيةُ: ضَعْفُ يوسف بن شعيب الراوي عنِ الأوزاعيِّ. قال الذهبيُّ: "لا أعرفه، وضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ في العلل" (الميزان ٩٨٧٢).
العلةُ الثالثةُ: الإعلالُ بالوقفِ.
وقد رُوِي عنِ الأوزاعيِّ على وجهٍ آخرَ سندًا ومتنًا، كما في الروايةِ الآتيةِ:
стр. 9769
رِوَايَةُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، ((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَكَلَ ذِرَاعًا -أَوْ: كَتِفًا- ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَكْتَ الوُضُوءَ؟! فَقَالَ: لَأَنْ يَقَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَقَطَّعَ- أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ).
[الحكم]: ضعيفُ السندِ، معلولٌ، أعلَّه: الدارقطنيُّ. وتَرْكُ أبي بكرٍ ﵁ الوضوءَ مما مسَّتِ النارُ- ثابتٌ عنه من غيرِ هذا الوجهِ كما سبقَ.
[التخريج]:
[سنن ابن أبي داود (مغلطاي ٢/ ٥٠) (واللفظ له) / تمهيد (٣/ ٣٥٣)، (١٢/ ٢٧٨)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي داود عن عمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحِمْصي، ثنا عقبة بن علقمة، عنِ الأوزاعيِّ قال: كان مكحولٌ يَتَوَضَّأُ مما مَسَّتِ النَّارُ، حتَّى أَتَى عطاءَ بنَ أبي رباحٍ، فأَخبرَهُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ أبا بكرٍ، به.
ورواه ابنُ عبدِ البَرِّ من طريق محمد بن الهيثم أبي الأحوص قال: حدثنا عمرو بن عثمان بن كثير، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله موثَّقُون إلا أنه معلولٌ كما سيأتي. وعمرو بن عثمان بن كثير وَثَّقَهُ جماعةٌ، وقال الحافظُ: "صدوق" (التقريب ٥٠٧٣).
وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح، عدا عقبة بن علقمة البيروتي، روى له
стр. 9770
النسائيُّ وابنُ ماجه، وقد وَثَّقَهُ جماعةٌ أيضًا. وقال الحافظُ: "صدوقٌ، لكن كان ابنُه محمدٌ يُدْخِلُ عليه ما ليسَ من حديثِهِ" (التقريب ٤٦٤٥). وهذا ليس من حديث ابنه عنه.
ولكن للحديثِ علةٌ أخرى أعلَّه بها الدارقطنيُّ، فقال: "وخالفه -يعني: عقبة- يحيى بن عبد الله الحراني وغيره، فرووه عنِ الأوزاعيِّ، عن عطاء، عن جابر، عن أبي بكر، من فعله غير مرفوع. وكذلك رواه قتادة، عن عطاء، عن جابر، عن أبي بكر من فعله.
وكذلك رواه وهب بن كَيْسان أبو نُعَيمٍ، عن جابر موقوفًا على أبي بكر.
وكذلك رواه أبو الزبير المكي، عن جابر، عن أبي بكر موقوفًا".
ثم قال: "والصوابُ قولُ مَن قالَ: عن جابرٍ، عن أبي بكرٍ من فعله"، انظر (العلل ١/ ٤٣).
قلنا: وهذا الإعلالُ إنما يستقيمُ إذا ما ثبتَ أن روايةَ عقبة بن علقمة المذكورة مرفوعة، أو تشبه الرفع، على حَدِّ تعبير الدارقطني في (العلل ١/ ٤٢).
وإلا فقد جاءتْ زيادةٌ في متنِ هذه الروايةِ تبينُ أنها موقوفة أيضًا:
فقد رواه ابنُ عبدِ البَرِّ في (التمهيد ٣/ ٣٥٢، ٣٥٣) من طريق أحمد بن عمير قال: حدثنا عمرٌو قال: حدثنا عقبةُ بنُ علقمةَ قال: حدثنا الأوزاعيُّ قال: ((كَانَ مَكْحُولٌ يَتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، حَتَّى لَقِيَ عَطَاءَ بنَ أَبِي رَبَاحٍ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِيقَ ﵁ أَكَلَ ذِرَاعًا -أَوْ: كَتِفًا- ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، [فَتَرَكَ مَكْحُولٌ الوُضُوءَ] فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَكْتَ الوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ ! فَقَالَ: لَأَنْ يَقَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ-
стр. 9771
أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ اللهِ ﷺ )! !
وأحمد بن عمير هو ابن جوصا، حافظٌ كبيرُ الشأنِ. انظر ترجمتَه في (تذكرة الحفاظ ٧٨٧).
وعمرو هو ابن عثمان بن كثير.
فهذا السياقُ الذي ذكره ابن جوصا ظاهره الوقف؛ بِناء على أن القائل: " لَأَنْ يَقَعَ ... إلخ" إنما هو مكحول كما دلَّتْ عليه الزيادةُ المذكورةُ، وهي قوله: (فَتَرَكَ مَكْحُولٌ الوُضُوءَ).
وعليه، فلا مخالفة من عقبة أصلًا إذا كان ابن جوصا قد حفظ هذه الزيادة، ونظن به ذلك.
ولكنْ ذَكَر مغلطاي روايةً أخرى لابنِ أبي داودَ: "عن مكحُولٍ قال: أخبرَنِي ثقةٌ عن جابِرٍ: ((رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ مَسَّتْهُ النَّارُ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وفيه: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الأَوَّلِ فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ أَكَلَ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْضِعِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ قَبْلَ صَلَاةَ المَغْرِبِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ؛ فَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ)).
قَالَ زَيْدُ بنُ وَاقِدٍ: فَقُلْتُ: أَخْبَرَكَ ثِقَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ" (شرح مغلطاي ٢/ ٥٠).
فهذه الروايةُ عن مكحولٍ صريحةٌ في الرفعِ، ولكن لم يُبرز لنا مغلطاي منَ الإسنادِ أكثر من ذلك حتى ننظر في حاله، والله أعلم بحقيقة الأمر.
ورُوِي الحديثُ عن أبي بكرٍ بسياقٍ آخرَ سيأتي ذِكره قريبًا في (باب ما رُوِي في أنه لا وضوء من طعامٍ حَلَّ أكله).
стр. 9772
٢٢٦٨ - حَدِيثُ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ
◼ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، ((أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَبِيَدِهِ كَتِفَ شَاةٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، وَهُوَ يَحْتَزُّ بِالسِّكِّينِ وَيَأْكُلُ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ وَالكَتِفَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، ومرفوعُهُ صحيحُ المتنِ عدا قولها: ((وَهُوَ مُتَّكِئٌ))، فمنكرٌ، استنكره ابنُ حِبَّانَ، وحَكَمَ على الحديثِ بالبطلانِ. وأعلَّه الدارقطنيُّ.
[التخريج]: [مجر (١/ ٥١١)].
[السند]:
أخرجه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين) قال: أخبرناه أحمد بن مجاهد بالمِصيصة قال: حدثنا سليمان بن المعافى بن سليمان قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو كُرْز عبد الله بن كُرْز، عنِ الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب، عن بُسْرة بنت صفوان، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ واهٍ؛ فيه أبو كرز عبد الله بن كرز.
قال أبو زرعة: "ضعيفُ الحديثِ" (الجرح والتعديل ٥/ ١٤٥) وأَمَرَ بأن يُضربَ على حديثه.
وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيء، لا أعرفه، روى حديثًا منكرًا" (تاريخ بغداد ١١/ ٢٣٣).
وقال العقيلي: "منكرُ الحديثِ" (الضعفاء الكبير ٢/ ٣٦٨).
стр. 9773
وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يأتي عن الثقاتِ ما ليس من أحاديثهم، لا يَحِلُّ الاحتجاجُ به على قلة روايته" (المجروحين ١/ ٥١١)، وانظر (لسان الميزان ٣/ ٣١١).
