١٤٣ - الحمروني (كان حيا ١١٤٨ هـ) (١٧٣٦ م)
عبد الكريم ابن الشيخ محمد بن عبد العزيز الحمروني، من قبيلة الحمارنة العربية بقابس، عالم نحوي.
له اختصار اعراب القرآن، اختصره من كتاب إبراهيم القيسي الصفاقسي المسمى «المجيد في اعراب القرآن المجيد» كما يعلم من الاطلاع على التأليفين، أوله «الحمد لله الذي شرفنا بحفظ كتابه» إلى آخر الديباجة وهي كلها ديباجة اعراب الصفاقسي، نقص منها بعض الجمل بقي محلها بياضا.
توجد منه نسخة بالمكتبة الوطنية بتونس (أصلها من المكتبة العبدلية) بخط تونسي متوسط، بآخرها «هذا ما وجد بخط المؤلف الولي الزاهد الناصح، من حقق العلوم بلا نزاع الشيخ عبد الكريم الحمروني، وقابلناه بأصل المسودة، ووجدنا فيه محوا في الآخر أتم نسخه عام ١١٤٨ محمد البكري الحمروني، وأتم مقابلته الحاج محمد المكي، في ٢٢٠ ورقة من القطع الكبير.
المرجع:
- برنامج المكتبة العبدلية الصادقية ١/ ١٩ - ٢٠.
стр. 387
١٤٤ - ابن حميدة (١٣٠٠ - ١٣٨١ هـ) (١٨٨٢ - ١٩٦١ م)
سالم بن محمد بن حميدة الأكّودي (نسبة إلى قرية اكّودة بالساحل التونسي على مقربة من مدينة سوسة) الكاتب الخطيب، الشاعر، المصلح.
أصل سلفه من عائلة عربية مغربية ريفية تنتمي إلى النسب النبوي الشريف، استوطنت هاته العائلة بلدة «مزدغبي» من بلاد الريف بالمغرب الأقصى، وعرفت هذه العائلة بالعلم والصلاح، والجد الأعلى لصاحب الترجمة هو العالم الحافظ الولي الصالح عبد الحكيم المزوغي دفين اكودة، هاجر بلدته «مزدغي» وفارق عشيرته مرابطا في خلال المائة السادسة من الهجرة، وما زال متنقلا إلى أن ألقى عصا تسياره في «كدي» (اكودة) شمالي مدينة سوسة، وتبعد عنها بنحو خمسة أميال.
ومات عبد الحكيم وخلف ولدا اسمه عبد القادر، ومن ذرية هذا الأخير حفيده ووارث علمه وزهده وصلاحه «حميدة» وهو الجد الذي تنتسب إليه العائلة.
حفظ القرآن الكريم بمسقط رأسه، ثم ارتحل إلى تونس فالتحق بالمدرسة العصفورية التأديبية (مدرسة ترشيح معلمي العربية) وبعد تخرجه منها التحق بجامع الزيتونة، وتخرج منه محرزا على شهادة التطويع واقرأ به عامين متطوعا، وتابع دروس أبي النهضة الثاني الأستاذ البشير صفر بالمدرسة الخلدونية.
كتب في الصحف التونسية الصادرة في عصره في مطلع هذا القرن
стр. 388
الميلادي، إذ كان ينتمي إلى حركة الشباب التونسي التي يتزعمها الأستاذ علي باش حانبة، مؤسس ومدير جريدة «التونسي» لسان تلك الحركة الوطنية، والمترجم من بين المساهمين في تحرير النشرة العربية لتلك الجريدة وهو في سن العشرين تقريبا.
له ميول اصلاحية تمثلت في آرائه في اصلاح التعليم الزيتوني، وفي قضية المرأة، وهو غيور على وطنه يقاوم الدعوات الاستعمارية الهادفة إلى المس من الذاتية التونسية بشجاعة أدبية كبيرة، مثل موقفه من دعوة الانسلاخ من المحاكم التونسية التي دعا اليها بعض اليهود والمسلمين فقد خطب في المؤتمر المنعقد بالبلمريوم خطابا هزّ به المشاعر، وذلك سنة ١٣٢٢/ ١٩٠٤، وهو إذ ذاك معلم بالمدارس الحكومية، ففصل عن التعليم، واشتغل بالتعليم الخاص لأبناء الأسر في تونس، إلى أن عينته الجمعية الخيرية معلما بمدرستها فباشر وظيفته إلى سنة ١٣٢٥/ ١٩٠٧ حيث انتقل إلى سوسة للتعليم بمدرستها القرآنية، فمكث معلما بها ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى نيابة الأوقاف بسوسة في سنة ١٣٢٨/ ١٩١٠ إلى أن أحيل على التقاعد فباشر خطة عدل موثق بسوسة، واستمر مباشرا لها إلى أن لقي ربه.
عند ما باشرت وظيفتي لأول مرة في مدينة سوسة حرصت على التعرف عليه لأني لي عنه فكرة بأنه شاعر من خيرة الشعراء ومصلح من خلال مطالعتي لترجمته ومنتخبات أشعاره في كتاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر للأديب السيد زين العابدين السنوسي، وما كتبه من مقالات في المجلة الزيتونية، فتعرفت به في بداية صائفة سنة ١٩٥٢ وجالسته مرات، ودارت بيننا امشاج من الأحاديث في الأدب والأخلاق والفلسفة والسياسة، فعرفت به سعة الاطلاع، ومتانة الحجة، وقوة العارضة، مع جسارة فكرية وميل إلى الإغراب، فقد جرى مرة بيننا الحديث عن الصدق والكذب، فأبدى رأيه بأن الكذب ممقوت في كل الأحوال والظروف، فناقشته موضحا بأنه يلتجئ إليه أحيانا في حدود
стр. 389
ضيقة، وذكرت له الاستثناء الوارد في الحديث الصحيح، فأجابني بأنه لا يقول بصحة الحديث ولو كان موجودا في الصحيحين إذا لم يطابق المعقول عنده، فتعجبت من هذا الميزان غير الدقيق الذي يتحكم به في الأحاديث، ومن جسارته في رد ما في الصحيحين إذا لم يطابق المعقول عنده، وقلت له إذا كان في الصدق إضرار بالمصلحة العامة مثل سؤال الشرطة لك عن أحداث وأشخاص يقومون بنشاط وطني (والثورة قائمة آنذاك في البلاد ضد الاستعمار الفرنسي) هل من المعقول تجنب الكذب وقول الصدق لأنه صدق؟ ولو أضر بالحركة الوطنية وبالأشخاص العاملين لفائدتها، فجمجم ولف ودار، ولم يجب إجابة صحيحة معقولة على دعواه في التشبث بما يمليه العقل، وسمعت منه بعض الطرائف والنوادر عن الشيخ أحمد أديب المكي (أصيل مكة المكرمة) نزيل سوسة، وسمعت منه مجموعة من قصائده المدونة في دفتر من القطع الربعي، وغاب عني اسمه لطول المدة هل هو النعم في النقم أهو اسم أطلقه على طائفة من قصائده؟ وبقي عالقا بذهني أنه متأثر في هذه القصائد بفلاسفة القرن الثامن عشر.
وكان إذا حسر العمامة عن رأسه في الصيف قفزت إلى ذهني صورة قريبة من الصورة التخيلية التي رسمها بعضهم للإمام الغزالي، شعر مرسل يصل إلى الأذنين مع انحسار في وسطه.
أوصاني مرة بأن اتمسك بالأخلاق، واستهين بالصعاب وأن أقبل على المطالعة لتنمية زادي الثقافي، وألاّ اندفع في تيار الملذات والإسفاف وصغائر الأمور، وختم وصيته بقوله «إياك أن يسوّسك المجتمع» فكانت وصية حكيمة من حكيم.
ولمست منه التأثر بحجة الإسلام الغزالي، وله نزعة صوفية معتدلة، وهو واسع الاطلاع على الأدب الفرنسي.
