← Тараджим

Тараджим · id 17018

تراجم المؤلفين التونسيين

محمد محفوظ

Полный текст (1 769 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كما اسندت إليه إدارة تأسيس المكتبة الصادقية (العبدلية) الزيتونية المؤسسة حديثا. وفي سنة ١٢٩٤/ ١٨٧٧ عزم على التخلي عن وظائفه أسوة بأصدقائه جماعة الإصلاح الذين اضطروا لمغادرة مراكز السلطة، على أن تدخل الباي الزمه الاحتفاظ بوظائفه لكن المعرض العالمي المنعقد في باريس سنة ١٨٧٨ هيأ له مبررا لمغادرة البلاد فزار باريس ولندرة ثم الجزائر وسمحت له هذه الرحلة باثراء ملاحظة لإكمال تحرير الأجزاء الباقية من مؤلفه «صفوة الاعتبار». وعند ما رجع إلى تونس أصبح عضوا في اللجنة التي كلفت بتنظيم مستشفى العاصمة التونسية - الذي دشّنه الأمير محمد الصادق باي رسميا في ١٠ فيفري ١٨٩٤، وأصبح يعرف بالمستشفى الصارقيّ، على غرار المؤسسات الصحية العصرية الأوروبية، لكن الذين لا يروق لهم الإصلاح ولا تفكير الإصلاحيين كالقنصل الفرنسي روسطان فكان رد الفعل عنيفا والتهجم قاسيا، وكان المترجم له على صلة ببعض أفراد من السفارة الإيطالية بتونس ممن ينشر الدعاية ضد السياسة الفرنسية، وبلغت المعركة الدعائية بين السياسة الفرنسية والإيطالية حدا مضطرما ملتهبا، ففرنسا تهيئ الوسائل والحجج لتبرير الاحتلال، وإيطاليا تشهر بمطامع فرنسا وتحاول حشد الرأي العام ضدها سواء في الداخل أو في الخارج وهي لم تكن بريئة في هذه الحملة، وإنها هي تسعى جاهدة لتحل محل فرنسا وتحتل البلاد فيما بعد، ولا ندري كيف غاب هذا عن ذهن المترجم له حتى اغتر بالدعايات الإيطالية وسار في طريق يثير العواصف الهوجاء من النقد والتهجم والاتهام. وكان الوزير مصطفى بن إسماعيل خلف خير الدين في رئاسة الحكومة يضيق بآرائه الإصلاحية ثم أنه يرى أنه لا يصفو له الجو إلاّ إذا أقصى جماعة الإصلاح عن مباشرة أية مهمة سامية في الحكومة والمترجم له لا يتحمل الضغط على حريته والسكوت على آرائه لذلك عزم على مبارحة تونس وقرر أن يطلب أولا من الباي الاذن في السفر لاداء فريضة الحج، ولم يتحصل على هذا الاذن إلاّ بعد تداخلات عديدة من أصدقائه العلماء، وتحصل على هذا الاذن وبارح تونس سنة ١٢٩٦/ ١٨٧٩ ومر بمصر في طريقه إلى الحرمين الشريفين وبعدهما زار سوريا، ثم سافر إلى إستانبول حيث كان في انتظاره صديقة الصدر الأعظم خير الدين، وأحسنت الدولة وفادته وعزم أن يقيم بها نهائيا، لكن الوزير مصطفى بن إسماعيل كتب إلى الباب العالي وطالب بإرجاع المترجم له، واتهمه باختلاس أموال جمعية الأوقاف وجرده من عناوينه الجامعية لكن خير الدين انتصر له ولم يخذله ولم يسلمه. وفي انتظار وصول أسرته إلى إستانبول قام برحلة إلى فيينا وبودابست وبلغراد. وعند رجوعه إلى إستانبول حيكت ضده دسائس لإزالة مكانته عند السلطان فقد اتهم بالمشاركة في ثورة عرابي عند مروره بمصر، واضطر لأجل تجنب الخصومات وإنجاز الجزء الثاني من تأليفه «صفوة الاعتبار» إلى مغادرة إستانبول وتوجه إلى مصر، وفي القاهرة احتفل بقدومه احتفالا حارا الخديوي والعلماء.

стр. 142

وفي مدة إقامته بإستنبول لم ينقطع عن الكتابة والتدوين، وراعى صحته فتحسنت كثيرا وقلل من استعمال المورفين. ولما استقر بالقاهرة استأنف نشاطه السياسي والثقافي وأصدر جريدة «الإعلام» يومية أولا ثم في كل ثلاثة أسابيع وكان لها دوي بالمشرق والمغرب حتى قال خير الدين: «إن هذه الصحيفة يمكن أن تصبح (تيمس الشرق الأدنى)» وصدر من هذه الصحيفة ٢٦٩ عددا فيما بين سنة ١٨٨٥ وسنة ١٨٨٩. وكانت خطة جريدة «الإعلام» ملاينة الانجليز ولعله مل من مقاومة الاستعمار وآثر الراحة والاستقرار. قال فيليب دي طرازي في كتابة تاريخ الصحافة العربية: «وكانت خطتها محاسنة الانجليز والاستفادة منهم، فانتقد بعضهم عليه هذه الخطة لأنها تخالف ما كان عليه في تونس وانه هاجر فرارا من الحكم الأجنبي فكيف يكلف المصريين عكس ذلك؟ ولكن الذين كانوا يرون رأيه يعتذرون بأنه أنما حث على محاسنة الانجليز والاستفادة منهم بأن معاكستهم وأمر البلاد في أيديهم لا يجدي نفعا، وان مفاجأة الفرنسيين أوجدت أسبابا ساعدتهم على ضم تونس إلى بلادهم وقد التجأ إلى انتهاج هذا المسلك أيضا ما قاساه من ظلم الحكم الاستبدادي في تونس وما آنسه من العوامل المحركة في مصر بإغراء بعض الأجانب الذين يوغرون صدور الناس على حكامهم مما يعود بالضرر». ومن المعروف ان خطة ملاينة الاستعمار ومحاولة الالتقاء معه في نصف الطريق والرضا بما يجود به من إصلاحات كانت مسلك بعض المشتغلين بالسياسة في العالم العربي بقسميه الشرقي والغربي وقد أثبت الأيام عدم صحة هذا المسلك وان الطريق القويم هو المجاهرة بالمطالب القومية وعدم المبالاة بغضب الاستعمار وبطشه والتنظيم الجماهيري وبفضل هذه السياسة القومية القوية انحسر الاستعمار عن العالم العربي. وفي سنة ١٨٨٧ عطل وقتيا صدور جريدة «الإعلام» للسفر إلى معرض باريس وزار لندرة وفلورنسة بإيطاليا لملاقاة صديقه الجنرال حسين وعند رجوعه إلى القاهرة أسندت إليه مهمة تكوين جمعية الأوقاف، كما سمي قاضيا بمحكمة القاهرة الابتدائية، وكثيرا ما كلفته وزارة العدل كتابة ملاحظاته عن القضاء الشرعي لأنه كان واسع الاطلاع فيه. توفي بحلوان في ٢٥ ربيع الثاني ١٨/ ديسمبر مساء الأربعاء ودفن بالقاهرة قرب ضريح الإمام الشافعي. مؤلفاته: بين جرجي زيدان مسار الأفكار الإصلاحية في تآليفه فقال. «ويؤخذ من مجملها (مؤلفاته) أن صاحب الترجمة كان من محبي الإصلاح وتقريب المسلمين من عوامل التمدن

стр. 143

الحديث وإزالة ما قد يعترضهم من أشباه الموانع الدينية نحو ما كان يفعله الشيخ محمد عبده». ١ - تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص قال فيها: «قد تقرر في الناس منذ أزمان، غير أنه لما كان من المستحدثات بعد الصدر الأول اختلفت فيه أنظار المتأخرين، وقد شاع تحريم ما مات من صيده على مذهب أبي حنيفة، فأحببت أن أجمع فيه رسالة أحرر منها الشأن» (المطبعة الإعلامية القاهرة ١٣٠٣ هـ) ٢٨ ص. ٢ - التحقيق في مسألة الرقيق، رسالة بحث فيها عن كيفية معاملة الرقيق وإن منع الحكومات الإسلامية التجارة بالرقيق شرعي، طبعت. ٣ - رسالة في أحكام الأشراف آل بيت رسول الله. مطبعة الإعلام ١٣٠٢ هـ ١٦ ص. ٤ - الروضة السنية في الفتاوي البيرمية ط. ٥ - سكنى دار الحرب. ٦ - صفرة الاعتبار لمستودع الأمصار والأقطار، دون فيها رحلته إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا. وذكر في جزء منها تاريخ القطر التونسي من الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي، وتاريخ القطر الجزائري وحرب الاحتلال الفرنسي فيه. وتاريخ مصر والثورة العرابية وفي هذا الكتاب كثير من الحقائق التاريخية والاجتماعية التي يعز العثور عليها في سواه. طبع منه أربعة أجزاء بمطبعة الإعلام ١٣٠٢ هـ وطبع الجزء الخامس والأخير بعد وفاته بمطبعة مجلة المقتطف بالقاهرة سنة ١٣١١ هـ. ٧ - مختصر في العروض. ٨ - ملاحظات سياسية حول التنظيمات اللازمة للدولة العلية، انتهى منها سنة ١٢٩٨ هـ وقدمها للسلطان عبد الحميد الثاني، وطبعت في مصر بلا تاريخ في ٤٨ هـ. المراجع: - أركان النهضة الأدبية، محمد الفاصل بن عاشور تونس ١٣٨١ ص ٢٢ - ٢٧. - الأعلام ٧/ ٣٢٢. - تاريخ آداب اللغة العربية ٤/ ٢٦٢. - تاريخ الصحافة العربية ١/ ١٣٩ - ١٤١ و ٣/ ٢٤ - رواد الإصلاح، رشيد الذوادي (ط بتونس ١٩٧٣) ص ٤٠ - ٥٩. - قابادو لعمر ابن سالم (ط. تونس ١٩٧٥) ص ٦٠ - ٦٢. - محمد بيرم الخامس، زين العابدين السنوسي ط تونس ١٩٥٢.

стр. 144

- مصادر الدراسة الأدبية أسعد يوسف داغر ٢١٥. - معجم المطبوعات ٦١٣ - ٦١٤. - معجم المؤلفين ١٢/ ٣٥ - ٣٦. - إيضاح المكنون ١/ ١٠٤ (يسمّيه خطأ محمد بيرم الثالث، والدليل أنه نسب له صفوة الاعتبار) ٢/ ٦٨، وذكره على وجه الصواب في هدية العارفين ٢/ ٣٨٨، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لإدوارد كرنيليوس فانديك ص ٤١٤، المحافظة والتجديد في النثر العربي المعاصر في مائة عام لأنور الجندي ص ٧٧ و ٧٩، خير الدين وزير مصلح (بالفرنسية) للمنجي صميدة ٢٧٣، ٢٧٥، ٣٤١، ٣٤٣، ٣٦٧، مشاهير الشرق لجرجي زيدان ٢/ ٢٨٩، ٢٩٠، الآداب العربية للأب لويس شيخو ٢/ ١٨٩، فهرس الأزهر ٢/ ١١٩ - ١/ ٢٤٩، منتخبات المؤيد ١/ ٤٩٨، صفوة الاعتبار ١/ ١٩٤، ثم ملحق الجزء الخامس منه، أصول الحماية لجان قانياج (بالفرنسية) ص ٥٥٩ تعليق ٨٩ ص ٥٧٠ تعليق ١٣٢. * * * ٦٣ - بيرم (كان حيا سنة ١٣٢١ هـ) (١٩٠٢ م) مصطفى بن محمد بيرم الخامس. اعتنى والده بتربيته وبعد تجاوزه مرحلة التعليم الابتدائي دخل المدرسة الصادقية وهو من أوائل خريجيها. ولما استقر والده بمصر التحق به، وبعد مدة سمّي قاضيا بالمحكمة المختلطة بالقاهرة وعينته الحكومة المصرية لتمثيلها في مؤتمر المستشرقين المنعقد في أوائل سبتمبر سنة ١٩٠٢ بمدينة همبرغ بالمانيا. له: تاريخ الأزهر، رسالة قدمها للمؤتمر المذكور: ط. بمطبعة التمدن بالقاهرة سنة ٧٦، ١٣٢١ ص ٦ فهرس. المراجع: - معجم المطبوعات ٦١٤. - معجم المؤلفين ١٢/ ٢٤٤ - ٢٥٤. * * *

стр. 145

حرف التاء ٦٤ - تاج (نحو ١٢٧٠ - ١٣٣٨ هـ) (١٨٥٤ - ١٩٢٠ م) حمودة بن محمد تاج، الأديب الشاعر الحقوقي. ولد بتونس وقرأ القرآن في كتاب كوشة طاباق مع شقيقه عبد العزيز، وشيخ الإسلام الحنفي محمد بن يوسف، ثم طلب العلم بجامع الزيتونة فأخذ عن الاعلام المشاهير في ذلك العصر كالشيخ حسين بن أحمد القمار، وسالم بو حاجب، والشاذلي ابن القاضي، وعمار بن سعيدان، وعمر ابن الشيخ، ومحمد النجار. ثم باشر التدريس بجامع الزيتونة، وأخذ عنه جماعة كالشيخ محمد مخلوف المنستيري مؤلف «شجرة النور الزكية». ثم صار حاكما بالمحاكم العدلية التونسية، ومات وهو رئيس القسم الجنائي. وهو من أعيان الطريقة التيجانية كما وصف بذلك في طالعة تقريظه لكتاب «ميزاب الرحمة الربانية في التربية بالطريقة التيجانية» تأليف عبيدة محمد الصغير انيوجا الشنقيطي (الموريتاني). له كنّاش (١). المراجع: - شجرة النور الزكية ٤٢٤ - ٤٢٥. * * * ٦٥ - التادلي (من رجال القرن الثامن هـ) (١٤ م) محمد التادلي المغربي نزيل تونس، صوفي. مات بتونس ودفن بمقبرة القرجاني بإزاء قبر عائشة المنوبية.

