وفاة الشيخ محمد معاوية، وسمي خطيبا بجامع يوسف صاحب الطابع سنة ١٢٧٨/ ١٨٦٢، ثم نقل إلى جامع محمد باي المرادي خلفا عن والده عند وفاته وقد امتاز بين خطباء عصره بارتجال خطبة الجمعة مع الايجاز احتفاظا بالوقت لاداء فريضة الجمعة على أصح الأقوال الواردة في تعداد الخطبة في المصر الواحد.
وفي أثناء قيامه بوظيفة الافتاء ظهرت مواهبه العالية في الفقه من تطبيق النصوص على مقتضيات الأحوال، وترجيح ما هو الأولى منها بالترجيح، فكان مائلا إلى الاجتهاد المذهبي، مستندا إلى علم أصول الفقه لتحرير مناط الحكم ودفع التعارض بين النصوص، ويضيف إلى ذلك الاطلاع على المذاهب الإسلامية، وكان في فتاويه متفتح الذهن، جيد الفكر، عارفا بما دخل على المجتمع من تطورات سياسية واجتماعية، والأحكام الشرعية المناسبة لها وبهذه المواهب الخصبة كان من أكبر المؤيدين لأصول قانون عهد الأمان والنظم المتفرعة عن تلك الأصول، وصدرت عنه الفتاوى المحررة، حاز بها شهرة في التحقيق والتحرير لا في تونس فحسب بل في أقطار المغرب والمشرق.
وكان في طليعة رجال الدين الذين اعتمد عليهم الوزير المصلح خير الدين في سبيل انجاز برنامجه الاصلاحي، فشارك في تأسيس نظام جمعية الأوقاف، وفي تأسيس المدرسة الصادقية، وفي اصلاح ترتيب الدروس بجامع الزيتونة.
وأقعده المرض ثلاث سنوات بمنزله ثم طغا المرض وازدادت مضاعفاته وافقده حياته ولحق برحمة ربه في ذي الحجة سنة ١٣١٣/ ١٨٩٦.
مؤلفاته:
١) اختام على أحاديث من صحيح البخاري.
٢) تقارير على حاشية الشيخ عبد الحكيم السيالكوني على تفسير البيضاوي.
٣) تكملة حاشية والده على الدرر.
стр. 457
٤) رسالة من حكم الانتفاع بشواطئ البحار ومعظم الأنهار.
٥) رسائل فقهية، توجد ضمن مجموعة من الرسائل الفقهية ترتيبها الثالث بالمكتبة الوطنية بتونس، وأصلها من المكتبة العبدلية.
٦) الصبح المسفر.
٧) فتاوى كثيرة، أصدرها وهو متول للافتاء، توجد بالمكتبة الوطنية بتونس، وأصلها من المكتبة العبدلية.
٨) الكردار في الأحباس بالمكتبة الوطنية بتونس وأصلها من المكتبة العبدلية.
٩) كشف اللثام عن محاسن الإسلام، حرر فيه مسائل من أمهات الفقه والسياسة.
١٠) مجموعة من اجازاته واجازات مشايخه، فمن مجيزيه هو عامة الشيخ إبراهيم الرياحي، ووالده شيخ الإسلام محمد بن الخوجة اجازه سنة ١٢٧١/ ١٨٥٥، والشيخ محمد بيرم الرابع، واجازته له نظما، وأجاز هو الشيخ محمد المكي بن عزوز وابن عمه الشيخ أحمد الأمين بن المدني بن عزوز.
١١) المرشد.
١٢) نفثة المصدور.
المراجع:
- الاعلام ١/ ٢٣٥.
- أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث لأحمد تيمور (القاهرة ١٣٨٧/ ١٩٦٧ ط ١).
ص ٣٧٣ - ٣٧٧، وفيه أن تاريخ ميلاده سنة ١٢٤٦، واعتمد على ترجمة بخط صديقه الشيخ محمد الخضر حسين نقلا عن مذاكراته الخاصة.
- برنامج المكتبة الصادقية ٤/ ٣٦٥
- تاريخ معالم التوحيد ١١٦.
١٧٠ - ابن الخوجة (١٢٧٥ - ١٣٦٤ هـ) (١٨٥٩ - ١٩٤٦ م)
حسين ابن شيخ الإسلام أحمد بن الخوجة، من أعلام الحنفية في وقته، وممن ساهم بالكتابة في المجلات والصحف الصادرة في عصره.
قرأ بجامع الزيتونة الفقه والتوحيد على عم والده الفقيه الكبير الشيخ محمد الأمين بن الخوجة، والنحو والبلاغة على الشيخ مصطفى رضوان السوسي، والتفسير على الشيخ عمر بن الشيخ، واللغة والحديث على الشيخ سالم بو حاجب، وجانبا من العربية على الشيخ حسين بن حسين القمّار الكافي، وحضر دروس المحلى في الأصول والزيلعي في الفقه، التي تولى القاءها عمه شيخ الإسلام محمود بن الخوجة وبعد تخرجه منح أمر مباشرة العدالة في ربيع الأنور ١٢٩٧/ ١٨٨٠، وبعد أن استمر مدة مديدة على القراءة والاقراء بصفة متطوع بجامع الزيتونة أحرز على خطة التدريس من الرتبة الثانية في ذي القعدة سنة ١٣٠٨/ ١٨٩٢ ثم انتخب مدرسا بالمدرسة العلوية الثانوية، وفي ١٨ شوال من السنة نفسها تولى الإمامة والخطابة بجامع القصر.
وفي ١٤ رجب ١٣٢١/ ١٩٠٣ تولى التدريس من الطبقة الأولى، وفي ربيع الثاني من سنة ١٣٣٣/ ١٩١٥ تولى خطة الافتاء على عهد محمد الناصر باي، وأعفي من هاته الخطة لتقدم سنه في سنة ١٣٥٥/ ١٩٣٦ وسمي مفتيا شرفيا، وتولى خطة الافتاء عوضه أخوه الشيخ علي بن الخوجة.
مؤلفاته:
١) الأدعية المستجابة.
стр. 460
٢) تعاليق على أبواب متعددة من صحيح البخاري.
٣) خلاصة القول في سيرة أفضل رسول، مختصر في السيرة النبوية ط، مرارا بتونس.
٤) رسالة اختصر فيها قواعد الأشباه والنظائر.
٥) رسالة في بيان اثم من أهان الكتابة العربية.
٦) الفتاوى الخوجية.
المراجع:
- معجم المؤلفين ٤/ ٦.
- محمد بن محمود، مجلة الثريا ع ٣ س ٣، ربيع الثاني ١٣٦٥ مارس ١٩٤٦، ص ٣١ - ٣٢.
стр. 461
١٧١ - خوجة (حوالي ١٠٧٧ - ١١٤٥ هـ) (١) (١٦٦٦ - ١٧٨٢ م)
حسين خوجة بن علي بن سليمان الحنفي، رئيس ديوان الانشاء بالحاضرة التونسية، وترجمان الدولة الحسينية ومؤرخها.
أخذ عن الشيخ محمد زيتونة المنستيري، والشيخ مصطفى بن عبد الكريم، والشيخ محمود مهتار الحنفي ختم عليه كتاب «نور الإيضاح» في الفقه، والشيخ علي الصوفي قال: «كنت تتلمذت عليه ولازمته مدة من الزمان، فخصني وأكرمني وأعزّني وأحظاني ولطالما أفادني في الطريقة، وأرشدني في الحقيقة، وكلما أشار عليّ من ارشاداته شاهدت نفعه ونلت بركته»، كما أخذ عن الشيخ علي عزّوز الصوفي.
كانت رحلته الأولى إلى الشرق لاداء فريضة الحج سنة ١١١١/ ١٧٠٠ في أواخر الدولة المرادية التي كانت في حالة احتضار مؤذن بزوالها من الوجود، وبعد أداء فريضة الحج أقام بمصر مدة طويلة، وكان موجودا بالاسكندرية سنة ١١١٤/ ١٧٠٣ حيث لقي بها شيخه محمد زيتونة، وسافر مرة ثانية إلى المشرق وحج، وهذه الرحلة الثانية تعرض لها بتوسع في تاريخه «ذيل بشائر أهل الإيمان» وكانت في سنة ١١٢٥/ ١٧١٤ وكان خروجه من تونس إلى القيروان عن طريق البر، ثم من القيروان إلى المنستير، ومنها ركب البحر إلى الاسكندرية، ثم سافر إلى البحر الأحمر، وركب منه إلى رابغ، وزار المدينة المنورة، ثم قصد مكة المكرمة، واجتمع فيها بشيخه محمد زيتونة الذي كان مجاورا بمكة منذ حجته الثانية ١١٢٤ هـ قال: «وبعد إتمام الحج وقضاء التفث والعج والثج، اتخذته إمامي وملكته زمامي، فأخذ يدور بي
стр. 462
على الأماكن المشرّفة، والأفاضل المتنسّكة، ثم سار بي إلى زيارة الشيخ البركة المعتقد الزاهد الشيخ سيدي محمد العابد، فلقيته وتبركت به، وهو من أجلّ من لاقيت ونالنا منه من دعاء الخير ما شهدت نفعه وبركته، فاستخرت الله تعالى وشاورت الشيخ العابدين في مسيرتي إلى دمشق، وزيارة القدس، وخليل الرحمن»، ودخل دمشق هو والشيخ محمود بن محمود، وتعرفا هنالك بالسيد الحصفي صالح دمشق ومعتقدها، وبالعلامة الشهير الشيخ عبد الغني النابلسي، زاره أولا بداره قرب الجامع الأموي وذكر أنه وجده يشرب الدخان فكفّ حتى ألح عليه زائره في الاستمرار ثم لقيه مرة ثانية بمقام الشيخ محيي الدين بن العربي وكان شيخ مدرسة ذلك المقام، وأقام بدمشق أياما معدودات ثم سافر مع قافلة إلى القدس، وأقام هنالك اثني عشر يوما زار فيها المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، ومدينة الخليل، ثم عاد إلى مكة، قال: «ثم عدنا إلى مكة المشرفة، فأخذني الشيخ محمد زيتونة المذكور - حفظه الله - وزورني وطاف بي على عدة رجال مشاهير من أولياء الله منهم القطب السيد جعفر، ثم الشيخ العارف بالله، السالك في الطريقة والحقيقة العلامة المدرس بدار الخيزران الشيخ سيدي محمد الوليدي، فأخذت عنه اجازات في وظائف وأحزاب، ولقنني اسم الله الأعظم، ودعا لي بخير، ودار بي على أمثال هؤلاء».