يستشهد في أحاديثه بفقرات من كلام أعلامه وفلاسفته، وقد كان أول داعية عملي لتعليم البنت، والخروج بها من الاطار الضيق الذي سجنت فيه، فأخرج بناته سافرات بعد تجاوز طور الصبا، وهو جريمة لا
стр. 390
تغتفر في ذلك العصر المظلم الكثيف الجهالة، وذاق من أجل مبادئه وأفكاره الاصلاحية الاجتماعية صنوف الأذى وضروب المحن، وحاول خصومه استعداء السلطة عليه بحجة الزندقة لخروجه عن مألوف تقاليدهم البالية، ولكنه صبر ومضى قدما في إيمان راسخ بأفكاره، ولم يقابل أضداده بمثل ما جابهوه به من أكاذيب وترهات ومكائد، بل كان عفيفا نزيها شريفا في خصومته، يعلم أن ضلال الجماهير هو شيء وقتي يزول بانتشار نور العلم وترقي التفكير.
مؤلفاته:
١) ديوان شعر.
٢) الزهريات: ط، الشركة التونسية للتوزيع، تونس ١٩٧٦ بتحقيق الأستاذ محمد الحبيب عباس، في ٢٨٥ ص عدا المقدمة الحافلة النفيسة التي كتبها محقق الكتاب، والزهريات نسبة إلى فتاة سماها زهرة درسي، وقد لقنها دروسا خاصة في العطلة الصيفية، وهي عبارة عن مجموعة أحاديث ومحاورات نثر فيها خواطره وتأملاته في تعليم البنت، وتربيتها، ومكانتها في الحياة ووظيفتها في المجتمع، مما يعد سابقا لعصره، ووشحها بقصائد من شعره، وبعض هذا الشعر على الطريقة الحديثة في الاعتماد على التفعيلة الواحدة، وأحيانا يفيض في بيان أسرار الشريعة الخاصة بالمرأة ومكانتها في الإسلام لمقاومة الانحراف والتخلف اللذين سادا مجتمعه، وليدعم رأيه واتجاهه بأسانيد قوية من روح الشريعة، وأسلوبه أدبي راق فيه خيال وقوة تعبير وجمال اداء مما بعد به عن السرد الجاف والتقرير الممل، وهذه الخصائص تغري بالمتابعة، وهذا الكتاب دونه سنة ١٣٤٦/ ١٩٢٨.
المراجع:
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر ١/ ٢٨٨ - ٣٠٤.
- الزهريات ص ١١٥ - ١١٩.
- شخصيات وتيارات لأحمد خالد (تونس ١٩٧٨ ط ٢/) ص ١٧٠، ١٨٩.
стр. 391
١٤٥ - ابن حميدة (كان حيا ١٣١٦ هـ) (١٨٩٨ م)
عمار بن حميدة التونسي المالكي، المقرئ.
له اللؤلؤ المنثور في القراءة العشرة البدور فرغ منه سنة ١٣١٦ هـ.
المرجع:
- إيضاح المكنون ٢/ ٤١٧.
- معجم المؤلفين ٧/ ٢٦٧.
стр. 392
١٤٦ - ابن حميدة (كان حيا ١٢٩٥ هـ) (١٨٧٨ م)
محمد بن حميدة، عالم جغرافي.
له اطلس الأقاليم الخمسة، ط، بالمط، الرسمية التونسية سنة ١٢٩٥/ ١٨٧٨، هذا الأطلس يحتوي على خريطة مسطحة للكرة الأرضية Planisphere وخريطة القارات الخمس، طبعة حجرية.
المرجع:
- منشورات المطبعة الرسمية التونسية (بالفرنسية) بقلم J.Quemeneur مجلة ايبلا Ibla عدد ٩٨، ١٩٦٢، ص ١٦٦.
стр. 393
١٤٧ - الحنفي ( ... - ١١٩٩ هـ) (١٧٨٨ م)
هبة الله بن أحمد الحنفي، الفقيه، الفرضي، الطبيب.
ولد في بلدة ميدون (١) من جزيرة المورة، وقدم إلى تونس مع أولاده ووالده لما استولت النصارى على بلادهم، وفي تونس اجتهد في طلب العلم، فقرأ على علي الصوفي، وحسين الحنفي، ومحمد بن محجوبة، ومحمد والي الحنفي، وغيرهم وعلى الأخير توغل في الحساب والفرائض.
وكان يقرئ في بيته بالمدرسة اليوسفية، الفقه، والصرف، واللغة التركية والفارسية، واستفاد منه خلق كثير، وتولى التدريس بالمدرسة اليوسفية، ثم تولى الإمامة والخطابة بجامع القصر، ثم سافر إلى الحج، ومات بالاسكندرية ودفن بها.
وهو يحسن اليونانية، والطب، وهو أول من ذكر في كتابه الطبي وجود مرض الزهري بتونس، وهو أول من أدخل الطب الحديث إلى تونس، ومما يثبت أنه احترف الطب وكتب بتونس ذكره لجبل زغوان، اين يلتقط الأعشاب، وذكرها بأسمائها التونسية، وذكر أطعمة تونسية مثل الهريسة، واللبلابي، والطبيخة، والأعشاب يكرر ذكرها أحيانا بما يرادفها بالعربية، والفارسية، والتركية، ويشير أحيانا إلى دواء ذاكرا أنه نقله من كتب الافرنج.
له كتاب في الطب غفل من العنوان يحتوي على مقدمة، وأربع مقالات، الأولى في أصول حفظ الصحة بالهواء، والأكل، والشرب،
стр. 394
والحركة والنوم واليقظة، والاستفراغ، والفصد، ودخول الحمّام، والثانية في المفردات والأعشاب، والبقول، والغلال، واللحوم، والثالثة في المركبات، والأشربة والمعاجين، والجوارش، والأقراص، وعلاج الأمراض من الرأس إلى القدم وأسبابها، والرابعة في الأمراض الشاملة للبدن، توجد منه نسخة بالمكتبة الوطنية بتونس.
المراجع:
- تاريخ الطب العربي التونسي ١٢١ - ١٢٤.
- ذيل بشائر أهل الإيمان ٢٠٩ - ٢١٠.
стр. 395
١٤٨ - ابن حيّان الأوسي (٦٣٥ - ٧١٨ هـ) (١٢٣٧ - ١٣١٩ م)
محمد بن أحمد بن حيّان بن محمد بن حيّان الأوسي الأنصاري الشاطبي، نزيل تونس، من علماء القراءات والحديث.
لا ندري هل قدم تونس صغيرا أو ولد بها لأن مشايخه كلهم تونسيون، أو اندلسيون مستقرون بتونس، فمن مشايخه محمد بن عبد الجبار الرعيني السوسي، وعبد الله بن برطلة، والقاضيان ابن البراء، وعبد الحميد ابن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي وأبو عمرو عثمان بن سفيان التميمي عرف بابن الشقر، وأبو إسحاق ابراهيم بن عياش، وأبو عبد الله القحطاني، وأبو بكر بن حبيش، وحازم القرطاجني وعلي بن محمد التوزري المعروف بابن الشبّاط، وغيرهم.
وأجازه علماء من المغرب والمشرق، منهم أبو الحسين بن السراج من بجاية، ورحل إلى المشرق، وسمع من أعلامه، أخذ عنه الرحالة المحدّث محمد بن جابر الوادي آشي، ولقبه ابن رشيد عند ذهابه إلى الحج ورجوعه منه.
توفي ضحى يوم الجمعة ١١ رجب، ودفن بمقبرة جامع القصر داخل تونس له فهرسة بأسماء شيوخه على حروف المعجم لم يتمها.
المراجع:
- برنامج الوادي آشي ص ٦٧، ٦٨.
١٤٩ - الحيلاتي ( ... ١٠٩٩ هـ) (١٦٨٧ م)
سليمان بن أحمد بن محمد الحيلاتي الصدغياني الجربي الاباضي، أبو الربيع، وأسرة الحيلاتي من حومة (حارة) جعبرة قرب مسجد البوليمانيين غربي جزيرة جربة، أخذ العلم عن جماعة، وأكثر ما أخذ عن أبي الفضل قاسم بن سعيد الصدغياني، وأخذ عن أبي النجاة يونس بن تعاريت الخيري، وبعد استكمال تحصيله انتصب للتدريس، وتوافد عليه طلاب العلم من جربة، ومن جبل نفّوسة بليبيا، ومن وادي ميزاب بالجزائر للأخذ عنه والاستفادة منه.