وحَكَمَ ابنُ حِبَّانَ على حديثه هذا بأنه "خبرٌ باطلٌ"، ثم عَلَّلَ ذلك بقوله: "فليس عند بسرة عن النبيِّ ﷺ غير إيجاب الوضوء من مَسِّ الذَّكَرِ. وليس عند الزهري ذاك عن سعيد بن المسيب. وأما هذا المتنُ الذي أَتَى به عنِ الزهريِّ عن سعيدٍ عن بسرةَ، فإنما هو عند الزهريِّ عن جعفر بنِ عمرو بن أمية الضمري. على أنه أتى في الخبر أيضًا بلفظة، قال: "وَفِي يَدِهِ كَتِفَ شَاةٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ"، فهذه اللفظة "وَهُوَ مُتَّكِئٌ" ليستْ بمحفوظة؛ إذ النبيُّ ﷺ قال: «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» " (المجروحين ١/ ٥١١).
قلنا: وحديث عمرو بن أمية الضمري أخرجه الشيخان من طريق الزهري، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه به، وقد سبق أول الباب.
وحديث «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» أخرجه البخاري (٥٣٩٨) من حديث أَبي جُحَيفة ﵁، وسيأتي في بابه.
وسُئِلَ الدارقطنيُّ عن حديثِ بسرةَ هذا، فقال: "رواه أبو كرز ... ووَهِم فيه، والصحيح: عنِ الزهريِّ، عن جعفرِ بنِ عمرِو بنِ أميةَ الضَّمْريِّ، عن أبيه".
وسئل عن أبي كرز هذا فقال: "هو قاضي الموصل عبد الله بن عبد الملك الفهري"، قيل له: ثقة؟ قال: "لا، ولا كرامة" (العلل ٩/ ٣٥٧).
стр. 9774
٢٢٦٩ - حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ
◼ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
[الحكم]: باطلُ الإسنادِ، تالفٌ، وقد ثبتَ عنه ﷺ الوضوء مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، كما ثبتَ عنه تركه، والترك آخر الأمرين على قول الجمهور من السلف والخلف.
[التخريج]: [طب ٨/ ١٤٠ - ١٤١/ ٧٥٤٨].
[السند]:
أخرجه الطبرانيُّ في (الكبير) قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَري، ثنا يحيى الحِمَّاني، ثنا أبو معاوية، عن أبي قيس، عن يحيى بن أبي صالح، عن أبي سلام الحبشي، عن أبي أمامة، به.
وأبو قيس هو محمد بن سعيد بن حسان المصلوب.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: أبو قيسٍ محمدُ بنُ سعيدِ بنِ حسَّانَ المصلوبُ؛ قال ابنُ حَجَرٍ: "كذَّبُوه. وقال أحمد بن صالح: وَضَع أربعة آلاف حديث. وقال أحمد: قَتَله المنصور على الزندقة وصَلَبه" (التقريب ٥٩٠٧).
العلة الثانية: يحيى بن عبد الحميد الحماني؛ قال ابنُ حَجَرٍ: "حافظٌ، إلا أنهم اتَّهموه بسرقةِ الحديثِ" (التقريب ٧٥٩١).
وقال الهيثميُّ: "رواه الطبرانيُّ في (الكبير) وفيه محمد بن سعيد المصلوب،
стр. 9775
وهو كذَّابٌ" (مجمع الزوائد ١٣٢٣).
والمحفوظُ عن أبي أمامة ما رواه الطحاويُّ (شرح معاني الآثار ١/ ٦٩/ ٤٢٠) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي غالبٍ، عن أبي أُمَامَةَ، ((أَنَّهُ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَقَالَ: الوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ، وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ)). وإسنادُهُ حسنٌ موقوف.
стр. 9776
٢٢٧٠ - حَدِيثُ أُكَيْمَةَ بنِ عُبَادَةَ
◼ عَنْ أُكَيْمَةَ بنِ عُبَادَةَ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفًا، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ بما سبقَ، والسندُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [إصا (١/ ٢١٧ - ٢١٨)].
[السند]:
قال ابنُ حَجَرٍ: "رَوَى ابنُ السكنِ من طريق عمر بن إبراهيم -أحد المتروكين-، عن محمد بن إسحاق بن أكيمة بن عبادة، عن أبيه، عن جَدِّه أكيمة بن عبادة، به.
قال ابن السكن: "لم أسمعه إلا من ابن عقدة".
[التحقيق]:
إسنادُهُ واهٍ؛ عمر بن إبراهيم هذا متروكٌ كما قال الحافظُ، والظاهرُ أنه الكردي المترجم له في (الميزان ٣/ ١٧٩/ ٦٠٤٤)، والكردي كذَّبه الدارقطنيُّ.
زد على هذا جهالة شيخه وأبيه؛ ولذا قال ابنُ حَجَرٍ: "إسنادُهُ مجهولٌ".
стр. 9777
٢٢٧١ - حَدِيثُ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
◼ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [كت (مغلطاي ٢/ ٥٩)].
[السند]:
رواه الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) -كما في (الإعلام) - عن محمد بن حامد البزار، ثنا مكي بن عَبْدَانَ، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا سعيد بن الصباح، ثنا مالك بن مِغْول، عن أبي السَّفَر، عن البراء، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه محمد بن حامد البزار، لم نقفْ له على ترجمةٍ.
وسعيد بن الصباح أبو سعد النيسابوري، سُئِلَ عنه ابنُ مَعِينٍ فقال: "لا أعرفه"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "أرجو أنه لا بأس به" (ميزان الاعتدال ٢/ ١٤٦).
وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح عدا مكي بن عبدان، وهو ثقة مأمون، (تاريخ بغداد ١٥/ ١٤٨)، و (الإرشاد للخليلي ٣/ ٨٣٦).
стр. 9778
٢٢٧٢ - حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ
◼ عَنْ مُعَاوِيَةَ، ((أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ لَبَأً (لَبَنًا)، ثُمَّ [قَامَ، فَـ] صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وضَعَّفَهُ: الهيثميُّ، والبوصيريُّ.
[اللغة]:
قال ابنُ الأثيرِ: " (اللِّبَأُ): هو أولُ مَا يُحلَبُ عند الولادةِ" (النهاية ٤/ ٢٢١).
[الفوائد]:
وقع في رواية عبد الغني بن سعيد في (الإيضاح) كما نقله مغلطاي: "أكل ألبأ".
قال إبراهيم الحربي: "قول من قال: "أكل ألبأ" خطأ، إنما أراد أن يقول: "لبأ" بغير ألف قبل اللام، وهو حديثٌ أبيض مثل الحِمَّص ويُطبخ، يقال: للمرأة بيضاء كأنها لِبَأٌ. وكان ينبغي أن يقول في الحديث أيضًا: (مطبوخًا) أو (مسلوقًا) حتى يكون مما مسَّتِ النَّارُ. فأما ما لم تمسَّه النارُ فلا معنى للحديثِ" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٥٩).
[التخريج]:
[عل ٧٣٥٩ (واللفظ له) / طب (١٩/ ٣٩٥/ ٩٢٨) (والرواية والزيادة له) / إيضاح (مغلطاي ٢/ ٥٩)].
[السند]:
قال أبو يعلى: حدثنا سليمان بن عبد الجبار أبو أيوب الرقي، حدثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن محمد بن المنكدر، عن رجل، عن معاوية،
стр. 9779
به.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني محمد بن المثنى، ثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن محمد بن المنكدر، قال: حدثني من سمع معاوية، به.
ورواه عبد الغني بن سعيد في (إيضاح الإشكال) -كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٥٩) - من طريق رَوْح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن رجل (١) عن معاوية، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالةِ الرجلِ المبهمِ راويه عن معاويةَ.
وقد أعلَّه بذلك الهيثميُّ؛ فقال: "رواه أبو يعلى، وفيه رجلٌ لم يُسَمَّ" (مجمع الزوائد ١٣٢١).
وقال البوصيريُّ: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالة التابعيِّ" (إتحاف الخيرة ١/ ٣٦٦).
[تنبيه]:
ما ذكرناه بشأن طريق رَوْح بن القاسم هو حَسَب ما في الطبعة المعتمدة لدينا من شرح مغلطاي.
وقد جاء في الطبعة التي حققها كامل عويضة (ط/ مكتبة نزار مصطفى الباز، صـ ٤٧٤) بإسقاطِ هذا الرجلِ الذي لم يُسَمَّ من السندِ، فصارَ من
стр. 9780
رواية ابنِ المنكدرِ عن معاويةَ.
وجاء عقبه من كلام مغلطاي (١): "وهو منقطعٌ، نبَّه على ذلك الحربيُّ، فقال: رواه ابنُ المنكدر عن رجلٍ غير معين" (شرح ابن ماجه لمغلطاي. مكتبة نزار مصطفى الباز/ صـ ٤٧٤).
ولو صَحَّ ما في هذه الطبعة، فطريق روح مخالف لطريق ابنِ جُرَيجٍ، والصحيحُ طريق ابنِ جُرَيجٍ؛ ولذا أَعَلَّ به الحربيُّ طريقَ رَوْح حَسَب ما ذكر.
ولكن نسخة عويضة هذه مليئة بالتحريفات!
ووقع في هذا الموضع خصيصًا سخافات لا تطاق! !
ومن ذلك تحريف كلام الحربي المذكور في الفوائد آنفًا، حيث جاء فيها: "وقال: يقول من قال: أكل النبأ خطأ. إنما أراد أن يقول: "لنا" بغير ألف قبل اللام، وهو حديث بنت أبيض: سُئل الحمصي بطيخ فقال: للمرأة أمضيا كلها لنا"! ! !
ومثل هذا السخف يجعل الباحث لا يثقُ في تلك النسخة بمرة؛ ولذا لم نعتمد ما جاء فيها في تحقيقنا. والله المستعان.
стр. 9781
٢٢٧٣ - حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ
◼ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: ((قَرَّبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَتِفًا مَشْوِيَّةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: صَحَّ من حديثِ أُمِّ سلمةَ، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ معلولٌ، وأعلَّه إبراهيمُ الحربيُّ.
[التخريج]: [طب (٢٥/ ١٢٧/ ٣٠٨)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا الصلت بن مسعود الجَحْدري، ثنا سُلَيْم بن أخضر، عن ابن عون، عن محمد بن يوسف، عن أم سليم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، رجال الصحيح، عدا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن يوسف.
أما عبد الله بن أحمد، فهو ثقة كما في (التقريب ٣٢٠٥)، وأما محمد بن يوسف، فاثنان في هذه الطبقة:
أحدهما: محمد بن يوسف القرشي مولى عمرو بن عثمان بن عفان. وهذا هو الذي اعتمده مغلطاي هنا (شرح ابن ماجه ٢/ ٥٩). والقرشي هذا وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، ... وغيرُهُم. ورغمَ ذلك قال الحافظُ في (التقريب ٦٤١٦): "مقبولٌ"، وانظر (تاريخ ابن أبي خيثمة
стр. 9782
- السِّفر الثالث ٢/ ٢٨١)، و (الجرح والتعديل ٨/ ١١٨)، و (تهذيب الكمال ٢٧/ ٦١).
والثاني: محمد بن يوسف الكِنْدي الأعرج. وهذا هو الذي اعتمده بدرُ الدينِ العينيُّ في (نخب الأفكار شرح معاني الآثار ٢/ ٢٢).
والكِنْدي هذا ثقة من رجال الشيخين، كما في (التقريب ٦٤١٤).
ولم يُميزِ الهيثميُّ محمد بن يوسف هذا؛ فقال -عقب ذكره لهذا الحديث-: "رواه الطبرانيُّ في (الكبير) عن محمد بن يوسف عنها، ولم أجدْ مَن ذَكَر محمدًا هذا" (مجمع الزوائد ١٣٤٢).
وأَيًّا مَا كان محمد هذا؛ فإن هذا الإسنادَ معلولٌ بعلتين:
العلة الأولى: الانقطاع بين محمد بن يوسف، وأُمِّ سُليم؛ فإنها تُوفيتْ في خلافة عثمان ﵁، كما في (التقريب ٨٧٣٧)، ومحمد بن يوسف الكِنْدي تُوفي سنة أربعين ومائة. فبين وفاتيهما أكثر من مائة عام، وهو من الطبقة الخامسة طبقة صغار التابعين، فبذلك لم يدركها.
ومحمد بن يوسف القرشي من الطبقة السادسة الذين عاصروا صغار التابعين؛ فهو أبعد من إدراكها.
العلة الثانية: الوهم في ذكر أُمِّ سُليم، والصحيح عن أُمِّ سلمة. ويحتمل أن يكون هذا الوهم من الصلت بن مسعود؛ فهو وإن كان ثقة إلا أن له أحاديث وَهِم فيها، كما قال العُقيليُّ ومسلمة بن قاسم. ولَخَّصَ حاله ابنُ حَجَرٍ فقال: "ثقةٌ ربما وهم" (التقريب ٢٩٥٠).
ويؤيدُ ذلك أنه اختُلفَ عليه في سندِهِ، كما خُولفَ فيه أيضًا.
стр. 9783
فأما الاختلافُ عليه، فقال الدارقطنيُّ: "ورواه الهيثمُ بنُ خَلَف الدُّوريُّ، عن الصلتِ، فقال فيه: عن محمد بن محمد بن الأسود، عن أم سليم. والأول أصح" (العلل ٩/ ٣٨٩).
يعني: والقول الأول عن الصلت بذكر محمد بن يوسف أصح من رواية الهيثم، وإلا فهو معلول أيضًا. وعبارة (أصح) توحي بأنه يحمل على الصلت، وأنه صاحب الوجهين.
وأما مخالفة الصلت، فقد خولف من ابنِ جُرَيجٍ -وهو ثقةٌ حافظٌ من رجالِ الشيخينِ- فرواه عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، به.
أخرجه النسائيُّ في (السنن الكبرى ٢٣٦)، وأبو يعلى في (المسند ٦٩٨٥)، وغيرهما، من طرقٍ عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: حدثني محمد بن يوسف، به، وقد سبق.
وقد أعلَّه بذلك إبراهيم بن إسحاق الحربيُّ، فقال -عقب حديث أم سليم-: "إنما أراد أن يقول: (أم سلمة) لأن هذا الكلام بعينه رواه ابنُ جُرَيجٍ عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٥٩).
стр. 9784
٢٢٧٤ - حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ
◼ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ ﵂ قَالَتْ: ((أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، عِنْدِي- خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى شَبِعُوا، وَصَلَّوْا وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِهَا، فَأَكَلُوا وَصَلَّوْا وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا)).
[الحكم]: عدم وضوئه ﷺ من أكله اللحم ثابتٌ من غير ما وجه كما سبقَ، وهذا الحديثُ معلولٌ سندًا ومتنًا.
[التخريج]: [خلدف ٢٢٢].
[السند]:
رواه الخلدي في (الثاني من فوائده ٢٢٢) قال: حدثنا أحمد، حدثنا يوسف بن عَدي (١) حدثنا محمد بن عتبة الرَّقِّي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، عن الربيع، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ واهٍ جدًّا، فأحمد شيخ الخلدي هو ابن محمد بن الحَجاج بن رِشْدِين، كَذَّبه أحمدُ بنُ صالحٍ وغيرُهُ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "أنكرتُ عليه أشياء مما رواه، وهو ممن يُكتبُ حديثُه مع ضَعْفِهِ"، وقال ابنُ أبي حاتم: "سمعتُ منه بمصرَ، ولم أحدثْ عنه لما تكلَّموا فيه"، وقال الخليليُّ: "ضَعَّفُوه جدًّا"، ووَثَّقَهُ مسلمةُ، وأثنى عليه ابنُ يونسَ، (الكامل ١/ ٤٥٤، ٣/ ٣٠٠ -
стр. 9785
٣٠١)، و (الإرشاد ١/ ٤٢٢)، و (اللسان ٧٤٠).
وقد روى هذا الحديثَ ابنُ عيينةَ وغيرُهُ عَنِ ابنِ عَقِيلٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنه قال: ((أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَرَشَّتْ لَهُ صورًا لَهَا، وَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً، فَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ. ثُمَّ أُوتِيَ بِعُلَالَةِ الشَّاةِ فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى العَصْرِ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وهكذا رواه ابنُ المنكدرِ وغيرُهُ عن جابرٍ من حديثِهِ، ولم يسموا المرأة. وقد سبقَ تخريجُه.
فذِكْر الرُّبَيِّع فيه غير محفوظ، والمحفوظُ أنه من حديثِ جابرٍ، وأنه ذَكَر أن النبيَّ ﷺ توضَّأَ في الأُولى ولم يتوضَّأْ في الثانيةِ.
وقد أشارَ يوسفُ بنُ عَديٍّ إلى نكارةِ هذا الخبرِ إن صَحَّ النقل عنه، فقد قال ابنُ رشدين: قال لي يوسفُ: كذا قال محمد بن عتبة: "عن جابرٍ عن الرُّبَيِّعِ"!
قلنا: محمد بن عتبة الرقيُّ قال فيه أبو زرعة: "لا بأسَ به" (الجرح والتعديل ٨/ ٥١)، ويوسف ثقة من شيوخ البخاري. فإن لم يكن الوهم فيه من ابن رشدين نفسه وقد بينا حاله، فهو من اضطرابِ ابنِ عَقيلٍ، فإنه سيئُ الحفظِ.
وقد سبق ضمن روايات حديث جابر أن زائدةَ وغيرَهُ رووه عن ابنِ عَقيلٍ، وذَكَر في متنه أن النبيَّ ﷺ لم يَتَوَضَّأْ في المرَّتينِ بعدَ الطَّعَامِ كما هنا.
بينما رواه ابنُ إسحاقَ، وابنُ عيينةَ، عن ابنِ عَقيلٍ، وذَكَرَ أنَّهُ تَوَضَّأَ في الأُولى ولم يَتَوَضَّأْ في الثانية، وهو المحفوظُ كما ذكرنا.
стр. 9786
فهذا مما يدلُّ على أن ابنِ عَقيلٍ كان يضطربُ فيه كما اضطربَ في حديثه عن الرُّبَيِّعِ في صفةِ الوُضُوءِ.
стр. 9787
٢٢٧٥ - حَدِيثُ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ
◼ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: ((أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِدْرٍ فِيهَا لِبَأٌ، قَدْ أُنْضِجَتْ، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً)).
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]: [خط (١٤/ ٢٣٥)].
[السند]:
قال الخطيبُ البغداديُّ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ البَادَا، قَالَ: أخبرنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زِيَادٍ، قَالَ: حدثنا مُوسَى بنُ هَارُونَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا عَوْنُ بنُ سَلَّامٍ القُرَشِيُّ، قَالَ: أخبرنا إِسْرَائِيلُ بنُ يُونُسَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، بِهِ.
قال موسى: ولا نعلم عونًا حَدَّث عن إسرائيل إلا هذا الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالة شيخ عمار، ولا نعرفُ هل هو صحابي أم لا؟ والظاهر عدم صحبته؛ لأن عمارًا -وهو ابن معاوية الدهني- ذكره ابنُ حَجَرٍ في (التقريب ٤٨٣٣) في الطبقة الخامسة، وهم طبقة صغار التابعين، وهم الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يَثبتْ لبعضهم السماع من الصحابة، كما ذكر الحافظ في المقدمة.
وعلى كلٍّ فالسندُ ضعيفٌ، إما للجهالة وإما للإرسال. والله أعلم.
стр. 9788
٢٢٧٦ - حَدِيثُ عَمْرِو بنِ عُبَيْدِ اللهِ
◼ عَنْ عَمْرِو بنِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفًا، ثُمَّ قَامَ فَمَضْمَضَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: ضعيفٌ. وضَعَّفه: البخاريُّ، وابنُ السَّكنِ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ عَدِيٍّ، وأبو نُعَيمٍ الأصبهانيُّ، وابنُ عبدِ البَرِّ.
[التخريج]:
[حم ١٩٠٥٢ (واللفظ له) / سعد (١/ ٣٣٧) / طح (١/ ٦٦) / صحا ٥٠٧٣/ أسد (٤/ ٢٤٠)].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا مكي -يعني ابنَ إبراهيم-، حدثنا الجُعَيْد، عن الحسن بن عبد الله بن عبيد الله، أن عمرو بن عبيد الله حَدَّثه.
وقال ابنُ سعدٍ: أخبرنا مكي بن إبراهيم أبو السكن البلخي، أخبرنا الجعيد بن عبد الرحمن، به.
ومداره عندهم على المكي بن إبراهيم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه الحسن بن عبد الله بن عبيد الله ((مجهول))، قاله أبو حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٢٢).
وراوي الحديث عمرو بن عبيد الله؛ ترجم له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٦/ ٣١٢)، وقال: ((الحضرميُّ، رأى النبيَّ ﷺ ، لا يصحُّ حديثُه))، وتبعه أبو علي بنُ السكنِ (الإصابة ٧/ ٤٢٦).
стр. 9789
قال ابنُ عَدِيٍّ -بعدما أورد كلامَ البخاريِّ-: ((وهذا هو حديثٌ واحدٌ، وإنما شكَّ البخاريُّ أنه لا يصحُّ، أي: ليس لعمرو بن عبيد (١) الله صحبة)) (الكامل ٧/ ٧٢٦).
وترجمَ له البخاريُّ في (الضعفاء ٢٦٨) بنحو ما قال في (التاريخ).
وقال أبو نُعَيمٍ الأصبهاني: ((عمرو بن عبيد الله الحضرمي، قيل: إنه رَأَى النبيَّ ﷺ ، ولا يصح حديثه)) (معرفة الصحابة ٤/ ٢٠١٩).
وتحرَّفَ اسمه على ابنِ عبدِ البَرِّ، فترجمَ له في (الاستيعاب ٣/ ١١٩١)، فقال: ((عمرو بن عبد الله الأنصاري: لا أعرفه أكثر من أنه روى قال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ قَامَ فَتَمَضْمَضَ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)). فيه نظر، ضَعَّفَ البخاريُّ إسنادَهُ)).
قال ابنُ حَجَرٍ -متعقبًا ابنَ عبدِ البَرِّ-: ((ما رأيتُه في تاريخ البخاري، ولا رأيتُ له ترجمةً في غير (الاستيعاب)، ولا تعقبه ابن فتحون! والعجبُ كيف يجحف أبو عمر في مثل هذا الاختصار، ويطيل في المشهورين؟ ! ثم فَتَح الله بالوقوفِ على علته، وهو أنه حُرِّفَ اسم والده، إنما هو عبيد الله (بالتصغير) وهو الحضرميُّ الآتي قريبًا. ويحتملُ على بُعْدٍ أن يكون آخَر، فإن المتنَ جاء عن جمعٍ من الصحابةِ.
فلو كان أبو عمر ذكر الراوي عنه لانكشف الغطاء. ولكن الغالب على الظنِّ أنه تحرَّفَ عليه. وسيأتي مزيدٌ لذلك في عمرو بن عبيد الله)) (الإصابة ٧/ ٤١٧).
стр. 9790
٣٧٥ - بَابٌ: آخِرُ الأَمْرَيْنِ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ
٢٢٧٧ - حَدِيثُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ
◼ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: ((كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ (غَيَّرَتِ) النَّارُ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ التَّرْكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
[الحكم]: مختلفٌ فيه:
فصَحَّحَهُ: ابنُ خزيمةَ، وابنُ السَّكنِ، وابنُ حزمٍ، والجورقانيُّ، وابنُ عساكر، والنوويُّ، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجَرٍ -في أحدِ قوليه- والعينيُّ، وابنُ مُفلحٍ، والسيوطيُّ، والألبانيُّ، وأحمد شاكر.
بينما أعله: أبو حاتم الرازيُّ فقال: ((هذا حديثٌ مضطربُ المتنِ)). وأعلَّه: أبو داودَ، وابنُ حِبَّانَ. ومالَ إليه: البيهقيُّ، وأبو العباسِ الدانيُّ، وأبو الوليدِ الباجيُّ، وابنُ دَقيقِ العيدِ، ومغلطاي، وابنُ القيمِ، وابنُ حَجَرٍ، والعينيُّ -في أحد قوليهما- وذهبوا إلى أنه مختصرٌ من حديثِهِ في قصةِ الأكلِ من شَاةِ المرأةِ الأنصاريةِ.
والراجحُ: أنه شاذٌّ بهذا اللفظِ.
стр. 9791
[الفوائد]:
قال ابنُ حِبَّانَ: ((هذا خبرٌ مختصرٌ من حديثٍ طويلٍ، اختصرَهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، متوهمًا لنسخ إيجاب الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ مطلقًا. وإنما هو نَسْخٌ لإيجابِ الوضوءِ مما مسَّتِ النَّارُ خلا لحم الجزور فقط)) (صحيح ابن حِبَّانَ ٣/ ٤١٦).
وهذا الذي ذهبَ إليه ابنُ حِبَّانَ ذهبَ إليه أيضًا أبو داودَ وغيرُهُ.
ويعني بالحديثِ الطويلِ: حديث جابر في قصةِ المرأةِ التي ذبحتْ للنبيِّ ﷺ شَاةً، وفيه أنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ وصَلَّى العَصْرَ بغيرِ وُضُوءٍ. وقد سبقَ ذِكرُه قريبًا برواياتِهِ.
وما خَشِي منه ابنُ حِبَّانَ -وهو دخولُ لحمِ الجزورِ ضِمْنَ مفردات حديث جابر هذا- ليس بواردٍ أصلًا؛ لأن العلةَ في الأمرِ بالوضوءِ من لحمِ الجزورِ إنما هي كونه لحم جزور، وليستِ العلةُ كونه مما مسَّته النَّارُ؛ فالأمرُ بالوُضُوءِ منه يشملُ ما لو أُكِل نِيئًا أو مشويًّا أو غير ذلك.
ثم إن حديثَ جابرٍ في تركِ الوضوءِ مما مسَّتِ النَّارُ عامٌّ، وحديثُ الوضوءِ من لحمِ الجزورِ خاصٌّ، فيَخرج هذا الخاص من عموم حديث جابر.
انظر (مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٦١)، وسيأتي مزيدُ بيانٍ بشأنِ مسألةِ الاختصارِ في التحقيقِ.
مع العلم بأن القولَ بأن حديثَ جابرٍ هذا ناسخٌ لأحاديثِ الوضوءِ مما مسَّتِ النارِ- قولٌ منازعٌ فيه، من جهةِ أنه قد يمكنُ الجمعُ بأن ترك الوضوء يُحمل على أنه قرينة لصرفِ الأمرِ من الوجوبِ إلى الاستحبابِ.
وقد قال شيخُ الإسلامِ: "هذا مع أن أحاديثَ الوضوءِ مما مسَّتِ النارُ لم
стр. 9792
يَثبتْ أنها منسوخةٌ، بل قد قيل: إنها متأخرةٌ. ولكن أحد الوجهين في مذهب أحمد: أن الوضوءَ منها مُسْتَحَبٌّ ليس بواجبٍ. والوجه الآخر: لا يُسْتَحَبُّ" (الفتاوى ٢١/ ١٢)، وانظر (مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٦٣).
وقد أقرَّ ابنُ حزمٍ القولَ بأنَّ أحاديثَ الوضوءِ مما مسَّتِ النَّارُ متأخرةٌ، ومع ذلك ذهبَ إلى القولِ بالنسخِ، فقال: "وأما كلُّ حديثٍ احتجَّ به مَن لا يَرى الوُضُوءَ مما مسَّتِ النَّارُ من أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ونحو ذلك- فلا حجةَ لهم فيه؛ لأن أحاديثَ إيجاب الوضوء هي الواردة بالحكم الزائد على هذه التي هي موافقة لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء مما مست النار. ولولا حديث شعيب بن أبي حمزة الذي ذكرنا، لَمَا حَلَّ لأحدٍ ترك الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ" (المحلى ١/ ٢٤٤).
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [د ١٩١ (والرواية له) / ن ١٩٠ (واللفظ له) / كن ٢٣٨/ خز ٤٦/ حب ١١٢٩/ طس ٤٦٦٣/ طش ٢٩٧٣/ طص ٦٧١/ جا ٢٣/ منذ ١٢٩/ طح (١/ ٦٦/ ٣٩٤) / محلى (١/ ٢٤٣) / هق ٧٣٥/ هقغ ٣٨/ عيل ٣٦٢/ غيل ٤٠٥/ بشن (الجزء الأول ٣٥٣) / قا (١/ ١٣٦) / ناسخ ٦٤/ طيل ٣٣٧/ تمهيد (٣/ ٣٤٧)، (١٢/ ٢٧٦) / استذ (٢/ ١٤٦) / فق (١/ ٣٤٣/ ٣٣٧) / عتب (ص ٤٨) / لا ١٣٠٢/ كر (٢٣/ ٩٠)، (٢٧/ ٥٠، ٥١)، (٦٠/ ٤١٤) / عساكر (أبدال ٧) / جوزي (ناسخ ٥٢) / جوزي (مشكل ٣/ ٥٨١) / كم (صـ ٨٥) / علحا ١٧٤/ تذ (١/ ١٦٣، ٢٨٢) / نبلا (٧/ ١٩١)، (١٠/ ٣٤٠) / خبر (٢/ ٢٧٣)].
تخريج السياقة الثانية: [ثحب (٨/ ٤٩٨) / فحيم ١٤٣].
стр. 9793
[السند]:
أخرجه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال ... فذكره.
وأخرجه النسائيُّ في (الصغرى)، قال: أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا علي بن عياش قال: حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر قال: سمعتُ جابر بن عبد الله، به.
ومداره عند الجميع -عدا ابن بشران في (أماليه)، وابن حِبَّانَ في (الثقات)، وابن دُحيم في (فوائده) - على علي بن عياش، به.
قال الطبراني: "لا يَروي هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا شعيب بن أبي حمزة، تَفَرَّد به علي بن عياش". وكذا قال الدارقطنيُّ في (الأطراف ٢/ ٣٨٤).
[التحقيق]:
إسنادُهُ من المدارِ على شرطِ البخاريِّ، ورجاله ثقات؛ علي بن عياش من رجالِ البخاريِّ، قال فيه الحافظُ: "ثقةٌ ثبتٌ" (التقريب ٤٧٧٩)، وشعيب بن أبي حمزة من رجال الشيخين، قال عنه الخليليُّ: "ثقةٌ متفقٌ عليه، حافظٌ، أثنى عليه الأئمة" (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٥٢)، ووَثَّقَهُ الحافظُ في (التقريب ٢٧٩٨)، وابنُ المنكدرِ ثقةٌ من رجالِ الشيخينِ كما سبقَ مرارًا.
وقد صَحَّحَهُ: ابنُ خُزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ حيثُ أخرجاه في الصحيح، وصَحَّحَهُ أيضًا: ابنُ السكنِ كما في (خلاصة البدر المنير ١/ ٥١)، وابنُ حزمٍ في (المحلى ١/ ٢٤٣)، والجورقانيُّ في (الأباطيل ١/ ٥٢٧)، وابنُ عساكر،
стр. 9794
وقال: ((على شرط البخاري)) (الأربعون الأبدال ٧)، والنوويُّ في (شرح صحيح مسلم ٤/ ٤٣) وفي (الخلاصة ٣٠١)، وابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٤١٢)، وابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ في (الرابع من معجم الشيخة مريم ٥)، والعينيُّ في (شرح أبي داود ١/ ٤٤٦)، والسيوطيُّ في (شرح سنن ابن ماجه صـ ٣٧)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ٣٤٨)، وأحمد شاكر في (تعليقه على جامع الترمذي).
وجَوَّدَ إسنادَهُ: ابنُ مُفْلحٍ (المبدع في شرح المقنع ١/ ١٤٣).
قلنا: وهو كما قالوا، لولا علة فيه تمنع من صحته، وهي ما ذكره ابنُ أبي حاتم في (العلل ١٧٤) (١) قال: ((وسألتُ أبي عن حديثٍ حدثنا به محمد بن عوف، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كَانَ آخِرَ الأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ؟ فقال أبي: هذا حديثٌ مضطربُ المتنِ؛ إنما هو أن النبيَّ ﷺ أَكَل كتفًا، ثم صلَّى ولم يَتَوَضَّا. كذا رواه الثقاتُ عن ابنِ المنكدرِ، ويمكنُ أن يكونَ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ حَدَّثَ من حفظه؛ فوهم فيه)).
قلنا: وروايةُ الثقاتِ التي أشارَ إليها أبو حاتم إنما وقفنا عليها بلفظ: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً، فَأَكَلَ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَتْهُ بِعُلَالَةٍ مِنْ عُلَالَةِ الشَّاةِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه الترمذيُّ في (جامعه ٨٠)، وغيره، من طريق ابن عيينة، عن
стр. 9795
ابن المنكدر، به.
ورواه أبو داود (١٩٠) قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ الحسنِ الخَثْعَمِيُّ، حدثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرني محمدُ بنُ المنكدرِ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: ((قَرَّبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلَ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وتابع ابنَ عيينة وابنَ جُرَيجٍ، عليه:
١ - معمر بن راشد، كما عند عبدِ الرزاقِ (٦٤٦)، وابنِ حِبَّانَ (١١٢٧)، وغيرهما.
٢ - رَوْح بن القاسم، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٣٤)، وابنِ الأعرابي في (معجمه ٩١٥)، وغيرهما.
٣ - جرير بن حازم، كما عند أبي يعلى (٢١٦٠)، وابنِ حِبَّانَ في (١١٣٣، ١١٤١).
٤ - أيوب السَّختياني، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٣٢)، وغيره.
٥ - عبد الوارث بن سعيد، كما عند الحارث بن أبي أسامة (بغية الباحث ٩٩).
٦ - أبو علقمة الفَرْوي، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٣٠)، وغيره.
٧ - سهيل بن أبي صالح، كما عند ابنِ عَدِيٍّ في (الكامل ٦/ ٤٠٣)، والبيهقيِّ في (معرفة السنن ١٤٤٣٩).
٨ - عبد العزيز بن أبي سلمة، كما عند أبي بكر الأثرم في (سننه ١٥٧)، وغيره.
стр. 9796
٩ - يونس بن عُبيد، كما عند الطبرانيِّ في (الأوسط ٤٩٧٤)، وغيره.
١٠ - قَزَعة بن سُويد، كما عند أبي بكر الشافعي في (الغيلانيات ٦٩٠)، وغيره.
عشرتهم، وغيرهم، عن محمد بن المنكدر عن جابر باللفظ المتقدم.
وخالفهم شعيبٌ، فرواه عن ابن المنكدر عن جابر، قال: ((كان آخر الأمرين ترك الوضوء ... )) الحديث.
قلنا: الذي نميلُ إليه هو أن روايةَ شعيبٍ اختصارٌ لما رواه ابنُ جُرَيجٍ ومَن تابعه؛ إذ إن روايةَ الجماعةِ تحكي واقعة عين للنبيِّ ﷺ ، إذ جمعتْ بين الوضوء لما مسَّته النَّارُ عند صلاة الظهر، ثم ترك النبي ﷺ الوضوء لما مسَّته النَّارُ عند صلاة العصر. فحكى شعيبٌ ما فهمه من فعلِ النبيِّ ﷺ بلفظِ الأمرِ. وهذا الانتقالُ مُخِلٌّ إذ يحكي قاعدة عامة تنسخ أحكامًا متقدمة عن رسول الله ﷺ .
وهذا الذي ذهبنا إليه من كون رواية شعيب اختصارًا لرواية الجماعة- قاله غيرُ واحدٍ من الأئمة:
فقال أبو داود -عقب إخراجه له-: ((وهذا اختصارٌ منَ الحديثِ الأولِ)). أي: مختصرٌ من روايةِ ابنِ جُرَيجٍ ومَن تابعه عن ابنِ المنكدرِ عن جابرٍ في قصةِ المرأةِ التي ذبحتْ للنبيِّ ﷺ شَاةً، وفيه أنه أَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وصلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ أَكَلَ منَ الشَّاةِ وصَلَّى العَصْرَ بغيرِ وُضُوءٍ. وقد سبقَ تخريجُه والكلامُ عليه.
قال أبو العباسِ الدَّاني -مُفسرًا قول أبي داود-: ((كأنه يعني أن جابرًا أراد آخر الأمرين في ذلك المجلس، أي أنه إنما نقلَ فعلًا لا قولًا، فعَبَّر عنه
стр. 9797
بالأمر. والله أعلم)) (أطراف الموطأ ٤/ ٥٨١ - ٥٨٢).
وقال البيهقيُّ: ((وذهبَ بعضُ أهل العلم إلى الطريقة الثانية ... وأن روايةَ شعيبِ بنِ أبي حمزةَ عن محمد بن المنكدر- اختصارٌ من الحديث الذي رواه أسامةُ بنُ زيدٍ، وابنُ جُرَيجٍ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، ((ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَرَّبَتْ لَهُ شَاةً مَصْلِيَّةً. قَالَ: فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ حَانَتِ الظُّهْرُ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ حَانَتِ العَصْرُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه جماعةٌ عن محمدِ بنِ المنكدرِ، ويَرَونَ أن آخرَ أمرَيْه أُريدَ به في هذه القصةِ، قاله أبو داود السجستانيُّ وغيرُهُ)) (السنن الكبير ١/ ٤٤٨).
وقال ابنُ حَجَرٍ -شارحًا كلام أبي داود-: ((لكن قال أبو داود وغيره: إن المرادَ بالأمرِ هنا الشأنُ والقصةُ، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظَ مختصرٌ من حديثِ جابرٍ المشهور في قصةِ المرأةِ التي صنعتْ للنبيِّ ﷺ شَاةً فأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وصَلَّى العصرَ ولم يَتَوَضَّأْ.
فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وأن وضوءَه لصلاة الظهر كان عن حدثٍ لا بسببِ الأكلِ منَ الشَّاةِ)) (فتح الباري ١/ ٣١١).
وبمثل ما قاله أبو داود، قال ابنُ حِبَّانَ أيضًا: ((هذا خبرٌ مختصرٌ من حديثٍ طويلٍ، اختصرَهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، متوهمًا لنسخ إيجاب الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ مطلقًا. وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ خلا لحم الجزور فقط)).
وقال أبو الوليد الباجي: ((وقد قال قوم من أصحابِ الحديثِ: إن شعيبَ بنَ
стр. 9798
أبي حمزةَ اختصرَ حديثَ ابنِ المنكدرِ الذي يأتي بعد هذا، فغَيَّرَ معناه)) (المنتقى شرح الموطأ ١/ ٦٥).
وتبع أبا داود صاحبُ (عون المعبود) فقال: ((وأنت خبيرٌ بأن حديثَ جابرٍ "كان آخر الأمرين ... " ليس من قولِ جابرٍ، بل اختصرَهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ أحدُ رواته، كما عرفتَ)) (عون المعبود ١/ ٢٢٧).
قلنا: ومالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ لقولِ أبي داود، فقال -متعقبًا إعلال أبي حاتم-: ((الذي ذكره أبو داود أقرب مما قاله أبو حاتم؛ فإن المتنين متباعدَي اللفظ، أعني قوله: "آخر الأمرين"، وقوله: "أَكَلَ كَتِفًا، ثم صَلَّى، ولم يَتَوَضَّأْ"، ولا يجوزُ التعبيرُ بأحدهما عن الآخر. والانتقال من أحدهما إلى الآخر إنما يكون عن غفلة شديدة.
وأما ما ذكره أبو داود من أنه اختصارٌ من حديثه الأول فأقرب؛ لأنه يمكن أن يكون قد عبَّر بهذه العبارة عن معنى الرواية الأخرى)) (الإمام ٢/ ٤٠٤)، وانظر (البدر المنير ٢/ ٤١٣).
وبنحو كلام ابن دقيق العيد، قال مغلطاي، وزاد: ((ولقائلٍ أن يقولَ أيضًا: المراد بآخر الأمرين ذَكَره جابر أولًا من أنه أَكَلَ لحمًا وخبزًا، ثم تَوَضَّأَ، ثم أَكَلَ فَضْلَ طعامِهِ، وصَلَّى ثُمَّ لم يَتَوَضَّأْ. فكان الآخِر من الفعل الأول ترك الوضوء، فصحَّ إذًا الاختصار، [و] كان جائزًا؛ [إذ] فهم من التابع الراوي عنه أنه عرف روايته للحديث الأول، فعبر له بعبارة موجزة يفهمها السامع)) (شرح مغلطاي ٢/ ٤٣).
ولذا استدركَ ابنُ حَجَرٍ -بعد أن ذكر تصحيحَ ابنِ خزيمة وابنِ حِبَّانَ للحديثِ-، فقال: ((لكن قال أبو داود وغيره: إن المرادَ بالأمرِ هنا الشأن
стр. 9799
والقصة، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظَ مختصرٌ من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي ﷺ شَاةً فأَكَلَ مِنْهَا ثم تَوَضَّأَ وصَلَّى الظهرَ، ثم أَكَلَ مِنْهَا وصلَّى العصرَ ولم يَتَوَضَّأْ.
فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدثٍ لا بسببِ الأكلِ منَ الشَّاةِ)) (الفتح ١/ ٣١١).
وقال أيضًا: ((لكن توقف أبو حاتم وأبو داود وغيرهما في تصحيحه؛ لأن ابنَ جُرَيجٍ ومعمرًا وغيرهما رووا عن ابن المنكدر عن جابر قصته فيها، أن النبي ﷺ أَكَلَ لحمًا ثم توضَّأَ وَصَلَّى، ثم أَكَلَ منه وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ. قال أبو حاتم: كأن شعيبًا حَدَّثَ به من حفظه. وقال أبو داود: هو مختصرٌ من القصةِ)) (موافقة الخبر الخبر ٢/ ٢٧٣).
قلنا: وفي الحديثِ علةٌ أخرى ذكرها مغلطاي، فقال: ((وفي الحديثِ علةٌ خفيتْ على مَن صححه، ذكرها البخاري في (التاريخ الأوسط) فقال: ثنا علي: قلت لسفيان: إن أبا علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر عن جابر: " أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" فقال: أحسبني سمعتُ ابنَ المنكدر قال: أخبرني مَن سمع جابرًا: "أَكَلَ النبيُّ" وقال بعضُهم عن ابنِ المنكدرِ: سمعتُ جابرًا. ولا يصحُّ. فهذا حكمٌ منه بعدم صحته متصلًا، وإن كان قد صرَّحَ في (التاريخ الكبير) بسماعه من جابرٍ، ولا منافاةَ بين القولين؛ لاحتمال أن يكون ظهر له أنه لم يسمع هذا منه بخصوصه، وإن كان قد سمع منه غيره، كما قاله، لما سأله الترمذيُّ عن حديثِ ابنِ عباسٍ: "الشاهد واليمين" قال: لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من ابن عباس، مع تصريحه في (صحيحه) بسماعه من ابن عباس غير ما حديث.
стр. 9800
وما ذكره الشافعيُّ إثر رواية له في (سنن حرملة)، عن عبد الحميد بن عبد العزيز، عن ابنِ جُرَيجٍ مختصرًا، قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر.
قال البيهقيُّ: وهذا الذي قاله الشافعيُّ محتمل؛ وذلك لأن صاحبي (١) الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابرٍ في (الصحيح)، مع كون إسناده من شرطهما، ولأن ابنَ عَقيلٍ قد رواه أيضًا عن جابرٍ، ورواه عنه جماعةٌ، إلا أنه قد رُوِي عن حَجاجِ بنِ محمدٍ، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابنِ جُرَيجٍ عن ابنِ للمنكدرِ، وقال: سمعتُ جابرًا. فذكروا هذا الحديثَ. فإن لم يكن ذِكرُ السماعِ فيه وهمًا من ابنِ جُرَيجٍ فالحديثُ صحيحٌ على شرطِ صاحبي الصحيح -والله أعلم-. انتهى كلامه. وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعيُّ، وركون إلى قول مَن صرَّحَ بالسماعِ، وذهول عن قول الجُعْفي رحمهم الله تعالى.
ويَزيده وُضُوحًا أيضًا: رجوعُ ابن المنكدر عن هذا الرأي إلى غيره.
ذَكَر أبو زرعةَ الدمشقيُّ في (تاريخه) عن شعيب بن أبي حمزة- أن الزهريَّ ناظَرَ ابنَ المنكدرِ، فاحتجَّ ابنُ المنكدرِ بحديثِ جابرٍ، واحتجَّ الزهريُّ بحديثِ عمرو بنِ أُميَّةَ في الوُضُوءِ مما مسَّتِ النَّارُ. قال: فرجعَ ابنُ المنكدرِ عن مذهبِهِ إلى مذهبِ الزهريِّ.
ولقائلٍ أن يقولَ: لو أخذَه ابنُ المنكدرِ عن جابرٍ شفاهًا لما رجعَ عنه، ولا ساغ له ذلك. ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيف رجع عنه مسرعًا)) (شرح
стр. 9801
سنن ابن ماجه ٢/ ٤٣ - ٤٥).
وذكرَ ابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١١٦) عن الشافعيِّ وغيرِهِ أنه منقطعٌ؛ لم يسمعْه ابنُ المنكدرِ عن جابرٍ.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه العلةِ بتوسعٍ، تحت (حديث ثانٍ لجابر)، (باب ترك الوضوء مما مسته النار.
قلنا: قد حاولَ بعضُ العلماءِ رَدَّ ما أُعِلَّ به هذا الحديث- بما لا يَصلح:
فقال ابنُ حزمٍ: ((وقد ادَّعى قومٌ أن هذا الحديثَ مختصرٌ من الحديثِ الذي حدثناه ... -فساقه بسنده، ثم قال: - القطعُ بأن ذلك الحديث مختصرٌ من هذا قول بالظنِّ، والظنُّ أكذبُ الحديثِ، بل هما حديثان كما وردا)) (المحلى ١/ ٢٤٣).
وقال ابنُ التركماني: ((ودعوى الاختصارِ في غايةِ البعد)) ((الجوهر النقي ١/ ١٥٦).
وقال الألبانيُّ: ((إن توهيمَ الرواةِ الثقاتِ بدون دليل أو برهان- لا يجوزُ)) (صحيح أبي داود ١/ ٣٤٨/ الحاشية ٢).
وقال الشيخ أحمد شاكر: ((وقد أعلَّه بعضُ الحفاظِ بما لا يصلح تعليلًا -فذكرَ كلامَ أبي حاتم وأبي داود، ثم قال: - ومن الواضحِ أن هذا تَأَوُّل بعيد جدًّا، يَخرج به الحديث عن ظاهره،
بل يُحيلُ معناه عمَّا يدلُّ عليه لفظه وسياقه. ورَمْي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها- قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة ... )) وذَكَر جملة من ثقة وحفظ ابن عياش وشعيب، ثم
стр. 9802
قال: ((ونسبة الوهم إلى مثل هذين الراويين أو إلى أحدهما- يحتاجُ إلى دليلٍ صريحٍ أقوى من روايتهما، وهيهات أن يوجد! ! )) (جامع الترمذي ١/ ١٢١، ١٢٢/ الحاشية).
قلنا: وقد جاء الحديث من طريقين غير طريق شعيب إلا أنه لا يَثبت:
الطريق الأول: رواه ابنُ بشران في (أماليه) عن أحمد بن إسحاق، ثنا الحسن بن علي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن زياد، ثنا عمر بن يونس، ثنا سعيد بن عبد الجبار، عن المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، به.
وهذا إسنادٌ واهٍ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى: المنكدر بن محمد؛ قال فيه الحافظ: "لينُ الحديثِ" (التقريب ٦٩١٦).
العلةُ الثانيةُ: سعيد بن عبد الجبار، لم يتبينْ لنا مَن هو. وقريب من طبقته جماعة ضعفاء، منهم: سعيد بن عبد الجبار الزّبيدي، فلعلَّه هو، وهو "ضعيف، كان جرير يُكذبه" (التقريب ٢٣٤٣).
العلة الثالثة: محمد بن زياد، لم يتبينْ لنا مَن هو. وقريب من طبقته جماعة ضعفاء، منهم: محمد بن زياد الطحان، وهو ساقطٌ؛ قال الحافظُ: "كذَّبوه" (التقريب ٥٨٩٠)، ومحمد بن زياد اليماني؛ قال أحمدُ: "لا يُعْرَفُ" (اللسان ٥/ ١٧١).
أما عمر بن يونس، فهو اليمامي ثقة من رجال الصحيح.
ومحمد بن يوسف هو أبو حمة الزبيدي، "صدوقٌ" كما في (التقريب ٦٤١٨).
стр. 9803
والحسن بن علي هو ابن زياد السِّري، ترجمته في (الإكمال ٤/ ٥٦٩) و (الأنساب ٣/ ٢٥٢)، و (التوضيح ٥/ ٨٠).
وأحمد بن إسحاق هو ابن نِيخاب الطِّيبي، "صدوقٌ مشهورٌ" (السير ١٥/ ٥٣٠).
الطريق الثاني: رواه ابنُ حِبَّانَ في (ثقاته) قال: حدثنا محمد بن المعافى العابد بصيداء، حدثنا عمران بن أبي جميل، حدثنا إسماعيل بن سَمَاعة، حدثنا الأوزاعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن التركَ من رسول الله ﷺ الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، ولكن رواه جماعةٌ عنِ الأوزاعيِّ، قال: حدثني إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، حدثني محمدُ بنُ المنكدرِ، أنا جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، قال: ((بَعَثَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدِ اشْتَرَتْ حَائِطًا لِيَدْعُوَ فِيهِ بِالبَرَكَةِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ يَطُوفُ فِي حَائِطِهَا، وَدَعَا فِيهِ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ أُتِينَا بِطَعَامٍ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأْنَا مَعَهُ، وَصَلَّيْنَا. ثُمَّ أُتِينَا بِفَضْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا العَصْرَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه ابنُ دحيم في (فوائده ١٤٢) من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، كلاهما عنِ الأوزاعيِّ، به.
وإسماعيل بن مسلم هو المكيُّ، ضعيفٌ.
قلنا: ومما يدلُّ على نكارةِ هذين الطريقين ما تقدَّمَ عن الطبرانيِّ والدارقطنيِّ، بأنه لم يَرْوِ هذا الحديث -يعني بهذا السياق- عن ابنِ المنكدرِ غير شعيب هذا.
стр. 9804
[تنبيه]:
قال الجورقانيُّ: "هذا حديثٌ صحيحٌ، رواه عن ابنِ المنكدرِ جماعةٌ، منهم شعيبٌ، وابنُ جُرَيجٍ، ... وغيرهما" (الأباطيل ١/ ٥٢٧/ ٣٣٧).
وهذه العبارةُ لا يُفْهَمُ منها أن شعيبًا توبع على هذه الروايةِ.
وإنما عنى الجورقانيُّ أصلَ حديثِ جابرٍ في هذا البابِ، فقد رواه عن ابنِ المنكدرِ جماعةٌ كما قال، ولكن هذا السياق لم يتابعْ عليه شعيبٌ؛ ولذا جزمَ الطبرانيُّ، والدارقطنيُّ بتفردِ شُعيبٍ به.
رِوَايَةُ: زَادَ أَنَّهُ أَكَلَ خُبْزًا
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: شاذٌّ بهذا اللفظِ.
[التخريج]: [هق ٧٣٦].
[السند]:
قال البيهقيُّ: "أخبرنا أبو بكر بن الحسن القاضي، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، ثنا علي بن عَيَّاش ... فذكر إسناده بنحوه".
يعني: عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
стр. 9805
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله أئمة ثقات:
أبو بكر شيخ البيهقيِّ هو أحمد بن الحسن القاضي الحِيري، إمام كبير، وكان شيخ خراسان علمًا ورئاسة وعلو إسناد، وكان من أصحِّ أقرانه سماعًا وإتقانًا. ترجمته في (الأنساب ٢/ ٢٠٢)، و (تاريخ الإسلام ٩/ ٣٥٧)، و (التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد ١/ ١٣٣).
وأبو العباس الأصم إمام حافظ كبير مشهور، انظر (تذكرة الحفاظ ٨٣٥) و (السير ١٥/ ٤٥٣).
ومحمد بن إسحاق الصغانيُّ "ثقة ثبت" (التقريب ٥٧٢١).
وبقية رجاله ثقات كما سبقَ بيانُه.
ومع ذلك لا نحسب هذه الرواية محفوظة على جلالة قدر رواتها؛ فقد روى هذا الحديث عن علي بن عياش كل من:
١ - محمد بن عوف الطائي "ثقة حافظ" (التقريب ٦٢٠٢).
٢ - عمرو بن منصور النسائيُّ "ثقة ثبت" (التقريب ٥١١٩).
٣ - أبو زرعة الدمشقي "ثقة حافظ" (التقريب ٣٩٦٥).
٤ - موسى بن سهل الرملي "ثقة" (التقريب ٦٩٧٢).
٥ - إبراهيم بن الهيثم البَلَدي " ثقة ثبت" -على الراجح- (تاريخ بغداد ٦/ ٢٠٧).
٦ - يزيد بن محمد بن عبد الصمد "وَثَّقَهُ النسائيُّ والدارقطنيُّ وغيرهما، وقال الذهبيُّ: "ثقة حافظ"، وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوق" (الكاشف ٦٣٥٢)،