٢) الرواية والقصة في تونس (بالفرنسية) (الدار التونسية للنشر تونس ١٩٧٠) وله غير ذلك من التآليف مما لا أعرفه.
المرجع:
- الشابي شاعر الحب والحياة الدكتور عمر فروخ ص ١٠ هامش.
стр. 1087
٣٨٨ - ابن غافق (٢٠٤ - ٢٥٧ (١) هـ) (٨١٩ - ٨٨٨ م)
عبد الله بن غافق التونسي، أبو عبد الرحمن الفقيه.
سمع من سحنون، ويزيد بن بشير، ورحل إلى مصر فلقي محمد بن عبد الحكم، وعليه كان اعتماد مدينة تونس في الفتوى.
وكان كريما، ولما حجّ أهدى إليه رجل هدية في سفره فكافأه عليها في حينه، ثم أهدى إليه ثانية فكافأه، فجعل يكثر في تهاديه وابن غافق يكثر في مكافأته فلما أكثر عليه لقيه فقال: إن كان يسرك أن أرجع إلى بلدي وعليّ دين فتماد في فعلك فكفّ الرجل عنه.
ولما وصل إلى مصر كان يأتي مجلس محمد بن عبد الحكم وهو لا يعرفه فسأل محمد أصحابه عن مسألة فأجابه عنها بعضهم فقال له ابن عبد الحكم: من أين لك هذا؟ فقال: من هذا - يعني ابن غافق - وكان جالسا إلى جانبه فسأله ابن عبد الحكم من أين الرجل؟ فقال: من تونس، فقال أنت ابن غافق؟ فقال نعم فسلم عليه وسأله عن مسألة الإيمان وما وقع فيها من الاختلاف بالقيروان فقال له: قال قوم: نحن مؤمنون عند الله مذنبون، وقال قوم: نحن مؤمنون ولا ندري ما نحن عند الله. فسأله ابن غافق من المصيب منهما فقال: الصواب ما قال محمد بن سحنون، وقد مرّ في ترجمة ابن عبدوس أنه القائل بخلاف مقالة ابن سحنون، وأنه هو وجماعته كان يسميهم ابن سحنون وجماعته الشكوكية، ومرّ في ترجمة يحيى
стр. 1088
بن عمران من تصانيفه الرد على الشكوكية، كما مرّ في ترجمة ابن عبدوس الاعتذار له وتوجيه كلامه.
ولما قدم ابن غافق وضع رسالة في الإيمان، ولم ينسبها إلى نفسه فكتبها الناس واستحسنوها فأذاعها رجل نحوي فبلغ الخبر ابن غافق فقال:
إنما ظننت أنكم تعملون بما فيها فلما نسبت لغير أهل العلم والله لم يسعني السكوت أنا واضعها، وقرأتها على يحيى بن عمر فاستحسنها، وقال: أنا أرويها عنك، وكان يحيى بن عمر وحمديس القطان يعجبان بها.
المصادر:
- ترتيب المدارك ٣/ ٢٧١ - ٣، طبقات الفقهاء للشيرازي ١٥٧.
стр. 1089
٣٨٩ - الغراب ( ... - ١١٨٣ هـ) (١) ( ... - ١٧٩٦ م)
علي الغراب الأديب الشاعر، الشهير لدى معاصريه بالبارع، أبو الحسن. كان مشاركا في عدة علوم من رياضيات ومنطق، وبلاغة، وتاريخ قال الشيخ مقديش: «أما علوم التاريخ، وأيام الناس، وعلوم البلاغة فحدّث عن البحر ولا حرج».
ولد بصفاقس ونشأ بها، ووالده كان ثريا ميسور الحال، وقرأ على مشايخ بلده، وعمدته الشيخ علي الأومي، وقرأ عليه مع زميليه الشاعرين ابراهيم الخراط، وعلي ذويب، ومما قرأ عليه شرح سعد الدين التفتازاني على التخليص في البلاغة، وأخذ عنه العروض، واشتهر بقول الشعر منذ عهد الطلب، وحاز شهرة واسعة حتى قال الشيخ أبو القاسم الأديب المصري: «ولا أعلم أحدا في هذه الأعصار المتأخرة أدرك شأو الغراب لا من المشارقة ولا من المغاربة».
ولما رحل شيخه علي الأومي إلى مصر ملتحقا بالأزهر نظم له قصيدة نوّه فيها بالجامع الأزهر وعلمائه ومنهم الشيخ يوسف الحفناوي محشي الأشموني، فلما وقف على القصيدة قال: «كم في الزوايا من الخبايا».
والتحق بجامع الزيتونة فقرأ على اعلامه كعبد الله السوسي السكتاني المغربي نزيل تونس، ومحمد بيرم الأول، ومحمد سعادة، ومحمد الشحمي، ومحمد
стр. 1090
الغرياني، وغيرهم، وبعد استكمال تحصيله رجع إلى بلده ثم انتقل إلى تونس، واستقر بها حوالى سنة ١١٥٦/ ١٧٣٣ في عصر علي باشا الأول الذي جعله من خواص ندمائه، ولما قتل علي باشا تقرب إلى علي بن حسين بن علي باي بالمدائح فعفا عنه وألحقه بأدباء حاشيته، واحترف في تونس خطة الشهادة. وسبب انتقاله إلى تونس أن والده أوصى لذكوره وذكور أخويه بثلث مخلفه وله ذكر واحد هو صاحب الترجمة، ولكل واحد من أخويه عدة ذكور. وبعد وفاة الوالد الموصي طلب المترجم أن تكون قسمة الوصية على عدة جهات الموصي لهم لينوب، ولده ثلث الوصية وطلب اخوة الموصي قسمتها على عدد رءوس الجهات الثلاث لتضعف حصة ولده فتنازعوا في ذلك، وأدعى المترجم أن العرف إنما جرى بالقسمة على الجهات، واستفتى المفتين في ذلك فأجابه الشيخ المتبني مفتي جربة بالعمل بمقتضى العرف حسبما هو مطلوب المترجم، وبذلك أجاب مفتي صفاقس الشيخ الشرفي الذي قرر أن عرف البلد جرى بذلك وعليه العمل عندنا بصفاقس، وحكم الشيخ أحمد لولو قاضي صفاقس بما أجاب به المفتيان.
ورفع الخلاف في القضية، ثم توجّه المترجم إلى تونس ليحكم قاضي الحاضرة في القضية، وكان الشيخ محمد سعادة مفتي تونس من شيوخ المترجم، وعلم أن الدعوى لا تتم إلا بعد وقوف الشيخ سعادة عليها وأنه لا بد من أخذ فتواه فاستفتاه معتذرا عن تقديم غيره في الاستفتاء وتأخيره هو ناظما سؤاله في أوجز عبارة وألطف إشارة بقوله: (١)
يا سيدا ساد الأنام بفضله ... فسما على ظهر السما وزياده
ألقت إليك المشكلات سلاحها ... من طوعها قهرا بغير إراده
ما جاء باب للإفادة سائل ... إلا سمحت له بكل إفاده
ومتى أتى مستنجدا من دهره ... ما عوده إلا بخير إعاده
نظم الأفاضل درهم في عقدنا ... ولقد رجوت لكم تمام قلاده
فلذا جعلناك الختام لأنه ... ذو الفوز من يختم له بسعاده
стр. 1091
فأجابه الشيخ سعادة بقوله: (١)
حمدا لمن زان الوجود بعصبة ... فضلاء في حل العويص وقاده
فهم الكهوف لمن أتى مستنجدا ... ولهم بأسرار (١) العلوم إفاده
وصلاته وسلامه تترى على ... من أوضح الدين القويم وشاده
فهو الصحيح وما حكوا من أنه ... عرف لديهم في البلاد وعاده
يقضي به أيضا ويكفيك الذي ... قد أسندوا عزوا بغير زياده
ولي بما نصّ الوصية يقتضي ... هذا تأمله فخذه مفاده
إذ الاشتراك والانفراد لواحد ... قد عيّن الموصي بذاك مراده
فاقبله يا من قد أتى بفريضة ... سحرا وحلاّنا بغير قلاده
واعذر بنسجي هلهل لكنه ... بقبولكم يكسو حلي سياده
فالله يمنحنا مواهب فضله ... وتنال في الدارين خير سعاده
وحكم بصحة ما أجاب به الأشياخ قاضي الحاضرة أحمد الطرودي الحنفي، وأشهد على ذلك بتاريخ أول رمضان ١١٥٦/ ١٧٣٣.
ومن شعره يطلب وظيفة الشهادة من الشيخ محمد سعادة: (٢)
إلى من حلّ في أفق السعاده ... وخصص بالرئاسة والسياده
ومن وطئ السماك بأخمصيه ... ومبسوط الذراع له وساده
لعدلك اشتكى من جور دهر ... يبالغ في معاندتي مراده
لأنك قد ملكت له قيادا ... وكفّ سواك ما ملكت قياده
ومن عجب رأيت الحر عبدا ... بها والعبد يدعى بالسياده
وقد شاهدت فيها الفضل نقصا ... وفيها النقص فضلا والزياده
وكم من شاهد قد غاب فيها ... وكم من غائب نال الشهاده
وكم في الناس من فطن لبيب ... ولم يبلغ بفطنته مراده
стр. 1092
وكم من غائب الإدراك أمست ... تقاد له بغيبته الشهاده!
