أحد بعدهما، وربما خالفا أبا الحسن في مسائل من علم الكلام، والقوم - أعني الأشاعرة لا سيما المغاربة منهم يستصعبون هذا الصنيع ولا يرون مخالفة أبي الحسن في نقير ولا قطمير ... وربما ضعفا مالك في كثير من المسائل كما فعلا في مسألة المصالح المرسلة، وعند ذكر الترجيح بين المذاهب فهذان الأمران نفرا المازري عنهما، وينضم إلى ذلك أن الطرق شتى مختلفة، ما رأيت سالك طريق إلاّ ويستقبح الطريق التي لم يسلكها ولم يفتح عليه من قبلها، ويضع عند ذلك من غيره، ولا ينجو من ذلك إلاّ القليل من أهل المعرفة والتمكين. ولقد وجدت هذا واعتبرته حتى في مشايخ الطريقة، ولا يخفى أن طريقة الغزالي التصوف والتعمق في الحقائق ومحبة إشارات القوم، وطريقة المازري الجمود على العبارات الظاهرة والوقوف معها، والكل حسن ولله الحمد، إلاّ أن اختلاف الطريقتين يوجب تباين المزاجين، وبعد ما بين القلبين لا سيما وقد انضم إليه ما ذكرناه من المخالفة في المذهب، وتوهم المازري أنه يضع من مذهبه، وأنه خالف شيخ السنة أبا الحسن الأشعري حتى رأيته - أعني المازري - قال في شرح «البرهان» في مسألة خالف فيها إمام الحرمين أبا الحسن الأشعري وليست من القواعد المعتبرة ولا المسائل المهمة من خطأ شيخ السنة أبا الحسن الأشعري فهو المخطئ وأطال في هذا. وقال في الكلام على ماهية العقل في أوائل «البرهان» وقد حكى عن الأشعري أنه يقول العقل هو العلم. وأن الإمام ﵁ قال مقالة الحارث المحاسبي أنه غريزة بعد أن كان في «الشامل» ينكرها وأنه إنما ضمها لكونه في آخر عمره قرع باب قوم آخرين، يشير إلى الفلاسفة، فليت شعري ما في هذه المقالة مما يدل على ذلك! وأعجب من هذا أنه - أعني المازري - في آخر كلامه بأن الإمام ينحو نحوهم وأخذ يجل من قدره، وله من هذا الجنس كثير، وهذه الأمور توجب التنافر بينهم، ويجمل المنصف أن لا يسمع كلام المازري فيهما إلاّ بعد حجة
стр. 1332
كلامية، ولا تحسب أنا نفعل ذلك إزراء بالمازري وحطا من قدره لا وهديل بيننا طريق الوهم عليه وهو معذور، فإن المرء إذا ظن بشخص سوءا قلما أمعن بعد ذلك النظر في كلامه بل يصير بأدنى لمحة أدلت يحمل أمره على السوء ويكون مخطئا في ذلك إلاّ من وفقه الله تعالى ممن يرى من الأغراض ولم يظن إلاّ الخير، وتوقف عند سماع كل كلمة، وذلك مقام لم يصل إليه إلاّ الآحاد من الخلق، وليس المازري بالنسبة إلى هذين الإمامين من هذا القبيل، وقد رأيت ما فعله في حق إمام الحرمين في مسألة الاسترسال التي حكينا في ترجمة الإمام في الطبقة الرابعة، وكيف وهم على الإمام، وفهم عنه ما لا يفهمه العوام، وفوق نحوه سهام الملام إلى أن قال: وهذا المازري كان رجلا فاضلا ذكيا، وقال بعده وأما المازري لأنه مغربي، وكانت المغاربة لما وقع لهم كتاب الإحياء لم يفهموه فحرقوه فمن تلك الحال تكلم المازري ثم إن المغاربة بعد ذلك أقاموا عليه ومدحوه بقصائد.
ولا ينكر علو مرتبة المازري، ولكن كل حال لا يعرفه من لم يذقه أو يشرف عليه، وكل أحد إنما يتكيّف بما نشأ عليه ووصل إليه (طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي المطبعة الحسينية ٤/ ١٢٢، ١٣٠).
٣ - شرح البرهان لإمام الحرمين وقد قال التاج السبكي عن هذا الكتاب (البرهان) لغز الأمة.
٤ - شرح التلقين للقاضي عبد الوهاب في ١٠ عشرة مجلدات.
٥ - الفرائد في علم العقائد.
٦ - كشف الغطا عن لمس الخطا.
٧ - المعلم بفوائد مسلم، وهو شرح على صحيح مسلم، منه مخطوطة في خزانة الرباط وهي جيدة كتبت سنة ٦٢٩ كذا في الأعلام. وقال ابن
стр. 1333
خلدون، اشتمل على عيون من علم الحديث. وقد سبق أنه إملاء دونه عنه أصحابه ثم نظر في هذا التدوين بالتهذيب.
٨ - الواضح في قطع لسان الكلب النابح.
٩ - إيضاح المحصول في الأصول والمازري أحد الأربعة الذين اعتمد خليل ترجيحهم بل وافق أقوالهم.
١٠ - كتاب النكت القطعية في الرد على الحشوية الذين يقولون بقدم الأصوات والحروف.
١١ - فتاوى كثيرة أورد منها في المعيار مجموعة.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٦/ ٢٧٧ (ط ٥/).
- الإمام المازري لحسن حسني عبد الوهاب (تونس).
- المازري للشيخ محمد الشاذلي النيفر (تونس).
- أزهار الرياض للمقري ٣/ ٢٩، ١٦٥، ١٦٦.
- إيضاح المكنون ١/ ١٥٦.
- شجرة النور لزكية ١٢٧ - ١٢٨.
- شذرات الذهب ٤/ ١١٤.
- العبر ٤/ ١٠٠ - ١٠١.
- فهرس ابن عطية ١٠٧ (كتب لعبد الحق بن عطية يجيزه بكتاب المعلم وبجميع تواليفه سنة ٥٠٤).
- الديباج ٢٧٩ - ٢٨١.
- الغنية للقاضي عياض تحقيق د. محمد بن عبد الكريم ص ١٣٢، ١٣٣ (تونس ١٣٩٨/ ١٩٧٨).
- سيرة القيروان لمحمد العروسي المطوي (تونس) ٤٧، ٤٨.
- الفكر السامي ٤/ ٥٧.
- كشف الظنون ٥٥٧ عند الكلام عن الجامع الصحيح لمسلم، مرآة الجنان لليافعي ٣/ ٢٦٧.
- معجم الأطباء للد/أحمد عيسى ٤١٠، ٤١٢.
- معجم المؤلفين ١١/ ٣٢.
- هدية العارفين ٢/ ٨٨.
- وفيات الأعيان ٣/ ٤١٣.
стр. 1334
- الوفيات لابن قنفذ ٤٢.
- مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٣ (ط. مصطفى محمد، القاهرة بلا تاريخ).
- لحظ الالحاظ يذيل طبقات الحفاظ لابن فهد المكي ص ٧٣.
- الإمام المازري الفقيه المتكلم وكتابه المعلم للشيخ محمد الشاذلي النيفر مجلة الهداية س ١٠ ع ٢ محرم وصفر /١٤٠٣ نوفمبر ديسمبر ١٩٨٢.
стр. 1335
٤٩٦ - ابن المازق (٠٠٠٠ - ١٣٥٤ هـ) (٠٠٠٠ - ١٩٣٦ م) .
المبارك بن القاسم بن المازق (بالقاف المعقودة) الزبيدي التوزري، الفقيه الأديب الشاعر.
زاول تعلمه في كتاب ببلده فحفظ القرآن، ثم قرأ على علماء بلده ثم ارتحل إلى الأزهر وأخذ عن أعلامه حتى أشبع رغبته من المعرفة فعاد إلى بلده توزر، وانتصب مدرسا واعظا فاستفاد منه عموم الناس وكان مغرما بالمطالعة يقضي ليله في المطالعة والتدوين.
مؤلفاته:
١ - شرح الآجرومية.
٢ - تقارير على كثير من الشروح والحواشي.
٣ - نظم الآجرومية.
المرجع:
- الجديد في أدب الجريد ١٧٣ - ١٧٥.
стр. 1336
٤٩٧ - ماضور (١١٥٠ - ١٢٢٦ هـ) (١٧٣٧ - ١٨١١ م) .
محمد بن محمد ماضور من أسرة أندلسية الأصل، وكان سلفه من حماة الثغور بالأندلس ينتسبون إلى أبي القاسم أحمد بن يحيى بن محمد بن عيسى بن منظور القيسي عالم إشبيلية وقاضيها المتوفى سنة ٥٢٠/ ١١٢٧، وبعد جلائهم نزلوا بقرية «الجديدة» وهي خربة الآن تقع على بضعة أميال من «قرنبالية» تبعد عن مدينة تونس بنحو خمسين ميلا.
ولد صاحب الترجمة ببلدة سليمان التي هاجر إليها قومه بعد خلاء قريتهم فاستوطنوها وجددها المهاجرون الأندلسيون وكانت تسمى إذ ذاك بنت تونس. وهي بلدة أنيسة جميلة الموقع حسنة المناخ تبعد عن مدينة تونس بنحو ٣٠ كلم. وكانت ولادته أيام ولاية والده قضاء تلك البلدة وما يليها من شبه جزيرة شريك.
كان عالما فقيها أديبا شاعرا. كان على طول باعه في علوم اللغة والشريعة يتعاطى ما بلغه العلم إذ ذاك من المعارف الطبية وخواص المفردات الطبيعية، وله إلمام بأحكام النجوم ويستعمل لذلك الأسطرلاب والأرباع التي اخترعها العرب. وله يد في الحساب والهندسة، أما أدبه فله شعر سهل المآخذ رقيق المعاني ينم عن شاعرية مطبوعة وذوق لطيف.
تتلمذ في بلدة سليمان على أجلّة العلماء منهم والده الذي قرأ عليه تفسير الخازن ومدحه بقصيدة طويلة عند الختم طالعها:
تفسير أشواقي لديك تحرر ... فعساك تختم بالوصال وتجبر
يا أيها البلد الذي به أحدقت ... أحداقنا فرأت كمالا يبصر
стр. 1337
ثم انتقل إلى جامع الزيتونة، فأخذ القراءات عن حمودة إدريس، والعربية عن حمودة بن حسين باكير، والبلاغة عن قاضي بارد ومنصور المنزلي، وأخذ عن شيخي الإسلام حسين البارودي ومحمد بيرم الأول، وعن أبي الفضل قاسم القلشاني، ومحمد الشحمي، ومحمد الغرياني وله فيه مدائح.
وبعد تخرجه درّس مدة بجامع الزيتونة إلى أن توفي والده وأجمع أهل بلده لأن يقوم مقامه في القضاء والإمامة والتدريس ببلد سليمان، فتقدم لذلك مكرها كما يظهر من نفثات شكواه التي أودعها ديوانه.
وقال ابن أبي الضياف عن علمه وأخلاقه وسجاياه: «وكان عالما فقيها أديبا ذا فهم سديد وفكر ثاقب، خيّرا عفيفا تقيا عالي الهمة، ولشعره ديوان معروف».
توفي في ذي الحجة /١٢٢٦ ديسمبر ١٨١١ جانفي ١٨١٢.
مؤلفاته:
١ - تعليقات كثيرة على كتب في فنون شتى.
٢ - تعليقات على ألفية ابن سينا في الطب.
٣ - التطبيق في التوثيق.
٤ - الدر المكنون في رواية قالون.
٥ - ديوان شعر صغير في ٩ ورقات بالمكتبة الوطنية وأصله من المكتبة الأحمدية الزيتونية ومعظمه في الغزل.
٦ - مختارات أدبية.
٧ - مختصر في رسوم القراءات.
стр. 1338
٨ - مختصر في مخارج الحروف.
٩ - مقالة في مراتب العلوم.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٧/ ٧١ (ط ٥/).
- إتحاف أهل الزمان ٧/ ٥٩، ٦٠.
- تاريخ الأدب التونسي في العهد الحسيني ١٠٤، ١١٨.
- تونس وجامع الزيتونة لمحمد الخضر حسين ص ٩٤، ٩٦.
- شجرة النور الزكية ٣٦٦.
- عنوان الأريب ٢/ ٧١، ٧٢.
- مجمل تاريخ الأدب التونسي ٢٦١، ٢٦٥.
стр. 1339
٤٩٨ - المالطي (٠٠٠ - ٥٣٧ هـ) (٠٠٠٠ - ١١٤٣ م) .
علي بن عبد الله بن داود اللمائي القيرواني المعروف بالمالطي، نزيل المهدية ثم الأندلس، أبو الحسن، الفقيه المشاور، المقرئ المتفنن.
روى عن أبي الحسن بن مكي اللواتي، وأصحاب أبي بكر المالكي، وأبي القاسم اللبيدي، وارتحل إلى الأندلس فسمع بالمرية من أبي علي الصدفي كتاب اختصار الطريق لأبي سعيد بن الأعرابي وغير ذلك، روى عنه عبد القادر الخياط.
توفي بالمرية يوم السبت غرة جمادى الأولى وصلّى عليه القاضي أبو محمد بن عطية من الغد يوم الأحد.
مؤلفاته:
١ - جمع بين الاستذكار لابن عبد البر والمنتقى للباجي.
٢ - زهر الحدائق وهو شرح لرقائق عبد الله بن المبارك.
المصادر والمراجع:
- شجرة النور الزكية ١٢٧.
- معجم أصحاب الإمام أبي علي الصدفي ٢٨١، ٢٨٢.
- معجم المؤلفين ٧/ ١٣٥.
стр. 1340
٤٩٩ - المالقي (١٣٠٩ - ١٤٠٠ هـ) (١٨٨٩ - ١٩٨٠ م) .
محمد بن الهادي المالقي، العالم بالحقوق.
ولد بتونس في ٢٥ أوت ١٨٨٩، وبها تلقى تعلمه الابتدائي، وزاول تعلمه الثانوي بالمدرسة الصادقية، وتخرج منها محرزا على ديبلومها.
ودخل الحياة الإدارية فسمي كاتبا متربصا بمحكمة الوزارة بتونس في ١٦ سبتمبر ١٩٠٩، وما زال مترقيا في سلك الحياة الإدارية إلى أن سمي مترجما أصليا بمحكمة الوزارة في غرة أوت سنة ١٩٢٠، ثم ترقى إلى السلك القضائي فسمي حاكما بمحكمة الوزارة في غرة جويلية سنة ١٩٢٢، واستمر مترقيا في سلك الحكام العدليين إلى أن سمي رئيسا أول بمحكمة التعقيب (أعلى محكمة في الجهاز القضائي وتسمى في بعض الأقطار محكمة التمييز، وفي بعضها الآخر محكمة النقض والإبرام) في ٢ مارس ١٩٥٨، وأحيل على التقاعد في غرة مارس ١٩٥٩.
وبعد إحالته على التقاعد درّس بمدرسة الحقوق التونسية التي أصبحت بعد الاستقلال تابعة للجامعة التونسية، وأسندت إليه إدارتها إلى أن ألغيت، وبقي تدريس الحقوق مقتصرا على كلية الحقوق بالجامعة.
ودرّس بمدرسة الحقوق التونسية قبل الاستقلال، وكانت دروسها تلقى بمحكمة الوزارة، وعنه قرأنا القانون المدني التونسي (شرح مجلة العقود والالتزامات).
توفي في يوم الثلاثاء ١٨ ذي الحجة ١٤٠٠/ ٢٧ أكتوبر ١٩٨٠، وشيعت جنازته في اليوم الموالي.
стр. 1341
كان مرح الطبع، يميل في محادثاته إلى الفكاهة والنكتة مع ذكاء، سمعت من بعضهم أن الشيخ الشاذلي السنوسي ألقى تحت إشراف بعض الجمعيات الأدبية - وأظنها قدماء الصادقية، وكان المترجم عضوا في هيئتها - محاضرة أطال فيها، وسئم السامعون وبدءوا يتململون، وفي غفلة من المحاضر الذي بارح المنصة لقضاء الحاجة البشرية قام المترجم بإفساد نظام ترتيب الأوراق بحيث إن إعادة ترتيبها يحتاج إلى وقت كبير، فاضطر المحاضر لإنهاء المحاضرة، واستراح الناس من العناء، وحمدوا للمترجم حسن حيلته وذكائه.
آثاره:
١ - ترجم إلى العربية شرح مجلة العقود والالتزامات التونسية للأستاذ دوبلا في جزءين (تونس مطبعة التليلي ١٣٦٧/ ١٩٤٨).
٢ - محاضرات في شرح القانون المدني التونسي ٢ جزءان (حلقتان) تونس ١٣٧٦.
٣ - محاضرات في شرح القانون المدني التونسي ٢ جزءان (المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية ١٤٠٠/ ١٩٨٠) وهذا تاريخ الحلقة الثانية، والأولى بدون تاريخ.
٤ - محاضرات في القانون المدني التونسي، نشر الجامعة التونسية كلية الحقوق مركز الدراسات والبحوث والنشر (تونس ١٩٨٠) وتوفي والكتاب تحت الطبع وتم طبعه بعد وفاته.
أمدني بمعلومات عنه الأخ الأستاذ الهادي محفوظ المحامي، فله الشكر مجدّدا.
стр. 1342
٥٠٠ - المالكي (بعد ٤٥٣ هـ) (١٠٦١ م) .
عبد الله بن محمد بن عبد الله المالكي، أبو بكر، الفقيه المؤرخ صحب أبا بكر بن عبد الرحمن وهو الذي كان يقرأ عليه الميعاد، وانتفع به وكان هو ممن بقي مع أبي عبد الله محمد بن العباس الخواص، وأبي عبد الله الحسين بن عبد الله الأجدابي، وجماعة من العلماء بعد خراب القيروان، والعجب أن المعلومات قليلة جدا عنه.
له: رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم وعبادهم ونساكهم وسيرهم وأخبارهم وفضائلهم وأوصافهم في ٣ أجزاء، يوجد منه ٢ جزءان.
حقق الجزء الأول منه ونشره الدكتور حسين مؤنس/القاهرة ١٩٥١) وحققه البشير البكوش بمراجعة محمد العروسي المطوي.
ويقع في ثلاثة أجزاء والثالث والأخير للفهارس، صدر منه جزءان عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة ١٩٨٣.
стр. 1343
٥٠١ - المالكي (٠٠٠ - ٤٣٨ (١) هـ) (٠٠٠٠ - ١٠٣٦ م).
محمد بن عبد الله المالكي القيرواني، الفقيه والد أبي بكر مؤلف رياض النفوس.
أخذ عن أبي الحسن القابسي ولازمه، وبعد وفاته رحل إلى مكة ولقي أبا ذر الهروي وروى عنه صحيح البخاري، ورجع إلى القيروان بصحبة أبي القاسم ابن الكاتب في سنة ٤٠٨/ ١٠١٨.
وشيخه أبو الحسن القابسي هو الذي سماه المالكي، وكان يقال له ابن الشافعي، فقال أبو الحسن هو المالكي ابن المالكي فاشتهر بذلك.
وروي أنه قال: كان الشيخ أبو الحسن إذا دعاني لقراءة علم أو قربة يقول لي يا محمد، وإذا دعاني لخدمة أو قضاء حاجة يقول لي يا مالكي احتراما منه لاسم محمد.
توفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شعبان على ما وقف ابن ناجي على نقيشة قبره. له مناقب القابسي.
المصادر والمراجع:
- شجرة النور الزكية ١٠٨.
- معالم الإيمان ٣/ ١٧٣، ١٧٤ (ط ٢/ تونس).
- بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٢/ ٧٢٩.
стр. 1344
٥٠٢ - المتيّم (٠٠٠ نحو ٤٤٠ هـ) (٠٠٠٠ - ١٠٤٠ م) .
أحمد بن محمد الإفريقي المعروف بالمتيّم، أبو الحسن، الطبيب، المنجم، الشاعر.
لا نعرف عن حياته شيئا بإفريقية، ولا نعلم بدقة هل ولد بها أو بغيرها، وبقي انتسابه يشير إلى أصله.
قال الثعالبي: رأيته ببخارى شيخا رث الهيئة تلوح عليه سيماء الحرفة، وكان يتطبب ويتنجم، فأما صناعته التي يعتمد عليها فالشعر، ثم ذكر ما أنشده لنفسه.
مؤلفاته:
١ - الانتصار المنبي عن فضل المتنبي.
٢ - بقية الانتصار المكثر الاختصار.
٣ - التنبيه المنبي عن رذائل المتنبي.
٤ - تحفة الكتاب.
٥ - ديوان شعر كبير.
٦ - الرسائل الممتعة.
٧ - كتاب الشعراء الندماء.
٨ - مجموع حسن جيد ممتع نسبه له ياقوت الحموي.
стр. 1345
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٥/ ٣١٣ (ط ٥/).
- إيضاح المكنون ١/ ١٣٠.
- معجم الأدباء ٤/ ١٤٤، ١٤٧ (أحمد بن محمد). ٧/ ١٢٧، ١٣٢ (محمد بن أحمد).
- معجم الأطباء تأليف د. أحمد عيسى (القاهرة ١٣٦١/ ١٩٤٢) ص ١١٨.
- معجم المؤلفين ٨/ ٢٣٥.
- فوات الوفيات ١/ ١٣٣.
- يتيمة الدهر للثعالبي ٤/ ١٥٧، ١٥٨ (ط. م. م. عبد الحميد).
- الحياة الأدبية بإفريقية في عصر الزيريين (بالفرنسية) ص ٥٠، ٥٢.
стр. 1346
٥٠٣ - المحجوب (٠٠٠٠ - ١٢٢٢ هـ) (٠٠٠٠ - ١٨٠٧ م) .
عمر ابن الشيخ قاسم المحجوب الشريف المساكني ثم التونسي، الفقيه الأديب. أخذ عن والده الفقيه المحقق الحافظ، وحمودة بن عبد العزيز، ومحمد الغرياني، وغيرهم.
برع في المعقول والمنقول والأدب، وتصدر للتدريس، وانتفع به جماعة كإبراهيم الرياحي. الذي كان يطيل الثناء عليه، وإسماعيل التميمي، وغيرهما، وتقدم إماما ثالثا بجامع الزيتونة مع الشيخ الطويبي، ثم تقدم لخطة القضاء، ومع ذلك يكتب للباي ما يحتاجه في مهمات الإنشاء، وخطاب الملوك، إذ لم يكن - يومئذ - كاتب بارع سواه، ولما توجه الشيخ إبراهيم الرياحي للسلطنة الشريفية بالمغرب الأقصى سفيرا عن الباي حمودة باشا في طلب الميرة طلب منه الباي أن يكتب على لسان الحال لصاحبه الشيخ ابن شقرون من أعيان الدولة.
وكان بينه وبين الوزير أبي المحاسن يوسف صاحب الطابع مودة وثيقة يشاكيه ما يلاقيه من العزوبية، فاقتضى نظر المترجم إنشاء خطبة بليغة ذكر فيها وعيد العضل وغير ذلك مما ينادي بلسان الحال على الباي حمودة باشا بسوء ما ارتكب من منع بطانته من التزوج إيثارا لمصلحته على مصلحتهم وعلى المصلحة العامة، ومباهاة الرسول ﷺ بأمته يوم القيامة، فحرك ذلك غضب الباي، وكاد يقوم قبل الصلاة لولا أناة فيه قيدت طبيعته الغضبية، فأسرّها في نفسه، وتأخر عن خطة القضاء في صفر /١٢٢١ أفريل - ماي ١٨٠٦ لتوالي الأمراض عليه منعته من مباشرة أعماله.
توفي يوم الخميس في محرم ١٩/ أفريل بجبل المنار، ودفن بتربة
стр. 1347
آله بالزلاج.
له:
١ - رسالة في الرد على محمد بن عبد الوهاب كلفه بها حمودة باشا لما وردت إليه رسالة ابن عبد الوهاب، وذكرها ابن أبي الضياف في «إتحاف أهل الزمان» ٣/ ٦٤، ٧٥.
ولما كانت مجلة «المنار» لمحمد رشيد رضا تؤيد مذهب ابن عبد الوهاب فيما يتصل بالتوسل والاستنجاد بالمقبورين، وكان الشيخ أحمد جمال الدين ضد هذا الاتجاه نشر رسالة المترجم في الرد على ابن عبد الوهاب، وطبعها بتونس في سنة ١٣٢٧ في ١٧ ص من القطع الكبير، ومن ص ١٨ إلى ص ٢٩ تعليق وتذييل للشيخ أحمد جمال الدين.
٢ - كناش.
المصادر والمراجع:
- إتحاف أهل الزمان ٧/ ٥٢، ٥٥.
- برنامج المكتبة الصادقية ٣/ ٧٧، ٧٨.
- شجرة النور الزكية ٣٦٦.
- معجم المؤلفين ٧/ ٣٠٤.
стр. 1348
٥٠٤ - المحجوز (٠٠٠٠ - ١١١٩ هـ) (٠٠٠٠ - ١٧٠٧ م) .
سعيد بن إبراهيم المحجوز، الإمام الخطيب، الفقيه المحدث. قرأ على علماء تونس وحصل عليهم، وأجازوه في كثير من العلوم، وله سند عال في الكتب الستة في الحديث. وكان شيخ عصره في الرواية والدراية.
لازم التدريس بجامع الزيتونة، وتخرج به جماعة منهم الشيخ محمد زيتونة وأحمد الطرودي، وغيرهما، وكان يروي الحديث بمسجد قريب من داره عند طلوع الفجر.
توفي في طريقه إلى الحج بمرسى مطروح قريبا من الإسكندرية في ١٧ رمضان ودفن في تابوت، ولمّا رجع الحجاج حملوه معهم إلى تونس، ودفنوه في مقبرة الشيخ منصور بن جردان.
له شرح على الموطأ لم يكمل.
المصادر والمراجع:
- ذيل بشائر أهل الإيمان (ط ٢/) ٢١٠، ٢١١.
- شجرة النور الزكية ٣٢٢، ٣٢٣.
- المؤنس ٣١٦ (ط ٣/).
стр. 1349
٥٠٥ - ابن محرز (٠٠٠ نحو ٤٥٠ هـ) (٠٠٠٠ - ١٠٦٨ م) .
عبد الرحمن بن محرز القيرواني، أبو القاسم، المقرئ، الفقيه، النظار.
تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن، أو أبي عمران الفاسي، والقابسي، وأبي حفص العطار، وكانت له عناية بالحديث ورجاله. رحل إلى المشرق، ولقي المشايخ، وأخذ عنهم الحديث، وكان مليح المناظرة حتى قال ابن علاق المصري: ما رأيت من أهل المغرب من يحسن المناظرة مثل أبي القاسم بن محرز، وكان أبو طاهر البكري يفضله على جميع من بالقيروان في طريق المناظرة والكلام على مسائل الخلاف. ابتلي بالجذام في آخر عمره.
تآليفه:
١ - التبصرة وهي تعليق على المدونة.
٢ - القصد والإيجاز. كتاب كبير.
المصادر والمراجع:
- ترتيب المدارك ٤/ ٧٧٢.
- الديباج ٢٢٦.
- شجرة النور الزكية ١١٠.
- معالم الإيمان ٣/ ٢٢٩، ٢٣٠.
- معجم المؤلفين ٨/ ١١٣.
- بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٢/ ٧٢٩.
стр. 1350
٥٠٦ - ابن محمود (كان حيا ١١٧٨ هـ) (١٧٦٤ م) .
محمد (١) بن محمد بن محمود به لقب الحنفي التونسي، الفقيه الفرضي.
المعلومات عن حياته تكاد تكون معدومة، تولى التدريس بالمدرسة الجديدة (الحسينية) الكبرى، وهو أول مدرس بها، وكان أول ما أقرأ بها جوهرة القدوري.
له إسعاف الحكام بفقه الفرائض وذوي الأرحام، تأليف مفيد رتبه على مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة فرغ من تبييضه في شهر ربيع الثاني ١١٧٨ في ٤٩ ورقة من القطع المتوسط وهو معروف بحسن جمعه وكثرة مسائله، منه ثلاث نسخ بالمكتبة الوطنية، ونسخة أخرى ضمن مجموع، وأخرى ضمن مجموع وترتيبه الأول وهذه النسخ أصلها من المكتبة العبدلية.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٧/ ٦٨ (ط ٥/).
- إيضاح المكنون ١/ ٧٨.
- برنامج المكتبة الصادقية ٦/ ٣٩٥، ٣٩٦، ٤١٤.
- تاريخ معالم التوحيد ٢١٠ هامش ١.
стр. 1351
٥٠٧ - محمد الرشيد باي (١١٢٣ - ١١٧٢ هـ) (١٧١٠ - ١٧٥٨ م) .
محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، الأمير الشاعر، اعتنى والده بتربيته وتعليمه واختصه بإمامه الشيخ الحاج يوسف برنقيز، فاعتكف على إقرائه العلوم العقلية والدينية إلى أن بلغ خمس عشرة سنة فقدمه رجال الدولة بموافقة والده وليا للعهد، ومع توليه هذه الخطة لازم قراءة العلم، وظهر ولوعه بالأدب، وأبدع رقيق الشعر باعتناء قاضي محلته وأستاذه الشيخ محمد بن محمد الشافعي بن القاضي، ومن انضم إليه من الأدباء.
ولما زالت دولة والده وخشي سطوة ابن عمه علي باشا الأول خرج من القيروان هو وأخواه علي باي ومحمود باي ومعهم أتباعهم الموالون لهم أوائل صفر سنة ١١٥٣ فقصدوا الجزائر وطلبوا من حاكمها نصرتهم على ابن عمهم، وبعد طول المقام جهزهم بمحلة (جيش) خرجوا بها في ربيع الأول سنة ١١٥٩.
كان أمير المحلة حسين باي قسنطينة، فوصلوا إلى الكاف، ووافتهم نجوع العرب بالرجال والعون لكن أمير المحلة ردها بدون كبير قتال، ورجع إلى الجزائر بدون حصول المأمول، ولبث صابرا إلى أن استؤنفت الكرة، ودخل تونس بصحبة الجيش الجزائري وأطاحوا بدولة علي باشا.
وقد عمّ فضله سائر الموفين بعهده من أصدقائه ومن أدركهم من رجال دولة والده إلى أن مرض نحو العشرة أيام، وتوفي ليلة الاثنين ١٤ جمادى الثانية سنة ١١٧٢.
стр. 1352
ودفن بتربة والده، وقد رثاه الشيخ محمد الورغي بقصيدة نقشت على قبره طالعها:
هذا ضريح للإمام الأمجد ... فخر الملوك السيد ابن السيد
وختامها:
بشرى له إذ جاء في تاريخه ... بأحسن حور زينت لمحمد
له ديوان شعر بديع جيد النظم والنثر والتوشيح، وقد حققه الأستاذ محمد التريكي سنة ١٩٧١ وقدمه لنيل درجة الكفاءة في البحث العلمي من قسم اللغة العربية كلية الآداب بالجامعة التونسية (لم يطبع).
المصادر والمراجع:
- إتحاف أهل الزمان ٢/ ١٥٦، ١٥٧.
- الجواهر السنية في شعراء الديار التونسية ٨ - ٢٧.
- عنوان الأريب ٢٤، ٢٦.
- مجمل تاريخ الأدب التونسي ٢٣٦ - ٢٣٨.
- مسامرات الظريف ١٨، ٣٠.
- المؤرخون التونسيون (بالفرنسية) ٦٣.
стр. 1353
٥٠٨ - مخلوف (حوالي ١٢٨٠ - ١٣٦٠ هـ) (١٨٦٤ - ١٩٤١ م) .
محمد بن محمد بن عمر بن قاسم مخلوف الشريف المنستيري، الفقيه الأديب، المؤرخ، ومن هذا الفريق الشيخ مخلوف الشرياني الذي قبره بشريانة القريبة من صفاقس (شجرة النور الزكية ٢/ ١٩٧، ١٩٨).
توفي والده في غرة شعبان سنة ١٣٠٢، والمترجم لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره. كان والده من كبار تجار الزيت بالمنستير، وكوّن ثروة حسنة، وكان - لحفظه القرآن العظيم - ميالا إلى العلماء والأدباء، ويتقرب إلى المنسوبين للصلاح.
اعتنى والده بتهذيبه وتربيته وتوجيهه إلى التعلّم، ويؤثره على إخوته لما ظهر من نجابته. حفظ القرآن العظيم برواية ورش على عمر خفشة (١) في زاوية الولي الصالح عمر القلال، وكان يعرض أحزابه ليلا على الشيخ علي الخيري، وحفظ كثيرا من المتون العلمية. وتعلم الحساب والفرائض ونبغ فيهما على العدل الشيخ حسن لاز، كما قرأ توحيد المرشد المعين، والعمل بالربع المجيب على العدل الموثق الشيخ علي زهرة، ثم حدث بعد ذلك غير الحال، وعاقه عن متابعة العلم أربع سنوات (٢) ولما تقشعت الغيوم وتجلى كابوس الأزمة تحسنت الأمور فزوده والده بالدعاء الصالح
стр. 1354
والمال بقصد الترحال إلى الحاضرة تونس لمواصلة طلب العلم بجامع الزيتونة، فوصل تونس في جمادى الأولى سنة ١٢٩١/ ١٨٨٢، وقرأ على المشايخ، محمود بيرم، ومحمود بن الخوجة، ومحمود بن محمود، وأحمد بن مراد وسالم بو حاجب، وحسين بن حسين، وحمودة تاج، وفي سنة ١٣٠٦/ ١٨٨٩ أجازه الشيخ عمر بن الشيخ في رواية كتب على ما أجاز به الشيخ محمد الشريف، وأحرز على شهادة التطويع في سنة ١٣٠٧/ ١٨٩٠ ودرّس بجامع الزيتونة كتبا خاصة بالمرحلة الابتدائية في العقائد والفقه والنحو (١).
وفي سنة ١٣١٣/ ١٨٩٦ أسند إليه التدريس بالمنستير (٢)، وفي نفس السنة أسندت إليه الفتوى بمدينة قابس، ثم القضاء بها، وفي سنة ١٣١٩/ ١٩٠٢ أسندت إليه خطة القضاء بالمنستير والخطابة بجامعها الكبير (٣) وكان في مدة ولايته القضاء معروفا بالنزاهة، وفي شهر شوال سنة ١٣٥٥/ ١٩٣٦ أسندت إليه خطة باش مفتي بالمنستير ورئاسة مجلسها الشرعي إلى أن توفي يوم الأحد في ٢٠ جمادى الأولى سنة سنة ١٣٦٠/ ١٥ جوان ١٩٤١ (٤).
وكان غاية في حسن الخلق يضرب بكرمه المثل لا سيما كرمه لأهل العلم، فإن بستانه بسقانص (من ضواحي المنستير) كعبة القصاد، ومثابة الرواد، ومنتدى العلماء، وكان يعتني بضيوفه ويكرمهم.
وكان كاتبا لامعا يميل إلى السجع، وكان يقرض الشعر في أيام دراسته بجامع الزيتونة، ثم تركه عند ما نهاه الشيخ أحمد بن موسى المنستيري، ذكر ذلك في ترجمة الشيخ المذكور فقال: «وقد كنت ميالا
стр. 1355
للأدب ونظم الشعر وتتبع كلام العرب ثم اجتمعت به (أي أحمد بن موسى) وسألني ﵀ عند دروسي فأجبته عنها ومنها الأدب وقول الشعر، فأجابني: دع الشعر فإن سوقه غير نافقة، واجتهد في العلوم الشرعية المفيدة دنيا وأخرى، فوقع مني كلامه موقعا، وتركت الشعر بتاتا» (١).
ومن شيوخه أحمد بو خريص، ومحمد الصادق الشاهد، وعلي بن الحاج، ومحمد العربي المازوني، ومحمد البشير التواتي، وبلحسن النجار الذي أجازه بمروياته وبما حوته فهرسته، ومحمد الطيب النيفر وأجازه الشيخ عبد الحي الكتاني لمّا حلّ بالمنستير لزيارة الإمامين ابن يونس والمازري سنة ١٣٤٠ وأجازه الشيخ المهدي الوزاني إجازة عامة بما حوته فهرسته قرآنا وحديثا وأصولا وفقها وعقائد.
وشعره جار على طريقة تقليدية يقوله في ختم بعض الكتب على مشايخه حسب العادة الجارية في ذلك العصر. وابتدأ في النظم منذ المرحلة الابتدائية في التعلم بالزيتونة، فمن ذلك القصيدة التي أنشدها عند ختم رسالة ابن أبي زيد القيرواني على شيخه حسين بن حسين ومطلعها:
أحن إلى الأوطان والدمع سائل ... وأبحث عن ذاك الحمى وأسائل
ومنها:
وجئت بها والقلب فيه صبابة ... إلى من غدا بحرا وما له ساحل
ومنها بيت الختم والتاريخ:
ودونك قولي يوم ختم مؤرخا ... (حسين فريد العصر برّ حلاحل)
وتساوي حروف هذا العجز بحساب الجمل سنة ١٣٠٢.
стр. 1356
وقال في شيخه حمودة تاج وقد ختم شرح القطر قصيدة منها:
وقد همت وجدا حين فارقته فلم ... أجد غير تاج فخره متوافر
ومنها:
وكم من عويصات تحلى بحلها ... فشاهدتها من فيه وهي جواهر
وكم عنده من الشعر حسن براعة ... وفي النثر سحبان بيانه ساحر
وقال عند ما ختم شيخه محمود بيرم شرح القطر قصيدة مطلعها:
حباني على عمد بوعد وهجران ... غزال رخيم الدل من أهل نجران
وأحرق أحشائي بنار تأجّجت ... ففاضت دموع العين من حر نيران
فصرت أناجي الأفق من شدة الجوى ... فأرعى له مسرى النجوم ويرعاني
ومنها:
غزال سبى عقلي وأدهش فكرتي ... ومزّق أحشائي بأحور فتّان
ترى البدر حقا من سناه إذا بدا ... ومن وجنتيه الورد نثرا ببرهان
ومنها:
طفقت أطوف الأرض عن خيرهم فلم ... أجد غير محمود وما له من ثان
هو الأوحد الحاوي لعلم وهيبة ... ومجد ربا عن مجد أقيال غسّان
وأعني بذاك البيرمي الذي غدا ... ككوكب شمس شع في الأنس والجان
ومنها:
فيا علم الأعلام والمصقع الذي ... محبته سرّي وشكره إعلاني
إليك عقيلات تجر ذيولها ... تثني بعطفها فتزهو على البان
تؤمل منكم مهرها وهو الرضى ... ولا تبتغي يوما سواكم من ثان
بقيت كما تبغي ودمت مهنأ ... يختم فتساقينا بروح وريحان
ومن نظمه أرجوزة ذيل بها السلسلة الذهبية في نظم سند الطريقة العروسية للشيخ عبد السلام بن سليم الأسمر والتي أثبتها في كتابه «مواهب الرحيم».
стр. 1357
مؤلفاته:
١ - رسالة في ترجمة شيخه سالم بو حاجب أرسلها إلى ابنه الوزير الأكبر خليل بو حاجب.
٢ - شرح أربعين حديثا من ثنائيات الموطأ، وهو شرح شامل لفوائد جمة، حشد فيه من القرآن والحديث والفقه والتوحيد والأدب والتاريخ، يقع في أكثر من ٤٠٠ ص.
٣ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ابتدأه بفوائد تاريخية عامة، ثم ابتدأ التراجم بسيد الوجود ﷺ ، ثم بسادات من الصحابة، ثم بجماعة من التابعين ثم بالإمام مالك بن أنس، ثم بطبقات أعلام مذهب مالك إلى الزمان الذي أدركه وهو سنة ١٣٤٤/ ١٩٢٦، ورتب الطبقات حسب الأقطار مبتدئا بالأقطار المشرقية، ثم تونس والأندلس وفاس، وختمه بخاتمة في تاريخ علوم السنة، وهو جزء ضخم يدل على اطلاع واسع ومجهود، والجزء الثاني وهو تتمة للجزء الأول وأصغر منه وقسمه إلى طبقات علماء إفريقية وخلاصة الأدوار والأطوار التي وقعت لهم، وخاتمته خصصها للكلام على مدينة المنستير. طبع بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٥٠/ ١٩٣٢، ووقف على طبعه الشيخ محمد الخضر حسين، وأعيد طبعه طبعة مصورة في بيروت في السنوات القريبة الماضية.
٤ - المازرية، عهد بطبعها ونشرها للأستاذ عبد الله الزنّاد عام ١٣٥٦/ ١٩٣٧، وطبعت بمطبعة شكلونة بصفاقس، وهي رسالة في ١٠٠ ص من القالب المتوسط اقتطفها من كتاب ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء في طبقات الأطباء، وهي تبحث في الطب والمستشفيات، وبها تراجم فائقة حسنة لمن اشتغلوا بالطب من العرب. ألّفها بمناسبة تأسيس مستشفى المنستير، وسماها المازرية نسبة إلى الإمام المازري دفين
стр. 1358
المنستير الذي كان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفقه، عبّر عن فصوله بالإشارات مرتبة على ١٢٥ إشارة تكلم في الاثنتين والعشرين الأولى منها على معلومات عامة في تاريخ الطب وما يتعلق به، وجمع في الإشارة الثالثة والعشرين تراجم بعض علماء الطب، فترجم ل ٨٤ طبيبا رتبهم على حروف المعجم، ثم ختم الرسالة بأجوبة كبار علماء مصر على استفتاء وجه إليهم صورته: هل تجب المبادرة إلى معالجة الأمراض من أول ظهورها أم تهمل المعالجة ويترك الشأن للطبيعة.
٥ - مواهب الرحيم في مناقب الشيخ عبد السلام بن سليم، وهو اختصار لكتاب «روضة الأزهار ومنية السادات الأبرار في جمع بعض مناقب صاحب الطار» تأليف الشيخ عبد الكريم بن ناصر البرموني (ت ٩٩٨/ ١٥٩٠) والقسم الثاني ذكر فيه مجموعة من القصائد والأذكار التي يتغنى بها أتباع الطريقة السلامية في خلواتهم واحتفالاتهم العامة والخاصة، وهو أول مؤلف له ألّفه أثناء وجوده بقابس، ط. قديما بتونس، وأعيد طبعه بالمطبعة اليوسفية بالقاهرة على ذمة مكتبة النجاح بليبيا في سنة ١٣٨٦/ ١٩٦٦.
وكان اشتغاله بالتحبير والتأليف لا يقل عن اشتغاله بالبحث والتنقيب ومطالعة نفائس الكتب وقيم الأسفار، فقد كان شغوفا بجمع المصنفات النادرة حتى تحصل له منها جملة لا يستهان بها كلها أمهات في مختلف العلوم.
المراجع:
- الأعلام ٧/ ٨٢ (ط.٥).
أمدني بهذه الترجمة مشكورا الأستاذ عبد الله الزنّاد مراسلة من المنستير، وبعد نشر ترجمة له في مجلة «الهداية» ع ٢ - ٣ س ٧ ذو الحجة إلى ربيع الأول ١٤٠٠ نوفمبر ١٩٧٩ إلى فيفري ١٩٨٠ ص ٨٩ - ٩٣.
стр. 1359
٥٠٩ - المدني (١٣١٧ - ١٤٠٤ هـ) (١٨٩٩ - ١٩٨٣ م) .
أحمد توفيق بن محمد بن أحمد بن محمد المدني التونسي مولدا وقانونا، الجزائري إقامة ووفاة، وأتاه لقب المدني من جده الأعلى المولود بالمدينة المنورة، وكان أولا اسمه أحمد زاده، توفيق الضابط التركي فتحي بك القائد العام للجيش العثماني بطرابلس الغرب. وذلك أثناء مأدبة عشاء صغيرة بدار السيد المختار كاهية بتونس.
قدمت أسرته من الجزائر قبل سنين من احتلال تونس، وهي عائلة شتتها الاستعمار بقي البعض منها بالجزائر والبعض منها بتونس ومنهم الأستاذ الشاعر الهادي المدني (الحاكم المتقاعد المحامي الآن) وأصل سلفه يعرفون بالقبي هاجروا من غرناطة إلى الجزائر وهم أشراف.
الخطيب الساحر، السياسي المناضل، الكاتل الغزير الإنتاج، المؤرخ وله شعر قليل.
دخل الكتاب وعمره خمس سنوات فحفظ القرآن الكريم، وكان وهو ما يزال في الكتاب يطالع الصحف التونسية، وتفتق ذهنه عن السياسة العامة وأساليبها وأكاذيبها، وفي أوقات الفراغ يلتف حوله زملاؤه، من صبيان الكتاب فيحدثهم عن أمور السياسة كما سمع وكما قرأ، ويبدو أن للبيئة العائلية تأثيرها في توجيهه نحو السياسة، وفضح أساليب الأوروبيين في التكالب على ديار العروبة والإسلام ومظالمهم وبالخصوص الفرنسيين، وأسرته شاركت في معارك الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي وتعلق الآمال على الدولة العثمانية، فكان وهو في طور الصبا
стр. 1360
يستمع إلى ما يدور في مجالس العائلة ويتأثر بها مما يدل على ذكاء وقّاد وسرعة تقبل وانفعال.
وفي أول سنة ١٩٠٩ انتقل من الكتاب إلى المدرسة القرآنية الأهلية التي يديرها الشيخ محمد صفر، وبعد سنتين أصبح أستاذا له السيد الشاذلي المورالي، وكانت له ميول سياسية وطنية وإسلامية وكان له نعم الأستاذ، ومن أساتذته الشيخ الشاذلي الجزيري، وفي أوقات الفراغ يلتف حوله التلاميذ كما كان شأنه في الكتاب يروي لهم ما اختزنته ذاكرته من أحاديث أبيه وجده للأم وخاله، ويستفز هممهم للعمل والثورة في كل الميادين وتقويم الأخلاق، والسعي لجمع كلمة المسلمين، ومقاومة المطامع الأوروبية التي كانت تكتنف ديار الإسلام من كل جانب.
والتزم هو والمحيطون به أن يشتري كل واحد منهم صحيفة معينة من صحف تونس أو من صحف ومجلات مصر وإستانبول ثم يقع تداولها بينهم.
في سنة ١٩١١ عند ما هاجمت إيطاليا ليبيا جمع حوله بعض المتحمسين من أبناء المدرسة فكان يطوف الأسواق ومختلف الحارات يحرّض على الجهاد، ويتوجه بالقارص من القول إلى رواد المقاهي العربية معيرا إياهم بأنهم أصبحوا من القواعد بينما غيرهم يموت في سبيل الله وفي سبيل الوطن وكان مع أصحابه يجمع النقود القليلة للهلال الأحمر العثماني.
وكان يحفظ عن ظهر قلب كل القصائد المثيرة المنشورة في الصحف الشرقية وخاصة أشعار الرصافي فكان يرتاد الأسواق والمقاهي العربية ويقول لهم: اسمعوا ما يقوله الرصافي الشاعر العظيم عن جهاد المسلمين في طرابلس، فتتجه إليه الأبصار، ويشتد به الحماس وهو يلقي القصيدة وتحمر أحداقه ويتهدج صوته ويزداد ارتفاعا وهو يرى الناس يتأثرون ويبكون أحيانا وهم يستعيدون القصيد.
стр. 1361
وفي معركة الزلاج ٧ نوفمبر ١٩١١ كان من بين الذين يطوفون بالأسواق والمقاهي وينادي بأعلى صوته نموت ولا نسلم زلاجنا.
وفي سنة ١٩١٣ انتهت دراسته بالمدرسة القرآنية وخرج منها ملمّا بمبادئ اللغة الفرنسية وكان خلال السنتين الأخيرتين خطيب المدرسة وكاتبها المبرز، فأثناء الحفل الشهري الذي توزع فيه الإجازات على المتفوقين كان أستاذه الشاذلي المورالي يأخذ بيده ويقوده إلى فوارة رخامية تتوسط البهو الأكبر، فيصعد فوق حافتها ويقول له بلهجة الوالد الآمر حدّثهم عن موضوع كذا، وكان - مهما كان الموضوع - يتدرج إلى الحديث عن حالة الوطن وحالة المسلمين، والواجب عن الدين والوطن اليوم وغدا. أما المواضيع الإنشائية التي كان يكتبها ويطيل النفس فيها ويحررها بقلم حار ويضمنها آراءه وأفكاره عن حالة الوطن وحالة الإسلام والواجبات نحوهما، فقد كانت بأمر من المدير الشيخ محمد صفر تنسخ وتعلق عند باب كل قسم، ويقبل الطلبة على قراءتها.
وقد اتضح مما سبق أن لوسطه العائلي تأثيرا كبيرا على ميوله واتجاهاته السياسية، وللمدرسة القرآنية دورها في إعداده للخطابة والكتابة.
بعد مبارحة المدرسة القرآنية دخل جامع الزيتونة، وكان يتابع الدروس بصفة حرة لا يشارك في امتحانات آخر السنة لأنه لم يكن له رغبة في تقلّد الوظيف، واختار لنفسه دروسا على جماعة من الأساتذة كالشيخ محمد النخلي في التفسير، والشيخ محمد بن يوسف في البلاغة، والشيخ محمد الصادق النيفر في الفقه، والشيخ محمد بن القاضي في النحو والصرف، والشيخ محمد بن شعبان في المنطق والشيخ معاوية التميمي في آداب اللغة العربية، وكان يلازم الدروس عشر ساعات كل يوم دون انقطاع تبتدئ بعد أداء صلاة الصبح وتنتهي بعد أداء صلاة العشاء مع ما يتخلل ذلك من حفظ مختلف المتون، كما دخل المدرسة
стр. 1362
الخلدونية ودرس فيها التاريخ على الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب وانعقدت بينه وبين أستاذه روابط المحبة والتقدير والاحترام وأهدى له أستاذه مجموعة من مؤلفاته.
وكان نهما في المطالعة وهو ما يزال تلميذا كان للسيد علي بوغدير دكان صغير بسوق الكتبية وكان يعير الكتب للراغبين بالأجرة وخاصة الروايات، كل راغب يتناول الرواية مقابل عشر صنتيمات لمدة ثلاثة أيام ثم يرجعها ويأخذ رواية أخرى أو كتابا آخر لمثل تلك المدة وبمثل ذلك الأجر وقد أعجب يومئذ بروايات ميشال زيفاكو التاريخية بترجمة طانيوس عبدة، وقد فتحت هذه الروايات أمام عينيه نافذة واسعة على عالم كان مجهولا لديه، واكتسب منها ما كان ينقصه من الاطلاع على حالة وعلى تفكير وعلى تعبير العالم الغربي، وكان يطالع أيضا في مكتبة المدرسة الخلدونية، وتعرف في هذه الفترة على رجلين كان لهما تأثير على مجرى حياته هما السيدان حسين الجزيري والصادق الرزقي، وفي إحدى اللقاءات بحسين الجزيري أمام دكان علي بوغدير عرض عليه حسين الجزيري أن ينضم إلى أسرة جريدة «الفاروق» الصادرة بالجزائر، وكان الجزيري يراسلها بانتظام أسبوعيا، ونشرت له جريدة «الفاروق» في نوفمبر ١٩١٤ مقالا بعنوان «الإدمان أول وزراء السوء» وهي أول مقالة له في الكتابة الصحفية، وكتب بهاته الصحيفة نحو خمس مقالات لتعطل الصحيفة واضطهاد صاحبها، وكان لبعض تلك المقالات رنّة استحسان، ورمقته من أجلها أعين الناس بالتقدير والإعجاب. وكان سبب تعطيل هاته الصحيفة نشرها لمقالته «بين لجج الهواجس».
وفي سنة ١٩١٥ اتفق هو وطائفة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة على التخطيط لإثارة انتفاضة ضد فرنسا تبتدئ بواسطة قبيلة بني يزيد في الجنوب التونسي وتعم مدن الجنوب، وفكر في حمل زملائه الطلبة الجزائريين على القيام بانتفاضة ضد فرنسا في بعض المدن الجزائرية كتبسة
стр. 1363
وغيرها، وفي أثناء التخطيط عثروا على نشيد وطني ناري للشاعر الشاذلي خزنة دار فاستخرج منه نسخا عديدة وزعها على الجمهور، وسافر إلى قابس بعد أن راسل السيد علي فارس بالحامة الذي تعرف به أيام الدراسة بالزيتونة، وكان سفره ظاهريا بحجة التعرف على تجارة التمر، والاجتماع بالتجار لأنه تظاهر بأنه سيصبح تاجر تمور، وفي قابس تفاوض مع تجار التمور، ومعه كراس سجل فيه كل ما قيل عن التمور، ثم خلا بالسيد علي فارس، وأعلمه بأن قضية تجارة التمور ما كانت إلاّ ستارا لإخفاء المهمة الحقيقية عن أنظار العدو وعن أنظار المتطفلين، وأعلمه عن الدور الخطير الذي سيضطلع به شخصيا عند التنفيذ، ودار نقاش بينه وبين السيد علي فارس عن الصعاب والعقبات التي تحول دون قيام انتفاضة ضد الجيش الفرنسي، والسيد علي فارس كان على صلة بواسطة المكاتبة بنوري باشا بطرابلس، ورجع إلى العاصمة خلال العشر الأول من شهر جانفي ١٩١٥ فأخذ يتجول في الأسواق يجادل التجار حول التمر وأسعاره وأنواعه، ويعرض عليهم أنواع ما عنده من البضاعة وأسعارها.
وكان يتعمد الكلام بصوت جهوري، ويتظاهر بشيء من ثقل السمع حتى يرفع محدثه صوته، كل ذلك لكي يعلم الجواسيس ويعلموا أسيادهم أنه أقدم بكليته على تجارة التمر.
في خلال شهر فيفري ١٩١٥ دق على باب داره الجاسوس البشير بو خريص وقال له إن سيدا قادما من الخارج يود مقابلتك وهو هنا فتفضل معي لتراه، وتبعه وما خطا خطوات واجتاز منعرج الطريق حتى وجد نفسه محاطا بطائفة من أعوان البوليس الفرنسيين، وتقدم إليه كوميسار القسم السياسي مسيو كلابي قائلا له: عندي أمر بتفتيش غرفتك فخذني إليها من فضلك، قال هذا وتوجه نحو الدار ودخل ودخلت الجماعة وراءه وهو بينهم مندهش، وذهب بهم إلى المكان الذي ينام فيه وإلى جانبه مكتبه، وبعد التفتيش نحو الساعة جمع ما وقع حجزه
стр. 1364
من أوراق ومحفظة طلب منه الكوميسار أن يصحبه إلى دار الشرطة، وفيها وقع استنطاقه وبعد ذلك زج به في السجن في الزنزانة رقم ١٥، وبعد تردد تأقلم وتعود على حياة السجن وطعامه، وفي المدة الأولى أقبل على التنقل بالصلاة وتلاوة القرآن العظيم، وهاله أنه تعثر في شيء من سورة الأنعام، فطلب من أهله مصحفا حتى لا ينسى شيئا من كتاب الله، ثم أقبل بنهم على المطالعة، وطلب من أسرته أن يمدوه بكتب عينها لهم، وخصص وقتا لدراسة الفرنسية حتى أصبح عارفا بها.
وفي غرة نوفمبر ١٩١٨ خرج من السجن، وعاد إلى حضور الدروس بجامع الزيتونة.
وفي سنة ١٩٢٠ أمد جريدتي «الصواب» و «الوزير» بمقالات متوالية ممضاة باسم «المنصور» اتقاء لشر الإدارة وعملها التنكيلي ضد السادة الثلاثة من الأعيان الذين ضمنوا فيه لدى الكتابة العامة للحكومة بعد خروجه من السجن ألا يشتغل بالسياسة. ونشر في صحيفة «المشير» ترجمة لمقال هنري دي شامنير صاحب المجلة البرلمانية بباريس، وهي فصل لاذع ينتقد فيه انتقادا قاسيا الإدارة الاستعمارية بتونس، وقد اقتبس قصة ذلك من كتاب «تونس الشهيدة» ويوم بروز الفصل المترجم بجريدة «المشير» تهافت الناس على «المشير» يختطفونه من الباعة، فلم يبق بالسوق إلاّ بعض أعداد فقط حجزتها الإدارة وأمرت بإغلاق جريدة المشير. وهذا الفصل المترجم يعري السياسة الفرنسية بتونس ويشنع بوسائلها وأهدافها.
وكان يكتب المقالات السياسية لمختلف الصحف باسم «المنصور» تارة وبدون إمضاء تارة أخرى فعرف بوطنيته ومقدرته القلمية في أوساط النخبة التونسية يومئذ، فكانوا يستدعونه لأخذ رأيه وتكليفه بعمل نحو بعض المهمات، وهم محمد التليلي صاحب مطبعة التليلي، ومحمد الجعايبي صاحب جريدة «الصواب» ومحمد بن عمار، وعلي كاهية.
стр. 1365
في منتصف شهر ماي من سنة ١٩٢٠ جاء صديقه الشيخ المنصف المنستيري إلى حلقة الشيخ محمد بن يوسف الصباحية يقول له إن والده يطلب من فضلك أن تزوره هذه العشية بالبيت في المرسى فهو يريد أن يتحدث إليك في أشياء، وذهب إليه (هو الشيخ حمودة المنستيري) وبعد السلام والترحيب والقهوة قال له: إن إخوانك الذين تعرفهم من رجال الحزب الحر الدستوري يرون ضرورة انضمامك للعمل في صفوفهم وإنهم قرروا أن تكون ضمن اللجنة التنفيذية العليا للحزب أثناء الانتخابات المقبلة لأنهم يحتاجون لعملك منذ الآن بصفة منظمة وقد عرضت عليهم رأيا فقبلوه بارتياح والكلمة الأخيرة لك. وقبل بارتياح المقترحات وأبدى له أنه يقبل ما يرتئيه قبل أن يعرف تفصيله وطلب منه أن يوضح له الرأي فقال له: أن تكون ابتداء من الغد بصفة رسمية كاتبا في مكتب ابني الطاهر وابن أخي الصادق، فتشتغل ظاهريا بضبط حساباتهما الزراعية، أما مهمتك الأساسية الحقيقية فهي أن تكون كاتبا للحزب حافظا لأسراره أمينا على أوراقه ريثما يكون للحزب مقر، وريثما يتم انتخاب اللجنة التنفيذية الثانية، وعندئذ تباشر عملك بصفة ظاهرة جلية.
قال له: والدراسة؟ قال أظن أن أمدها قد انتهى، وفي ساعة كفاح كهذا الكفاح الذي نباشره اليوم تهون غاية الذات ولا نعيش إلاّ غاية الوطن.
ومن الغد باشر العمل، وفي نفس اليوم جاءه الشيخ حمودة المنستيري بأوراق الحزب وحساباته وقائمة أعضائه وهكذا استطاع أن يقوم بالمهمتين، ترتيب حسابات مالية وزراعية وترتيب دفتر لها والقيام بأعمال متنوعة تتصل بالحزب.
لما قرر الحزب إنشاء مجلة «الفجر» وهي في ظاهرها مجلة أدبية علمية فكرية، وباطنها الوسيلة الشرعية الوحيدة لجمع أموال الحزب
стр. 1366
وتغطية مصاريفه الكثيرة، واختاروا للمجلة مكانا بشارع باب البنات، وكان على رأسها العالم الأديب الشيخ راجح إبراهيم الذي تعرّف به وانعقدت بينهما أواصر صداقة وتقدير كل منهما لصاحبه. وأسندت إليه إدارة وتحرير مجلة «الفجر» واستمر ذلك إلى أن أصبحت للحزب موارد، وإلى أن كثرت وتشعبت الأعمال، وكثرت المسئوليات، فترك «الفجر» واشتغل بالمعمعة الكبرى، وكان قبل ذلك انتخب بإجماع لعضوية اللجنة التنفيذية، وعين أمينا عاما للقلم العربي بها.
وكان أثناء عمله باللجنة التنفيذية ثائرا متطرفا عنيدا بخلاف بقية الأعضاء، وكانت هذه خطته في الخطب والمظاهرات التي يسوقها. حاول الأستاذ حسن قلاتي زعيم الحزب الإصلاحي أن يجره إلى حزبه، ويغريه بإسناد رئاسة تحرير جريدة «البرهان» لصاحب الترجمة، فأبى وبقي ثابتا على مبادئه منضويا تحت لواء الحزب الحر الدستوري.
وفي سبتمبر ١٩٢١ انتدبته اللجنة التنفيذية للقيام بجولات في المدن والقرى لتأسيس الشعب، وعينت معه السيد محمد الجعايبي العضو في اللجنة التنفيذية وصاحب جريدة «الصواب» وخطب في الجمهور الخطب الحماسية الثورية، ونجح نجاحا كبيرا في إثارة حماس الجماهير وانضمامهم إلى الحزب.
وكان كل يوم يكتب مقالا سياسيا يحلل فيه الحالة السياسية الخارجية، وكان في هذه المقالات ينوّه بالكفاح الشعبي في كل مكان مثل كفاح الشعب التركي، وكأنه يقول للشعب بين السطور هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى إدراك الحقوق، كما كان يشيد بالكفاح الشعبي المصري بزعامة سعد زغلول، كما كان يشيد بكفاح شعب ارلندا، ولم يكتف بما كان ينشره في الصحف عن كفاح ارلندا بل نشر رسالة مستقلة عن ذلك الكفاح تحت عنوان «الحرية ثمرة الجهاد» اختطفتها أكف الناس فما غابت شمس النهار الذي صدرت فيه حتى
стр. 1367
كانت قد انتهت، وطالب الشعب بإعادة طبعها فنشرها في مجلة «الفجر» كما كان يعالج الأحوال السياسية في المشرق العربي، ويشيد بنهضة الشرق العربي، وينبه الأذهان إلى حالة فلسطين وألاعيب الإنكليز واليهود لجعلها وطنا قوميا لليهود، وكان إلى جانب ذلك يكتب حول القضايا المهمة التونسية بنفس الأسلوب.
كانت تصدر بلاهور جريدة أسبوعية اسمها «منصور» تدافع عن وحدة الإسلام، وعن الخلافة العثمانية فجاءته منها رسالة تطلب إليه أن يسمح لها بترجمة مقالاته ونشرها في جريدة «منصور» بإمضائه المعروف «المنصور» وأجاب وسمح، فكانت «منصور» بالهند تنشر أسبوعيا مقالات «المنصور» بتونس، وازداد اهتماما في الدفاع عن الهند والتبشير بنضال الهند القريب.
وكان بعد ذلك سندا للجنة الدفاع عن حقوق سوريا وفلسطين، وهذه اللجنة كان يمثلها الأمير شكيب أرسلان، وإحسان الجابري، ورياض الصلح، وابتدأ ارتباطه بالأمير شكيب أرسلان، واستمرت تلك الصلة قوية متينة فعّالة أثناء انتقاله منفيا إلى الجزائر إلى أن لبت روحه الطاهرة دعوة ربها.
لما صدر قانون التجنيس في ٢٠ ديسمبر ١٩٢٣، ووقف رجال المجلس الشرعي موقفا ضعيفا متخاذلا هو أقرب إلى تأييد التجنيس من أي شيء آخر، ذهب إليهم بنفسه وقابلهم واحدا واحدا، وكان يصحبه المرحوم الأستاذ عثمان الكعاك، فكانا يقابلان بالترحيب، ويخاطبان بالاحترام ويقولان لهم: إن التجنيس حرام وكفر، وكان الجدال العنيف يطول بينهم، وهم مصممون على الموقف الذي ثبت فيما بعد أنهم اتفقوا عليه وهم كارهون عند الملك الحبيب باي عميل الاستعمار الفرنسي المطيع وتابعه الذليل.
стр. 1368
وساند حركة العمال التونسيين التي أسسها الدكتور محمد علي الحامي، وتوسط لهم - والحركة في بدء التكوين - في تبرع الحزب بخمسة آلاف فرنك، وهو مقدار لا بأس به في ذلك الوقت، والحزب في ضائقة مالية وقع تخطيها بأريحية ومبادرة معقولة من الشيخ حمودة المنستيري.
وفي خلال سنة ١٩٢٤ استمر على عمله ونشاطه وأصبح يحرر لجريدة «الزهرة» مقالا يوميا عن السياسة الخارجية، كانت مرآة صادقة لحركة التحرير العالمية وخاصة ما يتعلق منها بالشرق.
ووقع تعيينه كاتبا للوفد الثالث الذي سافر إلى باريس في ٢٩ نوفمبر ١٩٢٤ للدفاع عن مطالب التونسيين، وتلطيف جو الدعاية المسمومة المغرضة، التي أشاعها في باريس المقيم العام لوسيان سان والاستعماريون، وإفهام الحزب الاشتراكي حقيقة وضع الحزب لأن الاشتراكيين منذ تأييد الحزب لحركات العمال ظنوا أنه أصبح متفقا مع الشيوعيين ضدهم، فجاهروا الحزب بالعداء، ولم يعودوا من أنصاره ومؤيديه.
بعد أيام من رجوع الوفد الثالث إلى تونس طرق عليه باب الدار طرقا متواصلا في ليلة حالكة الجلباب شديدة البرد، فنزل، وأعلمه الطارق أن الشرطة ستفتش منزله غدا فعليه الاستعداد لإخفاء ما ليس في صالحه بقاؤه، فانكب على فرز أوراقه وجمع كل ما له صلة بالحزب، وجعله في لفافة وأودعه في بيت مجاور له على ملك الشيخ حسن السناوني وفي الغد داهمت الشرطة منزله، وفتشوا الأوراق فلم يجدوا شيئا يهمهم أمره.
بعد هذه الحادثة بنحو شهرين دعاه إلى مكتبه بالجمعية الخلدونية مديرها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وعرض عليه ترك السياسة مؤقتا، والسفر إلى القاهرة أو دمشق للدراسة دراسة جامعية حتى النهاية،
стр. 1369
وترجع بعد ذلك إلى تونس رجلا كاملا عالما، فقال أنى لي ذلك وأنا لست صاحب مال، وكيف أنفق على نفسي وأنا مملق.
قال: لا تخف ولا تخش شيئا فهنا لك من يتعهد لك بالنفقة ومن يرعاك ويكفيك كل حاجاتك قل إنك تقبل السفر من أجل الدراسة وستجد من يمدك بالمال، ويهيئ لك في القاهرة أو دمشق سبيل الحياة الكريمة، فوقف وتقدم خطوة نحو الباب، وقال: قل للذين أرسلوك أيها الأستاذ إن هذا الشخص الضعيف الذي يقف الآن أمامك لا يباع ولا يشترى، ولا يساوم كغيره من الرجال، أنا مكافح مناضل، سأبقى هنا في مركز النضال والكفاح، وما على الذين أرسلوك إلاّ أن يزجوا بي من جديد في السجن، أو يبعثوا بي إلى المنفى، أو ينفذوا فيّ حكم الإعدام فأموت شهيدا في سبيل الله، أمّا أن أخون وأتراجع وأستخذي فذلك لا يكون إطلاقا. ووقف الشيخ شاحبا متجهما، وتقدم نحوه فقبل جبينه وهو يقول: والله قد كنت أعلم أنك تقول هذا وأكثر من هذا، وقد قلت لهم: إن هذا الشاب من طينة أخرى، فقالوا لي: جرب على كل حال، اذهب الله يحفظك ويسترك وما عند الله خير وأبقى. وخرج من عنده وقد أيقن أن مدة وجوده بتونس أصبحت محدودة، فازداد شدة وحدة، وأقدم مرتاحا مطمئنا على النفي مصيره المحتوم.
ولم يكن نشاطه محصورا في العمل الحزبي والصحافي، بل شارك في ميدان التأليف والنشاط الاجتماعي فكان عضوا في لجنة الخلافة الإسلامية، بعد إلغاء الأتراك لنظام السلطنة، وإعلانهم استقلال الخلافة عن الدولة وهو الذي كوّن هذه اللجنة، وضم إليها جماعة ممن كان يرى فيهم الخير والهمة والمشاركة في الرأي من أمثال محي الدين القليبي، ومحمد معلّى، وعثمان الكعاك، والحبيب المزيو وغيرهم وكانوا عشرة رجال عقدوا اجتماعا بمنزله في شارع الديوان، وأسندوا له الرئاسة، وقرروا توجيه برقية للخليفة عبد المجيد.
стр. 1370
وما عتمت السلطة التركية قبل مرور سنة أن أعلنت إلغاء الخلافة نهائيا وإبعاد الخليفة عن أرض الوطن، فكان لذلك رنّة حزن وأسى بأغلب البلدان الإسلامية ومنها تونس، وأرسل إلى حسن راغب ممثل تركيا بباريس برقية احتجاج صارخ
وانتظمت المراسلة بينه وبين الخليفة عبد المجيد ردحا من الزمن واتفقا - بناء على اقتراحهما - أن يكون مجلس الخليفة في بقعة من بقاع العالم الإسلامي الحر، يشمل خمسين عالما من أكبر علماء العالم الإسلامي من مختلف المذاهب الإسلامية، تكون مهمته تحت رئاسة الخليفة، لدراسة مشاكل العالم الإسلامي المختلفة، والسعي الحثيث من أجل تحقيق كل ما يجمع العالم الإسلامي ويعيد له قوته ومنعته وحريته، ويصدر مختلف الفتاوى التي تكون مرجعا دينيا لجميع العالم الإسلامي، وهكذا وعلى هذا النمط استمرت الاتصالات بينهما، نحو تحقيق الهدف الأسمى إلى أن نفي من تونس، ثم فصل الموت بينهما، وقضى الله على هذا المشروع العظيم، وكان من أعمال لجنة الخلافة أن علاقة متينة تكونت بينه وبين مولانا محمد علي، وشوكت علي، وسليمان الندوي من الهند.
وكوّن مع نخبة المجمع العلمي التونسي وهم زين العابدين السنوسي، وعثمان الكعاك، والطاهر صفر، ومحمد بن حسين، بعد عقد اجتماع بنادي قدماء الصادقية وحرر المترجم قانونه الأساسي وعرضه على اجتماع المؤسسين، فنقحوا بعضه، ثم أقروه على صورته النهائية، وبعد المصادقة على القانون الأساسي تشكلت اللجنة التأسيسية من الأساتذة: مصطفى الكعاك، وعبد الرحمن الكعاك والطاهر صفر، والشاذلي خزندار، والمكي بن حسين، ومصطفى آغا، والتيجاني بن سالم، وعثمان الكعاك، وزين العابدين السنوسي، والمترجم.
ثم اختارت اللجنة التأسيسية مكتبا مؤقتا من السادة: زين