وتغطية مصاريفه الكثيرة، واختاروا للمجلة مكانا بشارع باب البنات، وكان على رأسها العالم الأديب الشيخ راجح إبراهيم الذي تعرّف به وانعقدت بينهما أواصر صداقة وتقدير كل منهما لصاحبه. وأسندت إليه إدارة وتحرير مجلة «الفجر» واستمر ذلك إلى أن أصبحت للحزب موارد، وإلى أن كثرت وتشعبت الأعمال، وكثرت المسئوليات، فترك «الفجر» واشتغل بالمعمعة الكبرى، وكان قبل ذلك انتخب بإجماع لعضوية اللجنة التنفيذية، وعين أمينا عاما للقلم العربي بها.
وكان أثناء عمله باللجنة التنفيذية ثائرا متطرفا عنيدا بخلاف بقية الأعضاء، وكانت هذه خطته في الخطب والمظاهرات التي يسوقها. حاول الأستاذ حسن قلاتي زعيم الحزب الإصلاحي أن يجره إلى حزبه، ويغريه بإسناد رئاسة تحرير جريدة «البرهان» لصاحب الترجمة، فأبى وبقي ثابتا على مبادئه منضويا تحت لواء الحزب الحر الدستوري.
وفي سبتمبر ١٩٢١ انتدبته اللجنة التنفيذية للقيام بجولات في المدن والقرى لتأسيس الشعب، وعينت معه السيد محمد الجعايبي العضو في اللجنة التنفيذية وصاحب جريدة «الصواب» وخطب في الجمهور الخطب الحماسية الثورية، ونجح نجاحا كبيرا في إثارة حماس الجماهير وانضمامهم إلى الحزب.
وكان كل يوم يكتب مقالا سياسيا يحلل فيه الحالة السياسية الخارجية، وكان في هذه المقالات ينوّه بالكفاح الشعبي في كل مكان مثل كفاح الشعب التركي، وكأنه يقول للشعب بين السطور هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى إدراك الحقوق، كما كان يشيد بالكفاح الشعبي المصري بزعامة سعد زغلول، كما كان يشيد بكفاح شعب ارلندا، ولم يكتف بما كان ينشره في الصحف عن كفاح ارلندا بل نشر رسالة مستقلة عن ذلك الكفاح تحت عنوان «الحرية ثمرة الجهاد» اختطفتها أكف الناس فما غابت شمس النهار الذي صدرت فيه حتى
стр. 1367
كانت قد انتهت، وطالب الشعب بإعادة طبعها فنشرها في مجلة «الفجر» كما كان يعالج الأحوال السياسية في المشرق العربي، ويشيد بنهضة الشرق العربي، وينبه الأذهان إلى حالة فلسطين وألاعيب الإنكليز واليهود لجعلها وطنا قوميا لليهود، وكان إلى جانب ذلك يكتب حول القضايا المهمة التونسية بنفس الأسلوب.
كانت تصدر بلاهور جريدة أسبوعية اسمها «منصور» تدافع عن وحدة الإسلام، وعن الخلافة العثمانية فجاءته منها رسالة تطلب إليه أن يسمح لها بترجمة مقالاته ونشرها في جريدة «منصور» بإمضائه المعروف «المنصور» وأجاب وسمح، فكانت «منصور» بالهند تنشر أسبوعيا مقالات «المنصور» بتونس، وازداد اهتماما في الدفاع عن الهند والتبشير بنضال الهند القريب.
وكان بعد ذلك سندا للجنة الدفاع عن حقوق سوريا وفلسطين، وهذه اللجنة كان يمثلها الأمير شكيب أرسلان، وإحسان الجابري، ورياض الصلح، وابتدأ ارتباطه بالأمير شكيب أرسلان، واستمرت تلك الصلة قوية متينة فعّالة أثناء انتقاله منفيا إلى الجزائر إلى أن لبت روحه الطاهرة دعوة ربها.
لما صدر قانون التجنيس في ٢٠ ديسمبر ١٩٢٣، ووقف رجال المجلس الشرعي موقفا ضعيفا متخاذلا هو أقرب إلى تأييد التجنيس من أي شيء آخر، ذهب إليهم بنفسه وقابلهم واحدا واحدا، وكان يصحبه المرحوم الأستاذ عثمان الكعاك، فكانا يقابلان بالترحيب، ويخاطبان بالاحترام ويقولان لهم: إن التجنيس حرام وكفر، وكان الجدال العنيف يطول بينهم، وهم مصممون على الموقف الذي ثبت فيما بعد أنهم اتفقوا عليه وهم كارهون عند الملك الحبيب باي عميل الاستعمار الفرنسي المطيع وتابعه الذليل.
стр. 1368
وساند حركة العمال التونسيين التي أسسها الدكتور محمد علي الحامي، وتوسط لهم - والحركة في بدء التكوين - في تبرع الحزب بخمسة آلاف فرنك، وهو مقدار لا بأس به في ذلك الوقت، والحزب في ضائقة مالية وقع تخطيها بأريحية ومبادرة معقولة من الشيخ حمودة المنستيري.
وفي خلال سنة ١٩٢٤ استمر على عمله ونشاطه وأصبح يحرر لجريدة «الزهرة» مقالا يوميا عن السياسة الخارجية، كانت مرآة صادقة لحركة التحرير العالمية وخاصة ما يتعلق منها بالشرق.
ووقع تعيينه كاتبا للوفد الثالث الذي سافر إلى باريس في ٢٩ نوفمبر ١٩٢٤ للدفاع عن مطالب التونسيين، وتلطيف جو الدعاية المسمومة المغرضة، التي أشاعها في باريس المقيم العام لوسيان سان والاستعماريون، وإفهام الحزب الاشتراكي حقيقة وضع الحزب لأن الاشتراكيين منذ تأييد الحزب لحركات العمال ظنوا أنه أصبح متفقا مع الشيوعيين ضدهم، فجاهروا الحزب بالعداء، ولم يعودوا من أنصاره ومؤيديه.
بعد أيام من رجوع الوفد الثالث إلى تونس طرق عليه باب الدار طرقا متواصلا في ليلة حالكة الجلباب شديدة البرد، فنزل، وأعلمه الطارق أن الشرطة ستفتش منزله غدا فعليه الاستعداد لإخفاء ما ليس في صالحه بقاؤه، فانكب على فرز أوراقه وجمع كل ما له صلة بالحزب، وجعله في لفافة وأودعه في بيت مجاور له على ملك الشيخ حسن السناوني وفي الغد داهمت الشرطة منزله، وفتشوا الأوراق فلم يجدوا شيئا يهمهم أمره.
بعد هذه الحادثة بنحو شهرين دعاه إلى مكتبه بالجمعية الخلدونية مديرها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وعرض عليه ترك السياسة مؤقتا، والسفر إلى القاهرة أو دمشق للدراسة دراسة جامعية حتى النهاية،
стр. 1369
وترجع بعد ذلك إلى تونس رجلا كاملا عالما، فقال أنى لي ذلك وأنا لست صاحب مال، وكيف أنفق على نفسي وأنا مملق.
قال: لا تخف ولا تخش شيئا فهنا لك من يتعهد لك بالنفقة ومن يرعاك ويكفيك كل حاجاتك قل إنك تقبل السفر من أجل الدراسة وستجد من يمدك بالمال، ويهيئ لك في القاهرة أو دمشق سبيل الحياة الكريمة، فوقف وتقدم خطوة نحو الباب، وقال: قل للذين أرسلوك أيها الأستاذ إن هذا الشخص الضعيف الذي يقف الآن أمامك لا يباع ولا يشترى، ولا يساوم كغيره من الرجال، أنا مكافح مناضل، سأبقى هنا في مركز النضال والكفاح، وما على الذين أرسلوك إلاّ أن يزجوا بي من جديد في السجن، أو يبعثوا بي إلى المنفى، أو ينفذوا فيّ حكم الإعدام فأموت شهيدا في سبيل الله، أمّا أن أخون وأتراجع وأستخذي فذلك لا يكون إطلاقا. ووقف الشيخ شاحبا متجهما، وتقدم نحوه فقبل جبينه وهو يقول: والله قد كنت أعلم أنك تقول هذا وأكثر من هذا، وقد قلت لهم: إن هذا الشاب من طينة أخرى، فقالوا لي: جرب على كل حال، اذهب الله يحفظك ويسترك وما عند الله خير وأبقى. وخرج من عنده وقد أيقن أن مدة وجوده بتونس أصبحت محدودة، فازداد شدة وحدة، وأقدم مرتاحا مطمئنا على النفي مصيره المحتوم.
ولم يكن نشاطه محصورا في العمل الحزبي والصحافي، بل شارك في ميدان التأليف والنشاط الاجتماعي فكان عضوا في لجنة الخلافة الإسلامية، بعد إلغاء الأتراك لنظام السلطنة، وإعلانهم استقلال الخلافة عن الدولة وهو الذي كوّن هذه اللجنة، وضم إليها جماعة ممن كان يرى فيهم الخير والهمة والمشاركة في الرأي من أمثال محي الدين القليبي، ومحمد معلّى، وعثمان الكعاك، والحبيب المزيو وغيرهم وكانوا عشرة رجال عقدوا اجتماعا بمنزله في شارع الديوان، وأسندوا له الرئاسة، وقرروا توجيه برقية للخليفة عبد المجيد.