فها أنا ميت مما ألاقي ... بها فأدرك مماتي بالشهاده
فلا أخشى وأنت معي شقاء ... وهل يشقى فتى وله سعاده؟
ويبدو أن طلبه للعدالة كان وهو ما يزال بصفاقس لأن الشيخ الدرناوي لما علم بهذا الطلب راسله حاثا إياه على المجيء إلى تونس بقوله: (١)
معا أبا الحسن الغراب لمنصح ... لك يبتغي نيل العلا وزياده!
أيام دهرك قد مضت بصفاقس ... وكذا لياليه بغير إفاده
فأرحل إلى الخضر لكي تعطى المنى ... وتنال ما أملته بسعاده
لما باشر العدالة قال فيه أحمد سمية القيرواني:
حوانيت الشهود عفت وأمست ... عيون معمريها مثل عين
وقد سأل الأنام بأي ذنب ... فقلت مؤرخا بغراب بين
وكان بينه وبين أحمد سمية خصومة شديدة نال كل واحد منهما من عرض صاحبه.
وكان كثير الهجاء مقذعه، يهجو لأتفه الأسباب، وهو يعتمد في هجائه على السخرية كقوله في عدل لقبه الزقموط (بالقاف المعقدة):
أرى الزقموط يدعى بالإمام ... ويجلس بين أقوام لئام
فعلمهم حساب الرأس منهم ... بضرب فيه بسط للمقام
فما أحد يريد البسط إلا ... ويضرب ما على رأس الإمام
وقال في رجل لقبه العقربي استأجره على حراسة داره فأجابه أولا ثم امتنع لما قيل له إنه لا يوفي بالأجر (٢):
стр. 1093
قد صحّ أن العقربي لعقرب ... نسبوه وهو لغيرها لم ينسب
هو عقرب لذعاته بلسانه ... فإذا بدا لك خذ بنعلك واضرب
أعطيته جعلا ليحرس منزلي ... فأجابني برضا ولم يتقطب
فثناه عن جعلي أزاذل مثله ... كل بتعنيف له وتأنب
فذممتهم في العذل ثم مدحتهم ... لزواله عني بمدح مطنب
إذ كان عذلهم الذي عذلوا به ... صدّا لداري من دخول العقرب
ولم يسلم من هجائه بلدته صفاقس وساكنيها فقال (١):
قلت ومزن السماء ينهل من ... سحب وراح سيله فينا دائما جاري
أيا سماء على البلدان هامية ... إلاّ على بلد يابس الأشجار
مالك بلت على أرض صفاقس (٢) ... من السحاب كرش الطل للساري
قالت أراها من القوم الذين هم ... قد قال بيتين فيهم شاعر الدار
«قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار
فتمسك البول بخلا أن تجود به ... ولا تبول لهم إلا بمقدار»
وحسده لشعراء عصره أثار في نفسه الحقد والنقمة عليهم مما جعله يهجوهم قائلا:
دع الشعراء في مدح وذم ... لجلب الرزق تضرب في البلاد
فهم مثل الضفادع أين حلّوا ... «ألم تر أنهم في كل واد»
ومما له صلة بحياته وسلوكه أن علي باشا الأول وعده بوظيفة كاتب في ديوان الإنشاء لكنه تراجع عن وعده لما بلغه عنه من سوء السيرة وبذاءة اللسان فساءت حالته وتكدّر عيشه، وقنع في آخر الأمر بمهنة العدالة، وبقي بها إلى أن توفي.
стр. 1094
واشتهر بالإجادة في التورية، ولذلك يكثر في شعره التلاعب بالألفاظ مع ميل أحيانا إلى تضمين الحكم أو شعر الغير وولوع بأنواع البديع والاقتباس وتضمين مصطلحات العلوم وبالخصوص الحساب والهندسة وقد نظم في سائر الأغراض الشعرية، ونظم في المواضيع التافهة، وكان في هجائه لا يتورع عن الثلب وفي شعره أحيانا ميل إلى المجون واستعمال الألفاظ المكشوفة التي لا تقرها الآداب، وله رسائل نثرية سماها مقامات، وهي لا تتوفر فيها عناصر المقامة التقليدية، ونثرها مثقل بأنواع البديع.
له ديوان شعر وبآخره مقاماته النثرية حققه الأستاذان عمر بن سالم والهادي المطوي (تونس ١٩٧٤) في ٣٩٩ ص من القطع الربعي عدا الفهارس.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٤/ ٣١٩ (ط ٥/)، الأدب التونسي في العهد الحسيني، الدكتور الهادي حمودة الغزي (تونس ١٩٧٢) ٩١ - ١٠٣، الجواهر السنية في شعراء الدولة الحسينية محمد بيرم الرابع (تونس بدون تاريخ) تحقيق الهادي حمودة الغزي ٤١٨ - ٤٥٠، شجرة النور الزكية ٣٤٨، عنوان الأريب ٢/ ٣٢ - ٣٥، المجمل في تاريخ الأدب التونسي ٢٣٩ - ٢٤٤، نزهة الأنظار ٢/ ٢٠١ - ٤.
стр. 1095
٣٩٠ - الغرناطي ( ... - ٦٩٢ هـ) ( ... - ١٢٩٣ م)
أحمد بن محمد القرشي، الشريف الغرناطي، أبو العباس نزيل تونس، الحافظ المحدث المؤرخ المعمر، لا نعلم شيئا عن حياته الأولى بالأندلس، وعن حياته العلمية بها، وتبتدئ معرفتنا بأخباره منذ إقامته بثغر بجاية من القطر الجزائري التابعة حينذاك للديار التونسية والتي استقرّ بها كثير من العلماء الأندلسيين المهاجرين فترة من الزمن قبل انتقالهم النهائي إلى تونس.
وفي بجاية تصدّر للتدريس بجامعها الكبير، وظهرت مواهبه الغزيرة في الحفظ وإتقان النقل والعناية بالرواية، ومعرفة تراجم الرجال من المتقدمين والمعاصرين.
ولا ندري هل أنه انتقل من بجاية إلى تونس، ثم سافر بعد ذلك إلى المغرب الأقصى، ثم رجع إلى تونس للاستقرار بها نهائيا، أو أنه سافر من بجاية إلى المغرب الأقصى ثم ارتحل إلى تونس إذ أن كلام الغبريني في «عنوان الدراية» يشوبه شيء من الغموض لأنه بعد أن تكلم عن مقامه ببجاية وعن نشاطه في التدريس والتأليف قال عقب ذلك: «وانفصل إلى المغرب فبلغ أقصاه، ولقي من به من العلماء وعرف من اشتمل عليه الفضلاء، وقضى بعض مدة ثم رجع إلى حاضرة إفريقية ولم يزل عاكفا على التدريس والتذكير ﵀ ... ».
وأنا أميل إلى الفرض الأول أي أنه انتقل من بجاية إلى تونس لقول الغبريني: «ثم رجع إلى حاضرة إفريقية» ولما استقرّ بالحاضرة التونسية نهائيا
стр. 1096
تولّى التدريس بمدرسة المعرض التي أسسّها الأمير أبو زكرياء يحيى بن السلطان أبي إسحاق ابراهيم الحفصي سنة ٦٨٣/ ١٢٨٤، وتحدث الزركشي في «تاريخ الدولتين» عن تأسيس هذه المدرسة، وولاية أحمد الغرناطي التدريس بها، وازدحامها بالطلبة يوم افتتاحها، وتزويدها بمكتبة نفيسة، ورصد لها أوقاف كثيرة للقيام بشئونها، ومقدار المرتب الشهري للمدرس، وحضور الأمير لمجلس الوعظ يومي الاثنين والجمعة، قال الزركشي:
«وكانت سكنى الأمير أبي زكرياء بدار الغوري، وكان نزيه النفس محبا للعلم وأهله، وكان بإزائها فندق يسكنه أهل السرف فبلغه ذلك فأمر أن يبني مدرسة للعلم فبنى مدرسة المعرض، وحبّس عليها ريعا كثيرا من ماله مع مكتبة نفيسة في كل فن من فنون العلم. ولما كمل بناؤها جلس فيها المدرس الشريف أبو العباس الغرناطي الشريف صاحب كتاب «المشرق في علماء المغرب والمشرق»، ووجه للمدرس قرطاسين ذهبا وقال له: فرقهما على كل من يجد في المدرسة، فسمع الناس بذلك فجاءوها من كل مدرسة حتى امتلأت، ولم يجد أحد أين يجلس، وكان يحضر مجلسه للوعظ يومي الاثنين والجمعة، فيطلق العنبر والعود ما دام بالمجلس، وأجرى على المدرس رزقا كثيرا قدره عشرة دنانير في الشهر، وجعل بين دار سكناه وبين المدرسة طاقة يسمع منها ما يقرأ في المدرسة» (١).
وكان المترجم من ذوي الضلاعة في الثقافة الإسلامية، والاطلاع الواسع الغزير، يملك حافظة قوية نادرة فقد قيل عنه إنه يحفظ تاريخ الطبري، وتفسير الثعلبي وغيرهما من أمهات الدواوين العلمية، قال الغبريني في «عنوان الدراية»: «وكان أعلم الناس بالكتب المصنفة، وأعلمهم لأسمائها، وكانت له فصاحة لسان، وعذوبة بيان «فهو عالم بيبليوغرافي فهرسي، وهذا أمر نادر في تلك العصور بالمغربين الأدنى والأوسط، وأنما اشتهر به الأندلسيون وجماعة قليلة بالمغرب الأقصى.
стр. 1097
مؤلفاته:
١) تآليف في علوم القرآن، قال الغبريني: «طالعت بعضها».
٢) المشرق في علماء المغرب والمشرق، ترجم فيه للمؤلفين خاصة من معاصريه المغاربة والمشارقة. ويبدو أنه شرع في جمع مادته مدة إقامته ببجاية، وأكمله بتونس وانتهز فرصة رحلته إلى المغرب الأقصى للقاء المؤلفين وتدوين تراجمهم، وقد اتصل بمعاصريه المؤلفين ببجاية، وتونس والمغرب الأقصى، وكاتب جماعة من المشارقة لمعرفة تراجم مؤلفيهم وأخبارهم وتصانيفهم، وأودعها في كتابه. قال الغبريني: «وكان له اعتناء بأهل العصر شرع في تأليف ذكر فيه المصنفين من أهل العصر من أهل المشرق والمغرب، وكتب إلى علماء المشرق للتطلع على ذلك، وبذل في ذلك وسعه وجده، وبالغ فيه جهده، وفي مدة حضوره على بجاية اجتمع مشايخنا ﵏ وسألهم عما صنفوه، أما شيخنا أبو عبد الله التميم فأعلمه بما صنفه، وذكره في تأليفه، أما غيره فلم يكن منهم من ألف».ونستفيد من كلام الغبريني أنه لم يترجم لعلماء بجاية إلا لشيخه أبي عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن ميمون القلعي من قلعة بني حماد نزيل بجاية، والمتوفى سنة ٦٧٣/ ١٢٧٤.
ولا نعلم المنهج الذي اتبعه في كتابه، ولعله اتّبع فيه طريقة أصحاب المعاجم الخاصة بالتراجم من ترتيب أسماء الأعلام على حروف المعجم، هو كتاب مفيد لم يصل إلينا، وقد لخصه ابن البراء الابن.
المصادر والمراجع:
- تاريخ الدولتين ٤٠ - ٤١، ٤٢، عنوان الدراية ٣٠١ - ٢، معجم المؤلفين ٢/ ١٤٥، نيل الابتهاج ٦٤، تعليقات المرحوم الأستاذ عثمان الكعاك على الأدلة البينة النورانية لابن الشماع ٧٨٩، بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين (بالفرنسية) ٢/ ٣٨٤.
стр. 1098
٣٨٩ - الغرياني (كان حيا ٨٧٥ هـ) (١٤٧١ م)
عبد الرحمن الغرياني الليبي ثم التونسي، الفقيه.
أخذ عن أصحاب ابن عرفة منهم الزغبي أبو يوسف يعقوب، وغيره.
قال حلولو: له معرفة بالفقه
له حاشية على المدونة.
المصدر والمرجع:
- شجرة النور الزكية ٢٦٠، نيل الابتهاج ١٧١ - ٢، أعلام ليبيا لطاهر أحمد الزاوي (طرابلس ليبيا ١٣٨١/ ١٩٦١ ط أولى) ص ١٦٧).
стр. 1099
٣٩١ - الغرياني ( ... ١١٩٥ هـ) ( ... ١٧٨١ م)
محمد بن علي بن خليفة الغرياني، الليبي الأصل، ثم التونسي، الراوية المسند، الفقيه الصوفي. قرأ بجربة في المدرسة الجمنية على الشيخ ابراهيم الجمني، ثم قدم تونس، وأخذ عن جماعة منهم محمد زيتونة، وحمودة الريكلي، ومنصور المنزلي، ثم رحل إلى الحج فأخذ بالقاهرة عن أعلام الأزهر المشاهير كمحمد بن سالم الحفناوي، ومحمد البليدي، وأحمد الدمنهوري، وأخذ بمكة عن مفتيها تاج الدين بن عبد المحسن بن سالم، ومحمد بن عقيلة، وغالبهم أجازه، وهو يروي عن الشمس محمد البليدي، والجمال محمد بن علي بن فضل الطبري، ومحمد الإسكندري، وسليمان المنصوري، وتاج الدين القلعي المكي، والعماري، وابن عقيلة، والشمس الحفناوي، والشمس محمد العشماوي ويروي الفقه المالكي عن عمر الجمني، عن إبراهيم الجمني، عن الخرشي، والزرقاني، ويروي دلائل الخيرات عاليا عن المنصوري عن المعمر محمد الباعلوي الأحمدي عن المعمر عبد الشكور عن الجزولي وكان من أهل الاعتناء بالرواية، واستجاز لأولاده الثلاثة: محمد الصالح، ومحمد السنوسي، الشيخ مرتضى الزبيدي فأجازهم بثبت اسمه «العقد المكلل بالدر العقباني في إجازة أولاد شيخنا الغرياني» قال فيه: «كذا أجزت لسائر طلبة العلم الملازمين في حلقة دروس والدهم، ولسائر أحبابهم وأصحابهم ممن فيه أهلية التحمل لهذا العلم».
أخذ عنه ابناه المذكوران وابنه أحمد، ومحمد بن قاسم المحجوب، وعلي البقلوطي، وعلي الملولي وعلي الغراب، ومحمد كمون، وأحمد العصفوري وهؤلاء وغيرهم قرءوا عليه المختصر مرات، والبخاري،
стр. 1100
والشمائل، والمواهب اللدنية، والتفسير، وكبرى السنوسي، والأشموني، وغيرها من الكتب، وقالوا في ختمها قصائد في مدحه.
وأخذ عنه الشيخ العلاّمة محمد بن صالح بن محمد الفلاني السوداني نزيل المدينة المنورة عند ما جاور بتونس طلبا للعلم، وأجاز للحافظ مرتضى الزبيدي بما حوته فهرسته، وذكره مرتضى الزبيدي في ألفية السند، وغيرها، ولم يذكر في المعجم المختص الذي أهمل فيه ذكر كثير من شيوخه وأجاز لعبد القادر بن مصطفى بن عبد القادر المشرقي الراشدي المعسكري دفين مكناسة الزيتون.
كان يقرئ بجامع الزيتونة الفقه، وعلوم اللسان وغيرهما كعلم الفرائض، والمنطق، والبيان، وهو أول من تولّى التدريس بالمدرسة السليمانية التي أسّسها علي باشا الأول باسم ابنه سليمان.
تآليفه:
١) حاشية على شرح الجنبصي على التهذيب في المنطق.
٢) رسالة في الخنثى المشكل.
٣) فهرسة حافلة جمع فيها إجازات مشايخه المصريين والحجازيين وذكر فيها التآليف التي رواها عن شيوخه في سائر العلوم بسنده إلى مؤلفيها.
٤) فيض الخلاق في الصلاة على راكب البراق.
المصادر والمراجع:
- أعلام ليبيا ٢٩٠، شجرة النور الزكية ٣٤٩، فهرس الفهارس ١/ ٤١٠ (في ترجمة مرتضى الزبيدي) ٢/ ٢٥٢ - ٣، مفاتيح النصر في التعريف بعلماء العصر لمختار العياضي، تحقيق تقديم محمد الحبيب الهيلة، المنشور بالنشرة العلمية للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ع ٤ س ٤، ١٩٧٦ - ٧، ص ١٨٩.
стр. 1101
٣٩٢ - الغساني ( ... - ٦٦٨ هـ) (١) ( ... - ١٢٦٩ م)
أحمد بن ابراهيم بن عبد الحق الغساني، التونسي المولد، الأندلسي الأصل أبو العباس، الفقيه الأديب الشاعر، كاتب علامة أبي زكرياء الحفصي، وابنه المستنصر بعده، قال ابن الأحمر: «قدم للرئاسة، وهو صبي، ولزم النفاسة إذ هو أبي، ونال من السلطان من الأثر، ما اتضح من حديثه الأثر، وكانت أدوات الرياسة متوفرة لديه، وإمارات الكتابة مستقرة في يديه».
قال ابن سعيد في «القدح المعلّى» اختصار محمد بن عبد الله بن خليل: «كاتب مذكور وشاعر مشهور، وبدر الملك، ونادرة الفلك، والبحر الزاخر في الرواية، والروض الناضر في المعرفة والدراية، إن أخذ في الإيراد والإنشاء فكأنما ردّ الحياة إلى حياد، فارس ميدان الارتجال في أي نوع طلب من أنواع المقال، قد انقادت إليه أزمة البيان، وكلامه يشتمل على الحسن والإحسان، وهو الآن لسان الدولة العلية، وكاتب سرها، والمعول عليه في نظمها ونثرها، قد اختصّه الملك بالعلامة، وهي النهاية في الكرامة، تصرف في أنواع البلاغة وسائر فنونها، وأتى بإبكار المعاني المخترعة ومنتخب عيونها يفتح من خطه الرائق أزهار الرياض، ويأتي وشيه المبهج بين السواد والبياض ونظمه ونثره شاهدان على ما قلت فيه .. ».
كان يكتب بالخط المشرقي أحسن خط، وعرضت له جفوة من المستنصر أخر بسببها، وقدم للعلاّمة الفقيه أبو علي الحسن بن موسى بن
стр. 1102
معمّر الطرابلسي، ثم وقع الرضا عنه وأعيد للعلامة حتى توفي، وجلّ عند المستنصر حتى بلغ الغاية لأنه كان من ظرفاء الأدباء.
كان مولعا بجنة له في الجزيرة، وتزهد في آخر عمره، وحبس داره على الضعفاء من أقاربه.
ويبدو أنه كان مترفها في لباسه وعيشه، ذكر ابن الشماع في الأدلة البينة النورانية حكاية له مع أبي زكرياء الحفصي أراه ما هو عليه من التقشف في المأكل والملبس، وعدم الاستنكاف عن ممارسة صناعة يدوية بسيطة وهي الخياطة تواضعا وبعدا عن الكبرياء، قال ابن الشماع:
«استدعاه يوما السلطان أبو زكرياء الحفصي بمحضر وزرائه من باب الصرف بعد انفصال المجلس، والعادة أن من استدعاه من باب الصرف إنما يستدعيه للعقوبة.
قال: فلما استدعيت أدخل بي بابا بابا حتى انتهيت إلى قبة الخليفة، فوجدته جالسا على كرسي من خشب وبيده إبرة وهو يرقع ثوبا فسلمت عليه، أمرني بالجلوس، وإذا بالخادم أتاني بمائدة مغطاة وأتى بطست، ورفع عن المائدة فإذا فيها غذاء واحد، وخبز غير نقي، فأكل وأكلت، فلما فرغ قال: «انصرف بسلام» فخرجت، وما كدت أخرج حتى وقعت عندي حيرة فعرّفت بذلك ابن أبي الحسين فقال لي «ماذا صنعت؟ ».
- قلت: «لا شيء إلا أني لما دخلت عليه نظرني شزرا».
- فقال لي: «دخلت عليه بثيابك هذه».
- فقلت له: «نعم».
- فقال لي: «من ههنا أتى عليك تراه أخبرك أن كسوته الثياب المرقعة، وأكله الخشن من الطعام، فإن انتهيت من فعلك، ولبسك الثياب الرفيعة وإلا فلا تلومن إلا نفسك».
وبعد وفاته قدم للعلاّمة أبو عبد الله محمد بن الحسين، وللإنشاء محمد بن الرائس الربعي.
стр. 1103
مؤلفاته:
١) اختيارات.
٢) تدوين سير المستنصر، وكتابة ما يجب من تواريخه، وما يحتاج إليه من أخبار دولته، لا يشاركه في ذلك أحد، ولا يجسر أن يتحدث في ذلك غيره، وابن أبي الحسين المدبّر الكبير المتحدث في أحوال الدولة بالإيراد والإصدار والغساني للخاصة.
المصادر:
- اختصار القدم المعلّى لابن سعيد الأندلسي، اختصار محمد بن عبد الله بن خليل، تحقيق ابراهيم الأبياري (القاهرة ١١٩٥٩) ص ١٢، الأدلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية لأحمد بن الشماع، تحقيق عثمان الكعاك (تونس ١٩٣٦) ص ٤٤ - ٤٥ رايات المبرزين لابن سعيد الأندلسي ص ١٨٠ - ١٤٤، تاريخ الدولتين ٢٥، ٢٩، الفارسية ١٢٣ - ٤، مستودع العلامة لأبي الوليد بن الأحمر ص ٢٩، نفح الطيب ٣/ ٥٧.
стр. 1104
٣٩٣ - ابن الغمّاز (٦٠٩ - ٦٩٣ هـ) (١٢١٣ - ١٢٩٣ م)
أحمد ابن الشيخ محمد بن حسن بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي الأنصاري الخزرجي ابن الغمّاز البلنسي، نزيل تونس، العلاّمة المقرئ المحدث، الفقيه، الكاتب الأديب، له شعر قليل.
ولد ببلنسية عام واقعة العقاب، وهي الواقعة التي انهزم فيها الموحدون أمام القوات الإسبانية المسيحية.
قرأ ببلنسية القرآن برواية نافع عن طريق الشاطبية جمعا على محمد بن أحمد بن مسعود الأزدي ابن صاحب الصلاة، وأخذ القراءات السبع افرادا وجمعا برواية يعقوب عن سعيد بن علي بن زاهر بسنده. وقرأ ختمات على صهره القاضي محمد بن ابراهيم بن روبيل وهو آخر الرواة عنه، وأجازه كل واحد منهما بما يرويه. ومن أشياخه جمع كثير أخذ عنهم بالقراءة والسماع كالحافظ الكبير سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، وهو عمدته وأكثر عنه، وأبي الحسن علي بن أحمد بن خيرة البلنسي وهو آخر من روى عنه، ومحمد بن علي بن الزبير، ولقي ابن قطرال المراكشي، ومحمد بن محمد بن أبي السداد. وأجاز له اسماعيل المنبشي، وكتب له مجيزا من أهل المغرب الأقصى أحمد بن محمد العزفي السبتي، ومن أهل المشرق حامد بن سليمان بن أحمد المرجاني الإسكندري، وحامد بن عبد الباري بن عبد الرحمن بن الصواف، وحامد بن عبد الله بن علوان الأسدي، وعلي بن يوسف الدمشقي، وأسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، وسبط السلفي عبد الرحمن بن مكي، وعزّ الدين بن عبد السلام والحافظ زكي الدين المنذري، وغيرهم. ولما نزل بجاية لقي بها المشايخ، وروى عنهم كأبي بكر محمد بن
стр. 1105
عبد الرحمن بن محرز وأبي المطرّف بن عميرة، وأبي الحسن بن أبي نصر، وأبي الحسين أحمد السرّاج.
تولى قضاء بلنسية نائبا عن غيره، ولما احتل الإسبان بلنسية في ١٧ صفر /٦٣٦ سبتمبر ١٢٣٨ هاجر إلى بجاية (١)، وباشر خطة التوثيق، ثم انتقل إلى تونس، وباشر نفس الخطة، فاشتهر أمره، ونبل قدره ثم ولي قضاء بجاية والإمامة بجامعها فأظهر العدل، والقدرة في فصل القضايا، والصلابة في الحق، مع سياسة وكياسة، يعرف كيف يلين في مواطن اللين، ويشتد في المواطن الموجبة لذلك، وهو ممن يصدق عليه أنه كان عارفا بزمانه مقبلا على شأنه. وله شقوف نظر في معالجة المشاكل فإنه لما خرج جيش بجاية مع جيش تونس لحصار مليانة، وخلت بجاية من الحامية، عاث في خارجها المفسدون، واختلّت حالة الأمن، فأمر بحفر خندق خارج السور، ورمّم الأسوار، ونجح في مهمته. وبعد رجوع الجيش قدّرت له الدولة الحفصية هذا الموقف فاستدعته ليتولى قضاء الجماعة بتونس، فظهرت خلاله الحسنة في القضاء أضعاف ما ظهرت ببجاية، وفصل كثيرا من القضايا المشكلة التي كانت موقوفة، وأخر عن القضاء مرات لا لجرحة أو غضب، ثم لا يلبث طويلا حتى يعود إليه، قال الغبريني في عنوان الدراية: «ولم يزل يخلع ولاية القضاء بحاضرة إفريقية، ويلبسها خلعا أحسن من لبس، ولبس أحسن من خلع لأنه كان لا يخلعها إلا لمثلها وما هو أسمى منها، ولم يكن يخلع لشيء أصلا».
تولى كتابة العلامة للسلطان ابراهيم بن يحيى الحفصي.
ويبدو أنه قبل توليته قضاء بجاية تولى - على ما قاله تلميذه الوادي آشي قضاء قسنطينة والخطابة بجامعها.