стр. 146

مؤلفاته: ١ - تحفة العاشقين، في ذكر الأولياء والصالحين، ممن كان بمدينة تونس وتوفي ودفن بها أو بخارجها ذكر في أوله ان الخطيب علي النوري (١) طلبه منه. يوجد ضمن مجموع بالمكتبة الوطنية التونسية. ٢ - مناقب عائشة بنت عمران المنوبي. يوجد ضمن مجموع بالمكتبة الوطنية. المراجع: - برنامج المكتبة الصادقية (العبدلية) ٣/ ٢٣٣، ٢٥٢ - ٢٥٤. * * * ٦٦ - ابن التبّان (٣١٤ - ٣٧١ هـ) (٩٢٨ - ٩٨١ م) عبد الله بن إسحاق بن التبّان، أبو محمد، القيرواني الفقيه، من تلامذة أبي بكر ابن اللبّاد. حكى عن نفسه ما لاقاه من الصعاب في بداية طلبه للعلم قال: «كنت في أول ابتدائي ادرس بالليل، فكانت أمي تنهاني عن القراءة بالليل، فكنت آخذ المصباح واجعله تحت الجفنة وأتعمد النوم، فإذا رقدت أخرجت المصباح وأقبلت على الدرس». وقال: «قال لي أبي ذات يوم: يا بني ما يكون منك؟ لا تعرف صنعة، واشتغلت بالعلم لا شيء عندك؟ ! «فلما كانت ليلة سمعته يقول لوالدتي: عرفت اني عرفت بابني، ذلك أني حضرت إملاكا في مسجد - سماه - فوجدته مملوءا بالناس لم أجد مجلسا فقام لي رجل من مجلسه وأجلسني فيه، فسأله إنسان عني، فقال له: اسكت! هو والد الشيخ أبي محمد. وقال آخر: خرج والد الشيخ أبي محمد التبان يوما من مسجد السبت فزلق في طين، فبادر إليه رجل وأخذ بيده وقال لصاحبه: هدا والد الشيخ أبي محمد الفقيه، فرجع وحرض ابنه على طلب العلم، والتزم القيام بشأنه من يومئذ.

стр. 147

وكان شديد البغض للعبيديين حتى قيل إنه كان زمانه مثل أبي عثمان سعيد الحداد وعند ما شدد صاحب القيروان عبد الله المختال في طلب علماء المالكية ليدخلهم في المذهب الإسماعيلي الباطني (مذهب الدولة العبيدية) اجتمعوا بمسجد ابن اللجّام وهم: المترجم له وابن أبي زيد، وأبو سعيد ابن أخي هشام، والقابسي، وأبو القاسم بن شبلون، فاتفقوا على الفرار فقال لهم المترجم له ابن التبّان: أنا أمضي وأكفيكم مؤونة الاجتماع ويكون كل واحد منكم في داره، وقيل إنهم أرادوا السير إلى أبي عبد الله المختال، فقال لهم: أنا أمضي إليه أبيع روحي من الله دونكم لأنكم ان أوتي عليكم وقع في الإسلام وهن. وما وقع لهؤلاء الفقهاء من الهلع والفزع يدل على اضطهاد العبيديين وصنائعهم للمالكية بشتى أنواع الاضطهاد. ويقال إن ابن التبّان لمّا دخل على عبد الله المختال قال له: جئتك من قوم إيمانهم مثل الجبال أقلهم يقينا أنا. حدّث بعض من حضر قال: كنت مع عبد الله المختال، وقد احتفل مجلسه بأصحابه وفيهم الداعيان: أبو طالب، وأبو عبد الله، وقد وجه إلى ابن التبّان، فإذا به دخل وعيناه تتقدان كأنهما عينا شجاع، فدخل وسلم، فقال أبو طالب: عنّا يا أبا محمد! فقال: في شغلك! كتاب ألّفته في فضائل أهل السنة الساعة، أتاني به المجلد ودفعه إليّ. وناظر الداعيين، وظهر عليهما وأفحمهما. ويتبين من هذا أنه كان فصيحا مفوّها حاضر البديهة قوي الحجة، وكان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر ومذهب مالك. وكان من أحفظ الناس للقرآن والتفنن في علومه، والكلام على أصول التوحيد، وكان من الحفاظ وكان يميل إلى الرقة، وحكايات الصالحين، عالما بالفقه والنحو والحساب والنجوم. وذكره القابسي بعد موته فقال: رحمك الله يا أبا محمد قد كنت تغار على المذهب، وتذب عن الشريعة. وكان كريم الأخلاق، حلو المنظر، بعيدا عن الدنيا والتصنع، من أرق أهل زمانه طباعا وأحلاهم إشارة وألطفهم عبارة. قال لبعض تلامذته: حذ من النحو ودع فما أكثر أحد من النحو إلاّ حمقه، ولا من الشعر إلاّ أرذله، ولا من العلم إلاّ شرفه. وقال يوما: لا شيء أفضل من العلم، فقال أبو إسحاق الجبنياني، العمل به أفضل، فقال صدق: العلم إذا لم يعمل به صاحبه فهو وبال عليه، وإذا عمل به كان حجة له ونورا يوم القيامة. وكان إذا حدث في القيروان أمر فر إلى سوسة والمنستير حتى ينفضّ ذلك الأمر.

стр. 148

سمع منه أبو القاسم المنستيري، ومحمد بن إدريس بن الناطور، وأبو عبد الله ابن الخراط وابن اللبيدي. مؤلفاته: ١ - كتاب في فضائل أهل البيت. ٢ - كتاب في النوازل. المصادر و المراجع: - ترتيب المدارك ٤/ ٥١٧ - ٥٢٤. - الديباج المذهب ١٣. - شجرة النور الزكية ٩٥ - ٩٦. - معالم الإيمان ٣/ ١٠٩ - ١٢٠. - Hady - Roger Idris، La Berberie Orientale sous Ies Zirides، t.٢، pp. ٦٩٩، ٧١٧. * * * ٦٧ - التجاني (في حدود ٦٦٠ هـ) (١٢٦٢ م) إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم التجاني من أفراد بيت التجانيين النابه الذي أنجب كثيرا من العلماء والأدباء في العصر الحفصي. له: مؤازرة الوافد ومبارزة الناقد في الانتصار لابن الأبار. ألفه ردا على من انتقد قصيدة ابن الأبار السينية التي أنشدها بين يدي أبي زكرياء الأول طلبا لنجدة بلنسية ومطلعها: أدرك بخيلك خيل الله اندلسا ... ان السبيل إلى منجاتها درسا وقد نال هذا التأليف إعجاب المعاصرين لما احتوى من تحقيق علمي وبلاغة تعبير. المراجع: - مقدمة رحلة التجاني ٩ - ١٠. - ورقات ... ١٥٠ - ١٥١. * * *

стр. 149

٦٨ - التجاني (١) (٨٠٢ - ٨٦٥ هـ) (١٤٠٠ - ١٤٦٤ م) أحمد بن محمد بن عبد الله بن علي بن أبي الفتح بن أبي البركات محمد بن علي بن أبي القاسم بن حسن بن عبد القوي التجاني، الشهير بأبي العباس وبابن كحيل. ولد بتونس، وتلا بالسبع ويعقوب على جماعة منهم البرزلي وعبد الله بن مسعود القرشي، ومحمد بن محمد الشقوري الباجي الأندلسي الأصل، وعبد الواحد اللقلاق، وأبو مهدي عيسى الغبريني، وأخذ عنه غير ذلك وهو من كبار شيوخه، وأخذ النحو عن الشيخ محمد بن داود الصنهاجي المعروف بابن آجروم وبحث عليه الجمل للزجّاجي، والمقرّب لابن عصفور، وبعض كتاب أبي موسى الجرولي، ثم عن الشيخ أبي الحسن الأندلسي الشهير بسمعت بلفظ الفعل الماضي المتصل بضمير المتكلم - بحث عليه الفية ابن مالك، وأعرب عليه قصيدة البيري. بفتح الباء - المسماة «منابذة العمر الطويل» وأولها: تفتّ فؤادك الأيام فتا ... وتنحت جسمك الأيام نحتا وغير ذلك عليهما وعلى غيرهما وأخذ المنطق والكلام عن جماعة منهم الأبي، وأحمد ابن أبي القاسم العرجوني عرف بالمعلقي وأحمد بن محمد البسيلي، وأحمد بن محمد الشماع، وأصول الفقه عن أبي العباس المدغري والأبي، والشماع، والفقه عن البرزلي والقاضي أبي يوسف يعقوب الزغبي وأبي القاسم العبدوسي الفاسي نزيل تونس، وغيرهم، والمعاني والبيان عن المدغري، وأبي الفضل ابن الإمام، وغيرهم، وأخذ الهندسة عن ابن مرزوق التلمساني وسمع عليه ما كان يقرأ عليه من علوم شتى، وكذا الشيخ أبي القاسم العقباني، أما الوثائق والأحكام وما يتعلق بذلك فأخذه عن العدل الخطيب بجامع الزيتونة محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشهير بابن الحاج، وسمع حديث الرحمة المسلسل بالأولية عن أبي زكرياء يحيى بن منصور، وسمع من محمد بن مسافر المعفري وأبي القاسم الأندلسي، والشريف التلمساني وقرأ عليه «عمدة الأحكام والموطأ» رواية يحيى بن يحيى «والشمائل» رواية عن البرزلي، وروى صحيح البخاري، وسنن أبي داود على الشيخ الشماع وغيره سماع بحث وبعض «علوم الحديث» لابن الصلاح «والتبيان» للنووي على عبد الواحد الغرياني والمدغري، وسمع على الغرياني «الرسالة القشيرية» و «سراج المريدين» و «سراج المؤيدين» كليهما للقاضي أبي بكر ابن العربي، والبخاري بسماع تفقه على الغرياني وغيره. ومن مشايخه في التصوف أبو عبد اللطيف المقدسي، وأبو عبد الله الهنتاني، وعمر الركراكي، ومحمد الجزولي، ومنصور البازي نسبة إلى بازة بالمغرب الأقصى.

стр. 150

والغالب على الظن انه كانت له رحلة إلى تلمسان والمغرب الأقصى إذ إنه روى عن جماعة من أهل البلدين، كابن آجروم، وابن الإمام، والعقباني، والشريف التلمساني، وهؤلاء لا تعرف لهم إقامة أو عقد مجالس تدريس في تونس. وفي سنة ٨٤٦/ ١٤٤٣ عزم على حج بيت الله الحرام مصاحبا للركب التونسي عن أمر السلطان أبي عمرو عثمان الحفصي الذي أكرمه وأرسل إليه ما يعينه على ذلك وسأله أن يكون قاضي الركب فأجابه بعد امتناع وكراهة. وفي القاهرة اجتمع بالحافظ ابن حجر وأنشده ارتجالا بيتين [كامل]: قد فزتم بين الأنام وحزتم ... رهن السّباق بنشر فتح الباري فالله يكلؤكم ويبقي مجدكم ... ويحوطكم من أعين الأغيار كما اجتمع به البرهان البقاعي وأجازه وأملى عليه ترجمته وعرف تعريفا وجيزا ببعض أقاربه التجانيين وب مؤلفاته م، ولقي الشمس السخاوي الذي اجتمع به في الجامع الأزهر وكتب عنه ترجمته وغير ذلك، وقال في نهاية ترجمته: «وكان فاضلا مفوّها طلق العبارة حسن المحاضرة، بهي المنظر حسن المخبر، والغالب عليه التصوف والصلاح». تولى قضاء المحلة (أي العسكر) والتدريس بزاوية باب البحر، وفي أواسط جمادى الأخرى من عام ٨٥٦ صرف عن قضاء المحلة وعن الشهادة وقدم عوضه الشيخ محمد الزنديوي وفي أوائل جمادى الثانية من عام ٨٥٧ صرف الشيخ محمد الزنديوي عن قضاء المحلة وأعيد إليها صاحب الترجمة وإلى الإشهاد بالحاضرة ثم صرف في رجب علم ٨٦٥ عن قضاء المحلة والتدريس بزاوية باب البحر وقدم عوضه محمد الرصاع وقدم هو عدلا ومفتيا بالقلم. وتوفي في آخر ذي الحجة. مؤلفاته: ١ - عون السائر بن إلى الحق، في التصوف، مجلد. ٢ - المقدمات، في الفقه، مجلد لطيف. ٣ - الوثائق العصرية. المصادر والمراجع: - الأعلام ١/ ٢١٩. - تاريخ الدولتين ١٢٩ - ١٣١ - ١٣٦.

