دون ذكر الوضوء.
وبهذا أعلَّهُ الدارقطنيُّ، فقال: "تفرَّدَ به حاجبٌ عن وكيعٍ، ووهمَ فيه، والصوابُ عن وكيعٍ بهذا الإسنادِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))، وحاجبٌ لم يكن له كتاب إنما كان يُحدِّثُ من حفظه" (السنن ١/ ٢٤٧)، ونحوه في (العلل ٩/ ٦٣).
وأقرَّه: البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ١٩٥)، والذهبيُّ في (ميزان الاعتدال ١/ ٤٢٩).
قلنا: ومع هذا قال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "ولعلَّ قائلًا يقول: هو تفرُّدُ ثقةٍ، وتحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة خطئه بحيث يجب ترك حديثه، فلا يكون ثقة، ولكنِ النسائيُّ وَثَّقَهُ، وإن لم يوجب خروجه عن الثقة فلعلَّه لم يهم، وكان نسبته إلى الوهم بسبب مخالفة الأكثرين له" (الإمام ٢/ ٢٤٦).
وتبع ابنَ دقيق على ذلك: ابنُ التركماني في (الجوهر النقي ١/ ١٢٦)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٥٧)، ومغلطايُ في (شرح ابن ماجه ٢/ ٨٤).
قلنا: فمن كانتْ هذه حاله، وخالفه الثقات الأثبات، فلا ريبَ أن روايتَه وهم، كما جزمَ به الدارقطنيُّ، ولا مجالَ هنا لقول: (لعلَّه لم يَهمْ).
قلنا: وقد رُوي عن هشام بن عروة من طرقٍ أُخرى واهية لا تثبت:
فرواه الدارقطنيُّ في (السنن ٤٨٩) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٧٣) - قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا علي بن عبد العزيز الوراق، نا عاصم بن علي، نا أبو أويس، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أَنَّهَا بَلَغَهَا قول ابنِ عُمَرَ: ((فِي القُبْلَةِ الوُضُوءُ))، فقالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
стр. 9872
يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لَا يَتَوَضَّأُ)).
ورواه أبو محمدٍ الخلديُّ في (فوائده ١٥)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٤٧٢)، والضياءُ المقدسيُّ في (المنتقى من مسموعات مرو) من طريق عليِّ بنِ عبدِ العزيزِ، به.
قال الدارقطنيُّ -عقبه-: ((ولا أعلمُ حَدَّثَ به عن عاصمِ بنِ عليٍّ هكذا غير علي بن عبد العزيز)) (السنن ١/ ٢٤٨).
قلنا: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ منكرٌ؛ فأبو أويس، وهو عبد الله بن عبد الله أبو أويس، فالجمهورُ على تليينه، ولذا قال عنه الحافظُ: ((صدوقٌ يهمُ)) (التقريب ٣٤١٢)،
قلنا: وهذا من أوهامه؛ فقد خالفَ الثقاتَ الأثباتَ من أصحابِ هشام بن عروة، كمالكٍ، ويحيى القطانِ، والسفيانين، وغيرهم، حيثُ رَووه عن هشامٍ بهذا الإسنادِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)).
ولذا قال البيهقيُّ: "هذا وهمٌ من علي بن عبد العزيز هذا أو عاصم أو أبي أويس، والمحفوظُ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)) بغيرِ هذه الزيادةِ في الوضوءِ"، ثم ذكرَ جماعةً منَ الأَئمةِ الذين رووا حديث هشام في تقبيل الصائم فقط، (الخلافيات ٢/ ١٩٥).
وقال أيضًا: "ورُوي عن أبي أويس، والحسن بن دينار، و (عبد الملك) (١)
стр. 9873
ابن محمد، وابن أبي ليلى، ومحمد بن جابر: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وكلهم ضعيفٌ لا يحتجُّ بروايتِهِ" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٨٢).
وسيأتي تخريجُ رواية عبد الملك بن محمد ومحمد بن جابر، والكلامُ عليها في روايةٍ مفردةٍ، لاختلاف سياق روايتهما عن هذه الرواية.
وأما رواية الحسن بن دينار:
فرواها الدارقطنيُّ في (السنن ٤٩١)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٤٥٩): من طريق العباس بن الوليد بن مزيد، عن محمد بن شعيب، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن الحسن بن دينار، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الوُضُوءِ؟ (في روايةِ البيهقيُّ: أَيُعِيدُ الوُضُوءَ؟ ) فَقَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ وَلَا يُعِيدُ الوُضُوءَ)). فَقُلْتُ لَهَا: لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ مَا كَانَ إِلَّا مِنْكِ فَسَكَتَتْ.
قال الدارقطنيُّ -بإثره-: ((هكذا قال فيه: إن رجلًا قال: سألتُ عائشةَ)).
وقال البيهقيُّ: "الحسن بن دينار كان دينارُ زوجَ أُمِّه، وهو الحسن بن واصل منكرُ الحديثِ ... ، ثم في هذا الحديثِ بيان أن عروة لم يسمعه من عائشة؛ فإنه قال: إن رجلًا قال: سألتُ عائشةَ" (الخلافيات ٢/ ١٨٦ - ١٨٨).
قلنا: وهذا السندُ واهٍ؛ لأن الحسنَ بنَ دينارٍ متروكٌ.
الوجه الثالث: عن أبي سلمة، عن عُرْوةَ:
أخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٥١٠)، قال: حدثنا أحمد بن شعيب بن صالح البخاريُّ، نا حامد بن سهل البخاريُّ، نا إسماعيل بن موسى، نا
стр. 9874
عيسى بن يونس، عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن عُرْوةَ، عن عائشة، قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
وأخرجه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٥٧): من طريق علي بن إسحاق، عن إسماعيل بن موسى، به.
قال الدارقطنيُّ -عقبه-: "هذا خطأٌ من وجوهٍ". ثم بيّن ذلك في (العلل) فقال: "فوَهِم -أي إسماعيل- في إسنادِهِ ومَتنِه، فأَما وهمُه في إسنادِهِ فقَولُهُ: عن أَبي سَلَمةَ، عن عُرْوةَ، وإِنما رَواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن أَبي سَلَمةَ، عن عائِشةَ. وأَما قَولُه في مَتنِه: ((ولَا يَتَوَضَّأُ)) فهو وهمٌ أَيضًا، والمَحفُوظُ: ((كَانَ يُقَبِّلُ وهو صَائِمٌ)) " (العلل ٩/ ١٤٢ - ١٤٤/ ٣٩٠٢).
قلنا: وهو كما قال، وإسماعيل بن موسى، هو الفزاري ابن بنت السدي، وهو: ((صدوقٌ يُخطئُ)) كما في (التقريب ٤٩٢).
وأما عَبْدُ الرَّزَّاقِ فثقةٌ حافظٌ من رجال الشيخين، ومن أثبتِ أصحابِ معمرٍ، وروايته أخرجها في (المصنف ٧٥٤٠)، وعنه إسحاق بن راهويه في (مسنده ١٠٦٢)، وأحمد بن حنبل في (مسنده ٢٥٩٥٣)، ولفظه: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ)).
وقال البيهقيُّ: "ورُوي بإسنادٍ آخر مجهول عن عيسى بن يونس، عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن عُرْوةَ، عن عائشة، ... ولا يصحُّ شيءٌ من ذلك، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحًا، ومذهبُ الزهريِّ بخلافه" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٨١).
وقال في (الخلافيات): "ورُوي بإسنادٍ واهٍ عنِ الزهريِّ عن أبي سلمة عن
стр. 9875
عُرْوةَ عن عائشةَ"، ثم ذكره، وذكر كلامَ الدارقطنيِّ في (السنن)، وقال: "لم يزدْ على هذا، وإنما أرادَ به أنه أخطأ في إسنادِهِ ومتنه جميعًا، حيثُ روى عنِ الزهريِّ عن أبي سلمة عن عُرْوةَ عن عائشة، وزاد في متنه: ((ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)) والمحفوظُ ما سَبَقَ ذكره، والحملُ فيه على مَن دون عيسى بن يونس" (الخلافيات ٢/ ١٨٤).
الوجه الرابع: عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ:
أخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٤٨٤) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٤٩) -، قال: حدثنا عبد الباقي بن قانع، نا إسماعيل بن الفضل، نا محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي، نا سليمان بن عمر بن سيار مديني، حدثني أبي، عن ابن أخي الزهري، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: ((لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنَ القُبْلَةِ؛ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ وَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عِللٌ:
الأُولى: عمر بن سيار الرقي، ذكره العُقيليُّ في (الضعفاء ٣/ ٣١) فقال: "عن ابن أخي الزهري، لا يتابع على حديثه ... ، وقد حَدَّثَ عمر بن سيار هذا عن ابن أخي الزهري بما لا يعرف عنه، ولا يتابعه عليه أحد"اهـ. ولذا قال الذهبيُّ: ليس بالمتين" (الميزان ٦١٣٤). وذكره في (ديوان الضعفاء ٣٠٥٩) وقال: "يخالفُ الثقاتَ".
الثانية: ابنه سليمان بن عمر بن سيار: لم نجدْ لَهُ ترجمةً.