стр. 1370
وما عتمت السلطة التركية قبل مرور سنة أن أعلنت إلغاء الخلافة نهائيا وإبعاد الخليفة عن أرض الوطن، فكان لذلك رنّة حزن وأسى بأغلب البلدان الإسلامية ومنها تونس، وأرسل إلى حسن راغب ممثل تركيا بباريس برقية احتجاج صارخ
وانتظمت المراسلة بينه وبين الخليفة عبد المجيد ردحا من الزمن واتفقا - بناء على اقتراحهما - أن يكون مجلس الخليفة في بقعة من بقاع العالم الإسلامي الحر، يشمل خمسين عالما من أكبر علماء العالم الإسلامي من مختلف المذاهب الإسلامية، تكون مهمته تحت رئاسة الخليفة، لدراسة مشاكل العالم الإسلامي المختلفة، والسعي الحثيث من أجل تحقيق كل ما يجمع العالم الإسلامي ويعيد له قوته ومنعته وحريته، ويصدر مختلف الفتاوى التي تكون مرجعا دينيا لجميع العالم الإسلامي، وهكذا وعلى هذا النمط استمرت الاتصالات بينهما، نحو تحقيق الهدف الأسمى إلى أن نفي من تونس، ثم فصل الموت بينهما، وقضى الله على هذا المشروع العظيم، وكان من أعمال لجنة الخلافة أن علاقة متينة تكونت بينه وبين مولانا محمد علي، وشوكت علي، وسليمان الندوي من الهند.
وكوّن مع نخبة المجمع العلمي التونسي وهم زين العابدين السنوسي، وعثمان الكعاك، والطاهر صفر، ومحمد بن حسين، بعد عقد اجتماع بنادي قدماء الصادقية وحرر المترجم قانونه الأساسي وعرضه على اجتماع المؤسسين، فنقحوا بعضه، ثم أقروه على صورته النهائية، وبعد المصادقة على القانون الأساسي تشكلت اللجنة التأسيسية من الأساتذة: مصطفى الكعاك، وعبد الرحمن الكعاك والطاهر صفر، والشاذلي خزندار، والمكي بن حسين، ومصطفى آغا، والتيجاني بن سالم، وعثمان الكعاك، وزين العابدين السنوسي، والمترجم.
ثم اختارت اللجنة التأسيسية مكتبا مؤقتا من السادة: زين
стр. 1371
العابدين السنوسي، والمترجم وعثمان الكعاك كي تباشر نيابة عنهم تقديم القانون للحكومة والمفاوضة معها في شأنه، وقدمت هذه اللجنة القانون الأساسي الدوائر المسئولة يوم ١٥ ماي ١٩٢٤ ولم تتصل هذه الهيئة بمصادقة الحكومة إلى يوم إبعاده من تونس، فمات المشروع.
ثم شارك في تأسيس الرابطة القلمية في رمضان من سنة ١٣٤٢/ ١٩٢٤ ووضع لها القانون الأساسي وتوالت الاجتماعات مدة أشهر قليلة إلى أن صدر الأمر بإبعاده من تونس، فهمد المشروع ثم انهار.
وإزاء تضييقات الحكومة من الاكتتاب وجمع المال ومنع الاجتماعات العامة وملاحقتها، والضائقة المالية أخذت بخناق الحزب إذ أصبح لا يكاد يجد ما يكفي لدفع أجرة النادي ولا مرتبات صغار العمال، وهداه تفكيره هو وجماعة إلى تكوين فرقة تمثيلية من الشباب المنتمين للحزب، وسمّوها فرقة «السعادة» وأسندت إليه رئاستها وكانت مداخيل حفلاتها بعد دفع المصاريف الأكيدة تدفع لإعانة مال الحزب.
بعد الاستعداد الحسن والدعاية الكافية لتمثيل رواية طارق بن زياد، وقبل رفع الستار بنحو ساعة جاء أمر الحكومة بمنع تمثيل هاته الرواية.
في يوم السبت ٥ جوان ١٩٢٥ نفاه الاستعمار إلى الجزائر تخلصا من عناده في المقاومة ونشاطه الصحفي في فضح الاستعمار وأساليبه الملتوية بحجة أنه من الرعايا الجزائريين. وكان الاستعمار يريد تسديد ضربة قاسية إلى الحزب بإبعاد العناصر النشيطة القوية فيه، فأبعد العناصر التونسية ذات الأصل الجزائري كالمترجم، والشيخ عبد الرحمن اليعلاوي الذي نفي إلى الجزائر أيضا (ووالداهما جزائريا الأصل) والعناصر الجزائرية كالشيخ إبراهيم طفيش الذي نفي من تونس فاختار القاهرة مقرا له وتوفي بها، والشيخ صالح بن يحيى الذي أرجع إلى وادي
стр. 1372
ميزاب، وغداة نفيه أصبحت البلاد التونسية مضربة عن العمل، وقامت مظاهرات في المدن شتتها البوليس بقسوة وعنف.
وقضى بعناية بضعة أيام ثم انتقل إلى قسنطينة، ولبث بها أسبوعا اجتمع فيها بالشيخ مبارك الميلي الذي لديه معرفة سابقة به، والشيخ عبد الحميد بن باديس، وغيرهما، ودارت بينهم شجون من الأحاديث ثم بارح قسنطينة إلى الجزائر العاصمة، وفيها قضى ليلته الأولى في فندق متواضع قرب حديقة، وفي الصباح لما نزل من البيت إلى البهو وجد في انتظاره محمد الموهوب، ومحمد رضا الأكحل وهما ابنا بنات عمه قدور المدني، وقد بحثا عنه قبل ذلك في الفنادق المحيطة بالحديقة وذهبا به إلى منزل السيد إبراهيم الموهوب (والد الشخص الأول) وهو رجل من الطبقة البورجوازية الثرية يعيش عيشة مترفة، وخصص له غرفة في منزله، وجعل له مقرا مؤقتا بمتجره الفسيح يغشاه صباح كل يوم للتعرف بالناس، وقصده هناك جماعة كان لهم الحظ الأوفر فيما بعد في نجاح الحركات التي كوّنها أو التي شارك فيها. وكان - كعادته - يسجل يوميا ما سمع، ويرسم صورة لمن عرف من الرجال، وما سمع من الأفكار، وبعد شهر ونيف أقام له جماعة المجلس البلدي بالعاصمة حفل تكريم بمناسبة عودته للجزائر بعد مغادرة أهله لها منذ ما يزيد عن الستين سنة، وأقيم الحفل في مقهى من أفخر مقاهي ومطاعم الضواهي الجزائرية، وخطب في الحفل من رحب به ونوّه بمكانة العائلة وعودة الدر إلى معدنه، وبعد ذلك وقف خطيبا وأطنب في ذكر أريحية الأجواد ومروءة المجاهدين، ونوه بمكانة الدين ولغة الضاد في حياتهم وتكوينهم وبمكانة وطنهم ذي الشرف التليد، ودعاهم إلى النظر إلى المستقبل، وأن النصر بالإيمان والعمل والكفاح، إلى غير ذلك من المعاني التي تحفز الهمم للعمل الجدي المثمر، والتي تغرس الكرامة والاعتزاز في النفوس.
أرادت الحكومة الجزائرية أن تغلله بقيد من قيود الوظيف يضمن
стр. 1373
له الرخاء المادي، وتستغل نشاطه الصحفي في التحرير في جريدة «المبشر» الرسمية، فأرسلت إليه الشيخ أبا القاسم الحفناوي ابن الشيخ صاحب «تعريف الخلف برجال السلف» مفتي الجزائر، والمحرر بجريدة «المبشر» وعرض عليه ما ذكر من رغبة الحكومة، فرفض العرض في لطف.
تولى تحرير قسمي السياسة الداخلية والخارجية لمجلة «الشهاب» منذ أن أنشأها الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى آخر عدد صدر منها، ومقالاته كانت خلوا من الإمضاء كي لا يقال عنها إنها من تأثير حزب الدستور التونسي، ومن بينها مقال كان له دوي كبير وضجة عارمة عنوانه «كلمة صريحة» رد به على فرحات عباس في تنكره للوطنية الجزائرية، وقد نسبه شارل اندري جوليان في كتابه «إفريقيا الشمالية تسير» للشيخ عبد الحميد بن باديس لأنه من غير إمضاء.
وكان يغتنم الفرص ليقف خطيبا حافزا للهمم، ومنبها للفطن، ومثيرا للحماس، مبينا مساويء الاستعمار وداعيا إلى الحفاظ على الذاتية الوطنية والعربية الإسلامية في وقت يسعى الاستعمار جاهدا للفرنسة ومسخ الذات، ومن العجائب أن هذا لم يكلفه عنتا من سجن أو نفي لأن والي الجزائر إذ ذاك موريس فيوليت الفرنسي الحر اليساري النزعة الديمقراطي غير راض عن سياسة فرنسا في الجزائر.
وفي يوم ٦ جانفي ١٩٢٦ وصل إلى الجزائر السيد مصطفى صفر موفدا من الحكومة الاستعمارية بتونس للاتصال بالمترجم وحمله على العدول عن الكفاح السياسي، فقصده في مكتبه بمتجر الدخان وتبادل معه أطراف الحديث، وتناولا طعام الغداء بمطعم فاخر، ودارت بينهما شجون من الأحاديث عن الأدب والعلم والثقافة، إلى أن قال له: أتريد الرجوع إلى تونس؟ فأجابه أود الرجوع السريع على أنني قد فتحت في الجزائر فتحا جديدا، ولن أتخلى عن الجزائر إطلاقا.
стр. 1374
فقال له: إذا أردت الرجوع لتونس سريعا فلا تفكر في حزب ولا تتكلم عن ملية، ودع عنك الأوهام والخرافات، تستطيع أن تعيش بقلمك في الصحافة، وتستطيع أن تتخصص في التأليف، وقد مارسته مشكورا ونجحت فيه، إنما تذكر قول النبي محمد ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، فدع عنك هذا الجحر السياسي الذي لدغت فيه، وفكر في والدك الشيخ، وأمك العجوز، وإخوتك الصغار، إنهم جميعا في حاجة إليك، وإن الوطن الصغير قبل الوطن الكبير، ومن يدري بما تأتي به الأيام، ولا تزال شابا، ولك علم وثقافة، وتتمتع بمركز ملحوظ في وطنك، فطلق - ولو مؤقتا - خرافة الحزب وهوس الدستور، وكلنا يعينك على تكوين مركز ممتاز بعيدا عن ذلك. ورفض في لطف هذا العرض وهذه المساومة.