стр. 151

- درة الحجال ١/ ٨٨. - شجرة النور الزكية ٢٥٨ - ٢٥٩. - الضوء اللامع ٢/ ١٣٦ - ١٣٧ (محرفا إلى البجائي). عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران مخطوط بالمكتبة الوطنية، وأصله من المكتبة الأحمدية) من الورقة ٤٧ أإلى ٤٨ ب. - مقدمة رحلة التجاني لمحققها ح. ح. عبد الوهاب ٣٠ - ٣١. - معجم المؤلفين ٢/ ١٢٣. - نيل الابتهاج ٨١. - ورقات لحسن ح. عبد الوهاب ٣/ ١٧٤ - ١٧٧ (إعادة لما في مقدمة رحلة التجاني). - إيضاح المكنون ٢/ ٥١١؛ ٢/ ٥٤١، ٧٠١. - توشيخ الديباج ٥٧، ٥٨ (دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٨٣). - الحلل السندسية ١/ ٦٣١ (دار الغرب الإسلامي، بيروت). * * * ٦٩ - التجاني (ولد بين ٦٧٠ - ٦٧٥/ ١٢٧٢ - ١٢٧٦ وكان حيا لسنة ٧١٨/ ١٣٠٨) عبد الله بن محمد بن أحمد التجاني، والده من كتاب العلامة وصاحب القلم الأعلى، كان عالما أديبا شاعرا، اعتنى والده بتربيته ولقنه مبادئ العلوم، وقرأ على قريبيه أبي الحسن علي بن إبراهيم التجاني النحوي اللغوي الأديب الشاعر وعمر التجاني، وعلى بن عبد الكريم العوفي الصفاقسي الأصل وأبي القاسم عبد الوهاب بن فائد الكلاعي، وغيرهم. كان من جملة كتاب الإنشاء على عهد السلطان محمد المعروف بأبي عصيدة في بداية القرن الثامن. وفي عهد الأمير أبي يحيى زكريا ابن اللحياني استصفاه لنفسه وقرب منزلته منه ورسمه في خواص كتابه وصاحبه في رحلته في جهات تونس وليبيا من منتصف سنة ٧٠٨/ ١٣٠٨ وفارق مخدومه من أرض ليبيا لأسباب صحية وسياسية. وبعد هذه الرحلة عاد إلى تونس مباشرا لخطته بديوان الإنشاء وبعد قليل مات السلطان أبو عصيدة خلال سنة ٧٠٩/ ١٣٠٩ فاجتاحت الاضطرابات البلاد بسبب التنازع على السلطة من أمراء البيت الحفصي، ودامت مدة عامين بين الأمراء، أبي زكريا بن أبي زيد الملقب بالشهيد وأبي البقاء خالد وغيرهما، ولم يستقر لهم الملك إلاّ قليلا. وفي أثناء هذه الاضطرابات كان شيخ الموحدين أبو يحيى زكريا ابن اللحياني قد عاد من الحج واستقر بمدينة طرابلس يراقب الأمور من بعيد، ويترصد الفرص إلى أن هجم بجموع من أنصاره على تونس واستولى على الحكم في سنة ٧١١/ ١٣١١ وقلد كاتب سره القديم صاحب

стр. 152

الترجمة رئاسة ديوان الإنشاء وهي خطة العلامة الكبرى. وتخلى أبو زكريا يحيى بن اللحياني عن الملك لفائدة ابنه ووليّ عهده محمد المعروف بأبي ضربة سنة ٧١٧/ ١٣١٧ ومن ذلك التاريخ لا نعلم عن مصير عبد الله التجاني صاحب الترجمة شيئا وله: . ١ - أحكام مغيب الحشفة. ألفه استدراكا على شيخه أبي علي الهذلي، وهو أول تأليف له ألفه في زمن الشباب وقد بين ذلك بقوله: «وكان شيخنا الإمام أبو علي عمر بن محمد بن علوان الهذلي - رحمه الله تعالى - قد ألف في ذلك تأليفا (أي أحكام مغيب الحشفة) تهاداه الناس واستغربوه جمع فيه ما قال غيره واستدرك أحكاما كثيرة استخرجها بكثرة اطلاعه وتبحره في العلم واتساعه يزعم أنه لا يكاد يوجد حكم يشذ عن كتابه» وكنت قد قرأت عليه التأليف المذكور في شهر ذي القعدة سنة اثنتين وسبعمائة، ورأيته قد أهمل أحكاما كثيرة فحملتني سن الحداثة - إذ ذاك - وحب الظهور على أن وضعت فيه جزءا انتهت الأحكام المستدركة فيه إلى خمسين حكما واتسعت في ذكر الخلاف وبسط التعليل فجاء تأليفا تاما أيضا مستقلا، ووقفته عليه فعظمه غاية التعظيم، وتلا قوله : وفوق كل ذي علم عليم. وكانت وفاة شيخنا المذكور في الرابع لشعبان سنة عشر وسبعمائة (١). ٢ - اداء اللازم من شرح مقصورة حازم: وكان وضع هذا الشرح في محرم سنة ٦٩٩ وهو من أقدم مؤلفاته، وهو مفقود الآن. ٣ - تحفة العروس ونزهة النفوس. رتبة على ٢٥ بابا في معاشرة النساء وأخلاقهن وخصالهن وصفة أعضائهن من حسن وقبح وفي العفاف والصون وفي الزينة والتطيب، وفي حقوق المرأة على الرجل وفي الغيرة ما يحمد منها وما يذم، وختمه بباب متسع في الملح والفكاهات وأورد فيه ما دعت إليه الحاجة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية مع تفسيرها ومن الحكايات الطريفة ما يناسب كل مقام. والكتاب خال من سخف الأدب المكشوف والمجون اللذين يتلهى بهما في المجالس، إذ قال في خطبته: «وليس كتابنا هذا في الحقيقة كتاب سمر، وإنما هو كتاب علم ونظر». ط. بالمطبعة الشرقية بالقاهرة سنة ١٣٠١ هـ في ٢٠٤ ص منسوبا خطأ للشيخ أحمد التيجاني صاحب الطريقة. ٤ - تقييد على صحيح البخاري، وضعه بطرابلس سنة ٧٠٧/ ١٣٠٧ بعد أن انتهى من قراءة

стр. 153

صحيح مسلم على الشيخ عبد العزيز بن عبيد السبائي. قال في رحلته: «ثم بعد ذلك في الشهر نفسه ابتدأت قراءة دولة أخرى من المسند الصحيح للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري». ٥ - تقييد على صحيح مسلم كتبه في التاريخ السابق حين قراءته بطرابلس على شيخه المذكور. قال في رحلته: «قد كنت ابتدأت تقييد ما انتجته فينا المناظرة وأفادتنا المحاضرة مما جاء كالإكمال لكتاب الإكمال» يعني إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم للقاضي عياض. ٦ - الدر النظيم - في الأدب والتراجم، ذكره في رحلته ٢٦٢/ ٣٦٣ وقال فيها: «وقد ذكرناه (عبد الرحمن بن عيسى) وأخاه في كتاب «الدر النظيم» بأتم من هذا».وربما يكون في هذا الكتاب قد جمع أخبار أدباء الدولة الحفصية السابقين لعصره. وهو مفقود. ٧ - رحلته دوّن فيها وصف القرى والمدن التي مر بها في رحلته صحبة مخدومه الأمير أبي يحيى زكريا بن اللحياني، والتعريف بالنابغين من أبنائها من فقهاء وأدباء وقواد وصلحاء، قدامى ومعاصرين ووصف للمعالم والمعاهد والعناية بمواطن القبائل العربية وما تفرع عنها من بطون وأفخاذ مع الإلمام بالعقائد والتقاليد الغريبة. ولما كان سير الرحلة بطيئا ومجاله محدودا فقد كان ذلك في مصلحة الوصف إلى حد كبير فتمكن بذلك من الوقوف عند كل ما يمكن ملاحظته في طريق سيره القصير، وقد برهنت رحلته على أهميتها الكبرى وذلك بتزويدها لنا بمعلومات عن جميع المناطق التي زارها وعن الأصقاع المجاورة لها وهي تتناول مسائل الجغرافيا، كما تتناول مسائل التاريخ الطبيعي وبوجه خاص التاريخ البشري. وكما جرت العادة فإنه يستشهد بمختلف المؤلفين، ويقتبس أحيانا من الوثائق، بل انه يورد هذه الوثائق التاريخية أحيانا بنصها الأصلي، وانفرد بإيراد جملة أحداث معاصرة لا توجد إلاّ فيها. أما أسلوبه في العرض فأدبي صرف ولكنه لا يثقله بالانطباعات الشخصية أو بمحاولة التدليل على سعة معارفه ومهارته ككاتب فهو في هذا الصدد أفضل بكثير من غيره من الكتاب الذين عالجوا التأليف في هذا النمط، وبعد قرن من الزمان قدره ابن خلدون تقديرا كبيرا وأفاد من مصنفه مرارا عديدة في تلك الأجزاء من تاريخه التي أفردها لشمال أفريقيا. وقد دلت أبحاث أماري على أن التجاني يقدم معلومات تاريخية وجغرافية ذات قيمة كبرى من ذلك ما كتبه عن جزيرة جربة بل وعن صقلية نفسها. وطبعت الرحلة أول مرة بتونس بالمطبعة الرسمية سنة ١٣٤٥/ ١٩٢٧ بعناية المستشرق وليام مارسي ولأسباب لا نعرفها لم ترج هذه الطبعة بالسوق، ثم طبعت طبعة محققة بالمطبعة

стр. 154

الرسمية سنة ١٣٧٨/ ١٩٥٨ مع مقدمة حافلة للمؤرخ الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في ٤٦ ص في التعريف بالمؤلف وبعض أفراد بيته النابغين. نص الرحلة في ٣٩٥ ص+١٠٣ ص فهارس. ٨ - علامة الكرامة في كرامة العلامة (١) ... والظاهر أنه نوه بذكر وظيفة العلامة الكبرى والصغرى وهو ما كان يوضع من الكتابة بالقلم الغليظ على الظهائر السلطانية والأوامر الرسمية لملوك بني حفص ولغيرهم من ملوك المغرب وفي الحقيقة ان «صاحب العلامة» كان يشغل الرئاسة العليا لدواوين الإنشاء، فالمعاهدات والمراسم والرسائل التي تصدر عن السلطان لملوك العالم كانت تحلّى بالعلامة الكبرى، كما أن المكاتيب العادية والأذون للعمال والقضاة وسائر نواب الحكومة في داخل القطر وكذا تسمية المتوظفين توضع عليها العلامة الصغرى من تحرير غيره من كتاب الديوان. والعلامة نفسها هي عبارة عن جملة مختارة في معنى حمد الله وشكره وتمجيده ويختلف رسمها وعبارتها عند استيلاء كل ملك من ملوكهم. وهذا التأليف يغلب على الظن أنه لتراجم الكتاب الذين تداولوا على هذه الخطة. وهو من مؤلفاته المفقودة. ٩ - نفحات النسرين في مخاطبة ابن شيرين، جمع فيه المخاطبات والمحاورات الدائرة بينه وبين الأديب الأندلسي محمد بن أحمد بن شيرين الجذامي السبتي الأصل المنتقل إلى غرناطة والمتولي قضاءها، وصل إلى تونس عام ٧٠٣/ ١٣٠٣ بنية الحج فلم يقض له ذلك، واجتمع به المترجم له. قال المترجم له عن ابن شبرين: «وهذا الرجل من أعظم من رأيت تحقيقا وأحسنه في النظم والنثر طريقا، وقد كنت اجتمعت به في تونس ووصل إليها في عام ٧٠٣ وكانت نيته التوجه إلى الحج فلم يقض له بذلك».وهذا الكتاب مفقود. ١٠ - الوفا ببيان فوائد الشفا، وهو شرح على الشفا للقاضي عياض في نحو أربعة أجزاء والموجود منه في المكتبة الوطنية بتونس قطعة صاحلة في جزءين وهي بخط تونسي قريبة العهد، وهذا التأليف نقل عنه الشهاب الخفاجي وعلي القاري في شرحيهما على الشفا. المصادر والمراجع: - تاريخ الأدب الجغرافي العربي لكراتشكوفسكي ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم ق.١/ ٣٨٣ - ٣٨٤. - شجرة النور الزكية ٢٠٦. - عنوان الأريب ١/ ٨٢ - ٨٤.