الثانية: محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي، وهو محدثٌ رَحَّالٌ، إلا أنه متهمٌ بسرقةِ الحديثِ، قال ابنُ عَدِيٍّ: "عامة ما يرويه لا يتابعونه عليه، وهو في عداد مَن يَسرقُ الحديثَ" (الكامل ٩/ ٤٠٧)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في
стр. 9876
(الثقات ٩/ ١٥٢) وقال: "يُخطئُ كثيرًا". وينظر ترجمته في (لسان الميزان ٧٢٩٠).
* وأما إسماعيل بن الفضل فهو البلخي، قال عنه الدارقطنيُّ: "لا بأس به"، وقال الخطيبُ: "وكان ثقة" (تاريخ بغداد ٧/ ٢٨١).
وابن قانع، فيه كلام معروف.
والسندُ ضَعَّفَهُ البيهقيُّ، فقال عقبه: "رواة هذا الحديثِ إلى ابنِ أخي الزهري أكثرهم مجهولون، ولا يجوزُ الاحتجاجُ بأخبارِ المجهولين" (الخلافيات ٢/ ١٧٨).
وقال في (المعرفة): "ورُوي بإسنادٍ مجهولٍ، عن ابن أخي الزهري، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشة، ... ولا يصحُّ شيءٌ من ذلك، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحًا، ومذهب الزهري بخلافه" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٨٠ - ٣٨١).
الوجه الخامس: عن معبد بن نباتة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عُرْوةَ:
أخرجه عبدُ الرَّزَّاقِ (٥١٥)، ومحمد بن الحسن في (المدينة)، كلاهما: عن إبراهيم بن محمد المديني، عن معبد بن نُبَاتَةَ، عن محمد بن عمرو، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشة، قالت: ((قَبَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يُحْدِثْ وُضُوءًا)).
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه علتان:
الأُولى: معبد بن نباتة، مجهول.
قال الشافعيُّ ﵀ في كتاب (القديم): "فخالفنا بعض الناس، فقال: ليس
стр. 9877
في القُبلةِ الوضوءُ، واحتجَّ فيها بحديثٍ ليس بمحفوظٍ، والله أعلم". قال: "ولو ثبتَ حديثُ معبدِ بنِ نباتةَ في القُبلةِ لم أرَ فيها شيئًا، ولا في اللمسِ؛ فإن معبد بن نباتة يروي عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عائشة: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ ثُمَّ لَا يَتَوَضَّأُ)). ولكني لا أدري كيف كان معبد بن نباتة هذا؟ فإن كان ثقةً فالحجةُ فيه فيما روى عن النبيِّ ﷺ ، ولكني أخافُ أن يكونَ غلطًا من قِبلَ أن عروةَ إنما روى ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَهَا صَائِمًا)) ". انتهى كلام الشافعي. ينظر (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
كذا ذكره من رواية (ابن عطاء عن عائشة) بإسقاط (عروة)، ولهذا قال البيهقيُّ: "معبد بن نباتة هذا مجهولٌ، ومحمد بن عمرو بن عطاء لم يثبتْ له عن عائشةَ شيءٌ (١). والصحيحُ رواية عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعلي بن الحسين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن ميمون، عن عائشة: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ أَوْ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ)) " (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٧٥).
الثانية: إبراهيم بن محمد، هو ابنُ أبي يحيى الأسلمي، متروكٌ متهمٌ بالكذبِ والوضعِ، كما تقدَّمَ مرارًا.
وبهاتين العلتين ضَعَّفَهُ ابنُ عبدِ البرِّ، فقال عن معبدٍ: "هو مجهولٌ لا حُجةَ فيما رواه عندنا، وإبراهيم بن أبي يحيى عند أهل الحديث ضعيفٌ متروكُ الحديثِ" (الاستذكار ٣/ ٥٤).
стр. 9878
الطريق الثاني: عن عطاء عن عائشة، ورُوي عنه من وجوهٍ:
الوجه الأول: عن غالب بن عبيد الله، عن عطاء:
أخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٤٩٢) قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا محمد بن الحسين الحنيني، نا جندل بن والق، نا عبيد الله بن عمرو، عن غالب، عن عطاء، عن عائشة، قالت: ((رُبَّمَا قَبَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
وهذا إسنادٌ واهٍ بمرّة؛ فيه غالب وهو ابنُ عُبَيدِ اللهِ الجزريُّ، قال عنه البخاريُّ: "منكرُ الحديثِ" (التاريخ الكبير ٧/ ١٠١)، وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليسَ بثقةٍ، وقال ابنُ المدينيِّ: "كان ضعيفًا وليسَ بشيءٍ"، وقال أبو حَاتمٍ، والنسائيُّ، والدارقطنيُّ: "متروكٌ"، زاد أبو حَاتمٍ: "منكرُ الحديثِ"، وقال البرقيُّ: "لا يكتبُ حديثُه"، وَضَعَّفَهُ غَيرُ واحدٍ. انظر (لسان الميزان ٦/ ٢٩٧ - ٢٩٩/ ٥٩٧٨).
وبه أعلَّهُ الدارقطنيُّ فقال -عقبه-: "غالب بن عبيد الله متروك".
ثم أخرجه الدارقطنيُّ برقم (٥٠٨): من طريق سعدان بن نصر، عن أبي بدر، عن أبي سلمة الجهني، عن عبد الله بن غالب، عن عطاء، عن عائشة: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ لَا يُحْدِثُ وُضُوءًا)).
وقال الدارقطنيُّ -عقبه-: ((قوله: (عبد الله بن غالب) وهمٌ، وإنما أراد (غالب بن عبيد الله) وهو متروك، وأبو سلمة الجهني هو خالد بن سلمة ضعيف، وليس بالذي يروي عنه زكريا بن أبي زائدة)).
وقال الحاكمُ -عقبه-: ((غالب هذا هو ابنُ عبيد الله العُقيليُّ، .. قد خلط في هذا الحديثِ من وجهين ... )) فأسنده عن غالب بن عبيد الله عن نافع
стр. 9879
عن ابن عمر نحوه، ثم قال: ((غالب بن عبيد الله: ساقطُ الحديثِ بإجماعٍ من أهلِ النقلِ فيه)) (الخلافيات للبيهقي ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠).
وقال البيهقيُّ: "ورواه غالب بن عبيد الله الجزري، وقيل: عبد الله بن غالب، عن عطاء، عن عائشة، وغالب ضعيف، وروي من وجهٍ آخرَ عن عطاء، وكلُّ ذلك ضعيفٌ. والصحيح: عن عطاء، من قوله" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٨٣).
الوجه الثاني: عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء:
أخرجه الدارقطنيُّ في (سننه ٤٩٣) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٨٩) - قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا محمد بن غالب، نا الوليد بن صالح، نا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
ورواه البيهقيُّ أيضًا في (الخلافيات ٤٨٩) من طريق أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا تمتام يعني محمد بن غالب، به.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، ظاهره الصحة، فعثمان الدقاق "ثقة ثبت" (تاريخ بغداد ٢/ ١١١ - ١١٣)، وقد تابعه الصفار، وهو "ثقة ثبت" أيضًا (تاريخ بغداد ٥/ ٤٣٣).
وأما ابن غالب تمتام، فثقة حافظ (تذكرة الحفاظ ٦٤٢).
والوليد بن صالح: ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٧٤٢٩).
وقد تابعه عمرو بن عثمان الكلابي، ذكره الدارقطنيُّ في (العلل ٣٨٧٧). ولكن عمرو بن عثمان: ضعيف (التقريب ٥٠٧٤).
стр. 9880
وقد خولفا فيه، قال الدارقطنيُّ: " ... وخالفهما جندل بن والق، وعبد الله بن جعفر، فروياه عن عبيد الله بن عمرو، عن غالب بن عبيد، عن عطاء، عن عائشة. وغالبٌ متروكٌ" (العلل ٩/ ١١٦/ س ٣٨٧٧).
وجندل بن والق: "صدوقٌ يَغْلطُ، ويصحِّفُ" كما في (التقريب ٩٧٩).
ولكن تابعه عبد الله بن جعفر الرقي، وهو: ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٣٢٥٣)، وهو بلدي عبيد الله وصاحبه.
وقد روياه على غير الجادة، فكانتْ روايتُهما أولى بالصواب من رواية الوليد بن صالح والكلابي الَّذَيْنِ سلكا الجادة بذكر (عبد الكريم).
ولذا قال الدارقطنيُّ في (السنن): "يقال: إن الوليد بن صالح وهم في قوله: (عن عبد الكريم)، وإنما هو حديث (غالب)، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله، وهو الصواب، وإنما هو حديث غالب والله أعلم".
قلنا: وقد رُوي من طريقٍ آخرَ عن عبدِ الكريمِ مرفوعًا:
رواه البزارُ في (مسنده)، كما في (الأحكام الكبرى ١/ ٤٣٠ - ٤٣١)، و (الأحكام الوسطى ١/ ١٤٢)، و (شرح ابن ماجه ٢/ ٨٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٨٨) - قال: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح، حدثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثني أبي، عن عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: ((أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ وَلَا يَتَوَضَّأ)).
