«التبصرة» وروى عنه صحيح البخاري، ولما لقي اللخمي سأله ما جاء بك؟ فقال جئت لأنسخ تأليفك التبصرة، فقال له إنما تريد أن تحملني في كفّك إلى المغرب أو كلاما هذا معناه مشيرا إلى أن علمه كله في هذا الكتاب.
وأخذ عن الإمام المازري فقرأ عليه أصول الفقه، وعلم الكلام، وكان المازري إماما مبرزا فيهما. في هذا الجو العلمي تنفس المترجم، وتأثر به، فكان مثل شيخه اللخمي مائلا إلى الاجتهاد في الفقه، متمكّنا من الأصلين أصول الدين (علم الكلام) وأصول الفقه مثل شيخنا الإمام المازري، شاعرا أديبا لغويا مثل شيخه الشقراطسي وإذا كانت تونس قبيل ذلك العصر نبتت فيها طلائع متأثرة بتعاليم شيخ أهل السنّة أبي الحسن الأشعري في علم الكلام مع العناية بأصول الفقه، وميل بعض فقهائها إلى الاجتهاد المذهبي، فإن الطابع الغالب لدى فقهاء المغربين الأوسط والأقصى في عهد المرابطين هو النفور من علم الكلام، وأصول الفقه، ولقد لقي المترجم المتاعب والمقاومة من الفقهاء والرؤساء زمن استقراره بالمغرب الأقصى عند ما أقرأ علم الكلام، وعلم أصول الفقه.
وبعد أن استكمل المترجم رحلته العلمية رجع إلى بلده توزر ثم بارحها في ظروف غامضة لظلم الوالي له، ولبث متجوّلا بين مدن الجزائر والمغرب الأقصى مدرّسا للنحو، والفقه، والأصول، وعلم الكلام، سالكا طريق الزهد والتقشف، ففي الجزائر أخذ عنه النحو عبد الملك بن سليمان التاهرتي، وفي فاس أقرأ «اللمع» في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي، ودرّس علم الكلام وذلك سنة ٤٩٠/ ١٠٩٧.
دخل ابن دبوس قاضي فاس الجامع والمترجم يدرّس علم الكلام، فأمر بإبطال الدرس، ولما انتقل إلى سجلماسة جنوبي المغرب
стр. 1542
الأقصى استمر في تدريس الأصلين، فأمر ابن بسّام أحد رؤساء البلد بطرده من المسجد قائلا: «هذا يريد أن يدخل علينا علوما لا نعرفها».
وقد تأثر المترجم بهذه المضايقة والمعاملة السيئة من أجل نشره لعلمين غير معروفين في المغرب ودعا على مضطهديه ولعلّه في هذه الفترة قال بيتيه المشهورين:
أصبحت في من له دين بلا أدب ... ومن له أدب خال من الدين
أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا ... كبيت حسان في ديوان سحنون
أشار في العجز الأخير إلى بيت حسان بن ثابت في باب الجهاد من المدوّنة:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
ويبدو أن المترجم كان متأثرا بتعاليم الإمام الغزالي الصوفية الفلسفية المتقيدة بالأصول الإسلامية، ومعجبا به غاية الإعجاب، لما أفتى ابن حمدين قاضي قرطبة بحرق كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي وتابعه على فتواه طائفة من الفقهاء الرسميين بالأندلس والمغرب الأقصى، وانصاع أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي لرأي الفقهاء فأصدر أمره بجمع نسخ الإحياء وبإحراقها وتحليف الناس الأيمان المغلظة أن ليس لديهم «الإحياء» كتب إليه المترجم معارضا لفتوى ابن حمدين ومنتصرا للغزالي ومفتيا بعدم لزوم تلك الأيمان، وكان المترجم قد انتسخ كتاب الإحياء في ثلاثين جزءا ليقرأ منه جزءا في كل يوم من أيام رمضان ويقول: «وددت أني لم انظر في عمري سوى هذا الكتاب».
ولعلّ هذه المضايقات المستمرة دعت المترجم إلى الخروج من المغرب الأقصى والاستقرار بالقطر الجزائري منتقلا بين مدنه كبجاية
стр. 1543
وقلعة بني حماد، ولم يسلم من إيذاء الفقهاء الرسميين بهذا القطر، وظهر تأثير التربية الصوفية لدى المترجم في صبره على تحمّل صنوف الأذى من أجل أفكاره ومبادثه، وعزوفه عن تقلّد المناصب، وقبول الهدايا، مقتصرا في معاشه على ما يرد إليه من بلده توزر مع ميله إلى الإنصاف من نفسه بالرجوع إلى الحق دون أن يرى في ذلك غضاضة عليه، والعفو عن البوادر الصادرة عن البعض بدون سوء نيّة وقصد.
ولما كانت تعاليم المترجم الأصولية والكلامية لم تصادف نجاحا يذكر بالمغربين الأوسط والأقصى لم تتخرج عليه إلا طائفة محصورة العدد من الفقهاء والصوفية وعلى رأس هؤلاء الأخيرين علي بن حرزهم المتوفى سنة ٥٥٩/ ١١٦٤ الذي قال عنه الساحلي الأندلسي في «بغية السالك» (خط) «أنه أحكم كتاب الإحياء وضبط مسائله وكان يستحسنه ويثني عليه»، ومن تلامذته الفقهاء عبد الرحمن بن محمد الكتامي المعروف بابن العجوز السبتي. والمترجم قام بدور الرائد المصلح الذي هيّأ الأذهان، وأيقظ العقول لتلقّي تعاليم الغزالي التي أصبحت بعد وفاة المترجم بزمن غير طويل من دعائم مذهب دولة الموحدين التي قضت على دولة المرابطين وحلّت محلها.
أدبه:
إن عاطفة التديّن ألهمت المترجم نظم الشعر الجيد الرقيق مثلما ألهمت شيخه الشقراطسي من قبل نظم لاميته في مدح الرسول ﵇ وذكر معجزاته، ومن أطول وأجود شعر المترجم القصيدة المنفرجة التي نظمها على إثر ضائقة لحقته، والتي صحح نسبتها إليه كثير من أهل العلم ومطلعها:
اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج
стр. 1544
وهو متأثر بالمنفرجة التي تنسب للغزالي وإن كان المترجم أسلس نظما وأخصب خيالا وها هي ذي أبيات من المنفرجة المنسوبة للغزالي نذكرها للمقارنة:
الشدة أودت بالمهج ... يا رب فعجّل بالفرج
فهاجت لدعاك خواطرنا ... والويل لها إن لم تهج
واغلق باب الضيق وشدته ... وافتح ما سدّ من الفرج
عجنا لحماك نقصده ... والأنفس في أوج الوهج
وصادفت منفرجة أبي الفضل الذيوع والانتشار وقامت حولها حركة أدبية شرحا أو تخميسا، ومن أشهر شروحها شرح القاضي شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري المسمى «الأضواء البهجة في إبراز دقائق المنفرجة» وشرحها الفقيه الصوفي المغربي ابن عجيبة وخمسها ابن الشباط التوزري وسمى تخميسه «عجالة الروية في تسميط القصيدة النحوية» أورد التخميس برمته العبدري في رحلته (١) وطالعه:
يا من يشكو ألم الحرج ... ويرى عسره قرب الفرج
أبشر بشذى أوج الفرج ... اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
ويوجد ضمن مجموعة قصائد بالمتحف البريطاني رقم ١٣٩٣، وخمسها عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي التونسي المولد المتوفى بقسنطينة سنة ٦٣٦/ ١٢٣٩ وطالعه:
لا بدّ لضيق من فرج ... والصبر مطيّة كل شجي
وبدعوة أحمد فالتهجي ... اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
стр. 1545
وتخميسه أورده كاملا الغبريني في «عنوان الدراية (٢)».
ومن شعر ابن النحوي ذي النزعة الصوفية:
عطاء ذي العرش خير من عطائكم ... وسيبه واسع يرجى وينتظر
أنتم يكدّر ما تعطون منّكم ... والله يعطي ولا منّ ولا كدر
لا حكم إلا لمن تمضي مشيئته ... وفي يديه على ما شاءه القدر
ومن شعره الرائق ما قاله في مدينة فاس:
يا فاس منك جميع الحسن مسترق ... وساكنوك ليهنهم ما رزقوا
هذا نسيمك أم روح لراحتنا ... وماؤك السلسل الصافي أم الورق
أرض تخللها الأنهار داخلها ... حتى المجالس والأسواق والطرق
وله في النثر بعض الأدعية ووصية، وهذه الأخيرة ذكرها الغبريني في «عنوان الدراية» (٣) وله مقطعة في مدح مالك ومذهبه ذكرها القاضي عياض في ترتيب المدارك في ترجمة مالك (٤).