стр. 155

- عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والاقران لإبراهيم البقاعي، عرضا في ترجمة أحمد بن كحيل التجاني. - مجمل تاريخ الأدب التونسي ٢١٢ - ٢١٤. - مستودع العلامة ومستبدع العلامة لأبي الوليد بن الأحمر ص ٣٤. - معجم المطبوعات ٦٥٠ - ٦٥١. - معجم المؤلفين ٦/ ٣٩. - مقدمة رحلة التجاني ص ١٩ - ٤٦. - ورقات ... ٣/ ١٦٢ - ١٧٤، ١٧٧ - ١٩٣. - الأعلام ٤/ ١٢٥ (ط ٥/). - إيضاح المكنون ٢/ ٧١٣. - كشف الظنون ١/ ٣٧٠، ٢/ ٧١٣، - هدية العارفين ٢/ ١٤١ - ١٤٢. - بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين (بالفرنسية) ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩. - دائرة المعارف الإسلامية (ط، ١ الترجمة العربية - كتاب الشعب) ٩/ ٢٢٥ - ٢٢٦. * * * ٧٠ - التجاني (٦٣٥ - ٧١٤ هـ) (١٢٣٨ - ١٣١٤ م) علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم التجاني، أبو الحسن الراوية الأديب الشاعر ذو البديهة السريعة في النظم، قال تلميذه محمد بن جابر الوادي آشي: «وربما سبق الكاتب فيما يقترحه عليه من النظم في أي عروض وروي، شاهدت ذلك منه». ومدح شعره العبدري بسرعة البديهة فقال (١): «وأما أبو الحسن فهو فيه آية الزمن من إجادة معنى وتنقيح لفظ وسرعة بديهة وكثيرا ما يمليه ارتجالا فيجود ويتقن». أخذ عن جده لأمه أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد السلام الجمحي المعروف بابن القاضي ومحمد بن عبد الجبار الرعيني السوسي، ومحمد بن بشارة الكندي، وعبد الله بن برطلة، وحازم القرطاجني، وإبراهيم بن وثيق، وابن الأبار وروى عن ابن الشباط التوزري وقاضي الجماعة المحدث ابن الغماز، وأجازه جماعة من المشارقة بإفادة شيخه أبي إسحاق إبراهيم البلفيقي، وجح ولقي جماعة من الاعلام. وكان مقصودا لإقراء العربية والأدب وغيرهما، تخرج به جماعة منهم: قريبه عبد الله التجاني صاحب الرحلة، ومحمد بن جابر الوادي آشي الذي أخذ عنه «شمائل النبي ﷺ »

стр. 156

للترمذي، وكتاب «شهاب الأخبار» لمحمد بن سلامة القضاعي، والقصيدة الشقراطسية و «اختصار سيرة النبي ﷺ » لابن فارس اللغوي و «الأحاديث التي اجتمع فيها أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض» لعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، و «حديقة الأزهار وحقيقة الافتخار في مدح النبي المختار» لحازم القرطاجني التي جعل صدورها مدحا للحضرة النبوية وإعجازها من معلقة امرئ القيس توفّي بتونس في ١٥ صفر. مؤلفاته: ١ - تسلية القلب الحزين في مراثي قاضي قضاة المسلمين. جمع فيه ما قيل من المرائي في شيخه قاضي الجماعة ابن الغماز مرتبة على حروف المعجم، وهو من بين من نظم بعض المراثي، ذكر الوادي آشي في أواخر ترجمة شيخه ابن الغماز ما نصه: «واتبعه الناس ثناء حسنا ورثوه بضروب من الندب سمي مجموعها: «رائق الوشي وعالي الطراز في مراثي القاضي الأجل أبي العباس بن الغماز».ورتب الشعر فيه على مقدار أهله وسمي في الترتيب الآخر الذي رتب شعره على حروف المعجم في البداة ب «تسلية القلب الحزين في مراثي قاضي المسلمين» والتأليفان لرجلين. وقال ابن عبد الملك المراكشي (١) في أواخر ترجمة ابن الغماز «ورثاه جماعة من الشعراء بقصائد فرائد تولى جمعها في دفتر تلميذه ناظم بعضها أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن محمد التجاني» وقد اختصر ابن فرحون (٢) كلام ابن عبد الملك المراكشي وان لم يصرح بذلك قال في أواخر ترجمة ابن الغماز: «ورثي بقصائد فرائد تولى جمعها تلميذه أبو الحسن التجاني». ومن كل هذه النصوص نستفيد أن عليا التجاني جمع ما قاله هو وغيره من المراثي في شيخه ابن الغماز، ولم يعين الوادي آشي مؤلفي المجموعين إلاّ أنه ذكر أنهما لرجلين ولم يبين ابن عبد الملك المراكشي ولا ابن فرحون اسم التأليف المجموع. وإذا كان من المتفق عليه أن عليا التجاني هو ناظم بعض المراثي وأحد جامعيها في تأليف فإنه لا يحسن منه ترتيب الشعر حسب قيمته الذاتية أو قيمة قائله لأنه أين يضع نفسه؟ فإن وضعها بين المجلين زكاها ومدحها وهو ما يتحاماه العقلاء وحجب الحق، لذلك نرجح أن التأليف الذي رتب فيه الشعر على حروف المعجم والمسمى ب «تسلية القلب الحزين في مراثي قاضي قضاة المسلمين» هو لعلي التجاني.

стр. 157

٢ - علامة الكرامة في كرامة العلامة، وقد مر أنه لعبد الله التجاني صاحب الرحلة، ونسبة البقاعي في «عنوانه» لصاحب الترجمة في ترجمة أحمد بن كحيل التجاني، ومن المعلوم أن البقاعي أخذ ترجمة بعض التجانيين عن ابن كحيل ولعله وهم وخانته الذاكرة عند التدوين أو أن ابن كحيل كان واهما مثله. المصادر والمراجع: - برنامج الوادي آشي، تحقيق محمد محمد محفوظ (ط. بيروت (١٤٠٠/ ١٩٨٠) ٥٩ - ٦٠. - بغية الوعاة ٢/ ١٤١. - رحلة التجاني ٢٥٨ - ٢٧٠. - رحلة العبدري ٢٥٧ - ٢٦٣. - عنوان الأريب ١/ ٨٦. - مقدمة رحلة التجاني ١١ - ١٣. - ورقات ... ٣/ ١٥٢ - ١٥٤. * * * ٧١ - التجاني ( ... ٧١٨ هـ) (١٣١٨ م) محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم التجاني، أبو الفضل، الأديب الشاعر الكاتب بديوان الإنشاء. خدم الدولة الحفصية في أيام السلطان أبي عصيدة ثم السلطان أبي يحيى زكريا بن اللحياني، ثم ابنه السلطان محمد الملقب بأبي ضربة المستبد بأمر إفريقية بعد أبيه فكان المترجم له كاتب سره ومدبر أمره، وقد صحب مخدومه هذا لما زحف السلطان أبو بكر الحفصي صاحب المملكة الغربية، على تونس، فأوقع بأبي ضربة وجموعه في فحص مصوج من تراب أولاد عون الآن قرب سليانة، ومن بينهم صاحب الترجمة سنة ٧١٨/ ١٣١٨. قال ابن رشيد في حقه: «ما رأيت في نجباء ابناء الإفريقيين أجمع منه لفضيلة، ولا أبرع في كل خصلة نبيلة وخلة جليلة، مع عفاف وكفاف، يتصرف كيف يشاء في الروية والارتجال مديد الباع فسيح المجال». وهو إلى فرط أدبه وبارع نثره ونظمه معتن بالرواية مستجيزا للشيوخ، فوصلته من أهل سبتة إجازات كثيرة بعث له بها صديقه ابن رشيد. أورد له ابن عمه عبد الله التجاني رسائل وقصائد في «رحلته». ٦ * تراجم المؤلفين ١

стр. 158

مؤلفاته: ١ - الأمم الخالية ونشر الرمم في البالية. ٢ - الحلل المضمخة في حلى المشيخة. ٣ - الحلى التيجانية في الحلل التجانية، قال ابن رشيد: «وجمعه باسمنا حفظه الله تعالى وشكره».وقال في موضع آخر: «إنه باسمه واسم صاحبه الوزير ابن الحكيم رحمه الله تعالى» ذكر فيه أخبار السابقين من أفراد بيتهم وما لهم من الآثار العلمية والأدبية. ٤ - الدر المنظوم. ٥ - شرف الطرف في طرف الشرف. ٦ - الناسم، جمع فيه تراجم ومختارات لشعراء عصره. وهذه المؤلفات مفقودة. المصادر والمراجع: - رحلة التجاني ٨٨ - ٨٩، ٢٢١/ ٢٢٤، ٢٨٨، ٢٩٢. - عنوان الأريب ١/ ٨٧ - ٩١. - مجمل تاريخ الأدب التونسي ٢١٠ - ٢١٢. - مقدمة رحلة التجاني ١٥ - ١٧. - نفح الطيب (طبعة م. م. عبد الحميد) ٥/ ٢٥٧ [٤/ ١٢١]. - ورقات ... ٣/ ١٥٧ - ١٥٩. - محمد الحبيب بن الخوجة: الحياة الثقافية بافريقية صدر الدولة الحفصية، في النشرة العلمية للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، السنة ٤، العدد ٤، ١٩٧٦ - ١٩٧٧ ص ٧٢ - ٧٣. * * * ٧٢ - التجيبي (كان حيا سنة ٤٤٩ هـ) (١٠٦٨ م) إسماعيل بن أحمد بن زيادة الله التجيبي البرقي القيرواني نزيل المهدية، أبو الطاهر، الأديب الشاعر اللغوي. أخذ عن أبي إسحاق إبراهيم الحصري تآليفه وسمع من أبي القاسم سعيد بن أبي مخلد الأزدي العثماني، وأبي القاسم عمار بن محمد الإسكندراني، والشاعر المصري أبي الحسن علي بن حبيش الشيباني، وروى عن يعقوب بن خرازاد النجيرمي أدب الكاتب لابن قتيبة، وروى ديوان المتنبي عن أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن حاتم الأذري (١) تلميذ القاضي أبي

стр. 159

بكر الباقلاني نزيل القيروان. وكان له صلة تعارف بالشاعر الناقد عبد الكريم النهشلي (١) صاحب كتاب «الممتع» وذكر أنه سأل الفقيه أبا الحسن علي بن عبد الكريم الغالبي مقابلة بعض الكتب (٢). كان عالما بالآداب مستبحرا شاعرا مجودا من أهل التصنيف والتأليف مع جودة الضبط وبراعة الخط. دخل الأندلس وكان بمالقة سنة ٤٠٦/ ١٠١٦ وذكر مرضه فيها وكثرة مجالس الطرب فيها ليلا وما استحسنه منها (٣). ورحل إلى مصر واختلط بأدبائها وكان بها في سنة ٤١٥/ ١٠٢٥ وبعد رجوعه من مصر رحل إلى صقلية وقضى بها مدة غير يسيرة من كهولته وتعرف فيها بشاعر صقلية أبي الحسن علي بن محمد الخياط الربعي، وذكر له كثيرا من غرر شعره، وقد أكثر من الحنين إليه وإلى مجالس أنسه. وذكر ممّن أنشده شعرا من أدباء القيروان: إبراهيم بن يونس الأنصاري وأبا محمد الأزدي، وأبا بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي ثم الغوثي الذي رافقه بالإسكندرية والمهدية، وأبي الحسن الطوبي الكاتب، ومن شعراء مصر أبا الحسن البصري الشريف العباسي. وممن روى عنه الحسين بن زياد الرفّاء روى عنه كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة بسنده وأبو مروان الطبني لقيه بالإسكندرية في رحلته لأداء فريضة الحج وكان وقوفه في موسم سنة ٤٣٨/ ١٠٤٨. قال ابن الأبار: «ووقفت من خط أبي طاهر هذا على ما أرخه في جمادى الآخرة لسنة إحدى وأربعين وأربعمائة». مؤلفاته له: الرائق بأزهار الحدائق من المختار من شعر بشار اختيار الخالديين وقد طبع هذا الكتاب بعنوان: «المختار من شعر بشار اختيار الخالديين وشرحه لأبي الطاهر إسماعيل بن أحمد بن زيادة الله التجيبي البرقي المتوفى في القرن الخامس من الهجرة».بعناية وتحقيق السيد محمد بدر الدين العلوي أحد معلمي اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بعليكرة بالهند، مع التعريف ببشار والخالديين والشارح ومعاصريه بقلم العلامة عبد العزيز الميمني، وط. بمط. لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة بلا تاريخ، لكن يستفاد من مقدمة المحقق والميمني المؤرختين في ١٣٥٣/ ١٩٣٤ انه ربما طبع قريبا من هذا التاريخ.

стр. 160

ويلاحظ أن الكتاب ليس اسمه كما ظن المحقق، قال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (١) «غير أن ناشر الكتاب يظنه كتاب المختار للخالديين ويظن أن التجيبي شرح ذلك الكتاب، وليس الأمر كما ظن بل الكتاب الذي نشره هو مختار المختار وهو ما أختاره إسماعيل التجيبي من مختار الخالديين وشرحه وضم إليه ما عثر عليه من شعره حسبما أفصح عن ذلك كلامه في أواخر الشرح صفحة ٣٤١ وكلامه في ص ٢٠١». ومما يدعم رأي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ما ورد في ص ٨ من هذا الكتاب «قال إسماعيل بن أحمد، ورأيت بعد نظري في اختيار الخالديين وما اخترته منه ... » كما أن الشيخ ابن عاشور (٢) يرى أن مختار المختار هذا هو كتاب «الرائق بأزهار الحدائق» ومما يؤيد هذا أن ابن الأبار والسيوطي لم يذكرا له غير هذا الكتاب، ولمح ابن الأبار إلى تاريخ وجوده بمالقة نقلا عن كتاب «الرائق بأزهار الحدائق». ومنهجه في هذا الكتاب أنه يذكر أبياتا لبشار ثم يذكر أبياتا لشعراء آخرين قدامى ومحدثين يتفقون مع بشار في غرض الأبيات، وأحيانا يذكر عمن أخذ بشار معنى أبياته من المتقدمين عليه، ويعقد مقارنات بين هذه الأشعار، ويبدي أحيانا بعض الملاحظات النقدية، ويطيل في شرح الألفاظ اللغوية، ويستطرد أحيانا إلى ذكر حكايات أدبية ويشعر بما في هذا الاستطراد من خروج معللا له بأن الحديث ذو شجون، وذكر فيه أشعارا لمعارفه من المصريين والقيرانيين، ومجموعة من شعره هو. المصادر والمراجع: - الأعلام ١/ ٣٠٤ (توفي نحو ٤٤٥/ ١١٠٣). - بغية الوعاة ١/ ٤٤٣. - تكملة ابن الأبار (ط. مصر) ١٩٠ - ١٨٩/ ١ (أوسع ترجمة له). - مجمل تاريخ الأدب التونسي ١٣٧ - ١٤٠. - معجم المؤلفين ٢٥٩/ ٤٢ (نقلا عن الأعلام). - مقدمة عبد العزيز الميمني للمختار من شعر بشار. - بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٢/ ٧٨٧. * * *