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، فإسماعيل بن يعقوب، ثقة من رجالِ النسائيِّ (التقريب ٤٩٦)، ومحمد بن موسى بن أعين: "صدوق" من رجال البخاريِّ (التقريب)، وأبوه ثقة من رجالِ الشيخين.
وقال البزارُ -عقبه-: "هذا الحديثُ لا نعلمُه يُروى عن النبيِّ ﷺ إلا من
стр. 9881
رواية عائشة، ولا نعلمُه يُروى عن عائشة إلا من حديث حبيب عن عُرْوةَ، ومن حديث عبد الكريم عن عطاء عن عائشة".
وقال البزارُ -في موضع آخر-: "وهذا الحديثُ إسنادُهُ حسنٌ، وهو معروفٌ من حديث عبد الكريم، ومحمد بن موسى ليس به بأس، قد احتملَ حديثَه أهلُ العلمِ، ولا نعلمُ فيه مطعنًا يوجب التوقف عن حديثه، وسائر الرجال يستغنى بشهرتهم عن صفاتهم، وإسماعيل بن صبيح رجل ثقة مشهور، وقد رواه خطاب بن القاسم قاضي حران، وكان مشهورًا أيضًا عن عبد الكريم" (شرح ابن ماجه ٢/ ٨٥، ٨٦).
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: ((إسنادٌ جيدٌ)) (شرح العمدة ١/ ٣١٤، ٣١٥).
وقال الحافظُ: "رجاله ثقات" (الدراية ١/ ٤٥).
قلنا: ولكن هذا الطريق غير محفوظ كذلك، فقد أعلَّهُ ابنُ مَعِينٍ، وابنُ عَدِيٍّ، وغيرُهُما:
قال يحيى بنُ مَعِينٍ: "حديثُ عبدِ الكريمِ عن عطاءٍ رديءٌ".
أسندَهُ ابنُ عَدِيٍّ عنه، ثم قال -عقبه-: "وهذا الحديثُ الذي ذكره يحيى بنُ مَعِينٍ عن عبد الكريم عن عطاء، هو ما رواه عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن عطاء عن عائشة ﵂ قالت: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُهَا وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا))، إنما أراد ابنُ مَعِينٍ هذا الحديث؛ لأنه ليس بمحفوظ، ... " (الكامل ٨/ ٤٥٨).
وتبعه الذهبيُّ، فقال -بعد أن نقلَ كلامه-: ((هذا غريبٌ فردٌ، وليسَ هو بمحفوظٍ)) (السير ٦/ ٨٣).
ولم يرتضِ عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ هذه العلةَ؛ فقال: "وموسى بن أعين هذا ثقة
стр. 9882
مشهور، وابنه مشهور، روى له البخاريُّ، ولا أعلمُ لهذا الحديثِ علة توجب تركه، ولا أعلم فيه -مع ما تقدم- أكثر من قول يحيى بنِ مَعِينٍ: (حديث عبد الكريم عن عطاء حديثٌ رديءٌ)؛ لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديثِ لا يضره" (الأحكام الوسطى ١/ ١٤٢).
وأقرَّهُ ابنُ المُلقِّنِ في (غاية السول ١/ ١٨٠).
وقال مغلطايُ: ((قال ابنُ الحَصَّارِ في كتابه (تقريب المدارك): وقد طعنوا على عبد الكريم؛ لانفراده برفع هذا الحديثُ، وليس ذلك مطعنًا، وانفراد الثقة برفع الحديث لا يقدحُ فيه، وحديثُه هذا مسندٌ صحيحٌ)) (شرح ابن ماجه ٢/ ٨٧).
قلنا: ولكن ليستِ العلةُ في مجردِ التفرد، بل في المخالفة؛ فقد رواه الثوريُّ عن عبد الكريم الجزري، عن عطاءٍ قال: ((لَيْسَ فِي القُبْلَةِ وُضُوءٌ)). كذا من قوله.
أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ٤٩١) عن وكيعٍ. وأخرجه الدارقطنيُّ في (سننه ٤٩٤، ٥٠٩) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٩١) -: من طريقِ ابنِ مهدي. كلاهما: عن سفيان الثوري، به.
وبهذا أعلَّهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ وغيرُهُما:
فقال الدارقطنيُّ: "ورواه الثوريُّ عن عبد الكريم عن عطاءٍ من قوله، وهو الصوابُ" (السنن)، وقد تقدَّمَ عقب طريق الوليد بن صالح.
وقال البيهقيُّ -عقب طريق ابن أعين-: "هذا وهمٌ، والصحيحُ عن عبد الكريم عن عطاء من قوله" (الخلافيات ٢/ ٢٠٥).
وقال ابنُ حَجرٍ: "رواه الوليد بن صالح، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم،
стр. 9883
عن عطاء، عن عائشة، ووهم فيه، وهذا هو الصواب موقوف" (إتحاف المهرة ١٩/ ٢٦٠).
وأَبَى هذه العلةَ ابنُ دَقيقِ العيدِ فقال: "أما رواية الثوري له موقوفًا، فالمسألةُ مشهورةٌ عند الفقهاء وأرباب الأصول، فيما إذا وقف ثقةٌ، وَرَفعَ ثقةٌ. وعبيد الله بن عمرو راويه عن عبد الكريم قد تقدَّمَ الثناءُ عليه، وأيضًا فإن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ صاحبُ فتوى معروفٌ بذلك، فيجوزُ أن يكون أفتى بما روى، فلا تقوى القرينة في غلط مَن رفع كل القوة" (الإمام ٢/ ٢٥٨).
وقال ابنُ التركماني: "الذى رفعه زاد والزيادة مقبولة، والحكم للرافع، ويحتمل أن يكون عطاء أَفْتَى به مرة، ومرة أخرى رفعه" (الجوهر النقي ١/ ١٢٦).
قلنا: وهذا الكلام فيه نظر جملة وتفصيلًا؛ فمن حيث التقعيد، فالقول بقبول الزيادة مطللقًا، ليس من منهج أئمة الحديث، بل هو منهج الفقهاء كما أشارَ لذلك ابنُ دَقِيقٍ، والعبرةُ في هذا الفَنِّ، بمنهجِ النقادِ وأئمةِ الحديثِ، وهو أن لكلِّ زيادةٍ حكمٌ مستقلٌ، بحسب القرائن المحيطة بها.
والثوريُّ أحفظُ من رواه عن عبد الكريم، ولا يقارن به أحدٌ، فضلًا على أن المحفوظَ عن عبيد الله بن عمرو، روايته عن غالب بن عبيد الله (المتروك)، وليس (عن عبد الكريم)، كما جزم به الدارقطنيُّ، وفي هذا رَدٌّ على كلامِ ابنِ دَقيقِ العيدِ ﵀.
الوجه الثالث: عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن عطاءٍ:
أخرجه الطبريُّ في (التفسير ٧/ ٧٤)، قال: حدثنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا مندل، عن ليث، عن عطاء، عن
стр. 9884
عائشة، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَالُ مِنِّي القُبْلَةَ بَعْدَ الوُضُوءِ، ثُمَّ لَا يُعِيدُ الوُضُوءَ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ واهٍ؛ فيه علتان:
الأُولى: ليثُ بنُ أبي سُليمٍ، وهو لينُ الحديثِ، لا يحتجُّ به، كما قال جمهورُ النُّقَّادِ، وانظر ترجمتَه في (تهذيب التهذيب ٨/ ٤٦٨). وقال الحافظُ: "صدوقٌ اختلطَ جدًّا ولم يتميزْ حديثُه فتُرك" (التقريب ٥٦٨٥).
الثانية: مندل بن علي، وهو "ضعيف" كما في (التقريب ٦٨٨٣).
الوجه الرابع: عن ابن أبي ليلى، عن عطاء:
أخرجه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٨٥)، قال: أخبرنا الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود الحسيب -قراءةً عليه-، أنبأنا عبد الله بن يعقوب الكرماني، نا محمد بن يعقوب الكرماني، نا حسان بن إبراهيم الكرماني، حدثنا سلمة بن صالح الكوفي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ قالت: ((تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -تعني: ثُمَّ مَسَّ بَعْضَ نِسَائِهِ- ثم خَرَجَ فَصَلَّى لَا يُحْدِثُ وُضُوءًا)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ وَاهٍ؛ فيه علتان:
الأُولى: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيفٌ سيءُ الحفظِ. وقد تقدَّمَ مِرارًا.