المصادر والمراجع:
- الاستقصاء لدول المغرب الأقصى لأحمد بن خالد الناصري السلاوط (الدار البيضاء ١٩٥٤) ١/ ١٥٣، ٢/ ٦٧ - ٦٨، الأعلام ٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص ٣٩٠، البستان ٢٩٩ - ٣٠٤، بغية الوعاة ٢/ ٣٦٢، تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ٩٣، التشوف إلى رجال التصوف تحقيق أحمد التوفيق (الرباط ١٤٠٥/ ١٩٨٤) ص ٩٥ - ١٠١، توشيح الديباج لبدر الدين القرافي ٢٦٥، الجديد في أدب الجريد ٥٥ - ٦١، جذوة الاقتباس ٣٤٦ - ٣٤٧، الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي ٢٩٩ - ٣٠١، الخريدة قسم شعراء المغرب (تونس ١٩٦٦) ١/ ١١٠، سيرة القيروان لمحمد العروسي المطوي ٦٧ - ٦٨، شجرة النور الزكية ١٢٦، العلاقات بين تونس وإيران لعثمان الكعاك ١٩٩ - ٢٠٠، عنوان الأريب
стр. 1546
١/ ٥٠ - ٥٢، كشف الظنون ٢/ ١٩٤٦ - ٤٧، مجمل تاريخ الأدب التونسي ١٧٢ - ١٧٥، معجم المؤلفين ١٣/ ٣٣٤، المقتضب من تحفة القادم ٩٠٨، نيل الابتهاج ٣٤٩ - ٣٥١، هدية العارفين ٢/ ٥٥١، الوفيّات لابن قنفذ ٤٠، ومن الملاحظ أن ابن قنفذ نسبه بسكريا لكن في مصادر ترجمته النص على أنه توزري، ومن الحكايات المثبتة لهذا أنه لما كان بقلعة بني حماد مرّ بالفقيه أبي عبد الله بن عصمة فلم يسلم عليه لشغل باله فلما رجع ناداه محتقرا يا يوسف، فجاءه فقال له يا توزري اصفرّت وجهك ورققت ساقيك وصرت تمرّ ولا تسلم فاعتذر فلم يقبل وأغلظ له في القول فقال له غفر الله لك يا فقيه، يا أبا محمد وانصرف، توشيح الديباج لبدر الدين القرافي ص ٢٨٥، بلاد البربر الشرقية على عهد الزيريين (بالفرنسية) ٢/ ٧٣٢ - ٧٩٨، الحياة الأدبية بإفريقية في عصر الزيريين (بالفرنسية) ١٩٧ - ١٩٩، بلاد البربر الإسلامية لجورج مارسي (الجزائر ١٩٤٦) ١٩٠ - ٢٠١.
стр. 1547
٥٨٠ - النخلي (١٢٨٥ - ١٣٤٢ هـ) (١٨٦٧ - ١٩٢٤ م)
محمد النخلي القيرواني، من أعلام جامع الزيتونة في عصره، كان هو والشيخ محمد الطاهر بن عاشور يشار إليهما بالرسوخ في العلم، وسعة الاطّلاع، وجودة البيان مع الميل إلى آراء الشيخ محمد عبده، دخل جامع الزيتونة سنة ١٣٠٤/ ١٨٨٦ فأخذ على جلّة أعلامه كالمشايخ: عمر بن الشيخ، وسالم بو حاجب، ومحمد الطيب النيفر، ومصطفى رضوان، ومحمد النجار، ومحمود بن محمود، وأحمد بن مراد، وصالح الشريف.
وبعد تخرّجه انتصب للتدريس بجامع الزيتونة، وتدرج، واجتاز المناظرات إلى أن وصل مدرّسا من الطبقة الأولى، وتخرّج عليه كثيرون منهم المصلح الجزائري الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكان له عليه تأثير. وفي سنوات التدريس ختم الكتب العالية في علوم شتى، فشاع بذلك ذكره، وارتفع قدره، وكانت له شجاعة أدبية في الجهر بآرائه المخالفة للمتعارف في وسطه، ومنها آراء الشيخ عبده في وقت كان فيه الميل إلى مدرسة الشيخ عبده واعتقاد صحة أقوالها عنوان زندقة وانحراف عن الطريق السوي، ومن جملة ما جاهر به إنكاره لمسخ الصور حتى قال فيه الشيخ محمد بوشارب الهلالي (من قصر هلال):
أنكر المسخ وفي خلقته ... شاهد عدل لقوم يعقلون
وكان غير جميل الوجه، وكان حرّ التفكير لا يقدس أقوال القدماء
стр. 1548
بل ينتقدهم، ويبيّن ما في أقوالهم من زيف ومخالفة للمعقول فقاومه المتزمتون الجامدون الذين يرون الحق فيما قاله الأسلاف، ولا يستطيبون إعمال العقل والخضوع لمقاييسه واتهموه في عقيدته لأن في نظرهم تقرير ما يمليه العقل زندقة وانحراف.
وعدا دروسه بجامع الزيتونة درس بالخلدونية فلسفة الأخلاق، وكان عضوا في الجمعية الزيتونية رفقة الشيخ محمد الخضر حسين قصد العمل على إصلاح التعليم الزيتوني، وكان يقول الشعر ويجيده.
توفي بتونس في رجب وحمل جثمانه إلى القيروان، وكانت جنازته مشهودة قبل حمل جثمانه إلى القيروان وكذلك بالقيروان ودفن بالجناح الأخضر.
له ألفيّة في الجغرافيا.
المراجع:
- أليس الصبح بقريب لمحمد الطاهر بن عاشور، التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح بجامع الزيتونة للطاهر الحداد (تونس ١٤٠١/ ١٩٨١) ٦٣ - ٦٤ تقديم وتحقيق محمد أنور بوسنينة، في آخر الكتاب تراجم الأعلام لمحقّق الكتاب ص ٩٨ - ٩٩.
стр. 1549
٥٨١ - ابن نخيل ( ... - ٦١٨ هـ) ( ... - ١٢٢٢ م)
محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن نخيل الأندلسي، أبو عبد الله، نزيل تونس، الأديب، الكاتب، المورّخ، وكان أبوه شاعرا صالحا.
لما استنقذ الخليفة عبد المؤمن بن علي البلاد التونسية من الاحتلال النرماني في سنة الأخماس ٥٥٥/ ١١٦٩ أصبحت تونس جزءا من السلطنة الموحدية الشاسعة، يتعاقب عليها الولاة من الموحدين، إلى أن انقطعت عن الدولة الموحدية واستقلّ أبو زكريا يحيى الحفصي سنة ٦٢٦/ ١٢٢٩ مغتنما فرصة ضعف الدولة الموحدية. وكانت تونس والجزائر - إذ ذاك - تجتازان أزمات الاختلال والاضطراب من جرّاء ثورة بني غانية الميورقيين من بقايا الملثمين المرابطين، وطموح بعض أمراء الطوائف إلى التغلّب على الجهات التي كانوا يحكمونها مستغلين بعد السلطة المركزية عنهم، فحاول بنو الرند استعادة قفصة وما يتبعها من بلاد الجريد، لكن الخليفة أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن قضى على إمارتهم نهائيا في سنة ٥٧٦/ ١١٨١.
أما ثورة بني غانية فإنها شكّلت تهديدا خطيرا لنفوذ الموحدين بإفريقية، وكادت تعصف بحكمهم وأشاعت الفوضى والاضطراب، ونشرت الخراب والدمار، والبلاد لم تندمل جراحها من زحفة الأعراب وتفكّك الوحدة واحتلال النرمان، وكانت القبائل العربية التي استقرت بالبلاد الإفريقية منذ زحفها في أواخر حكم المعزّ بن باديس الزيري
стр. 1550
الصنهاجي لا يلذ لها العيش إلا في ظل الفوضى والاستجابة السريعة لكل ناعق بفتنة أو داعية إلى ثورة طمعا في الأسلاب والغنائم، ولا تحب قيام نظام قوي يقضي على ميولها الفوضوية، ونزوعها إلى الشغب، وتعاطيها السلب والنهب بمختلف العناوين، وظهرت هذه الخصائص وبرزت بروزا بيّنا إبان ضعف الدولة الحفصية مما سبّب لها كثيرا من المتاعب والمشاكل، وقد استغل بنو غانية هذه الخصائص والمساوئ من القبائل العربية واستعانوا بها على تمديد مدة الثورة على الموحدين مما دعا خلفاءهم بالمغرب الأقصى إلى القدوم بأنفسهم إلى تونس لتدبير الخطط الرامية إلى القضاء على الثورة، فقدم إلى تونس أمير المؤمنين يعقوب المنصور سنة ٥٥٨/ ١١٧٢ وابنه الناصر الذي جاءها سنة ٦٠١/ ١٢٠٤ صحبة الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص جدّ الملوك الحفصيين في وقت استفحال أمر يحيى بن إسحاق الميورقي الثائر الذي استولى على تونس العاصمة وسوسة والقيروان عدا بلاد الجريد ونفزاوة وطرابلس، وسار أمير المؤمنين الناصر الموحدي في جيش كثيف فاسترجع منه تونس والمهدية وقابس حتى اضطر يحيى بن غانية للفرار قاصدا طرابلس فأذن الناصر الموحدي الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص بملاحقته فالتقى به في تاجرّا قرب مدنين وحطمه شرّ تحطيم، واكتفى الثائر بنجاة رأسه لاجئا إلى التراب الليبي ريثما يجمع قواه، ويعيد الكرة ليشتبك في معركة أخرى مع الموحدين سنة ٦٠٤/ ١٢٠٥ بشبرو على مقربة من تبسّة، وفي سنة ٦٠٦/ ١٢٠٧ بسفح جبل نفوسة بليبيا وفي المعركتين انتصر عليه الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص انتصارا ساحقا.