أحرز على مكانة في وسطه لسعة اطلاعه ونشاطه في ميدان العمل، وكان متّهما بسيرة السلف، معتنيا بالتاريخ، حتى أصبح عمدة في تاريخ المذهب الاباضي ورجاله. توفي في صفر، ودفن بمقبرة جامع البوليمانيين بحومة فصيل.
١) اسئلة وأجوبة في الفقه.
٢) رسالة ترجم فيها للعلماء تراجم مختصرة.
٣) رسالة ذكر فيها الاجتماعات العلمية والعلماء الذين انتهت إليهم رئاسة تلك المجامع، والمساجد والأماكن التي كانت تنعقد فيها تلك الاجتماعات، وأشار في كثير من الأحيان إلى حلق الدراسة ومواضعها.
٤) رسالة في ذكر بعض حوادث جزيرة جربة، ارخ فيها الأحداث السياسية والاجتماعية والطبيعية بحسب السنوات، مخطوطة في ٩ ورقات بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب في جربة.
стр. 398
٥) رسالة ذكر فيها مساجد جربة ومؤسسيها، وعصر كل واحد منهم.
٦) رسالة ذكر فيها العلماء الذين جازت عليهم نسبة الدين من عصره إلى عهد النبوة، طبعة حجرية مع شرح الحائية للشيخ محمد المصعبي، من ص ٨ إلى ١٠.
٧) رسالة في شيوخ عزّابة جربة ونظام العزابة.
٨) رسالة في مشاهد علماء جربة، توجد في مكتبة عمر بن يوسف بوادي ميزاب في كراس عادي.
وله آثار أخرى ما تزال متفرقة وكثير منها غير منسق.
المراجع:
- الاباضية في موكب التاريخ الحلقة الثالثة، الاباضية في تونس ١٩٣.
- مؤنس الأحبة في أخبار جربة ١٩٨.
- نظام العزابة عند الاباضية الوهبية في جربة ٢٠٥، ٣٤٣ (قائمة المصادر والمراجع).
стр. 399
حرف
الخاء
стр. 400
١٥٠ - الخراط - (١١٥١ - ١٢٥١ (١) هـ) (١٧٣٩ - ١٨٣٦ م)
إبراهيم بن الشيخ أحمد الخراط الصفاقسي، الأديب الشاعر، قرأ ببلدة صفاقس على الطيب الشرفي، وعلى الأومي، ومحمد بن علي الفراتي.
وهو من رفقاء الشاعرين علي ذويب، وعلي الغراب في الدراسة، ومن معاصري الشيخ محمود بن سعيد مقديش المؤرخ.
كان والده من علماء عصره الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فسعي به إلى الأمير علي بن حسين باي فأمر بسجنه والتشديد عليه في السجن، فبلغ والده صاحب الترجمة أن عليا ابن الأمير محمد ابن الأمير الشهير إسماعيل سلطان فاس قادم إلى قابس في طريقه إلى الحج فلقيه في قابس مادحا له بقصيدة بليغة مستشفعا له في والده لدى أمير تونس علي باي، فقبله مولاي علي وأكرمه، وكتب كتابا إلى الأمير علي باي شافعا، وقدم صاحب الترجمة على الأمير علي باي بالمكتوب، فقبل الشفاعة، وأطلق سراح الوالد، وأحسن إليه، والقصيدة طويلة طالعها:
إذا رمت إدراك العلى فاسلك الصّعبا ... وبالنفس خاطر بالخطير ودع الرّهبا
مؤلفاته:
١) زهر الربيع في محاسن البديع في ٦٣٠ ص من القطع الكبير، رتبه على مقدمة و ٥١ نوعا من فن البديع، وخاتمة، وذكر في المقدمة تشجيع عامل صفاقس محمود بن فرحات الجلولي وابنه محمد على اتمامه، والمقدمة تشتمل على ثلاثة فصول، الفصل الأول في الكلام على فن الأدب وتقسيمه، وما يليق بمتعاطيه، والفصل الثاني في فضل الشعر، وما يجب
стр. 401
على الشاعر اتباعه، والفصل الثالث فيما يجوز للشاعر ارتكابه، ثم انتقل للحديث عن أنواع البديع نوعا نوعا، وهو مع توسعه في فنه مجموعة أدب وطرائف، ففيه مختارات نادرة بارعة من شعر القدماء ونوادرهم، ومن شعر المحدثين، وفيه القواعد العلمية من شتى الفنون وفيه النقد البارع المفيد، وفيه مختارات من شعر القدامى ونثرهم، ومن شعر ونثر معاصريه، وفيه مجموعة من شعره ورسائله ومقاماته، وما دار بينه وبين علي الغراب، وعبد اللطيف الطوير مفتي القيروان وشاعرها من مراسلات ومساجلات، وختم الكتاب بقصيدة من نظمه في مدح رسول الله ﷺ ، وتحدث عن شعراء صفاقس في القديم مما هو موجود غالبه في رحلة التجاني «الحلل السندسية» ثم انتقل للكلام عن شعراء عصره، ولم يكد يشرع في الترجمة الأولى حتى جاء البياض بباقي الصفحة والصفحتين المواليتين، والنسخة خطها جميل تارة ورديء اخرى، وبها كثير من التحريف وصفحات بيضاء، وهي في مكتبة المرحوم السيد محمد العزيز الجلولي.
وبعد إتمام التأليف رفعت نسخة إلى الأمير حمودة باشا ابن علي باي، الذي عرضه على علماء تونس، فقرظه الشيخ عمر المحجوب بقصيدة، أجاب عنها المؤلف بقصيدة من نفس البحر والروي، وقرظه مفتي صفاقس الشيخ أحمد الشرفي نثرا ونظما.
٢) ديوان شعر.
المصادر والمراجع:
- اتحاف اهل الزمان ٨/ ٢٣ - ٢٤.
- إيضاح المكنون ١/ ٥٠٠، ٦١٧.
- عنوان الأريب ٢/ ٨٥ - ٨٧.
- معجم المؤلفين ١/ ٤.
- نزهة الأنظار ٢/ ١٩٤ - ١٩٧.
стр. 402
- هدية العارفين ١/ ٣٨.
- محمود خروف، مجلة الثريا، السنة الأولى العدد ٨، رمضان /١٣٦٣ سبتمبر ١٩٤٤ ص ٤١ - ٤٤، السنة ٢ العدد ٢ صفر /١٣٦٤ جانفي ١٩٤٥، ص ٢٨ - ٣٢.
стр. 403
١٥١ - الخراط ( ..... - ١١١٤ هـ) (١٧٠٣ م)
علي الخراط الصفاقسي، الطبيب الصيدلي.
لا أعلم عن حياته شيئا.
مؤلفاته:
١) أرجوزة في الطب طالعها:
يقول عبد ربه الغفار ... مكوّر الليل على النهار
وهي طويلة.
٢) رسائل.
٣) كتاب في الطب.
المرجع:
- تاريخ الطب العربي التونسي، ص ١٤٥.
стр. 404
١٥٢ - خروف ( ... ٩٦٦ هـ) (١٥٥٨ م)
محمد بن أبي الفضل خروف التونسي، نزيل فاس، وشيخ الجماعة فيها، كان عالما بأصول الفقه، والكلام، والبيان، والمنطق، أخذ بتونس عن المفتي الخطيب حسن الزنديوي، ومحمد ماغوش، والفقيه البياني القاضي أحمد سليطن، والفقيه الشريف بن علي، وغيرهم، رحل إلى المشرق، وأخذ عن جماعة ككمال الدين الطويل، وابن فهد، ومحمد الحطاب، وبمصر الطبلاوي، والشمس والناصر اللقانيين، ولقي بفاس عبد الرحمن سقين، وعلي بن هارون، وعبد الواحد الونشريسي، وعبد الوهاب الزقاق ومحمد الستيتني، وغيرهم، وأخذ عنه اعلام من أهل تونس وفاس منهم الحميدي، وسعيد المقري، والقصار، والمنجور، وانتفعا به، وأبو المحاسن يوسف الفاسي، والقاضي الوطاسي ..
امتحن بالأسر فاستنقذه منه أبو العباس أحمد المريني آخر ملوكهم بواسطة أبي عبد الله محمد الستيتني لمكاتبة جرت بينهما، وكان يكتب للمريني معتق إيالتكم فلان.