الثانيةُ: سلمة بن صالح الكوفي وهو الأحمر: ضعيفٌ واهٍ، قال عنه أحمدُ: "ليسَ بشيءٍ"، وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بثقةٍ، وقال مَرَّةً: "ليسَ بشيءٍ كتبتُ عنه"، وقال ابنُ المدينيِّ: "كان يروي عن حمادٍ فيقلبها، وَلا يضبطها كتبتُ عنه حديثًا كثيرًا ورميتُ به"، وقال أبو حَاتمٍ: "واهي الحديث،
стр. 9885
[ذاهب الحديث]، لا يكتبُ حديثُه، يَقْرُبُ في الضعفِ من سوار بن مصعب"، وقال أبُو داود: "متروكُ الحديثِ"، وقال ابنُ عمار: "ضعيفٌ متروكٌ"، وَضَعَّفَهُ النسائيُّ والدارقطنيُّ (١) وغيرُهُما. بل وأشارَ إلى كذِبِهِ يزيدُ بنُ هارونَ وهشيمٌ. ينظر ترجمته في (لسان الميزان ٣٥٦٧). وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يروي عن الأثباتِ الأشياءَ الموضوعاتِ، لا يحلُّ ذِكرُ أحاديثِهِ ولا كتابتها إلا على جهةِ التعجبِ" (المجروحين ١/ ٤٢٤). ولهذا قال الذهبيُّ: "تركوه" (ديوان الضعفاء ١٧١١).
وبه أعلَّهُ الحاكمُ فقال: ((هذا تفرَّدَ به سلمة بن صالح بإسنادِهِ، ولم يتابعْ عليه)).
نقله عنه البيهقيُّ، ثم أسندَ عن ابنِ مَعِينٍ قوله: ((سلمة الأحمر ليسَ بشيءٍ)) (الخلافيات عقب الحديث ٢/ ٢٠٣).
الطريق الثالث: عن زينب السهمية عن عائشة:
رواه أحمدُ (٢٤٣٢٩)، وابنُ أبي شيبةَ -وعنه ابن ماجه (٥٠٦) -: عن محمد بن فضيل،
ورواه الدارقطنيُّ في (سننه ٥٠٦) من طريق عباد بن العوام،
ورواه في (العلل ٩/ ١٦٢) من طريق زفر بن الهذيل،
ورواه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٤٦) من طريق عبد الواحد بن زياد،
стр. 9886
أربعتهم: عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُقَبِّلُ وَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ))، وزاد عند ابن ماجه: ((وَرُبمَا فَعَلَهُ بِي)).
والحجاج هو ابنُ أرطاة، ضعيفٌ مدلسٌ، وقدِ اختُلِفَ عليه:
فرواه الطبريُّ في (التفسير ٧/ ٧٤) من طريق حفص بن غياث عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن زينبَ مرسلًا.
والموصولُ هو الصوابُ، فإن لم يكنْ هذا الاختلاف من حفصٍ، فهو من حجاجٍ نفسه.
وقد قال أبو حَاتمٍ، وأبو زرعة عن هذا الحديثِ: "الحجاجُ يُدَلِّسُ في حديثِهِ عن الضعفاءِ، ولا يحتجُّ بحديثِهِ" (العلل لابن أبي حاتم ١٠٩).
وقال الحاكمُ: "هذا إسنادٌ لا تقومُ به الحجةُ؛ فإن حجاجَ بنَ أرطاةَ -على جلالةِ قدره- غير مذكور في الصحيح، وزينب السهمية ليس لها ذكر في حديث آخر" (الخلافيات ٢/ ١٧٦).
قلنا: حجاج قد تابعه الأوزاعي:
فرواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ في (مصنفه ٥١٤) عن الأوزاعيِّ قال: أخبرني عمرو بن شعيب عن امرأة سمَّاها أنها سمعتْ عائشةَ تقولُ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فَيُقَبِّلُنِي، ثُمَّ يُصَلِّي فَمَا يُحْدِثُ وُضُوءًا)).
وهذه المرأةُ التي نَسِيَ اسمها الراوي هي زينب، صرَّحَ بذلك ابنُ أبي العشرين في روايته عن الأوزاعيِّ:
فرواه الدارقطنيُّ (سننه ٥٠٥) من طريق عبد الحميد، ثنا الأوزاعي، نا
стр. 9887
عمرو بن شعيب، عن زينبَ، ((أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ وَيَلْمِسُهَا، أَيَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ؟ فَقَالَتْ: لَرُبَّمَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَبَّلَنِي ثُمَّ يَمْضِي فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
وتابعه عليه عثمان بن عَمرو بن ساج عن الأوزاعيِّ، ذكره الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ١٦٢).
فنخلص من هذا كلِّه بأن الحديثَ ثابتٌ عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ من روايةِ الأوزاعيِّ، والأوزاعيُّ إمامٌ مشهورٌ، وعمرُو بنُ شُعيبٍ صدوقٌ.
فانحصرتْ علةُ هذا الطريقِ في زينبَ السهميةِ.
وبها أعلَّهُ الدارقطنيُّ، فقال: "زينبُ هذه مجهولةٌ ولا تقومُ بها حجةٌ"، وأقرَّه: البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ١٧٧)، والذهبيُّ في (الميزان ٣٠٣٩)، وذكرها أيضًا في فصل النسوة المجهولات (الميزان ١٠٩٦٢).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "لا تُعْرفُ" (الاستذكار ٣/ ٥٣).
وقال الحافظُ: "لا يُعْرفُ حالُها" (التقريب ٨٥٩٧).
وذكر مغلطايُ في (شرح ابن ماجه ٢/ ٩٢)، وابنُ حَجرٍ في (تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٢٢) أنَّ ابنَ حِبَّانَ ذكرها في (الثقات) (١)، ولذا قال مغلطايُ: "فزالَ عنها -بحمد الله- اسمُ الجهالةِ، وصَحَّ حديثُها على هذا، لما أسلفناه من متابعاتٍ وشواهدَ" (شرح ابن ماجه ٢/ ٩٢).
стр. 9888
وصنيعه هذا أفضل حالًا من صنيعِ الزيلعيِّ حينما عقب على طريقها هذا من رواية حجاج فقال: "هذا سندٌ جيدٌ" (نصب الراية ١/ ٧٣).
قلنا: والذي عليه أهلُ التحقيقِ أن تفرُّدَ ابنِ حِبَّانَ بالتوثيقِ لا يعتبرُ، لما عُرِفَ عنه من توثيقِ المجاهيلِ.
هذا وقد أعلَّهُ الدارقطنيُّ بأمرٍ آخرَ:
فقال: "ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، فقال: (عن مجاهد، عن عائشة، أن النبي ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ في رَمَضَانَ) وهذا أَصَحُّ من الذي تقدَّمَ، والله أعلم" (العلل ٩/ ١٦٢).
الطريق الرابع: عن إبراهيمَ التيميِّ، عن عائشةَ:
رواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٥١٦) -ومن طريقه الدارقطنيُّ في (سننه ٥٠١)، والبيهقيُّ في (الكبرى ٦١٦) -: عن الثوريِّ، عن أبي روق، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن عائشةَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يُقَبِّلُ بَعْدَ الوُضُوءِ، وَلَا يُعِيدُ))، أَوْ قَالَتْ: ((ثُمَّ يُصَلِّي)).
ورواه أحمدُ (٢٥٧٦٧)، وابنُ أبي شيبةَ في (مصنفه ٤٨٩) عن وكيعٍ،
ورواه أبو داود (١٧٧)، والنسائيُّ في (الصغرى ١٧٥)، و (الكبرى ١٩٨) من طريق ابن مهدي، قَرَنَهُ أبو داود بالقطان،
ورواه الدارقطنيُّ في (سننه ٥٠٠) من طريق أبي عاصم النبيل وغندر قَرَنَهُما بابنِ مهديٍّ ووكيعٍ،
ورواه الدارقطنيُّ في (سننه ٥٠٢) من طريقِ قَبِيصةَ، كلهم عن الثوري به بألفاظ متقاربة.
стр. 9889
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخين غير أبي روق، واسمه: عطية بن الحارث، روى له أصحابُ السننِ خلا الترمذي، وهو صدوقٌ (التقريب ٤٦١٥).
ولكن هذا الإسنادُ منقطعٌ، إبراهيمُ التيميُّ لم يسمعْ من عائشةَ.
وبهذا أعلَّهُ غَيرُ واحدٍ منَ الأَئمةِ:
فقال أبو داود -عقبه-: "وهو مرسلٌ، إبراهيمُ التيميُّ لم يسمعْ من عائشةَ شيئًا".
وقال الترمذيُّ: "وهذا لا يصحُّ أيضًا، ولا نعرفُ لإبراهيمَ التيميِّ سماعًا من عائشةَ" (الجامع ١/ ٣٣٠).
وقال النسائيُّ -عقبه في (الصغرى) و (الكبرى) -: "ليس في هذا البابِ حديثٌ أحسن من هذا الحديثِ، وإن كان مرسلًا".
وقال الدارقطنيُّ -عقبه-: "لم يروه عن إبراهيمَ التيميِّ غير أبي روق عطية بن الحارث، ولا نعلمُ حَدَّثَ به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلفُ فيه:
فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله.
وإبراهيم التميمي لم يسمعْ من عائشةَ ولا من حفصةَ ولا أدرك زمانهما" (سنن الدارقطني ١/ ٢٥٦/ عقب رقم ٥٠٠).
وقال الحاكمُ أبو عبد الله -عقبه-: ((هذا إسنادٌ لا تقومُ عليه الحجة، فإنه مرسلٌ، لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة ولم يرها، ... )) (الخلافيات للبيهقي ٢/ ١٧٢).