وقبل أن يعود الخليفة الناصر إلى المغرب سنة ٦٠٣/ ١٢٠٤ ولّى الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص أمر إفريقية لما عهد فيه من الكفاءة والحزم والتفاني في خدمة الدولة الموحدية، وهي خصال زادتها
стр. 1551
الأحداث ثباتا ورسوخا، ومنحه صلاحيات واسعة لحكم الإمارة الإفريقية، ولأول عهد ولايته لمع نجم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن نخيل فعيّنه في أول الأمر رئيسا لديوان الأعمال، ثم رئيسا لديوان الرسائل، قال الحافظ المؤرّخ ابن الأبّار في كتابه «إعتاب الكتاب» واصفا نفوذ كلمته وارتفاع مكانته وانتقاله من ديوان الأعمال إلى ديوان الرسائل «وكان ابن نخيل لأول هذه الإيالة المباركة من فاز بقدح النباهة المعلّى، وعاد يعدّ العطل من الوجاهة المحلّى، نقلته السعادة من ديوان الأعمال إلى ديوان الرسائل، وأعلقته بأعظم الحرمات وأشرف الوسائل، فأجاد الإنشاء وتبوأ من رفيعات المراتب حيث شاء، مفردا بخلوص الحماية ومحكموها ومعتمدا بخصوص العناية وعمومها، لا إنشاء عليه في توقيع ولا اقتصار بعد على ترفيع».
ويبدو أن ابن نخيل أعان الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص على توطيد أركان ولايته، واعتمد عليه اعتمادا كليّا في تسيير شئونها لما لمس فيه من كفاءة، ومكارم أخلاق، وحسن معاملة للناس، قال ابن الشمّاع في «الأدلة البيّنة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية» عند الكلام عن إمارة الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص: «ولما ولي استكتب محمد بن نخيل المشهور بالجود وحسن الوساطة، فكان الناس معهما في كل خير وساس الناس سياسة حسنة طال عهدهم بها فأمّنهم وحباهم، فرأوا من بركته وبركة أيامه وحسن رعاية من يصلهم وأحبّوه الحبّ الشديد».
وفي مدة الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص كون ابن نخيل ثورة كبيرة حاول من أجلها حسّاده ومبغضوه أن يفسدوا ما بينه وبين رئيسه الذي أصمّ أذنيه عن سماع كل السعايات، وقبض على بعض أصحابها، وأبقاه في شامخ عزّه، وإلى هذا أشار ابن الأبّار بقوله:
стр. 1552
«وبلغ ابن نخيل ما ليس عليه من مزيد الارتفاع المشيد غلب على مشرفه بالاصطناع غلبة جعفر على الرشيد، فنهى وأمر آمنا من التعقيب، وأورد وأصدر نائما عن التثريب، وقد فوّض إليه في كافة الأمور، وقطرت عليه قصص الخاصة والجمهور إلى أن كثب بالمعايات المحضة، وقذف باحتجان ما يخرج من الحسبان من الذهب والفضة، وما أثّرت في انتقاص ثروته ولا اعترف على انتقاص حظوته، بل صمم عنها المجد الصميم صمما وعمّ المنتسبين إليه والمتجنبين إليه قبضا وقمما».
ولكن الحظ لم يبسم طويلا لابن نخيل بعد وفاة مخدومه ووليّ نعمته الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص سنة ٦١٨/ ١٢٢٢ الذي تولى مكانه ابنه عبد الرحمن الذي عزل بعد ثلاثة أشهر من ولايته وغوّض بالسيد أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن الذي وصل إلى تونس في ذي القعدة سنة ٦١٨/ ١٢٢٢، وبعد شهر من وصوله قبض على ابن نخيل وعلى أخويه أبي بكر ويحيى، وصادر أموالهم من منقول وعقار، ثم قتل ابن نخيل وأخاه يحيى لشهر من اعتقالهما بعد فرار أولهما من السجن وإعادة اعتقاله، ونقل أخاهما أبا بكر إلى مطبق المهدية.
ومن أسباب نكبة ابن نخيل أنه في أيام الإقبال بدرت منه فلتات لسانية وخطية في حق الخليفة الموحدي يوسف المنتصر ابن الناصر فأذن هذا قريبه السيد أبا العلاء إدريس بالتنكيل به ومصادرة أمواله.
ألّف ابن نخيل في التاريخ كتابا سمّاه تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية (دليل مؤرخ المغرب الأقصى) لم يصل إلينا وإنما نقل عنه المؤرخون التونسيون فقرات في تآليفهم كالتجاني في رحلته، وابن خلدون، والزركشي وابن أبي دينار ومقديش (واسمه عندهما ابن بخيل
стр. 1553
وهو تحريف من الناسخ أو الطابع)، ونقل عنه ابن سعيد الأندلسي في كتابه «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة»، ويظهر من النصوص التي نقلها عنه التونسيون أنه تحدّث في تاريخه عن أمراء الطوائف في عهد انحلال الدولة الزيرية الصنهاجية كأمراء بني جامع بقابس، وبني الرند بقفصة والجريد، وعن الدولة الموحدية وزعيمها المهدي بن تومرت، وعن ظهورها، وخلفائها إلى عصره، وعن الأحداث الواقعة بتونس عند ما كانت تابعة للسلطنة الموحدية كمحاولة رجوع بني الرند إلى حكم قفصة والجريد، وثورة بني غانية الذي ذكر تفاصيلها بكثير من الدقة والإسهاب، ووصل بتاريخه إلى عهد مخدومه الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص، ويفهم من نقل ابن سعيد عنه في «الغصون اليانعة» أنه ترجم للأعلام والأدباء، وله عناية بالأنساب، وعنه نقل المؤرخون الذين جاءوا بعده نسب المهدي بن تومرت ونسب بني أبي حفص، وأورد في تاريخه بعض النصوص الأدبية المتعلقة بالأحداث كقصيدة عبد البرّ بن فرسان في إحدى انتصارات يحيى بن إسحاق الميورقي، وحلّى كتابه ببعض الحكايات التي تكشف عن أخلاق وصفات الذين ترجم لهم مثل الحكاية التي نقلها عنه الكثير من المؤرخين في جودة فهم وذكاء أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص.
وذكر التجاني في «رحلته» أن لابن نخيل تاريخا لإفريقية وتونس، ولعلّه الكتاب السابق الذكر، وتصرف التجاني في اسمه وموضوعه وقد احتفظ لنا ابن الأبّار بمناسبة انتصار الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص على الثائر يحيى بن إسحاق الميورقي في واقعة شبرو في منتصف صفر سنة ٦٠٤/ ١٢٠٨ برسالة من إنشاء ابن نخيل، وبرسالة ثانية بمناسبة انتصاره على الثائر يحيى الميورقي في واقعة منهل وادي موسى من سفح جبل نفوسة بليبيا سنة ٦٠٦/ ١٢١٠، وفي الرسالتين يتجلى نثره الفني بخصائصه من ميل إلى تقسيم الكلام إلى
стр. 1554
فقرات مقفاة موزونة باستخدام المحسنات البديعة من جناس وسجع، ونزوع إلى الاقتباس وتضمين الأمثال السائرة، ونثر الأبيات الشعرية حسب الطريقة المتّبعة لدى كتّاب عصره شرقا وغربا، وبالرغم من هذه القيود اللفظية فإنه استطاع أن يبرز معانيه وأغراضه في صور بيانية واضحة التقاسيم والملامح، وله حاسّة فنية يقظة تلتقط من المشاهد المتعددة أبرز الصور التي تسترعي النظر وتجلب الانتباه فيصوغها في وصف دقيق بريشة فنان يحسن المزاوجة بين الأصباغ والألوان لتخرج الصورة نابضة بالحركة والحياة، وقد وصف خروج الأعراب للقتال مصحوبين بنسائهم وأطفالهم وإبلهم، وصوّر مشهد الفوضى والاختلاط عند انهزامهم وسهولة الإجهاز عليهم وسط هذا الركام من الناس والأنعام، وهي ظاهرة احتفظت بها القبائل العربية بتونس إلى العصور المتأخرة وسجّلها الملاحظون الأجانب إبان الاحتلال الإسباني لتونس.
ولا تخلو الرسالة من معلومات تاريخية مفيدة كأسماء القبائل الموالية للموحدين أو الموالية للميورقي وإيراد تفاصيل دقيقة للأحداث.
المصادر والمراجع:
- الأدلة البيّنة النورانية لابن الشماع تحقيق عثمان الكعاك (تونس ١٩٣٦) ص ٤٠ مع تعليق محقّق الكتاب، إعتاب الكتاب لابن الأبّار تحقيق د/صالح الأشتر (دمشق ١٣٨٠/ ١٩٦١) ص ٢٣٥ - ٢٤٩، دليل مؤرخ المغرب الأقصى لعبد السلام بن سودة (تطوان ١٣٦٩/ ١٩٥٠) ص ١٦٢ (وتحرّف فيه إلى ابن نجيل)، رحلة التجاني ١٠٨ - ١٤٧، الغضون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة لابن سعيد الأندلسي تحقيق إبراهيم الابيارى ص ٩٨ - تعليق (٢) (محرّفا إلى ابن نجيل)، بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين لروبير برانشفيك (بالفرنسية) ١/ ١٧ تعليق رقم ٢٤ - ٢/ ٣٨٥.
стр. 1555
٥٨٢ - ابن نصيب ( ... - ١٣١٦ هـ) ( ... - ١٨٩٧ م)
علي بن نصيب الكافي، العالم الفلكي، ولد بمدينة الكاف، وتلقى العلم بجامع الزيتونة، ودرّس به، ومن الآخذين عنه الشيخ عبد الرحمن البناء المفتي المالكي وكان له الفضل في تهذيب علوم الفلك وشرحها وإفراغها في قالب جديد من البيان والتوضيح.
وعلى إثر وفاته تلاشت مكتبته حيث باعها ورثته.
وكانت طريقته في التأليف أن يعمد إلى فرع من فروع الفلك فيؤلّف فيه كتابا ثم كتابا آخر وهكذا دواليك حتى تتكون له من ذلك موسوعة.
مؤلفاته:
١) الخلاصة النقية في أنواع من العلوم الفلكية وضع فيه زيجا تونسيا أقامه على أصول الرصد الجديد الذي وضعه جماعة في سمرقند على عهد الأمير العالم بالفلك والرياضيات الوغ نك حفيد تيمورلنك، كما درس فيه الأصول التي تصنع منها الجداول التي يشتمل عليها هذا الزيج وطرق تركيبها بالطرق الحسابية الفلكية، وذكر أنه ألّفه سنة ١٢٩٩ هـ.
٢) غنية اللبيب في الحل والتركيب.
٣) المنهج القويم في تقديم الكواكب السبعة بطريق الدرّ اليتيم.
وهذان الكتابان أدرجهما ضمن موسوعة الخلاصة وهما يتعلقان بطريقة حساب تقويم الكواكب السيّارة على الأصول التي وضعها
стр. 1556
أحمد بن المجدي، وذلك لمدة طويلة تصلح للعمل بها سنة كاملة بحساب كل يوم حتى لا يحتاج الفلكي إلى عمل حساب كل يوم خاص به وهكذا، وهذه طريقة جليلة درجت عليها التقاويم الأوربية الآن.
٤) الدرر المنثورة في التواريخ المشهورة، ألّفه في دراسة أصول التواريخ المستعملة لدى الأمم كالتاريخ الهجري والميلادي والقبطي والرومي والعبري، واستخراج بعضها من بعض.
٥) مجموعة في الرمل.
٦) مجموعة في التنجيم.
٧) مجموعة في الجفر والزايرجة.
٨) مجموعة في العلوم الحكمية (سرّ الحرف وما إليه) وله فيها اليد الطولى.
المرجع:
- هذه الترجمة من رسالة بعثها إليّ الأخ القاضي الفاضل الأستاذ محمد الطيّب بسيّس جزاه الله خيرا في ١٤ نوفمبر ١٩٨٢.
стр. 1557
٥٨٣ - النعجة ( ... - نحو ٣٠٠ هـ) ( ... - ٩١٣ م)
حمدون (١) بن إسماعيل القيرواني الملقّب بالنعجة، أبو عبد الله، الأديب النحوي، اللغوي، قرأ النحو واللغة على أبي الوليد المهري، ويقال إنه أعلم بالنحو خاصة من شيخه المهري لأنه كان يحفظ كتاب سيبويه. قال الزبيدي: «كان أحد المتشدقين في كلامه والمتقعرين في خطابه، وكان معلمه المهري على خلاف ذلك لأن المهري من عقلاء العلماء، ولم يكن حمدون موصوف بالعقل وكان في شعره تكلّف وضعف، وهو في العربية والغريب الغاية التي لا بعدها».
وكان مؤدبا للصبيان روى الزبيدي (٢) في ترجمة أبي محمد المكفوف «وكان يجلس مع حمدون في مكتبه فربما استعار بعض الصبيان كتابا فيه شعر أو غريب أو (شيء) (٣) من أخبار العرب فيقتضيه صاحبه (إياه) (٤) فإذا ألحّ عليه أعلم بذلك أبا محمد المكفوف فيقول له اقرأه عليّ فإذا فعل ذلك قال أعده ثانية، ثم يقول ردّه على صاحبه ومتى شئت فتعال حتى أمليه عليك».
стр. 1558
مؤلفاته:
١) أوضاع في اللغة (٥).
٢) كتاب في النحو.
المصادر والمراجع:
- أنباه الرواة ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣، بغية الوعاة ١/ ٥٦، البلغة في أئمة اللغة ١٧٥، طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ٢٥٧، معجم المؤلفين ٩/ ٦٠، ورقات من الحضارة ... ١/ ١٦٧ - ١٧٠، وذكر أن وفاته في سنة ٣٨٥ وهو بعيد جدا لأن تلميذه المكفوف توفي سنة ٣٠٨ ومن المستبعد أن يعيش بعده شيخه المترجم له نحو ٧٧ سنة، وشيخ المترجم المهري توفي سنة ٢٥٦ فكم يكون بين وفاة التلميذ وشيخه؟ يكون لأكثر من قرن؟ ووجدته يتصرف في النقل من (نكت العميان) للصفدي وزاد عبارات من كيسه مع أن صنيعه يقتضي أنه نقل نص كلام الصفدي إذ ذكر الكلام بين هاتين العلامتين () والصفدي نفسه ناقل عن الزبيدي كما قدّمنا.
وبمناسبة وفاته نقول إن القفطي والسيوطي ذكراها بعد المائتين.
стр. 1559
٥٨٤ - النفزاوي (نحو ٧٨٥ - نحو ٨٥٠ هـ) (١٣٨٣ - ١٤٤٦ م)
عبد الله بن أحمد بن قاسم بن مناد النفزاوي القيرواني الفقيه ، الصوفي، الناظم.
قرأ القرآن لنافع على محمد بن أبي زيد صاحب قصر المنستير، وقرأ الفقه على محمد بن مسعود، وعنه أخذ التصوف، وصحيح مسلم، وقرأ الشفا على محمد الرماح، وأبي القاسم بن ناجي، وكتاب البردعي والمورد العذب وكلاهما في الوعظ على حسن الحلفاوي، والأذكار على عبد الله بن محمد الشبيبي.
وشغف بالتصوف وأهله فأخذ عن أبي زيد عبد الرحمن البنّا، وسالم المزوغي، وغيرهما وحجّ مرارا ولقيه البقاعي وقال: إنه كان شيخا حسنا يلوح عليه الخير وسلامة الفطرة غير أنه متوغل في أمور الصوفية منهمك في عشرتهم، سريع النظم مع لحنه، وربما يقع له الوعظ، وعنده فضيلة.
دخل تونس، وقسنطينة وبسكرة.
مؤلفاته:
١) أنوار الفكر في أسرار الذكر، قصيدة.
٢) إنجاد الأنجاد في فضل الجهاد.
٣) الصفوة بشرح القهوة، قصيدة.
٤) قصيدة وعظية في أحوال الآخرة.
المصدر:
- الضوء اللامع ٥/ ١٠ - ١١.
стр. 1560
٥٨٥ - النفزاوي (من رجال القرن - ٨ هـ) (١٤ م)
محمد بن عمر النفزاوي عاش في دولة السلطان أبي فارس عبد العزيز الحفصي (٧٩٦ - ٨٣٧ هـ)، واشتهر بتأليف كتاب «الروض العاطر ونزهة الخاطر» وذكر في مقدمته أنه كتبه في بادئ الأمر بشكل مختصر سمّاه «مصباح الكون» ثم وسّعه وأضاف إليه بناء على اقتراح وزير الدولة آنذاك.
ولتأليف الكتاب قصة طريفة يرويها ريتشارد بيرتون Birton Richard (مترجم الكتاب إلى الإنجليزية) فيقول إن حاكم تونس عرض على الشيخ النفزاوي منصب القضاء لما عرف من علمه بالدين والقانون والأدب والطب، ولم يرغب الشيخ في هذا المنصب، ولكي لا يرفض للحاكم أمرا فقد طلب تأجيل تولّيه مهام القضاء حتى يتمكن من الانتهاء من كتاب يعمل به، فأجيب إلى طلبه، واستطاع إنهاء كتابه وأهدى منه نسخة إلى وزير الدولة آنذاك محمد بن عوانة الزناوي، ولفت الكتاب الانتباه، ولطبيعة موضوعه أصبح من المستحيل أن يسند إلى مؤلفه منصب كمنصب القاضي.
وإن كان يصعب تصديق هذه الحكاية فكتاب كهذا لا يمكن أن يضعه مؤلفه تهربا من تولّي منصب القضاء دون أن تكون لديه نيّة حقيقية واستعداد شامل لتأليف هذه «الموسوعة للسلوك الجنسي» كما وصفه آلان والتون (Walton) فمادة الكتاب وإن لم يذكر النفزاوي مراجعه إلا أنها اعتمدت على العديد من الكتابات الكلاسيكية العربية
стр. 1561
لشعراء وكتّاب نثر ومختارات أدبية وأطباء وفلاسفة وعلماء لغة بالإضافة إلى الكتابات الدينية.
وبعد انتهاء النفزاوي من كتابه زاره وزير الدولة في بيته وحينما تطرق الحديث إلى موضوع الكتاب يقول النفزاوي «احمرّ وجهي خجلا» فقال الوزير لا تخجل ما قلته في هذا الكتاب حقيقي لا يجب أن يصدم أحدا وإنك لست أول من عالج هذه المسائل ومن الضروري أن يعرف كل واحد ما جاء في هذا الكتاب وإنه من الجهل وقلّة الدراية أن يتجاهله المرء ويسخر منه لكني كنت أودّ أن يتناول الكتاب مسائل أخرى تتعلق بالموضوع حتى يأتي كتابك كاملا.
واقترح عليه الوزير إضافة ملحق للكتاب يصف فيه علاجا لبعض الحالات التي ذكرها، وسردا لدوافع العمل الجنسي وكل الحقائق المتعلقة به، له أو عليه دون حذف شيء ويكون الحديث بتفصيل أكثر عن العمل والعوامل المسبّبة للعقم وعلاجها وطرق إبطال مفعول السحر والرقي التي تستخدم للحدّ من القدرات الجنسية (وقد كانت منتشرة آنذاك)، بل وطريقة زيادة هذه القدرات، ثم وصف أدوية لإزالة الروائح الكريهة تحت الإبط ومناطق الأعضاء التناسلية، وما شابه ذلك.
وقد عمل الشيخ بالنصيحة، وضاعف حجم كتابه، وهذا لا ينفي أن النسّاخ أضافوا إلى الكتاب بعض ما عندهم من المعلومات عن الموضوع - كما هي العادة - خاصة وإن مادة الكتاب تلمس وترا حساسا عند معظم الناس.
والكتاب مقسم إلى ٢١ فصلا، يتناول كل فصل موضوعا مستقلا، وتشمل مختلف الموضوعات التي تتعلق بحياة الإنسان الجنسية من عملية الجماع بأنواعها المتعددة، وطرقها الصحيحة، وما
стр. 1562
هو ضارّ بها، والمؤثرات الخاصة لبعض الأطعمة عليها وعلى الأعضاء التناسلية والعجز الجنسي عند الرجل وأسبابه وعلاجه، والعقم عند النساء وأسبابه وعلاجه، والحمل وإمكانية معرفة نوع الجنين هل هو ذكر أم أنثى، والحقوق الجنسية لكلّ من الزوج والزوجة، وحدود حرية الرجل، والاستمتاع الجنسي، وعن مستحضرات التجميل والعطور، وما يزيل الروائح الكريهة من الجسم، ويتحدث أيضا عن الجنس الشاذ أسبابه وأنواعه من السحاق إلى اللواط إلى القوادين والنساء الشهوانيات، وعن أنواع النساء، وصفات كلّ منهنّ، وعن الجمال والجاذبية، وعن الغيرة ما لها وما عليها، وعن الطرق المختلفة لخيانة المرأة، وحيل الرجال للإيقاع بالنساء، بالإضافة إلى ذلك يسرد المؤلف حالات تاريخية، ونوادر توضّح ما يريد قوله مما يضفي على الكتاب نوعا من المرح كعادة الكتب العربية آنذاك.
والكتاب ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية، ويقول المترجم الإنجليزي بيرتون أنه قام بحذف بعض الفقرات التي بدت له أنها تصطدم مع العلوم الحديثة، وإن احتفظ ببعض المواد التي تبدو مضحكة في نظر القارئ الأوربي، ووجهة نظره في ذلك أنها تعطي فكرة عن عقلية الإنسان العربي ليس فقط في العصر الذي كتب فيه الكتاب، ولكن في العصر الحاضر أيضا، فلا يزال - على حدّ رأيه - كثير من العرب يؤمنون بالوصفات الطبية القديمة والعرافة والتنبؤ، ويحترمون الأشياء التي يلعب فيها السحر والأحجبة دورا كبيرا، ولا تنسى أن بيرتون هذا كان في أواخر القرن الماضي، كذلك احتفظ المترجم بالملح والنوادر التي تظهر أن العربي محبّ للظرافة مغرما بالتورية التي تلعب دورا كبيرا في حديثه عن الجنس، وإن انتقد بيرتون الشيخ النفزاوي أنه يضحّي أحيانا بالواقع في سبيل الخيال، ويقول إن هذه الصفات من العلامات المميزة للأدب العربي في تلك
стр. 1563
العصور، والروض العاطر مطعّم بالحكايات الشعبية الفكاهية المتعلقة بالجنس مما يضفي على الكتاب متعة، وهي تشبه في كتب علم النفس الجنسي الحديث الحالات التي تسرد لتوضيح حالة ما، كما يقدم معرفة نادرة لدراسة المجتمعات البشرية وعلم الأجناس وعلم النفس.
وهو يقدّم واقعا جنسيا وليس أدبا فاحشا، ومعرفة هذا الواقع الجنسي تعتبر أساسا صحيّا للحياة السليمة، وتأثير هذه المعرفة على الشخص العادي لا تنكر فائدته، وإن لاحت نوادر للإثارة الجنسية هنا وهناك فهي ليست مقصودة لذاتها وتختلف درجة تأثيرها من قارئ إلى آخر تبعا للمزاج وللبيئة.
وإذا كانت المادة أحيانا فظّة أو منافية للذوق السليم، إلا أنها في أماكن أخرى كثيرة تكشف عن فهم حسّاس للعواطف البشرية، ووعي حقيقي لأهمية التوافق الروحي والجسمي بين الأزواج المبني على التعاطف المتبادل والمحبة والولاء، ويعتبر البعض أن الشيخ النفزاوي كان سابقا لفان دي فيلد Van de Veld عالم أمراض النساء الشهير مؤلف كتاب «الزواج المثالي» الذي صدر عام ١٩٢٩، وقد ترجم الكتاب إلى العربية بل إن كتاب النفزاوي أشمل وأوسع في موضوعاته، وقد استفاد دي فيلد من كتاب النفزاوي.
ومما لا شك فيه أن كثيرا من الكتّاب ممّن كتبوا مؤلفات عامة في الجنس وإرشاداته - يدينون إلى الكتب الشرقية عامة ولكتاب النفزاوي خاصة، فها هو فلك إليس يرجع إليه ويستشهد بالنفزاوي في كتابه الأساسي «دراسات في علم النفس الجنسي» Studies in the psychology of sex
وكذلك كينزي (Kinesey) فعل مثل ذلك في دراسته «السلوك الجنسي عند الأنثى» Sexuel behaviour in the human female
стр. 1564
ونورمان هيمز (Norman Himes) الذي كان كتاب النفزاوي أحد مراجعه الأساسية في كتابه الفريد «التاريخ الطبي لمنع الحمل» (Medical history of contraception).
والجدير بالملاحظة أن الروض طبع بتونس مرات في شكل رسالة صغيرة معدودة الأوراق مع العلم بأن ترجمة بيرتون الإنجليزي في جزءين فلعلّ المطبوع بتونس أبواب يسيرة من الكتاب، وهذه الطبعة لا تظهر بمظهر علمي يستحق العناية.
المراجع:
- الروض العاطر ونزهة الخاطر موسوعة عربية فريدة في الثقافة الجنسية للشيخ الإمام محمد بن عمر النفزاوي تقديم أحمد عمر شاهين، مجلة العربي شوّال ١٤٠٢ أغسطس (آب) ١٩٨٢ ص ١٧٤ - ١٧٨، بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين (بالفرنسية) ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
стр. 1565
النفزي - ابن هريرة
٥٨٦ - النفطي ( ... - ٦١٠ هـ) ( ... - ١٢١٤ م)
حسن بن محمد بن عمران النفطي، أبو علي، الفقيه الصوفي الصالح، الشاعر، ويعرف بالسنّي وبسلطان الجريد، وسمّاه أهل بلده المصري لأنه كان يلبس القفطان. ولد بنفطة بالجريد، وإليها نسبته، وبها نشأ وتعلم، ومن شيوخه الصوفي أبو الفضل البسكري، وعند ما بلغ مبلغ الرجال رحل إلى بجاية للقاء الشيخ أبي مدين صحبة ستة من المشايخ منهم عبد العزيز المهدوي.
أخذ عنه محمد بن عبد السلام الحدّاد الصنهاجي دفين المرسى بمقبرة الشيخ عبد العزيز المهدوي، وعبد الله السقطي، وأبو حفص عمر الجاسوس، وغيرهم، وهذان مقبوران بالزلاج، والسقطي كان من المقرّبين لأبي سعيد الباجي، وكان الباجي يثني عليه، ويصفه بالتعفّف ويخصّه بالعناية.
والمترجم عمل على نشر المذهب السنّي في الجريد (لذلك عرف بالسنّي) الذي كان الغالب عليه المذهب الإباضي، ويقال إن أحدهم اغتاله لأجل ذلك فسقاه النخلي سمّا، ولما سمع بذلك صاحبه أبو يوسف الدهماني قال: لا بدّ أن آخذ بثأر أخي أبي علي النفطي، وقد قيل إن الذي سمّه هو الوزير المؤرّخ ابن نخيل وزير الأمير أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص لأن الأمراء الحفصيين كانوا يقاومون التصوف لأنه يوجّه الجماهير توجيها يخالف رغبة السلطة (يراجع جامع الزيتونة للطاهر المعموري ص ١٢).
стр. 1566
ويبدو أن الشيخ الدهماني حرّض على خروج حملة عسكرية تأديبية من القيروان ضد إباضية نفطة انتقاما لمقتل المترجم، وتوفي بنفطة وقبره خارجها في رباط عليه قبّة تجري مياه النهر من تحته، وغابة النخيل تحيط به، وهو شيخ الشيخ عمر الجاسوس دفين الجلاز (ت سنة ٦٣٦/ ١٢٣٨).
مؤلفاته:
١) ديوان للشعر فيه أشعار صوفية أوله:
دعا موسى نجّيك يا عبادي
٢) رسالة في الرد على أبي يعقوب الطرّي النفزاوي ذكرها التجاني في رحلته، وللحسن بن أحمد البجائي تأليف في مناقبه وكان من أتباعه.
المصادر والمراجع:
- الإباضية في الجريد لصالح باجية ٩٤ - ١٤١، الجديد في أدب الجريد ٦٤ - ٦٧، التشوّف إلى رجال التصوف (الرباط ١٤٠٥/ ١٩٨٤) ٤٣٣ - ٤٣٤ ترجمة موجزة جدا، الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي ٢١١ - ٢١٧، رحلة التجاني ٢١١ - ٢١٧، معالم الإيمان ٣/ ٢٢٠ (ط ٢/) عرضا في ترجمة أبي يوسف يعقوب الدهماني، بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين (بالفرنسية) ٢/ ٣٢١، شجرة النور الزكية ص ١٦٩.
стр. 1567
٥٨٧ - نقرة ( ... - ١١١٠ هـ) ( ... - ١٦٨٩ م)
رمضان بن محمد نقرة (بالقاف المعقودة الساكنة) البوسالمي القيرواني، أبو المواسم.
كان فقيها فاضلا ورعا مدرّسا ببلده مائلا إلى الزهد والتقشف.
مؤلفاته:
١) شرح على الأربعين النووية.
٢) نظم في أسماء الله الحسنى.
المصدر:
- تكميل الصلحاء والأعيان ص ١٢٨.
стр. 1568
٥٨٨ - النهشلي ( ... - ٤٠٥ هـ) ( ... - ١٠١٤ م)
عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي التميمي القيرواني، الأديب الشاعر الناقد، العارف باللغة وبأيام العرب وأشعارها، ولم يهج أحدا.
ولد بالمحمدية (المسيلة بالجزائر) وعاش بالقيروان، وأكمل بقية حياته في المهدية.
لما قدم من المحمدية تابع دراسة العلم بالقيروان في وقت كانت القيروان زاخرة بأعلام العلماء وكبار الشعراء وكان متّبعا للقديم حتى شبّه بشعراء الجاهلية.
تولى الكتابة في ديوان الخراج، ثم نقل إلى الكتابة في ديوان الإنشاء على عهد المعز بن باديس.
من آثاره: الممتع في علم الشعر وعمله، وفيه نظرات نقدية نقل منها جملة ابن رشيق في «العمدة»، وفيه دقة التحليل، وسداد الحكم من ناقد كبير، وتلاميذ النهشلي وجدوا عنده المادة وأسلوب الأدب التقليدي والقواعد الأساسية للشعر، والأصول الموجّهة للنقد الأدبي، وابن رشيق وصل إلى القيروان في سنة ٤٠٦/ ١٠١٥ - ١٦، ولا يبدو أنه كان تلميذا مباشرا للنهشلي المتوفى قبل ذلك بسنة، ولم يعرفه بالمسيلة.
وكتاب الممتع وصلنا منه منتخب يظن أنه لابن منظور صاحب «لسان العرب»، وقد حقّقه د/المنجي الكعبي (الدار العربية للكتاب ١٣٩٨/ ١٩٧٨).
стр. 1569
المراجع:
- مجمل تاريخ الأدب التونسي ١١١/ ١١٤، النهشلي القيرواني تأليف د/المنجي الكعبي (الدار العربية للكتاب ١٣٩٨/ ١٩٧٨)، ظهر الإسلام (القاهرة ١٩٤٦) ٣٠٤ - ٣٠٦، بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٢/ ٧٧٨، الحياة الأدبية بإفريقية في عصر الزيريين (بالفرنسية) ٥٢ - ٥٤.
стр. 1570
٥٨٩ - النوري (١٠٥٣ - ١١١٨ هـ) (١٦٤٤ - ١٧٠٦ م)
علي بن سالم بن محمد بن سالم بن أحمد بن سعيد النوري (كما وجدته بخط يده لا علي بن محمد بن سالم أو سليم كما في بعض المصادر والمراجع) أبو الحسن، أبو محمد، المقرئ الفقيه، الفلكي الصوفي، وكان يعرف بشطورو والنوري وهذا اللقب استمر معه عند مجاورته بالأزهر، ثم اقتصر على النوري خفّة وتفاؤلا. ولد بصفاقس، وقد أشار إلى تاريخ ميلاده وتاريخ حجّه في كتابه «الهدى والتبيين» حيث قال: «ولما منّ الله عليّ بالوصول إلى تلك الأماكن المشرفة سنة ست وسبعين وألف، وأردت شرب ماء زمزم فلم أجد حاجة أهم عندي إذ ذاك من الموت على الإيمان، فطلبته من الله، وشربته لذلك وعمري إذ ذاك ثلاث وعشرون سنة، ولو أردت شربه الآن لشربته لأكون عند الله من المحبوبين حبّا لا قطيعة بعده».
أخذ بصفاقس عن الشيخ أبي الحسن الكراي الوفائي نسبا وطريقة الأزهري تحصيلا، وعن غيره ممّن لم نهتد لمعرفته، ورحل إلى تونس وهو ابن أربع عشرة سنة، وقرأ على أجلّة مشايخ عصره بجامع الزيتونة، وحصل على كثير من العلوم، ومن مشايخه بتونس الشيخ عاشور القسنطيني، والشيخ سليمان الأندلسي، والشيخ محمد القروي، وأثنى عليهم في «فهرسته» وفي مدة إقامته بتونس سكن المدرستين الشماعية والمنتصرية.
وكان والده فقيرا ولذا فإنه لم يوافقه على السفر إلى تونس لطلب
стр. 1571
العلم، إلا أن قوة عزيمته لم تحل دون طموحه ومبتغاه، وقاسى في سبيل ذلك شظف العيش، وتجمّل بالصبر إلى أن سخّر الله له بعض أهل الخير فتكفّل بقوته مدة طلبه العلم بتونس.
ولما استكمل تحصيله بتونس أرسله بعض أهل الخير والصلاح إلى مصر لطلب العلم بالأزهر، وفي القرن الحادي عشر والثاني عشر توافد الطلاب التونسيون على الأزهر ولا سيما من الجنوب التونسي وبالخصوص صفاقس وجربة، والطلبة الصفاقسيون يشعرون بأنهم أقلّ غربة في القاهرة لوجود جالية تجارية من أبناء بلدتهم مستقرة بالقاهرة، وأحيانا بعض الأساتذة.
وفي الأزهر لازم جماعة من الأعلام وهم المشايخ: محمد بن عبد الله الخرشي البحيري، قرأ عليه الفقه والأربعين النووية وقطعة من الجامع الصغير للسيوطي، وأجازه إجازة مطلقة، كما قرأ على الشيخ إبراهيم الشبرخيتي، وأجازه إجازة مطلقة في رواية الحديث والفقه، ثم أجازه بأسانيده في رواية مختصر خليل، والصحيحين، والموطأ رواية يحيى بن يحيى بن كثير الليثي الأندلسي، وعيون الأثر في فنون المغازي والسير لابن سيد الناس، والشفا للقاضي عياض، والأربعين النووية، والتذكرة للقرطبي، وتفسير البيضاوي وتفاسير الزمخشري والواحدي وفخر الدين الرازي، والبغوي، وابن عطية، وأبي حيّان الأندلسي.
وقرأ على الشيخ شرف الدين يحيى أبي المواهب وأبي هادي بن زين العابدين حفيد شيخ الإسلام زكريا الأنصاري قطعة من صحيح البخاري، وقطعة من صحيح مسلم، وموطأ الإمام مالك، وأول سنن الترمذي، والأحاديث العشاريات للحافظ ابن حجر، وأول كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، وكتاب
стр. 1572
الأخلاق المتبولية لعبد الوهاب الشعراني، وأول كتاب الدرّ المنضود في الصلاة على صاحب المقام المحمود لابن حجر الهرتمي، وأجازه بأسانيده في رواية هذه الكتب، وأجازه إجازة مطلقة بغيرها، وقد طلب منه تلقينه كلمة النجاة وهي لا إله إلاّ الله، وطلب منه إلباسه خرقة التصوف، فألبسه قطعة من الجوخ، وقرأ عليه الكتب المذكورة في أوقات متعددة آخرها عصر يوم السبت في ١٥ ربيع الثاني سنة ١٠٧٣، وضمّن هذه الإجازة في رسالة سمّاها «الشرف الظاهر الجليّ في إجازة سيدي علي المغربي المالكي» كتبها في ربيع الأول سنة ١٠٧٨، وهي بخط المجيز شرف الدين المذكور، والخط مشرقي نسخي من أردأ ما رأيت من الخطوط، وهي في ٩ ورقات من الحجم الصغير نبّه فيها على أمور غريبة (ينظر فهرس الفهارس ٢/ ١٠٩٤ من ط ٢/) قال عنها المترجم: وهي كتابة طويلة عجيبة، وسمع من شيخه أحمد بن أحمد بن محمد العجمي أول حديث من «الشمائل» بقراءة صاحبه علي الفرغلي، وأجازهما برواية الكتاب، كما سمع منه «ثلاثيات البخاري» بقراءة رفيقه الشيخ علي بن إبراهيم الفرغلي المصري، وأجازهما بروايتها، كما أجازهما إجازة عامة وتاريخها في أواسط ربيع الأول سنة ١٠٧٨، كما روى عن شيخه العجمي المذكور كتاب «عمدة الأحكام» لعبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، وأجازه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البوذري (ولعلّه من قرية بوذر بالساحل التونسي) في رواق المغاربة برواية شرح جمع الجوامع وبغيره من الكتب سنة ١٠٧٨.
وقرأ على الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عيسى المأموني الشافعي الأحاديث العشارية للحافظ السيوطي، كما أجازه برواية الحديث المسلسل بالأولية كما أجازه بذلك شيوخه، وتاريخ الإجازة في الرابع من ربيع الثاني سنة ١٠٧٨، وفي طالعتها نوّه بالشيخ علي النوري وأثنى عليه.
стр. 1573
ومن مشايخه بالأزهر الشيخ يحيى بن محمد الشاوي الملياني الجزائري، ولعلّه قرأ عليه النحو والتوحيد إذ اشتهر بإقرائهما في الأزهر، وكان واسع الاطّلاع على كثير من العلوم قوي الحجة حاضر البديهة، ولمغربيته كانت مجالس درسه غاصّة بالمغاربة وكان مدوّنه مصريا.
ومن شيوخه بالأزهر الشيخ علي الشيراملّسي، أخذ عنه القراءات كما يستفاد من «غيث النفع» ولعلّه قرأ عليه «المواهب اللدنية» للقسطلاني في السيرة النبوية إذ للشيخ حاشية عليها اشتهرت في عصره.
ومن شيوخه محمد بن محمد الأفراني المغربي السوسي، ولعلّه أخذ عنه القراءات إذ هي اختصاصه، وبها اشتهر في مصر، وعلي الخياط المغربي الرشيدي، وعبد السلام اللقاني، وجلال الدين الصديقي، وأحمد البشبيشي، وأحمد العناني الكناني وغيرهم.
ومن أجلّ شيوخه الشيخ محمد بن محمد بن ناصر الدرعي المغربي لقيه بالأزهر، وأخذ عنه طريق القوم، ولقّنه ورد الذكر، وتوقف في إجازته أولا ثم أجازه لرؤيا رآها المستجيز، وأثنى عليه، وكان قدوة للشيخ علي النوري في مسلكه الصوفي، يحتجّ بمواقفه في مقاومة بدع التصوف، ويثني عليه، وربما كان من أتباع الطريقة الناصرية.
والشيخ علي النوري حريص على استجازة المشاهير حتى بعد علو سنّه، وكان مرور الركب المغربي في موسم الحج فرصة لتحقيق هذه الرغبة وإذا لم تتم في البلاد التونسية فإنها تتمّ في ليبيا بواسطة أحد أصدقائه من أهلها، فقد استجاز له الشمس محمد بن أحمد المكني الطرابلسي أبا علي اليوسي لما مرّ بطرابلس يريد الحج عام
стр. 1574
١١٠١ فأجازه نظما ببيت يخصّ المترجم:
كذا الماجد النحرير عين صفاقس ... أبو الحسن النوري ذو المجد والفخر
وهو يثني على الشيخ البوسي، ويعبّر عنه بشيخنا وصاحبنا.
ويبدو أن المترجم رجع إلى بلده صفاقس في أواخر سنة ١٠٧٨/ ١٦٦٨، وله من العمر ٢٥ سنة بعد أخذ الإجازات من شيوخه، والحصول عليها مؤذنا بانتهاء الدراسة، والتصدّي للتدريس والإفادة، ولا نعلم تاريخ سفره إلى مصر للالتحاق بالأزهر على وجه التحديد وربما كان في غضون سنة ١٠٧٣/ ١٦٦٣ أو قريبا منها لأن مدة المجاورة بالأزهر لمن استكمل تحصيله بتونس هي في الغالب خمس سنوات، قال المترجم في «فهرسته» عند الكلام عن شيخه يحيى الشاوي «ولما كتب لي الإجازة قال مؤرخه بمجموع الاسم واللقب، فعدّدت حروف يحيى الشاوي فوجدتها ٧٨ وألف وذلك هو التاريخ» (ينظر فهرس الفهارس والأثبات ٢/ ١١٣٣ من ط ٢/) وإذا ثبت هذا فإنه يكون قد لبث في تونس سبع سنوات لطلب العلم.
ولما رجع المترجم إلى بلده اتخذ من دار سكناه الكائنة بحومة اللولب زاوية لقراءة القرآن وقراءة العلم، وهذه الزاوية أو المدرسة كانت على غرار المدارس المحدثة في ذلك العصر فيها بيت للصلاة تلقى فيه الدروس العلمية، وبيوت لسكنى الطلبة الوافدين من الضواحي أو من البلدان الأخرى، وكان يبرّ الطلبة المقيمين بالزاوية بالطعام، ويكسوهم، ولذلك توافد عليها الطلبة من جهات عديدة من البلاد التونسية وحتى من ليبيا كالشيخ عبد السلام بن عثمان التاجوري من ذريّة الشيخ عبد السلام الأسمر وشيخ الطريقة السلامية بليبيا، زيادة عمّا اشتهر به مؤسس هذه المدرسة من رسوخ قدم في العلم، ونصح في التعليم، ومداومة على إلقاء الدروس التي تستغرق كثيرا من وقته،
стр. 1575
واشتهار بحسن السلوك باتّباع السنّة في جليل الأمور ودقيقها ومجافاة للبدعة من أين كان مأتاها ولو من الصوفية الذين كانوا محلّ قدوة من الجميع.
ويبدو أن المترجم اشتغل بالتجارة في مصر إذ في القاهرة تقيم جالية صفاقسية تشتغل بالتجارة، وبذلك وفّر نصيبا من المال يسّر له القيام بشئون طلبة الزاوية، ويرجّح هذا أنه كان فقيرا، ولو بقي على حالته لما استطاع أن يبرّ الطلبة، وامر اشتغاله بالتجارة مدة مجاورته بالأزهر لم يذكره المترجمون له لكن برّه للطلبة بالطعام والكسوة يؤيد ذلك وإلا فمن أين أتاه المال؟
وفي أوقات فراغه يشتغل في داره بالحياكة، وهي صناعة شريفة رابحة في ذلك التاريخ، وليست هي عندهم كما قال بعضهم: «فلا حنّ حجام ولا حاك فاضل».
وإذا كان حلوله كالغيث في البلد الماحل الجديب أروى العقول من ظمأ الجهل، وأيّد السنّة، وقاوم البدعة، وأحسن إلى الضعفاء والمكروبين، كما عمل على نشر التصوف الخالي من بدع السماع والرقص بين تلامذته وغيرهم مقتديا في مسلكه وربما في طريقته بشيخه محمد بن محمد بن ناصر الدرعي، وهو يلقن تلاميذه بعض الأوراد والأذكار، ويدربهم على ممارسة طقوس التصوّف الخالية من البدع، وهذا لا غرابة فيه بالنسبة لمقاييس ذلك العصر، وفيه شاع بين الطلبة الانتساب إلى طريقة من الطرق الصوفية، ومعروف أن الطرق الصوفية تهتم قبل كل شيء بالتربية العلمية والروحية، ومن ثمّ كان التدريب العملي على العبادة والذكر والأخلاق الدينية أحد المعالم الكبرى للتربية القائمة في ذلك العهد (الدكتور إبراهيم اللبان، التربية الإسلامية التي يحتاج إليها العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، مط/
стр. 1576
الأزهر شوال ١٣٩٢ نوفمبر ١٩٧٢ ص ٩) ومدة الدراسة بالمدرسة النورية خمس سنوات بين ابتدائي وثانوي، ثم يتأهّل الطالب للالتحاق بالزيتونة أو الأزهر.
ولما رجع المترجم إلى بلده وجد الناس يشتكون من عدوان فرسان مالطة (فرسان القديس يوحنا) على صفاقس، ينهبون السفن الراسية بمرساها، ويخطفون الغافلين الآمنين، ولا يخفى أن أعمال القرصنة هذه تخلّ بالأمن وتشلّ حركة التجارة بين بلدان البحر الأبيض المتوسط مثل الإسكندرية التي كانت السفن التجارية لا تنقطع عن الذهاب إليها والإياب منها في أوقات الأمن والاستقرار، وصفاقس بلد تجاري يؤثر على حياته الاقتصادية الحدّ من نشاط الحياة التجارية، زيادة عن كون ردّ عادية الكفّار عن إيذاء المسلمين يعتبر جهادا في سبيل الله، ولذا فكر المترجم في إنشاء سفن لهذا الغرض، فتشاور مع أهل الفضل في إنشاء سفن للجهاد فوافقه أكثر الناس على ذلك، فأنشئوا سفنا جعل الله فيها بركة وانقطع جور الكفرة، وغنم المسلمون منه خيرا كثيرا، وجعل مقدما على السفن يأتمرون بأمره ويصلي بهم إماما الشيخ الصالح ابن أخته الحاج الأبرّ أبو عبد الله محمد قوبعة معلم أطفال المسلمين وكان مقدّما على ضريح منصور الغلام (نزهة الأنظار ٢/ ١٦٤).
ولعلّ المترجم لبث مدة يفكر في اتخاذ الوسيلة الناجعة لردّ غارات فرسان مالطة على شواطئ صفاقس فإنه كان يسمع متألما ما يرتكبونه من عبث وفساد، وكان يفتي المتحمسين من الشبّان للدفاع عن حمى مدينتهم بمخالفة أمر والديهم إذا حاولوا منعهم من التطوع للجهاد، وقد حكى في كتابه «الهدى والتبيين فيما فعله فرض عين على المكلفين» عدوان القراصنة وفتواه التي أشرنا إليها وفي خاتمة هذه
стр. 1577
الفتوى أن الجهاد فرض عين والوالدان يعصيان في القيام بفرض العين لأن تركه معصية، ولا يطاعان في معصية.
وإذا علمنا أنه ألّف كتابه «الهدى والتبيين» وهو على أعتاب الشيخوخة فإن حركة إنشاء السفن تكون حوالى سنة ١١١٣/ ١٧٠٣ أي قبل موته بخمس سنوات.
ومن مآثر المترجم اكتشافه لدواء الكلب قبل باستور بأكثر من قرن، وقد أنقذ بهذا الدواء الكثيرين من الموت بداء الكلب، وقد احتفظ أحفاده بتركيبه، ويسلمونه مجانا لطالبه إلى أن جاء الاستقلال فأبطل استعماله وحجر عليهم صنعه.
ولعلّ المترجم استنبطه من تذكرة الشيخ داود الأنطاكي ومن غيرها إذ مكتبته تحتوي على جانب مهم من كتب الطب، ولا ندري هل أخذ الطب عن شيخ أو اكتفى فيه بالمطالعة.
وهذا الدواء يتركّب من النشادر والذراريح، ولهم حمية مخصوصة عند استعماله، ولما كان الدواء يتركب من مواد حادّة فإنه يحدث تمزقا يسيرا في مجرى البول إذ تخرج مع البول قشرة يسيرة منسلخة من المجرى تضطرب وتتحرك، وهي علامة على النجاة من الداء.
وقد لحقت المترجم محنة قبل انقراض الدولة المرادية، وسببها أن بعض الوشاة الحاقدين وشى به إلى السلطة بأنه يتآمر على قلبها نظرا إلى مكانته ونفوذه في بلده لا سيما وتاريخ المغرب العربي حافل بهذا الصنف من معلمي الصبيان الذين أقلقوا الدول بثوراتهم، وصادفت هذه الوشاية أذنا صاغية من السلطة فنكلت بأتباعه ونجا هو بالفرار متنكرا، فقد أرسل السلطان جماعة من رجاله لأخذ الشيخ وأتباعه وذهب أموالهم فأرسل بعض أهل الفضل كتابا إلى الشيخ
стр. 1578
يحذره قبل وصول رجال السلطة فلبس إحرام امرأة ونعلها وخرج مع نسوان الشيخ أبي عبد الله السيالة مستخفيا مهاجرا بدينه فذهب في خفاء مع خديمه ابن الأكحل إلى أن وصل لزاوية الشيخ أبي حجبة بين تونس وزغوان، ولما دخل رجال السلطان نهبوا أتباعه وسجنوهم، وسلّم الله الشيخ فأقام زمانا مشتغلا بالعلم، فلما ظهر خبره اعتقده أهل الخبر، وعرّفوا السلطان أنه من الصالحين، ولم يكن قصده في بلده إلا الذبّ على المسلمين بالعلم والجهاد على سنّة المصطفى ﷺ ، فلما تحقّق السلطان الأمر علم أن الساعي كان حاسدا، وعفا عن الشيخ بالرجوع لوطنه، وإظهار السنّة، وقمع البدعة، وإن عارضه معارض كاتب السلطان بذلك (نزهة الأنظار ٢/ ١٦٤ - ١٦٥).
ومما يلفت النظر أن التنكيل بأتباعه ومحاولة القبض عليه لولا فراره متنكرا كل ذلك قد تم بمجرد وشاية الاتهام بمحاولة قلب نظام الحكم بدون تثبّت أو تحقيق من صحة التهمة، مما يدل على انعدام أبسط أسس العدالة، وعدم رعاية أوليات حقوق الإنسان في ذلك العصر الكثيف الظلمات، هذا زيادة عن كون المترجم بعيدا عن خوض غمار السياسة وحبك المؤامرات ضد السلطة القائمة بحكم تكوينه العلمي، ولشدة اتّباعه للسنّة إذ المعروف عند أهل السنّة أنهم لا يرون الثورة على الحكام لظلمهم، وعندهم أن السلطان الجائر خير من فتنة الثورة، ومن أمثالهم «سلطان غشوم خير من فتنة تدوم».
وبعد حياة حافلة بجليل الأعمال ونافعها توفي المترجم يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة ١١١٨، ٢٥ جوان ١٧٠٦، وسنة تاريخ الوفاة ذكرها حسين خوجة في «ذيل بشائر أهل الإيمان» وغيره وهو التاريخ المنقوش على قبره، وما ذكره الشيخ مقديش في «نزهة الأنظار» أنه توفي سنة سبع عشرة ومائة وألف غير صحيح.
стр. 1579
مكتبته: كوّن المترجم مكتبة نفيسة لما انبسطت له الدنيا، وصارت له أملاك، وأصبح معتنيا بالتجارة بواسطة شركائه، وقد أعانته مكتبته على توسيع دائرة اطّلاعه وعلى تأليف مؤلفاته ، وقد نفلت هذه المكتبة في صائفة ١٩٦٩ إلى المكتبة الوطنية بتونس.
قال الوزير السراج في كتابه «الحلل السندسية» (ج ٣) «وجمع كتبا عديدة ما أعلم أحدا اليوم جمع ما جمع هو حيث أطلق يد شركائه في بر المشرق مهما رأوا كتابا بلغت الكرّاسة منه أربعة نواصر يأخذونه ولو كان مكررا فيمسك الطيب من المكررين».
مؤلفاته:
ألّف في القراءات والفقه والتوحيد والفلك، وسأذكرها مرتبة حسب موضوعاتها جاعلا رقما مسلسلا لجميعها:
أ - القراءات:
١) تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عمّا يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم للكتاب المبين، وهو كتاب في التجويد، توجد منه مسودّة بخطّه في أربعين ورقة من القطع الربعي، نشر بتحقيق الشيخ الأستاذ محمد الشاذلي النيفر (تونس ١٩٧٤).
٢) غيث النفع في القراءات السبع، ألّفه بعد كتابه تنبيه الغافلين، وفي مقدمته بين موضوع الكتاب ومادته ومنهجه، وقد طبع لأول مرة بمصر بهامش سراج القارئ المبتدئ لابن القاصع (ينظر معجم المطبوعات ليوسف اليان سركيس ٢/ ١٨٧٣، ثم طبع بعد ذلك.
ب - الفقه:
١) مقدمة في الفقه والتوحيد، شرحها الشيخ أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (بالراء المهملة) المالكي المصري، وهذا الشرح يوجد
стр. 1580
بالمكتبة الأزهرية، وشرحها هو شرحا لم يستكمله، وسمي هذا الشرح الهدى والتبيين فيما فعله فرض عين على المكلفين، منه قطعة كبيرة غير متتابعة الأوراق، وهي بحالة غير جيدة لتشبّع أوراقها بالرطوبة، وبيّن في خطبة الشرح إقبال الناس على الاستفادة من الأصل، واقتراح بعضهم عليه شرحه، وتأليفه لهذا الشرح زمن المشيب، والمنهج الذي اختاره في الشرح.
٢) مناسك شرحها الشيخ محمد بن يوسف الكافي، وسمى شرحه «هبة الناسك على تأليف الشيخ علي النوري في المناسك» (مط/ الأمة بمصر ١٣٣٠/ ١٩١٨) في ١٩٢ ص من القطع المتوسط عدا التصويبات والفهرس.
٣) رسالة في تحريم الدخان توجد بالمكتبة الوطنية بتونس، وأصلها من مكتبة الخلدونية.
٤) رسالة في حكم السماع ووجوب كتابة المصحف بالرسم العثماني، كتبها إجابة لملتمس تلميذه الشيخ عبد السلام بن عثمان التاجوري شيخ الطريقة السلامية بطرابلس الذي بعث له بتأليفين في الموضوع، وطلب منه إبداء رأيه فيهما هو وشيخه الشيخ علي الفرجاني القابسي التونسي، ويتبيّن منها أنه لا يقول بالبدع المصاحبة للسماع (الحضرة) من ضرب للبندير (الدف) والرقص، وفرغ من كتابتها في أوائل محرم سنة ١١١٧ وهي آخر مؤلفاته على ما يبدو.
ج - الأدعية:
١) أدعية ختم القرآن (صفاقس ١٩٨٤).
٢) معين السائلين من فضل ربّ العالمين، وهو في الأدعية المأثورة، وآداب الدعاء وأركانه وشروطه تضمن أدعية نبويّة من طرق