من روايتِهِ" (المجروحين ١/ ٢٠٩). وقال الحسن بن علي بن غلام الزهري: "أبَّا بن جعفر (١) كان يضعُ الحديثَ" (لسان الميزان ١/ ٢٣١).
بل راويه أبو محمد الحارثي -المعروف بالأستاذ- قد تكلم فيه أيضًا، انظر (اللسان ٤٤٣٠).
[تنبيه]:
أخطأَ الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧٥) -وتبعه ابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٤٥) -، حيثُ زعمَ أن الطبرانيَّ أخرجه من حديثِ أبي هريرةَ، وهو عنده من حديثِ أم سلمةَ وكذا في (مجمع البحرين ٤٣٦)، أما حديث أبي هريرة، فهو عنده من طريقٍ آخرَ بلفظِ: ((كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائمٌ))، وليس هو من رواية يزيد بن سنان.
стр. 9907
٢٢٩٨ - حديثُ حَفْصَةَ:
◼ عَنْ حَفْصَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ((أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُقَبِّلُ وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا ((.
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا معلولٌ، وأعلَّهُ: الدارقطنيُّ، وتبعه البيهقيُّ.
[التخريج]: [قط ٥٠٣ (واللفظ له) / هقخ ٤٤٤/ حنف (نعيم صـ ٢٠٦، ٢٧٥) / حنف (خسرو ٩٠٦) / حنف (طلحة - خوارزم ١/ ٢٤٦) / حنف (مظفر - خوارزم ١/ ٢٤٦)].
[السند]:
رواه الدارقطنيُّ -ومن طريقه البيهقيُّ- قال: حدثنا محمد بن مخلد، ثنا محمد بن الجارود القطان، نا يحيى بن نصر بن حاجب، نا أبو حنيفة، عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم بن يزيد، عن حفصة زوج النبي ﷺ ، به.
ومداره عندهم على: يحيى بن نصر بن حاجب، عن أبي حنيفة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
الأُولى: الانقطاع بين إبراهيم بن يزيد التيمي وحفصة.
قال الدارقطنيُّ -عقب حديث عائشة المتقدم-: ((لم يروه عن إبراهيمَ التيميِّ غير أبي روق عطية بن الحارث، ولا نعلمُ حَدَّثَ به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه:
فأسنده الثوريُّ عن عائشةَ، وأسنده أبو حنيفة عن حفصةَ، وكلاهما أرسله.
стр. 9908
وإبراهيمُ التميميُّ لم يسمعْ من عائشةَ ولا من حفصةَ ولا أدرك زمانهما" (سنن الدارقطني ١/ ٢٥٦/ عقب رقم ٥٠٠)، وأقرَّهُ البيهقيُّ في (المعرفة ١/ ٣٧٩). وانظر (جامع التحصيل ١١).
الثانية: أبو حنيفة ﵀ مع إمامتِهِ في الفقهِ كان ضعيفًا في الحديثِ.
الثالثة: يحيى بن نصر بن حاجب، متكلَّمٌ فيه، انظر (الجرح والتعديل ٩/ ١٩٣)، و (لسان الميزان ٨٥٣٣).
الرابعة: المخالفة؛ فقدِ اختُلِفَ فيه على أبي روق، فأسنده أبو حنيفة عن حفصة كما هنا، وخالفه الثوري، فأسنده عن عائشة كما سَبَقَ.
ولا ريبَ أن روايةَ الثوريِّ -وهو أحدُ الجبالِ الحفاظِ الأثباتِ-، مقدمةٌ على روايةِ أبي حنيفةَ.
قال الدارقطنيُّ: "والحديثُ مرسلٌ لا يثبتُ، وقولُ الثوريِّ أثبتُ من قولِ أبي حنيفةَ" (العلل ٩/ ١٤٧).
قلنا: والمحفوظُ عن حفصةَ ﵂ القبلة للصائم دون ذكر الوضوء؛ أخرجه مسلم (١١٠٧) وغيرُهُ: من طريق شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ، عن حفصةَ ﵂ قالتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ)).
* * *
стр. 9909
٢٢٩٩ - حديثُ أَبي أُمَامَةَ البَاهليِّ:
◼ عَن أَبي أُمَامَةَ البَاهليِّ ﵁ قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ الله؛ الرجُلُ يَتَوَضَّأُ للصَّلَاةِ ثُم يُقَبِّلُ أَهْلَهُ ويُلَاعبُهَا، يَنقُضُ ذَلكَ وُضُوءَهُ؟ قَالَ: ((لَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وأنكره: ابنُ حِبَّانَ، وابنُ عَدِيٍّ، والبيهقيُّ.
وقال ابنُ الجوزيِّ: "لا يصحُّ"، وأقرَّهُ ابنُ عبدِ الهادِي.
وَضَعَّفَهُ: الزيلعيُّ، وابنُ حَجرٍ، والسيوطيُّ.
[التخريج]:
[مجر (١/ ٣٧٧) (واللفظ له) / عد (٤/ ٥٨٨) / علج ٦٠٢/ تحقيق ١٧٣/ هقخ ٤٨٧/ كر (١٨/ ١٩٤)].
[السند]:
أخرجه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين) -ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في (العلل والتحقيق) -، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات)، وابنُ عساكرَ في (التاريخ) - قالا -والسياقُ لابنِ حِبَّانَ-: حدثنا ابن قتيبة بعسقلان، حدثنا عبد العزيز بن إسحاق بن هبار، حدثنا آدم بن أبي إياس (١)، حدثنا ركن بن عبد الله، عن مكحول، عن أبي أمامة،
стр. 9910
به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: ركن بن عبد الله الشامي، وهو متروكٌ كما قال النسائيُّ والدارقطنيُّ وغيرُهُما، انظر (لسان الميزان ٣/ ٤٧٦).
وبه أعلَّهُ ابنُ حِبَّانَ فقال: "رَوَى عن مكحول شبيهًا بمائة حديث، ما لكثيرٍ منها أصل، لا يجوزُ الاحتجاجُ به بحالٍ، روى عن مكحولٍ عن أبي أمامةَ بنسخةٍ أكثرها موضوعٌ وعن غير أبي أمامة من الصحابة وغيرهم. منها: رَوَى عَن مكحولٍ، عَن أَبِي أمامةَ، قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ: الرجلُ يَتَوَضَّأُ للصلاةِ ثُمَّ يُقَبِّلُ أَهْلَهُ ... الحديث" (المجروحين ١/ ٣٧٧).
وأقرَّهُ ابنُ القيسرانيُّ في (تذكرة الحفاظ ١٠٨٦).