стр. 161

٧٣ - التجيبي (١٢٧ هـ) (١) (٧٤٠ م) خالد بن أبي عمران التجيبي، مولاهم، التونسي، المحدّث الصدوق والفقيه العابد. ولد بتونس وروى عن أبيه وحنش به عبد الله الصنعاني نزيل أفريقية، ورحل إلى المشرق للسماع والرواية فروى عامة عن بعض متأخري الصحابة كعروة بن الزبير وطبقته، وسمع من القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وسليمان بن يسار، وروى عنه عبيد الله بن زحر الإفريقي، والليث بن سعد، وحيوة بن شريح، وعبد الله بن لهيعة، ويحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري شيخ الإمام مالك الذي بعثه عمر بن عبد العزيز على صدقات أهل تونس، فحضر مجالسه المترجم له وروى عنه كما روى عنه من أهل أفريقية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وعبد الملك بن أبي كريمة، وعبد الله بن غانم، وعلي بن زياد. تولى قضاء مدينة تونس وكان ذا وجاهة عند أهل بلده فقد وجهه أهل أفريقية إلى يزيد ابن عبد الملك بن مروان ليخبره بقتل يزيد بن أبي مسلم عامله على إفريقية فأكرم وفادته واستشاره فيمن يوليه فأشار عليه فقبل قوله وولى الذي أشار به. ووجهوه مرة ثانية لاستفتاء علماء المدينة المنورة في مسائل استعصى عليهم أجوبتها، فعرض هذه الاسئلة على القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، فأبيا أن يجيباه فقال لهما: «إنّا بموضع جفاء في هذا المغرب، وإنهم حملوني هذه المسائل وقالوا لي: إنك تقدم المدينة وبها أبناء أصحاب النبي ﵇ فسلهم، وانكما ان لم تفعلا كانت حجة لهم فما شئتما؟ » فقال القاسم: سل، فسألهما فأجاباه واتجه بعد ذلك الى سليمان بن يسار فجمع عنه المسائل، فاجتمعت له من هؤلاء الثلاثة حصيلة وافرة من قضايا الفقه وأحكامه دونها في كتاب ذكره أبو العرب التميمي بقوله: «وهذا الكتاب رواه عنه عبد الملك ابن أبي كريمة». شهد مغازي كثيرة وأبلى فيها بلاء حسنا وقتل في مبارزة مقدم الصفرية. المصادر والمراجع: - تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ٢٥٩. - تقريب التهذيب ١/ ٢١٧. - تهذيب التهذيب ٣/ ١١٠. - الجمع بين رجال الصحيحين ١/ ١٢٣.

стр. 162

- خلاصة تذهيب الكمال ٨٧. - رياض النفوس ١ - ١٠٣/ ١٠٦ [١/ ١٦٢ - ١٦٦ من طبعة البكوش بدار الغرب الإسلاميّ]. - الشذرات ١/ ١٧٦. - طبقات خليفة بن خياط ٢٩٥. - طبقات علماء افريقية وتونس لأبي العرب ٢١٢ - ٢١٤. - الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٥٢١. - حسن المحاضرة ١/ ٢٩٩. - العبر ١/ ١٦٩. - الكاشف ١/ ١٧. - الدكتور محمد الحبيب الهيلة، أسس البناء الثقافي بجامع الزيتونة في القرون الإسلامية الأولى (في جريدة الصباح ٢٩ محرم ١٤٠٠ ديسمبر ١٩٧٩ السنة ١٢٩). - توشيخ الديباج ص ١١٨ - ١١٩. - الحلل السندسية ١/ ٦٤٨ - ٦٥٠. * * * ٧٤ - التجيبي (٤٢٢ هـ) (١٠٣١ م) عتيق بن خلف التجيبي، أبو بكر، الفقيه الواعظ، المؤرخ، من تلامذه ابن التبّان وابن أبي زيد القيرواني، وأبي سعيدا بن أخي هشام، وأبي العباس بن تميم، والقابسي، وميسرة بن مسلم بن ربيعة الحضرمي، ورحل إلى المشرق وأخذ عن جماعة من العلماء، وروى عنه ابنه عبد الملك. توفي في ٢٢ جمادي الثانية بالقيروان في عهد المعز بن باديس، ودفن بباب سلم قرب شقران الهمداني. مؤلفاته: ١ - كتاب الافتخار في مناقب فقهاء القيروان. ينقل عنه ابن الأبار في تكملة الصلة تراجم الأندلسيين نزلاء القيروان. ٢ - كتاب الطبقات. وهما مفقودان. المصادر والمراجع: - الاعلام ٤/ ٣٦٢.

стр. 163

- شجرة النور الزكية ١٠٦. - معالم الإيمان ٣/ ١٩٨. - معجم المؤلفين ٦/ ٢٤٨. - هدية العارفين ١/ ٦٥١. - بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) لهادي روجي إدريس ٢/ ٧٢٥. * * * ٧٥ - الترجمان (نحو ٧٥٨ - ٨٣٢ هـ) (١٣٥٧ - ١٤٣٠ م) عبد الله الترجمان واسمه الأصلي أنسلم ترمودا (Anselmo di Turmeda) قسيس إسباني من مدينة ميورقة بالجزر الشرقية المعروفة بالباليار هاجر إلى تونس وأسلم في عهد السلطان أبي العباس أحمد ابن المستنصر الحفصي، وقيل إنه تظاهر بالإسلام وبقي على عقيدته. ذكر في كتابه «تحفة الأريب» لمحة عن نشأته وهجرته إلى تونس فقال في (الفصل الأول منه) «اعلموا - رحمكم الله - أن أصلي من مدينة ميورقة - أعادها الله تعالى للإسلام - وهي مدينة كبيرة على البحر بين جبلين، يشقها واد صغيره وهي مدينة متجر ولها مرسيان اثنان ترسي بها السفن الكبيرة في المتاجر الجليلة، والمدينة تسمى باسم جزيرة ميورقة، وأكثر غلاتها زيتون وتين ويحمل منها في خصابة زيتونها أزيد من عشرين ألف بتيان لبلاد مصر والإسكندرية، وبجزيرة ميورقة المذكورة أزيد من مائة وعشرين حصنا مسورة عامرة. وكان والدي محسوبا من أهل الحاضرة في ميورقة، ولم يكن له ولد غيري، ولما بلغت ست سنين من عمري سلمني إلى معلم من القسيسين، فقرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثر من شطره في مدة سنتين، أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في مدة سنتين، ثم ارتحلت من بلدتي إلى مدينة لاردة من أرض القطلان، وهي مدينة علم عند النصارى في ذلك القطر، ولها واد كبير يشقها، ورأيت التين مخلوطا برمله إلاّ أنه صح عند جميع أهل ذلك القطر أن النفقة في تحصيله لا تفي نفقته فلذلك ترك. وبهذه المدينة فواكه كثيرة رأيت الفلاحين يقسمون الخوخة أربعة أفلاق ويمقرونها في الشمس، وكذلك يمقرون القرع والجزر فإذا أرادوا أكلها في الشتاء نقعوها في الليل بالماء وطبخوها كأنها طرية في أوانها. وبهذه المدينة يجتمع طلبة العلم من النصارى وينتهون إلى ألف طالب أو ألف وخمسمائة ولا يحكم فيها إلاّ القسيس الذي يقرءون عليه، وأكثر نباتها الزعفران، فقرأت فيها الطبيات والنجامة مدة سنتين ثم تصدرت فيها لإقراء الإنجيل بلغته ملازما ذلك مدة أربع سنين، ثم

стр. 164

ارتحلت إلى مدينة تيونية من الأيزدية، وهي مدينة كبيرة جدا بنيانها بالآجر الأحمر الجيد لعدم معادن الحجر عندهم، ولكن لكل معلم من أهل صناعة الآجر طابع يخصه، وعليهم أمين مقدم يحتسب عليهم في طيب طين الأجر وطبخه فإذا تفلح أو تفرك منه شيء غرم الذي صنعه قيمته وعوقب بالضرب. وهذه مدينة علم عند جميع ذلك القطر، ويجتمع بها كل عام من الآفاق أزيد من ألفي رجل يطلبون العلم، ولا يلبسون إلاّ الملف الذي هو صباغ الله، ولو يكون منهم طالب علم سلطانا أو ابن سلطان فلا يلبس الا ذلك ليمتاز الطلبة سن الغير، ولا يحكم فيها إلاّ القسيس الذي يقرءون عليه فسكنت بها كنيسة لقسيس كبير السن وعندهم كبير القدر اسمه «نقلا مرتيل» وكانت منزلته بينهم بالعلم والدين والزهد رفيعة جدا انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية، فكانت الأسئلة مخصوصا في دينهم ترد عليه من الآفاق وصحبة الأسئلة من الهدايا الضخمة ما هو الغاية في بابه، ويرغبون في التبرك به وفي قبوله لهداياهم فيتشرفون بذلك، فقرأت على هذا القسيس علم أصول الدين النصرانية وأحكامه، ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني أخص خواصه وانتهيت في خدمته وتقريبي إليه إلى أن دفع مفاتيح مسكنه وخزائن مأكله إليّ، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه فكان يخلو فيه بنفسه، الظاهر انه بيت خزانة أمواله التي تهدى إليه، والله أعلم بحقيقته. فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه والخدمة له عشر سنين، ثمّ أصابه مرض يوما من الدهر فتخلّف عن القراءة وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون فس مسائل من العلوم إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قوله تعالى إلى نبيه عيسى ﵇ أنه يأتي من بعدي نبي اسمه (البارقليط) فعظم ذلك بينهم في مقالهم وكثر جدالهم. ثم انصرفوا عن غير تحصيل فائدة من تلك المسألة، فأتيت مسكن الشيخ صاحب الدرس المذكور فقال لي: ما الذي عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم؟ فأخبرته اختلاف القوم في اسم (البارقليط) وان فلانا أجاب بكذا، وأجاب فلان بكذا، وسردت له أجوبتهم فقال لي: وبماذا أجبت أنت؟ فقلت بجواب القاضي فلان في تفسيره للإنجيل. فقال لي: ما قصرت وقربت، وفلان أخطأ، وكاد فلان يقارب الصواب، ولكن الحق خلاف هذا كله لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلاّ العلماء الراسخون في العلم، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلاّ القليل، فبادرت إلى قدميه أقبلها وقلت: يا سيدي، قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيدة، ولي في خدمتك عشر سنين حصلت عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها فلعل من جميل إحسانكم أن تتفضل عليّ بمعرفة هذا الاسم الشريف، فبكى الشيخ وقال: يا ولدي والله إنك لتعز عليّ كثيرا من أجل خدمتك لي وانقطاعك إليّ، وإن في معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة، لكن أخاف عليك أن تظهره فتقتلك النصارى في الحين. فقلت: يا سيدي والله العظيم وبحق الإنجيل ومن جاء به لا أتكلم بشيء مما تسره إليّ إلاّ

стр. 165

عن أمرك فقال: يا ولدي إني سألتك في أول قدومك عن بلدك وهل هو قريب من المسلمين وهل يغزونكم أو تغزونهم؟ لأستخبر به ما عندك من المنافرة للإسلام، فاعلم يا ولدي أن (البار قليط) هو اسم من أسماء نبيهم محمد ﷺ أنزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال ﵇ واخبر انه سينزل هذا الكتاب عليه وإن دينه دين الحق، وملته هي الملة البيضاء والمذكورة في الإنجيل. فقلت: يا سيدي وما تقول في دين النصارى؟ فقال: يا ولدي لو أن النصارى قاموا على دين عيسى ﵇ لكانوا على دين الله - لأن عيسى وجميع النبيين دينهم دين الله تعالى. فقلت: وكيف الخلاص؟ فقال: بالدخول في دين الإسلام. فقلت: وهل ينجو الداخل فيه؟ قال لي: نعم ينجو في الدنيا والآخرة. فقلت له: يا سيدي ان العاقل يختار لنفسه أفضل ما يعلم، فإذا علمت فضل دين الإسلام فما منعك من الدخول فيه؟ فقال لي: يا ولدي إن الله لم يطلعني على فضل دين الإسلام وشرف نبي الإسلام إلى بعد كبر سني وضعف جسمي، ولا عذر لنا فيه بل حجة الله علينا قائمة، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق، وحب الدنيا رأس كل خطيئة فأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعز والترقي وكثرة عرض الدنيا، ولو أني ظهر عليّ شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت منهم وخلصت إلى المسلمين فأقول: إني جئتكم مسلما فيقولون لي: قد نفعت نفسك بالدخول في دين الحق فلا تمنن علينا في دين خلصت به نفسك من عذاب الله، فأبقى بينهم شيخا فقيرا ابن تسعين سنة لا أفقه لسانهم ولا يعرفون حقي، فأموت بينهم بالجوع، وأنا والحمد لله على دين محمد ﷺ وعلى ما جاء به وإن كنت على دين عيسى ظاهرا يعلم الله ذلك مني. فقلت له: يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين أو أدخل في دينهم؟ فقال لي: إن كنت عاقلا طالبا للنجاة فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة، ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا الآن فاكتمه بغاية جهدك، وإن ظهر عليك شيء منه يقتلك العامة لحينك ولا أقدر على نفعك، ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني فأني وقولي مصدق عليك وقولك غير مصدق عليّ، وأنا بريء من دمك ان فهت بشيء من هذا.