وفي مساء ذلك اليوم امتطى القطار راجعا إلى تونس، وشيعه مجاملا، وأدرك من محاورته مع مصطفى صفر أن الجزائر الرسمية تحاول أن تتخلص منه بالتي هي أحسن، وأن تونس الرسمية تحاول أن يرجع إليها تائبا.
ولم ينسه إخوانه في الحزب بتونس، فقد زاره يوم ٥ جوان ١٩٢٦ السادة، صالح فرحات الأمين العام الثاني للجنة التنفيذية، ومحي الدين القليبي، ومحمد الصالح ختاش، والشاذلي خير الله، وبعد ثلاثة أيام من وصولهم قفى على أثرهم الشيخ راجح إبراهيم.
وكان متين الاتصال بتونس عن طريق أعضاء اللجنة التنفيذية ورجال الشعب المختلفة، وكان يتصل بمعدل ٧٥٠ رسالة شهرية في أوائل الأمر من كل الجهات، وكان يجيب على الكثير منها، أما اللجنة التنفيذية فكان معها على اتصال يكاد يكون يوميا بواسطة السيد محي الدين القليبي.
стр. 1375
وعاش مدة عام ونصف عيش اللاجئين القانعين ليس له من المورد إلاّ ٥٠ فرنكا يتقاضاها شهريا من جريدة «النجاح» مقابل تحرير مقالات عن السياسة الخارجية كان يمضيها «الخبير» وما اتصل به من الحزب وهو لا يعدو ٩٢٠ فرنكا.
وزاره السادة من آل المنستيري، الطاهر والصادق ومحمد المنصف وعرض عليه الطاهر والصادق المنستيري اقتراحا يتمثل في تقديم رأسمال له يبلغ الستين ألف فرنك على أن يفتح محلا تجاريا، وتكون الأرباح مناصفة بينهم.
واستجابت السلطة الاستعمارية الفرنسية بتونس لوالديه وسمحت له بقضاء نصف شهر بتونس في رخصة مؤقتة من أجل عيادة والديه اللذين ساءت حالتهما الصحية، وارتحل من الجزائر في ١٣ ديسمبر ١٩٢٦ إلى تونس. وبعد حلوله بتونس اكتشف الشيخ راجح إبراهيم طريقة مبتكرة لتكريمه من لدن إخوانه بتونس إذ بث فيهم دعوة لتقديم كتاب له مما صدر بمصر خلال السنة الأخيرة يحمل اسم مهديه وزاد على ذلك أن اختار نحو ١٥٠ كتابا من مكتبة السيد محمد الأمين، وحرر بها قائمة، فالإخوان يختارون من تلك القائمة ما يودون إهداءه له، وتشطب أسماء الكتب التي اشتراها الأحباب حتى لا يكون لديه ما هو مكرر، ولم تنقض أيام قليلة حتى كانت المائة والخمسون كتابا عنده، وزاد عليها عدد من الإخوان كتبا أخرى من خزائنهم الخاصة، فما رجع إلى الجزائر إلاّ وهو يحمل نحو المائتي كتاب.
وبعد أن قابل عددا من التجار وخاطبهم في أمر تزويد متجره الذي سمّاه «المستودع التونسي» أعلنت إحدى الجمعيات الفنية عن تمثيل رواية «أموزيس» بالمسرح البلدي يوم ٢٢ ديسمبر ١٩٢٦ وأراد شهود ذلك الحفل فذهب وجلس منفردا فوق كرسي من الطابق الأوسط، وما كاد الشعب يراه حتى تهاطل القوم مسلمين، ثم انقلب السلام هتافا، ورفع
стр. 1376
الستار عن الفصل الأول فسكت الناس حتى إذا نزل الستار عادوا إليه بصفة أشد وطأة وأكثر حماسا فما وسعه إلاّ الانسحاب عند ما رفع الستار عن الفصل الثاني، ولبث ينتظر رد فعل الإدارة الفرنسية، وعلى الساعة الرابعة من مساء الغد جاءه عون سري يحمل إليه أمرا إجباريا بمغادرة تونس صبيحة اليوم الموالي إلى الجزائر قبل إتمام النصف شهر المسموح به بيومين، وجاء في ذلك الأمر أن هذا الإبعاد الجديد وقع من أجل مظاهرات المسرح البلدي أثناء رواية مثلت «من أجله خاصة».
وباشر عمله التجاري نحو سنتين وتبين له أنه لا يصلح للتجارة، فباع متجره وأرجع رأس المال لصاحبيه مع منابهما من الأرباح. وبعد انسحابه من التجارة أسس نادي الترقي، وتولدت عنه حركات بناءة صحيحة كانت للجزائر بعثا، وكانت للقومية الجزائرية نشورا، وألقيت بالنادي محاضرات عديدة وانبثقت عنه مشاريع اجتماعية عديدة، وبرامج عمل لمقاومة سياسة التجنيس والاندماج ومساعدة الكفاح الفلسطيني، ومن أهم هذه المشاريع تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت ركنا متينا في بناء القومية الجزائرية.
وقد قام برحلات في شرق الجزائر وغربها وجنوبها.
وما كاد ينتهي من تصفية حساب المستودع التونسي حتى اقترح عليه السيد عمر الموهوب من ذوي قرابته أن يتولى الإشراف على مكتب له يتولى إدارة أملاكه الخاصة مقابل جعل شهري يفوق ما كان يتناوله من «المستودع التونسي» وقد قبل العرض بارتياح.
وفي اليوم الثاني من أفريل ١٩٢٨ استقرّ به المقام في مكتب فسيح ذي غرفتين اتخذ من الأولى مكتبا للأعمال، واتخذ من الثانية مكتبا خاصا به وضع به مكتبته، ورتب فيه أوراقه، وأخذ يستقبل فيه أصدقاءه وكل من أراد أن يزوره، ولبث مقيما بهذا المكتب مدة ٢٨ سنة، ولم
стр. 1377
يغادره إلاّ عند ما انتدبته جبهة التحرير الوطني الجزائري للالتحاق بمدينة القاهرة في شهر مارس ١٩٥٦.
وكان وثيق الصلة بالكاتب الكبير شكيب أرسلان، وكانت المراسلات الأدبية والسياسية والاجتماعية تترى بينهما منذ سنة ١٩٢٣ أيام كان على رأس الإدارة الدستورية بتونس، وكان يمد الأمير شكيب أرسلان طوال سنوات عدة بالمعلومات الغزيرة عن المغرب العربي، وقد اعتبره الأمير أخا صادقا وكتب عنه مرات في تعليقاته على كتاب «حاضر العالم الإسلامي».
ولما حلّت سنة ١٩٣٥ وجد نفسه في خلاف شديد مع الأمير شكيب أرسلان حول مبدأ الاستقلال لكل الشعوب، ومقارعة الاستعمار مهما كان المستعمر وأين كان، ذلك أن الأمير شكيب أرسلان يميل إلى موسوليني وإلى النظام الفاشيستي، ولم يبد معارضة لغزو إيطالية للحبشة بينما كان المترجم عدوا لهذا النظام ومطامعه واعتدائه على حرية الشعوب.
كان مخالفا لسياسة الأمير شكيب أرسلان، وقد أراد مقاومتها على صفحات القسم الذي كان يحرره بمجلة «الشهاب» الشهر السياسي في عالمي الشرق والغرب إلاّ أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد أثناه مكرها عن ذلك مذكرا بأن صداقة الأمير الجليل تعتبر كسبا ثمينا لا يمكن الزهد فيه وأن دفاعنا عن الحبشة أو تأييدنا لموسوليني ضدها لا يقدم في الميدان ولا يؤخر. قد عجزت وسقطت ولم تستطع أن تعمل شيئا.
وكان على صلة بالمراسلة مع إحسان الجابري، والشيخ أمين الحسيني، وبقي خلافه مع الأمير شكيب أرسلان خافتا إنما كان المترجم يكتب بطريقة، وكان الأمير يكتب بطريقة أخرى، ووهنت بينهما صلات المودة حينا من الدهر، وقلّت المراسلة إلى أن انتهت الحرب بين
стр. 1378
إيطاليا والحبشة فعادت الاتصالات بينهما إلى سيرتها الأولى.
وكان يزور تونس زيارة لا تتجاوز النصف الشهر بإذن من السفارة الفرنسية بتونس، وبواسطة المساعي التي يبذلها الأستاذ أحمد الصافي وبواسطة جهود السيد محمد عتيق رئيس القسم التونسي من المجلس الكبير قررت السفارة رفع قرار الإبعاد عنه والسماح له بغشيان تونس كلما أراد، وكان ذلك سنة ١٩٣٢ وخلال هذه السنوات السبع لم يفقد صفته باللجنة التنفيذية.
ولما جاءت الحرب العالمية الثانية كان مهددا بالدخول في الجنوب الغربي لأن نفيه من تونس كان بحجة أنه من الرعايا الجزائريين فهداه تفكيره أن يطلب من أخيه حسن المدني بتونس أن يذهب إلى شيخ مدينة تونس السيد مصطفى صفر. وطلب إليه أن يسلم له شهادة رسمية تثبت أن المترجم تونسي الجنسية، ففكر السيد مصطفى صفر قليلا ثم قال بأن هذه الشهادة تناقض على خط مستقيم قرار السفارة الفرنسية التي اعتبرت الأخ أحمد جزائريا وأمرت بإبعاده لكن الحالة اليوم جد خطيرة ويمكن أن تؤاخذ الأخ بجريرة فراره من الجندية الفرنسية، والرجل وطني مقدام مؤمن إن لم يكن من صفي فأنا أعترف له بصفات الكمال، وله عليّ أن أحقق رغبته وأنقذه من موقف صعب، ولفرنسا أن تفعل معي ما تشاء بعد ذلك، ثم حرر رسالة رسمية تثبت الجنسية التونسية للمترجم، وبهذه الشهادة سوّى وضعيته مع السلطة الاستعمارية بالجزائر، وأنقذته أجنبيته من التجنيد الإجباري والقتال في صفوف فرنسا.