ثم رجع إلى مصر وقصد الاسكندرية، فركب البحر منها على نية النزول بحاضرة تونس بمرسى حلق الوادي، لكن عوارض البحر صدت الركاب عن خليج الحمامات وأرجعتهم أدراجهم حتى أرسوا بالمنستير، فكان نزوله من حيث ركب. والمترجم كان عارفا بالتركية، والفارسية واللاتينية، توفي في شعبان سنة ١١٤٥ لا سنة ١١٦٩ كما ذكر محمد بن الخوجة ناشر «ذيل بشائر أهل الإيمان» للمرة الأولى، قال أميرالاي الهادي صاحب الطابع في مقال له عنوانه «على هامش أسفار وزراء الدولة الحسينية إلى الحج» المنشور بمجلة «الثريا» ع ٣ س ٣ ربيع الثاني /١٣٦٥ مارس ١٩٤٦، ص ١٦ والحقيقة أن حسين خوجة توفي ١١٤٥ حسبما يفيد ذلك رسم وفاته
стр. 463
الذي عثرت عليه أخيرا بين أوراق عائلتي حيث تربطني بحسين خوجة قرابة عائلية، وإليك محل الحاجة من رسم الوفاة المشار إليه الذي هو من تحرير العدلين الشيخ محمد الشريف والشيخ محمد الرصاع الأنصاري من عدول دولة حسين بن علي:
«الحمد لله بعد أن توفي المعظم الأرفع، الفقيه الأكتب الأنفع، الحاج الأبر، الناسك المعتمر، أبو عبد الله حسين خوجة ابن المنعم المرحوم الصائر لرحمة الله القيّوم أبي الحسن علي بن سليمان الحنفي إلى عفو الله تعالى وأحاط بارثه الخ».
إلى أن يقول الكتب: «شهد على أشهادهم في الحالة الجائزة غرة شعبان الأكرم عام خمسة وأربعين ومائة وألف».
مؤلفاته:
١) الأسرار الكهينة بأحوال الكينة كينة، وهي رسالة في مقدمة واثنتي عشرة مقالة وخاتمة، وذكر فيها البلاد التي توجد فيها شجرة الكينة، ومتى دخلت أوربا، وأوصافها وخصائصها، والرد على من ادعى أنه تجدد الأمور الناشئة عن الحمى ومفعولها الوقتي لا يمنع الحمى من الرجوع، ثم ذكر أنواع الحميات وظهورها والحث على المبادرة بعلاجها.
وسبب تأليف هذه الرسالة أنه أصيب بمرض الحمى سنة ١١٣٨/ ١٧٢٦ فسافر إلى ايطاليا للعلاج، واجتمع بالأطباء، وكانت شجرة الكينة حديثة عهد بالاكتشاف في أوربا، وكانت تسمى الكينة كينة وقشرها دواء للحمى، ولما انتشرت بتونس حمى المستنقعات في السنة التي سافر فيها جلب من ايطاليا مسحوقا من هذه القشور وفرقه على أصدقائه فحصلت الفائدة من استعمال هذا الدواء، والرسالة توضح استعمال الكينة ترجمها عن اللاتينية، واستعان على حل العويص من ألفاظها الصناعية بالصيدلي هارون أبي العيون، توجد من هذه الرسالة نسخة بالمكتبة الوطنية في تونس.
стр. 464
٢) بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، ترجمه عن التركية من تأليف المولى مصلح الدين اللاري، وهو (اي اللاري المذكور) اعتمد على تاريخ النشري، وأضاف اليه من تاريخ شرف الدين في واقعة تيمور لنك وذيله لادريس الملازم لركاب السلطان سليم، ثم اعتمد ما نقله قطب الدين النهر والي المكي في كتاب «الاعلام باعلام بيت الله الحرام» وأتمه بما تضمنه تاريخ الشيخ البكري «نصرة أهل الإيمان بتاريخ دولة آل عثمان» ونص على هذا الاقتباس من كتب مختلفة بقوله: «هذا ما استخرجته من لساني التركية والفارسية وترجمة العربية، المستمطر سحائب الرحمة والغفران من الله المنّان حسين خوجة».
والكتاب في تاريخ سلاطين آل عثمان من أولهم إلى عهد السلطان أحمد، ويحتوي على مقدمة وعشرين بابا، فالمقدمة للكلام عن أصول القبائل التركية التي انحدر منها آل عثمان، وخصص لكل سلطان بابا تحدث فيه عن خلافته وغزواته وانجازاته العمرانية، وختم الباب بتراجم وافية لعلماء دولته، والكتاب في مجلد من القطع الكبير، توجد منه نسخ في المكتبة الوطنية بتونس.
٣) ذيل بشائر أهل الإيمان خصصه لتونس، تعرض فيه باختصار لتاريخ تونس من الفتح التركي إلى عهد حسين بن علي (مؤسس دولة البايات)، ثم ترجم لمجموعة من العلماء ابتداء من العهد التركي، ثم العهد الحسيني، وأخيرا عقد خاتمة ذكر فيها جماعة من الصوفية والعباد في تونس، ومصر ومكة، ودمشق أثناء رحلته إلى الحج.
وقد صنف العلماء حسب المدن التي ينتسبون إليها ونشئوا فيها، وهو مصدر هام في هاته الناحية إذ اعتمده من جاء بعده من المؤرخين وكتاب التراجم، ومن الناحية السياسية هو مصدر مهم لمعرفة تطور أنظمة الحكم بتونس من عهد سنان باشا إلى عهد حسين بن علي، وأهمية منصبي الباي والدي والصراع الذي نشأ بينهما من أجل التنافس على الحكم.
стр. 465
وعرض كتابه حين شرع في تأليفه على بعض مشايخه وأصدقائه فقد قال في ترجمة محمد الصغير داود: «وكنت لما استخرت الله، وأردت ترجمة هذا الكتاب بقيت مدة أتردد بين اقدام وإحجام، وأقدم رجلا وأؤخر أخرى مع قصور وقلة بضاعتي فاستخرجت منه نبذة، وعرضتها عليه في خلوة، واستشرته في أن ينهاني أو يأمرني أن أطلق بناني، فأجابني وقال: «أكتب في الحين والله لك معين»، ثم إني عرضت تلك الوريقات على شيخنا وقدوتنا المولى الفاضل الشيخ سيدي محمد زيتونة، فحسن لي في جوابه والمقال، فامتثلت أمره في الحال، وكذلك فعلت أيضا مع أخي في الله وشيخي المولى الفاضل، القدوة الكامل، سيدي أحمد برناز فأجابني بجواب حسن وأجاز، فاستنجدته للاعانة والامداد فقال لي: اكتب والله يمدك بالاسعاد».
وشيخاه اللذان ذكرهما برناز وزيتونة، هما من جملة مصادره الشفهية، التي نقل عنها مباشرة وأشار إلى شيخه أحمد برناز وتشجيعه وإعانته له بقوله: «وكان أول قادح لزندي، ومعين رفدي، استاذي المتصرف في سبيلي الحقيقة والمجاز، المولى أبو العباس أحمد برناز» ثم قال «وعاهدني على الإعانة، وقد وفى بما وعد».
وهو في التراجم لا يذكر مصادره إلا قليلا، ويبدو أن غالبها شفهية وهم شيوخه: أحمد برناز، الصغير داود، علي الصوفي، محمد زيتونة، وهم زيادة على تشجيعهم له امدوه بالمعلومات الخاصة بالأشخاص الذين لا يعرفهم، فالأول مثلا أملى عليه الفصل المتعلق بالحالة الثقافية بتونس في عهد الاحتلال التركي، وذكر بأمانة ما رواه الثاني عن الشيخ إبراهيم الجمّني، والثالث أعلم بوفاة الشيخ التركي الأصل محمد قارة خوجة، ونقل عن الشيخ أحمد الطرودي ترجمة الشيخ محمد الصغير المعروف بالكفيف الحنفي المذهب، كما نقل عنه في ترجمة الشيخ المحجوز، وقد أخذ عن معاصرين آخرين معلومات كالشيخ يوسف برتقيز إمام حسين بن علي أمده بمعلومات عن الشيخ علي عزوز
стр. 466
وأحيانا لا يذكر المصدر كما في ترجمة شيخه مصطفى بن عبد الكريم، واكتفى بقوله عند ذكر ميلاده «فيما سمعت من بعض من يعرف التاريخ» وأحيانا لا يذكر المخبر مكتفيا بقوله «من أثق به» على أنه في الغالب عرف مباشرة الأشخاص الذين ترجم لهم والأحداث التي رواها.