стр. 166

فقلت له: يا سيدي أعوذ بالله من سريان الوهم إلى هذا الحد، وعاهدته بما أرضاه. ثم أخذت في أسباب الرحلة وودعته فدعا لي بخير وزودني بخمسين دينارا ذهبيا، وركبت البحر منصرفا إلى بلدي مدينة ميورقة فأقمت بها ستة اشهر، ثم سافرت منها إلى جزيرة صقلية وأقمت بها خمسة أشهر وأنا أنتظر مركبا يتوجه لأرض المسلمين فحضر مركب يسافر إلى مدينة تونس، فسافرت فيه من صقلية، وأقلعنا. عنها قرب مغيب الشقق، فوردنا مرسى تونس قرب الزوال بحكم الله تعالى، فلما أنزلنا بديوان تونس وسمع بي الذين بها من النصارى أتوا بمركوب حملوني معهم إلى ديارهم وصحبتهم بعض التجار الساكنين أيضا بتونس فأقمت عندهم في ضيافتهم على أرغد عيش أربعة أشهر، وبعد ذلك سألتهم هل بدار السلطنة أحد يحفظ لسان النصارى، وكان السلطان إذ ذاك مولانا أبو العباس أحمد ﵀ فذكروا لي أن بدار السلطان المذكور رجلا فاضلا من كبار خواصه اسمه يوسف الطبيب وكان طبيبه ومن خواصه ففرحت بذلك فرحا شديدا وسألت عن مسكن هذا الرجل الطبيب فدللت عليه واجتمعت به وذكرت له شرح حالي وسبب قدومي للدخول في دين الإسلام وأني أرغب أن يكون ذلك على يديه فسر الرجل بذلك سرورا عظيما ثم ركب فرسه وأحتملني معه إلى دار السلطان، ودخل عليه فأخبره بحديثي. وأستأذنه عليّ فتمثلت بين يديه، فأول ما سألني السلطان عن عمري فقلت له خمسة وثلاثون سنة ثم سألني كذلك عما قرأت من العلوم فأخبرته، فقال لي: قدمت خير مقدم فأسلم على بركة الله تعالى فقلت للترجمان - هو الطبيب المرقوم -: إنه لا يخرج أحد من دين إلاّ ويكثر أهله القول فيه والطعن عليه فأرغب من إحسانكم إلى الذين بحضرتكم من تجار النصارى وأجنادهم وأختارهم وتسألوهم عني وتسمع ما يقولونه في حقي، وحينئذ أسلم. فقال لي بواسطة الترجمان أنت طلبت كما طلب عبد الله بن سلام من النبي ﷺ حين أسلم. ثم أرسل إلى أجناد النصارى وبعض تجارهم وأدخلني في بيت قريب من مجلسه فلما دخل النصارى عليه قال لهم: ما تقولون في هذا القسيس الجديد الذي قدم في هذا المركب قالوا: يا مولانا هو عالم كبير في ديننا، وقال شيوخنا أنهم ما رأوا أعلى منه درجة في العلم والدين في ديننا. فقال لهم: وما تقولون فيه إذا أسلم؟ فقالوا: نعوذ بالله من ذلك وهو ما يفعل هذا أبدا. فلما سمع ما عند النصارى بعث إليّ فحضرت بين يديه وتشهدت بشهادة الحق بمحضر النصارى فصلبوا على وجوههم وقالوا: ما محمله على هذا إلاّ حب التزويج فإن القسيس عندنا لا يتزوج فخرجوا مكروبين محزونين، فرتب لي السلطان ﵀ كل يوم ربع دينار، وأسكنني في دار المختص وزوجني بنت الحاج محمد الصفار، فلما عزمت على البناء بها أعطاني مائة دينار ذهبا وكسوة جديدة كاملة فابتنيت بها وولد لي منها ولد سميته محمدا

стр. 167

على وجه التبرك باسم نبينا محمد ﷺ . الفصل الثاني - فيما اتفق لي أيام مولانا أبي العباس أحمد وولده مولانا أبي فارس عبد العزيز. وبعد خمسة أشهر من إسلامي قدمني السلطان لقيادة البحر بالديوان (١) فكان مراده بذلك أن أحفظ اللسان العربي فيه بكثرة ما يتكرر علي من ترجمة التراجمة بين النصارى والمسلمين فحفظت اللسان العربي في مدة عام، وحضرت لعمارة (٢) الجنويز وللفرانسيس لمدينة المهدية وكنت أترجم للسلطان ما يرد من كتبهم، وانتقلت مع السلطان لحصار قابس وكنت على خزائنه، ثم إلى حصار قفصة، وفيه ابتدأ مرضه الذي مات فيه ثالث شهر شعبان عام ستة وتسعين وستمائة (٣) ثم تولى الخلافة بعده مولانا أمير المؤمنين وناصر الدين أبو فارس عبد العزيز، فجدد لي جميع أوامر والده بمرتباتي ومنافعي كلها، ثم زادني ولاية دار المختص، فاتفق لي في أيامه بالديوان أن مركبا قدم موسوقا بسلاح المسلمين فلما أرسى دخل عليه مركبان من صقلية فأخذاه لحينه بعد أن هرب المسلمين منه برقابهم واستولى النصارى على أموالهم فأمر مولانا السلطان أبو فارس صاحب ولاية الديوان وشهوده أن يخرجوا إلى حلق الوادي ويتحدثوا مع النصارى في فداء أموال المسلمين فخرجوا وطلبوا الأمان لترجمان كان معهم فأمنوه فصعد إليهم لمراكبهم وتحدث معهم في الوزن، فقالوا في ذلك ولم يحصل منهم شيء، وكان قد ورد في هذا المركب قسيس كبير القدر في صقلية، وكان بيني وبينه صداقة كبيرة كأنها اخوة، إذ كنت أطلب العلم معه، وقد سمع بإسلامي فقدم في هذا المركب يستدعيني الرجوع إلى دين النصرانية، ويأخذني بالصداقة التي كانت بيننا فلما اجتمع بالترجمان الذي صعد إليهم للمركب قال له: ما اسمك؟ قال: علي. فقال له: يا علي خذ هذا الكتاب وبلغه للقائد عبد الله قائد البحر عندكم بالديوان، وهذا دينار فإذا رددت لي جوابه أعطيك دينارا آخر، فقبض منه الكتاب والدينار وجاء لحلق الوادي، فأخبر صاحب الديوان بكل ما قالوا له ثم أخبره بما قاله القسيس، وبالكتاب الذي أعطاه وبالدينار الذي استأجره به فأخذ صاحب الديوان الكتاب وترجمه له بعض التجار الجنونيّين، فبعت الأصل والنسخة لمولانا أبي فارس، فقرأه ثم بعث إليّ فحضرت بين يديه فقال لي: يا عبد الله هذا كتاب رجل من البحر فاقرأه وأخبرنا بما فيه فقرأته وضحكت، فقال لي: ما أضحكك؟

стр. 168

فقلت له: نصرك الله هذا كتاب مبعوث إليّ من قسيس كان من أصدقائي في الأول، وأنا أترجمه لكم الآن إن شاء الله تعالى فجلست في ناحية فترجمته بالعربية، ثم ناولته الترجمة فقرأها، ثم قال لأخيه المولى إسماعيل: والله العظيم ما ترك شيئا. فقلت له: يا مولاي وبأي شيء عرفت ذلك؟ قال: نسخة أخرى ترجمها الجنوينيّون. ثم قال: يا عبد الله وماذا عندك أنت في جواب هذا القسيس؟ فقلت له: يا مولاي الذي عندي ما علمت مني من كوني أسلمت باختياري رغبة في دين الحق ولست أجيب إلى شيء مما أشار إليّ قطعا. فقال لي: قد علمنا صحة إسلامك ولا عندنا فيك شك أصلا، ولكن الحرب خدعة، فاكتب إليه في جوابك أن يأمر صاحب المركب أن يفادي سلع المسلمين ويرخص عليهم، فقل له: إن اتفقتم مع تجار المسلمين على سعر معلوم فإني أخرج مع الوزان بقصد وزن السلع ثم أهرب إليكم بالليل. ففعلت ما أمرني به وأجبت القسيس بهذا، ففرح وأرخص على المسلمين في فداء متاجرهم وخرج الوزان مغارا ولم أخرج معه فبئس مني ذلك القسيس، فأقلع مركبه وأنصرف إلى خذلان الله. وكان نص كتابه «أما بعد السلام من أخيك فرنسيس القسيس أعرفك أني وصلت هذا البلد برسمك لأحملك معي، وأنا اليوم عند صاحب صقلية بمنزلة أن أعزل وأولي، وأعطي وأمنع، وأمر جميع مملكته بيدي، فاسمع مني وأقبل إليّ على بركة الله تعالى، ولا تخف ضياع مال ولا جاه وغير ذلك فإن عندي من المال والجاه ما يغمر الجميع وأعمل لك كل ما تريد». انتهى. هذه ترجمة مراحل حياته بإسبانيا وإسلامه بتونس ووظائفه بها وماجريات أحواله بها، اثرنا نقلها تمامة وفيها عبرة وذكرى. مات بتونس وقبره معروف بسوق السراجين بتونس، وتسمية الجماهير سيدي تحفة. له تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب، فرغ منه سنة ٨٢٣/ ١٤٢٠، ط. بتونس سنة ١٢٩٠/ ١٨٧٢ هـ وبمصر سنة ١٨٩٥ في ٦٨ ص. وأثنى في هذا الكتاب على السلطان أبي العباس وابنه أبي فارس عبد العزيز وذكر ما أبطله من المكوس بأسواق تونس ونقل ذلك عنه المؤرخون كالزركشي وابن أبي دينار في «المؤنس» وبهذا يكون مصدرا ثانويا للعصر الحفصي في هذه الفترة. المصادر والمراجع: - إتحاف أهل الزمان لابن أبي الضياف ١/ ١٨٠.

стр. 169

- كشف الظنون ٣٦٢. - معجم المطبوعات ٦٣٠. - معجم المؤلفين ٦/ ٧٨. - المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تحقيق محمد شمام (ط. تونس سنة ١٩٦٧). - هدية العارفين ١/ ٤٦٨. - إيضاح المكنون ١/ ٣٨١. - تاريخ الدولتين للزركشي (ط.١/) ٥٧. - تحفة [الأريب] ترجمة وردّ إسلامي على النصارى، تأليف ميقال دي إيبلزا (Miguel di Epalza) تقديم عبد المجيد الشرفي. - حوليات الجامعة التونسية ع ١٢، ١٩٧٥، ص ٢٨٣ - ٢٩٠. - بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين ١/ ٣٢٢، ٤٧٠، ٤٧١، ٢/ ٣٧٦. * * * ٧٦ - التركي (١٣٢٨ - ١٣٩٧ هـ) (١٩١٠ - ١٩٧٧ م) عبد السلام بن محمود التركي، الأديب الشاعر، الكاتب. ولد بصفاقس في ١٥ أوت ١٩١٠، وتلقى التعليم الابتدائي بالمدرسة التهذيبية القرآنية، ثم الثانوي بالجامع الكبير (الفرع الزيتوني) ثم ارتحل إلى العاصمة سنة ١٩٢٢، وواصل تعلّمه بجامع الزيتونة إلى أن تخرّج منه محرزا على شهادة التطويع في ٢٠ جويلية ١٩٢٦. ورجع إلى مسقط رأسه فسمي في غرّة أكتوبر ١٩٢٦ معلما بمدرسة الهلال القرآنية إلى سنة ١٩٥٦ حيث عيّن مديرا لها، وفي غرّة فيفري ١٩٦٤ سمي مديرا لمدرسة ١٨ جانفي بضم مدرستي الهلال والسعادة، وفي سنة ١٩٦٧ تخلى عن مهام الإدارة، وعاد للتدريس بصفة معلّم دولة استثنائي إلى نهاية سنة ١٩٦٩ - ١٩٧٠، وهي السنة التي أحيل فيها على التقاعد. كتب بالصحف والمجلات بإمضاءات مستعارة منها: «المدرسي» و «ابن الزيتونة» ويرمز أحيانا إلى اسمه ولقبه (عين الله ترعاكم)، وله مراسلات أدبية واجتماعية مع كبار المفكرين ورجال الصحافة. عمل بالإذاعة الجهويّة بصفاقس من سنة ١٩٧١ إلى سنة وفاته، وانتهج من البرامج (وحي القرآن) وهو تفسير لآيات من القرآن الحكيم، و (أحاديث دينية) متعددة، وكان يشرف على إصلاح البرامج ويراقبها. وكانت وفاته في ٣ جوان ١٩٧٧. له ديوان شعر قدّم منه نماذج بالإذاعة الجهويّة بصفاقس.