وذكره ابنُ عَدِيٍّ في (الضعفاء)، ونَقلَ عن ابنِ مَعِينٍ قوله في ركن أنه: "ليسَ بشيءٍ"، وفي رواية: "ليس بثقة"، ثم روى له هذا الحديث وغيره، ثم قال: "وركن هذا له عن مكحول أحاديث غير ما ذكرته ومقدار ما له مناكير" (الكامل ٤/ ٥٨٨).
وقال البيهقيُّ: "وهذا إسنادٌ مجهولٌ؛ ركن الشامي تكلَّموا فيه" (الخلافيات ٢/ ٢٠٤).
وقال ابنُ القيسرانيُّ: "ركنٌ ليسَ بشيءٍ" (ذخيرة الحفاظ ٣٠٩٣).
وقال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ"، ثم ذكرَ كلامَ ابنِ حِبَّانَ وغيره في ركنٍ (العلل المتناهية ٦٠٢)، وأقرَّهُ ابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٥٨).
وكذا أقرَّ بتضعيفه: الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧٥).
стр. 9911
وقال ابنُ حَجرٍ: "أخرجه ابنُ عَدِيٍّ، وإسنادُهُ ضعيفٌ" (الدراية ١/ ٤٥).
وقال السيوطيُّ: ((فيه ركن بن عبد الله الشامي: متروك)) (جمع الجوامع ٢٢/ ٢٧٨).
* * *
стр. 9912
٢٣٠٠ - حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ:
◼ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ ﵁ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يُحْدِثُ وُضُوءًا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وهو ظاهرُ صنيع البيهقيِّ.
[التخريج]: [هقخ ٤٤٨].
[السند]:
قال البيهقيُّ: أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان، حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي، حدثنا شداد بن حكيم، حدثنا زفر بن الهذيل، عن العرزمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: العرزميُّ -وهو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان-، قال فيه الحافظُ: "متروك" (التقريب ٦١٠٨).
وبه أعلَّهُ البيهقيُّ فقال: "كذا رواه العرزميُّ عنه، وهو متروكٌ" (الخلافيات ٢/ ١٧٨)، ونحوه في (المعرفة ١/ ٣٨٠).
قلنا: والمحفوظُ عن عمرِو بنِ شعيبٍ حديثه عن زينب السهمية عن عائشةَ، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه ضمن طرق حديث عائشة أول الباب.
стр. 9913
٢٣٠١ - حديثُ ابنِ عمرَ:
◼ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ [وَهُوَ صَائِمٌ]، وَلَا يُعِيدُ الوُضُوءَ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وَضَعَّفَهُ: ابنُ حِبَّانَ، وابنُ عَدِيٍّ، والحاكمُ، والبيهقيُّ، وابنُ القيسرانيُّ، والذهبيُّ، والزيلعيُّ، والعينيُّ.
[التخريج]: [مجر (٢/ ١٩٧) (واللفظ له) / عد (٨/ ٥٥٨) (والزيادة له) / هقخ ٤٨١].
[السند]:
رواه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين) قال: أخبرناه عمران بن فضالة الشعيري بالموصل، قال: حدثنا مسعود بن جويرية، قال: حدثنا عمر بن أيوب الموصلي، قال: حدثنا غالب بن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه البيهقيُّ عن الحاكمِ، عن الزبير بن عبد الواحد، حدثنا عمران بن فضالة الموصلي به.
وتوبع عمران، فرواه ابنُ عَدِيٍّ عن زيد بن عبد العزيز الموصلي، حدثنا مسعود بن جويرية، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: غالبُ بنُ عُبيدِ اللهِ العُقيليُّ الجزريُّ، وهو متروكٌ كما قال الدارقطنيُّ وغيرُهُ، انظر (الميزان ٣/ ٣٣١)، مع (اللسان ٤/ ٤١٤).
стр. 9914
وبه أعلَّهُ ابنُ حِبَّانَ، فذكره في (المجروحين ٢/ ١٩٦) فقال: ((كان ممن يروي المعضلات عن الثقات حتى ربما يَسْبِقُ إلى القلبِ أَنه كان المتعمد لها، لا يجوزُ الاحتجاجُ بخبره))، ثم ذكرَ له هذا الحديث وغيره.
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "ولغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره" (الكامل ٨/ ٥٥٩).
وقال الحاكمُ -عقبه-: ((غالب بن عبيد الله: ساقطُ الحديثِ بإجماعٍ من أهلِ النقلِ فيه))، نقله عنه البيهقيُّ في (الخلافيات)، وأقرَّه، ثم ذكرَ بعضَ أقوالِ العلماءِ في ضَعْفِ غالبٍ، ثم قال: ((وفي هذا غنيةٌ لمن تدبره)) (الخلافيات ٢/ ٢٠٠ - ٢٠٢).
وقال ابنُ القيسرانيُّ: ((فيه غالب بن عبيد الله كان يُتَّهَمُ بالوضعِ)) (معرفة التذكرة صـ ١٧٤).
وعدَّه الذهبيُّ من مناكيرِهِ، فقال: ((ومن مناكيرِهِ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ))، فذكر حديثين، أحدهما هذا الحديث (تاريخ الإسلام ٤/ ١٨٢).
وَضَعَّفَهُ العينيُّ في (العمدة ١٦/ ٣٧٥)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧٦).
стр. 9915
٢٣٠٢ - حديثُ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ:
◼ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: ((أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلَ إِلَى الصَّلاةِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهَا، فَتَنَاوَلَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمْ يَنْهَهُ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [طس ٧٢٢٧].
[السند]:
قال الطبرانيُّ في (الأوسط): حدثنا محمد بن جابان، نا محمد بن يزيد المستملي، حدثنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا زفر بن الهذيل، عن ليث بن أبي سليم، عن ثابت بن عبيد، عن أبي مسعود، به.
قال الطبرانيُّ: "لم يرو هذا الحديث عن زفر إلا أبو علي الحنفي".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: محمد بن يزيد المستملي، قال ابنُ عَدِيٍّ: "يسرقُ الحديثَ ويزيدُ فيه ويضعُ" (الكامل ٩/ ٤٠٥)، مع (اللسان ٧٥٦٠)، ومع ذلك ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩/ ١١٥) وقال: "ربما أخطأَ"! .
وليثُ بنُ أبي سليمٍ، وهو ضعيفٌ كما سَبَقَ مِرارًا.
وقصَّرَ الهيثميُّ، فقال: "رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلسٌ" (مجمع الزوائد ١/ ٢٤٧).
وهذا خطأٌ أيضًا، فلم يصفْ أحدٌ من أئمةِ النقدِ ليثَ بنَ أبي سُليمٍ بالتدليسِ، وانظر (ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم للألباني
стр. 9916
حديث رقم ١١٣٠)، و (طبقات المدلسين لابنِ حَجرٍ/ ملحق المحقق: ترجمة ١٦٨).