وتراجمه لا تشير إلى منهج مضبوط، ولا خطة معينة، مما يدل على أنه كان يلحق زيادات بعد الفراغ من الترجمة، ولم يتمكن من تنقيح تأليفه، أو أنه تعوزه ملكة التنظيم والترتيب، مثلا في ترجمة علي شعيب الباجي قاضي المحلة، بعد أن عدّد شيوخه، والخطط التي تولاها ختمها بقوله «وأخذ أيضا عن الشيخ سعيد والشيخ سعيد الشريف» وكان من المناسب أن يذكر هذا عند الكلام عن شيوخه الذين أخذ عنهم.
وذكر وفاة الشيخ زيتونة مرتين في بداية الترجمة وفي آخرها، وقال في أثناء ترجمته «وهو في تدريسه - حفظه الله - يهدي لضعيف القريحة الدواء»، ويفهم من هذا أنه كتب الترجمة لشيخه وهو بقيد الحياة، ثم أضاف تاريخ الوفاة أولا وآخرا وهذا ما يؤيد أنه كان يضيف زيادات إلى تراجمه، ولم يتناول تأليفه بالتهذيب والتنقيح بوضع الزيادات في أماكنها الطبيعية، وحذف ما يحتاج إلى حذف كالدعاء ب «حفظه الله» وقد ذكر وفاته في الأول، ولغة الكتاب ساذجة بسيطة تميل إلى الضعف والركاكة مع التحريف اللغوي أحيانا.
وذكر في آخر الكتاب ظروف تأليفه، وتاريخ البداية والفراغ منه إذ قال: «هذا آخر ما أوردناه، وختام خاتمة ما تلقيناه وجمعناه مع قصور وضعف الحال، وكثرة الأشغال وكان الابتداء في تعريبه (١) وجمعه في أوائل شهر محرم الحرام سنة ست وثلاثين ومائة وألف، وكان ختامه - بحمد الله وحسن عونه - وتمامه جمعا وكتابة في صبيحة يوم السبت غرة شهر ربيع الأول عام سبعة وثلاثين ومائة وألف، ولما كان هذا المجموع مشتملا على فتوحات آل عثمان، وكسي ديباجة حسن بذكر علماء الزمان وأولياء
стр. 467
وصلحاء، وذكر الأمير حسين وخيراته الحسان، وافق أن جاء تاريخ ختمه أمان ١١٣٧/ ١٧٢٥».
ويبدو أنه أضاف إليه زيادات بعد هذا التاريخ بقليل فقد ذكر في ترجمة الشيخ زيتونة أنه توفي سنة ١١٣٨، وفي ترجمة الشيخ أحمد برناز أنه توفي في سنة ١١٣٨، طبع الكتاب لأول مرة بالمطبعة الرسمية بتونس سنة ١٣٢٦/ ١٩٠٨ باشراف المؤرخ محمد بن الخوجة اعتمد فيها على مخطوطة مع تبديل وتغيير في المقدمة التاريخية، وطبع مرة ثانية طبعة علمية محققة اعتمادا على عدة نسخ مخطوطة بتحقيق الأستاذ الطاهر المعموري، بتونس سنة ١٣٩٥/ ١٩٧٥، مصدرا بمقدمة حافلة نفيسة استفدت منها كثيرا في عرض الكتاب.
المراجع:
- الاعلام ٢/ ٢٦٩.
- ايضاح المكنون ١/ ١٨٢.
- تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ٣٤٣.
- تاريخ الطب العربي التونسي ص ٢١٤، ٢٤٤.
- فهرس مخطوطات المكتبة الأحمدية ص ٣٦٤.
- مقدمة ذيل بشائر أهل الإيمان (ط ٢/) للطاهر المعموري ص ٥٩ - ٦٨.
- المؤرخون التونسيون (بالفرنسية) لأحمد عبد السلام ص ٢٠٦ - ٢١٩.
- معجم المطبوعات ٧٦٩.
- معجم المؤلفين ٤/ ٣١ - ٣٢.
- محمد الفاضل بن عاشور: اسفار وزراء الدولة الحسينية للحج، مجلة «الثريا» ع ٣ س ٢ محرم ١٣٦٥، ديسمبر ١٩٤٥، ص ٢ - ٣.
- أميرالاي الهادي صاحب الطابع: «على هامش أسفار وزراء الدولة الحسينية إلى الحج» مجلة «الثريا» ع ٣ س ٣، ربيع الثاني ١٣٦٥ مارس ١٩٤٦، ص ١٦.
- محمد ماضور: الأدب التونسي في العصر الحسيني، مجلة «الثريا» ع ٥ س ١ ماي ١٩٤٤ ص ٣٠.
стр. 468
١٧٢ - ابن الخوجة ( ... - ١٢٧٩ هـ) (١٨٦٢ م)
محمد ابن الشيخ أحمد (حميدة الأول) ابن حمودة بن محمد بن علي بن الخوجة الفقيه، المحدّث.
اعتنى والده العلامة بتربيته وتوجيهه، وطلب العلم بجامع الزيتونة فأخذ عن والده، وحسن الشريف، ومحمد بيرم الثاني، ومحمد بيرم الثالث، وغيرهم وبعد استكمال تحصيله انتصب للتدريس بجامع الزيتونة، ثم ولي قضاء المذهب الحنفي، فأظهر العدل والتحري والمهارة في تطبيق الأحكام على القضايا ثم نقل إلى خطة الفتوى ثم إلى رئاسة الفتوى.
قال ابن أبي الضياف في تحليته: «وكان هذا المحقق تقيا نقيا ورعا معدودا في درجة المجتهدين، خاتمة المحدثين، كاد أن يحفظ صحيح البخاري لأنه اتخذ قراءته كل يوم وردا، ذا فكرة يدعوها فلا تتوقف، ويلقي عصاها فتلقف .. »، توفي يوم الثلثاء يوم عاشوراء ١٢٧٩/ ٨ جويليه ١٨٦٢ بجبل المنار قال بعض التونسيين مؤرخا لوفاته: «في لفظ عاشوراء تاريخ له» وحمل جثمانه إلى داره بتونس، ودفن حذو والده بزاوية سيدي عطية قرب داره.
مؤلفاته:
١) رسالة في شرح الحكم المنسوبة لأرسطاطاليس (المط الرسمية بتونس ١٢٩٠/ ١٨٧٣) في ٤٣ ص من القطع الربعي، مصدرة بترجمة للمؤلف
стр. 469
مأخوذة من ابن أبي الضياف، وهذا التأليف لم يذكره بروكلمان ولا سركيس.
٢) مجموعة تتضمن اجازات مشايخه، واجازات مشايخ مشايخه لهم، واجازات محمد الغرياني، والمحجوب، والكواش، والرياحي، وأمثالهم من اعلام تونس، ومن المجيزين له الشيخ أبو المحاسن يوسف بن بدر الدين المغربي الدمشقي، ومحمد بن التهامي بن عمر الأوسي الرباطي، وأحمد بن محمود الأبي التونسي، وابراهيم الرياحي، وإسماعيل بن محمد التميمي، ومحمد بيرم الثالث وغيرهم.
المراجع والمصادر
- اتحاف أهل الزمان ٨/ ١٢٧ - ١٢٩.
- فهرس الفهارس ١/ ٢٨٥.
- معجم المؤلفين ٨/ ٢٥٦.
- مجلة ايبلا ٢/ ١٩٦٢ Ibla ع ٩٨ ص ١٥٩ رقم ٣١ بقلم. Quemeneur J .
стр. 470
١٧٣ - ابن الخوجة (١٢٨٦ - ١٣٦٣ هـ) (١٨٧٠ - ١٩٤٣ م)
محمد ابن الشيخ محمد البشير ابن شيخ الإسلام محمد بن الخوجة، المؤرخ الموسوعي المعارف.
ولد بمدينة تونس، ينحدر من أسرة ارستقراطية ذات علم ونبل من أشهر بيوت الحنفية بتونس، وكان والده له عناية بتاريخ تونس الحديث فشب الابن مقتديا بوالده. بعد أن تعلم القرآن في الكتاب دخل المدرسة الصادقية ضمن الرعيل الثاني من طلابها، ولما وصل إلى أقسامها النهائية انتصبت الحماية الفرنسية، فكان في عداد من نقل من المدرسة الصادقية إلى المدرسة العلوية لتكوين معلمين يعلمون مبادئ اللغة الفرنسية في المدارس العربية الفرنسية، ولكنه آثر الحياة الادارية ائتساء بالفوج الأول من خريجي المدرسة الصادقية، ودخل الادارة سنة ١٣٠٤ - ١٨٨٧ بصفة مترجم بالكتابة العامة، وكلف من أول الأمر بخدمة المحاسبات الادارية تحت رئاسة صديقه خريج الفوج الأول من المدرسة الصادقية وزعيم شبابها الأستاذ البشير صفر، وكان هذا القسم مندمجا في قسم الترجمة قبل أن يصبح قسما مستقلا، ولما نقل رئيسه البشير صفر إلى رئاسة جمعية الأوقاف سنة ١٣٠٩/ ١٨٩١ خلفه هو في رئاسة قسم المحاسبات، وفي هذا الطور صار على رأس الكتابة العامة المستشرق برنار روا الذي كان صاحب ثقافة تاريخية مثل المترجم، وهذا الاتجاه الفكري المشترك جعلهما صديقين، وفي اثناء هذا الطور سمي ناظرا للمطبعة الرسمية من سنة ١٣١٩ إلى سنة ١٣٣٢/ ١٩٠١ - ١٩١٤، واستغل هذه الخطة لنشر كتب تاريخية تونسية قديمة كمعالم الإيمان، وذيل بشائر أهل الإيمان، والحلل السندسية في الأخبار التونسية، وهذه المنشورات ينقصها التحقيق العلمي من وضع فهارس تحليلية متعددة، ومقابلة نسخ الخ.