стр. 170

المرجع: - أمدني بهذه الترجمة مشكورا الصديق العزيز شاعر صفاقس الأستاذ محمد الشعبوني بارك الله في أنفاسه الطيبة. * * * ٧٧ - التّريكي (٨٢٩ - ٨٩٤ هـ) (١٤١٧ - ١٤٨٩ م) محمد بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمد البيدموري التركي التونسي، ويقال له التريكي بالتصغير، الفقيه الأصولي المنطقي. كان علي جد أبيه من آمد، ونشأ ابنه بدمشق وكانت له بها رياسة لاتصاله بنوروز أو غيره وانتقل ابنه إلى المغرب فارا من المؤيد فسكن تونس وتزوج بها فولد له صاحب الترجمة ونشأ بها، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، ثم تلا بالسبع على أبي القاسم البرزلي فأتقنها وهو ابن عشر، وأجازه بما اشتملت عليه فهرسته، وحفظ الشاطبيتين وعرضهما على محمد ابن القماح الأنصاري الأندلسي وأجاز له الرسالة، وبعض ابن الحاجب الفرعي وغير ذلك، وأخذ الفقه عن جماعة منهم البرزلي، وأبو القاسم الوشتاتي القسنطيني، وعمر القلشاني، وعن ثانيهم ومحمد الرملي وغيرهما أخذ العربية، وعن الأخير وعبد العزيز البحيري وغيرهما المعاني والبيان وعن الأخيرين والرملي وغيرهم، أصول الفقه، وعلى الرملي، وأبي يعقوب المصمودي، ومحمد بن عقاب قاضي تونس المنطق، وعن القلشاني، والرملي وأبي الفضل المعلقي أصول الدين، وعن محمد بن أبي بكر الونشريسي والحاج المصري الحساب والفرائض، وعن أولهما العروض وبرع في جل هذه العلوم. وقدم القاهرة هاربا مما اتفق له سنة ٨٤٩/ ١٤٤٦ فحج ورجع وأقام بها وتردد على أعيان علمائها كالحافظ ابن حجر، وأخذ عنه واغتبط كل مهما بالآخر، واجتمع به السخاوي في مجلس شيخه الحافظ ابن حجر، واجتمع به قبل ذلك أول ما قدم القاهرة، وسمع من نظمه ومباحثه في قدماته إلى القاهرة، وكان لازم التردد على الكمال البارزي، ونوه به حتى ولاه قضاء المالكية بدمشق عوضا عن الشهاب التلمساني في جمادي الأولى سنة ٨٥٢/ ١٤٤٩، ثم لم يلبث أن صرف عنه وانتمى لأبي الخير النحاس بحيث كاد يلي قضاء مصر، وأعطاه المكتبة المحمودية بعد الحافظ ابن حجر، ولذا امتحن مسموعاته المذكورة، ثم رجع إلى تونس، وتولى الخطابة بجامع أبي محمد الحفصي من ربض باب السويقة ومفتيا به بعد صلاة الجمعة، ومدرسا بالمدرسة المنتصرية بسوق الفلقة، وناظرا في الأحباس، وذلك سنة ٨٦٤/ ١٤٥٩، وعزل عن الأحباس في ربيع الثاني سنة ٨٧٥/ ١٤٦١ ثم تولى قضاء المحلة (العسكر).

стр. 171

له ضخامة ووجاهة ورسوخ في الفقه واستحضار كثير له ولغيره من العلوم، وحافظته جيدة حتى كان ابن الهمام يقول أنه معجون فقه. وأدبه كثير، ومحاضرته حسنة، قال السخاوي: ولكن الظاهر أنه معلول الديانة غير متشبث ولا متحر، وقد أفحش البقاعي في شأنه حمية لشيخه أبي الفضل البجائي، وأعتمد في كثير مما أثبته على أعدائه كأبي الفضل. مؤلفاته: ١ - إكمال الأمل في شرح الجمل. وهو شرح لجمل الخونجي في المنطق، في سفرين جمع فيه بين شرح ابن واصل، والشريف التلمساني، وسعيد العقباني، ومحمد بن مرزوق، مع زيادات من شرح الشمسية، وشرح ابن الحاجب، وشرح ابن رشد لكلام أرسطو وغير ذلك من غير تكرير. ٢ - شرح الشمسية في المنطق. ٣ - شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي. المصادر والمراجع: - تاريخ الدولتين ١٤٣، B ٦ . - الحلل السندسية ق ٣/ ٦٨٥ - /٦٨٦. - درة الحجال ٢/ ١٤٠ - ١٤١. - شجرة النور الزكية ٢٦٠. - الضوء اللامع ٦/ ٢٨٦، ٢٨٧، ١١/ ١٩٤. (قسم الانساب منه) نيل الابتهاج ٣٢٣. - توشيخ الديباج ١٨٧ - ١٨٨. * * * ٧٨ - ابن تعاريت (١٢٨٩ هـ) (١٨٧٢ م) سعيد ابن الحاج علي بن تعاريت الجربي الإباضي، فقيه له عناية بالتاريخ. له رسالة في تراجم علماء الجزيرة (جربة) وذكر أمرائها من بني سمومن وبني جلود، فرغ من تأليفها سنة ١٢٧٤/ ١٨٥٧. والمتداول مختصر منها، ونصها الأصلي عند أحد أحفاده وهو شديد الضن بها، وحدثني الأخ الصديق الأستاذ الصادق بن مرزوق أنه طلبها منه لتحقيقها ويكون شريكه

стр. 172

بالنصف في مقابل ما يأخذه في تحقيقها، فلم تطب نفسه وحدث بعض الناس أن الأستاذ يريد التحيل عليه، وهكذا تضيع الآثار العلمية بين أيدي الجهال الذين استولى عليهم الشح والطمع المادي. والرسالة ملحق لسير الشماخي حفظ فيها عدة وثائق من الضياع، وترجم فيها لجل علماء جربة من القرن التاسع إلى عصره القرن الثالث عشر. ويستعمله صاحب كتاب «الإباضية في موكب التاريخ» لسعيد بن تعاريت الثاني، وهو خطأ. المرجع: - نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة لفرحات الجعبيري، ص ١١، ٣٤٣. * * * ٧٩ - ابن تعاريت (١٢٥٥ ... هـ) (١٣٥٥ - ١٩٣٦ م) سعيد بن علي بن تعاريت الجربي الإباضي فقيه جليل مناظر. قرأ بجامع الزيتونة، وتخرج منه محرزا على شهادة التطويع، ثم قصد جبل نفوسة بليبيا للتفقه في المذهب على عادة الطلبة الإباضية من جربة. وفي مدة إقامته بالجبل أصدر بعض فقهاء طرابلس فتوى في عدم قبول شهادة الإباضية عند التقاضي فاقترح عليه شيخه أن يرد عليه فألف «رسالة المسلك المحمود في معرفة الردود» ط. على الحجر بليبيا بدون تاريخ. نقلت ترجمته من كلام دار بيني وبين الصديق الأستاذ الصادق بن مرزوق جزاه الله خيرا. وفي خصوص عدم قبول شهادة الإباضية نقول: إن الاباضية يحترزون من الكذب ولا يستجيزونه وهم من أصدق الفرق الإسلامية، وقد نص علماء الجرح والتعديل على أن الخوارج من أصدق الناس حديثا، ولذلك قبلوا روايتهم فإذا صدقوا في الرواية وهي دين فكيف لا يصدقون في الشهادة؟ نعوذ بالله من الهوى والغرض المضلين. * * * ٨٠ - ابن تعاريت (من رجال القرن ١٠ هـ) (١٦ م) يونس بن سعيد بن نحي بن تعاريت الصدغياني الجربي الإباضي، أبو النجاة. أخذ عن الشيخ زكريا الصدغياني.

стр. 173

ترأس الحلقة سنة ٩٠٨/ ١٤٩٧، ولم يكتف بذلك بل رحل إلى جبل نفّوسة ليأخذ عن أبي عفيف صالح بن نوح التندميري، ولما انتهى من الدراسة رجع إلى جربة ودرس في جامع تاجديت (أي الجديد) الكائن بحومة (حارة) فأتوا من جهة صدغيان، وهو قريب من منزله، وتخرج به كثيرون منهم ثلاثة كانت لهم اليد الطولى في إصلاح المجتمع الإباضي بجربة، وجبل نفوسة ووادي الميزاب في الجزائر وهم: ١ - سلامة الجنّاوني. ٢ - سعيد بن علي الجربي مصلح وادي ميزاب. ٣ - أبو يوسف يعقوب بن صالح التندميري شيخ الشمّاخي صاحب كتاب «السير».كان شيخ حلقة العزّابة، وفي عهده هاجم الأسطول الإسباني بقيادة «بادر وتفارو» جربة سنة ٩١٦/ ١٥١٠، وتمكن الجربيون بقيادة عزابتهم من هزيمة هذا الأسطول شر هزيمة بعد أن اجتمع العزابة وشيخ الحكم أبو زكرياء يحيى السمومني عند صاحب الترجمة. له أجوبة في الأحكام وغيرها نقلها تلميذه سلامة بن يونس بن سلامة الجناوني وجمعها بعنوان: تقييدات مسائل. المرجع: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة ٢١٥، ٢٦٩، ٣٠٤، ٣٠٥. * * * ٨١ - التلاتلي (١) (٩٦٧ هـ) (١٥٦٠ م) داود بن ابراهيم التلاتلي الجربي الإباضي، أبو سليمان، العلامة المحقق. تحدث عن مراحل حياته العلمية فقال «أول ما قرأت العقيدة عقيدة التوحيد وغيرها على عمنا أبي زكريا عيسى الباروني (٢)، ثم قدمت من نفوسه إلى جربة وقرأت بها عند الفقيه أبي

стр. 174

القاسم بن يونس السدويكثسي».ومن شيوخه بجربة العلامة أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الهواري، ثم رحل مرة ثانية إلى جبل نفوسه فأخذ عن أبي يوسف يعقوب بن صالح الجناوي علامة أجناون (١). ولما ارتحل شيخه هذا إلى جربة بقي هو بجبل نفوسة ملازما العلامة إبراهيم بن أحمد من سلالة أبي منصور إلياس التندميري النفوسي الإمام المشهور عامل الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي، أخذ عنه المعقول كالمنطق والبيان حتى برع فيها ونبغ ثم ارتحل إلى مصر، وكان موجودا بها في عام ٩١٣/ ١٥٠٧، ولقي بها علي بن إبراهيم الكيلاني بلدا ومنشأ المصري دارا وسكنا، وقرأ عليه ايساغوجي لاثير الدين الأبهري في المنطق. والظاهر أنه ارتحل إلى مصر وهو شاب، ولا ندري أكان ذلك بعد رحلته الأولى إلى جبل نفوسة أم بعد رحلته الثانية. وعند ما عاد إلى جربة انتصب للتدريس والوعظ، وأحرز شهرة وصيتا والتف حوله سكان الجزيرة لما امتاز به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي سنة ٩٦١/ ١٥٥٤ ارتحل إلى وادي ميزاب فأخذ عن العلامة عيسى بن إسماعيل المليكي الميزابي، وعن الشيخ سعيد بن علي الخيري الجربي الشهير في غرداية بعمي سعيد. ولما عاد من هذه الرحلة إلى جزيرة جربة التف حوله الناس وأصبح زعيمهم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، المنفذ للأحكام والساهر على أمن الجماهير وراحتها. ويبدو أنه آخر من تولى رئاسة مجلس العزّابة. وكان لغزارة علمه وقوة شخصيته وصلابة إرادته يبدو وكأنه يقف في الميدان منفردا يتولى جميع الشئون وهذا ما عبر عنه العلامة أبو إسحاق أطفيش بقوله: «حتى كان في مكانته بمنزلة الإمام العامل في تنفيذ الأحكام، والسهر على أمن الأمة وراحتها، والحقيقة أن مجلس العزابة يقوم في طور الكتمان بعمل الحكومة الجمهورية، وشيخ العزابة يكون بمثابة رئيس الجمهورية والإمام العادل ينفذ الأحكام، ويصدر الأوامر ويتولى جميع الشئون التي يقررها المجلس. على أن ظروف الحياة في جربة قد اضطرت مجلس العزابة أن يدخل بعض التعديل على نظامه، فخالف بذلك نظام العزابة المعروف في جبل نفوسه (ليبيا)، ونظام العزابة المعروف عند الإباضية في وادي ميزاب (الجزائر)، وذلك أن المجلس يختار من أعضائه شيخا يسمى شيخ الحكم يسند إليه القيام بالشئون السياسية والدينية تحت استشارة مجلس العزابة. وهذا الشيخ أصبح لا تتوفر فيه شروط العزابة ولا يكون عضوا في الحلقة، وإنما يكون غالبا كإمام دفاع في حالات الحرب، وكواسطة بين الطائفة الإباضية والدول الظالمة لجمع الضرائب بالطريقة التي يقررها مجلس العزابة، ويسلمها لعمال الدولة الحاكمة، وذلك حتى لا يكون التعاون المباشر بين حلقة العزابة والحكام الظالمين. وهذا التعديل الذي أدت إليه ظروف خاصة في جربة أجري - حسب الظن الغالب -

стр. 175

بعد القرن التاسع، للهجرة. ويدل على إجراء هذا التعديل كلمة داود التلاتلي المترجم له حين استجواب درغوث باشا له: «نحن جماعة العزابة ليس بايدينا ولا إلينا تولية الأمراء وعزلهم». والحقيقة أن مجلس العزابة في جربة بدأ يتخلى ويضعف عن مزاولة اختصاصاته فكانت تسلب منه شيئا فشيئا كما سلبت منه الرئاسة السياسية والمدنية. وقد يتولى في بعض الأحيان بعض كبار العلماء رئاسة المجلس فينتعش كما انتعش في عهد المترجم له. وعهد شيخ المشايخ يونس بن تعاريت وغيرهما. كانت جربة في عهد المترجم له تابعة لحكم درغوث باشا صاحب طرابلس، وارتكب عماله العسف والجور، وحاول أهل جربة جعلها تابعة لحكم تونس (١)، فلما سمع بذلك درغوث باشا جهز حملة عسكرية ونزل ببرج القشتيل، وفتك بالثائرين. وفي ثالث يوم من الهزيمة أتى موسي بن أبي عمر بن أبي الجلود شيخ الحكم إلى المترجم له مع جماعة من الجند فقال له: «لو سرت معنا إلى درغوث لنتكلم مع الضعفاء».فقال له: «نحن جماعة العزابة».فسار معه فكلمه درغوث في مخالفة جربة وما كان من أهلها، فقال له الشيخ التلاتلي: «نحن جماعة العزابة ليس بايدينا ولا إلينا تولية الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان».فقال له درغوث: «بل أنتم أدخلتم (حاصرتم) مسعودا (أي السمومني) وأفسدتم البلاد وفعلتم وفعلتم».فقال الشخ «ما فعلنا إلاّ الخير، ولسنا من أهل الشر، بل الفساد من قبلك لتقديمك الأسافل وغير ذلك».وفي هذا الجواب صدق وجرأة يدلان على شجاعة أدبية كبيرة. فأخذ درغوث الشيخ وسجنه نحو شهر، ثم قتله لكثرة الطعن فيه من النكرة والحسدة، وذلك في أول جمادى الأولى. ويبدو من هذا أن المترجم له بمكانته الدينية ورئاسة مجلس العزابة قام بدور كبير في إضرام نار الثورة على حكم درغوث باشا، والتفاوض مع الحكومة بتونس لإرجاع جربة إلى رحابها، يضاف إلى هذا ما قام به خصومه الدينيون (الإباضية النكارة) وخصومه السياسيون من السعايات والدسائس. ودفن في غابة بركوك على تخوم حومة والغ، وأقيم الجامع الذي سمي باسمه حول ضريحه.