قدم فاس من أرض اسبانيا بعد فكاكه من الأسر في سنة ٩٤٧/ ١٥٣٦، قدم به آسره الاسباني ختن المركيز صاحب غرناطة، وهو من علمائهم طالبا أن يقرئه النحو كشأنه في أرضهم فإنه كان يقرأ عليه هناك «المفصل» للزمخشري ليتوصل الآسر المذكور إلى فهم القرآن، فإنه كان ينظر فيه، ويتطلب فهمه، ويفهم النحو بعض الفهم، فافتى سقين بالمنع من ذلك، بعد أن كان أسيره يعده بذلك، ولذا قدم معه، وتصدى للتدريس بفاس، ونشر بها العلوم العقلية، في «خلاصة الاثر» عند ترجمة الشيخ القصار «كان سوق المعقول كاسدا بفاس فضلا عن سائر اقطار المغرب
стр. 405
فنفق في زمانه ما كان كاسدا من سوق الأصلين، والمنطق، والبيان، وسائر العلوم لأن أهل المغرب لا يعتنون بما عدا القرآن والفقه وما يوصل إلى الرئاسة الدنيوية، إلى أن رحل الستيتني إلى المشرق فأتى بشيء من ذلك، ثم وفد عليهم الشيخ خروف التونسي، وكان إمام ذلك كله والمقدم فيه إلا أنه جاء بغير كتب لابتلائه بالاسر، وغرق كتبه في البحر، ومع ذلك كان في لسانه عجمة مع ميله إلى الخمول، فلم يقدروا قدره، وإنما انتفع به الشيخ المنجور، والشيخ القصار (١)».وذكر المنجور شيئا من أحواله، وما قرأه عليه، وأسلوبه في التدريس «لازمته قريبا من سنتين أثر قدومه، وتجنبه أكثر الطلبة لوقفة كانت بلسانه تشبه العجمة، وما زال البعض منها إلا بعد مدة، ولأنهم ما ألفوا تلك الفنون، ولا عرفوا قدرها وقرأت عليه «تلخيص المفتاح» و «مختصر السعد التفتازاني» و «ايساغوجي» و «الرسالة الشمسية» في المنطق للكاتبي وبعض «جمل الخونجي» و «جمع الجوامع» للسبكي، و «محاذي ابن هشام» ختمته وأعدته إلى الإضافة، وجملة من القطب على «الشمسية» وختمت عليه «ايساغوجي» مرارا يضع ضروب الأشكال المنتجة والعقيمة من الاقتراني وما تركب من الحمليات والشرطيات متصلة أو منفصلة أو متنوعة أو من الحملي والشرطي ومن الاستثنائي، وصدرا من التناقض أو العكس في لوح الاستملاء حتى تفهم هنالك، وعلى يده فتح الله بصيرتي في تلك العلوم وبعد ذلك ذهبت إلى شيخنا الإمام اقرأ عليه فوفق الله أن قرأت عليه المنقول، وسهل الأمر عليّ وعليه.
وذاكرت شيخنا خروف بعد قراءتي عليه سنين كثيرة إلى أن توفي سنة ست وستين واستفاد مني كثيرا من تلك العلوم وغيرها كما استفدت كذلك، وحضرت أثناء قراءتي عليه دولة في عبادات «مختصر» خليل يقرئها في بيتي بمدرسة العطارين، وصل فيها إلى قريب من باب الزكاة، وكان عليه تكلف وعسر في ذلك إذ لم يكن كتب في الفقه ما حفظ ولا درس، وإنما كان ينفذ في البيان ونحوه من الأدب، وشارك في النحو، والمنطق،
стр. 406
والأصلين، وربما أجاد في التفسير وكان يقرض الشعر، ويحسن فيه، وكان له دكان يتعاطى فيه الاشهاد».
وكان حسن الأخلاق، طارحا للتكلف متواضعا هينا لينا مبغضا للمتكبرين والمتصنعين توفي بفاس في صفر أو ربيع الأول.
مؤلفاته:
١) رحلة.
٢) فهرسة.
المصادر والمراجع:
- جذوة الاقتباس ٢٠٥.
- درة الحجال ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
- سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس لمحمد بن جعفر الكتاني (المط الحجرية بفاس (١٣١٦/ ١٨٩٨) ٢/ ١٩١، ٣/ ٢٨١.
- شجرة النور الزكية ٢٨١ - ٢٨٢.
- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ٤/ ١٠٢ - ١٠٣.
- فهرس أحمد المنجور، تحقيق محمد حجي (الرباط ١٣٩٦/ ١٩٧٦) ص ١٥، ٦٩ - ٧١.
- فهرس الفهارس ١/ ٢٧٩.
- لفظ الفرائد من لفاظة حقق الفوائد لأحمد بن القاضي (الرباط ١٣٩٦/ ١٩٧٦) ص ٢٩٧، ٣٠٧.
- نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني لمحمد بن الطيب القادري، تحقيق محمد حجي. أحمد التوفيق (الرباط ١٣٩٧/ ١٩٧٧) ج ١/ ٩١، ١٢٥.
стр. 407
١٥٣ - خرّيف ( ... - ١٣٥٦ هـ) (١٩٣٧ م)
إبراهيم بن عبد الكبير ابن الشيخ محمد التابعي خرّيف الميعادي النفطي، من اعلام الجريد، المؤرخ الشاعر والد الأديب الشاعر مصطفى خرّيف.
له النهج السديد في التعريف بقطر الجريد، تكلم فيه عن طبيعة الجريد ومناظره الخلابة، وعن الناحية الاجتماعية، والسياسية والثقافية إذ ترجم لبعض اعلام الجريد المشاهير في ٢٨٢ ص، يوجد مخطوطا لدى ابنه الأديب البشير خريف، وفق الله العزائم لنشره.
المراجع:
- الجديد في أدب الجريد ١٩٢ - ١٩٨، محمد الخضر حسين لمحمد مواعدة ص ٢٣ تعليق (٣).
стр. 408
١٥٤ - خريف (١٣٢٨ - ١٣٨٧ هـ) (١٩١٠ - ١٩٦٧ م)
مصطفى ابن الشيخ إبراهيم بن عبد الكبير خريف، النفطي الأديب، الشاعر، والكاتب الصحفي، القصاص.
ولد بنفطة في ١٠ اكتوبر ١٩١٠، وفيها استظهر القرآن، ثم انتقل إلى مدينة تونس صحبة اسرته عام ١٩٢٠، ودخل مدرسة السلام القرآنية التي يديرها الشيخ الشاذلي المورالي، وفيها تعلم العربية تعلما صحيحا، وكان أستاذه في العربية العالم الأديب الشيخ محمد مناشو وتأثر بفصاحته، ومكث بهذه المدرسة نحو عامين، ثم التحق بجامع الزيتونة سنة ١٣٤٤/ ١٩٢٦، ومن شيوخه: البشير النيفر قرأ عليه التاودي، والطاهر بن عبد السلام قرأ عليه شرح الأشموني على الفية ابن مالك، والشاذلي ضيف قرأ عليه البلاغة، وعلي النيفر قرأ عليه أصول الفقه، ومحمد الصالح بن مراد قرأ عليه تفسير حزب سبح باسم ربك الأعلى، ومحمد العنابي قرأ عليه الدردير على مختصر خليل، واستاذه في المدرسة القرآنية الشيخ محمد مناشو قرأ عليه الرحبية في الفرائض، وكان لا يحضر من الدروس إلاّ ما تتوق اليه نفسه مثل دروس التفسير والحديث، والنحو، والصرف، والبلاغة، لأنه كان مصابا بعلل جسمية لا يتحمل معها الارهاق والتعب، وقرأ العروض في المدرسة الخلدونية على الشاعر الشاذلي خزنه دار.
نظم الشعر في عهد مبكر، وهو ما يزال تلميذا بالمدرسة القرآنية، ونشرت له جريدة «الوزير» في ٨ جويلية ١٩٢٤ قصيدة وعمره ثلاث عشرة سنة.
وكانت له شجاعة أدبية في الجهر بآرائه في أحلك الظروف، فقد صاول الاستعمار بشعره، وحمل عليه، وشهّر بمظالمه في وقت خرست فيه
стр. 409
ألسن الشعراء، وكانت فيه عزّة نفس لا يتنازل للتزلف إلى طواغيت الاستعمار، ولا يهادن في سبيل قوميته ومبادئه.