стр. 471
ولما نقل صديقه برنار روا للكتابة العامة للأمور العدلية، وخلفه في الكتابة العامة للأمور الادارية الوزير بلان سعى في تسميته مدير التشريفات بقصر الباي، وهذا السعي صادف ارتياحا من محمد الناصر باي الذي سبقت له صداقة بالمترجم منذ عهد شبابه قبل توليه الملك، وكانت التسمية في شهر رمضان سنة ١٣٣٢/ ١٩١٤، ولقب بأمير لواء في السنة الموالية، ثم رقي إلى رتبة امير أمراء (جنرال) وبانتهاء الحرب العالمية الأولى تخلى عن هذه الخطة في سنة ١٣٣٨/ ١٩٢٠، وسمي عاملا (واليا) على قابس وجربة، ثم نقل إلى الكاف سنة ١٣٣٩/ ١٩٢١، ثم نقل إلى بنزرت سنة ١٣٤٣/ ١٩٢٥، وفي مدة مباشرته لهذه الأعمال بقي على اتصال بالقصر الملكي والادارة المركزية العليا فكان يستشار في الأمور المهمة، ويدعى للمشاركة في اللجان، فسمي مندوبا في الوفد التونسي الذي سافر إلى باريس للمشاركة في لجنة الاصلاحات التونسية التي عقدها الوزير ادوار هيريو سنة ١٣٤٣/ ١٩٢٥، وعضوا في الوفد الرسمي الممثل للحكومة التونسية في افتتاح جامع باريس سنة ١٣٤٥/ ١٩٢٧، وأحيل على التقاعد سنة ١٣٥٣/ ١٩٣٤، لكن دولة الحماية رأت عدم الاستغناء عن خدماته والحاجة إليه في الاستشارات فسمته مستشار الدولة التونسية، وبقي في هذا المنصب إلى وفاته، ومن هذا يتبين أنه كان محرزا على رضا وثقة الدولة الحامية، وهي لا تضعهما إلا في من كان ضالعا معها موافقا لها على سياستها مع الأهالي.
كلف بتدريس الترجمة والتاريخ بالمدرسة العليا للغة والآداب العربية سنة ١٣٢٩/ ١٩١١، وشارك في بعض المؤتمرات العلمية كمؤتمر شمال افريقيا المنعقد بباريس سنة ١٣٢٦/ ١٩٠٩، وشارك في مجمع قرطاجنة منذ تأسيسه، وكان من المشاركين في تكوين الجمعية الخلدونية سنة ١٣١٤/ ١٨٩٦، والغاية من تأسيسها هو فتح المجال أمام طلبة جامع الزيتونة لتلقي العلوم الصحيحة والثقافة الحديثة في التاريخ والجغرافيا، في وقت كانت فيه هذه المعارف تدرس بالفرنسية، وهو الذي حرر القانون الداخلي للجمعية الخلدونية، واستمر عاملا في مجلسها الاداري إلى أن فارقها صديقه البشير صفر سنة ١٣٢٦/ ١٩٠٩.وشارك بالكتابة في جريدة «الحاضرة» ونشر فصولا
стр. 472
تاريخية هامة في «المجلة الزيتونية» وعاون هو والشيخ محمد الحشائشي برنار روا على تصنيف فهرس المخطوطات والمطبوعات الموجودة في مكتبة الجامع الأعظم بتونس (جامع الزيتونة) المطبوع سنة ١٩٠٠ كما وقع الاعتراف بذلك في عنوان الفهرس.
وقام بعدة رحلات إلى الخارج فسافر في صائفة سنة ١٣٣١/ ١٩١٦ إلى المغرب الأقصى سفيرا عن محمد الناصر باي تونس إلى جلالة مولاي يوسف سلطان المغرب لعقد أواصر المودة بين الملكين، وتمتين الصلات بين القطرين، وتعددت رحلاته إلى المغرب والجزائر كما سافر إلى فرنسا مرات، وسافر إلى بلجيكا، وسويسرا، وهولندا.
مؤلفاته:
١) تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، وهو في تاريخ المدارس والمساجد بمدينة تونس، وهو آخر تأليفه صدورا ط. تونس سنة ١٣٥٨/ ١٩٣٩.
٢) الرحلة الناصرية، في رحلة الملك محمد الناصر باشا باي إلى فرنسا، ط بالمط الرسمية بتونس سنة ١٩١٣.
٣) الروزنامة التونسية، في عدة أجزاء، ط تونس يصدر منها كل سنة جزءا، وكل جزء يحتوي على أقسام منها الاداري والتاريخي والفلكي.
٤) الشيخ عمر والحاج فتوح، وهي محاورة بين هذين الشخصين حول آداب رمضان وأسلوب هذا الكتاب بسيط في لغته ومعانيه وأغراضه، وهو أول تأليف له صدر سنة ١٣١٥/ ١٨٩٨.
المرجع:
- تراجم الاعلام ص ٢٩٣ - ٣١٦.
стр. 473
١٧٤ - ابن الخوجة (١٢٤٩ - ١٣٢٩ هـ) (١٨٣٤ - ١٩١١ م)
محمود ابن الشيخ محمد بن أحمد بن الخوجة، الفقيه الحنفي، النحوي. ولد بمدينة تونس في ١٦ محرم، واعتنى والده بتربيته وارشاده وتوجيهه.
طلب العلم بجامع الزيتونة فقرأ على والده، وأخيه شيخ الإسلام الثاني أحمد، وحمدة الشاهد وعمر بن الشيخ، وشيخ الإسلام محمد معاوية، ومحمد النيفر الأكبر، ومحمود قابادو، وبعد تخرجه أحرز على خطة التدريس من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة، ثم ترقى إلى التدريس من الطبقة الأولى سنة ١٢٧٨/ ١٨٦٢، وتولى التدريس والامامة والخطابة بجامع يوسف صاحب الطابع سنة ١٣١٣/ ١٨٩٥ كما سمي عضوا بالنظارة العلمية، وتولى خطة الافتاء سنة ١٣٠٣/ ١٨٨٥، ثم أسند إليه منصب مشيخة الإسلام.
كان فصيحا مفوّها، فقيها محققا، لغويا مدققا، ناثرا ناظما، يميل في نثره إلى السجع والمحسنات البديعية على عادة أهل عصره.
مؤلفاته:
١) أختام في الحديث، قال عنها الشيخ محمد مخلوف «بلغت الغاية في السبك والتحرير».
٢) الحصن الحصين على التبيين، حاشية على الزيلعي (فقه حنفي).
٣) الحواشي التوفيقية على الالفية، أي الفية ابن مالك في النحو.
٤) رسالة في المذهبين الحنفي والمالكي في الرشد والسفه.
٥) روضة المقل في مسألة طلاق المختل.
٦) طلب العليل في مسألة ثبوت الدين في زعم الكفيل.
стр. 474
٧) القول البديع في مسألة المشتري من الشفيع.
٨) القول المنتقى في مسألة الشرط من كليات أبي البقاء.
٩) القول النفيس في مسألة تعدد التحبيس.
المراجع:
- الاعلام الشرقية لزكي مجاهد ٢/ ١٨٤.
- شجرة النور الزكية ٤٣٩ رقم ١٧٢١.
- عنوان الأريب ٢/ ١٨٧ - ١٩١.
- معجم المؤلفين ٢/ ١٩٥.
стр. 475
الخياط - الهاروشي
١٧٥ - ابن خيرون ( ... - ٣٠١ (١) هـ) (- ٩١٤ م)
محمد بن محمد (٢) بن خيرون المعافري الاندلسي المنشأ والدار، القيرواني القرار، أبو جعفر المقرئ، الفقيه.
رحل إلى العراق فسمع ببغداد من محمد بن نصر صاحب يحيى بن معين، وعلي بن المديني ثم دخل مصر، وقرأ بها على محمد الانطاكي، وأبي بكر أحمد بن يوسف المقرئ، وعبيد بن رجاء وأبي الحسن إسماعيل بن أبي يعقوب الأزرق المزني رفيق ورش عن ورش، ثم دخل القيروان فاحترف التجارة وسكن موضعا منها يعرف بالزيادية، وبنى هناك مسجدا ينسب إليه، وسمع من علماء القيروان كعيسى بن مسكين، ودرس بها القراءات.
قال ابن الفرضي: «قدم بقراءة نافع على أهل افريقية، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة، ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلا الخواص، حتى قدم ابن خيرون فاجتمع عليه الناس، ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق» ومن ذلك التاريخ أصبحت قراءة نافع هي الشائعة عند أهل افريقية إلى الآن ونقل القاضي عياض في «ترتيب المدارك» والمالكي في «رياض النفوس» عن أبي عمرو الداني: «أن عبد الله بن طالب أيام قضائه بالقيروان سنة ٢٦٧/ ٨٨١) أمر ابن برغوث المغربي بجامع القيروان ألا يقرئ الناس إلا بحرف نافع».