стр. 176

مؤلفاته: ١ - شرح ايساغوجي لأثير الدين الأبهري في المنطق، ط. بالمطبعة الأهلية بتونس سنة ١٣٢١/ ١٩٠٣ في ٣٢ صفحة من القطع المتوسط وط. مرات بعد ذلك. جاء في خطبته «أما بعد فهذه تقييدات على متن ايساغوجي للشيخ أثير الدين الأبهري - برد الله ثراه وجعل الجنة مأواه - تجري مجرى الحاشية، جمعتها مما تلقيته من لفظ الأستاذ آخر العلماء المتبحرين، قدوة المخلصين، رئيس المحققين، جمال العرب والعجم، أبي الحسن علي بن إبراهيم الكيلاني بلدا ومنشأ، المصري دارا وسكنا، لا زالت رباع العلوم بلطائف نكته مأهولة، وأرحام الحكم بعواطف فكره مبلولة. وكان أول مجلس سمحت به الأيام في قراءتي لهذه الرسالة عنده يوم الأربعاء ثاني عشر صفر المبارك ثاني شهور سنة ثلاث عشرة بعد التسعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وذلك بالمدرسة الجيعانية بشاطئ بحر النيل ببولاق من أعمال مصر المحروسة». ٢ - شرح على الآجرومية. كان عمدة المبتدئين من الإباضية في عصره وبعده. قال الشيخ إبراهيم طفيش: «قل ان نجد ممّن ادركناه لا يحفظه عن ظهر الغيب». ٣ - العقيدة «مقدمة التوحيد» للشيخ عمر بن جميع الجربي، ط. مع شرح البدر الشمّاخي بالقاهرة سنة ١٣٥٣/ ١٩٣٤ بعناية العلامة المرحوم الشيخ إبراهيم طفيش الذي قال في مقدمته: «وشرح المقدمة هذه مقدمة العقيدة كذلك قل أن نجد ممن أدركناه من العلماء والتلاميذ من لم يكن من محفوظاته وذلك في بلادنا (وادي ميزاب) ولعل الحال في الجزيرة ونفوسة كذلك». المصادر والمراجع: - الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة. - الإباضية في تونس ص ١٥٧ - ١٦١. - السير للشماخي ٥٧٩ - ٥٨٢. - مؤنس الأحبة في أخبار جربة ٩٣ - ٩٤ - ١١٤. - نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٧١ - ٣٠٤. - الصادق بن مرزوق جريدة الصباح ١ - ١٢ - ١٩٦٦. * * *

стр. 177

٨٢ - التلاتلي (١٢٨٨ - ١٣٧٠ هـ) (١٨٧١ - ١٩٥٠ م) الصادق بن محمد التلاتلي (١) رجل التربية والتعليم ذو الثقافة الواسعة، ورجل السياسة. ولد بنابل، وبها زاول تعلّمه الابتدائي، وتابع الدراسة الثانوية بالعاصمة في المدرسة العلوية، ومدرسة ترشيح المعلمين، ومن المعهد الأول أحرز على شهادة البروفي، ومن الثاني على الديبلوم العالي للعربية، ثم تابع دروس الحقوق في كلية مدينة (إيكس) في بروفانس بفرنسا وأحرز على الإجازة، وانقطع عن الدراسة. وفي سنة ١٣٠٩/ ١٨٩٢ اشتغل معلما ثم أستاذا للعربية في ليسي كارنو وأستاذا للفرنسية بمدرسة ترشيح المعلمين، واستدعاه صديقه الأستاذ البشير صفر لتعليم الرياضيات والجغرافيا باللغة العربية في المدرسة الخلدونية التي كان أحد مؤسسيها. وفي سنة ١٩٠٨ كلّفه مدير التعليم الابتدائي شارلتي (Charlety) بمهمة إنشاء وتنظيم التعليم العربي الابتدائي بوصفة متفقدا للتعليم العربي، وأبدى نشاطا لإنجاز هذه المهمة التاريخية، وأستعان بمنابع ثقافية الواسعة العربية والفرنسية، وعمل على نشر الأصول الدينية والثقافية العربية، ورغم الحواجز والعوائق عمل على نشرهما في شبكة واسعة من المدارس إلى أن أحيل على التقاعد سنة ١٩٢٩، وكان قصده من كل ذلك إيقاظ الضمير الوطني، وحفظ الذاتية التونسية من الإدماج بواسطة تعليم عصري للغة العربية والدين الإسلامي. وفي سنة ١٩٢١ سلّم سريا تقريرا عن التعليم إلى أصدقائه الدستوريين، وكلّفه الشيخ عبد العزيز الثعالبي ليحرّر فصلا عن التعليم في كتابه «تونس الشهيدة». وعند احالته على التقاعد كان تعليم اللغة العربية على أحدث المناهج البيداغوجية منتشرا في كامل البلاد في مئات من المدارس الفرنسية العربية، وأنشا امتحانات ونظّمها، وهذا كله من غير اصطدام أو إثارة شكوك للمتفوقين من طواغيت الاستعمار الأعداء الألدّاء لكل ثقافة تونسية. وعمله الإنشائي والتنظيمي للتعليم كان مقترنا بخطة التفقد، وهو المتفقد الوحيد لكامل القطر التونسي مدة تقرب من ربع قرن والإنسان يقدّر له عمله المثمر الممتاز. كان من سنة ١٩٣١ إلى سنة ١٩٤٥ مقررا لميزانية التعليم بالمجلس الكبير، وعضوا بالمجلس الأعلى للتعليم، وعضوا في المجلس الأعلى بتونس، أو عضوا في مجلس إصلاحات تعليم جامع الزيتونة، وفي كل هذه المسئوليات في المؤسسات المذكورة واصل بدون كلل وبشجاعة الدفاع عن المبدإ الذي خصّص له حياته، وهو نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية.

стр. 178

وفي غداة الحرب العالمية الثانية طالب بالاستقلال الداخلي لتونس في أثناء خطاب له بالمجلس الكبير بصفته قيدوم المجلس. توفي في ٩ نوفمبر ١٩٥٠. له كتاب الطريقة العصرية (٢ جزءان) الأول لتعليم العربية في المرحلة الأولى والثاني لتعليمها في المرحلة الأخيرة من التعليم الابتدائي (ط./تونس). المرجع: - وجوه تونسية، الأخلاف، للصادق الزمرلي (بالفرنسية) ص ١١١ - ١١٨. * * * ٨٣ - التلاتلي (من رجال القرن ١٢ هـ ١٨ م) عمر التلاتلي الجربي الإباضي. من شيوخه عمر البلار اليسّوتي النفوسي. رحل إلى مصر واستقر بوكالة الجاموس بحيّ طولون بالقاهرة إلى وفاته وهاته الوكالة من أحباس أسرتي النجار والجملي من أجيم جربة، وفيها مكتبة لطلاب العلم. له نزهة الأديب وريحانة اللبيب، مخطوط في مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب بحربة. المرجع: - نظام العزابة ٢٥٨ - ٢٥٩، ٣٣٧ (تعليق ١٦) ٣٤٥. * * * ٨٤ - التليلي (١٢٦٦ - ١٣٥٨ هـ) (١٨٥٠ - ١٩٣٩ م) يونس بن عبد الرحيم التليلي أصلا التوزري مولدا ومنشأ الفقيه المشارك في عدة علوم، الصوفي. كان يجيد اللغة العبرانية ويطالع في كتبها.

стр. 179

مؤلفاته: ١ - له كتابات كثيرة في الحديث والفقه والنحو والفلك والحساب والتصوف. ٢ - بيتان كمل بهما البحر المتدارك في «الخزرجية» في علم العروض حيث تركه صاحب الخزرجية، وشرحها شرحا كافيا وأجاد في ذلك بإجادة بينة. المرجع: الجديد في أدب الجريد لأحمد البختري، ص ١٨٥. * * * ٨٥ - التمجاري (٤٧١ هـ) (١٠٧٨ م) سليمان بن علي بن بخلف التّمجاري النفطي، الإباضي، أبو الربيع. أصل أسرته من تمجار وسط جبل نفوسة، وعند ما هاجرت من نفوسة استقرت أولا بكنّومة. من قرى تقيوس (دقاش) إلى أن أخرج النّكار الوهبية منها، فخرج المترجم له منها، وعند خروجه طعنه أحد النكار يريد قتله فنجا (١) منه، ونزل بربض من أرباض مدينة نفطة قال في حقه حفيده أبو العباس الدرجيني «كان فرضيا متقنا لمسائل الفروع في المذهب، ناظما للقريض إلاّ أن بضاعته في النحو مزجاة وإن اتسع في اللغة ولذلك يوجد في شعره ما لا يجيزه أهل الصناعة ... » وتعلم الأصول مع أبي عبد الله محمد بن بكر، وتعلم الفقه مع مشايخ بني بهراسن أبي محمد ويسلان وأبي زكرياء ويونس وأبي بكر بن يحيى إلى أن صار عالما فقيها حتى قعد للحلقة وكثرت تلاميذه. وكان شاعرا مطبوعا يجيد باللغة الدارجة كما يجيد الشعر باللغة البربرية إلاّ أن شعره باللغة الفصحي لا يتسامى إلى شعر ولده سعيد أو حفيده أبي العباس أحمد الدرجيني، وذلك ان دراسته للغة العربية لم تطل فقد انقطع للعلوم الشرعية وتخصص فيها فكانت لا تشذ عليه مسألة من مسائل الأصول والفروع في المذهب الإباضي. وكان تلاميذه من أهل وادي سوف ووارجلان والزاب بالجزائر وقسطلية (توزر بالجريد). وكان يحذر من كثرة مجالسه المخالفين والميل إليهم وكثرة مطالعة تآليفهم، وكان يفتي بإخفاء المكاسب إذا كانت الدولة جائرة تفرض الضرائب المجحفة. مؤلفاته: ١ - كتاب في علم الكلام، مجلدان.

стр. 180

٢ - دون الفقه في دفترين. المصادر والمراجع: طبقات المشايخ للدرجيني ٦٢٠٢. الجواهر المنتقاة للبرادي، ص ٢١٨. الإباضية بالجريد لصالح باجية (ط، تونس ١٣٩٦/ ١٩٧٦) ص ٢٠٢ - ٢٠٣. السير للشماخي، ص ٤٥٨. * * * ٨٦ - ابن تميم (نحو ٢٨٧ - ٣٤٩ هـ) (٩٠٠ - ٩٦٠ م) دونس، ويدعى عند اليهود ادونيم ابن تميم الإسرائيلي، أبو سهل القيرواني الطبيب. قدم أوائله من العراق إلى إفريقية في غرض التجارة على عهد الدولة الأغلبية. ولد بالقيروان، واشتغل بطلب العلم، فقرأ على كبار أطباء وقته كاسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وتخرج عليه في الطب والفلسفة والحساب والنجوم، حتى برع في جميعها وأتقن العربية إتقانا جيدا وكذلك اللغة العبرية، وتفقه في الشريعة الموسوية حتى عد من كبار أحبارها، وصارت الفتوى تأتيه من الأقطار القصية من يهود الأندلس ومصر والعراق، وصارت بينه وبين اليهود بالأندلس مراسلات في مسائل عويصة من شريعتهم، وفي حساب مواقيت أعيادهم، ومعرفة سني تاريخهم وكان القول والفصل في النهاية له. ومن وجوه المخاطبين له في الأندلس الحكيم حسداي بن إسحاق الإسرائيلي طبيب الأمير الحكم الثاني بقرطبة. واتصل بخدمة الملوك العبيديين فخدم إسماعيل المنصور وابنه المعز لدين الله قبل انتقاله إلى مصر. ووضع كثيرا من التآليف في الطب والحساب والنجوم وقدم جانبا منها إلى مخدوميه المنصور وابنه المعز. مؤلفاته: ١ - كتاب التلخيص في الأدوية المفردة ينقل عنه ابن البيطار في وصف بعض النباتات. وفي آخر هذا التأليف بيان الأوزان والمكاييل المستعملة في الطب في زمانه. ٢ - كتاب في الحساب الهندي المعروف بحساب الغبار. ٣ - كتاب في الفلك وحركة الكواكب، كتبه إلى صديقه أبي يوسف حسداي وفيه تعديل السنين الشمسية بحساب الشهور القمرية.
следующие страницы →