стр. 9890
وقال البيهقيُّ: "وهذا مرسلٌ؛ إبراهيمُ التيميُّ لم يسمعْ من عائشةَ، قاله أبو داود وغيرُهُ من الحفاظ" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٧٨).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وهو مرسلٌ لا خلافَ فيه؛ لأنه لم يسمعْ إبراهيمَ التيميَّ، عن عائشةَ" (الاستذكار ٣/ ٥٣).
قلنا: وقد أعلَّهُ جماعةٌ بأبي روق الراوي عن إبراهيمَ التيميِّ:
فقال الحاكمُ أبو عبد الله -عقب حديث أبي روق-: ((هذا إسنادٌ لا تقومُ عليه الحجةُ، فإنه مرسلٌ، ... وأبو رَوقٍ فيه نظر)) (الخلافيات للبيهقي ٢/ ١٧٢).
وقال ابنُ حَزمٍ: "وهذا حديثٌ لا يصحُّ؛ لأن راويه أبو روق وهو ضعيفٌ" (المحلى ١/ ٢٤٥).
وقال البيهقيُّ: ((وهذا أيضًا فاسدٌ من وجهين: أحدهما: أنه مرسلٌ، إبراهيم التيمي لم يلقَ عائشة. والآخر: أن أبا روق عطية بن الحارث هذا لا تقومُ به الحجةُ))، ثم أسندَ من طريقِ الدُّوريِّ عن ابنِ مَعِينٍ أنه قال: "أبو روق ليس بثقة"! (الخلافيات ٢/ ١٧١ - ١٧٣).
وقال في (المعرفة ١/ ٣٧٨): "وأبو روق ليسَ بالقويِّ، ضَعَّفَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ وغيرُهُ".
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "ولم يروه أيضًا غير أبي روق وليس فيما انفردَ به حجةٌ" (الاستذكار ٣/ ٥٣).
قلنا: وهذا غير مسلم قطعًا، فقد أثنى على أبي روق جمهورُ النقادِ، فقال أبو داود: "سمعتُ أحمدَ يقولُ: أبو روق مقاربُ الحديثِ ثقةٌ" (سؤالات أبي داود ٣٩٠)، وفي رواية عن أحمد: "ليس به بأس" (الجرح والتعديل
стр. 9891
٦/ ٣٨٢)، وكذلك قال النسائيُّ، ويعقوبُ بنُ سفيانَ: (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٢٤)، وقال أبو حَاتمٍ: "صدوقٌ"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ١٠٠٥٢)، ولذا قال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "صدوقٌ" (التقريب ٤٦١٥).
وأما ما أسنده البيهقيُّ عن ابنِ مَعِينٍ، فغير معروفٍ عنه، بل المنقولُ عنه أنه قال فيه: "صالح"، كذا رواه إسحاقُ بنُ منصورٍ عن ابنِ مَعِينٍ، انظر (الجرح والتعديل ٦/ ٣٨٢)، وليس في (تاريخ الدوري) المطبوع شيءٌ مما ذكره البيهقيُّ، ولو كان محفوظًا عنه، فما ذكرناه عن أحمدَ وغيره منَ الأَئمةِ هو المعتمدُ، لاسيما مع اختلافِ النقلِ عن ابنِ مَعِينٍ، والله أعلم.
فإن قيلَ: لم ينفردِ البيهقيُّ بقوله عن أبي روق: "لا تقوم به الحجة"، فقد قال نحوها ابنُ عبدِ البرِّ.
فالجواب أن ابنَ عبدِ البرِّ قال أيضًا: "ولم يروه أيضًا غير أبي روق وليس فيما انفردَ به حجةٌ، وقال الكوفيون: أبو روق ثقة، ولم يذكره أحدٌ بجرحة، ومراسيل الثقات عندهم حجة، وإبراهيمُ التيميُّ أحدُ العبادِ الفُضلاءِ" (الاستذكار ١/ ٢٥٧).
هذا كلامه، وقد نصَّ على أنه لم يذكره أحدٌ بجرحة، ومع ذلك فقد تعقبه مغلطاي في قوله: (وليس فيما انفرد به حجة) بقول ابنِ عبدِ البرِّ نفسِه في موضعٍ آخر: "هو عندهم صدوقٌ ليسَ به بأس صالح الحديث" (شرح ابن ماجه ٢/ ٩٠، ٩١).
فانحصرتْ علةُ هذا الطريقِ: في الانقطاعِ بين إبراهيمَ التيميِّ وعائشةَ، مع كونِ المحفوظِ عن عائشةَ -مما بلغَ حدَّ التواترِ عنها-: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))، ليس فيه الوضوء.
стр. 9892
قلنا: ووصله بعضُهم عن الثوريِّ عن أبي رَوقٍ عن إبراهيمَ عن أبيه عن عائشةَ، قال الدارقطنيُّ: ((وقد رَوى هذا الحديثَ معاويةُ بنُ هشامٍ، عن الثوريِّ، عن أبي رَوقٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن أبيه، عن عائشةَ، فوصلَ إسنادَهُ. واختُلِفَ عنه في لفظِهِ؛ فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسنادِ: ((إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))، وقال عنه غير عثمان: ((إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَلَا يَتَوَضَّأُ))، والله أعلم)) (السنن ١/ ٢٥٦).
ورواية عثمان: أخرجها الدارقطنيُّ في (السنن ٥٠٤) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٤٥) - قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا عثمان بن أبي شيبة، نا معاوية بن هشام، نا سفيان الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)).
ولم نقفْ على الروايةِ التي فيها ذكر الوضوء.
وعلى كلِّ حَالٍ، هذه الروايةُ معلولةٌ بروايةِ الجماعةِ عن الثوريِّ بدون ذكر (عن أبيه) بين إبراهيمَ وعائشةَ. كذا رواه يحيى القطانُ، وابنُ مَهديٍّ، ووكيعٌ، وعَبْدُ الرَّزَّاقِ، والفريابيُّ، وغيرُهُم من أصحابِ الثوريِّ.
وخالفهم جميعًا معاوية بن هشام، وهو: "صدوقٌ له أوهامُ" كما في (التقريب ٦٧٧١). فمثلُه لا يحتملُ منه التفرد، فكيف بمخالفة هؤلاء الجبال الأثبات؟ !
وذكرَ الدارقطنيُّ متابعةً تالفةً لمعاويةَ بنِ هِشامٍ، فقال: "ورواه إبراهيم بن هراسة، عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، نحوه، زاد فيه عن أبيه.
стр. 9893
وتابعه معاوية بن هشام على قوله: (عن أبيه)، إلا أنه قال فيه: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))، فأَتى بالصوابِ عن عائشةَ" (العلل ٩/ ١٤٦).
قلنا: وإبراهيم بن هراسة الشيباني متروكٌ متهمٌ بالكذبِ، ينظر ترجمته في (لسان الميزان ٣٣٩).
وقال الدارقطنيُّ أيضًا: "ورواه الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . وقال معاوية بن هشام: عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، وقول الثوري أشبه بالصواب" (العلل ٩/ ٢٠٠/ ٣٩٤٧).
وقال البيهقيُّ: "ورواه معاوية بن هشام، وليس بالقوي، عن سفيان، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، واختلف عليه في متنه فقيل عنه: في قُبلةِ الصَّائمِ. وقيل عنه: في تركِ الوضوءِ منها" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٧٩).
وأشارَ لذلك أيضًا أبو داود، حيث قال -عقب الطريق السابق-: ((هو مرسلٌ؛ إبراهيمُ التيميُّ لم يسمعْ من عائشةَ. كذا رواه الفريابيُّ وغيرُهُ)).
قال صاحب (عون المعبود ١/ ٢٠٨): "وغرض المؤلف من إيراد هذه الجملة -يعني قوله (كذا رواه الفريابي وغيره) - أن أكثرَ الحفاظِ من أصحابِ الثوريِّ كيحيى بنِ سعيدٍ القطانِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، ومحمدِ بنِ يوسفَ الفريابيِّ، ووكيعٍ وغيرهم، رووه هكذا عن سفيانَ مرسلًا غير موصول وفيه تعريضٌ على مَن وصله من بعضِ أصحابِ الثوريِّ، كمعاويةَ بنِ هشامٍ".
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "رواه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ عن الثوريِّ فقال
стр. 9894
فيه: (عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة)، لكن إسنادُهُ ضعيفٌ" (الدراية ١/ ٤٤).
وأما ابن التركماني، فاعتمدَ على هذا الطريقِ في تصحيحِ الحديثِ، فقال: "ومعاويةُ هذا أخرجَ له مسلمٌ في (صحيحه) فزالَ بذاك انقطاعه" (الجوهر النقي ١/ ١٢٥).
وقال مغلطايُ -متعقبًا ابنَ عبدِ البرِّ في قوله السابق عن طريقِ إبرهيمَ عن عائشةَ: (هو مرسل بلا خلاف) -: "وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك؛ لما ذكره أبو الحسن في (سننه) مسندًا من طريق صحيحة، فقال: ورواه معاوية بن هشام -يعني: المخرج حديثه في صحيح مسلم- عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه -يعني: المخرج حديثه في الصحيحين- عنها، فوصلَ إسنادَهُ)) (شرح سنن ابن ماجه ٢/ ٩١).