وابن خيرون هو أول من أدخل بعض كتب داود الظاهري إلى القيروان.
стр. 476
وبعد مدة من إقامته بالقيروان ارتحل إلى الاندلس، وسمع منه الناس، ثم عاد إلى القيروان واستقر بها إلى أن توفي. قال ابن الفرضي نقلا عن محمد بن قاسم «محمد بن محمد بن خيرون، أبو جعفر كتبت عنه بالقيروان وقد دخل الاندلس، وكتبت عنه بقرطبة أيضا».
«واتخذ ابن خيرون لنفسه رباعا كثيرة بالقيروان، منها فنادق لتجارته كانت مجاورة لسجن البلد، وابتنى بها مسجدا جميلا باقيا إلى الآن معروفا باسمه عليه كتابة ضخمة بالقلم الكوفي نقشا في الحجارة على واجهة مدخله»، ونص الكتابة «بسم الله الرحمن الرحيم لله الأمر من قبل ومن بعد أمر ببناء هذا المسجد محمد بن خيرون المعافري الأندلسي تقربا إلى الله ورجاء لمغفرته ورحمته».
«وقد أشار ابن عذاري إلى هذا التأسيس حيث قال: «وفي سنة ٢٥٦ بنى محمد بن خيرون المعافري الجامع الشريف بالقيروان المنسوب إليه بناه بالآجر والجص والرخام، وبنى فيه جبابا للماء» (١).
«ويسمى هذا المسجد اليوم (بجامع الثلاث بيبان) وفي نفس الحارة يوجد مسجد آخر غير بعيد عن الأول منسوب أيضا إلى ابن خيرون، وله كذلك ثلاثة أبواب غير أنها منفردة عن بعضها بينما أبواب الأول متلاصقة في صف واحد» (٢).
وفي بداية الدولة العبيدية يسعى به قاضيها محمد بن عمر المروذي (٣)
стр. 477
إلى عبيد الله المهدي بدعوى أن قبله ودية ذات بال لم يخبر عنها، فطولب بها وحبسه، وقد أمر عامل القيروان الحسن بن أبي خنزير بقتله فأدخله إلى محبس وبطح على ظهره وطلع السودان فوق سرير فقفزوا عليه بأرجلهم حتى مات في منتصف شعبان، ودفن بباب سلم، وعلى قبره عمود من رخام نقش عليه تاريخ وفاته، ونهب ابن أبي خنزير ماله وأخذ له مولدة.
والظاهر في سبب قتله هو انحرافه عن دولة العبيديين اسوة باخوانه الفقهاء المالكية، وثراؤه العريض، وهذان سببا للكثيرين المتاعب والقتل في دولة عبيد الله المهدي، ولأجل هذا فأنا أشك كثيرا في رواية الخشني من أنه «كان مرشحا للقضاء وكان محمد بن عمر المروذي - فيما قيل - يغض منه، وهو الذي سعى به حتى قتل ابن خيرون».ولو كان ما ذكره صحيحا لقامت عليه حملة مقاومة من فقهاء القيروان ولنبذوه كما وقع لأبي سعيد البراذعي، انهم يعادون ويقاومون كل من أبدى ميلا إلى العبيديين.
مؤلفاته:
١) الابتداء والتمام في القراءات.
٢) الالفات واللامات في رسم المصحف.
٣) كتاب في الاداء وهو ملخص لما رواه عن أصحاب ورش من قراءة نافع ابن أبي نعيم، قال ابن الابار «وقد أخذ الناس عنه هذا الكتاب بافريقية، وحمل إلى المغرب والأندلس».
٤) نسب الشيعة وأخبارهم، قال الخشني: «بلغني أنه ألف لعبيد الله المهدي كتاب نسب الشيعة وأخبارهم».
وهذا غريب جدا ولو كان صحيحا فكيف يأمر المهدي بقتله؟
стр. 478
المصادر والمراجع:
- الاستقصاء لدول المغرب الأقصى لأحمد الناصري السلاوي (ط. الدار البيضاء) ١/ ١٢٦.
- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر العسقلاني ٢/ ٥٤٥.
- بغية الملتمس في تاريخ رجال الاندلس لأحمد بن عميرة الضبي (أعادت طبعه بالاوفست مكتبة المثنى ببغداد) ص ٦٤ رقم ١٠٨ ص ١٠٢ رقم ٢٢٦.ويبدو أنه اعتمد في الترجمة الأولى على «جذوة المقتبس» وفي الترجمة الثانية لم يذكر مصدره أيضا، وذكر في الترجمة الثانية أنه توفي بسوسة سنة ٣٠٦ ويظهر أنه ظن الترجمة لشخصين مختلفين إذ ذكره في المرة الأول باسم محمد بن خيرون وفي الثانية باسم محمد بن عمر بن خيرون الاندلسي المقرئ.
- البيان المغرب لابن عذاري ١/ ١٦٩.
- تاريخ العلماء والرواة للعلم بالاندلس لابن الفرضي ٢/ ١١٢ - ١١٣.
- التكملة لكتاب الصلة لابن الابار (ط. مصر) ١/ ١٩١، ٣٦٠ - ٣٦١.
- جذوة المقتبس للحميدي ص ٥٠.
- شجرة النور الزكية ٨١.
- طبقات علماء افريقية للخشني ٢٢٩ - ٣٠٢.
- غاية النهاية لابن الجزري ٢/ ٢١٧.
- المشتبه للذهبي ١/ ٢٧٧.
- معجم المؤلفين ١١/ ٢١٤ - ٢١٥.
- معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
- معالم الايمان ٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢ (ط.٢/).
- نزهة الأنظار لمقديش ١/ ١٢٤ - ١٢٥.
- ح. ح. عبد الوهاب مجلة «الثريا» ع ٥ س ٢ جمادى الثانية ١٣٦٤ ماي ١٩٤٥.
стр. 479
١٧٦ - خير الدين (١٣٢٤ - ١٣٨٧ هـ) (١٩٠٦ - ١٩٦٧ م)
أحمد بن سليمان بن أحمد بن خير الدين كاهية دار الباشا، وأطلق اسم هذا الجد لقبا على الأسرة، الأديب، الشاعر، الكاتب المسرحي.
ينحدر من أسرة كرجية، وجد أبيه خير الدين كان في أواسط الماضي على عهد المشير الأول أحمد باشا باي نائب دار الباشا، وكانوا يطلقون عليه الكاهية.
احترف والده التجارة، وكان محبا للعلم والمعرفة، واعتنى بتربية وحيده هذا، ورغبه في حب العلم فأدخله الكتاب في الرابعة من عمره فأتم حفظ القرآن، وأعاد حفظه على مؤدب خاص لما انتقل والده إلى ضاحية سيدي أبي سعيد، ولما عاد الوالد إلى العاصمة أدخله جامع الزيتونة سنة ١٣٣٦/ ١٩١٨ فقرأ على إبراهيم المارغني، وعثمان بن الخوجة، ومحمد مناشّو، وغيرهم، وأحرز على شهادة التطويع في سنة ١٣٤٣/ ١٩٢٦ وعلى أثر تخرجه باشر التدريس بجامع الزيتونة بصفة متطوع من سنة ١٣٤٣ إلى سنة ١٣٦٠، ١٩٢٦ / - ١٩٤١ ثم في سنة ١٩٤١ سمي متوظفا بادارة جامع الزيتونة، ثم سمي قيما بالمدرسة الخلدونية سنة ١٩٥٦ - ١٩٥٧ ثم أحيل على الاذاعة فبقي منتجا فيها إلى وفاته.
كان شغوفا بالمطالعة في عهد التلمذة يتردد باستمرار على مكتبات الخلدونية، ومكتبة جامع الزيتونة، وقدماء الصادقية، والعطارين (المكتبة الوطنية الآن) يطالع ما يقع بين يديه من مصادر الشعر الجاهلي، والأدب الأندلسي، وآثار أدباء المهجر كجبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل
стр. 480
نعيمة وغيرهم، وكان يحضر دروس العروض في المدرسة الخلدونية التي يلقيها أمير الشعراء محمد الشاذلي خزنه دار.
وكانت له علاقة بمفكري جيله وأدبائه كعثمان الكعاك، ومحمد الحبيب، والشيخ محمد العربي الكبادي ومصطفى آغه، وأحمد توفيق المدني، وأحمد الدرعي، وأبي الحسن بن شعبان، والطاهر الحداد، وجماعة تحت السور.
شارك في عدة جمعيات مسرحية، وكتب بعض الآراء حول عدة تمثيليات ما بين ١٩٢٣ - ١٩٢٦ وألقى الكثير من المحاضرات حول فن المسرح واتجاهاته ومدارسه.
قال المرحوم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عن ظهور بواكير انتاجه المسرحي: «ثم اقتفى سبيله (أي محمد الحبيب) في الكتابة القصصية شاب زيتوني ظهر نبوغه الأدبي بتوجيه الأستاذين محمد مناشو وعثمان بن الخوجة، وهو الشيخ أحمد خير الدين فأظهر من التخيل وجمال الوصف وجاذبية التعبير ما مكن لرواياته رواجا ولسمعته الأدبية منزلة ثابتة».
كما أمد المسرح والاذاعة بكثير من الروايات تجاوب معها الجمهور مثل مسلسل الحاج كلوف (باللغة الدارجة) الذي قلد فيها شخصية كموش الفكاهية لعلي الدوعاجي، أو رواية يزيد بن خالد العبسي التي قال عنها في سنة ١٩٣٧: «هاته الرواية قطعة تاريخية تمثل فتوح العرب للشمال الافريقي واستقرارهم بها نهائيا بعد أن اخضعوا شوكة من تولى القيادة والسلطة من مختلف الأمم والدول».