стр. 9917
٢٣٠٣ - حديثُ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ مرسلًا:
◼ عَنْ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ، عن النبيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ)).
[الحكم]: ضعيفٌ مرسلٌ.
[التخريج]: [طبر (٧/ ٧٤)].
[السند]:
أخرجه الطبريُّ في (التفسير) قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن النبيِّ ﷺ ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ فزينبُ تابعيةٌ، ثم إنها مجهولةٌ، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليها بالتفصيلِ في حديثِ عائشةَ، فإن المحفوظَ عن عمرِو بنِ شُعيبٍ: (عن زينب السهمية عن عائشة)، كما رواه الأوزاعيُّ وغيرُهُ.
قولُ الشافعيِّ، ولا حجةَ لهم فيه لنكارةِ الأمر فيه بالوضوء والصلاة.
ولو صَحَّ لما كان لهم فيه حجة أيضًا؛ قال الحافظُ: "وتعقب بأن الأمرَ بالوضوءِ فيه للتبركِ بدليلِ حديث: ((اكْتُمِ الخَطيئَةَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا ثُمَّ صَلِّ رَكعَتَينِ)) " (الدراية ٥٩).
وقال الألبانيُّ: "لا يحسنُ الاستدلالُ بالحديثِ على أنَّ لمسَ النساءِ ينقضُ الوضوءَ، كما فعلَ ابنُ الجوزيِّ في (التحقيق ١/ ١١٣) وذلك لأمور:
أولًا: أن الحديثَ ضعيفٌ لا تنهضُ به حجة.
ثانيًا: أنه لو صَحَّ سندُهُ، فليسَ فيه أن الأمرَ بالوضوءِ إنما كان من أجلِ اللمسِ، بل ليس فيه أن الرجلَ كان مُتَوضئًا قبلَ الأمرِ حتى يقال: انتقض باللمس! بل يحتمل أن الأمر إنما كان من أجلِ المعصيةِ تحقيقًا للحديثِ الآخرِ الصحيحِ بلفظ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا غَفَرَ لَهُ))، أخرجه أصحابُ السننِ وغيرُهُم وصَحَّحَهُ جمعٌ، كما بينته في (تخريج المختارة رقم ٧).
ثالثًا: هَبْ أنَّ الأمرَ إنما كان من أجلِ اللمسِ، فيحتمل أنه من أجل لمسٍ خاصٍّ، لأن الحالةَ التي وصفها، هي مظنةُ خروجِ المذي الذي هو ناقضٌ للوضوءِ، لا من أجلِ مطلق اللمس، ومع الاحتمال يسقطُ الاستدلالُ. والحقُّ أن لمسَ المرأةِ وكذا تقبيلها لا ينقضُ الوضوءَ، سواء كان بشهوةٍ أو بغيرِ شهوةٍ، وذلك لعدم قيام دليل صحيح على ذلك، وتقبيلُ المرأةِ إنما يكون مقرونًا بالشهوةِ عادة، والله أعلم" (الضعيفة ١٠٠٠).
[التخريج]:
[ت ٣٣٧١ (والروايةُ لَهُ) / حم ٢٢١١٢ (واللفظ له) / حميد ١١٠/
стр. 9920
تعظ ٧٧ (والزيادةُ لَهُ)، ٧٨/ طبر (١٢/ ٦٢٢) / طب (٢٠/ ١٣٦ - ١٣٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨) (والزيادة الرابعة له) / ك ٤٧٦ (والزيادتان: الثانيةُ والثالثةُ لَهُ ولغيرِهِ) / قط ٤٨٣/ هق ٦١٣/ هقخ ٤٣٤/ طوسي (قاري ٥/ ١١) / حد (صـ ٢٦٨) / وسيط ٤٥٩/ مديني (لطائف ٦٢٧) / تحقيق ١٦٧/ نبلا (٧/ ٣٧٨) / تذ (١/ ١٥٩)].
[السند]:
أخرجه أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو سعيد -عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري- قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير -وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير-، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل به.
وأخرجه الترمذيُّ وغيرُهُ من طرقٍ عن زائدةَ، به.
وتوبع زائدة:
فأخرجه محمد بنُ نصر المروزيُّ في (تعظيم قدر الصلاة ٧٧)، والطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٧٨)، والحاكمُ في (المستدرك ٤٧٦)، وغيرُهُم: من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، به.
وعَلَّقَهُ كذلك البيهقيُّ في (السنن عقب رقم ٦١٣) عن أبي عوانة، عن عبد الملك.
فمداره عند الجميع على: عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لانقطاعه؛ فعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعْ من
стр. 9921
معاذٍ، فقد صَحَّ عن عبد الرحمن أنه قال: ((ولِدتُ لسِتِّ سنينَ بقيتْ من خلافةِ عمرَ ﵁) (١).
وقد توفي عمرُ ﵁ (سنة ٢٣ هـ)، فيكون مولد عبد الرحمن (سنة ١٧ هـ)، وقد توفي معاذٌ ﵁ (سنة ١٨ هـ)، فيكون عُمْرُ عبد الرحمن يوم ماتَ معاذٌ سنةً واحدةً، فأنَّي له السماع منه؟ !
وقد جزمَ بعدمِ سماعه منه جماعةٌ منَ الأَئمةِ:
قال علي بن المديني: ((لم يسمعْ من معاذٍ)) (تهذيب التهذيب).
وكذا قال الترمذيُّ -كما سيأتي-، والبزارُ في (المسند ٧/ ١٠٩/ عقب رقم ٢٦٦٧)، وابنُ خُزيمةَ كما في (السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ١٨٣).
وقال ابنُ خِراشٍ: ((وما أظنُّه سمعَ من معاذٍ)) (تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٦/ ٨٨).
وسُئِلَ الدارقطنيُّ: عن سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من معاذ؟ قال: ((فيه نظر؛ لأن معاذًا قديمُ الوفاةِ، ماتَ في طاعونِ عمواسٍ، وله نيف وثلاثون سنة)) (العلل ٣/ ٤٠).
وقال ابنُ منده: ((ولا يصحُّ سماعُ ابن أبي ليلى من معاذٍ)) (الإيمان ١/ ٢٤٥).
стр. 9922
وقال البيهقيُّ: ((عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدركْ معاذًا)) (السنن الكبرى ٣/ ١٨٣).
وقال المنذريُّ: ((ذكر الترمذيُّ ومحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزيمةَ أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعْ من معاذِ بنِ جبلٍ، وما قالاه ظاهر جدًّا؛ فإن ابنَ أبي ليلى قال: (ولدتُ لستٍّ بقينَ من خِلافةِ عمرَ)، فيكون مولدُهُ سنة سبع عشرة ومعاذ توفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وقد قيل: إن مولدَهُ لستٍّ مضين من خِلافةِ عمرَ، فيكون مولدُهُ على هذا بعد موتِ معاذٍ)) (النفح الشذي لابن سَيدِ النَّاسِ ٤/ ٤١).
وقال الذهبيُّ -عند ذكرِ شيوخِ ابنِ أبي ليلى-: ((ومعاذُ بنُ جبلٍ، وما إخاله لقيه، مع كون ذلك في (السنن الأربعة))) (سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٦٣).
وجزمَ بذلك في (التاريخ) فقال: ((وروايتُه عن معاذٍ في السننِ الأربعةِ، ولم يلْحَقْهُ)) (تاريخ الإسلام ٢/ ٩٦٦).
- وبهذه العلةِ أعلَّ الحديثَ عددٌ منَ الأَئمةِ:
فقال الترمذيُّ -عقبه-: ((هذا حديثٌ ليس إسنادُهُ بمتصلٍ؛ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعْ من معاذٍ. ومعاذُ بنُ جبلٍ ماتَ في خِلافة عمرَ، وقُتِلَ عمرُ وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى غلامٌ صغيرٌ ابن ستِّ سنينَ وقد رَوى عن عمرَ (١))).
وقال البيهقيُّ -عقبه-: ((وفيه إرسالٌ، عبد الرحمن بن أبي ليلى، لم يدرك معاذ بن جبل)) (الكبرى ٦١٣).
وقال مغلطايُ -متعقبًا ابنَ عبدِ البرِّ في احتجاجه بهذا الخبرِ على نقضِ
стр. 9923
الوضوءِ باللمسِ-: ((وفي استدلاله بحديثِ معاذٍ نظر؛ لأنَّ آخرَه تبين أن المقصودَ بالوضوءِ الصلاة، لأجل التَّكْفِيرِ، لا لأجلِ اللمسِ ... ، وهو منقطعٌ فيما بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ)) (شرح سنن ابن ماجه ٢/ ٩٥).
وقال الزيلعيُّ: ((وهذا الحديثُ مع ضَعْفِهِ وانقطاعه ليس فيه حجةٌ، لأنه إنما أمره بالوضوء للتبركِ وإزالةِ الخطيئةِ لا للحدثِ، ولذلك قال له: ((تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا)))) (نصب الراية ١/ ٧٠).
وقال ابنُ كَثيرٍ: ((رواه أحمدُ. وقال بعضُ الحفاظِ: لم يسمعِ ابنُ أبي ليلى من معاذٍ، وقال بعضُ العلماءِ: إنما أمره بالوضوء ههنا، والصلاة للتوبة، لا أنه أحال الأمر بالوضوء على اللمس، ولهذا قرنه بالصلاة، والله أعلم)) (إرشاد الفقيه ١/ ٥٠).
وقال -في (التفسير ٢/ ٣١٦) -: ((قالوا: فأمره بالوضوء؛ لأنه لمسَ المرأةَ ولم يجامعها. وأجيبَ بأنه منقطعٌ بين أبي ليلى ومعاذٍ، فإنه لم يلقْه، ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة)).
وقال الشوكانيُّ: ((ولا يَخْفَاكَ أنه لا دلالة بهذا الحديثِ على محمل النزاع، فإن النبيَّ ﷺ إنما أمره بالوضوءِ ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية، إذ لا صلاةَ إلا بوضوء. وأيضا فالحديثُ منقطعٌ لأنه من روايةِ ابنِ أبي ليلى عن معاذٍ ولم يلقْه، وإذا عرفتَ هذا، فالأصلُ: البراءة عن هذا الحكم، فلا يثبتُ إلا بدليلٍ خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة)) (فتح القدير ١/ ٥٤٣).
قلنا: وقد اختلف على عبد الملك بن عمير في وصله وإرساله وكذا في متنه؛ فرواه زائدة بن قدامة وجرير بن عبد الحميد، كلاهما عن عبد الملك بن عمير به كما تقدَّمَ متصلًا، وفي روايتهما الأمر بالوضوء.
стр. 9924
وخالفهما شعبة بن الحجاج، فرواه عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، به مرسلًا وبدون ذكر الوضوء.
أخرجه النسائيُّ في (الكبرى ٧٤٨٧): من طريق خالد بن الحارث.
والطبريُّ في (التفسير ١٢/ ٦٢٢) من طريق محمد بن جعفر غُنْدرٍ وأبي داود الطيالسي. ثلاثتهم: عن شُعْبةَ، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ مِنَ امْرَأَةٍ مَا دُونَ الجِمَاعِ، فَأُنْزِلَت عَلَيْهَ هَذِهِ الآيَة: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إِلَى ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فَقَالَ معاذٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَهُ خَاصَّةً أَوْ لِلنَّاسِ كَافَّةً؟ فَقَالَ: ((لِلنَّاسِ كَافَّةً)). هذا لفظ النسائي، وعند الطبريِّ: ((فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ أُنْزِلَتْ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾)).
وأشارَ الترمذيُّ لهذه العلةِ فقال -عقب كلامه السابق-: ((وروى شعبةُ هذا الحديثَ عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبيِّ ﷺ مرسلًا)) اهـ.
وقال الدارقطنيُّ -وسُئِلَ عن هذا الحديثِ-: ((يرويه عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي ليلى، واختُلِفَ عنه؛ فوصله زائدة، وجرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي ليلى، عن معاذٍ.
وأرسله شعبةُ، ولم يذكرْ معاذًا فيه)) (العلل ٩٧٧). ولم يرجِّحْ.
وأشارَ لهذه العلةِ أيضًا الحافظُ ابنُ كَثيرٍ، فقال -عقبه-: "وأخرجه النسائيُّ من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا" (التفسير ٢/ ٣١٦).
стр. 9925
وقال الذهبيُّ: "وعلته: أن شعبةَ رواه عن عبد الملك، فأرسلَه، لم يذكر معاذًا، وعبد الرحمن ما أدرك معاذًا" (سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٧٨).
وكذا ضَعَّفَهُ الشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٢٤٤)، والألبانيُّ في (الضعيفة ١٠٠٠).
ومع هذا قال الحاكمُ -عقب هذا الحديثِ، وقد روى قبله بعضَ الآثارِ الموقوفة في الوضوء من القُبْلَةِ-: ((هذه الأحاديثُ والتي ذكرتها أن الشيخين اتفقا عليها غير أنها مخرجةٌ في الكتابين بالتفاريق، وكلّها صحيحة دالة على أن اللمسَ الذي يوجبُ الوضوءَ دونَ الجماعِ)).
وتعقبه ابنُ دقيقِ العيدِ فقال: ((ومن العجبِ تخريجه في المستدركِ على الشيخين مع انقطاعه!)) (الإمام ٢/ ٢٤٠).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: ((وصَحَّحَهُ الحاكمُ إلا أنه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذٍ ولم يسمعْ منه، وتعقب بأن الأمرَ بالوضوءِ فيه للتبرك)) (الدراية ١/ ٤٣).
قلنا: وأصلُ القصةِ في (الصحيحين)، من حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟ قَالَ: ((لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)) أخرجه البخاريُّ (٥٢٦، ٤٦٨٧، (واللفظ له))، ومسلمٌ (٢٧٦٣).
فذِكرُ الوضوءِ في هذا الخبرِ منكرٌ لا يصحُّ، ولو صَحَّ، فلا دليلَ على كون ذلك كان من أجل اللمس، والله أعلم.
* * *
قال أحمد: "أرجو أن يكون هذا الحديثُ صحيحًا".
وَصَحَّحَهُ: ابنُ راهويه، والحاكمُ، وابنُ حِبَّان، والبيهقيُّ.
وضَعَّفَ سندَهُ: ابنُ مَعِين، وأبو داود، والنَّسائيُّ، والنوويُّ، وابنُ حَزمٍ، وابنُ كَثيرٍ، والذهبيُّ، وابنُ التركمانيِّ، رغم تصريحِ بعضِهم بالعملِ به.
والراجحُ: أن هذا الحديثَ لا يصحُّ مُسنَدًا، وإنما يصحُّ عن طريقِ الوجادةِ، فقد ثبتَ أنَّ النبيَّ ﷺ كتبَ لعمرِو بنِ حزمٍ كتابًا، وقد عَمِلَ بما فيه الصحابةُ، وتَلَقَّاهُ التابعون بالقَبولِ عندما وجدوه عند آل عمرو بن حزم.
قال الشافعيُّ: "لم يقبلوه حتى ثَبَتَ عندهم أنه كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ ".
وقال يعقوبُ الفَسَوِيُّ: "لا أعلمُ في جميعِ الكتبِ المنقولةِ أصح من كتاب عمرو بن حزم".
وقال الحاكمُ: "وقد شَهِدَ عمر بن عبد العزيز والزُّهْريُّ لهذا الكتابِ بالصحةِ".
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "إنه أشبه المتواتر".
ولكن هذا الكتاب غير مسموع عمن فوق الزُّهْري بالسند، كما قال العُقَيليُّ، فمَن أسنده فقد وَهِم، وإنما هو وِجادةٌ. وإلى ذلك أشارَ ابنُ مَعِينٍ عندما سأله رجلٌ: "هذا مُسنَدٌ؟ " قال: "لا، ولكنه صالحٌ".
وعلى هذا يُحْمَل تضعيف مَن ضَعَّفَهُ منَ الأئمةِ على أنه ليس بمُسنَدٍ، وإنما هو وِجادةٌ، والوِجادةُ منقطعةُ الإسنادِ.
стр. 9928
أما العملُ بها فواجبٌ إذا ما صَحَّتْ نسبتُها لصاحبها؛ ولذا قال ابنُ كَثيرٍ: "وهذه وِجادةٌ ينبغي العمل بها".
هذا عن الكتابِ جملة، أما عن الفِقرةِ المذكورةِ في المتنِ فلها شواهدُ أُخرى صَحَّحَها بها الألبانيُّ، وهي صحيحةٌ عن طريقِ الوِجادةِ بمفردها، كما سبقَ بيانُهُ.
[الفوائد]:
اختلَفَ أهلُ العلمِ اختلافًا شديدًا في حُكمِ مَسِّ المصحفِ لفاقدِ الطُّهورَيْن:
فقد منعه جمهورُ أهلِ العلمِ محتجين بهذا الحديث. وزادَ بعضُهم الاحتجاجَ بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
ونَقَل بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ فقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وأجمعَ فقهاءُ الأمصارِ الذين تدورُ عليهم الفتوى وعلى أصحابهم- بأن المصحفَ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الطَّاهرُ" (الاستذكار ٨/ ١٠) كذا قال!
وقد أباحَ مَسَّ الجُنُبِ للمصحفِ طائفةٌ من أهلِ العلمِ، منهم: ابنُ عباسٍ، وربيعةُ، والشَّعْبيُّ، وعكرمةُ، ومحمدُ بنُ سيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وسعيدُ بنُ المُسيبِ، وأهلُ الظاهرِ. (المحلَّى ١/ ٧٨ - ٨٠)، و (عمدة القاري ٥/ ١٧٣).
وأجابوا عن استدلالِ المانعين بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]؛ بأن المقصودَ هنا: اللوحُ المحفوظُ. والمُطهَّرون: هم الملائكةُ. وهذا ظاهر في سياق الآية وسِباقها.
وأما حديثُ البابِ: ((وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)): فمنهم مَن لم يأخذْ به؛ لكونه وِجادة. ومنهم مَن تأوَّل الطاهرَ بالمسلم.
стр. 9929
[التخريج]: [مي ٢٢٩٥/ حب ٦٦٠٠ (واللفظ له) / ك ١٤٦٥/ ... ].
انظر تخريج وتحقيق هذا الحديث برواياته وشواهده في كتاب الجنابة، (باب مس الجنب للمصحف، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
ديوان السنَّة
موسوعة شاملة لكل ما ورد عن سيد المرسلين من أقوال وأفعال وتقريرات
الطهارة
المجلد التاسع عشر
كتاب الوضوء
إعداد
مجموعة من الباحثين
إشراف
عدنان بن محمد العرعور
٦٩/ مجر (١/ ٣١٤) / شاموخ ٢٣/ خط (١٠/ ٤٥١) / خطل (١/ ٣٤٧) / ناسخ ١٢٠/ هق ٦٢٢، ٦٢٤ - ٦٢٩/ هقغ ٣٢/ هقع ١٠١١/ هقخ ٥٠٧ - ٥٠٩، ٥١١ - ٥١٧/ طبك ٧٤/ مخلص ٥٦٣، ٦١٩، ٢٣٧٧/ صحا ٧٥٢٩/ كر (٤٥/ ٣٠٢)، (٥٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥) / معكر ٨٣٧/ شبيل (١/ ٤٢٧) / معقر ١١٢٥/ تحقيق ١٧٤، ١٨٣/ تمهيد (١٧/ ١٩٠) / محلى (١/ ٢٤٠) / سعد (١٠/ ٢٣٣ - ٢٣٤) / جواليقي (ق ١٨٣/أ) / شذا (الأول ق ١٢٠/ أ، ١٢٣/ب) / شذا (مشيخة كبرى ٢ ق/ ١٣٤ أ) / قز (رواية الدِّينَوَري ق ٧/ ب) / دبيثي (١/ ٢١٣) / أجوبة (٢/ ١٣٧)].
[السند]:
رواه مالكٌ في (الموطأ) -وعنه الشافعيُّ في (الأم، والمسند)، ومن طريقه أبو داود، والنسائيُّ في (الصغرى، والكبرى)، وغيرُهُم- عن عبد الله بن أبي بكر بن (١)
محمد بن عمرو بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير
стр. 9937
يقول: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوانُ: ومِن مَسِّ الذَّكَرِ الوُضُوءُ. فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ هَذَا. فَقَالَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، ... الحديث.
وله طرقٌ أُخَرُ سنذكرها خلال التحقيق.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ اختلفَ أهلُ العلمِ في قبولِهِ ورَدِّهِ اختلافًا شديدًا؛ وذلك لأُمورٍ:
الأمر الأول: الكلام في عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم:
فقال الطحاويُّ: ((فصارَ هذا الأثرُ إنما هو عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروةَ. فقد حطَّ بذلك درجة لأن عبد الله بن أبي بكر ليس حديثُه عن عروةَ كحديثِ الزهريِّ عن عروةَ، ولا عبد الله بن أبي بكر عندهم في حديثِهِ بالمتقنِ)) (شرح معاني الآثار ١/ ٧٢).
واستدل لذلك بما أسندَهُ إلى الشافعيِّ، قال: سمعتُ ابنَ عيينةَ يقول: ((كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَكْتُبُ الحَدِيثَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْ نَفَرٍ سَمَّاهُمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكْرٍ، سَخِرْنَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الحَدِيثَ)).
قال الطحاويُّ: ((وأنتم فقد تُضعِّفون ما هو مثل هذا بأقل من كلام مثل ابن عيينة)). وانظر (التجريد للقدوري ١/ ١٨٧ - ١٨٨).
وقال أبو العباسِ الدَّانيُّ: ((وعبد الله قد تُكلِّم فيه ... )) وذَكَر كلامَ ابنِ عيينةَ
стр. 9938
السابق (الإيماء إلى أطراف الموطأ ٤/ ٢٤٩).
وقال بدرُ الدينِ العينيُّ: ((هذا الطحاويُّ -وهو إمامٌ في الحديثِ- قد استضعفه بالإسناد الأول. وروى بإسنادِهِ عن ابنِ عيينةَ أنه عَدَّ جماعة لم يكونوا يعرفون الحديث، ومَن رأيناه يُحَدِّثُ عنهم سخرنا منه، فذَكَر منهم عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم)) (شرح أبي داود ١/ ٤١٩).
قلنا: وما ذهبَ إليه الطحاويُّ، ووافقه عليه القُدُوريُّ والعينيُّ، في الطعن على عبد الله- لم يُتابَعوا عليه، بل خالفهم جمهورُ أهلِ العلمِ، فوَثَّقُوا عبد الله بن أبي بكر. انظر (تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
وقال الحازميُّ: ((وحديثُ مالكٍ الذي مَرَّ سندُهُ لا يُختلَف في عدالة رواته)) (الاعتبار، صـ ٤٤).
ولكن لا يَسْلَمُ له هذا القول فإن مروانَ كما سيأتي مختلفٌ في عدالته.
وقال مُغلطَاي: ((لإن كان ما قاله أبو جعفرٍ صحيحًا فلا وجهَ لإعلالِ الحديثِ به؛ لأن عبد الله ممن خَرَّج الشيخان حديثَه في صحيحيهما. وقال مالك النجم فيه: (كان رجلَ صِدْق)، وقال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: (حديثُه شفاء)، وقال ابنُ سعدٍ: (كان ثقةً كثيرَ الحديثِ عالمًا)، ووَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وأبو حَاتمٍ الرازيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والعِجْليُّ، والبَرْقيُّ ... وغيرُهُم.
فعلى هذا يُتأول ما نقله عن ابن عيينة، وأنه ليس بطعن يُرَد به حديثه)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣٩).
قلنا: وما أسندَه الطحاويُّ إلى الشافعيِّ عن ابن عيينة في إسنادِهِ كلام.
ففيه أحمد بن يحيى بن الوزير المصري، وَثَّقَهُ النسائيُّ، بينما قال مَسْلَمةُ بنُ قاسمٍ: ((كان لا بأس به، وكان كثير الحديث والأخبار، وكان عنده مناكير،
стр. 9939
وتفقه للشافعيِّ وصحبه)). انظر (ذيل ميزان الاعتدال، صـ ٤٤).
والراوي عنه: يحيى بن عثمان بن صالح المصري.
قال ابنُ أبي حَاتمٍ: ((تكلَّموا فيه)) (الجرح والتعديل ٩/ ١٥٧).
وقال ابنُ يونس: ((كان عالمًا بأخبارِ البلدِ وبموتِ العلماءِ، وكان حافظًا للحديثِ، وحَدَّثَ بما لم يكن يوجد عند غيرِهِ)) (تاريخه ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧).
وقال مَسْلَمةُ بنُ قاسمٍ: ((يتشيعُ، وكان صاحب وراقة، يُحَدِّثُ من غير كتبه، فطُعِن فيه لأجل ذلك)) (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٥٧).
وقال المعلميُّ اليمانيُّ: ((فيه كلامٌ يوجبُ التوقفَ عما ينفردُ به)) (تحقيق الفوائد المجموعة، صـ ٤٠٥).
وسيأتي عما قليل رواية لابن عيينة عن عبد الله مُوافِقة لرواية مالك عنه، فلو كان ضعيفًا عنده ما روى عنه، إلا أن يَقصد بذلك الحكايةَ لا الرواية كما قال أبو العباس الداني (الإيماء ٤/ ٢٤٩).
قلنا: ولم يعبأِ البيهقيُّ بما نُقِلَ عن الشافعيِّ، فتعقب الطحاويَّ قائلًا: ((ولم يخطرْ ببالي أن يكون إنسان يَدعي معرفة الآثار والرواية، ثم يَطعن في أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابنه عبد الله)).
ونَقَلَ عن الزهريِّ قوله: ((ما أعلمُ بالمدينةِ مثل عبد الله بن أبي بكر، ولكن إنما منعه أن يرتفع ذكره مكانُ أبيه أنه حي)) (معرفة السنن ١/ ٣٩٩).
ولكن تَعَقَّب البيهقيَّ العينيُّ؛ فقال:
((فإن قيلَ: عبد الله بن أبي بكر قد أخرجَ له الجماعةُ، حتى قال النسائيُّ فيه: ثَبْتٌ.
قلت: لا يلزمُ من إخراجِ الجماعةِ له ولا من قولِ النسائيِّ أنه ثبتٌ- أن
стр. 9940
يُنفَى عنه ما تكلم فيه غيره ممن هو أكبر منهم! وكفى في ذلك قول الشافعي عن شيخه سفيان بن عيينة، ولا يُعادِل أحد منهم ابن عيينة!
ولقد سقطَ بذلك أيضًا ما ذكره البيهقيُّ من حطه على الطحاويِّ في تضعيفه هذا الحديث، وقوله أيضًا: ولم يخطرْ ببالي أن يكون إنسان يَدَّعي معرفة الآثار والرواية ثم يطعن في أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابنه عبد الله.
وليت شِعْري، لِمَ لَمْ يخطرْ ببال البيهقيِّ ما نقله إمامه الشافعي عن ابن عيينة؟ ! )) (نخب الأفكار شرح معاني الآثار ٢/ ٨٦).
وهذا يكفي في رده ضعف الإسناد إلى الشافعي كما تقدم.
قلنا: ولكن يُقوِّي ما ذهبَ إليه الطحاويُّ الاختلافُ على عبد الله في متنه، كما سيأتي قريبًا.
الأمر الثاني: الطعنُ في مَرْوان بن الحَكَم، وذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: قال يحيى بنُ مَعِينٍ فيما حكاه عنه أبو زرعةَ الدمشقيُّ: ((أيُّ إسنادٍ رواية مالك في حديث بسرة، لولا أنَّ قاتلَ طلحةَ في الطريقِ! )) (الاستذكار ٣/ ٣٨).
وسيأتي عن ابنِ مَعِينٍ تصحيح الحديث من طريقِ مالكٍ هذا بعد قليل.
وسألَ النسائيَّ ابنُ شراحيل، فقال: ((سألتُ النسائيَّ: ما الذي تأخذُ به في مسِّ الذكرِ؟ فقال: تَرْك الوضوء، وحديث قيس بن طَلْق عن أبيه أَحَبُّ إليَّ. قلتُ له: وقيسٌ تقومُ به حجة؟ قال: لا، ولكنه خير من الشيخ الذي قَتَلَ طلحة بن عبيد الله -يعني مَرْوانَ بنَ الحَكَمِ-، قَتَله يوم الجمل)) (أطراف الموطأ للداني ٤/ ٢٨١).
стр. 9941
وقال ابنُ قتيبةَ -في بحثٍ له في تضعيف الحديث-: ((ومروان ليس كغيره)) (المسائل والأجوبة، صـ ٩٢).
وقال ابنُ خُزيمةَ: ((وبقولِ الشافعيِّ أقولُ؛ لأن عروةَ سمعَ حديث بسرة منها، لا كما يتوهمه بعضُ الناس أن الخبرَ واهٍ؛ لطعنه في مَرْوان بن الحكم)) (الصحيح ١/ ١٣٦).
وقال ابنُ حِبَّانَ: ((عائذٌ باللهِ أن نحتجَّ بخبرٍ رواه مَرْوانُ بنُ الحكمِ وذووه في شيءٍ من كتبنا؛ لأنا لا نستحلُّ الاحتجاجُ بغيرِ الصحيحِ من سائرِ الأخبارِ وإن وافقَ ذلك مذهبنا، ولا نعتمد من المذاهب إلا على المنتزع من الآثار وإن خالف ذلك قول أئمتنا.
وأما خبرُ بُسرةَ الذي ذكرناه، فإن عروةَ بنَ الزبيرِ سمعه من مَرْوان بن الحكم عن بسرةَ. فلم يقنعه ذلك حتى بَعَثَ مَرْوانُ شرطيًّا له إلى بُسرةَ فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بُسرة، فسمعه عروةُ ثانيًا عن الشرطيِّ عن بُسرةَ. ثم لم يقنعه ذلك حتى ذهب إلى بسرةَ فسمع منها. فالخبرُ عن عروةَ عن بسرةَ متصلٌ ليس بمنقطع، وصارَ مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد)) (الصحيح ٢/ ٢٨٦).
وقال الدارقطنيُّ: ((فحَكَمَ قومٌ مِنْ أهلِ العلمِ بضعفِ الحديثِ؛ لطَعْنهم على مَرْوانَ)) (العلل ٩/ ٣١٥).
وهذا إقرارٌ منه للطعن؛ ولذا سيصحح الحديث من وجهٍ آخرَ كما سيأتي.
قال ابنُ سَيدِ النَّاسِ: ((وفيه قوله: (فحَكَمَ قومٌ مِنْ أهلِ العلمِ بضعفِ الحديثِ لطعنهم على مروانَ)، ولم يَعْرِض بعد ذلك لإقرارِ هذا الطعن ولا رَدِّه حتى يُعلم رأيه في مروانَ)) (النفح الشذي ٢/ ٢٧١).
стр. 9942
وقال الحاكمُ: ((فظَنَّ جماعةٌ ممن لم يُنْعِمِ النظرَ في هذا الاختلافِ أن الخبرَ واهٍ؛ لطَعْن أئمة الحديث على مَرْوانَ)) (المستدرك ١/ ٤٦٩). وهذا أيضًا إقرارٌ منه للطعن.
وقال أبو العباس الدَّاني مبينًا أوجهَ الطعنِ في الحديثِ: ((وقد طَعَنَ فيه قومٌ من ثلاثةِ أوجهٍ ... والثاني: روايته عن مَرْوانَ مع ما كان عليه وما نُسِبَ إليه من المناكيرِ)) (أطراف الموطأ ٤/ ٢٦٢).
وقال القرافيُّ: ((وأورَدَ الحنفيةُ على حديثِ بُسرةَ عَشَرة أسئلة: أحدها: أن راويه عنها مروان بن الحكم، وهو كان يحدث في زمانه مناكير؛ ولذلك لم يَقبل عروة (١) منه الرواية وقال: لا أعرفه)) (الذخيرة ١/ ٢٢١).
وقال المغربيُّ: ((ومَرْوانُ متكلَّمٌ فيه)) (البدر التمام شرح بلوغ المرام - ٢/ ٣٣).
الوجه الثاني: أن عروةَ لم يقنعْ بروايتِهِ، وأنكرها ولم يَرفعْ بذلك رأسًا.
وذلك لما رواه شعيبٌ، عنِ الزهريِّ قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، أنه سمعَ عروةَ بنَ الزبيرِ يقول: ذَكَر مَرْوانُ في إمارته على المدينة أَنَّهُ يُتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إذَا أَفْضَى إليه الرَّجُلُ بيدِهِ، فأَنْكرتُ ذَلكَ عليه فَقُلْتُ: لَا وُضُوءَ عَلى مَنْ مَسَّهُ. فقال مَرْوانُ: أخبرتني بُسْرةُ بنتُ صفوانَ ... الحديث.
رواه عبد الله في (وجادات أبيه في المسند - ٢٧٢٩٦) من طريقِ شُعيبٍ به.
стр. 9943
ورواه عَبدُ الرَّزَّاقِ في (المصنف ٤١٤) عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ قال: تَذَاكَرَ هُوَ وَمَرْوَانُ الوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الفَرْجِ فَقَالَ مَرْوَانُ: حَدَّثَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الفَرْجِ، فَكَأَنَّ عُرْوَةُ لَمْ يَقْنَعْ بِحَدِيثِهِ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَيْهَا شُرْطِيًّا، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الفَرْجِ.
وسيأتي الاختلافُ على الزهريِّ قريبًا.
قال الطحاويُّ: ((وإن كان إنما تَرَكَ أن يرفعَ بذلك رأسًا لأن مروانَ، عنده ليسَ في حالِ مَن يَجبُ القَبولُ عن مثله؛ فإن خبرَ شرطي مروان عن بُسْرةَ دون خبره هو عنها! فإن كان مروانُ خبرُهُ في نفسِهِ عند عروةَ غير مقبول، فخبر شرطيه إيَّاه عنها كذلك أحرى أن لا يكون مقبولًا)) (شرح معاني الآثار ١/ ٧١)، وبنحوه قال ابنُ حِبَّانَ، وقد تقدَّمَ. وانظر (شرح مختصر الطحاوي للجصاص ١/ ٣٩٤).
وقال القُدُروي: ((والجوابُ: أن مَرْوانَ ذَكَرَ هذا الحديثَ لعروةَ فلم يرفعْ به رأْسًا، فأرسلَ مروانُ إليها شُرطيًّا ورجعَ فأخبرهم أنها قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يأْمرُ بالوُضُوءِ من مَسِّ الفرجِ. فإذا كان عروةُ لم يرفعْ به رأسًا لأنه لم يقبلْ خبرها، فهو حجة في الردِّ، وإن كان لرواية مروان، فشرطيه دونه)) (التجريد للقدوري ١/ ١٨٥).
قلنا: وما قالوه منَ القدحِ في مَرْوانَ حَقٌّ.
فقد قال الذهبيُّ: ((وله أعمالٌ موبقة! نسألُ اللهَ السلامةَ، رَمَى طلحةَ بسهمٍ، وفَعَلَ وفَعَلَ)) (ميزان الاعتدال ٤/ ٨٩).
وقال: ((وسارَ مع طلحةَ والزبيرِ للطلبِ بدمِ عثمانَ، فقَتَلَ طلحةَ يومَ الجملِ،
стр. 9944
ونجا -لا نُجي-)) (سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٧٧).
وقال ابنُ الوزيرِ اليمني -في رَدِّهِ على من جعلَ مروان من أهلِ التَّقْوَى والصَّلاحِ-: ((ليس كذلك؛ فإنهم لا يجهلون ما له من الأفعالِ القبيحةِ والمعاصي المُهلِكة، وأنا أورد من كلامهم ما يدلُّ على ذلك .... )).
ثم ذَكَر كلامَ الذهبيِّ المتقدم، ثم قال: ((فلو كان عنده من أهلِ الصَّلاحِ ما تَمَنَّى له الهلاكَ، وكَرِه له النجاة. وقد نَصَّ في (الميزان) على أن له أعمالًا مُوبِقة. وهذا تصريحٌ بفسقه ... )). وقال: ((وقال ابنُ قدامةَ الحنبليُّ في كتابه (الكافي) على مذهب أحمد بن حنبل في باب صفة الأئمة: في إمامة الفاسق بالأفعال روايتان: إحداهما: تصحُّ؛ لقول النبيِّ ﷺ لأبي ذر: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ ... )) الحديث، إلى قوله في الاحتجاج على ذلك: وكان الحسنُ والحسينُ يصليان وراء مَرْوان. انتهى. وفيه بيان معرفتهم مقدار أهل البيت ﵈ في الفضل ولموضع أعدائهم من الفسقِ، ونحن محتاجون من بيان الأمرين كليهما في هذا المقام ... )) إلى أن قال: هذه الجملة تدلك على معرفتهم بسوءِ حاله وقبح أفعاله)) (العواصم والقواصم ٣/ ٢٤٥).
وقال أيضًا -في (تنقيح الأنظار ٢/ ٤٣، طُبِع مع توضيح الأفكار) -: ((مجروحٌ عند أهلِ البيتِ وعند غيرِهِم، بل لا يُعلمُ في ذلك خلافٌ)).
ولكن أهل العلم لم يتفقوا على طرحِ حديثِهِ، فقد احتجَّ به البخاريُّ في (صحيحه) في مواضع.
ولكن عِيب على البخاريِّ ذلك، قال ابنُ حَجرٍ: ((وعابَ الإسماعيليُّ على البخاريِّ تخريج حديثه، وعَدَّ من موبقاته أنه رَمَى طلحةَ أحدَ العَشَرة يومَ
стр. 9945
الجملِ، وهما جميعًا مع عائشةَ، فقُتِلَ، ثم وثبَ على الخلافةِ بالسيفِ)) (تهذيب التهذيب ١٠/ ٩٢).
ومع هذا ألزمَ الإسماعيليُّ في (صحيحه)، في أواخر تفسير سورة آل عمران- البخاريَّ في إخراج حديث مروان، فقال: ((إنه يَلزمُ البخاريُّ إخراجَه، فقد أخرجَ نظيره)) (التلخيص الحبير ١/ ٢١٤).
واعتذرَ ابنُ حَجرٍ على تخريجِ البخاريِّ له، فقال: ((له رؤيةٌ، فإن ثبتت فلا يُعرج على مَن تكلَّم فيه. وقال عروةُ بنُ الزبيرِ: كان مَرْوانُ لا يُتَّهمُ في الحديثِ (١)، وقد رَوى عنه سهلُ بنُ سعدٍ الساعديُّ الصحابيُّ اعتمادًا على صدقه.
وإنما نَقَموا عليه أنه رَمَى طلحةَ يومَ الجملِ بسهمٍ فقتله، ثم شَهَر السيفَ في طلبِ الخلافةِ، حتى جرى ما جرى.
فأما قَتْل طلحة فكان مُتأوِّلًا فيه، كما قرَّره الإسماعيليُّ وغيرُهُ.
وأما ما بعد ذلك فإنما حَمَل عنه سهل بن سعد، وعروة، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. وهؤلاء أخرجَ البخاريُّ أحاديثَهم عنه في (صحيحه) لَمَّا كان أميرًا عندهم بالمدينةِ قبل أن يبدو منه في الخلافِ على ابنِ الزبيرِ ما بَدا. والله أعلم.
وقد اعتَمدَ مالكٌ على حديثِهِ ورأيه والباقون سوى مسلم)) (هدي الساري،