قلنا: وقولهما فيه نظر ظاهر؛ فهي على فرض صحتها، فالذي وقفنا عليه عن معاوية بن هشام به ليس فيه الوضوء، فلا يصحُّ التعلق بها حينئذٍ وتصحيح حديث الوضوء لأجلها، فكيف وهذه الرواية الموصولة محضُ وهمٍ؟ ! .
الطريق الخامس: عن أبي سلمة عن عائشة:
أخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط ٤٣٨٥): حدثني عبد الله بن العباس بن الوليد قال: حدثني أبي قال: أخبرني محمد بن شعيب بن شابور قال: نا سعيد بن بشير، عن منصور بن زاذان، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِي ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
وأخرجه الطبرانيُّ -أيضًا- في (الأوسط ٤٦٨٦) قال: حدثنا أبو زرعة،
стр. 9895
قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن منصور بن زاذان، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن عائشة: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
وأخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٤٨٥)، وابنُ عبدِ البرِّ في (الاستذكار ٣/ ٥٠): من طريق سعيد بن بشير، به نحوه.
وقال الطبرانيُّ -بإثر رقم (٤٣٨٥) -: "لم يرو هذا الحديث عن منصور إلا سعيد بن بشير، ولم يروه عنِ الزهريِّ إلا منصور".
وقال في الموضع الآخر: "لم يرو هذا الحديث عنِ الزهريِّ إلا منصور، تفرَّدَ به سعيد بن بشير".
قلنا: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: سعيد بن بشير وهو ضعيفٌ. وقد خُولِفَ فيه:
فقد رواه الثقاتُ الأثباتُ من أصحابِ الزهريِّ عنه عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ)).
كذا رواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ في (المصنف ٧٥٤٠) عن معمرٍ وابنِ جُريجٍ، عنِ الزهريِّ به.
وبهذا أعلَّهُ أبو حَاتمٍ الرازيُّ؛ فقال: ((هذا حديثٌ منكرٌ لا أصلَ له من حديثِ الزهريِّ، ولا أعلم منصور بن زاذان سمع منَ الزُّهْريِّ، ولا روى عنه. إنما أراد: الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: (أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))).
قال عبد الرحمن: قلتُ لأبي: الوهم ممن هو؟ قال: ((من سعيد بن بشير)) (علل الحديث ١/ ٥٦٥/ ١٠٨).
стр. 9896
وقال الدارقطنيُّ -عقبه-: ((تفرَّدَ به سعيد بن بشير، عن منصور، عنِ الزهريِّ، ولم يتابعْ عليه، وليس بقويٍّ في الحديثِ، والمحفوظُ عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)). وكذلك رواه الحفاظُ الثقاتُ: عنِ الزهريِّ، منهم معمرٌ، وعقيلٌ، وابنُ أبي ذِئْبٍ. وقال مالكٌ عنِ الزهريِّ: (في القُبلةِ الوُضُوءُ) (١)، ولو كان ما رواه سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن منصورٍ، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ صحيحًا، لما كان الزهري يفتي بخلافه، والله أعلم)) اهـ.
وقال البيهقيُّ: ((وروي عن سعيد بن بشير -وهو ضعيفٌ-، عن منصور بن زاذان، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، ... ولا يصحُّ شيءٌ من ذلك، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحًا، ومذهبُ الزهريِّ بخلافه)) (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٨١).
وقال في (الخلافيات ٢/ ١٧٩): ((تفرَّدَ به: سعيدُ بنُ بشيرٍ وليسَ بالقويِّ)).
الطريق الخامس: عن علي بن حسين، عن عائشة:
أخرجه أبو علي الرفاء في (فوائده ١٥) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن وهب، حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا حكام بن سلم، حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن ذكوان، عن علي بن حسين، عن عائشة: ((أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُقبِّلُ وهو صَائِمٌ، ويُقبِّلُ ولَا يَتَوَضَّأُ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ منكرٌ؛ فيه: محمد بن عيسى الدامغانيُّ، قال أبو حَاتمٍ: ((يكتبُ حديثُه)) (الجرح والتعديل ٨/ ٣٩)، وقال الحافظُ: ((مقبولٌ)) (التقريب
стр. 9897
٦٢٠٥) يعني إذا توبع وإلا فلينٌ، ولم يتابعْ على روايتِهِ هذه.
وحكام بن سلم: "ثقةٌ له غرائبُ"، كما في (التقريب).
وقد خُولِفَ في هذا الحديثِ؛ فقد روى هذا الحديثَ عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري بهذا الإسنادِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))، ولم يذكر الوضوء. كما عند أحمد (٢٥٨٠٠)، ومسلم (١١٠٦/ ٧٢)، وغيرهما.
وتابع الثوري: ابن أبي الزناد في (مسند الطيالسي ١٦٢٦) عن أبيه بسنده ومتنه سواء.
وبهذا أعلَّ الدارقطنيُّ هذا الطريقَ، فقال: ((حَدَّثَ به حَكَّامُ بنُ سلم (١)، عنه ولَم يَروِه عنه غير محمد بن عيسى الدامغاني، ووَهِم فيه هو أَو حَكَّامٌ، والمَحفُوظُ بهذا الإسنادِ عن الثَّوري: (أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ) فقط. وكَذلك رواه ابنُ أَبي الزِّنادِ، عن أَبيه، عن علي بن حُسيَن، عن عائِشة، وهو الصَّوابُ)) (العلل ٣٨٦٤).
قلنا: والوهم أقرب إلى الدامغاني، فلم يُوثَّقْ، بخلاف حكَّام بن سلم فقد وَثَّقَهُ جماعةٌ وروى له مسلمٌ، وأما وصف حديثِهِ بالغرابةِ فقد قيلَ هذا في روايته عن عنبسةَ وحده، والله أعلم، وانظر (تهذيب التهذيب ٧٣٥).
الطريق السادس: عن أبي الصديق، عن عائشة:
رواه ابنُ أبي حَاتمٍ في (العلل ١/ ٦٤٢/ ١٦٦) قال: سمعتُ أبي وذكرَ حديثًا حدثنا به عن محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، عن أبي سعيد
стр. 9898
مولى بني هاشم، قال: حدثنا أبو سلام، عن زيدٍ العميِّ، عن أبي الصديقِ، عن عائشةَ: ((أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَهَا، ثُمَّ مَضَى لوَجْهِهِ، ولم يُحْدِثْ وُضُوءًا)).
وسمعتُ أبي يقولُ: ((أبو سلام هذا هو خطأ؛ إنما هو سلام الطويل، والحديثٌ منكرٌ، وسلام متروكُ الحديثِ)).
وقد ضَعَّفَ الخبرَ، بخلافِ مَن تقدَّمَ ذكرُهم في ثنايا التحقيق:
ابنُ قدامةَ المقدسيُّ؛ حيثُ قال: "وأما حديثُ القُبْلَةِ فكلُّ طرقه معلولةٌ" (المغني ١/ ٢٥٨).
وقال العظيم آبادي: "وحديثُ البابِ ضعيفٌ" (عون المعبود ١/ ٢٠٧).
ومع ما تقدَّمَ فقد صَحَّحَ الحديثَ غَيرُ واحدٍ منَ العلماءِ:
فَصَحَّحَهُ الطبريُّ في (التفسير ٧/ ٧٣)، وعبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الكبرى ١/ ٤٣٠) -وأقرَّهُ ابنُ المُلقِّنِ في (غاية السول ١/ ١٨٠) -، وأبو الحسنِ بنُ الحَصَّارِ كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٨٧)، وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في (شرح العمدة ١/ ٣١٤، ٣١٥)، وابنُ التركمانيِّ في (الجوهر ١/ ١٢٦)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧٢)، ومغلطايُ في (الإعلام ٢/ ٨٤)، والسيوطيُّ في (الجامع الصغير ٦٩٨١، ٧١٢٤)، ونورُ الدينِ السنديُّ في (حاشيته على سنن النسائيُّ ١/ ١٠٤)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٢٢٤)، والمباركفوريُّ في (تحفة الأحوذي ١/ ٢٣٧)، وأحمد شاكر في (تحقيقه للترمذي ١/ ١٣٥ - ١٤٢)، والألبانيُّ في (صحيح سنن أبي داود ١٧٢).
وقد قال ابنُ عبدِ البرِّ: "وَصَحَّحَهُ الكوفيون"، ولم يُسمِّ أحدًا. (الاستذكار ٣/ ٥٢).
стр. 9899
والراجحُ لدينا: ضَعْفُهُ، كما ذهبَ لذلك جمهورُ النقادِ، وأن كلَّ طرقه معلولةٌ أو واهيةٌ لا تصلحُ للتقويةِ، ولا تنهضُ للاعتبارِ، والله تعالى أعلم.
رواية: ((لَيسَ في القُبْلَةِ وُضُوءٌ)):
• وفي روايةٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ: ((إِنَّ القُبْلَةَ لَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ، وَلَا (١) تُفْطِرُ الصَّائِمَ))، وَقَالَ: ((يَا حُمَيْرَاءُ إِنَّ فِي دِينِنِا لَسَعَةً)).