وفيها نرى ما لاقاه الفاتحون من المشاق والمقاومة التي كادت تهزمهم من جراء المقاومة العنيفة التي خاضها الافريقيون.
وانتاجه الصحفي متنوع منه البحث الاجتماعي، والنقد للكتب، والقصيد الفصيح والدارج، وتغلب على قصائده مسحة التوجيه والارشاد،
стр. 481
ونظم كثيرا في الإسلاميات والوطنيات، والاجتماعيات، والغزل والرثاء توفي في ٢٥ جويليه ١٩٦٧.
مؤلفاته:
١) أغاني أحمد خير الدين، طبع بعد وفاته بتونس ١٩٦٨.
٢) الجمهورية في الإسلام (مخطوط).
٣) ديوان شعر، ط. تونس ١٩٨١.
٤) العواصف والعواطف (مخطوط).
٥) الغرام الصادق، رواية طبعت في تونس سنة ١٣٤٤/ ١٩٢٥.
٦) فتاة الدير، رواية (مخطوطة).
المراجع:
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر ١/ ٢٥٥ - ٢٧١.
- جماعة تحت السور ١٧٣ - ١٧٩.
- الحركة الأدبية والفكرية في تونس ١٣٩.
- مقدمة كتاب أغاني أحمد خير الدين بقلم عثمان الكعاك ص ٥ - ٢٠.
стр. 482
١٧٧ - خير الدين (١٢٣٨ - ١٣٠٨ هـ) (١٨٢٠ - ١٨٩٠ م)
خير الدين التونسي، السياسي، المصلح رجل الدولة.
أصله من قبيلة أباظة الجركسية الضاربة بجبال الجركس في الشمال الغربي من بلاد القوقاز بمنطقة نهر الكوبان، فقد أباه مبكرا على أثر خلاف بين فريقين، وعند ما كان يقوم بجولة اختطفه فرسان مسلحون، واقتيد رقيقا إلى استانبول، وبيع في السوق لنقيب الاشراف تحسين بك ابن محمد الكبرى واتخذه رفيقا وأخا لابنه الوحيد في الدراسة، وكان يقاربه في السن، وأشرف على تعليمهما في المنزل مرب تلقيا عنه مبادئ العلوم الإسلامية ومبادئ اللغة الفرنسية، وعاش باستانبول حتى السابعة عشرة من عمره وفي يوم من الأيام مات رفيقه الابن الوحيد لسيده، واضطرب الأب لهذه المصيبة، ولم يعد يحتمل حضور رفيق ابنه الوحيد المفقود فحمله إلى سوق الرقيق وباعه إلى مبعوث باي تونس الذي جاء إلى استانبول للبحث عن مملوك صغير متعلم يعرف الفرنسية، وحمله هذا المبعوث إلى تونس التي وصلها في سنة ١٢٥٥/ ١٨٣٧ في بداية عهد المشير الأول أحمد باشا باي الذي ألحقه بمماليكه في قصر باردو حيث تعلم القرآن، واللغة العربية واستكمل معارفه الدينية، ثم انتقل إلى مدرسة باردو الحربية المؤسسة حديثا، ولاتباعه النظام، وانكبابه على التحصيل لفت أساتذته نظر أحمد باي الذي كان يزور المدرسة كثيرا، ويدعو إلى سؤال التلاميذ بمحضره، ويهتم بارتقاء الأصاغر، وألحق أحمد باي هذا الضابط الصغير بخدمته عند ما تمت دراسته، وترقى بسرعة إلى الرتب العسكرية للخيالة، فتحصل على رتبة أمير لواء (كولونيل) سنة ١٢٦٦/ ١٨٥٠.وكان لما أبداه من تنظيم ومهارة في الخدمة العسكرية أن التحق بحاشية المشير الأول أحمد باشا، وأظهر تفوقا
стр. 483
ومهارة في فهم المشاكل السياسية وبالخصوص ما يتصل منها بالعلائق الأوربية.
وأسند إليه المشير الأول أحمد باشا باي في ١٨٥٣ بيع مصوغه بفرنسا لأجل إرسال بعثة عسكرية تونسية إلى استانبول إعانة للسلطنة العثمانية في حرب القرم، والبحث عن إمكانية قرض مالي من فرنسا، وبالرغم من إلحاح المشير الأول في الاقتراض فانه تلكأ، ولم يرد سن سياسة الاقتراض من الأجنبي رعاية لمصالح القطر ولم يتم الاقتراض.
كان الملتزم محمود بن عياد فر من تونس إلى باريس حاملا معه نصيبا مهما من موارد الخزينة التونسية فكلفه المشير الأول في سنة ١٢٧٠/ ١٨٥٤ بالدفاع أمام القضاء الفرنسي عن مصالح الايالة التونسية، وعاونه في معالجة هذه القضية صديقه الجنرال حسين، ونجح في هذه المهمة إذ توصل إلى رد قسط مهم من الأموال التي اختلسها ابن عياد من المالية التونسية، وعند ما توفي المشير الأول ١٢٧٢/ ١٨٥٥ وخلفه المشير الثاني محمد باي رقاه إلى رتبة امير أمراء (جنرال) وهو ما زال في باريس يتتبع قضية ابن عياد، وأقره الباي الجديد على هذه المأمورية، وعاد إلى تونس في سنة ١٢٧٣/ ١٨٥٦ فأقام بها مدة للبحث عما له ارتباط بقضية ابن عياد، ثم رجع إلى باريس وسماه محمد باي في مغيبه وزيرا للبحرية سنة ١٢٧٤/ ١٨٥٧ فعاد إلى تونس لتقلد مسئوليات المنصب الجديد، وفي ولاية المشير الثالث محمد الصادق باي سمي كاهية لرئيس المجلس الأكبر، وبعد أشهر سمي رئيسا للمجلس الأكبر عند وفاة رئيسه الوزير مصطفى صاحب الطابع مع بقائه وزيرا للبحرية، وفي أثناء قيامه برئاسة المجلس الأكبر الاستشاري أبدى نشاطا كبيرا لإظهار مبادئه الاصلاحية في السياسة والادارة والعسكرية والمجاهرة بنقد الأساليب التي كانت تسير فيها الدولة، ومن أجل ذلك اشتد الخلاف بينه وبين صهره الوزير الأكبر مصطفى خزنه دار، وأفكاره وأعماله أثارت اعجاب وتقدير المصلحين، وقاومهما مع خزنه دار كل الذين ليست لهم مصلحة في تغيير الأشياء، وشنوا حملة من الدسائس والافتراءات، وبعد خمس سنوات من المجهودات المبذولة للاصلاح وتغيير الأوضاع باءت
стр. 484
بالفشل وانتهت إلى خيبة، فقدم استقالته من الوزارة ورئاسة المجلس الأكبر في سنة ١٨٦٢ وآثر الانزواء والاعتزال في بستان له.
وانفجرت ثورة ١٨٦٤ التي جعلت نظام الباي على حافة الهاوية، والقوات البحرية الأوربية على أهبة الاستعداد للتدخل في البلاد، وهذه الوضعية المحلية والعالمية للقطر التونسي، ووضعية السلطنة العثمانية بتونس، وسياسة بعض الدول الأوروبية في إبعاد الدولة العثمانية من الاهتمام بتونس أو القيام بمبادرة فيها فإنها أخرجته من عزلته السياسية فوالى الاجتماعات والمناقشات في تونس أو في ضاحية المرسى مع أنصاره من جماعة الإصلاح، وتحدثوا في وضعية الدولة العثمانية وولاياتها العربية الإسلامية، وبعد مدة كلفته حكومة الباي بسفارات خارجية زار فيها تسع دول أوروبية منها بالخصوص فرنسا. وفي رحلته الواسعة هذه اغتنم الفرصة لدراسة الأسس الحضارية والثقافية الغربية، والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية لهذه الدول التي زارها واتضح له أسباب ركود المجتمع العربي الإسلامي، وتبين له برنامج إصلاح السلطنة، وعلاوة عن ذلك فإن مطالعاته للمؤلفات السياسية المترجمة في مصر عن الفرنسية باشراف رفاعة الطهطاوي الموجودة في مكتبة المدرسة الحربية بباردو، ومؤلفات خاصة بتاريخ المجتمع الإسلامي، ومؤلفات خاصة بتاريخ الغرب، ومعرفة فلسفة الدولة عند ابن خلدون، ومناقشاته مع أساتذة المدرسة الحربية بباردو، ومع اللاجئين السياسيين واتصالاته مع المصلحين العثمانيين وبالخصوص أنصار التنظيمات، سمحت له بتشكيل أفكاره السياسية والاجتماعية، وللاجابة عن المتعنتين، وعرض برنامجه السياسي، كتب عند ما تحرر من مسئولياته الحكومية في تونس واستانبول مذكراته.
وفي مدة اعتزاله للمناصب السياسية دون كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» وأودع فيه خلاصة آرائه في الاصلاح والتمدن.