ووجهه المستنصر الحفصي سفيرا في مهمة سياسية إلى بعض ملوك
стр. 1106
المغرب، فأظهر من علو الهمة، وحسن السياسة ما ازداد به قيمة. قال الغبريني: «وكان محبوبا من الناس لقربه منهم» أي أنه كان متواضعا حسن الأخلاق، وهذه الصفات جعلته محبوبا من سائر الطبقات. ولم تلحقه نكبة أو إهانة من السلط طول حياته بخلاف معاصره بلديّة ابن الابار فقد كان سليط اللسان، لا يمسك عن الإيذاء والتفوه بما لا يليق في بعض كبار رجال الدولة، مع فضول وغرور شديد، وميل إلى احتقار أبناء البلاد مما دفع ثمنه غاليا في آخر الأمر، وإذن ليس صحيحا ما رآه بعض الباحثين أن تولي الأندلسيين كبار المناصب كان مثيرا لحسد ودسائس أبناء البلاد.
والقائلون بهذا الرأي لا يستطيعون أن يظفروا إلا بما وقع لابن الأبار، وهو قد ذهب ضحية إيذائه وقلة تحفظه وغروره وسوء أخلاقه، أما غيره فقد عاش في أمان واطمئنان كالمترجم، وأبي المطرّف بن عميرة وغيرهما كثير.
ووصفه ابن الأحمر في «مستودع العلامة» بأوصاف موجزة بأسلوب مسجوع لا تخرج عامة عما سبق وصفه به فقال: « ... المتميز عن القضاة بالعدل في قضاء الجماعة، والمصغي إلى أخبار الطاعة بإذن سماعة».
وكان المترجم مواظبا على التدريس والإسماع حتى بعد علو سنه وضعف قواه فكان مواظبا على الإسماع بداره غدوة وعشية وممن سمع منه محمد بن جابر الوادي آشي، وهو عمدته وأكثر عنه، وعلي التجاني، والرحالة العبدري المغربي عند رجوعه من الحج، وأحمد البطرقي، وابن راشد القفصي، وروى عنه محمد بن عبد الملك المراكشي، وخلف بن عبد العزيز الغافقي القبتوري.
توفي بتونس في ١٠ محرم وكان لموته رنة أسى في الأوساط العلمية والأدبية، ورثي بمراث شعرية كثيرة جمع بعض هذه المراثي تلميذه علي التجاني أحد الناظمين لبعض المراثي في تأليف سماه «تسلية القلب الحزين في مراثي قاضي قضاة المسلمين» رتب، فيه الشعر على حروف المعجم، وجمع المراثي أيضا في تأليف آخر اسمه «رائق الوشي وعالي الطراز في
стр. 1107
مراثي القاضي الأجل أبي العباس بن الغمّاز» ورتب فيه الشعر حسب قيمته الذاتية.
مؤلفاته:
١) أربعون حديثا تساعية الإسناد.
٢) فهرسة حافلة تضمنت أسماء مشايخه بالتلقي والإجازة من أندلسيين ومغاربة وشرقيين وهم كثيرون ومروياته عنهم، وممن ذكرها وسمعها التجيبي كما في «برنامجه» ص ٢٤٨ تحقيق عبد الحفيظ منصور (تونس ١٩٨١).
المصادر والمراجع:
- الأعلام ١/ ٢٣١ (ط ٥/)، برنامج الوادي آشي ص ٣٨ - ٤٠، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر العسقلاني ٣/ ٩٦٩، ١٥٠٩، تاريخ الدولتين ٣٨، ٤٥، ٥٣، الحلل السندسية ٣/ ٦٦١/١، درة الحجال ١/ ٧٩ - ٨٠، الديباج ٧٦ - ٧٩، الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي ١/ ٤٠٩/١ - ١٣، رحلة العبدري ٢٤٠ - ٣، شجرة النور الزكية ١٩٩، عنوان الأريب ١/ ٦٧ - ٨، عنوان الدراية (ط ٢/) ١٢٩ - ٣١، غاية النهاية ١/ ١١٠، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية ١٣٨، ١٤١، ١٥١، فهرس الفهارس ٢/ ٢٥٨، مستودع العلامة ومستبدع العلاّمة لابن الأحمر ١٣٢، المشتبه للذهبي ٢/ ٤٧١ - ٣، المرقية العليا للنّباهي ١٢٢ - ٣، ذكر له في نفح الطيب شعرا ٦/ ٥١، ٦/ ٥٥ - ٧٢، ٧/ ١٥٨، نيل الابتهاج ٦٤، الوافي بالوفيات للصفدي ٧/ ٨٢، الوفيات لابن قنفذ ٥٢، محمد العنابي بين العالم والآثار، مجلة «الفكر» ع ٨ س ١٩، ماي ١٩٧٤، ص ٩١ - ٥.
стр. 1108
تراجم المؤلفين التونسيين
تأليف
محمد محفوظ
[الجزء الرابع]
стр. 1109
حرف الفاء
стр. 1110
٤١٥ - الفاسي (٠٠٠٠ - ١٢٤٣ هـ) (٠٠٠٠ - ١٨٣٣ م) .
محمد الفاسي: نزيل تونس طبيب علم الطب بتونس وألّف رسائل كثيرة في الطب. له الرسالة الشهابية في الطب موجودة ضمن مجموع بالمكتبة الوطنية بتونس رقم ١٦٣١٣ من الورقة ١ إلى ١٧ شرح فيها بعض المفردات الطبية يذكر أسماءها عند أهل تونس وزمن التقاطها والأماكن التي توجد بها وينقل عن الأطباء التونسيين كالدّنوني والصقلي وينقل أحيانا عن «التذكرة» لداود الأنطاكي.
المرجع:
- تاريخ الطب العربي التونسي للحكيم أحمد بن ميلاد (تونس ١٩٨٠) ص ١٣٦ - ١٣٧.
стр. 1111
٤١٦ - الفاسي (٣٦٨ - ٤٣٠ هـ) (٩٧٩ - ١٠٣٩ م) .
موسى بن عيسى بن أبي حاج واسمه يحج بن وليهم بن الخير الفاسي الغفجومي (بفتح الغاء المعجمة والفاء وضم الجيم، نسبة إلى غفجوم فخذ من زناتة) أبو عمران نزيل القيروان المقرئ والمحدث والفقيه الكبير أصله من فاس من بيت مشهور له نباهة ويعرفون ببني أبي حاج.
قال أبو عمر بن عبد البر: ولدت مع أبي عمران الفاسي في سنة واحدة.
استوطن القيروان طالبا للعلم إلى أن حصلت له رئاسة العلم وتفقه بالقيروان على أبي الحسن القابسي وسمع من أبي بكر أحمد بن أبي بكر الزويلي وعلي بن أحمد اللواتي السوسي ثم رحل إلى قرطبة واتصل بأعلامها فتفقه بأبي محمد الأصيلي (رفيق شيخه القابسي في الرحلة إلى المشرق) وسمع بها من عبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، وصاحب قاسم بن أصبغ، وأبي عثمان سعيد بن نصر، وأبي زيد عبد الرحمن بن يحيى العطار وغيرهم ثم رحل إلى المشرق فحج حججا وفي طريقه سمع بمصر من أبي الحسين عبد الكريم بن عبد الجبار، وأحمد بن نور القاضي وعبد الوهاب بن منير الوشاء وغيرهم، وأخذ الفقه عن أبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بالوشاء المصري، وسمع بمكة من أبي ذر الهروي وأبي الفرج بن أبي الفوارس، وأبي القاسم عبد الله بن محمد بن أحمد السقطي، وغيرهم، وببغداد من جماعة كثيرة منهم أبو الحسين ابن الحمامي المقرئ وأبو أحمد الفرضي،
стр. 1112
وأبو العباس الكرخي ابن المحاملي، وهلال الحفار، وغيرهم، ودرس أصول الدين (علم الكلام) على القاضي أبي بكر الباقلاني الأشعري حوالي عام ٣٩٩/ ١٠٠٨، وعند خروجه من العراق مرّ بمكة للقاء شيخه أبي ذر الهروي، فوجده بالسراة خارج مكة، وكتبه بمكة عند جارية فطلبها من جاريته فامتنعت فلم يزل يلح عليها مبينا ما بينهما من صلات حتى مكنته من الكتب لأنه كان له غرض في مراجعة بعضها، ورجع أبو ذر إلى منزله فغضب وقامت قيامته وأغلظ في الكلام لأبي عمران، وحدثت الجفوة بينهما، فكان أبو عمران لا يسميه في روايته عنه ويقتصر على القول: فيما سمعت، أو يوري عن اسم أبي ذر ويقول: أبو عيسى وبذلك كانت العرب تكنيه باسم ولده، قال الذهبي: قلت: هذه الحكاية تدل على زعارة الشيخ والصاحب (تذكرة الحفاظ أثناء ترجمة أبي ذر الهروي) والحرص الشديد على المطالعة والاستفادة لا يحمد في كل المواطن، ما ضر المترجم لو انتظر قليلا حتى يرجع شيخه أبو ذر إلى منزله؟ .
ورجع إلى القيروان بعد وفاة شيخه القابسي سنة ٤٠٣/ ١٠١٢ ثم عاد للرحلة إلى المشرق في خلال سنة ٤٢٥/ ١٠٣٣.
وابتدأ أبو عمران حياته التدريسية بإقراء القرآن الكريم بعد رحلته الأولى إلى المشرق، ثم ترك الإقراء ودرس الفقه والحديث.
وكان أبو عمران محدثا حافظا عارفا بأسماء الرجال ومقرئا ضابطا وفقيها محققا راسخ القدم في علم الكلام يقول الشعر انتهت إليه الرئاسة العلمية بالقيروان، أخذ عنه خلق كثير من القيروانيين والأندلسيين والسبتيين والفاسيين فممن أخذ عنه أبو القاسم السبوري، وأبو محمد الفحصلي وتفقه به عبد الله بن رشيق القرطبي واختص به، وفي شيخه أبي عمران أكثر شعره، وهو نزيل القيروان وتوفي بمصر بعد منصرفه من الحج سنة ٤١٩/ ١٠٢٩، واستجازه من لم يلقه، وكان يجلس للمذاكرة والسماع
стр. 1113
بداره من غدوة إلى الظهر، فلا يتكلم بشيء ولا يكتب عنه، قال تلميذه حاتم بن محمد الطرابلسي الأندلسي: «لم ألق أحدا أوسع منه علما ولا أكثر رواية».
وكان بينه وبين أبي بكر بن عبد الرحمن نفرة، لما اشتهر أمر أبي عمران بالقيروان قال كبار أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمن نسير إليه، وقالوا: إنه يعز على شيخنا ذلك. وتروّوا في الحضور ثم عزموا على ذلك وقالوا إنه لا يجمل بنا التخلف عن مثله فأسخطوا شيخهم أبا بكر بن عبد الرحمن، حتى يحكى أنه دعا عليهم وهجرهم.
وهذه النفرة يحوطها دين متين وخلق قويم، بحيث لا يمكن لأي أحد أن يستغلها لطعن أحدهما في الآخر والإيقاع بينهما، حكي أن المعز بن باديس أراد أن يستغل هذه النفرة لتقليل نفوذهما على العامة بشهادة أحدهما على الآخر، وتقوم الحجة عليهما معا إذ كانت العامة طوعهما، فلما اختبرهما وجد ما بينهما أمكن مما يظن، وخاب ظنه.
مات أبو عمران في ١٣ رمضان سنة ٤٣٠/ ١٠٣٩ ودفن بداره.
مؤلفاته:
١ - تعليق على المدونة، كتاب جليل لم يكمل.
٢ - تعاليق في تراجم المالكية (١).
٣ - عوالي حديثة، في نحو مائة ورقة.
٤ - فهرسة.
وهذه الكتب مفقودة.
стр. 1114
المصادر والمراجع:
- الاستقصا (الدار البيضاء) ١/ ٢٠٨.
- الأعلام ٨/ ٢٧٨، ١٠/ ٢٤٣.
- بغية الملتمس للضبي ٤٤٢ رقم ١٣٣٢.
- البيان المغرب لابن عذاري ١/ ٢٧٥.
- ترتيب المدارك ٤/ ٧٠٢ - ٧٠٦.
- التشوف إلى رجال التصوف ٦٤.
- جذوة الاقتباس لابن القاضي ٢٣٠.
- جذوة المقتبس للحميدي ٣١٧.
- الحلل السندسية ١ ق ١/ ٢٧٢ - ٧٣.
- الديباج ٣٤٤ - ٤٥.
- الروض المعطار للحميري (تحقيق د. إحسان عباس) ٤٣٥.
- شجرة النور الزكية ١٠٦.
- شذرات الذهب ٣/ ٢٤٧ - ٤٨.
- الصلة لابن بشكوال (مصر) ٢/ ٥٧٧ - ٧٨.
- العبر للذهبي ٣/ ١٧٣ - ١٧٤.
- غاية النهاية لابن الجزري ٢/ ٣٢١ - ٢٢.
- الفكر السامي للحجوي ١/ ٤١ - ٤٢.
- فهرس الفهارس ١/ ١١١.
- معالم الإيمان ٣/ ١٩٩ - ٢٠٥.
- معرفة القرّاء الكبار للذهبي ١/ ١٣٢.
- معجم المؤلفين ١٣/ ١٤٤.
- النجوم الزاهرة ٥/ ٣٠ - ٧٧.
- هدية العارفين ٢/ ٤٨٠.
- الوفيات لابن قنفذ ٣٦.
- بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤ - ٧٢٦ - ٧٢٧.
- القراءات بإفريقية لهند شلبي ٣٢٩ - ٣٣٢.
- وعن سنده في الفقه ينظر رحلة العياشي ٢/ ١٩٨.
стр. 1115
٤١٧ - الفائز (١٣٢١ - ١٣٧٢ هـ) (١٩٠٢ - ١٩٥٣ م) .
محمد الفائز القيرواني، من سلالة الشيخ الصالح عبيد الغرياني دفين القيروان، ولد بها، وتعلّم في الكتاب فاستظهر القرآن الكريم، ثم التحق بجامعها الكبير جامع عقبة بن نافع ثم بجامع الزيتونة حوالي سنة ١٩٢١، ولم يستوف أمد التعليم به بحيث لم يحرز على شهادة التطويع لموت والده الذي اضطره للرجوع إلى مسقط رأسه، وكان والده يحب التعرف على أخبار العالم فاقتدى به في مطالعة الصحف على صغر سنه، ونما فيه شغف وهيام بالمطالعة، فطالع ما ظفرت به يده من كتب غير ذات قيمة كرأس الغول، وخريدة العجائب لابن الوردي، والعرائس في قصص الأنبياء للثعلبي المفسر، وغيرها من المطبوعات الرخيصة المتداولة.
نظم الشعر وسنه لم يتجاوز الخامسة عشرة، وكان للوسط الأدبي الذي نشأ فيه أول الأمر بالقيروان ثم اندماجه في الأوساط الأدبية بالحاضرة أكبر أثر في توجيه ذهنه إلى الأدب وصقل ذهنه المرهف وعاطفته الرقيقة.
وكان شبان القيروان في ذلك العصر لهم ولوع بإصدار صحف يكتبونها بأيديهم ويوزعونها فيما بينهم، وكانت هذه الصحف اليدوية تتناول مشاكل التعليم والتمثيل وتتحدث عن أخبار الأندية والجمعيات، وكان للشاب محمد الفائز جريدته «الشمعة» يتبادلها مع جرائد أترابه الذين كان منهم محمد بو شربية ومحمود الباجي، ومحمود عبد الله، ومحمد الحليوي، والمختار الخضراوي.
стр. 1116
وكان من أثر هذه الهواية أن أصدر الشيخ عمر العجرة جريدة «القيروان» وأسند تحريرها إلى هؤلاء الشبان، وكان المترجم من أبرز محرريها.
أما في العاصمة فقد لازم نادي الشيخ محمد ماضور بداره الكائنة بنهج الكنز، ثم بالمدرسة الباشية وكان هذا النادي مثابة لكبار الأدباء والعلماء، كما كان يرتاده كثير من شداة الأدب وهواته وفي هذا النادي تعرف بشيخ الأدباء الشيخ محمد العربي الكبادي، ومن هنا توثقت بينهما الصلة كما كان يرتاد نادي الشيخ معاوية التميمي، ولما رجع إلى القيروان علم بالمدرسة القرآنية الوحيدة بها ولازم مجلس أديبي القيروان الشيخ صالح سويسي، والشيخ الشاذلي عطاء الله، وانكب على القيام بمهمته بجد وإخلاص، ثم صار مديرا لمدرسة الفتح التي علم بها أكثر من عشر سنوات.
وكان له نشاط أدبي متواصل يراسل الصحف اليومية والأسبوعية بانتظام وحتى بعض الصحف الجزائرية ويزود المدارس بالأناشيد الرائقة التي تتغنى بمجد العرب ومجد القيروان السالف ويضمن هاته الأناشيد من الحماس والمعاني الرائقة ما يجعلها مؤثرة في النفوس باعثة فيها العزة والنخوة.
وكان عاطفي المزاج مرهف الحس، حاد الذكاء وشعره يمتاز بالسهولة والعذوبة ولا يروقه من الشعر إلاّ ما كان على هاته الصفة، لذلك كان شديد الإعجاب بشعر حافظ إبراهيم، حتى كاد يحفظه كله وكان يتعصب له ويفضله على شوقي، وكان يهيم بشعر البحتري والموشحات الأندلسية وينسج على منوالها.
وموضوعات شعره هي موضوعات الشعر العربي المعروفة، فقد نظم في الغزل كثيرا كما نظم في الوصف والاجتماعيات، وله مدائح ومراث وله قصائد حماسية يتغنى فيها بأمجاد القيروان والأمة العربية، كما
стр. 1117
نظم شيئا مما يسمى شعر المناسبات، وأحسن شعره ما كان في الأمور العاطفية كالغزل والحماس والذكريات وموشحات كثيرة فيها نفحات أندلسية أصيلة تذكرك بعهد ابن زيدون وابن سهل وابن الخطيب.
توفي يوم الثلاثاء ٢٥ أوت سنة ١٩٥٣ بمدينة المنستير حيث كان يصطاف وتعوّد الاصطياف بها لاشتداد وطأة المرض عليه وحاجته للطقس المعتدل.
له ديوان شعر (ط. بتونس ١٩٧٨).
المراجع:
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر لزين العابدين السنوسي (ط ١/) ١/ ١٤٤ - ١٦٠.
- في الأدب التونسي لمحمد الحليوي (تونس ١٩٦٩) ص ١٣٩ - ١٤٧.
- معجم المؤلفين ١١/ ١١٥.
- محمد الحليوي «كلمة عن الشيخ محمد الفائز» مجلة الندوة السنة الأولى ع ١١ ص ٦ - ٨ وفيها تحليل لشعره.
стр. 1118
٤١٨ - فتاتة (٠٠٠٠ - ١١١٥ هـ) (٠٠٠٠ - ١٧٠٤ م) .
محمد بن إبراهيم فتاتة الفقيه المشارك في علوم والناظم للشعر الجيد.
ولد بمدينة تونس، وتفقه فيها على عدة مشايخ منهم تاج العارفين البكري، ومحمد براو وأبو الفضل المصراتي، وبعد تخرجه تصدر للتدريس بجامع الزيتونة، فأقرأ مختصر خليل والمغني لابن هشام، واستفاد منه الكثيرون في علمي المعقول والمنقول منهم محمد بوراس، وقاسم عبّان (بالباء الموحدة من أسفل بعد العين) القيروانيان، وأخذ عنه أبناؤه إبراهيم وأحمد وحمودة، وسعيد الشريف، وعبد القادر الجبالي، ومحمد الخضراوي، ومحمد زيتونة، والوزير السراج، وغيرهم كثيرون.
تولّى منصب الفتوى على مذهب الإمام مالك مدة إحدى وثلاثين سنة وزانها بعلمه وبفضله وربما كان يفتي من مجموع الفتاوى التي جمعها لشيخه أبي الفضل المصراتي ومن غيرها من فتاوى علماء العصر.
وفي سنة ١٠٨٨/ ١٦٧٧ كانت الفتنة المشهورة بين محمد باي وعلي باي المراديين وتسبب عنها إلقاء القبض على صاحب الترجمة وسجنه مع رفيقه مفتي الحنفية أبي المحاسن يوسف درغوث الذي قتل في السجن، ونجا صاحب الترجمة لفراره ليلا من بين العسس، واختفائه بدار تلميذه سعيد الشريف، وبقي بها مختفيا إلى أن أمنه محمد باي، وأعاده إلى خطته، وندم على ما صنع بصاحبه.
وامتحن بقتل ابنه حمودة الذي قتل سنة ١١٠٩/ ١٦٩٨.
стр. 1119
له إكمال شرح «الدرة البيضاء» في الحساب والفرائض للشيخ عبد الرحمن الأخضري الجزائري، واعتذر في الإكمال المذكور بقوله: «وأين الرقعة من الثوب؟ » تضمن أواخر المحاصات إلى تمام الكتاب ويوجد مع أصله شرح الأخضري صاحب «الدرة البيضاء» في المكتبة الوطنية بتونس وأصله من المكتبة العبدلية ٢ نسختان.
قال حسين خوجة: «ولم يسمح العصر بمثله لتضلعه في علم النوازل، وتحقيقها وتدقيقها وكان ﵀ مرضي الأخلاق، حسن الملاقاة، مليح الصورة، عفيفا ظريفا، استكمل الفضائل كلها» إلى أن قال: «وكان ينشد الشعر الرائق وفضائله ليس لها حد».
المصادر والمراجع:
- برنامج المكتبة الصادقية ٤/ ٤٠٠.
- ذيل بشائر أهل الإيمان ١٩٨ - ١٩٩.
- شجرة النور الزكية ٣٢٠ - ٣٢١.
- وعن فتنة سنة ١٠٨٨ ينظر المؤنس (ط ٣/) ص ٣٢٥ وتعليق (١) لمحقق الكتاب الشيخ محمد (بفتح الميم) شمّام.
стр. 1120
٤١٩ - ابن الفرات (١٤٥ (١) - ٢١٣ (٢) هـ) (٧٦٢ - ٨٢٨ م).
أسد بن الفرات بن سنان مولى سليم بن قيس أبو عبد الله الفقيه الإمام.
أبوه من نيسابور، قدم القيروان سنة ١٤٤/ ٧٦١ مع جيش محمد بن الأشعث الخزاعي في خلافة أبي جعفر المنصور العباسي، قال بعضهم:
ولد بحرّان، وقيل بل قدم أبوه وأمه حامل. وقد كان علّم القرآن بقرية من قرى وادي مجردة، ثم اختلف إلى علي بن زياد بتونس فلزمه وتعلّم منه وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق فحج، وسمع من الإمام مالك بن أنس الموطأ، ثم ذهب إلى الكوفة فلقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وأسد بن عمرو، وكتب الحديث عن يحيى بن أبي زائدة، سمع منه عشرين ألف حديث، وهشيم بن بشير كتب عنه اثني عشر ألف حديث، والمسيّب بن شريك، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم.
وشيخه أبو يوسف أخذ عنه الموطأ.
قال أسد: لما خرجت إلى المشرق وأتيت المدينة، قدمت مالكا وكان إذا أصبح خرج آذنه فأدخل أهل المدينة، ثم أهل مصر، ثم عامة الناس، فكنت أدخل معهم فرأى مالك رغبتي في العلم فقال لآذنه:
أدخل القروي مع المصريين، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلت له: إن
стр. 1121
لي صاحبين وقد استوحشت أن أدخل قبلهما فأمر بإدخالهما معي، وكان ابن القاسم وغيره يحملني على أن أسأل مالكا فإذا أجابني قالوا لي: قل له فإن كان كذا وكذا فضاق عليّ يوما وقال: هذه سلسلة بنت سلسلة إن كان كذا كان كذا، إن أردت فعليك بالعراق.
قال أسد: فلما أتيت الكوفة أتيت أبا يوسف فوجدته جالسا ومعه شاب وهو يملي عليه مسألة فلما فرغ منها قال: ليت شعري! ما يقول فيها مالك؟ قلت: كذا وكذا، فنظر إليّ، فلما كان في اليوم الثاني مثل ذلك وفي الثالث مثله، فلما افترق الناس دعاني وقال: من أين أنت، ومن أين أقبلت؟ فأخبرته، قال: وما تطلب؟ قلت: ما ينفعني الله به، فعطف على الشاب الجالس فقال: ضمه إليك لعل الله ينفعك به في الدنيا والآخرة، فخرجت معه إلى داره فإذا محمد بن الحسن فلزمته حتى كنت من المناظرين من أصحابه قلت له: أنا غريب والسماع منك قليل، قال: اسمع العراقيين بالنهار وجئني بالليل وحدك تبيت معي فأسمعك، فكان إذا رآني نعست نضح وجهي بالماء ورآني يوما أشرب ماء السبيل، فقال لي أتشربه؟ فقلت له: أنا ابن سبيل، فلما كان الليل بعث إليّ بثمانين دينارا وقال: ما عرفت أنك ابن سبيل إلاّ الآن.
فلما أراد الرجوع إلى إفريقية لم يكن عنده نفقة السفر، فذكر ذلك لمحمد بن الحسن، فقال له: اذكر شأنك لولي العهد، فلقي محمد بن الحسن ولي العهد، وذاكره أمر أسد، ثم قال لأسد: قف بالحاجب يوم كذا يدخلك عليه، وأعلم أنك حيث تنزل نفسك أنزلوك، فمضى أسد واستأذن فأذن له فدخل حتى انتهى إلى موضع أمر بالجلوس فيه، ومضى الخادم الذي أدخله فجاءه بمائدة مغطاة فجعلها بين يديه، قال أسد:
ففكرت وقلت: ما أرى هذه إلاّ منقصة، وقلت للخادم، هذا الذي جئت به منك أو من مولاك؟ قال: مولاي أمرني به، قلت: مولاك لا يرضى بهذا يأكل ضيفه دونه يا غلام هذا أمر منك وجبت مكافأتك
стр. 1122
عليه، وكانت في جيبي أربعون درهما لم يبق معي سواها فدفعتها إلى الخادم، وقلت له: ارفع مائدتك! ففعل وعرف مولاه، فبلغني أنه قال:
حرّ والذي لا إله إلاّ هو، ثم قال الخادم أدخل: فدخلت عليه وهو على السرير، ومعلم على آخر وسرير ثالث فأمرني بالجلوس عليه فجلست، وجعل يسائلني وأجيبه، فلما قرب انصرافي كتب رقعة وختمها ودفعها إلي وقال: قف بهذا إلى صاحب الديوان، وتعود إليّ، فأخذت الرقعة، ولقيت محمد من الغد فسألني فأعلمته فقال لي: أوصل الساعة الرقعة، ففعلت فدفع إليّ صاحب الديوان عشرة آلاف درهم، فأعلمت محمد بن الحسن، فقال لي: إن عدت إلى القوم صرت لهم خادما وفيما أخذت عون لك. ورغب إليّ محمد أن أزامله إلى مكة، فكأني كرهت هذا، فقال لي أصحابه، وددنا لو اشترينا هذا منه بعشرة آلاف درهم فزاملته وكنت أسأله عما أريده وربما سألته وهو في الصلاة فيمهد بالقراءة يعلمني أنه يصلي فأقول: تشتغل عني بالصلاة وقد قطعت البلاد إليك، فيقطع ويجيبني.
فخرج من العراق إلى مصر فوجد فيها أصحاب مالك المصريين: ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وابن عبد الحكم، فأراد أن يخدم الفقه المالكي معهم خدمة جديدة، وذلك أن يأخذ المنهج العراقي في تفصيل المسائل وتأصيلها ويدرج عليه من مسائل الاحكام على مذهب مالك، فيكون بذلك قد أدخل المذهب المالكي في دور جديد من التدوين المؤصل المرتب
ولم يجد أسد من يسايره في هذا الصنيع من المصريين إلاّ عبد الرحمن بن القاسم العتقي أكبر أصحاب مالك وأتمهم قياما على أقواله، فدوّن أسد أسئلته لابن القاسم ومباحثاته معه وأجوبة ابن القاسم أحيانا بقول مالك، وأحيانا بما رأى ابن القاسم من خلافه، وأخرج ذلك كتابا كاملا جامعا قد دوّن فيه المذهب المالكي لأول مرة تدوينا وافيا هو
стр. 1123
«الأسدية» التي تشتمل على ستين كتابا إلاّ أن هذا الأثر العظيم الذي أبرزه أسد قد بقي كما هو شأن كل عمل في ابتدائه منقوصا من جهتين:
الجهة الأولى هو أنه لما بنى أدراج مذهب على منهج مذهب آخر فقد وقع فيه من الاختلاط في الأقوال والاختلال في عزوها أمور جاءت قادحة في ما يطلب في كتب الاحكام من الصحة المطلقة، والجهة الثانية في النقص:
وهي أن فقهاء المالكية اعتادوا بناء الفقه على الأحاديث والآثار كما هي طريقة مالك في الموطأ، وقد سلك أسد في كتابه طريقة فقه خالص مبني على صريح الاجتهاد فلذلك لقيت هذه الطريقة بعض ازورار منذ انتشر كتاب أسد في مصر ثم بعد أن عاد به إلى إفريقية فكان الناس يقولون:
جئتنا بإخال وأظن وأحسب وتركت الآثار وما عليه السلف.
(محمد الفاضل بن عاشور): أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، أثناء ترجمة علي بن زياد ص ٢٧).
قال ابن سحنون وحصلت لأسد بتلك الكتب في القيروان رياسة، قال غيره: وأنكر عليه الناس إذ جاء بهذه الكتب وقالوا: أجئتنا بإخال وأظن وأحسب، وتركت الآثار وما عليه السلف، قال أسد: أما علمتم أن قول السلف هو رأي لهم وأثر لمن بعدهم، ولقد كنت أسأل ابن القاسم عن مسألة فيجيبني عنها، فأقول: هو قول مالك؟ فيقول: كذا إخال وأرى، وكان ربما يكره أن يهجم على الجواب.
وعاد أسد إلى إفريقية سنة ١٨١/ ٧٩٧ وانتصب بالقيروان يفيض ذلك العلم الجم ويخرج ناشئة الفقهاء على ذلك الأسلوب الذي صاغ عليه كتابه البديع (المرجع السالف نفس الصفحة، وينظر ومضات فكر لنفس المؤلف ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤).
ومنع أسد كتابه «الأسدية» عن سحنون، فتلطف سحنون حتى وصلت إليه، ثم ارتحل سحنون بالأسدية إلى ابن القاسم، فعرضها
стр. 1124
عليه، فقال ابن القاسم فيها شيء لا بد من تفسيره وأجاب عما كان يشك فيه، واستدرك فيها أشياء كثيرة لأنه كان أملاها على أسد من حفظه، وكتب ابن القاسم إلى أسد أن عارض كتبك على كتب سحنون فإني رجعت عن أشياء مما رويتها عني، فغضب أسد وقال لابن القاسم:
أنا صيرتك ابن القاسم، ارجع إلى ما اتفقنا عليه إلى ما رجعت أنت الآن عنه، فترك أسد سماعها، وذكر أن أسدا همّ بإصلاحها فرده عن ذلك بعض أصحابه وقال: ألا تضع من قدرك تصلح كتبك من كتبه وأنت سمعتها قبله؟ فترك ذلك، وأهملت «الأسدية» واقتصر الناس في التفقه على «مدونة» سحنون.
ولاه الأمير زيادة الله الأول الأغلبي القضاء شريكا لأبي محرز الكناني سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤/ ٨١٨ - ١٩ وكان ما بينهما غير جميل، فكان أسد أغزر علما وفقها وأبو محرز أسدّهما رأيا وأكثرهما صوابا.
بعث الأمير زيادة الله إلى أبي محرز وأسد فأقبل أسد وإذا أبو محرز ينتظره مع بعض الرسل، ثم دخلا على الأمير فأجلس أبا محرز عن يمينه وأسد عن شماله، ثم دفع صكا إلى أسد ليقرأه، ووقع حوار وجدال بينه وبين أبي محرز، ثم دخل عليهم رجل فذكر للأمير أنه رأى كأن جبريل هبط من السماء ومعه نور حتى وقف بين يديك وصافحك، وفي رواية وقبل يدك، فابتسم زيادة الله وقال: هذا عدل يجزيه الله على يدي فقال أسد: كذب الشيخ أيها الأمير، فغضب الأمير، ونظر إلى أبي محرز كالمحرك له ليعلم ما بينهما، فقال أبو محرز صدق أسد وكذب الشيخ لأن جبريل لا ينزل بوحي إلاّ على نبي، وقد انقطع الوحي، وهذا وأمثاله يأتونكم بمثل هذا طلبا للدنيا، فاتق الله، فسكت الأمير، وخرجا. وكان أسد وأبو محرز على تباعدهما لا يستحل أحد من صاحبه ما لا يحل.
لما غلب عمران بن مجاهد على القيروان بعث إلى أسد في الخروج معه فتمارض ولزم بيته فبعث إليه إن لم تخرج معي بعثت إليك من يجرك
стр. 1125
برجلك فقال للرسول: لئن أخرجنني لأنادين القاتل والمقتول في النار، فلما سمع ذلك تركه.
لما خرج الجيش إلى غزو صقلية سنة ٢١٢/ ٨٢٧ تطوع في الجيش لأنه كان - على علمه وفقهه - أحد الشجعان، ولاه زيادة الله إمارة الجيش فقال له أسد: من بعد القضاء والنظر في الحلال والحرام تعزلني وتوليني الإمارة؟ فقال: لا ولكني وليتك الإمارة وهي أشرف، وأبقيت لك القضاء فأنت أمير قاض.
لما خرج أسد إلى سوسة ليتوجه منها إلى صقلية، وفي سوسة يقيم الأسطول الإفريقي، خرج معه وجوه أهل العلم، والناس يشيعونه، وأمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلاّ شيعه، فلما نظر الناس حوله من كل جهة، وقد صهلت الخيول وضربت الطبول وخفقت البنود، صعد متن السفينة المعدة له وقام خطيبا فقال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، والله يا معشر المسلمين ما ولي لي أب ولا جد، ولا رأى أحد الناس من سلفي مثل هذا، ولا بلغت مثل ما ترون إلاّ بالأقلام فأجهدوا أنفسكم فيها، وثابروا على تدوين العلم تنالوا به الدنيا والآخرة.
وخرج أسد إلى صقلية في عشرة آلاف رجل منهم تسعمائة فارس، وفتح مدنا وقلاعا مثل مازرة والشاقّة، ثم قصد القاعدة الكبرى سرقوسة شرقي الجزيرة، فضيق عليها الخناق، قال بعضهم ممن حضر هذه الحملة، فرأيت أسدا وفي يده اللواء وهو يزمزم وأقبل على قراءة يس، ثم حرض الناس وحمل وحملوا معه، فهزم الله جموع النصارى، ورأيت أسدا وقد سالت الدماء على قناة اللواء حتى صار تحت إبطه ولقد رد يده في بعض تلك الأيام فلم يستطع مما اجتمع من الدم تحت إبطه.
ومن أهداف الحملة على صقلية هو إبعاد الخطر الخارجي عن إفريقية لأن صقلية هي بمثابة حصن لبيزنطة، وإبعاد الجند العربي المتكون