• وفي روايةٍ مختصرةٍ، أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: ((لَيسَ في القُبْلَةِ وُضُوءٌ)).
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياقِ، وَضَعَّفَهُ: ابنُ راهويه، والبيهقيُّ، والذهبيُّ، والألبانيُّ.
ونقلَ ذلك ابنُ عبدِ البرِّ عن الحجازيين ولم يُسَمِّ أحدًا.
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [حق ٦٧٣ (واللفظ له) / هقخ ٤٦٥].
تخريج السياقة الثانية: [قط ٤٩٠، ٤٩١ (معلقًا) / هقخ ٤٦٦، ٤٦٨ (معلقًا)].
[السند]:
أخرجه إسحاق بن راهويه في (المسند) -ومن طريقه البيهقيُّ في
стр. 9900
(الخلافيات) - قال: أخبرنا بقية بن الوليد، حدثني عبد الملك بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.
وعَلَّقَهُ الدارقطنيُّ في (السنن ٤٩٠) فقال: ذكره ابنُ أبي داود قال: نا ابن المصفى، حدثنا بقية، عن عبد الملك بن محمد، به.
وعَلَّقَهُ البيهقيُّ أيضًا في (الخلافيات)، فقال: "رواه ابنُ مُصَفَّى عن بقيةَ بإسنادِهِ"، ثم ذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عبد الملك بن محمد، قال الدارقطنيُّ: "ضعيفٌ" (الميزان ٢/ ٦٦٣)، و (اللسان ٤٩٢٦).
وبه أعلَّهُ البيهقيُّ، وذكر أنه الصنعانيُّ الذي قال فيه ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يجيبُ في كلِّ ما يسألُ حتى تفرَّدَ عن الثقاتِ بالموضوعاتِ لا يجوزُ الاحتجاجُ بروايتِهِ" (المجروحين ٢/ ١١٨)، وانظر (الخلافيات ٢/ ١٩١).
وقال إسحاقُ ابنُ راهويه -عقب الحديث-: "أخشى أن يكون غلط"، وقال أبو محمد النيسابوريُّ -راوي المسند عنه-: "في المرة الأولى غلط".
يعني: أنه أخطأ في قوله الأول: ((لَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ))، وإنما هو في الصائمِ فقط، وتعبيره بالمرةِ يرجح أن الصوابَ في سياق الحديث ما عند البيهقيِّ على الشَّكِّ، بلفظ: ((لَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ أو لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ))، والله أعلم.
وأما إعلالُ البيهقيِّ له ببقيةَ بنِ الوليدِ فلا مجالَ له لأن بقيةَ ثقةٌ في نفسِه، وإنما يُخشى من تدليسه، وهو قد صرَّحَ بالسماعِ من شيخِهِ عندَ ابنِ راهويه، ولا يُشترطُ ذكره الخبر في جميعِ الطبقاتِ، لأنه ليس ممن يسوي الخبر كما بَيَّنَاهُ في غيرِ ما موضع.
стр. 9901
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "ورُوي عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ: ((إِنَّ القُبْلَةَ لَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ)).
وهذا عند الحجازيين خطأ، وإنما هو: ((لَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ)) " (الاستذكار ٣/ ٥٢).
وأما قولُ الذهبيِّ: "عبد الملك بن محمد عن هشام عن أبيه عن عائشة ... ، وعنه بقية بعَن"، يعني: عنعنه، مشيرًا إلى روايةِ الدارقطنيِّ المعنعنةِ، فلعلَّه لم يقفْ على رواية ابن راهويه.
والحديثُ ضَعَّفَهُ الألبانيُّ في (الضعيفة ٩٩٩).
وقد وقفنا على متابعةٍ له بهذا اللفظِ:
قال الدارقطنيُّ في (السنن ٤٩١) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٤٦٨) -: وذكره ابنُ أبي داود، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن المرزبان، نا هشام بن عبيد الله، نا محمد بن جابر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ بهذا.
والذي ذكره قبله من روايةِ ابنِ أبي داودَ بلفظ: ((لَيْسَ فِي القُبْلَةِ وُضُوءٌ)). وكذا أشار البيهقيُّ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ محمدُ بنُ جابرٍ، وهو ابنُ سيارٍ اليماميُّ: وَاهٍ؛ قال عنه أحمدُ: "لا يُحَدِّثُ عنه إلا شرٌّ منه"، وقال أيضًا: "كان محمدُ بنُ جابرٍ ربما ألحق -أو يلحق- في كتابه يعني الحديث"، وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليسَ بثقةٍ"، وفي روايةٍ: "ليسَ بشيءٍ"، وقال أبو زرعةَ: "ساقطُ الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ"، وقال عمرٌو الفلاسُ: "متروكُ الحديثِ"، وقال البخاريُّ: "ليسَ بالقويِّ يتكلمونَ فيه، روى مناكيرَ"، وقال أبو داود: "ليسَ بشيءٍ"،
стр. 9902
وقال النسائيُّ وجماعةٌ: "ضعيف". ينظر (تهذيب التهذيب ٩/ ٨٨ - ٨٩).
وقال الحافظُ: "صدوقٌ ذهبتْ كتبُهُ فساءَ حفظه وخلط كثيرًا وعَمِيَ فصارَ يُلَقَّن" (التقريب ٥٧٧٧).
قلنا: بل الكلام في محمد بن جابر أشد من ذلك، والله أعلم.
стр. 9903
٢٢٩٧ - حديث أم سلمة:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا)).
• وفي رواية (٢)، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا)).
• وفي رواية (٣): ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ نِسَاءَهُ في رَمَضَانَ، وما يجددُ وُضُوءًا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ: مغلطايُ، وابنُ حَجرٍ.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [طبر (٧/ ٧٤) (واللفظ له) / عيل (كثير- مغلطاي ٢/ ٩٢ - ٩٣)].
تخريج السياق الثاني: [طس ٣٨٠٥ (واللفظ له)].
تخريج السياق الثالث: [حنف (حارثي ١٨٦)].
[التحقيق]:
له طريقان:
الأول: رواه الطبريُّ في (التفسير) قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، به بلفظ السياق الأول.
ورواه الإسماعيليُّ في (حديث يحيى بن أبي كثير) من طريق يزيد بن
стр. 9904
سنان، به مثله.
وأخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط) قال: حدثنا علي بن سعيد، قال: نا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: نا أبي، ... به. بلفظ السياق الثاني.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: يزيد بن سنان بن يزيد التميميُّ الجزريُّ أبو فروةَ، قال ابنُ حَجرٍ: "ضعيف" (التقريب ٧٧٢٧).
وبه أعلَّهُ مغلطايُ في (شرح ابن ماجه ٢/ ٩٣)، وابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٤٥، ٤٦).
بينما قال الهيثميُّ: "فيه يزيدُ بنُ سنانٍ الرهاويُّ، ضَعَّفَهُ أحمدُ، ويحيى، وابنُ المديني، ووَثَّقَهُ: البخاريُّ، وأبو حَاتمٍ، وثبَّته: مروان بن معاوية، وبقية رجاله موثَّقون"! (المجمع ١٢٨٠).
الطريق الثاني:
أخرجه أبو محمدٍ الحارثيُّ في (مسند أبي حنيفة) قال: كتبَ إليَّ أبو سعيدٍ البصريُّ النجيرميُّ، حدثنا هانئ (١) بن منصور الجرجاني، حدثنا الحسن بن زياد، حدثنا أبو حنيفة، عن سليمان بن يسار، عن أمِّ سلمةَ، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ مسلسَلٌ بالعِللِ:
الأُولى: الحسن بن زياد اللُّؤْلُؤي الكوفي؛ وهو متروكٌ كذَّابٌ؛ كذَّبه يحيى بنُ مَعِينٍ، وابنُ نُمَير، وأبو داود، ويعقوبُ بنُ سفيانَ، والساجيُّ، وغيرُهُم. وقال ابنُ المَدِيني: "لا يُكتبُ حديثُهُ"، وقال أبو حَاتمٍ والنسائيُّ: "ليس بثقةٍ، ولا مأمون"، وقال الدارقطنيُّ: "ضعيفٌ متروكٌ". انظر (لسان الميزان
стр. 9905
٢٢٧٨).
الثانية: أبو حَنيفةَ النُّعْمانُ بنُ ثابتٍ؛ فهو وإن كان إمامًا في الفقهِ، إلا أنه ضعيفٌ في الحديثِ، قال عنه الإمامُ البخاريُّ: "سكتوا عنه وعن رأيهِ وعن حديثِهِ" (التاريخ الكبير ٨/ ٨١)، وقال ابنُ عَدِيٍّ -بعد أن سَبَر مروياتِه-: "عامَّةُ ما يرويه غلطٌ وتصاحيفُ وزياداتٌ في أسانيدِهِا ومتونِهِا، وتصاحيفُ في الرجالِ، وعامَّةُ ما يرويه كذلك، ولم يصحَّ له في جَميعِ ما يرويه إلا بضعةَ عشرَ حديثًا" (الكامل ١٠/ ١٣٣)، وقال ابنُ حِبَّانَ: "وكان رجلًا جَدِلًا ظاهرَ الورعِ، لم يكنِ الحديثُ صناعتَه، حَدَّثَ بمئةٍ وثلاثين حديثًا مسانيدَ، ما له حديثٌ في الدنيا غيرُها، أخطأَ منها في مئةٍ وعشرين حديثًا، إما أن يكون أقلب إسنادَهُ، أو غيَّر متْنَه من حيثُ لا يعلم! فلما غلب خطؤُه على صوابه؛ استحق ترْك الاحتجاجِ به في الأخبارِ" (المجروحين لابنِ حِبَّانَ ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦). وانظر أيضًا (الجرح والتعديل ٨/ ٤٤٩)، و (الضعفاء للعقيلي ١٨٨١)، وغير ذلك.