بعد ثورة ١٨٦٤ اجتاحت البلاد ظروف سيئة من انتشار المجاعات والأوبئة واختلال الحياة الاقتصادية وإفلاس ميزانية الدولة، وانتصاب
стр. 485
اللجنة المالية المشهورة بالكومسيون المالي، كل ذلك دعا الوزير خزنه دار ومحمد الصادق باي إلى إعادة خير الدين إلى العمل والاستفادة من خبرته وتفكيره فسمي رئيسا للكومسيون المالي، ووزيرا مباشرا أي مباشرا لرئاسة الحكومة وشؤون الوزارة الكبرى مع بقاء مصطفى خزنه دار على لقب الوزارة الكبرى ملقيا بالنفوذ كله في يد خير الدين فتم ذلك في شعبان ١٢٨٦ جانفي ١٨٧٠، وسرعان ما دب الخلاف بين الوزيرين، ومن أهم أسبابه تصرفات الوزير خزنه دار على خلاف نظام قانون اللجنة المالية، وأدى هذا النزاع إلى استقالة خزنه دار وتولي خير الدين وزيرا أكبر عوضه في شعبان ١٢٩٠/ ٢٢ اكتوبر ١٨٧٣.وفي مدة وجيزة ظهرت سداد آرائه ونجاعة سياسته في رئاسة اللجنة المالية فإنه أمام قوة حججه في مجلس اللجنة تمكنت تونس من تسديد فوائض ديونها في آجال معقولة ومناسبة وتعرض ابن أبي الضياف لنجاح هذا المصلح في هذه المهمة الصعبة قائلا:
« ... إن هذه البلاد لها تيمن بخدمة هذا الوزير المنصف خير الدين الذي صار رئيسا للكومسيون وقد أعانها في شدائد وانقذها بنصحه من معضلات» (اتحاف اهل الزمان ٦/ ١٣٥).
ولنجاحه في رئاسة الكومسيون المالي كلفه محمد الصادق باي بمهمة توثيق الصلة بين تونس والدولة العثمانية وتحصل على فرمان من السلطان عبد العزيز ينظم العلاقات بين تونس والباب العالي فجازاه الباي بضيعة النفيضة (٠٠٠.١٠٠.٨ هكتار).
وكان لولايته الوزارة الكبرى رنة ابتهاج واستبشار في الأوساط الشعبية فأقاموا الاحتفالات المعبرة عن عواطفهم وفرحتهم في العاصمة وفي المدن كباجة وبنزرت وتوزر وصفاقس والقيروان.
وامتاز في وزارته بحسن التنظيم والكفاءة والاخلاص لمصالح البلاد وانجز كثيرا من الاصلاحات والمؤسسات الهامة التي بقي بعضها قائما حتى الآن منها المدرسة الصادقية، والخزانة العامة لأوراق الدولة، وإنشاء المكتبة الصادقية (العبدلية) الزيتونية وجمع الكتب المشتتة في المساجد فيها عدا ما
стр. 486
أهداه هو إليها من خزانته الخاصة، وتأسيس جمعية الأوقاف، وسن نظام العدول، وسن قانون الغابة، وقانون الخمّاسة وإصلاح نظام السجون، والتنوير بالغاز، والاصلاحات البلدية بتونس، وإسقاط المغارم على أهل الساحل وتوحيد فائض ديونهم، وهي بلايا كبلتهم وأفقرتهم منذ عهد حملة الجنرال أحمد زروق، وتوسيع ساحة الأراضي المبذورة من ٦٠ ألف هكتار إلى نحو المليون هكتار، وحسم مشكلة أراضي السياليين بصفاقس وباعها لصغار الفلاحين.
وقاومه صهره الوزير الأول السابق خزنه دار فكان عملاؤه من يهود وفرنسيين، والمغامر اللبناني الأديب الصحفي الكونت رشيد الدحداح الذي كان متوظفا في وزارة خزنه دار واغتنى بعد فقر يؤاجرون الصحف الباريسية لشن الحملة عليه، علاوة عن حاشية الباي التي لا تريد تبديل الأوضاع واصلاحها لأنها تفوّت عليها مصالحها الشخصية القريبة ولا تهمها المصلحة العامة، ومنها الوزير مصطفى بن إسماعيل المقرب من محمد الصادق باي ومحل ثقته، فقد وسوس إليه أن مقصد خير الدين هو تولي الملك بدل العائلة المالكة، ومحمد الصادق باي رجل ضعيف الشخصية، سريع التصديق لما يقال له، لا يعمل الفكر الصحيح الباحث المستقصي فيما يعرض له من مشاكل وأقوال، ولا يريد الاهتمام بالحياة العامة لأن اهتمامه مصروف إلى العب من لذات سخيفة تافهة كادمان شرب الخمر وغير ذلك مما لا خير في ذكره «فظن شرا ولا تسأل عن الخبر».
وإزاء هذا الجو العفن الذي يسمم الأنفاس ولا يترك مجال العمل ميسرا اضطر للتخلي عن مباشرة الوزارة بعد أن سيرها أربع سنين إلا شهرا، فقدم استقالته إلى الباي في مجلس خاص بقصر حلق الوادي صباح يوم السبت ١٠ رجب ١٢٩٤/ ٢٢ جويليه ١٨٧٧.
وخير الدين على ما فيه من خصال عالية كرجل دولة من كفاءة واخلاص وتفان في خدمة المصلحة العامة ووطنية صادقة، وحسن تنظيم، وحب للاصلاح لم يكن يخلو من عيوب عرف كيف يستغلها خصومه فهو
стр. 487
لا مرونة له إذا عنت له فكرة أو تمسّك بمبدأ فهو لا يتزحزح عنهما ولو كانت الظروف الحالكة المحيطة به تجبر على انحناء الرأس قليلا حتى تمر العاصفة، مثلا ابان اشتداد الحملة الصحفية عليه في باريس عرض عليه صحفي فرنسي الدفاع عنه في مقابل معلوم مالي لا يتجاوز الثلاثين ألف فرنك فامتنع بحجة أن مالية الدولة لا تسمح بمثل هذا، وكان بوسعه أن يدفعها من حسابه الخاص، وهو ثري لا يثقله دفع هذا المبلغ، وكان فيه تعال وكبرياء، وعلى كل فإن استقالته كانت خسارة لتونس، إذ فقدت فيه رجل دولة عظيما.
سافر في الصائفة التي استقال فيها للاستجمام في فيشي وفي الصائفة الموالية للاستجمام في سان نيكاتور، وكان بعد تخليه من الوزارة على اتصال مستمر بالأوساط السياسية العليا في الآستانة وعلى اتصال بقصر السلطان بواسطة الشيخ محمد ظافر المدني الطرابلسي شيخ الطريقة المدنية الدرقاوية الشاذلية والمقرب من السلطان عبد الحميد الثاني الذي أعجب بآراء خير الدين وسمو برنامجه الاصلاحي اللذين تضمنهما كتابه «أقوم المسالك» فاستدعاه للحضور لديه بدار الخلافة، فاستأذن من الباي وسافر إلى الآستانة فوصلها في شوال سنة ١٢٩٥/ ١٨٧٧ فكانت مدة إقامته بتونس أربعين سنة.
وبمجرد مثوله لدى السلطان عبد الحميد الثاني أنعم عليه برتبة مشير، وهي أعلى رتبة في سلك التشريفات العثمانية، وأنزله في جناح خاص من قصر طولمه بغجة وعينه رئيسا للجنة اصلاح مالية الدولة، ثم ضم إليه وزارة العدل، وفي الثامن ذي الحجة ١٢٩٥/ ٤ ديسمبر ١٨٧٨ سمي صدرا أعظم (رئيس الوزراء) وترك اصلاحات مهمة في مختلف الوزارات والادارات، وكانت الدولة العثمانية تتخبط في أزمات خطيرة ومشاكل عديدة سياسية ومالية واجتماعية، فبادر بعلاج ما يمكن علاجه وإنقاذه، فكفل مصالح المسلمين في بلغاريا، وأمضى معاهدة الهدنة بين تركيا والروسيا المعروفة بمعاهدة سان ستيفانو المنعقدة في برلين عام ١٨٧٨ وسوى
стр. 488
الخلاف بين تركيا والنمسا، وحل مشكلة الأرمن، إلى غير ذلك من أمهات المشاكل.
واستقال من الصدارة العظمى سنة ١٨٧٩ واستقال من هذا المنصب في جويليه ١٨٧٩ لما شعر من تغيير في ثقة السلطان به، وبقي محل تقدير وعطف من السلطان فكان يعامل معاملة الصدر الأعظم، وسمي عضوا بمجلس شورى الدولة ومجلس الأعيان، وكان يدعى إلى المجالس التي تجتمع فيها جميع الوزراء وبقي يتقاضى مرتبه من السلطنة العثمانية مع مرتبه التونسي إلى أن أدركته الوفاة بقصره الخاص على ضفة البوسفور.
وبرنامجه الاصلاحي يتمثل في السعي لسن التنظيمات السياسية أي الدستور، وما يتفرع منه لتقييد السلطة الاستبدادية الفردية لأنه يراها أصل العيوب والبلاء من انعدام أمن على الأنفس والأموال وما يتبع ذلك من أهوال للعمل المنمي للمال، وانعدام للعدل والحرية، لذلك هو يطالب بهما تبعا للتنظيمات، واقتباس العلوم والتيكنولوجيا من أوربا، وإذا كان يدعو إلى الأخذ من أوربا فلا يدعو إلى الذوبان فيها ويدعو إلى موقف انتقائي لاقتباس الصالح مما يعجل اللحاق بركب أوربا الزاحف المتطور، وكل هذه الأمور يراها كفيلة بتحقيق الازدهار والتقدم والخروج من حالة الانحطاط والتخلف، ولم يعر اهتماما لاصلاح الأحوال الاقتصادية وظهور ضعفها أمام الاقتصاد الأوربي وتسرب الدول الأوربية بواسطته إلى تفقد السلطة وفرض ما تراه صالحا لحماية مصالحها الاقتصادية مما يشكل تدخلا غير مباشر في الاستقلال ووقوف السلط المحلية موقف المعين والوسيط لمصالح هذا الاقتصاد الأوربي ووقوفها موقف القامع المضطهد لعامة الشعب الذي استغله الرأسمال الأوربي، فكان رأيه الاصلاحي ورأي معاصريه ليست له نظرة شاملة تعمل على اجتثاث جذور الفساد في كل الميادين.