وفي أثناء الحرب فتش البوليس السري أوراقه بمكتبه وحملوها إلى حاكم تحقيق عسكري، ولم يوجد بين أوراقه شيء ذو بال لأنه أخذ احتياطه قبل ذلك وفرز أوراقه وما كان مهما أودعه في صندوق خشبي وردمه في حديقة منزله. استدعاه حاكم التحقيق وبعد أسئلة أعاد إليه أوراقه
стр. 1379
وأعلمه بأنه يحجر عليه مغادرة الجزائر إلى أي جهة كانت إلاّ بعد الإعلام.
ومات العلاّمة المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس في ١٦ أفريل ١٩٤٠، وحاول السفر إلى قسنطينة لحضور موكب الدفن وتأبين الرجل العظيم، وطلب الإذن، فأجيب بالمنع من السفر.
وكان له نشاط كبير في الحركات السياسية الجزائرية، وحاول أحيانا تنسيق الصلة بين هذه الحركات والحزب الحر الدستوري في تونس، ومن أجل نشاطه ضد السياسة الفرنسية فتش مكتبه مرارا وسجن للتحقيق معه سجنا لم تطل مدته.
وفي عام ١٩٥٣ انتخب بإجماع عضوا إداريا بجمعية العلماء، وانتخبه بإجماع المجلس الإداري أمينا عاما، وبعد سفر رئيسها الشيخ البشير الإبراهيمي للشرق اندفع في ميدان العمل الشعبي العظيم وهو تأسيس المدارس والنوادي والمساجد، والوقوف على إنجاز معهد عبد الحميد بن باديس الضخم الذي بني بمدينة قسنطينة. وفي هذه الأثناء طاف بمختلف المدن الجزائرية شرقا وغربا يحاضر ويسامر ويدرس، وأيقظ الأذهان وألهب نار الحماس، وبشر بيوم قريب لا ريب فيه يوم تقوم الأمة كرجل واحد يعرف كيف يستخرج الحياة من بين براثن الموت الرهيب.
من نشاطه الصحفي أنه كان يمد جريدة «البصائر» بمقاله الأسبوعي «بمنبر السياسة العالمية» الذي كان يمضيه «أبو محمد» ثم مقاله الأسبوعي عن «العلم والاختراع» ويمضيه «أتم» ومن بعد الثورة الجزائرية (نوفمبر ١٩٥٢) أصبح يحرّر بها المقال الافتتاحي بإمضاء «البصائر» ومقال يوميات الأزمة الجزائرية، وفيه أخبار الثورة الجزائرية، يوما فيوما.
ولم تنقطع زيارته لتونس لرؤية الأهل، والتفاهم في قضايا سياسية
стр. 1380
هامة مع رجال اللجنة التنفيذية ورجال الديوان السياسي. زار تونس في شهر أفريل سنة ١٩٤٧ (على ما أتذكر). يوم العروبة الثاني (الذكرى الثانية لتأسيس الجامعة العربية) وكان مسك الختام أن وقف مرتجلا خطابا حماسيا مؤثرا في نبرة خاصة ولغة لا تعلو عن مستوى الجماهير، ولا يبتذلها المتعلمون، ولا تفقد تأثيرها عليهم مع البعد عن التكرار للألفاظ والمعاني، وفيها ما هو جديد الفكر كقوله: إن لم تقل بالحلول والاتحاد في الدين فلنقل بهما في السياسة، وكان الحاضرون خليطا من جمهور الشعب ومن الطلبة الزيتونيين. وكانوا كلهم ساعة إلقاء الخطاب مسحورين مأخوذين كأن على رءوسهم الطير لا تسمع همسا، ولا ترى أدنى إشارة.
وتأملته فإذا هو رجل مربوع القامة يميل إلى القصر، وله ملامح جميلة ظريفة. وما سمعت بتونس خطيبا أشد تأثيرا منه على ما فيها من خطباء مصاقع، ولا أبالغ إذا قلت: إنه أكبر خطيب في عصره في العالم العربي كله فقد سمعت عن طريق الإذاعة والتلفزيون بعض كبار الخطباء بالمشرق، فما سمعت من يساويه في شدة تأثيره وسمو بيانه، وسمعت من بعض العارفين المسنين أنه في الخطابة صورة من الشيخ الثعالبي، وقد حكى هو نفسه تأثره بالشيخ الثعالبي بعد ما سمعه لأول مرة خطيبا بالمدرسة القرآنية التي ما زال تلميذا بها، فقد قال: «واستوعبت لهجة الثعالبي الخطابية، واندمجت في كياني إلى آخر رمق من حياتي، فمن سمعني وأنا أخطب - وطالما خطبت - فكأنه سمع الثعالبي في لهجته ونبراته وقوة عارضته وشدة شكيمته» (حياة كفاح ١/ ٤٩).
وكان موجودا بتونس في شهر فيفري ١٩٥٢ وحضر الاحتفال الذي أقيم لذكرى تأسيس الجامعة العربية، وطلب منه إلقاء كلمة، وجعل محور حديثه بيت شوقي:
وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مضرجة يدق
وكان الخطاب حماسيا ملتهبا، وهاج المستمعون وماجوا، وتعالت الهتافات
стр. 1381
للحرية الحمراء وبعد الانتهاء من الخطاب التف حوله جمع غفير من الطلبة الجزائريين مهنئين فخورين بينما تعلق به جمع من الشبان التونسيين، والنتيجة السريعة لهذا الخطاب الثوري الملتهب أن اتخذت الإقامة العامة الفرنسية قرارا بإبعاده عن البلاد التونسية، وعدم السماح له بدخولها فيما بعد.
ولما قامت الثورة الجزائرية كان محل ثقة منها وأوفدته إلى القاهرة - كما سبق - وعند تأسيس الحكومة المؤقتة الأولى سمي وزيرا للشئون الثقافية وبعد الاستقلال سمي سفيرا بمصر، ثم وزيرا للأوقاف.
وبالجملة فهو من أفذاذ رجال المغرب العربي نضالا وعملا سياسيا، وفكرا وإنتاجا ونشاطا خارقا لا يعرف اليأس ولا الكلل.
توفي ﵀ بمدينة الجزائر يوم الثلاثاء في ١٢ محرم ١٤٠٤/ ١٨ أكتوبر ١٩٨٣ وقرأت نبأ وفاته في جريدة «الصباح» فقلت: هذا رجل عظيم انتهى خبره، وطوي بساطه، غفر الله له وأجزل ثوابه، وأسكنه فراديس الجنان.
مؤلفاته:
١ - تقويم المنصور، كتاب يشتمل على أبواب شتى في العلوم والفنون والآداب والسياسة والتاريخ والجغرافيا طبع بتونس سنة ١٩٢٢ ثم أتبعه بتقاويم أخرى سنة ١٩٢٣ و ١٩٢٤ و ١٩٢٥ والجزء الرابع صدر بالجزائر سنة ١٩٢٦، وما كاد الكتاب يوزع بالمكتبات حتى صدر قرار من الوالي العام موريس فيوليت مؤرخا بيوم ٨ فيفري ١٩٢٦ يقتضي تحجير تداول الكتاب، وحجز ما يوجد منه في المكتبات كذلك أصدرت الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب الأقصى أمرها بالتحجير على الكتاب، وحجز ما يوجد منه في المكتبات، أما في تونس فقد وزع الكتاب على المشتركين بواسطة البريد ولم يوزع على
стр. 1382
المكتبات، ولم يعرض للبيع. وصدر الجزء الخامس بالجزائر سنة ١٩٣٠ وكان جزءا ممتازا من حيث مادته وتركيبه وأفكاره وطبعه.
٢ - تونس وجمعية الأمم، رسالة طبعت بمطبعة العرب بتونس سنة ١٩٢٤ نادى فيها بوجوب انسحاب فرنسا من تونس حسبما ورد في نص صريح من معاهدة باردو واتفاقية المرسى، ولهذا فهو يستنتج أن تونس دولة مستقلة، وأن هناك جنسية تونسية وبناء على ذلك يحق لتونس أن تنضم حالا لجمعية الأمم، ونفدت الرسالة خلال أسبوع، وتخاطفها الناس.
٣ - الحرية ثمرة الجهاد، تونس ١٩٢٤ رسالة عن كفاح ارلندا وسبق إقبال الناس عليها ونفادها وإعادة نشرها بمجلة «الفجر».
٤ - كتاب الجزائر (التاريخ والجغرافيا والمجتمع) ط. بالمطبعة العربية بالجزائر سنة ١٩٣١ لبث سنة في تحريره وتنسيقه، وأربع سنوات في الجمع والترتيب، سجل فيه تاريخ الجزائر من أقدم العصور إلى سنة ١٩٣٠ كاشفا عن كذب الاستعمار وضلاله وزيفه، وقفى عليه بذكر التاريخ، العلمي والأدبي وذكر خلاصة وافية عن العنصر البربري المسلم المؤمن وأصله وقبائله، وأفرد الميزابيين الأباضيين ببحث طويل مبتكر، نسف نسفا ذلك الرجس الاستعماري الذي جعل الميزابيين في نظر السنيين نفرا من اليهود، وبين فيه أجلى بيان الخلافات الجزئية المذهبية الموجودة بين الفريقين، وبعد ذلك كان الفصل المخصص للعنصر العربي وأطنب في ذكر أصوله وقبائله ومضاربه، وذكر أخلاقه وعوائده وتقاليده وأثبت أن اللهجة العربية العامة في جنوب القطر الجزائري هي من أفصح اللهجات العربية.
ثم أفرد فصلا للأجانب فبين أصول اليهود الجزائريين وعوائدهم وأخلاقهم مع المحتل وأهل البلاد ثم بين حالة
стр. 1383
المستعمرين الفرنسيين، وشرح ما درجوا عليه من مساويء إزاء المسلم الجزائري، وأثبت أنهم خليط من مسيحي البحر الأبيض المتوسط.
وبعد بسطة وافية عن جغرافية البلاد الجزائرية، وعن تقسيمها الإداري، أفرد فصلا إضافيا عن ذكر موقع وتاريخ كل مدينة من مدن القطر الجزائري، فترجم لاثنتين وسبعين مدينة ترجمة واقعية ثم كان قسم الحالة الحاضرة بالبلاد الجزائرية سنة ١٩٣٠ فأطنب في ذكر النظام الإداري والسياسي والمالي والاقتصادي والقضائي، وبين خلو كامل ذلك النظام من العنصر الجزائري، وأخيرا كان فصل الختام حالة المسلمين العامة، فذكر فيه بإطناب وضعيتهم القانونية الجائرة المذبذبة، وقضية التجنيس الفرنسي والحالة الصحية، والعمال والمرأة والموسيقى والتمثيل والصحافة وحالة الدين الإسلامي وختم بذكر الحالة الاقتصادية العامة.
وانتشر الكتاب في القطر الجزائري وخارجه وكتب عنه الكتاب، فكتب عنه الأمير شكيب أرسلان فصولا في مجلة «الفتح» ومحمد كرد علي في مجلة «القبس» والدكتور حسين مؤنس في مجلة «البحوث الإسبانية» والدكتورة بنت الشاطئ في الأهرام وغيرهم كثير.
وعني العالم الغربي الأوروبي بنقده والكتابة عنه والاقتباس منه جمهرة من العلماء والكتاب والباحثين أمثال ماسينيون، وشارل أندري جوليان، وجاك بيرك، وغيرهم (ينظر عن الكتاب حياة كفاح ٢/ ١٩٧ - ٢٠٨).
٥ - هذه هي الجزائر (١٩٥٧).
٦ - جغرافية القطر الجزائري (١٩٤٨ - ١٩٥٢ - ١٩٦٤) (حياة كفاح ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦).
стр. 1384
٧ - هنبعل، مسرحية تاريخية (الجزائر ١٩٥٠) مثلت بمسرح الأوبرا بالجزائر، ومثلت بإذاعة الجزائر قبل طبعها، ومثلتها إذاعة لندن العربية مرارا، مثلت بتونس والجزائر أكثر من مائتي مرة (حياة كفاح ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٥).
٨ - حرب الثلاثمائة سنة (١٤٩٢ - ١٧٩٢) (طبعة أولى الجزائر ١٩٦٨) ثانية ١٩٧٦ كشف هذا الكتاب عن مطامع إسبانيا في شمال إفريقيا، وانتهاء أحلامها بالفشل والإخفاق.
٩ - حياة كفاح (مذكرات) في ثلاثة أجزاء (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر ١٩٧٧، ١٩٨٢) وفيه تفاصيل وافية عن حياته ونشاطه ونضاله في تونس والجزائر.
١٠ - مذكرات نقيب أشراف الجزائر.
١١ - محمد عثمان باشا داي الجزائر، وخلاصة تاريخ الجزائر العثمانية (نشر المكتبة المصرية الجزائر ١٩٣٨) أن العنصر العثماني بالقطر الجزائري كان هو العدو الألد للسلطة الفرنسية وشوهت الدعاية الاستعمارية الفاجرة الكاذبة هذا العنصر حتى قال الناس: إن فرنسا جاءت منقذة وأنه لولا تدخلها لما بقي في أرض الجزائر أحد من رجالها، ولا شيء من خيراتها، وبين فيه حقيقة القرصنة، وأنها كانت نوعا من الحرب المشروعة النظامية شاركت فيها كل دول العالم، ولم يكن المسلمون خلالها إلاّ مدافعين. ولم تكن عندنا بحال من الأحوال «لصوصية بحر» كنا نسالم من يسالمنا ونحميه، وكنا نحارب من يحاربنا ونرديه، وأظهر أن حالة التعليم خير مما هي عليه في الحاضر وأن الأمية كانت أقل مما هي عليه سنة ١٩٣٧ وبين أن العدالة والجباية والحرية كانت خيرا مما عليه أوروبا في تلك العصور.
стр. 1385
واهتبل الفرصة للكشف عما ارتكبه الفرنسيون أثناء احتلال الأرض الجزائرية من مذابح وفظائع وتحطيم وإحراق وأورد على ذلك شواهد كثيرة جدا مما ذكره الفرنسيون أنفسهم في كتبهم.
وتلقى مسيو «كاروت» المدير العام لمكتبة هاشيت بالقطر الجزائري، والمكتبة المصرية تابعة لمكتبة هاشيت، تلقى من الحكومة توبيخا عنيفا وتهديدا سافرا على طبع الكتاب فلم يجرأ على إعادة طبعه (ينظر حياة كفاح ٢/ ٢٦٦ - ٢٧١).
١٢ - المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا (المطبعة العربية، الجزائر ١٩٤٦) قدم فيه دراسة وافية عن جزيرة صقلية وتاريخها القديم، ثم أفاض الكلام عن الفتح الإسلامي وأسبابه وظروفه واندفاع المسلمين نحو تلك الجزيرة، وكيف أخذت المدنية الإسلامية تزهو وتزدهر وتزخر، وكيف وثب المسلمون من هنالك إلى جنوب إيطاليا ينشرون المدنية ويؤسسون في مدينة «باري» بالجنوب الشرقي الإيطالي إمارات زاهية زاهرة، ثم تتبع تاريخ ولاتهم وأمرائهم إلى أن وصل إلى استيلاء النرمان على الجزيرة ثم إنهم كيف تهذّبوا بها وأصبحوا يعتمدون على العلماء والصناع المعماريين المسلمين في كل شئونهم ولما جاءت دولة الجرمانيين أخرجوا بقايا المسلمين من الجزيرة، وختم ببيان واف عما نشأ بتلك الجزيرة من عالم وأديب، وذكر ترجمة ثلاثين منهم، وذكر مؤلفاتهم ونبذا من شعرهم (ينظر حياة كفاح ٢/ ٣٤١ - ٣٤٣).
١٣ - قرطاجنة في أربعة عصور، تاريخ شمال إفريقيا قبل الإسلام (المطبعة الأهلية بتونس ١٩٢٧). اختار له أبدع الصور الأثرية التي لم يسبق نشرها إطلاقا في اللغة العربية. وطبع له مصورا جغرافيا لكامل المغرب العربي الكبير الحجم. واضح الشكل كتب بخط عمر راسم (ينظر عنه حياة كفاح ٢/ ١٠٧ - ١٠٩).
стр. 1386
المراجع:
- حياة كفاح ٢ جزءان والثالث ط.١٩٨٢.
- النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس ١٩٠٠ - ١٩٦٢ لمحمد صالح الجابري (الدار العربية للكتاب ١٩٨٣، تونس مطبعة القلم) ص ١٩٢، ٢٨٤، ٢٨٥، ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩١، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٩٧، ٢٩٨.
стр. 1387
٥١٠ - المدني (١٣٠٧ - ١٣٧٨ هـ) (١٨٨٩ - ١٩٥٩ م) .
محمد بن خليفة بن حسن ابن الحاج عمر خلف الله المشهور بالمدني ويقال المداني بإمالة الدال، المفسر الفقيه، الصوفي الذي تنسب إليه الطريقة المدنية الشاذلية، وهي غير الطريقة المدنية الشاذلية الليبية.
ولد بقصيبة المديوني من ولاية المنستير، وهو من ذرية الولي الصالح الشيخ سيدي المديوني الذي تسمت به قصيبة المديوني.
كان والده مقدم الطريقة الظافرية المدنية، ولقب لأجل ذلك بالمدني.
دخل الكتاب، وحفظ القرآن العظيم، وبعد ذلك ارتحل إلى تونس فالتحق بجامع الزيتونة وأخذ عن أعلامه المشايخ، محمد بن يوسف شيخ الإسلام الحنفي، وبلحسن النجار، ومحمد الطاهر بن عاشور، وأجازه الشيخ محمد جمال الدين بن محمد الأمير، بن حسن مفتي المالكية بمكة، وهي إجازة في علم التفسير والحديث والفقه والتوحيد وأوراد وأحزاب، ومن مشايخه محمد الصادق النيفر وغيره.
وفي السنة الأخيرة من سنوات الدراسة بجامع الزيتونة خلال سنة ١٣٢٨/ ١٩١٠ اتصل في تونس بالشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي (ويقال ابن عليوة) المستغانمي الجزائري شيخ الطريقة العلاوية المتفرعة عن الدرقاوية الشاذلية وهو شيخ يقرب من العامي ويدين بوحدة الوجود (ينظر عنه حياة كفاح ٢/ ٧٠، ٧٤) الذي ورد إلى تونس لطبع كتابه المسمى «بالمنح القدسية في شيخ المرشد المعين بالطريقة الصوفية»، وهو
стр. 1388
كتاب محشو جهالة وخرافات مضحكة، فأعجبه مشربه الصوفي، وسافر معه إلى مستغانم ببلاد الجزائر، وتفانى في خدمته، وقرّبه هذا الشيخ وأدناه حتى صار من أعز الخواص، وقد اقتضى نظره أن يوجهه إلى نشر الطريقة في أنحاء القطر الجزائري ثم إنه أجازه إجازة عامة في الطريقة في ١١ ذي الحجة ١٣٢٩، وبقي في خدمة شيخه نحو ثلاث سنوات استكتبه فيها لتأليف رسائله، ثم أجازه في تلقين الورد العام والاسم الخاص والمفرد، وتلقين أسرار التوحيد، وأذنه في نشر الطريقة بالقطر التونسي، وبذلك تحولت وجهة نظره فبعد أن كان عازما على إتمام دراسته بجامع الزيتونة والإحراز على شهادة التطويع، ثم الوصول إلى وظيفة تضمن له العيش، أصبح صوفيا جادا في تربية العموم بالطريقة، ولبث نحو، نصف قرن في نشر الطريقة وتربية المريدين في قرى الساحل ومدنه وصفاقس وقابس وغيرهما من المدن، وأسس زاوية ببلدته قصيبة المديوني.
توفي في صبيحة يوم الخميس الثامن من ذي القعدة سنة ١٣٧٨/ ١٤ ماي ١٩٥٩، ودفن في زاويته بقصيبة المديوني.
مؤلفاته في التفسير:
أ - تفسير سورة الواقعة، جمع في تفسيرها بين الظاهر والباطن، وسماه بالروضة الجامعة في تفسير سورة الواقعة، ألّفه باقتراح من الشيخ المفتي محمد السخيري المنستيري. طبع بتونس.
ب - تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾.
ج - تفسير قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ إلى قوله:
﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾.
стр. 1389
د - تفسير قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماااتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله:
﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * *﴾ ويسمى رسالة النور.
هـ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾.
و- تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.
ز - تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الآية.
ح - تفسير قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ الآية.
ط - تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْاالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
ي - تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ الآية.
ك - تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.
ل - تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾.
م - تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ الآية.
ن - تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
س - تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
ع - تفسير سورة الفاتحة، وهو تفسير يجمع بين الظاهر والباطن.
وله شرح على بعض الأحاديث:
أ - كشرح حديث: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله» الحديث، تكلم عن هذا الحديث حين زيارته لمقام عقبة بن نافع عام ١٣٤٦/ ١٩٢٨
стр. 1390
وجرت مذاكرة قلمية مع بعض من أهل الطريقة العلاوية. فاقترح عليه بعضهم أن يشرح هذا الحديث فشرحه بجميع طرقه العلمية والحكمية (ظاهرا وباطنا) وأرسل به إلى جريدة «البلاغ» الجزائرية فنشرته.
ب - شرح قوله ﷺ : «لي وقت لا يسعني الأرض».
ج - شرح حديث: «أن تعبد الله كأنك تراه» الحديث.
د - شرح قوله ﷺ : «إن الله قبض قبضة من نور» الحديث.
هـ - شرح ما نسب إلى رسول الله ﷺ : «من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا».
و- شرح قوله ﷺ : «نية المؤمن خير من عمله».
ز - شرح قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو تدومون» الحديث.
ح - رسالة اللحظة المرسلة في شرح حديث حنظلة، رسالة صغيرة مطبوعة بتونس.
- الديوان - فيه مئات من الأبيات المنظومة في الاستغراق في الحضرة الإلهية للحضرة المحمدية.
وله من الرسائل:
١ - رسالة برهان الذاكرين في الرد على المنكرين.
٢ - تحفة الذاكرين بمحاورة وحكم العارفين، صغيرة الحجم.
٣ - كفاية المريد في فن التوحيد وشرحها يسمى «المنهل المريد على كفاية التوحيد».
٤ - رسالة اللباب في إثبات الحجاب بالسنة والكتاب، ط. تونس.
ومن مؤلفاته في التصوف خاصة:
١ - شرح على ألفية شيخه العلاوي في التوحيد والعبادات والتصوف
стр. 1391
سماها «الأصول الدينية في شرح الرسالة العلاوية».
٢ - شرح أبيات عمر بن الفارض التي أولها:
وبما شئت من هواك اختبرني ... فاختباري ما فيه إلاّ رضاك
٣ - من أحوج الناس إلى صحبة شيخ التربية.
٤ - مسألة في اسم الصدر. وهو وجماعته في مجامعهم يذكرون بصوت يخرج من الصدر يزعمون أنه اسم الله، وتعالى الله أن يذكر أو يسمى بما لا يعقل.
٥ - مقالة في الفرق بين الإرادة والرضا والمحبة.
٦ - شرح حكمة لبعضهم: «من أقبل على الدنيا» إلخ.
٧ - حكم التوسل.
٨ - وظيفة تسمى شجرة الأكوان.
وله مؤلفات في مسائل فقهية:
١ - مسألة مس المصحف.
٢ - مأموم سلم قبل الإمام.
٣ - عدة المطلقة.
٤ - هل يحجب الجد أبناء إخوة الميت.
٥ - مسألة في زكاة العين.
٦ - مسألة يسقط الدين زكاة الحرث.
وله رسالة في الإسلام والإيمان والإحسان تسمى هدية الإخوان نظما، وله شرح على الجوهر المكنون في البلاغة للشيخ عبد الرحمن الأخضري الجزائري.
стр. 1392
رسائل إلى صفاقس وقابس وغيرهما من المدن، تحتوي على مذاكرات ونصائح وتوجيهات.
المراجع:
هذه الترجمة أمدّني بوثائقها الأخ الصديق الأستاذ محمد الحبيب السلامي وتسلمها من السيد الحاج المبروك ابن الحاج أحد أتباع طريقة الشيخ المترجم، وينظر عنه كتاب الشهائد والفتاوي فيما صح لدى العلماء من أمر الشيخ العلاوي، جمع محمد بن محمد بن عبد الباري الحسني التونسي، المطبعة التونسية، نهج سوق البلاط ٥٧ تونس ١٣٤٩/ ١٩٣١ ص ٨٣.
стр. 1393
٥١١ - ابن مراد (٠٠٠٠ - ١٣٩٩ هـ) (٠٠٠٠ - ١٩٧٩ م) .
محمد الصالح ابن الشيخ المفتي أحمد بن مراد، الحنفي الفقيه، الكاتب ولد بتونس ولا أعلم شيئا عن تفاصيل حياته سوى أنه تعلّم بجامع الزيتونة، ونجح في مناظرة التدريس من الطبقة الثانية، وباشر خطة العدالة (التوثيق) ثم ارتقى إلى التدريس من الطبقة الأولى وبعد ذلك ولي الإفتاء، ثم مشيخة الإسلام الحنفية في عهد محمد الأمين باي (آخر البايات بتونس) وعزل عن مشيخة الإسلام في سنة ١٩٤٦ وولي عوضه الشيخ محمد الدامرجي.
وأصدر أعدادا من مجلته «شمس الإسلام».
توفي يوم الثلاثاء في ٨ ربيع الأول ١٣٩٩/ ٦ فيفري ١٩٧٩ ودفن في اليوم الموالي.
له الحداد على امرأة الحدّاد، ردّ به على كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد، طبع في تونس بلا تاريخ، ولعل طبعه كان قريبا من سنة ١٣٤٩/ ١٩٣١ إذ ورد في آخره ما نصه، وكان الفراغ من تأليفه يوم الاثنين السادس عشر من ذي الحجة الحرام سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف.
стр. 1394
٥١٢ - المرادي (من رجال القرن السادس هـ) (الثاني عشر م) .
أبو بكر بن الحسن المرادي القيرواني، الفقيه الأديب الشاعر، تجول في بلاد الأندلس منتجعا ملوك الطوائف، ثم استقر أخيرا في جنوبي المغرب الأقصى (زمن دولة المرابطين)، فولاّه الأمير محمد بن يحيى بن عمر قضاء العسكر إلى أن توفي بدكّالة من بلاد الصحراء.
قال ابن بسام في التعريف به: «وكان أبو بكر هذا فقيها فطنا وشاعرا لسنا، ممن جمع براعة الفقهاء وبراعة الشعراء النبهاء، وتصرف تصرف المطبوعين، وتكلم بألسنة المجيدين، أشعار كصفحات البدور، ودواوين كأثباج البحور ... »
له رسالة في الرد على المؤدب بالمرية وليد بن عبد الوارث المنبوز بالبقري القائل بقدم الحروف فنظم المترجم قصيدة قال فيها:
لا در در سخافة ... شنعاء جاء بها الوليد
كفر تكاد له الجبا ... ل على ثقالتها تميد
قل للرئيس الأحوص ... ي ورأيه أبدا سديد
حمق المؤدب فادعى ... من بينهم ما لا يحيد
مكنتموه من الكلا ... م وجهله أبدا يزيد
وتركتموه مسرّحا ... أين السلاسل والحديد؟
أغلا الحديد بأرضكم ... أم ليس يمكنه الحديد
المرجع:
- الذخيرة لابن بسام، تحقيق د. إحسان عباس (ط. تونس) ق ٤ م ١، ص ٣٦٤ - ٣٦٧.
стр. 1395
٥١٣ - المراكشي (٠٠٠٠ - ١١٤٨ هـ) (٠٠٠٠ - ١٧٣٦ م) .
محمد بن محمد بن علي المراكشي الصفاقسي، الفقيه الصوفي، الناظم، تلميذ أبي الحسن الكراي، وخليفته في زاويته، أصل أسلافه من مراكش استقرّوا بصفاقس حوالي القرن الثامن للهجرة.
استأذن شيخه أبا الحسن الكراي في الحج، ولما رجع أقامه الشيخ مقامه، وصار يعمل الميعاد من الجمعة إلى الجمعة بقراءة كتب الوعظ والسير والمغازي والتحريض على الجهاد وأفعال الطاعة كما هي عادة البلد في ذلك التاريخ، ويعلّم التلاميذ علم الطريقة والحقيقة إلى أن توفي الشيخ أبو الحسن الكراي فاستقل بالزاوية بعده.
توفي في ١٩ رمضان، ورثاه تلميذه محمد الفرياني، بمرثية طويلة منها:
وبعد ثنائي بالجميل تأسيا ... أردت بمرثاتي الذي كان لي يقري
محمد المراكشي الذي سما ... على عصره بالجود والبذل والقدر
له منطق عذب يشوق من أتى ... لمجلسه المرسوم للوعظ كالعطر
فوفقه رب السما في حياته ... إلى أن توفاه الصفوح عن الوزر
ففي شهر رمضان المعظم قدره ... عفا عنه رب جاد بالصفح والستر
بليلة عشر منه تتلو لتسعة ... توفاه مولاه قبيل ضيا الفجر
لدى عام ألف وأربعين ومائة ... تليها ثمان بالحساب وبالحصر
ورثاه ابنه أحمد بمرثية طويلة.
له قصائد وموشحات، وخمس قصائد كثيرة.
المصدر:
- نزهة الأنظار ٢/ ١٥٥ - ١٥٦.
стр. 1396
٥١٤ - المرجاني (٦٣٣ - ٦٩٩ هـ) (١٢٣٥ - ١٣٠٠ م) .
عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد البكري العرشي التونسي الإسكندري المعروف بالمرجاني (١)، أصله من تونس، وولد بالإسكندرية، وتوفي بتونس.
كان من أصحاب أبي الحسن الشاذلي، وكان واعظا من الأعلام في الفقه والتصوف، قدم مصر، ووعظ بها، قال الشعراني: «وامتحن، وأفتى العلماء بتفكيره ولم يؤثروا فيه فعملوا عليه الحيلة وقتلوه» (٢).
كانت له مكانة لدى أمراء الدولة الحفصية، وكان صديقا حميما لقاضي الجماعة أبي يحيى أبي بكر الغوري الصفاقسي.
توفي في أوائل جمادى الأولى (٣) ودفن بمقبرة الزلاج.
مؤلفاته:
١ - بهجة النفوس والأسرار في تاريخ هجرة النبي المختار (تاريخ للمدينة) في مكتبة عارف حكمت (مكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة ٤٥ تاريخ).
стр. 1397
٢ - أملى دروسا في التفسير جمعها ابن السكري من كلامه سمّاها «الفتوحات الربّانية في المواجد المرجانية» (خط في التيمورية بدار الكتب المصرية).
٣ - شرح الزايرجة للمراكشي.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٤/ ١٢٥ (ط ٥/).
- تاريخ الدولتين ٤٣.
- تذكرة الحفاظ ٤/ ٢٧٠ في وفيات سنة ٦٩٩.
- الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي ٢٦٤ - ٢٦٥.
- شجرة النور الزكية ١٩٣.
- شذرات الذهب ٥/ ١٥١.
- شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/ ٢٢٣.
- الطبقات الكبرى للشعراني ١/ ٢٠٣.
- العبر ٥/ ٤٠٨.
- الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية ١٥٤.
- كشف الظنون ٢٩، ١٥٢، ٢٣٧، ٤٤٤.
- معالم التوحيد ١٨١.
- معجم المؤلفين ٦/ ١٣٠.
- هدية العارفين ١/ ٦٣.
стр. 1398
٥١٥ - ابن مرزوق (٠٠٠ - ٤٧٢ هـ) (٠٠٠٠ - ١٠٨٠ م) .
عبد الدائم بن مرزوق بن خير أبو القاسم، من كبار علماء اللغة ورواة الأدب.
ولد بالقيروان، ورحل صغيرا في طلب العلم إلى المشرق، فدخل العراق، وأخذ بالبصرة عن أبي الحسين بن الحسن، وهلال بن المحسّن في سنة ٤٢٦/ ١٠٨٤، ولقي أبا العلاء المعري بالشام، وروى عنه شعره مباشرة، ودخل مصر فقرأ على أبي الحسن الحوفي، ثم رجع إلى بلده بعلم جم، وقد أدخل كثيرا من كتب اللغة والأدب.
وأقام بالقيروان إلى الزحفة الهلالية، فخرج من القيروان وتوجه إلى الأندلس، ونزل بالمرية وإشبيلية، ونشر العلم، وقد أخذ عنه أعلام منهم محمد بن السيد البطليوسي، وأبو جعفر محمد بن الحكم السّرقسطي، ومحمد بن أغلب بن أبي الدوس المرسي، وأورد له ابن السيد البطليوسي في كتابه «الاقتضاب ص ٢٦٧» روايته عنه بقوله: «وفي رواية ثعلب التي رويناها عن الشيخ عبد الدائم بن مرزوق القيرواني» وقد ورد اسم والده وجده محرفا في كتاب «الصلة» لابن بشكوال حيث جعله عبد الدائم بن مروان بدل ابن مرزوق وابن جبر بدل خير، وكذلك جاء في «بغية الملتمس».
توفي بطليطلة.
مؤلفاته:
١ - حلى العلي، وهو معجم في اللغة ذكره أحمد بن يوسف الفهري اللبلي
стр. 1399
في شرحه لفصيح ثعلب، ونقل عنه في عدة مواضع من تآليفه وأكثر أبو حيان في كتابه «الارتشاف» من النقل عنه.
٢ - المكتفي في شرح ديوان المتنبي نقل عنه ابن الابار في «تكملة الصلة».
المصادر والمراجع:
- الصلة ١/ ٣٨٢ (مصر) وفيها وسمع بالأندلس من أبي عمر بن عبد البر وغيره.
- بغية الوعاة ٢/ ٧٥.
- بغية الملتمس ١١٢٨ رقم ٣٨٦.
- ورقات ١/ ١٨٤، ١٨٥.
- الحياة الأدبية بإفريقية في عصر الزيريين (بالفرنسية) ١٩٢، ١٩٣.
- بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٧٩٢ رقم ١١٠.
стр. 1400
٥١٦ - المرزوقي (١٣٣٦ - ١٤٠٢ هـ) (١٩١٦ - ١٩٨١ م) .
محمد (بالفتح) بن مصطفى بن علي المرزوقي، ذو الشخصية الخصبة المواهب المتعددة الجوانب، الأديب الشاعر، الصحفي، الباحث القصاص، والمناضل الوطني.
ولد في ٢٢ سبتمبر ١٩١٦ بقرية العوينة مركز دوز من أرض نفزاوة في ولاية قبلي بالجنوب التونسي حيث مضارب قبيلة المرازيق المنحدرة من بني سليم، وهذه القبيلة تعيش في جو شاعري حيث واحات النخيل، وخرير المياه، وزقزقة العصافير، وظهر منها عدة شعراء في الشعر الملحون الشعبي، والشعر يدور على ألسنة أفراد القبيلة رواية وحفظا. في هذا المناخ الشاعري عاش المترجم صدرا من حياته، وسمع الشعر، وهوت نفسه إليه.
دخل الكتاب فحفظ القرآن، ثم رحل إلى تونس العاصمة، فدخل المدرسة الابتدائية بنهج الكنز سنة ١٩٢٧، وغادرها في عام ١٩٣٠ قبل التحصيل على شهادتها فالتحق بجامع الزيتونة، وتابع الدروس الليلية بالمدرسة الخلدونية، وتحصل منها على ديبلوم العلوم العملية في سنة ١٩٣٣، ثم أحرز على الشهادة الأهلية من جامع الزيتونة في سنة ١٩٣٥، وزجّ به في السجن المدني بالعاصمة في ١٥ أفريل ١٩٣٨ وأفرج عنه في ١٣ أوت من نفس السنة، على أنه وضع تحت الرقابة لمدة ستة أشهر كان يتردد أثناءها على مشيخة المدينة للإمضاء على الحضور كل خمسة عشر يوما.
стр. 1401
وعاد إلى الدراسة بجامع الزيتونة بعد الخروج من السجن، وكوّن هو وجماعة من زملائه الطلبة المثقفين في المشرب السياسي جريدة «الهلال» وفتحوا واجهتين واجهة ضد السياسة الاستعمارية وواجهة ضد أنصارها من الشيوخ الجامدين، وكان هو شخصيا يرى الاقتصار على الواجهة الأولى حتى لا تتحد القوتان ضدهم.
ولم ترق هذه الحركة الطالبية الكتابة العامة للحكومة (وهي مصلحة فرنسية استعمارية) وطلبت من شيخ جامع الزيتونة في أوائل أفريل ١٩٣٩ القضاء على هذه الحركة الخطيرة بالزيتونة، وطرد القائمين بها، ومنعهم من مواصلة تعلمهم، وكان شيخ الجامع في ذلك العهد هو الشيخ صالح المالقي آلة طيعة في يد الفرنسيين، ينفذ رغباتهم خوفا منهم، فجمع مجلس التأديب لمحاكمة الجماعة الذين سموهم «بالشياطين العشرة» بتهمة النيل من كرامة الجامع وشيوخه، وقدم للمجلس أعدادا من جريدة «الهلال» وطلب من أعضائه الأربعة الحكم بسرعة على الطلبة المقدمة أسماؤهم لهم بالطرد من الجامع، ولما اعترض أحد الأعضاء بأن هذه المحاكمة غير قانونية لأن قانون الجامع ينص على حضور المتهم والترخيص له في الدفاع عن نفسه أو اختيار من يدافع عنه، غضب شيخ الجامع وأفهمه بأن المطلوب منه الإمضاء على الحكم المطلوب بدون مناقشة وإلاّ اعتبر من (إخوان الشياطين) الذين لا يسلمون من العقوبة، وأوضح أن حضور المتهمين لا فائدة منه لأنه لا حجة لدى إدارة المشيخة عليهم ما داموا يمضون بأسماء مستعارة، وصدر الحكم بطردهم من جامع الزيتونة وطلب شيخ الجامع من الكتابة العامة إبعادهم عن العاصمة (ومن بينهم المترجم) لأن وجودهم فيها سيحدث تشويشا في الطلبة، ولم يتفطن هؤلاء الطلبة المنكودون المظلومون إلاّ وقائمة أسمائهم منشورة على عرصات جامع الزيتونة، واتصلوا بإنذار من إدارة الأمن في وجوب مغادرة العاصمة كل إلى مسقط رأسه، وهذه الحادثة الظالمة أثارت
стр. 1402
انفعاله، وأهاجت شجونه فقال فيها قصيدة بقيت منها هذه الأبيات، ووجهها من مسقط رأسه بالجنوب التونسي إلى الشيخ صالح المالقي شيخ جامع الزيتونة وهذه هي الأبيات:
قولوا (لشيخ) الجامع المتعامي ... مهلا فإنك صائر لحمام
ماذا تقول أمام ربك عن أذى ... ألحقته بالشعب والإسلام؟
أتخون شعبك في أعز شبابه ... لتنال منزلة لدى الظلام
يا خائنا للعلم خلفك شاعر ... سيحط رأسك في أحط رغام
وفي جويلية ١٩٣٩ رجع إلى العاصمة بصفة سرية، وفي أول ماي ١٩٤٠ ألقت عليه الجندرمة القبض بالعاصمة، وركب قطار الليل تحت الحراسة إلى قابس، وهناك مكث بسجن الجندرمة إلى عشية ٣ ماي، ثم نقل في سيارة خاصة إلى قبلي حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية هناك، وفرض عليه عامل (والي) المكان رحومة بن الهيبة المبيت ليلا بالسجن من الخامسة مساء إلى الخامسة صباحا ومقابلة حراس مكتب الأمور الأهلية والإمضاء في دفتر خاص بإدارة العمل (الولاية) كل صباح. وقد أثر المبيت في السجن على صحته تأثيرا سيئا أدى إلى مرض خطير نقل من أجله إلى المستشفى وأصيب أيضا بمرض الملاريا الذي تسرب إليه من ماء البلد. والذي عانى منه ما عانى مدة سنة كاملة ولما غادر المستشفى تدخّل الطبيب الفرنسي فأنقذه من المبيت بالسجن، ولما جاء إلى قبلي السيد علي بن أبي الضياف عاملا (واليا) أراحه من مراقبة الفرنسيين، ومن الإمضاءات اليومية وأطلق له حرية التنقل في الأماكن القريبة، ثم تدخّل لدى السلطة العليا حتى وافقت على نقله إلى مسقط رأسه.
وألقى في المؤتمر الدستوري المنعقد بالعاصمة في أواخر أكتوبر وأوائل نوفمبر ١٩٣٧ قصيدا رائعا كان له دوي لدى المؤتمرين، وأعيد إلقاؤه مرارا بطلب من الجمهور، ونشر بجريدة «العمل» لسان حال الحزب، أما بقية الجرائد فلم تتجرأ واحدة منها على نشره. وهذا القصيد
стр. 1403
من أعظم الأسباب التي كونت له ملفا أسود في دوائر الشرطة الاستعمارية، وأشير له في ملفاتهم بالشاعر الثوري، وهذه مقتطفات من القصيد:
مهلا فؤادي ففي الأيام أيام ... بها تحقق آمال وأحلام
الدهر يعبث حينا ثم تعقبه ... من المسرة والأفراح أعوام
إن كان في حكمه نقض بآونة ... فإنما به ذاك النقض إبرام
هذا التقلب قد مارت به زمنا ... ألباب أهل الحجا منا وأفهام
لذا كلي أمل أني أرى زمنا ... به توارى عن الأنظار آلام
ولست ممن يزور اليأس معقله ... لأنني من حياة الذل سئّام
قلبي يتوق إلى حرية قربت ... وإنه للقاها اليوم بسّام
سيخدم السعد شعبا ظل محتملا ... كل الأذى وهو ممراح ومقدام
ويرجع الملك رب الملك بعد مدى ... وإن تقاسمه سود وأروام
من بعد معركة حمراء طاحنة ... فيها تحطم أرأس وأقلام
النصر فيها حليف الحق لا عدد ... تفوز فيها ولا جند وأرقام
الحق يحسم فيها كل مشكلة ... والحق في سائر الآباد حسّام
هناك بعد ما طأطأت يا وطني ... دهرا إلى الأجنبي تعلو لك الهام
هناك أعلامهم تضحى منكسة ... إليك تخفق فوق الرأس أعلام
لا ترتضي قول من يدعوك يا وطني ... إلى الرضا فهو تضليل وإبهام
الحق يؤخذ قسرا لا مسالمة ... صرح وجاهر فما في الحق إيهام
طالب وجاهد جهاد المستميت ... يتول عنك إذا أقدمت إحجام
وقل لمن يدعي فيك القصور ألا ... يا قوم هذي ضلالات وأوهام
بلغت رشدي فأعطوا الدار مالكها ... فإنما ملك مال الغير إجرام
جئتم تريدون خبزا فانثنيتم على ... ملكي ورزقي ورب الناس علام
وكنت إذ ذاك طفلا لا نصير له ... واليوم كل من الأشبال ضرغام
لذاك آمركم أن تتركوا وطنا ... أنتم به اليوم سادات وحكام
فإن رضيتم بسلم مرحبا بكم ... وإن أبيتم فذا للحرب إعلام
стр. 1404
كفاكم زمنا كنتم جبابرة ... فيه وأنتم إلى الأبناء ظلاّم
عهد به صار أبنائي عبيدكم ... تبدلت فيه عادات وأحكام
وما تنبهت والأخطار محدقة ... لما يدبره في السر أقوام
وهل تظنون أن الدهر غيّرني ... كلا! فظنكم يا قوم أحلام
أصلي العروبة، أما الضاد هي لغتي ... بالرغم منكم وإن الدين إسلام
* * *
واليوم قد بان نور الشمس واتسعت ... لشمس نهضتنا سهل وآكام
بفضل من أرجعوا للشعب عزته ... من بعد ما قد قضى عنه الألى ناموا
وبعد قضاء نحو خمس سنوات بين السجن والنفي سمح له بأداء امتحان شهادة التحصيل في أواخر مدة مشيخة الشيخ محمد العزيز جعيط، فاجتاز الامتحان بتفوق وأحرز على هذه الشهادة سنة ١٩٤٤.
ثم اشتغل بالصحافة من عام ١٩٤٤ إلى ١٩٥٣، وكان يكتب في جريدة «النهضة» ويمضي بإمضاء «زورق اليم» وهو اسم منحوت من لقبه، غلى أن مشاركته في الإنتاج الصحفي من مقالات وشعر وقصص ظهرت وهو ما يزال طالبا وذلك في الصحف والمجلات الصادرة في عصر شبابه.
واشترك في البرامج الإذاعية بإلقاء المحاضرات وتأليف القصص والمسرحيات منذ عام ١٩٤٥ إلى قبيل وفاته.
في أوائل سنة ١٩٣٨ عن له أن يجمع مختارات من شعره في كراس خاص، وأن يقدمه للطبع فجمع من ذلك نحو ٢٥٠٠ بيت، وجاءت حوادث معركة ٩ أفريل ١٩٣٨ الشهيرة فأودت به إلى السجن حيث قضى به نحو الخمسة أشهر، ثم غادره ليجد محل سكناه قد نهب أثناء سجنه نهبا تاما، ولم يبق منه شيء من الفراش والغطاء والكتب والمخطوطات، وقد حزّ في نفسه أنه وجد السارق الناهب هو ناظر المدرسة التي يسكن بها
стр. 1405
الذي كان طلبة جامع الزيتونة يؤمنون عنده المفاتيح، ومن الغريب أن الناظر أقرّ بفعلته الشنعاء، وتقدم إلى المترجم باكيا ملتمسا العفو، فصفح عنه، ولم يحزن المترجم على ضياع «الديوان» كما حزن على ضياع «كنش مذكرات» كان يحمل تاريخا مفصلا لجميع الأحداث السياسية وزاد في حزنه أنّ المذنب أقرّ بكل بساطة أنه أحرقه خوفا من تفتيش الشرطة ورأفة به هو حسب زعمه.
توفي في ١٦ محرم ١٤٠٢/ ١٣ نوفمبر ١٩٨١.
مؤلفاته:
١ - أشعة الجمال (مطبعة الاتحاد، تونس ١٣٥٤/ ١٩٣٦) ٦٤ ص وهو عبارة عن مقالات عن الجمال والحب عند القدماء وعند العصريين ورأي المؤلف فيها (ص ١ - ٣٠) تليها قصة عنوانها الأحلام المزعجة أو طيف الحبيب (ص ٣١ - ٥١) وهي قصة غرامية، ثم آراء وتقاريظ لعدد من الكتاب وقد أصدر هذا الكتاب وهو ما يزال طالبا.
٢ - أحاديث السمر (الدار التونسية للنشر ١٩٧٣) قدّمها المؤلف بقوله:
« ... إنها مجرد أحاديث سمر كتبت على الأسلوب القصصي أو وضعت في قالب القصة ... » إنها أحاديث أخذت من صميم الحياة، وقعت فعلا ليس لي فيها إلاّ الرواية وأما أن الواقع يقتضيها فالمجالات الصحراوية والريفية التي وصفت في بعض الأحاديث كانت مرتعا لصباي، ومن محيطها وشيوخها وعجائزها رويت تلك الأحاديث، وإذا وصفت حياة العمال في المعامل والأفراد في العائلات أو العائلات في الأحياء ومظاهر التفسخ في المجتمع الحضري، فتلك حياة عرفتها في العاصمة وأنا كبير مدرك.
٣ - أحمد ملاّك شاعر الحكمة والملحمة، دراسة ونماذج، وزارة الشئون