الثالثة: هانئ بنُ منصورٍ الجرجانيُّ لم نجدْ لَهُ ترجمةً.
الرابعة: أبو سعيدٍ البصريُّ النجيرميُّ (١)؛ شيخٌ متأخرٌ ساقطٌ، قال عنه ابنُ حِبَّانَ: "رأيتُه قد وضعَ على أبي حنيفةَ أكثر من ثلاث مئة حديث ما لم يحدثْ به أبو حنيفة قط، لا نُحبُّ أن يشتغلَ بروايتِهِ. فقلتُ له: يا شيخ اتقِ اللهَ ولا تكذبْ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فما زادني على أن قال لي: لستَ مِني في حلٍّ، فقمتُ وتركتُه، وإنما ذكرتُه؛ لأنَّ أحدَاثَ أصحابنا يشتغلون بشيءٍ
стр. 9906
من روايتِهِ" (المجروحين ١/ ٢٠٩). وقال الحسن بن علي بن غلام الزهري: "أبَّا بن جعفر (١) كان يضعُ الحديثَ" (لسان الميزان ١/ ٢٣١).
بل راويه أبو محمد الحارثي -المعروف بالأستاذ- قد تكلم فيه أيضًا، انظر (اللسان ٤٤٣٠).
[تنبيه]:
أخطأَ الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧٥) -وتبعه ابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٤٥) -، حيثُ زعمَ أن الطبرانيَّ أخرجه من حديثِ أبي هريرةَ، وهو عنده من حديثِ أم سلمةَ وكذا في (مجمع البحرين ٤٣٦)، أما حديث أبي هريرة، فهو عنده من طريقٍ آخرَ بلفظِ: ((كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائمٌ))، وليس هو من رواية يزيد بن سنان.
стр. 9907
٢٢٩٨ - حديثُ حَفْصَةَ:
◼ عَنْ حَفْصَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ((أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُقَبِّلُ وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا ((.
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا معلولٌ، وأعلَّهُ: الدارقطنيُّ، وتبعه البيهقيُّ.
[التخريج]: [قط ٥٠٣ (واللفظ له) / هقخ ٤٤٤/ حنف (نعيم صـ ٢٠٦، ٢٧٥) / حنف (خسرو ٩٠٦) / حنف (طلحة - خوارزم ١/ ٢٤٦) / حنف (مظفر - خوارزم ١/ ٢٤٦)].
[السند]:
رواه الدارقطنيُّ -ومن طريقه البيهقيُّ- قال: حدثنا محمد بن مخلد، ثنا محمد بن الجارود القطان، نا يحيى بن نصر بن حاجب، نا أبو حنيفة، عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم بن يزيد، عن حفصة زوج النبي ﷺ ، به.
ومداره عندهم على: يحيى بن نصر بن حاجب، عن أبي حنيفة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
الأُولى: الانقطاع بين إبراهيم بن يزيد التيمي وحفصة.
قال الدارقطنيُّ -عقب حديث عائشة المتقدم-: ((لم يروه عن إبراهيمَ التيميِّ غير أبي روق عطية بن الحارث، ولا نعلمُ حَدَّثَ به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه:
فأسنده الثوريُّ عن عائشةَ، وأسنده أبو حنيفة عن حفصةَ، وكلاهما أرسله.
стр. 9908
وإبراهيمُ التميميُّ لم يسمعْ من عائشةَ ولا من حفصةَ ولا أدرك زمانهما" (سنن الدارقطني ١/ ٢٥٦/ عقب رقم ٥٠٠)، وأقرَّهُ البيهقيُّ في (المعرفة ١/ ٣٧٩). وانظر (جامع التحصيل ١١).
الثانية: أبو حنيفة ﵀ مع إمامتِهِ في الفقهِ كان ضعيفًا في الحديثِ.
الثالثة: يحيى بن نصر بن حاجب، متكلَّمٌ فيه، انظر (الجرح والتعديل ٩/ ١٩٣)، و (لسان الميزان ٨٥٣٣).
الرابعة: المخالفة؛ فقدِ اختُلِفَ فيه على أبي روق، فأسنده أبو حنيفة عن حفصة كما هنا، وخالفه الثوري، فأسنده عن عائشة كما سَبَقَ.
ولا ريبَ أن روايةَ الثوريِّ -وهو أحدُ الجبالِ الحفاظِ الأثباتِ-، مقدمةٌ على روايةِ أبي حنيفةَ.
قال الدارقطنيُّ: "والحديثُ مرسلٌ لا يثبتُ، وقولُ الثوريِّ أثبتُ من قولِ أبي حنيفةَ" (العلل ٩/ ١٤٧).
قلنا: والمحفوظُ عن حفصةَ ﵂ القبلة للصائم دون ذكر الوضوء؛ أخرجه مسلم (١١٠٧) وغيرُهُ: من طريق شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ، عن حفصةَ ﵂ قالتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)).
* * *
стр. 9909
٢٢٩٩ - حديثُ أَبي أُمَامَةَ البَاهليِّ:
◼ عَن أَبي أُمَامَةَ البَاهليِّ ﵁ قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ الله؛ الرجُلُ يَتَوَضَّأُ للصَّلَاةِ ثُم يُقَبِّلُ أَهْلَهُ ويُلَاعبُهَا، يَنقُضُ ذَلكَ وُضُوءَهُ؟ قَالَ: ((لَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وأنكره: ابنُ حِبَّانَ، وابنُ عَدِيٍّ، والبيهقيُّ.
وقال ابنُ الجوزيِّ: "لا يصحُّ"، وأقرَّهُ ابنُ عبدِ الهادِي.
وَضَعَّفَهُ: الزيلعيُّ، وابنُ حَجرٍ، والسيوطيُّ.
[التخريج]:
[مجر (١/ ٣٧٧) (واللفظ له) / عد (٤/ ٥٨٨) / علج ٦٠٢/ تحقيق ١٧٣/ هقخ ٤٨٧/ كر (١٨/ ١٩٤)].
[السند]:
أخرجه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين) -ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في (العلل والتحقيق) -، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات)، وابنُ عساكرَ في (التاريخ) - قالا -والسياقُ لابنِ حِبَّانَ-: حدثنا ابن قتيبة بعسقلان، حدثنا عبد العزيز بن إسحاق بن هبار، حدثنا آدم بن أبي إياس (١)، حدثنا ركن بن عبد الله، عن مكحول، عن أبي أمامة،
стр. 9910
به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: ركن بن عبد الله الشامي، وهو متروكٌ كما قال النسائيُّ والدارقطنيُّ وغيرُهُما، انظر (لسان الميزان ٣/ ٤٧٦).
وبه أعلَّهُ ابنُ حِبَّانَ فقال: "رَوَى عن مكحول شبيهًا بمائة حديث، ما لكثيرٍ منها أصل، لا يجوزُ الاحتجاجُ به بحالٍ، روى عن مكحولٍ عن أبي أمامةَ بنسخةٍ أكثرها موضوعٌ وعن غير أبي أمامة من الصحابة وغيرهم. منها: رَوَى عَن مكحولٍ، عَن أَبِي أمامةَ، قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ: الرجلُ يَتَوَضَّأُ للصلاةِ ثُمَّ يُقَبِّلُ أَهْلَهُ ... الحديث" (المجروحين ١/ ٣٧٧).
وأقرَّهُ ابنُ القيسرانيُّ في (تذكرة الحفاظ ١٠٨٦).
وذكره ابنُ عَدِيٍّ في (الضعفاء)، ونَقلَ عن ابنِ مَعِينٍ قوله في ركن أنه: "ليسَ بشيءٍ"، وفي رواية: "ليس بثقة"، ثم روى له هذا الحديث وغيره، ثم قال: "وركن هذا له عن مكحول أحاديث غير ما ذكرته ومقدار ما له مناكير" (الكامل ٤/ ٥٨٨).
وقال البيهقيُّ: "وهذا إسنادٌ مجهولٌ؛ ركن الشامي تكلَّموا فيه" (الخلافيات ٢/ ٢٠٤).
وقال ابنُ القيسرانيُّ: "ركنٌ ليسَ بشيءٍ" (ذخيرة الحفاظ ٣٠٩٣).
وقال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ"، ثم ذكرَ كلامَ ابنِ حِبَّانَ وغيره في ركنٍ (العلل المتناهية ٦٠٢)، وأقرَّهُ ابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٥٨).
وكذا أقرَّ بتضعيفه: الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧٥).