٥٦٦ - المهيدي (١٣٢٢ - ١٣٨٩ هـ) (١٩٠٢ - ١٩٦٩ م) .
محمد الصالح المهيدي، الكاتب الصحفي، المؤرخ الباحث، من الأعلام.
ولد بنفطة الواحة الجميلة بالجريد التونسي التي خرج منها نوابغ أعلام، وتلقى بها تعلمه الابتدائي بالمدارس العربية الفرنسية، ثم التحق بجامع الزيتونة، وتخرج منه محرزا على شهادة التطويع وتابع دروس معهد الحقوق، وأحرز على شهادته وباشر فترة مهنة التدريس، وعرف بآرائه الإصلاحية منذ الطور الأخير من طور التلمذة، ثم وقع تعيينه خليفة (معتمدا) بجربة وباشر هذه الخطة مدة، ثم استقال منها والتحق بجمعية الأوقاف في تونس وسبب استقالته أنه دخل عليه المراقب المدني مرة بدون استئذان فقال له: اخرج واستأذن، فأشعره بأنه المراقب المدني فقال له: أعرف هذا، وأنت أولى الناس باتباع الآداب، وعلم بأن بقاءه في هذه الخطة يعرضه للانتقام والتنكيل، فاستقال، وباشر وظيفته بجمعية الأوقاف، وهذه الحادثة شبيهة بما يروى عن عامل (والي) سبيطلة علي شريط الذي كان متجولا مع المقيم العام في آثار سبيطلة فقال له المقيم العام: أرأيت ما ترك هؤلاء الرجال العظام من آثار؟ فأجابه غفلت عن الرجال العظام الذين أخرجوهم منها (يقصد الفاتحين العرب المسلمين)، وأسرها المقيم العام في نفسه وعزم على الانتقام منه عند رجوعه إلى تونس، وأدرك علي شريط القصد المبيت فبادر بتقديم استقالته.
стр. 1507
شارك في تحرير الصحف والمجلات من سنة ١٩٢٠ إلى سنة وفاته ١٩٦٩ ونشر فيها بحوثا ودراسات قيمة، وألقى كثيرا من المحاضرات في معهد البحوث الإسلامية التابع للجمعية الخلدونية، وفي جمعيات الطلبة الزيتونيين.
وشارك بنشاطه في جمعيات: قدماء الصادقية، والشبان المسلمين، والناصرية، وكانت له مشاركة هامة في المسرح، والأندية الثقافية واللقاءات الفكرية.
وبعد انتهاء نشاط جمعية الأوقاف التحق بمصلحة التربية الاجتماعية التابعة لوزارة التربية القومية سنة ١٩٥٦ ثم وزارة الشئون الثقافية والدار التونسية للنشر سنة ١٩٦٥، ثم ديوان التربية الاجتماعية سنة ١٩٦٧ الذي بقي فيه إلى وفاته التي كانت في ٢٦ فيفري ١٩٦٩.
مؤلفاته:
١ - تاريخ الصحافة التونسية وتطورها بالبلاد التونسية (تونس ١٩٦٥) نشره معهد علي باش حانبة ٢٠ ص.
٢ - تاريخ الصحافة المغربية.
٣ - أعلام الصحافة بتونس.
٤ - تراجم التونسيين.
٥ - تاريخ الطباعة والنشر بتونس قبل ظهور الطباعة بتونس ١٢٧٦/ ١٨٦٠ إنشاء الوزير خير الدين المطبعة الرسمية إلى ظهور التعاضدية العالمية للطبع والنشر بصفاقس، عام ١٣٧٩/ ١٩٥٩ في ٣١ ص (تونس ١٩٦٥) نشر معهد علي باش حانبة.
٦ - تاريخ المسرح التونسي.
стр. 1508
٧ - تاريخ المدن والقرى التونسية.
٨ - تاريخ النوادي والجمعيات التونسية.
٩ - العواصم الأميرية، وأصله أحاديث ألقاها بالإذاعة، ونشرت له مجلة «الثريا» أنموذجا منها.
المرجع:
- رشيد الذوادي: جماعة تحت السور (تونس ١٩٧٥) ص ١٨٧، ١٩٣.
стр. 1509
٥٦٧ - المهيري (١٣٠٤ - ١٣٩٣ هـ) (١٨٨٨ - ١٩٧٣ م) .
محمد بن محمد بن حمودة ابن الحاج حمودة بن علي المهيري، المفسر الفقيه المحقق المائل إلى الاجتهاد وإعمال العقل، المشارك في علوم، الناظم، وله شعر قليل .. ينتسب إلى مهيرة من قضاعة المستقرة بشرقي اليمن، ومن أفرادها سليمان المهيري من مشاهير البحارين الملقب بمعلم البحر (نحو ١٥٥٤ م) وله مؤلفات تعرض فيها لأحوال النجوم والرياح ونواميسها في أنواء البحار، ووصف الطرق البحرية بين بلاد العرب والهند وأندونيسيا واليمن. خرج من هذه القبيلة أفراد إلى صحارى مصر حيث أسسوا مقبرة خاصة بهم تزيد على ميل تعرف بمقبرة آل المهيري إلى اليوم. قدم أفراد من هذه الأسرة إلى صفاقس وتوجه البعض منها إلى سوسة، وآخر إلى جربة في أيام عامل صفاقس محمد المكني المستقل عن الدولة الحفصية (القرن العاشر هـ) والذي أزاله القائد التركي درغوث باشا.
تلقى المترجم تعلمه الابتدائي ببلدة صفاقس فدخل الكتاب وحفظ القرآن، وكان مؤدبه الحاج علي المصمودي من طلبة العلم فتلقى عنه مبادئ العلوم النحوية والدينية، ووجهه للالتحاق بالجامع الكبير، فأخذ فيه عن الشيخ الحاج محمد القفال الأزهرية، والقطر، وعن الشيخ محمد السلامي القطر، وشرح المكودي على ألفية ابن مالك، وعن الشيخ محمود الشرفي الأزهري الفقه والنحو، وعن الشيخ محمد بن يوسف الكافي أقرب المسالك للدردير في الفقه. ثم ارتحل إلى تونس في شوال سنة ١٣٢٠/ ١٩٠٣ والتحق بجامع الزيتونة فقرأ على المشايخ: حسين بن
стр. 1510
حسين، وحميدة بيرم المفتي الحنفي، وصالح الهواري، وخليفة الجريدي قرأ عليه الجامع الصغير للسيوطي، وعلي الشنوفي قرأ عليه كتاب التنقيح للقرافي في الأصول، ومحمد الصادق النيفر قرأ عليه شرح التاودي على تحفة ابن عاصم، وشرح البردة، وغير ذلك، ومحمد النجار، وتابع دروس الخلدونية، ومن أساتذته فيها البشير صفر، وأحرز على شهادة التطويع سنة ١٣٢٤/ ١٩٠٦ وكان من أول الناجحين.
تصدى للتدريس بالجامع الكبير بصفاقس، وسمي عدلا موثقا، وباشر الخطة بنيابة جمعية الأوقاف بصفاقس عوضا عن شيخه محمد السلامي الذي ارتقى إلى وظيفة نائب الأوقاف بصفاقس في ديسمبر ١٩١٣.
سمي مفتيا بصفاقس في ربيع الثاني /١٣٦٠ غرة ماي ١٩٤١، وفي شوال ١٣٥١/ ٩ فيفري ١٩٣١ سمي إماما نائبا وخطيبا بجامع النخلة سيدي المسدي، وسمي إماما أولا به في ١٨ ذي القعدة ١٣٦١، ٢٦ نوفمبر ١٩٤٢.
وفي ذي الحجة /١٣٦٧/ ١٧ أكتوبر ١٩٤٨ ارتقى إلى خطة باش مفتي، وعند ما وقع توحيد القضاء بعد الاستقلال ألحق بمحكمة الاستئناف بصفاقس، ثم أحيل على التقاعد.
كان قوي الشخصية في دروسه مع ميله إلى الانبساط والبعد عن التجهم، وهو في دروسه يستشهد كثيرا بالأحاديث الصحيحة، وكتب شروح الحديث على طرف اللسان كشرح الأبي على مسلم، وفتح الباري لابن حجر، عدا ما ينثره من فرائد منتزعة من تفسير القرآن الكريم، وهو واسع الاطلاع على الدواوين الفقهية كالمعيار للونشريسي، والمعيار الجديد للمهدي الوزاني وغير ذلك، وهو يكثر النقل من الكتابين الأخيرين في دروسه، وكان يقضي سحابة يومه يلقي الدروس بالجامع
стр. 1511
الكبير (الفرع الزيتوني) وفي الليل يلقي درسا في التفسير بمسجد سيدي الطباع والإقبال على هذا الدرس عظيم إذ يحضره الشبان المتنورون، وطلبة العلم من طبقته فمن دونها، وقد لبث يقرئ درس التفسير مدة عشرين عاما إلى أن ختم تفسير القرآن كله، وهو يشبه بعض مشاهير العلماء الذين لبثوا هذه المدة في تدريس التفسير إلى أن ختموا، ومنهم على ما أتذكر الشريف التلمساني، وكانت له مكتبة نفيسة ثرية فيها جانب من المخطوطات وهو مغرم بالمطالعة فإذا زرته في بيت الاقتبال في منزله تجد على المنضدة كثيرا من الكتب التي هي بصدد مطالعتها لاستخراج مباحث وتحقيقات منها.
مؤلفاته:
١ - تفسير سورة يوسف، نشر منه قسما في مجلة «مكارم الأخلاق» الصادرة بصفاقس لصاحبها السيد حامد بن علي قدور.
٢ - رسائل فقهية كثيرة. لو جمعت لكانت مجلدا، وفيها الكلام على السيقورتة، والرد في الميراث والوصية، وغير ذلك، وهو ينحو في بحوثه منحى التحقيق والاجتهاد والاستقصاء في النقل من المصادر.
٣ - نظم في التاريخ الإسلامي وتاريخ تونس إلى الدولة الحسينية، يشير فيه إلى سنة التاريخ بحروف أبجدية، وهو في نحو ٣٠٠ بيت، قال:
«وإنما توجهت إلى النظم في هذه المواضيع لأنها تنفع أصحابها في هذه النواحي».
٤ - نظم في البلاغة.
٥ - نظم في الأصول مأخوذ من «التنقيح» للقرافي في زهاء ٣٠٠ بيت، وشرح أكثره.
٦ - نظم في الفقه مأخوذ من مجموع الشيخ الأمير وشرحه في ٣٠٠ بيت.
стр. 1512
٧ - نظم القطر لابن هشام في النحو، يشمل جميع مسائله مع زيادات وبيان الحروف في أكثر من ٣٠٠ بيت.
المرجع:
- الشيخ المهيري فقيد التحرر الفكري الإسلامي، نسخة مرقونة بقلم ابنه الأستاذ حامد المهيري سلمني إياها الأخ الصديق الأستاذ محمد الحبيب السلامي قريب المترجم، معلومات شخصية.
стр. 1513
٥٦٨ - المؤخر (كان حيا سنة ١١١٨ هـ) (٠٠٠٠ - ١٧٠٧ م) .
علي بن محمد بن محمد المقدم الملقب بالمؤخر التميمي الصفاقسي، المقرئ، المتكلم، النحوي، الفلكي.
أخذ عن الشيخ علي النوري علوم اللسان، والشريعة، والميقات، والحساب، وهو أكبر تلامذته سنا، ومدفون بتربة شيخه مع بقية زملائه تلامذة الشيخ علي النوري، وقرأ ببلده أيضا على الشيخ عبد العزيز الفراتي، ولا نعلم له رحلة إلى تونس.
تولّى الإمامة وتدريس التجويد بضريح الشيخ أبي الحسن اللخمي، وكان ساكنا بصحن المقام مع عياله زاره الشيخ عبد الله السوسي السكتاني المغربي عند توجهه إلى جربة للقراءة على الشيخ إبراهيم الجمني.
مؤلفاته:
كانت موجودة بالمكتبة النورية وهي الآن بالمكتبة الوطنية بتونس.
١ - تقييد في بعض قواعد من أصول القراءات، توجد قطعة منه.
٢ - تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد، وهو شرح على الجوهرة، توجد قطعة منه بخطه.
٣ - رسالة في العمل بالربع المجيّب، واختصرها في رسالة أخرى بهذا
стр. 1514
الاسم، وتمتاز عنها برسم الأشكال الهندسية، وهما بخط الشيخ محمود السيالة.
٤ - شرح ألفية السيوطي في النحو، توجد منها قطعة مسودة بخطه.
٥ - فرائد القلائد في صحة الإيمان والعقائد، منظومة فرغ منها يوم الجمعة صدر شعبان سنة ١١١١ في نحو ست ٦ ورقات. جاء في آخرها ما نصه:
«انتهى النظم المبارك على يد ناظمه الفقير إلى ربه علي بن محمد التميمي الملقب بالمقدم الشهير بالمؤخر صفح الله عنه بمنّه وكرمه يوم الجمعة صدر شعبان عام مائة وأحد عشر وألف».
٦ - لامية في حروف المعاني، من البحر البسيط، نظمها استجابة لرغبة علي بن سليمان المهدوي المعروف بابن أبي سلامة، ولخص فيها ما في «المغني» لابن هشام، وهي في ثماني ٨ ورقات وبعدها فرائد القلائد.
توجد بالمكتبة الوطنية.
٧ - شرح على لاميته في حروف المعاني، ينقل عن «المغني» ويناقشه ويستعين بقواعد القراءات ومن أنفس ما فيه الكلام على كلاّ ومعانيها في القرآن، وحكم الوقف عليها. توجد مسودة منها بخطه.
٨ - مبلغ الطالب إلى معرفة المطالب، وهو شرح على عقيدة شيخه علي النوري ألّفه في حياة شيخه كما يستفاد من ديباجة الشرح، ألّفه بعد تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد، استجابة لرغبة بعض الإخوان، واعتمد فيه على شرح الشيخ أحمد الفيومي الغرقاوي المصري (ت ١١٠١/ ١٦٩٠) ورمز له بحرف - ح - وشرحه يسمى «الخلع البهية على العقيدة النورية (في إيضاح المكنون ١/ ٤٣٨ الخلع البهية على القصيدة (كذا) النورية، ولم يذكر المؤلف)، وعلى شرح بن أحمد الحريشي الفاسي (ت ١١٤٣/ ١٧٣٠) وشرحه يسمى المواهب الربانية
стр. 1515
على العقيدة النورية، ورمز له بحرف - ف - وألّف الشرح في حياة هذا الأخير.
جاء في ديباجة الشرح ما نصه: « ... وقد شرحها السيدان الجليلان الشيخان الكاملان أبو العباس أحمد الغرقاوي المصري ﵀ والشيخ أبو الحسن سيدي علي الحريشي المغربي ثم الفاسي - سدده الله - فاستصعب طلبة الوقت الشرحين واستطال بعضهم شرح الغرقاوي مع أنه لكل فائدة حاوي، ولكل لفظ من ألفاظ العقيدة كاشف عن معنى بها ثاوي، فقام بعض الإخوان المحبين - جعلني الله وإياهم من المتحابين في الله آمين - فعزم عليّ أن أجعل عليها شرحا يليق بطلبة الزمان، سالما من الصعوبة والتعقيد، وعدم البيان، وأمرني بأن أبالغ في الإيضاح وأن أودعه العبارات الصحيحة والبراهين الصحاح ... وقد طلبني قبله في هذا أخ آخر غاية الطلب، ورغبني غاية الرغب ... فاعتذرت إليه بأني مشغول بتقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد، وحيث أضع صورة - ح - فمرادي بذلك العلامة الشيخ أحمد الغرقاوي، وهو علامة على الشارح أو الشرح، وحيث أريد الفاسي أضع له صورة - ف - وسميته مبلغ الطالب إلى معرفة المطالب» ا. هـ.
توجد منه نسخة ضمن مجموع بالمكتبة الوطنية، وأصلها من المكتبة العبدلية، كما توجد بها قطع منه.
المصادر والمراجع:
- برنامج المكتبة العبدلية ٣/ ٨٠.
- شجرة النور الزكية ٣٤٥.
- نزهة الأنظار ٢/ ١٦٨.
стр. 1516
٥٦٩ - المؤخر (١٠٧٢ - كان حيا بعد ١١١٧ هـ) (١٦٦١ - كان حيا بعد ١٧٠٥ م) .
قاسم وقيل أبو القاسم المؤخر الأنصاري الصفاقسي، أبو الفضل، الفرضي، الحاسب الميقاتي.
حفظ ببلده القرآن الكريم، وأتقنه على الشيخ علي النوري، وبه تفقه، ثم رحل إلى جربة، ولازم الشيخ إبراهيم الجمني ٢٥ خمسا وعشرين سنة، قرأ عليه مختصر خليل، والفرائض، والحساب، ثم رحل إلى تونس، فأخذ علم الميقات على الشيخ علي كرباصة الحنفي، ونبغ في الحساب والفرائض والفلك، وله الخبرة التامة بتسطير البسائط الوقتية، والربع المجيّب والمقنطر.
ولما جدّد الأمير حسين بن علي باي الزاوية القادرية بمدينة سوسة وصيّرها مدرسة، وأوقف عليها أوقافا من رباعات وعقار وعين ريعها لمدرسها وطلبتها ومن بها من مؤذن وإمام وغيرهم، عين للتدريس بها المترجم سنة ١١١٧/ ١٧٠٥ الذي درس بها وبغيرها من معاهد العلم بسوسة، وأخذ عنه جمع غفير الحساب والفرائض والفلك.
له رسائل في الفلك، منها رسالة الربع المجيّب، أتى فيها بما لم يسبقه غيره.
المصادر:
- ذيل بشائر أهل الإيمان ١٣٤ (ط ٢/).
- الحلل السندسية ج ٣ (مخطوط).
стр. 1517
٥٧٠ - المورالي (نحو ١٣١٨ هـ) (١٩٠٠ م) .
أحمد المورالي، الضابط العسكري، من أبناء مدينة تونس، كان أستاذا بالمدرسة الحربية بباردو (حوالي ١٨٥٥ - ١٨٦٨).
له: طابور التعليم، ط. بالمطبعة الرسمية بتونس في ٢٢ ربيع الثاني ١٢٨٢/ ١٧ سبتمبر ١٨٦٥ في ١٦٦ ص من القطع الصغير.
المراجع:
- ج. كمنار: منشورات المطبعة الرسمية التونسية، مجلة «ابلا» (بالفرنسية) عدد ٩٨/ ١٩٦٢، ص ١٥٤.
стр. 1518
٥٧١ - الميّانشي (بعد ٣٨١ هـ) (٩٩١ م) .
أحمد بن محمد بن سعد الميّانشي، الأديب أصله من قرية ميّانش من ضواحي المهدية والمعلومات عن حياته غير متوافرة، فلا يعلم منها إلاّ أنه هاجر إلى القاهرة، وألّف بها كتاب النقائض بين جرير والفرزدق اطّلع عليه ياقوت الحموي، وقدر قيمته.
المصادر والمراجع:
- معجم البلدان لياقوت الحموي ٨/ ٢١٩.
- الحياة الأدبية بإفريقية في عصر الزيريين (بالفرنسية) ص ٤٨.
стр. 1519
٥٧٢ - الميّانشي (٠٠٠ - ٥٨١ هـ) (٠٠٠٠ - ١١٨٥ م) .
عمر بن عبد المجيد بن عمر بن الحسن بن عمر بن أحمد بن محمد القرشي الميّانشي (١) المهدوي أبو حفص، أبو الخطاب، نزيل مكة وشيخ الحرم، المحدث الإمام.
أخذ بالمهدية عن الإمام المازري، وتروى عنه مع الإمام المازري حكاية قال: صليت خلف الإمام أبي عبد الله المازري، فسمعته يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
فلما خلوت به قلت له: يا سيدي سمعتك تقرأ في صلاة الفريضة - كذا - فقال لي: أوقد سمعت ذلك يا عمر؟ .
فقلت له: أنت إمام في مذهب مالك، ولا بد أن تخبرني.
فقال لي: اسمع يا عمر: قول واحد في مذهب مالك أن من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة لا تبطل صلاته، وقول واحد في مذهب الشافعي: أن من لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم بطلت صلاته، فأنا أفعل ما لا تبطل به صلاتي في مذهب إمامي، وتبطل في مذهب
стр. 1520
الغير، كي أخرج من الخلاف (ينظر ملء العيبة لابن رشيد تحقيق د.
الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة مفتي الديار التونسية (تونس بدون تاريخ) ٣/ ٢٤٦).
وروى عن محمد بن علي بن ياسر الأنصاري الجياني الأندلسي نزيل حلب والمتوفى بها سنة ٥٦٣، ومحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التميمي الفاسي، وأجازه وتناول من أبي عبد الله محمد الرازي سداسياته، وحدّث بمصر في طريقه إلى مكة وسمع منه كثيرون، وهو من شيوخ محي الدين بن العربي وأجازه إجازة عامة (ينظر جامع كرامات الأولياء ١/ ٢٠٥) وممن روى عنه حفيده للبنت المحدث الرحال أبو علي الحسن بن محمد البكري النيسابوري الأصل الدمشقي، وعلي بن أحمد بن عبد الله بن خيرة البلنسي، وعلي بن أحمد بن محمد بن كوثر المحاربي الغرناطي، وعلي بن هشام الشريشي، وابن جبير الكناني الأندلسي، ومحمد بن أحمد بن محمد الأنصاري المروي الأندرشي المعروف بابن البلنسي، وابن اليتيم، فأكثر عنه، ومحمد بن حسن بن عبد الله الأنصاري المالقي ابن الحاج، وابن صاحب الصلاة، ومحمد بن علي بن خلف التجيبي الإشبيلي، وروى رسالة التصوف للقشيري أيوب بن عبد الله الفهري، وسمع منه محمد بن الحسين بن محمد القزويني دفين الموصل، وفياض بن موسى بن حسن اللكي نسبة إلى لك من أعمال برقة ويوسف بن أبي بكر الصوفي الواسطي المعروف بابن صقير وهو جد شيخ الحرم الخطيب أبي الربيع سليمان بن خليل بن إبراهيم الكناني العسقلاني الأصل لأمه.
مؤلفاته:
١ - المجالس المكية في الأحاديث النبوية، ذكره في «فهرس الفهارس» ٢/ ١٤١ في ترجمة والده وذكر أنه من أصل عتيق بخط الحافظ أبي العلا العراقي. قيل روى فيه أحاديث باطلة. سمعه فتوح بن بنين بن عبد
стр. 1521
الرحمن المكي الصوفي (برنامج التجيبي القاسم بن يوسف السبتي، تحقيق عبد الحفيظ منصور (تونس ١٩٨١ م) ص ٢٠٨.
٢ - ما لا يسع المحدث جهله، في مصطلح الحديث، عبّر عنه الذهبي بكراس في علم الحديث، وهو تأليف صغير في أوراق معدودات، كتبه قبل وفاته بنحو عامين، ففي كشف الظنون ٢/ ١٥٧٥ «وكتبه بمكة سنة ٥٧٩ تسع وسبعين وخمسمائة».طبع في بغداد ١٣٨٧/ ١٩٦٧ بتحقيق صبحي السامرائي في ٢٣ ص عدا المقدمة.
٣ - الاختيار في الملح والأخبار، مخطوط في شستربيتي ٤٩٧١.
٤ - تعليقات على الفردوس في شستربيتي، مخطوط ٥١٦٩.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٥/ ٥٣ (ط ٥/).
- تاج العروس (مصر) لمحمد مرتضى الزبيدي ٣/ ٣٥٢.
- تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٦.
- شذرات الذهب ٤/ ٤٧٢.
- العبر ٤/ ٢٤٥.
- معجم البلدان ٨/ ٢١٩.
- معجم المؤلفين ٧/ ٢٩٥.
- النجوم الزاهرة ٦/ ١٠١.
- العقد الثمين للتقي الفاسي ٦/ ٢٣٤، ٢٣٧.
- وفي إيضاح المكنون ٢/ ١٥٣.
- وهدية العارفين ١/ ٧٨٤ خلط غريب بينه وبين عمر بن عبد المجيد الرندي أبو حفص أبو علي، نزيل مالقة، من تلامذة السهيلي (ت ٦١٦/ ١٢٢٠) وهو مقرئ نحوي، له في النحو تأليفان، والميانشي المهدوي محدث لا اختصاص له في النحو وما إليه، قال البغدادي في «هدية العارفين»: عمر بن عبد المجيد بن حسن الأزدي الرندي المهدوي الميانشي الأندلسي النحوي المقرئ نزيل مالقة المتوفى سنة ٥٧٩ تسع وسبعين وخمسمائة له الفاخر في شرح جمل عبد القادر. ومثار الاشتباه هو اتفاقهما في الاسم واسم الأب، وإذا كان الأندلسي أزديا فإن الميانشي المهدوي قرشي، والرندي يكون أندلسيا ولا يكون مهدويا تونسيا. هذا مع اختلافهما في تاريخ الوفاة، وما ذكره في تاريخ وفاته سنة ٥٧٩ لا يوافق تاريخ وفاة المهدوي الميانشي، ولا الرندي الأندلسي، تراجع ترجمة الرندي الأندلسي في بغية الوعاة ٢/ ٢٢٠.
стр. 1522
- الذيل والتكملة ٢/ ٤٥٠/٥، ٤٥٤.
- صلة الصلة ٦٧.
- برنامج الرعيني ٨٦، ٨٧.
- غاية النهاية ١/ ٥٩٤.
- كشف الظنون ١٥٧٥.
- تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٣٧ (دار إحياء التراث العربي، بيروت) في من توفي سنة وفاة أبي موسى المديني.
стр. 1523
٥٧٣ - ابن ميّة (٠٠٠٠ - ١٣٣٨ هـ) (٠٠٠٠ - ١٩٢٠ م) .
الطاهر بن عثمان بن ميّة، عرف بالمصعبي التوزري، الفقيه المشارك في علوم، الأديب الشاعر، له مقدرة في النظم بنوعيه الفصيح والملحون، لا يجاريه أحد في ذلك. توفي في ١٩ رمضان.
مؤلفاته:
١ - نظم في مسائل علوم متنوعة.
٢ - نظم في مسائل الفقه.
المرجع:
- الجديد في أدب الجريد ١٣٧، ١٤١.
стр. 1524
٥٧٤ - الميلي (٠٠٠٠ - ١٢٤٨ هـ) (٠٠٠٠ - ١٨٣٣ م) .
علي بن محمد الميلي (١) الجمّالي، نزيل مصر، المفسر، الفقيه المتكلم.
تآليفه:
١ - أشراط الساعة وخروج المهدي، مخطوط بدار الكتب المصرية.
٢ - تحفة الأحباب في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ﴾ مخطوط بالمكتبة الأزهرية.
٣ - الحسام السمهري في تكذيب فرية نسبت إلى الإمام الأشعري - وفي «إيضاح المكنون» لقطع جيد الكاذب المفتري فيما نسب للأشعري، مخطوط بدار الكتب المصرية.
٤ - السيوف السمهرية لقطع أعناق القائلين بالجهة والجسمية، رد به على الشيخ أحمد التيجاني صاحب الطريقة، مخطوط بدار الكتب المصرية.
٥ - الشمس والقمر والنجوم الدراري في إثبات القدر والكسب والجزء الاختياري، مخطوط بدار الكتب المصرية وبالمكتبة الأزهرية.
стр. 1525
٦ - الصمصام الفاتك في نصرة الإمام مالك، مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس رقم ٣٧١ وبالمكتبة الأزهرية.
٧ - الصوارم والأسنة، ردّ به على الشيخ أحمد التيجاني، وردّ على هذا التأليف الشيخ إبراهيم الرياحي وانتصر فيه للشيخ أحمد التيجاني، وفي حجته الثانية حاول التعرف على صاحب الترجمة عند حلوله بالقاهرة، ولبث بها نحو شهر ينتظر هذه الرغبة التي لم تتم ولم يلتق به (راجع ترجمة الرياحي إبراهيم).
٨ - العجالة متممة السيوف السمهرية، مخطوط بدار الكتب المصرية.
٩ - القول المبسوط في اجتماع البيع والشروط.
١٠ - رسالة في علامات الساعة الصغرى.
١١ - الكواكب الدرية والأنوار السنية في إثبات الصفات السنية القائمة بالذات الأزلية، في الرد على من رد على أهل السنة.
المراجع:
- الأعلام ٥/ ١٧ (ط ٥/).
- إيضاح المكنون ١/ ٢٣٧، ٤٠٢، ٢/ ٣٧، ٥٦، ٧١، ٢٥١، ٣٩١.
- فهرس المكتبة الأزهرية ٦/ ٢٠١.
- معجم المؤلفين ٧/ ٢٣٥.
- هدية العارفين ١/ ٧٧٣، ٧٤.
ان تهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس والأخير.
تنبيه: وقع خطأ في الأرقام المسلسلة بالجزءين الثاني والثالث، فالجزء الثاني بدايته برقم ١٠٦ ونهايته برقم ٢٥٠ - والجزء الثالث بدايته برقم ٢٥١ ونهايته برقم ٤١٤.
стр. 1526
تراجم المؤلفين التونسيين
تأليف
محمد محفوظ
[الجزء الخامس]
стр. 1527
حرف النون
стр. 1528
٥٧٥ - النابلسي (كان حيّا - ١٢٧٧ هـ) (١٨٦٠ م)
محمد بن عبد الرحمن النابلسي التونسي مقرئ ميقاتي.
مؤلفاته:
١) عمدة العرفان في مرسوم القرآن فرغ من تأليفها لثمان ليال من ربيع الثاني سنة ١٢٧٧ هـ.
٢) منظومة تحفة الإخوان في الميقات.
٣) كشف الحجاب عن مرشد الطلاب.
المرجع:
- معجم المؤلفين ١٠/ ١٥٧، نقلا عن فهرسة الخديوية ٦/ ١٥٨ - ١٥٩، فهرس الأزهرية ٦/ ٣١٢.
стр. 1529
٥٧٦ - ابن ناجي (٧٦٠ - ٨٣٩ هـ) (١) (١٣٥٩ - ١٤٣٥ م)
أبو القاسم (٢) بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني أبو الفضل، الفقيه، حافظ المذهب من أسرة فقيرة، كان والده معلم بناء (٣) وتوفي وتركه صغيرا في كفالة عمه.
ولد بالقيروان سنة ٧٦٠ كما يؤخذ ذلك مما ذكره أنه عند دخول السلطان الحفصي أبي العباس أحمد القيروان كان سنّه واحدا وعشرين عاما وقد كان ذلك سنة ٧٨١ كما حقّقه الزركشي (أعلام الفكر الإسلامي في المغرب العربي) ص ١٠٣ وقد نشأ بالقيروان وبها تعلم.
قرأ القرآن على الشيخ الفقيه أبي محمد عبد السلام الصفاقسي وعلى عمه خليفة بن ناجي وكان رجلا صالحا.
لما وصل سورة طه أمره عمّه خليفة أن يعرض عليه ما يقرأ فأبى وقال حتى أصل إلى سورة البقرة كغيري، فأعطاه درهما وقال له إذا حفظت هذه السورة أعطيك درهما آخر وبقي إذا فرغ من سورة أعطاه درهما آخر حتى حفظ سورا ترك عنه ذلك فحفظ من ذلك إلى سورة البقرة ولما كثرت أحزابه كان يعرض على عمه خمسة أحزاب بعد الغداء أو خمسة أحزاب بعد العشاء إلى أذان العشاء
стр. 1530
الآخرة في الظلام، فضربه ليلة من الليالي بكفّه على أحد خدّيه لأنه توقف في كلمة بعد كلمة ولم يضربه إلا هذه المرة وبقي يقرأ وهو يبكي فوقفت والدته على الباب من خارج وبكت لبكائه، فلما سمع بكاءها أسكته وقال: يا عائشة أنت التي عملت له هذا أخرجته معك إلى الزرع فبقي عن أسواره ضائعا أزيد من شهر وطلبت منك ألاّ تفعلي ذلك فأبيت وقلت لا أقدر على فراقه ولولا هذا ما يخصّه شيء، فقالت يا سيدي: وبكائي عليه لوجه آخر وهو كونه طفلا صغيرا يقرأ في الظلام كل ليلة ولم تتركني أشعل المصباح فيما مضى فأمرها بإشعاله فيما يأتي (٤).
وبعد حفظ القرآن قرأ العلم على شيوخ القيروان منهم القاضي محمد بن قليل الهمّ، ومحمد بن فندار، وأحمد بن سلامة الموساوي الوسلاتي الفقيه بداره، وعلي بن حسن الزياتي المعروف بابن قيراط، ومحمد الرماح، وقرأ الرسالة على قاضي القيروان الشيخ محمد بن أبي بكر الفاسي، وكان يخرج من عنده ليقرأها على الشيخ عبد الله الشبيبي، وكان هذا يطول بالوعظ وقراءة الرقائق، وكان المترجم يحفظ كل يوم شيئا من مختصر ابن الحاجب، وحدّثه عمّه خليفة أن شيخه القاضي الفاسي قال له إن بقي ابن أخيك يقرأ يكون منه مالك الصغير (٥).
لما توفي شيخه محمد بن أبي بكر الفاسي قاضي القيروان، وتولى عوضه قاضيا محمد بن قليل الهمّ بادر عند وصوله إلى القيروان أن عمل الميعاد فيها بكرة، فحضر معظم أصحاب ابن ناجي ثم ينصرفون إذا فرغوا إلى مواعيدهم، وحضر المترجم. وفي أول حضوره لم يجد موضعا يجلس فيه لكثرتهم فجلس خلفهم، فتكلم كثيرا ثم
стр. 1531
سأل بعض الطلبة الحاضرين عن إمام أحدث وهو راكع فرفع رأسه ليستخلف لهم، فلم يحضر القاضي ولا جميعهم جوابا، فقال المترجم في بطلانها قولان قال ابن الحاجب فإن رفعوا مقتدين لم تبطل على الأصحّ كالرفع قبل إمامه غلطا، فقالوا ما قيل هذا فلعلّه ليست المسألة فجلب لهم ذلك ناجزا، وكان عمه ﵀ حاضرا لذلك، وكان المترجم إذ ذاك ابن خمس عشرة سنة، وله في الميعاد سنة وزيادة أشهر، وكان حفظ في ذلك جملة من مختصر ابن الحاجب حتى جاوز الضحايا.
فلما خرج من الميعاد ناداه عمه فدخل معه داره وكانت مجاورة للمسجد الذي فيه الميعاد المذكور، وهو مسجد الدباغ فقبّل رأسه وقال ثبت عندي قول القاضي أبي عبد الله محمد الفاسي إن عاش ابن أخيك يكون منه مالك الصغير (٦). وسكن المترجم الزاوية العوانية بالقيروان، وكان في أول عهده فقيرا جدا، وقد حكى في شرحه الكبير للمدونة عن شدة فقره واشترائه الكسور (قراقش الخبز الجاف) من سائل بالدين، وقد بلغ مقدار ما بذمّته لذلك السائل ما يزيد على الدينار، وشكر الله على ما أنعم به بعد ذلك، ثم سكن بعد بدار أمام مسجد التلالسي، ولما ظهرت عليه مخايل النجابة وحسن السلوك ولي الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة بالقيروان وله واحدة وعشرون سنة بتقديم شيخه البرزلي.
وسبب رحلته إلى تونس لطلب العلم الحاج الشيخ عبيد الغرياني عليه في ذلك فقد حكى أن الشيخ عبيد الغرياني اجتاز عليه وهو جالس على دكانة دار سكناه فقام إليه وقبّل يده ومشى معه فقال له امش لتونس تعلّم العلم بها فلم يقبل كلامه لأن في الغالب إنما
стр. 1532
يسافر إليها من الطلبة من يريد القضاء أو الشهادة أو هما معا، وكان في ذلك الزمان لا يريد المترجم ذلك وإنما غرضه تعلّم العلم، وكان يومئذ يعمل الميعاد بالعشي ويقرأ على شيخه القاضي محمد بن قليل الهمّ بكرة مع جماعة من أصحابه وذلك بعد انصراف شيخه البرزلي إلى تونس، وكان المترجم يقول في نفسه إن مات من هو أكبر منه يحتاج الناس إلى قارئ التفسير والحديث بكرة فلا يفتقر أن يمشي إلى تونس، فأعاد عليه الشيخ عبيد الغرياني كلامه مرة ثانية وثالثة وألحّ عليه في ذلك، وقال لا يخرج الخبر إلا من تونس، فوقع كلامه بتكرره في قلبه فتحرك خاطره للمشي إلى تونس، فأقام بها أربعة عشر عاما مجتهدا في الفروع ليلا ونهارا يتعلم ويعلّم حتى خرج منها قاضيا وخطيبا بجزيرة جربة فأقام بها ثلاثة أعوام وخمسة أشهر، وخرج زائرا فرأى الصواب استعفاءه منها فطلب ذلك من شيخه أبي مهدي عيسى الغبريني فوافقه على ذلك ومشى إلى بلده القيروان فسكنها سنة يعمل فيها الميعاد من قراءة التفسير وغيره ويتكلم على الناس بالوعظ وحكايات الصالحين، فسأل الشيخ أبو علي حسن البيار الشيخ عبيد أن يكلّم السلطان في أن يعمل له مرتبا حتى لا يخرج من القيروان، فتكلم في ذلك فخرج الظهير بقضاء قابس، فمشى إليها وعرفه وقال من هذا خفنا عليه ولو كان له راتب ينفق منه ما خرج من القيروان فقال أرأيت إن سبق في سابق علم الله أن يتولى بلادا وأوطانا أتقفصه أنت في القيروان (٧)؟
وفي تونس قرأ على أعلامها البارزين كالإمام ابن عرفة وتلامذته كالأبي والزغبي والغبريني والوانّوغي وأبي القاسم القسنطيني والبرزلي وأبي الفضل أبي القاسم الشريف السلاوي وقرأ على عبد الله الشبيبي
стр. 1533
ومحمد العواني وعمر المسرّاتي القيروانيين وشيخه محمد بن قليل الهمّ المنتقل من القيروان إلى تونس وغيرهم.
تخرّج به الشيخ أحمد حلولو القيرواني وغيره.
تولى القضاء كما سبق بجربة وبباجة ومكث بها سبعة أشهر ثم نقل إلى الأربس ثم إلى سوسة وقابس وتبسة، ثم إلى القيروان وأقرأ بها التفسير وغيره.
وكان عارفا بقيمة خطة القضاء، صلبا في الحق، لا يداري أصحاب السلطة التنفيذية السياسية على استيفاء الحقوق ممّن صدرت ضده الأحكام، ويقدّم الولاة شكاياتهم إلى ملك الوقت، وشيخه الغبريني يحميه من كيدهم على ما يستفاد من ترجمة أحمد بن أبي محرز فقد قال: «وشاهدت في زماننا قائد الموضع يخرج من سجنه القاضي ويقول: عليه طلب المخزن، وهو يكذب في ذلك، وهب أنه يصدق فلا يجوز له ذلك، وإن هو فعله فأقل المراتب أن يردّه كما كان، ويتغافل بعض القضاة عن ذلك لئلا يتخاشن معه فما ينصفه في مرتبه، فأحرى أن لو خاف من تسبّبه في عزله، وقد وقفت في هذا الباب في مدينة باجة وطاردني ولاتها بمكاتبتهم لأمير المؤمنين أبي فارس عبد العزيز وغلبتهم عنده، والمباشر لي في ذلك شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني - رحمه الله تعالى - فإن جواب أمير المؤمنين أن من عليه طلب المخزن من البوادي وسبق حكم الشرع فيه فإن ادّعى ذلك فحكمه مقدم وإن سبق حكم المخزن فيه ودعا الشرع يؤخذ طلب المخزن من حكم وغيره ويرد يفوز ذلك القاضي وينفذ الحكم على هذا يكون العمل» (٨) وهو قرار حاسم لتطاول الولاة على المسّ من حرية القضاء والتدخل في شئونه حسب الهوى.
стр. 1534
ويبدو أنه كان معتنيا بأخبار علماء القيروان مند عهده بالطلب، فقد جاء في آخر ترجمة أبي بكر بن أبي عقبة التميمي ما نصّه «ولما قرئ على شيخنا أبي الفضل البرزلي قول الشيخ أبي سعيد البراذعي في خطبته (أي في تهذيب المدونة) قال وصححتها على أبي بكر بن (أبي) عقبة عن جبلة بن حمود عن سحنون» فعرّف بأبي سعيد وجبلة وسحنون وأما هبة الله فلم يذكره عياض ولا أعرف من عرّف به، فقلت له ذكره الدباغ وذكرت له ما تقدم من إعطائه لذلك الرجل ما تقدم وما نقلته الكافة عن الكافة باختصار فأمرني أن أوقفه على ذلك فأوقفته عليه وأمسكته إياه وأعطاني إياه فيغلب على الظن أنه نسخ ذلك (معالم الإيمان ٣/ ٨٨ (ط ٢/) تونس ١٩٧٨).
تآليفه كثيرة منها:
١) شرح تهذيب المدونة للبرذعي بشرحين صغير سمّاه الصيفي في جزءين ضخمين، والشرح الكبير يعرف بالشتوي في ١٥ جزءا في أربعة أسفار منه جزءان بالمكتبة الوطنية رقم ٥٨٠٨ أصلهما من المكتبة العبدلية.
٢) شرح تفريع ابن الجلاب في ثلاثة أسفار منه نسخة بالمكتبة الوطنية.
٣) شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ط/مع شرح أحمد زروق على نفقة ابن شقرون بمصر سنة ١٣٣٠ هـ وهو من أوائل مؤلفاته، ونقل عن الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي أنه كان يبالغ في الثناء على هذا الشرح ويقول له المذهب.
٤) اختصار مع تذييل لمعالم الإيمان وتذييله فيه زيادات تراجم بعد عصر الدباغ من سنة ٦٩٠ إلى سنة ٨٣٧ هـ.
стр. 1535
ويبدو أن ابن ناجي تصرّف بالاختصار حتى في اسم الكتاب واختصاره لا يدلّ على أن الدباغ كان محدّثا والعادة أن المحدّث مهما بالغ في التخفّي فإن أسلوبه ينمّ عنه كالعناية بالأسانيد لأدنى مناسبة، وكان الدباغ من كبار المحدّثين المعتنين بالرواية ومن البعيد خلو كتابه من أية إشارة إلى الصناعة الحديثية.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٥/ ١٧٩ (ط ٥/) - أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي لمحمد الفاضل بن عاشور ٠٠٩ - ١٠٦ مط/النجاح تونس بلا تاريخ - برنامج المكتبة الصادقية ٣/ ٢٨٢، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٣ - تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ٢٢٣ (ترجمة سقيمة مشحونة بالأخطاء) - تكميل الصلحاء والأعيان ص ٦ - ٩، مقدمة الكتاب المذكور لمحقّقه الأستاذ محمد العنابي وهي ترجمة نفيسة فيها تصحيح الخطأ الشائع في اسمه وتاريخ وفاته اعتمادا على وثيقتين خطيتين كانتا بمكتبة جامع القيروان وفيها إلمام واسع بأطوار حياته وفيها فوائد وجزئيات غير معروفة - الحلل السندسية ١ قسم ٣/ ٧٠٧ - ٧٠٨ (تونس)، (وفهم من شرحه في المدوّنة أنه إذا أطلق لفظ شيخنا فالمراد به البرزلي، وبعض شيوخنا فمراده ابن عرفة وما عداه يصرّح باسمه وكان اشتغاله على البرزلي أكثر ويفهم من سياق الكلام أنه بالنقل عن القرافي)، درّة الحجال ٣/ ٢٨٢، شجرة النور الزكيّة ٢٤٤ - ٢٤٥، الضوء اللامع ١١/ ١٣٧، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ٤/ ٩٠، كشف الظنون ٨٧٣، معجم المطبوعات ٢٦١، معجم المؤلفين ٨/ ١١٠، نيل الابتهاج ١٢٢٣، توشيح الديباج لبدر الدين القرافي ص ٢٦٦ - ٢٦٧، الحلل السندسية ١/ ٦٩١، (دار الغرب الإسلامي بيروت ١٩٨٥)، مقدمة الجزء الأول من معالم الإيمان (مكتبة الخانجي مصر ١٩٦٨) ص وز.
стр. 1536
٥٧٧ - النجار ( ... - ١٣٧٣ هـ) ( ... - ١٩٥٣ م)
بلحسن ابن الشيخ محمد بن عثمان النجار ، الفقيه الكبير المحقّق من أعلام تونس في العصر الحديث.
ولد بالعاصمة، ونشأ بها تحت رعاية والده وتوجيهه الذي كان من أعلام جامع الزيتونة، وبعد اجتياز مرحلة التعلّم الابتدائي انخرط في سلك طلبة جامع الزيتونة، وأخذ به عن جماعة منهم والده، وأجازه، وأخذ عن غيره، وممّن أجازه الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد الطيب النيفر، والشيخ المهدي الوزاني، والشيخ أحمد بن محمد الخياط الفاسي بما في فهارسهم. وبعد إحرازه على شهادة التطويع تولى التدريس بجامع الزيتونة من الطبقة الثانية، ثم ارتقى إلى الطبقة الأولى، وتخرّجت عليه أجيال من رجال التدريس والقضاء، ودرس بمدرسة ترشيح المعلمين، واشتهر في تدريسه بالتقرير الجيد والاطّلاع الواسع مع الفصاحة النادرة مما يشدّ الانتباه، كما تولى تدريس رواية الحديث بجامع حرمل، وارتقي إلى خطة الإفتاء في ذي الحجة ١٣٤٢/ ١٩٢٤ وتوفي في رجب وهو متقلّد لهذه الخطة.
له فهرسة أجاز بها تلميذه محمد مخلوف.
المرجع:
شجرة النور الزكية ص ٤٩٢، محمد الحليوي ناقدا وأديبا لمحمد الهادي المطوي ص ٦٢.
شكرا للأخ الدكتور محمد أبو الأجفان والأخ الحبيب اللمسي لبحثهما لي عن تاريخ وفاته.
стр. 1537
٥٧٨ - النجار (١٢٥٥ - ١٣٣١ هـ) (١٨٣٩ - ١٩١٣ م)
محمد بن عثمان بن محمد النجار ، يتصل نسبه بالشيخ عبد السلام بن مشيش الإدريسي الحسني، القيرواني الأصل، التونسي الدار، وأمه شقيقة الشيخ محمود قابادو، المفسّر، الأصولي، الفقيه.
ولد في ١٥ شعبان بتونس، وبها نشأ وتعلم، فأخذ عن والده القرآن ومبادئ العلوم، ثم توفي وتركه قاصرا فكفله أخوه للأب صالح وخاله الشاعر الشيخ محمود قابادو.
والتحق بجامع الزيتونة سنة ١٢٧٠/ ١٨٥٤ فأخذ عن أعلامه كالمشايخ محمد النيفر الأكبر وأخيه صالح، وعبد الله الدرّاجي الجزائري نزيل مكة، وعلي العفيف، وعمر بن الشيخ، ومحمد الشاذلي بن صالح، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد البنّا، ومحمد الشاهد، وخاله محمود قابادو، وشيخ الإسلام الحنفي محمد معاوية، وأحمد بن الخوجة، وسالم بو حاجب، وبعد تخرّجه وقع تعيينه مدرّسا بجامع الزيتونة عام ١٢٧٢/ ١٨٥٦، وانتخب مدرّسا من الرتبة الثانية عام ١٢٨٤/ ١٨٦٨، ثم ارتقى إلى التدريس من الطبقة الأولى عام ١٢٨٧/ ١٨٧١.
أقرأ الأصول، والفقه، والتفسير، والبلاغة والمنطق، وأخذ عنه ابنه الشيخ بلحسن، وحمودة تاج، وشيخ الإسلام الحنفي محمد بن يوسف، وإسماعيل الصفائحي، وعلي الشنّوفي، ومحمود موسى
стр. 1538
المنستيري، ومحمد مخلوف صاحب شجرة النور الزكية، ومحمد الخضر حسين.
تولى منصب الإفتاء في ١٢ صفر عام ١٣١٢/ ١٩٠١، وكان يجمع بين الفتوى والتدريس بجامع الزيتونة حتى توفي في منتصف ليلة السادس من رمضان ورثاه كثير من أهل العلم والأدب.
وكان له مزيد اختصاص بالرياضيات كالهندسة والهيئة، كما كان عالما بالأنساب وتراجم المؤلفين، وكان ولوعا بالمطالعة، مولعا باقتناء نفائس المخطوطات حتى جمع مكتبة مهمة حوت كثيرا من المخطوطات النادرة.
وكان غزير العلم، كريم الأخلاق، يحبّ البحث ويتلقى مناقشة الطلاب بصدر رحب، امتاز عن علماء عصره بسعة الاطّلاع وقوة الحفظ والشغف بالمطالعة.
مؤلفاته:
١) ما أملاه على أهم أبواب صحيح البخاري بمناسبة أختامه الرمضانية التي لا تقلّ عن سبعين موضعا لو جمعت لكانت مؤلفا مفيدا وهي التي كان أملاها بجامع سيدي أحمد بن عروس منذ عام ١٢٨٢ وبجامع حرمل منذ عام ١٣١١.
٢) بغية المشتاق في مسائل الاستحقاق في مجلد ضخم جمع فيه ما تفرق من مباحث هذا الباب وحرّر فيه أحكام القضايا التي تعرض بالقطر التونسي كثيرا.
٣) شرح حديث لا عدوى، ألّفه بمناسبة تفشّي الوباء بالقطر التونسي عام ١٣٢٩ هـ وهو خاتمة مؤلفاته.
٤) تحرير على كتاب العلم من صحيح البخاري ط/بتونس سنة
стр. 1539
١٣٢٥ هـ بمط/ التقدم الوطنية في ٦٨ ص.
٥) تحرير المقال في أحكام رؤية الهلال، حرّر في أثناء بحثه مسائل فقهية وأصولية وفلكية.
٦) تقريرات على شرح الشريف الجرجاني على المواقف.
٧) تقريرات على شرح المطوّل.
٨) حاشية على تفسير البيضاوي.
٩) حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع.
١٠) ترجمة الشيخ عمر بن الشيخ ووالده الشيخ أحمد.
١١) رسالة في حكم الحاكم المالكي بتأبيد حرمة المدخول بها في العدة.
١٢) شمس الظهيرة في مناقب وفقه أبي هريرة قصد به الرد على من سلب الاجتهاد من هذا الصحابي الجليل.
١٣) مجموع الفتاوي ٨ مجلدات.
المصادر والمراجع:
- الأعلام الشرقية لزكي مجاهد ٢/ ١٧٧ - ١٧٨، الأعلام ٧/ ١٤٦، بروكلمان ٣/ ١٧٧ (الترجمة العربية)، شجرة النور الزكية ٤٢١ - ٤٢٢، معجم المطبوعات ٢/ ١٧٠٠ - ١٧٠١، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٨٦، تونس وجامع الزيتونة لمحمد الخضر حسين ٩٧ - ٩٩.
стр. 1540
٥٧٩ - ابن النحوي (٤٣٤ - ٥١٣ هـ) (١٠٤٢ - ١١١٩ م)
يوسف بن محمد بن يوسف التوزري المعروف بابن النحوي، أبو الفضل، الفقيه الصوفي، ولد بتوزر، وأقام في قلعة بني حماد في الجزائر، ولم يكد يجاوز طور المراهقة حتى تدفقت على البلاد سيول أعراب بني هلال وسليم ناشرة وراءها الخراب والدمار، ولاقت منهم مدينة القيروان عاصمة الدولة الزيرية الصنهاجية ما لم تلاقه مدينة أخرى من الويلات والنكبات حتى اضطر علماؤها وأدباؤها إلى الهجرة خارج القطر التونسي أو الاستقرار ببعض مدن الساحل التونسي، ولم يبق بها إلا عبد الخالق السيوري المتوفى في ٤٦٠/ ١٠٦٨ من تلامذة أبي عمران الفاسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، وانفرد في عصره برواية المدونة والإمامة في الفقه، ومن أشهر تلامذته عبد الحميد الصائغ الذي انتقل إلى سوسة وتوفي بها سنة ٤٨٦/ ١٠٩٣، وأبو الحسن علي بن محمد الربعي اللخمي الذي انتقل إلى صفاقس حيث توفي بها سنة ٤٧٨/ ١٠٨٦، وكان يقصده الطلاب من أطراف البلاد ليأخذوا عنه تعليقه على المدوّنة المسمى بالتبصرة، ويرووا عنه صحيح البخاري، ومن أشهر تلامذته الإمام المازري دفين المنستير، والمترجم له.
وكانت توزر في عصر المترجم بها أعلام أمثال عبد الله بن محمد الشقراطسي الذي كان إماما في الحديث والعربية والفقه، أديبا شاعرا، وهو من شيوخ المترجم، ثم ارتحل المترجم إلى صفاقس للأخذ عن شيخ فقهاء وقته الشيخ أبي الحسن اللخمي فقرأ عليه كتاب
стр. 1541
«التبصرة» وروى عنه صحيح البخاري، ولما لقي اللخمي سأله ما جاء بك؟ فقال جئت لأنسخ تأليفك التبصرة، فقال له إنما تريد أن تحملني في كفّك إلى المغرب أو كلاما هذا معناه مشيرا إلى أن علمه كله في هذا الكتاب.
وأخذ عن الإمام المازري فقرأ عليه أصول الفقه، وعلم الكلام، وكان المازري إماما مبرزا فيهما. في هذا الجو العلمي تنفس المترجم، وتأثر به، فكان مثل شيخه اللخمي مائلا إلى الاجتهاد في الفقه، متمكّنا من الأصلين أصول الدين (علم الكلام) وأصول الفقه مثل شيخنا الإمام المازري، شاعرا أديبا لغويا مثل شيخه الشقراطسي وإذا كانت تونس قبيل ذلك العصر نبتت فيها طلائع متأثرة بتعاليم شيخ أهل السنّة أبي الحسن الأشعري في علم الكلام مع العناية بأصول الفقه، وميل بعض فقهائها إلى الاجتهاد المذهبي، فإن الطابع الغالب لدى فقهاء المغربين الأوسط والأقصى في عهد المرابطين هو النفور من علم الكلام، وأصول الفقه، ولقد لقي المترجم المتاعب والمقاومة من الفقهاء والرؤساء زمن استقراره بالمغرب الأقصى عند ما أقرأ علم الكلام، وعلم أصول الفقه.
وبعد أن استكمل المترجم رحلته العلمية رجع إلى بلده توزر ثم بارحها في ظروف غامضة لظلم الوالي له، ولبث متجوّلا بين مدن الجزائر والمغرب الأقصى مدرّسا للنحو، والفقه، والأصول، وعلم الكلام، سالكا طريق الزهد والتقشف، ففي الجزائر أخذ عنه النحو عبد الملك بن سليمان التاهرتي، وفي فاس أقرأ «اللمع» في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي، ودرّس علم الكلام وذلك سنة ٤٩٠/ ١٠٩٧.
دخل ابن دبوس قاضي فاس الجامع والمترجم يدرّس علم الكلام، فأمر بإبطال الدرس، ولما انتقل إلى سجلماسة جنوبي المغرب
стр. 1542
الأقصى استمر في تدريس الأصلين، فأمر ابن بسّام أحد رؤساء البلد بطرده من المسجد قائلا: «هذا يريد أن يدخل علينا علوما لا نعرفها».
وقد تأثر المترجم بهذه المضايقة والمعاملة السيئة من أجل نشره لعلمين غير معروفين في المغرب ودعا على مضطهديه ولعلّه في هذه الفترة قال بيتيه المشهورين:
أصبحت في من له دين بلا أدب ... ومن له أدب خال من الدين
أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا ... كبيت حسان في ديوان سحنون
أشار في العجز الأخير إلى بيت حسان بن ثابت في باب الجهاد من المدوّنة:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
ويبدو أن المترجم كان متأثرا بتعاليم الإمام الغزالي الصوفية الفلسفية المتقيدة بالأصول الإسلامية، ومعجبا به غاية الإعجاب، لما أفتى ابن حمدين قاضي قرطبة بحرق كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي وتابعه على فتواه طائفة من الفقهاء الرسميين بالأندلس والمغرب الأقصى، وانصاع أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي لرأي الفقهاء فأصدر أمره بجمع نسخ الإحياء وبإحراقها وتحليف الناس الأيمان المغلظة أن ليس لديهم «الإحياء» كتب إليه المترجم معارضا لفتوى ابن حمدين ومنتصرا للغزالي ومفتيا بعدم لزوم تلك الأيمان، وكان المترجم قد انتسخ كتاب الإحياء في ثلاثين جزءا ليقرأ منه جزءا في كل يوم من أيام رمضان ويقول: «وددت أني لم انظر في عمري سوى هذا الكتاب».
ولعلّ هذه المضايقات المستمرة دعت المترجم إلى الخروج من المغرب الأقصى والاستقرار بالقطر الجزائري منتقلا بين مدنه كبجاية
стр. 1543
وقلعة بني حماد، ولم يسلم من إيذاء الفقهاء الرسميين بهذا القطر، وظهر تأثير التربية الصوفية لدى المترجم في صبره على تحمّل صنوف الأذى من أجل أفكاره ومبادثه، وعزوفه عن تقلّد المناصب، وقبول الهدايا، مقتصرا في معاشه على ما يرد إليه من بلده توزر مع ميله إلى الإنصاف من نفسه بالرجوع إلى الحق دون أن يرى في ذلك غضاضة عليه، والعفو عن البوادر الصادرة عن البعض بدون سوء نيّة وقصد.
ولما كانت تعاليم المترجم الأصولية والكلامية لم تصادف نجاحا يذكر بالمغربين الأوسط والأقصى لم تتخرج عليه إلا طائفة محصورة العدد من الفقهاء والصوفية وعلى رأس هؤلاء الأخيرين علي بن حرزهم المتوفى سنة ٥٥٩/ ١١٦٤ الذي قال عنه الساحلي الأندلسي في «بغية السالك» (خط) «أنه أحكم كتاب الإحياء وضبط مسائله وكان يستحسنه ويثني عليه»، ومن تلامذته الفقهاء عبد الرحمن بن محمد الكتامي المعروف بابن العجوز السبتي. والمترجم قام بدور الرائد المصلح الذي هيّأ الأذهان، وأيقظ العقول لتلقّي تعاليم الغزالي التي أصبحت بعد وفاة المترجم بزمن غير طويل من دعائم مذهب دولة الموحدين التي قضت على دولة المرابطين وحلّت محلها.
أدبه:
إن عاطفة التديّن ألهمت المترجم نظم الشعر الجيد الرقيق مثلما ألهمت شيخه الشقراطسي من قبل نظم لاميته في مدح الرسول ﵇ وذكر معجزاته، ومن أطول وأجود شعر المترجم القصيدة المنفرجة التي نظمها على إثر ضائقة لحقته، والتي صحح نسبتها إليه كثير من أهل العلم ومطلعها:
اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج
стр. 1544
وهو متأثر بالمنفرجة التي تنسب للغزالي وإن كان المترجم أسلس نظما وأخصب خيالا وها هي ذي أبيات من المنفرجة المنسوبة للغزالي نذكرها للمقارنة:
الشدة أودت بالمهج ... يا رب فعجّل بالفرج
فهاجت لدعاك خواطرنا ... والويل لها إن لم تهج
واغلق باب الضيق وشدته ... وافتح ما سدّ من الفرج
عجنا لحماك نقصده ... والأنفس في أوج الوهج
وصادفت منفرجة أبي الفضل الذيوع والانتشار وقامت حولها حركة أدبية شرحا أو تخميسا، ومن أشهر شروحها شرح القاضي شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري المسمى «الأضواء البهجة في إبراز دقائق المنفرجة» وشرحها الفقيه الصوفي المغربي ابن عجيبة وخمسها ابن الشباط التوزري وسمى تخميسه «عجالة الروية في تسميط القصيدة النحوية» أورد التخميس برمته العبدري في رحلته (١) وطالعه:
يا من يشكو ألم الحرج ... ويرى عسره قرب الفرج
أبشر بشذى أوج الفرج ... اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
ويوجد ضمن مجموعة قصائد بالمتحف البريطاني رقم ١٣٩٣، وخمسها عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي التونسي المولد المتوفى بقسنطينة سنة ٦٣٦/ ١٢٣٩ وطالعه:
لا بدّ لضيق من فرج ... والصبر مطيّة كل شجي
وبدعوة أحمد فالتهجي ... اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
стр. 1545
وتخميسه أورده كاملا الغبريني في «عنوان الدراية (٢)».
ومن شعر ابن النحوي ذي النزعة الصوفية:
عطاء ذي العرش خير من عطائكم ... وسيبه واسع يرجى وينتظر
أنتم يكدّر ما تعطون منّكم ... والله يعطي ولا منّ ولا كدر
لا حكم إلا لمن تمضي مشيئته ... وفي يديه على ما شاءه القدر
ومن شعره الرائق ما قاله في مدينة فاس:
يا فاس منك جميع الحسن مسترق ... وساكنوك ليهنهم ما رزقوا
هذا نسيمك أم روح لراحتنا ... وماؤك السلسل الصافي أم الورق
أرض تخللها الأنهار داخلها ... حتى المجالس والأسواق والطرق
وله في النثر بعض الأدعية ووصية، وهذه الأخيرة ذكرها الغبريني في «عنوان الدراية» (٣) وله مقطعة في مدح مالك ومذهبه ذكرها القاضي عياض في ترتيب المدارك في ترجمة مالك (٤).
المصادر والمراجع:
- الاستقصاء لدول المغرب الأقصى لأحمد بن خالد الناصري السلاوط (الدار البيضاء ١٩٥٤) ١/ ١٥٣، ٢/ ٦٧ - ٦٨، الأعلام ٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص ٣٩٠، البستان ٢٩٩ - ٣٠٤، بغية الوعاة ٢/ ٣٦٢، تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ٩٣، التشوف إلى رجال التصوف تحقيق أحمد التوفيق (الرباط ١٤٠٥/ ١٩٨٤) ص ٩٥ - ١٠١، توشيح الديباج لبدر الدين القرافي ٢٦٥، الجديد في أدب الجريد ٥٥ - ٦١، جذوة الاقتباس ٣٤٦ - ٣٤٧، الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي ٢٩٩ - ٣٠١، الخريدة قسم شعراء المغرب (تونس ١٩٦٦) ١/ ١١٠، سيرة القيروان لمحمد العروسي المطوي ٦٧ - ٦٨، شجرة النور الزكية ١٢٦، العلاقات بين تونس وإيران لعثمان الكعاك ١٩٩ - ٢٠٠، عنوان الأريب