وشعره تقليدي، قوي النسج، متين السبك، جميل الايقاع، فيه رومانسية، وحوار، ودعوة قوية إلى البذل والفداء لتحرير الوطن، قال الناقد الكبير الذواقة مارون عبود في ختام كلامه عنه: «ومجمل القول يا سيد مصطفى أنك شاعر موهوب لا ينقصك إلا (الغربة) ليتك تقرأ روائع شعراء العالم، فلا تتكل على مخيلتك وحدها وإن كانت قوية».
قال الأستاذ رشيد الذوّادي: «لاحظت أن هذا الشاعر يندرج في الشعراء التقليديين، لكن بجانب هذا له محاولات في تقليد الرومانسيين من الشعراء مثل إبراهيم ناجي، وإيليا أبو ماضي، وأحمد زكي أبو شادي، وجبران خليل جبران، وأبو القاسم الشابي تلمس في شعره ازدواجية في الشكل والمضمون لقد حاول خريف أن يصيغ اشعاره على أنماط الشعر الحديث الذي لا يحفل بالموسيقى والقافية، نظم قصيدة بين جبل وبحر على هذا النسق حاول أن يستعمل الكثير من أدوات التعبير التي اعتاد أن يستعملها أدباء المهجر والمجددون بوجه عام ... سعى إلى تقليد المجددين حتى في المضامين لكنه لم يستطع في رأيي أن يتخلص في مواطن أخرى من التعابير اللغوية التي كانت تستعمل في العصرين الجاهلي والأموي
وخريف الذي عاش حياة بوهيمية، وأحب حلقات تحت السور، وواكب تاريخها السياسي والفكري أكثر من أربعين سنة يبدو لي شخصيا في شعره رؤية ومضامين هادفة وتأصلا».
وكان إلى جانب براعته في الشعر الفصيح يجيد الشعر الملحون الشعبي.
في سنواته الأخيرة اتعبه مرض السكر، ودخل المستشفى مرارا لمعالجته والحد من طغيانه إلى أن فارق الحياة وهو ما يزال في أوج فنه وذروة عطائه.
стр. 410
مؤلفاته:
١) الشعاع: ديوان شعر، تونس ١٩٤٥
٢) شوق وذوق: ديوان شعر، تونس ١٩٦٥ ص ٣٢٥
٣) علي ابن قاصد السبيل، قصة وضعها للأطفال.
٤) مجموعات من قصص الأطفال: الحاج زيان، بابا علي، خو القهواجي، الثالوث الثبات على المبدأ، عم خضير البواب، نشرتها الشركة التونسية للتوزيع بعد وفاته.
وهذه القصص نشرت تباعا بجريدة «الزيتونة» ومجلة «المباحث» في الأربعينات والخمسينات تحت عنوان «صور من الحياة» ولم توضع في قالب قصصي للأطفال غير أن صياغتها البسيطة، وحوادثها المستمدة من واقع المجتمع التونسي جعلها صالحة لتكون من كتب الأطفال.
٥) مصانع البحر، قصة استمدها من خرافة.
٦) نصوص الفصوص، ألفه لتلاميذ السنة الثانية من التعليم الزيتوني، رفضته اللجنة المكلفة من مشيخة جامع الزيتونة للنظر فيه لأسباب فنية، ولأجل هذا بقي مخطوطا لم يطبع.
المراجع:
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر ٢/ ٢٧١ - ٢٨٢.
- الجديد في أدب الجريد ٢٥١ - ٢٥٤.
- دمقس وارجوان لمارون عبود ص ٧٩ - ٨٥ (كلام عن ديوانه الشعاع).
- صور وذكريات مع مصطفى خريف لمحيي الدين خريف (تونس ١٣٩٧/ ١٩٧٧).
- جماعة تحت السور لرشيد الذوّادي ١٨٠ - ١٨٦.
- الشعر التونسي المعاصر ١٨٧٠ - ١٩٧٠ لمحمد صالح الجابري ص ٣٩١ - ٤٢٧.
- محمد الشعبوني: مصطفى خريف لحن لن يموت، مجلة «الفكر» ع ٨ س ١٣، ماي ١٩٦٧، ص ٣٦ - ٤٠.
стр. 411
١٥٥ - الخزاعي ( ... - ٢٢٨ هـ) (٩١١ م)
يحيى بن عون بن يوسف الخزاعي القيرواني، أبو زكرياء، الفقيه.
له سماع من والده، وسحنون، وأبي زكرياء الحفري، وسمع منه الناس، وكان مصابا بإحدى عينيه، وصفه المالكي بأنه كان رجلا صالحا من أهل العلم والفقه، وكان في يوم الشك يجعل آنية من الماء في المسجد إلى جانبه فإذا سأله أحد عن الصوم شرب الماء.
وذكر الخشني أنه كان يتهم ويطعن عليه، وضربه سحنون لما صلّى على ولده بغير أمره.
له كتاب في الرد على أهل البدع.
المصادر والمراجع:
- ترتيب المدارك ٣/ ٢٧٥.
- شجرة النور الزكية ٧٤.
- معالم الإيمان ٢/ ١٦٥.
стр. 412
١٥٦ - خزنه دار (١٢٩٧ - ١٣٧٣ هـ) (١٨٧٩ - ١٩٥٤ م)
محمد الشاذلي بن محمد المنجي بن مصطفى خزنه دار، شاعر السياسة والوطنية، الملقب بأمير الشعراء.
جده هو الوزير الأكبر مصطفى خزنه دار، أصله من قرية يونانية قرب سافس، جلب إلى تونس وسنه دون العشر سنوات، وتربى بقصر المشير الأول أحمد باشا باي، ووالده أمير الأمراء محمد المنجي الابن الثاني لمصطفى خزنه دار. درس العلوم الحربية في إحدى كليات باريس، وتخرج منها سنة ١٢٤٨/ ١٨٣٦.
ولد بقصر جده قرب الكرم، وتسميته «محمد الشاذلي» تدل على ما كان يسود اسرته من تعلق بالأولياء، وانتساب إلى الطرق الصوفية، وخاصة الطريقة الشاذلية، وكانت والدته متعلمة تقرأ القرآن وتحفظ الأشعار، وتطالع القصص كقصة «رأس الغول» والمرأة المتعلمة من شواذ ذلك العصر لشيوع جهالة النساء فيه ولعلها أثّرت عليه في التوجه نحو الأدب والمطالعة. اعتنى والده بتربيته فلما بلغ سن التعلم جلب له مؤدبين خاصين لتعلم القرآن على عادة الكبراء والأعيان في ذلك الوقت في تعليم ابنائهم في منازلهم لا في المدارس، وبعد أن استظهر نصيبا من القرآن تلقى مبادئ العلوم العربية على الشيخ عثمان بن المكي التوزري، والشيخ علي الساسي نزيل سطيف بالجزائر، وفي سنة ١٣١٤/ ١٨٩٦ أخذ في التلقي على الشيخ الطيب بوشناق، وقرأ عليه مدة سبع سنوات، ومن جملة ما قرأ عليه علم العروض والقوافي فامتلأ منه وطابه حتى صار فيه الاختصاصي الفذ، ودخل جامع الزيتونة سنة ١٣١٠/ ١٨٩٣، ولم يكن غرضه الإحراز على شهادته العلمية، واجتياز الامتحانات بل كان غرضه اشباع
стр. 413
نهمه الأدبي واللغوي فحضر الدروس التي تلائم اتجاهه، وواظب على الحضور بدروس العلامة الشيخ سالم بو حاجب. ووالدته فاطمة بنت فرحات قرجي لقنته مبادئ الحروف والحساب واللغة:
ومن فاطم أمي استفدت دراستي ... فمنها تعلمت الكلام المركبا
ومنها تعلمت الحساب مدققا ... وتخطيط ما سطرت من الف وبا
وفي غير أوقات الدراسة ينكب على المطالعة في مكتبة والده الفخمة بما فيها من مراجع قيمة، وهكذا استكمل ثقافته بكده وجده.
ولما جاوز مرحلة الشباب الأولى، واكتملت رجولته، وصار يتصل بالمجتمع داخل القصر، تزوج الأميرة حسينة بنت محمد المأمون باي من الأسرة المالكة وأنعم عليه بعد زواجه بشهر واحد برتبة ضابط في القصر، وتدرج في سلم الترقي من رتبة ملازم إلى رتبة بوزباشي فبنباشي، وأحرز على الوسام الشرفي من الرتبة الرابعة، بمناسبة خروج الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي من السجن كان من بين المستقبلين والمهنئين له بقصيد من روائع شعره، فسخط عليه القصر والادارة العسكرية والاستعمار لأن في موقفه معنى الانتماء إلى حزب المعارضة، ومقاومة الحكم وطواغيته وهو ما لا يرضى عنه القصر، ولا السفارة الفرنسية، والنتيجة السريعة لموقفه هي الزج به في ظلمات السجن العسكري لمدة نصف شهر، وبعد خروجه من السجن بادر بالاستقالة من وظيفته للخروج من حياة رتيبة في القصر تعد الأنفاس وتستقصي الحركات والسكنات، وانتسب إلى الحزب الحر الدستوري الذي مدح زعيمه، وهو حزب ثائر على القصر، على ما في القصر من مغريات بالنسبة له من مرتب شهري محترم، وروابط الصهر والقرابة، ولكن النفوس الحرة تؤثر الحياة الطليقة على ما فيها من شظف وكفاح على حياة الرخاء والنعومة والجاه المكبلة للخطى، ووجد في هذا الانطلاق من السدود والقيود ما يشبع نهم الشاعرية عنده.
وسأكتفي بوظيف شعري عائشا ... ما بين اقلامي وبين محابري
стр. 414
وانتسب إلى الحزب الحر الدستوري، وانتخب عضوا في لجنته التنفيذية بأغلبية كبرى، ومن يعرف الانهيار المعنوي لدى الجماهير في ذلك العصر، والطاعة للحكومة في كل شيء وعدم التفكير في معارضتها ومقاومتها يقدر له هذا الموقف الشجاع، ولا يراه أمرا هينا لا يستحق الالتفات، وكان واسطة في إحدى المفاوضات ما بين اللجنة التنفيذية وبين الأمير محمد الناصر باي قبل اندلاع أحداث ١٥ افريل ١٩٢٢ التي اتهمته الحكومة بالمشاركة في تدبيرها وسجنته بسببها.
درّس العروض بالمدرسة الخلدونية، وبمدرسة ترشيح المعلمين، كان إلى جانب عمله السياسي في الحزب ينظم القصائد الكثيرة في الوطنية بما يحمس الجمهور وينير له الطريق، ولم يتوان عن كشف فضائح الاستعمار وطواغيته، وكان جيد الإلقاء للشعر ينسجم مع شعره في نغمة خاصة تعدي بحماستها الجمهور المستمع، وشعره جزل الألفاظ، واضح المعاني، لا يخلو من المنطق والاحتجاج العقلي بالخصوص في مطاولة الاستعمار، ومناقشته، وهو أول من انغمس بشعره في السياسة الوطنية من شعراء تونس المحدثين، ولم يكد ينظم إلا في هذا الغرض في هذا الطور من حياته، وإن كان قبل ذلك نظم في الأغراض الشعرية الأخرى، فالوطنية عنده هيام والتزام.
وفي سنة ١٩٤٦ استقال من اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري القديم مدعيا أنه ليس بالسياسي ولا الزعيم ولا الأمير بل هو الشاعر وكفى:
لساني الشعور ولست السياسي ... ولست الأمير ولست الزعيم
ولكنه إذ ابتعد عن السياسة الحزبية فإنه بقي كسالف عهده شاعر الوطنية والسياسة، وله أدب ملحون شعبي وأغان.
مؤلفاته:
١) حياة الشعر وأطواره الحاضرة، ط، بالمط، التونسية تونس ١٣٣٨/ ١٩٢٠، لم يذكره صاحب معجم المطبوعات.
стр. 415
٢) ديوانه: ط، مط، العرب تونس ١٣٤٢/ ١٩٢٢، وهو مهدى إلى الشيخ عبد العزيز الثعالبي، وصدر الجزء الثاني في نفس المط، سنة ١٣٤٥/ ١٩٢٦، وأعيد طبعه في السنوات القريبة.
وهذا الديوان لا يحوي كل شعره، فإنه نظم قبل التزامه السياسة والوطنية في شعره ونظم بعد ذلك.
المراجع:
- أدباء تونسيون لرشيد الذوّادي (تونس) ص ٦٦ - ٨٩.
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر ١/ ٢١ - ٤٥.
- الاعلام ٧/ ٢٦.
- تراجم الاعلام لمحمد الفاضل بن عاشور (تونس ١٩٧٠) ص ٣٣٩ - ٣٥٢ (آخر ترجمة فيه).
- الحركة الأدبية والفكرية في تونس ١٤٥ - ٦ (مقارنة بينه وبين زميله مصطفى آغا).
- الشعر التونسي المعاصر ١٤٥ - ١٧٠.
- معجم المؤلفين ١٠/ ٦١.
- وقفات ونبضات للكاتب الجزائري محمد الصالح الصديق (الجزائر ١٩٧٢) ٨١ - ٩٣.
стр. 416
١٥٧ - الخشني ( ... - حوالي ٣٧١ (١) هـ) (٩٨١ م)
محمد بن حارث بن أسعد الخشني (٢) القيرواني، أبو عبد الله، المحدّث، الفقيه الأديب المؤرخ، الكيمياوي، نزيل الأندلس.
تفقه بالقيروان على أحمد بن نصر، وأحمد بن زياد الهواري، وأبي بكر بن اللبّاد، والممّسي، وغيرهم.
قدم الأندلس حدثا سنة ٣١١/ ٩٢٣، وسنه ١٢ سنة على ما قيل، وهذا محل نظر بل الغالب على الظن أنه عند ما انتقل إلى الأندلس لا تقل سنه عن العشرين لأن تراجمه للعلماء الافارقة تدل على معرفة ونقد، ويستبعد من صبي عمره اثنتا عشرة سنة أن يكون عارفا بأحوال المترجمين، وله ملكة نقدية، سمع بالأندلس من أحمد بن زياد، وأحمد بن عبادة، والحسن بن سعد، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، ومحمد بن يحيى بن لبابة، وغيرهم من القرطبيين.
دخل سبتة قبل سنة ٣٢٠/ ٩٣٣ فحبسه أهلها عندهم، وتفقه عليه قوم منهم، وحقق لهم قبلة جامعهم فوجد فيه تغريبا فامتثلوا أمره وشرّقوها، ثم دخل الاندلس، وتردد في كور الثغور، واستقر آخرا بقرطبة، وإصلاحه لقبلة جامع سبتة وامتثال أهلها لأمره يدل على أنه شاب في طور الرجولة لا صبيا عمره اثنتا عشرة سنة، وكان له بالقيروان دكان يجلس فيه لبيع
стр. 417
الأدهان للتجميل من صنعه لأنه كان حكيما يتصرف في الأعمال اللطيفة، وهذه حجة أخرى على أنه ارتحل من القيروان وسنه فوق الاثنتي عشرة سنة بنحو عقد من السنين، لأن من كان صبيا لا يصنع الأدهان، ويعرضها للبيع ويشتريها الناس.
قال أحمد بن عبادة: رأيت ابن الحارث في مجلس أحمد بن نصر - يعني وقت طلبه بالقيروان - وهو شعلة يتوقد في المناظرة.
ومما قيل في وصفه: أنه كان ذكيا فطنا متفننا عالما بالفتيا، حسن القياس في المسائل حافظا للفقه، متقدما فيه، عالما بالاخبار وأسماء الرجال، شاعرا بليغا إلاّ أنه يلحن، من أهل الفضل والاطلاع، وكان يتعاطى صناعة الكيمياء ولاّه الحكم المواريث ببجّاية، وولي الشورى بقرطبة، وتمكن للحديث من ولي عهدها الحكم الثاني المستنصر بالله الأموي، وألّف له تآليف حسنة، وآلت به الحال بعد موت الحكم إلى الجلوس في حانوت لبيع الأدهان.
توفي بقرطبة في ١٣ صفر، ودفن بمقبرة مومرة.
تآليفه:
١) كتاب الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك، توجد منه قطعة صغيرة الحجم ذات ١٦ ست عشرة ورقة، مكتوبة على الرق بالمكتبة الوطنية بتونس رقم ١٧٧٧٨ (وأصلها من مكتبة القيروان).
٢) كتاب أصول الفتيا، بالخزانة العامة بالرباط ضمن أول مجموع رقم ١٧٢٩، والصديق الدكتور محمد أبو الأجفان بصدد تحقيقه.
٣) كتاب الاقتباس.
٤) تاريخ الافريقيين.
٥) تاريخ علماء الأندلس.
٦) تاريخ قضاة قرطبة، نشره المستشرق الاسباني جوليان ريبيرة بمدريد سنة ١٩١٤ معتمدا على النسخة المحفوظة باكسفورد، وأعاد نشره السيد عزت
стр. 418
العطار الحسيني في القاهرة سنة ١٣٧٢/ ١٩٥٢.
٧) كتاب التعريف.
٨) طبقات علماء افريقية، حققه محمد بن أبي الشنب (الجزائر ١٩١٤) ذيلا لطبقات أبي العرب التميمي، وأعاد طبعه ذيلا لقضاة قرطبة السيد عزت العطار الحسيني.
٩) رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه.
١٠) الرواة عن مالك.
١١) كتاب فقهاء المالكية.
١٢) كتاب المولد والوفاة.
١٣) مناقب سحنون.
١٤) كتاب النسب.
غالب هذه التآليف ألفها لولي العهد الحكم الثاني، قال ابن الفرضي: بلغني أنه ألف له مائة ديوان.
المصادر والمراجع:
- الاكمال لابن ماكولا ٣/ ٢٦١.
- الاعلام ٦/ ٣٠٣.
- الانساب للسمعاني ٥/ ١٤٢.
- تاريخ الطب العربي التونسي ٧٦.
- تاريخ ابن الفرضي ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.
- ترتيب المدارك ٤/ ٥٣١ - ٥٣٢.
- جذوة المقتبس ٤٨ - ٤٩.
- بغية الملتمس ٦١ رقم ٩٥ في ترجمة محمد بن أبي حجيرة الديباج ٢٥٩ - ٢٦٠.
- شجرة النور الزكية ٩٤ - ٩٥.
- شذرات الذهب ٣/ ٣٩.
- طبقات الحفاظ للسيوطي ٣٩٧.
стр. 419
- العبر ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
- مرآة الجنان لليافعي ٢/ ٣٧٥.
- معالم الإيمان ٣/ ١٠٠ - ١٠٣.
- معجم الأدباء ١٨/ ١١١.
- معجم المؤلفين ٩/ ٤٥، ١٦٨.
- معجم المطبوعات ٨٢٣ - ٨٢٤.
- نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس لإبراهيم الحلبي سبط ابن العجمي (خط، بالمكتبة الوطنية) ٤/ ٢٣٥ ب، محمد بن حارث بقلم محمد أبو الأجفان فصلة مستلة من النشرة العلمية للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، السنة ٤ العدد ٤، ١٩٧٦ - ١٩٧٧.
стр. 420
١٥٨ - الخضار ( ... - ١٢٦٧ هـ) (١٨٥١ م)
محمد بن محمد الخضار الشريف التونسي، الفقيه الأديب الشاعر، القادري الطريقة وله صلة باتباعها خارج مدينة تونس، كأحمد الكيلاني المنزلي (نسبة إلى منزل بوزلفة) ومحمود السيالة الصفاقسي مدة إقامته بتونس الذي قال في رسالته الطبية «المنافع الحاضرة في النوازل الحادرة» بعد تحليته باسجاع وبيان صلته به: «فوجدته محققا لنوازل (قضايا) الطب، ومدركا لأحوال النبض والعصب».
قرأ بجامع الزيتونة، وتخرج على المشايخ: إبراهيم الرياحي، وحسن الشريف، والطاهر بن مسعود، ومحمد بن ملوكة، وغيرهم.
وفي «عنوان الأريب»، «وكان الشيخ أبو عبد الله محمد البحري قاضي الجماعة يستعين بعلمه وذكائه في معاناة النوازل مع غيره من النجباء، ثم بعده الشيخ أبو عبد الله محمد بن سلامة، وكان كثيرا ما يبيت عنده، فإذا أظلم ما يعانيه من فهم عويص استعان بشعلة ذكائه أو بارقة من لوامع آرائه».
وقال ابن أبي الضياف في التنويه بأخلاقه وأدبه وعلمه: «وكان عالما فقيها، ذكيا، خيّرا عفيفا كريم النفس غرا كريما، وله في الرثاء المنازع الغريبة خطيبا من انشائه، فصيحا جهوري الصوت، وله في القاء المواعظ أسلوب تجتمع به القلوب، بعيدا عن التصنع شبيها بالزهاد، حسن المحاضرة، حلو الدعابة ما نقصه ذلك ولا عابه، ما شئت من إيناس يسري في الأرواح، ومذاكرة اشهى من العذب القراح».
ومع ذكائه فإن فيه غفلة.
стр. 421
واشتهر بشدة التحرير في الفتاوى حتى أن العلماء يتنافسون في اقتنائها تولى التدريس بجامع الزيتونة، وقضاء المحلة فأصابه ضعف في بصره أعجزه، ثم نقل إلى خطة الفتوى في عهد المشير الأول أحمد باشا باي، وولي الإمامة والخطابة بجامع الهوى.
مؤلفاته:
١) ديوان خطب.
٢) ديوان شعر
٣) كنش في الفقه بمكتبة الإمام محمد الطاهر بن عاشور.
المصادر والمراجع:
- اتحاف أهل الزمان ٨/ ٨١.
- رياض البساتين لأحمد الكيلاني ١٧ - ١٨.
- شجرة النور الزكية ٣٨٩.
- عنوان الأريب ٢/ ١٠٤ - ١٠٧.
- الطريقة المرضية في الاجراءات الشرعية لمحمد العزيز جعيط ص ٢٣٠ هامش (٢) (ط/ ٢).
стр. 422
الخضراوي: ابن هشام
١٥٩ - ابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ) (١٣٣٢ - ١٤٠٦ م)
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن خلدون الحضرمي، الاشبيلي السلف، التونسي، أبو زيد، ولي الدين، المؤرخ، الفيلسوف، وعالم الاجتماع ورجل السياسة.
ينحدر من أسرة عربية أصلها من حضر موت ترجع إلى الصحابي الجليل وائل بن حجر، استقرت منذ أوائل القرن الثالث للهجرة باشبيلية، ثم إنها انتقلت إلى سبتة قبل حركة الاسترداد، ومن هناك اتجهت إلى افريقية، واستقرت بتونس في عهد ابن زكرياء الأول الحفصي (٦٢٥ - ٦٤٧) وبعض أجداده تولى المناصب الرفيعة في تونس ووالده اعتزل السياسة، وعاش حياة فقيه وأديب، ففي هذه الأسرة ذات المكانة العلمية والسياسية نشأ ابن خلدون، فلا عجب إذا كان محبا للعلم مقبلا على دراسته، ومحبا للحياة والسياسة، ولد بتونس أول رمضان سنة ٧٣٢/ ٢٧ ماي ١٣٣٢، واعتنى والده بتربيته وتوجيهه نحو الاقبال على الدراسة العلمية، فأخذ القرآن عن ابن برّال، وتأدب بوالده، وأخذ عن المحدث صاحب الرحلتين محمد بن جابر الوادي آشي، وحضر مجالس محمد بن عبد السلام، وروى عن علماء المغرب الوافدين على تونس صحبة السلطان أبي الحسن المريني (٧٤٨ - ٧٥٠/ ١٣٤٧ - ٤٩) كالسطي، وعبد المهيمن الحضرمي إمام المحدثين والنحاة في المغرب، أخذ عنه سماعا وإجازة الأمهات الست، وموطأ الإمام مالك، وكتاب السيرة لابن إسحاق، وكتاب ابن الصلاح في مصطلح الحديث، ومحمد بن إبراهيم الآبلي لازمه وانتفع به في العلوم الرياضية، والفلسفة، وتفقه بمحمد بن عبد الله الجيّاني، وأبي القاسم بن القصير قرأ عليه تهذيب المدونة، وحفظ الحماسة، وشعر أبي تمام، وقطعة من شعر
стр. 423
المتنبي، وسقط الزند للمعري.
وأخذ العربية عن والده، وعن الإمام محمد بن العربي الحصايري شارح «تسهيل الفوائد» لابن مالك.
ومات والده وأكثر مشايخه في الطاعون الجارف العالمي الذي اجتاح تونس سنة ٧٤٩/ ١٣٤٩، وله من العمر سبع عشرة سنة، وترك رحيل العلماء المرينيين فراغا كبيرا في الحياة الفكرية بتونس، وفكر في الرحيل إلى فاس التي كانت حينذاك ألمع عاصمة في المغرب الإسلامي، وأخوه الأكبر محمد صرفه عن هذه الوجهة لمدة قليلة، في سنة ٧٥١/ ١٣٥٠ قلده الحاجب القوي ابن تافراجين كتابة العلامة للسلطان أبي إسحاق الحفصي، وهي كتابة «الحمد لله والشكر لله» بالقلم الغليظ مما بين البسملة من مخاطبة أو مرسوم، وقبل هذه الخطة مع العزم على الرحيل إلى فاس عند ما تحين الفرصة، وبهجوم أمير قسنطينة الحفصي على البلاد التونسية سنة ٧٥٣/ ١٣٥٢ للمطالبة بالعرش تهيأت له المناسبة المرجوة، فعند ما خرج السلطان أبو إسحاق لقتال أمير قسنطينة كان ابن خلدون معه، وانهزم السلطان، ترك ابن خلدون رفقة سيده بدون استئذان والتجأ إلى أبّة، ثم لحق بتبسة ثم قفصة حيث التقى فيها بمحمد بن مزني صاحب الزاب فصحبه إلى بسكرة حيث أمضى الشتاء عنده ومات السلطان أبو الحسن المريني سنة ٧٥٢/ ١٣٥١ وصفا الجو لابنه أبي عثمان الذي احتل تلسمان سنة ٧٥٣/ ١٣٥٢، وأعاد بجاية إلى سيطرته، ومن بسكرة عرض عليه ابن خلدون خدماته، وفي أثناء الطريق لقي الحاجب المربني ابن أبي عمرو المسمى حاكما ببجاية، وصحبه ابن خلدون إلى هناك حيث لبث ببجاية زمنا (إلى نهاية سنة ٧٥٤/ ١٣٥٣) قبل أن يستدعى إلى بلاط فاس، ولما عاد السلطان أبو عنان إلى فاس جرى ذكر ابن خلدون عنده فاستدعاه إلى فاس سنة ٧٥٥/ ١٣٥٤، ونظمه في مجلسه العلمي، وبعد قليل صار من كتابه، واستمر على مواصلة التعلم والتردد على الشيوخ الكبار سواء من المغرب أو من الأندلس عند مرورهم بفاس، وعند ما مرض السلطان أبو عنان انغمس في مؤامرة هدفها تحرير الأمير أبي عبد الله محمد الحفصي من معتقله لاسترجاع
стр. 424
إمارته في بجاية، واستنصر هذا الأمير بابن خلدون، ووعده بتوليته منصب الحجابة إذا هو ساعده على الفرار، ونمي الخبر إلى السلطان أبي عنان فأمر بالقبض عليه وعلى الأمير واودعا السجن سنة ٧٥٨/ ١٣٥٧، ثم أطلق سراح الأمير بعد ذلك، وبقي ابن خلدون في السجن مدة سنتين، وابن خلدون يدافع عن نفسه ويعزو هذه المحنة التي حلت به إلى الدسائس والحسد وسوء النية، وبعد وفاة السلطان أبي عنان (٧٥٩/ ١٣٥٨) بادر وزيره الحسن بن عمر باطلاق سراحه وإعادته إلى ما كان عليه، وكانت وفاة السلطان أبي عنان فرصة لاضطرابات ومعارك مسلحة بين الطامعين في العرش، وكان من بين المطالبين بالعرش الأمير أبو سالم الذي عاد من منفاه إلى الأندلس سعيا وراء هذا الغرض، وناصره جماعة كان من ضمنها ابن خلدون، فدعاه إليه وخرج للقائه مع طائفة من وجوه الدولة، ثم رجع إلى فاس في ركاب السلطان الجديد، ورعى له أبو سالم هذه السابقة واستعمله في كتابة سره وإنشاء مخاطباته في شعبان ٧٦٠ جويليه ١٣٥٩، وليقوي وضعيته اجتهد ليصبح شاعر البلاط، وفي أثناء قيامه بهذه الخطة آثر في إنشاء مخاطباته الأسلوب المرسل على المسجوع، وهو شيء انفرد به بين زملائه كتاب العصر، قال «وكان أكثر ما يصدر عني بالكلام المرسل، من دون أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل، فانفردت به يومئذ وكان مستغربا عند من هم أهل هذه الصناعة».
ثم إن السلطان أبا سالم ولى ابن خلدون خطة المظالم (وهي ولاية قضائية).
ولما ثار الوزير عمر بن عبد الله على السلطان أبي سالم، ونصب على الملك أبا تاشفين أقرّ ابن خلدون على ما كان عليه، لكن ابن خلدون لم يقنع بذلك لأنه كما قال «يسمو بطغيان الشباب إلى أرفع مما كان عليه» وقد رأته حرم من ثمار النصر، وأظهر سوء مزاجه، وكوّن له الأعداء، وعتب على الوزير عمر بن عبد الله وهجره وانقطع عن دار السلطان مغاضبا له، وبعد عدة صعوبات تحصل على الاذن في السفر إلى غرناطة (خريف
стр. 425
٧٦٤/ ١٣٦٢)، وفي غرناطة استقبله سلطانها محمد بن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب استقبالا حسنا، وعرف ابن خلدون ابن الخطيب بفاس وانعقدت بينهما صداقة، عند ما كان ابن الخطيب لاجئا سياسيا بفاس مع سلطانه محمد بن الأحمر قبل أن يعود كل منهما إلى منصبه في فترة من فترات دسائس القصر بغرناطة ودسائس القصر بفاس للتدخل في شؤون السياسة والحكم بغرناطة، وفي نهاية سنة ٧٦٥/ ١٣٦٤ أرسله سلطان غرناطة إلى اشبيلية لعقد الصلح مع ملك قشتالة بيدرو الفاسي الذي اتخذ اشبيلية عاصمة له، واستقبل ابن خلدون استقبالا حسنا، ووعده باعادة أملاك أجداده إليه إذا هو رضي بالبقاء في خدمته فرفض هذا العرض، وعاد إلى غرناطة ومعه هدايا ثمينة حملها إلى السلطان الذي أقطعه قرية بمرج غرناطة، ورأى أن يستقدم زوجته وأولاده من قسنطينة، وتوافرت له بعد وصولهم أسباب الراحة والطمأنينة، وشعر بانقباض صديقه القديم لسان الدين بن الخطيب وتنكره له لأنه ألقى عليه بعض الظل من نجاح صديقه الشاب، فأخذ يفكر في مغادرة الأندلس قبل أن تفسد السعايات ما بينه وبين لسان الدين بن الخطيب من أواصر المودة، وبينما هو يفكر في ذلك جاءه كتاب من صديقه أمير بجاية أبي عبد الله محمد الحفصي يدعوه إلى الالتحاق به لتولي منصب الحجابة، وهو ما يرضي طموحه، واستأذن سلطان غرناطة في الارتحال دون اطلاعه على شيء من انقباض لسان الدين بن الخطيب فأذن له بعد مرور نحو ثلاث سنوات على مجيئه إلى الأندلس، وعند وصوله إلى بجاية احتفل أميرها بقدومه وقلده منصب حاجب، والحجابة كانت أهم منصب في الدولة، واسندت الوزارة إلى أخيه الأصغر منه يحيى، وقدمه الأمير للخطابة بجامع القصبة، وداوم به على التدريس بعد فراغه من مهام العمل الرسمي، وإذا كان في بجاية وجد ما يرضي طموحه السياسي وشوقه العلمي إلى التدريس، فإن ذلك كان في ظرف مؤقت قصير الأمد لم يتجاوز سنة، لأنه في السنة الموالية قام أمير قسنطينة أبو العباس الحفصي بهجوم على بجاية وسقط أمير بجاية ابن عم المهاجم قتيلا ومنيت جموعه بهزيمة ساحقة، وانحاز ابن خلدون إلى