مؤلفه:
له أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، طبع بالمطبعة الرسمية بتونس ١٢٨٤/ ١٨٦٧ وترجمت المقدمة باشرافه إلى الفرنسية سنة ١٨٦٨ وترجمه
стр. 489
إلى التركية اسماعيل حقي سنة ١٨٧٨، وصدرت طبعته العربية المقدمة في استانبول سنة ١٨٧٦، كما ترجمت إلى الانكليزية سنة ١٨٧٤.
وفي هذا الكتاب يبدو تأثره بأنصار التنظيمات الخيرية من الأتراك وبالشبان الأتراك وبآراء رفاعة الطهطاوي، كما يبدو تأثره بالمفكرين الغربيين كتيار ومونتسكيو وستيوارات ميل وغيرهم، هو متأثر بالخصوص بتفكير عصر النور وهو متأثر أيضا بالنظريات الخلدونية كالعمران والعصبية.
المراجع
- اركان النهضة الأدبية للشيخ محمد الفاضل بن عاشور ١١ - ١٥.
- تراجم الاعلام للمذكور ٤٧ - ٥٩.
- الاعلام ٢/ ٣٧٥، الاعلام الشرقية ١/ ٧٨، ايضاح المكنون ١/ ١١٤.
- تاريخ آداب اللغة العربية ٤/ ٢٢٢.
- تاريخ المغرب العربي في سبعة قرون لمحمد الهادي العامري (تونس ١٩٧٤) ٣٩٦ - ٤٠٢.
- خير الدين التونسي لأبي القاسم محمد كرو (تونس ١٩٥٨ سلسلة كتاب البعث).
- خير الدين باشا للمنجي الشملي (تونس ١٩٧٢ ط ٢/).
- رواد الاصلاح لرشيد الذوادي (تونس ١٩٧٣) ١٣ - ٣٩.
- زعماء الاصلاح في العصر الحديث لأحمد أمين ١٤٦ - ١٨٣.
- العرب والتحدي للدكتور محمد عمارة (الكويت ١٤٠٠/ ١٩٨٠ سلسلة عالم المعرفة) ٢٠٩ - ٢٢١.
- فيض الخاطر ٢٠٣ - ٢٣٦.
- تقديم مقدمة أقوم المسالك المنصف الشنوفي ١٣ - ٤٦.
- قابادو لعمر بن سالم ٤٨ - ٥٠.
- العدالة والحرية في النهضة العربية الحديثة للدكتور عزت قرني (الكويت ١٤٠٠/ ١٩٨٠ عالم المعرفة ١١٥ - ١٥٣.
- Mohamed Salah Mzali et Jean Pignon، Khereddine homme d'etat، Memoires Tunis ١٩٧٠.
- Mongi Smida، Khereddine ministre reformateur Tunis ١٩٧١.
- Jean Ganiage، Les origines du Protectorat francais en Tunisie (١٨٦١ - ١٨٨١) P.U.Paris ١٩٥٩، p. ٨١ note (٢٣) ٤٣٧ - ٤٩١.
стр. 490
- الدكتور مسعود طاهر مقدمات منهجية لدراسة الفكر الاصلاحي عند خير الدين التونسي، مجلة الفكر العربي ع ١٥ ماي جوان ١٩٨٠، ص ١٦٩ - ١٨١.
Bechir Tlili، Les rapports culturels et ideologiques entre l'Orient et l'Occident en Tunisie، au XIX siecle p.p.٥١٦ - ٥٢٠ - ٥٥٤، ٦١٤
стр. 491
١٧٨ - الخيري (من رجال القرن ١٠ هـ) (١٦ م)
سعيد بن علي بن حميدة بن عبد الرزاق بن علي الخيري الجربي من جهة أجيم، ويعرف بالشيخ عمي سعيد الفقيه الإباضي من أبرز تلامذة الشيخ يونس بن سعيد بن تعاريت الجربي الصدغياني.
وهو مصلح وادي ميزاب (موطن الاباضية بالجزائر) لأن هذا المكان في القرن العاشر وصل إلى حالة من التداعي حفزت همم عزّابة وادي ميزاب إلى الإسراع لمعالجة الحالة فطلبوا العون من عزّابة جربة وعلى رأسهم الشيخ يونس بن تعاريت فاختاروا لهم صاحب الترجمة، قال عنه الشيخ إبراهيم أبو اليقظان .. «وقد وفد إلى ميزاب حينما طلبه أهله من اخوانهم الاباضية بجربة بأن يرسلوا إليهم عالما حكيما لنشر العلم وتنوير عقولهم به لما استفحل الجهل بالبلاد».
وإليه تنسب المقبرة المشهورة بغرداية وفي روضته استقر مجلس عزّابة القصور السبعة (أي قرى وادي ميزاب منذ ذلك العهد).
ويقال إنه الواضع لذكر السلام (١) الذي يقرأه بعد صلاة الصبح أهل القرى الثماني (يضاف إلى السبع المشار إليها سابقا وارجلان) وهو الواضع لخطبتي العيدين اللتين ما زالتا تقرءان إلى الآن (٢).
وقد صاحبه في رحلته عالمان أحدهما من جربة وهو الشيخ دحمان الذي استقر في بتورة (٣) والثاني الشيخ الحاج ابن سعيد من جبل نفوسة.
стр. 492
ومن محاسنه أنه ترك مكتبة محتوية على نفائس الكتب موقوفة على دار التلميذ بغرداية.
له سؤال كتب به لبعض فقهاء قومنا (يقصد المالكية) شعرا وطلب الجواب عليه شعرا، وهو في قصيدة دالية من بحر الطويل مطلعها:
فلله حمدي مستمرا مؤكدا ... يدوم دواما سرمديا مؤبدا
وهي ناقصة تشتمل على ٣٤ بيتا.
عناصرها الستة أبيات الأولى مقدمة.
من ٧ إلى ٩ الشرع.
من ١٠ إلى ١٤ اللغة
من ١٥ إلى ٢٠ الحساب والفرائض
من ٢١ إلى ٢٤ النحو
من ٢٥ إلى ٢٨ البيان
من ٢٩ إلى ٣٤ المنطق.
وله رسالة كتب بها إلى شيخه يونس بن تعاريت.
المرجع:
- نظام العزابة الاباضية الوهبية في جربة ص ٢٦٩ - ٢٧١ - ٢٩٠ - ٢٩١.
стр. 493
حرف
الدال
стр. 494
الداني - ابن أبي الصلت
١٧٩ - الدالي (كان حيا سنة ١٢٧٧ هـ) (١٨٦١ م)
أحمد الدالي، ويعرف بحميدة التونسي الأديب.
تلقى العلم بجامع الزيتونة واشتغل بالأدب.
مؤلفاته:
١) العز والدين وسعد اليقين في مدة محمد الصادق باي، منه نسخة في المكتبة الوطنية رقم ١٨٣٠٣ (خزانة ح. ح. عبد الوهاب).
٢) مقامات متولدة عن طريقة الورغي، منها نسخة بالمكتبة الوطنية (خزانة ح. ح. عبد الوهاب).
المرجع:
- ديوان الورغي المقدمة ص ٣٣ هامش ٢ تحقيق عبد العزيز الشابي (تونس ١٣٩٨/ ١٩٧٨).
стр. 495
١٨٠ - داود (١٠٦٧ - بعد ١١٣٧ هـ) (١٦٥٧ - ١٧٢٥ م)
محمد الصغير ابن العارف بالله علي داود النابلي، الفقيه الناظم الصوفي.
ولد بنابل وقرأ على والده القرآن، والرسالة، ونبذة من مختصر خليل، ثم رحل إلى زغوان وقرأ على الشيخ محمد الحجيج الأندلسي الفية ابن مالك، ثم رحل إلى تونس، وسكن بالمدرسة المرادية، وأخذ عن مشايخ جامع الزيتونة كالشيخ ساسي نوينة المقرئ، وعبد القادر الجبالي قرأ عليه الفقه والنحو والمنطق، والبيان، وسعيد الشريف قرأ عليه مختصر خليل، وشرح السعد التفتازاني في البلاغة، والعقيدة الوسطى للسنوسي، وغير ذلك، وأجازه وأثنى عليه، وأخذ عن الشيخ أحمد الشريف الحديث والأصلين، وأخذ عن محمد بن عبد الله السوسي الرسالة، ومختصر خليل، وعن محمد الغمّاد العقيدة الصغرى للسنوسي ومختصر خليل، وعن الشيخ محمد فتاتة مختصر خليل، ونبذة من المغني، وقرأ على قاسم الغماد الرحبية في الفرائض وسمع منه الحديث، وأخذ عن محمد قويسم، وغيرهم وأجازوه.
وتمهر في علوم العربية، والفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه، وعاد إلى بلده وتصدر بها للتدريس، واستفاد منه كثيرون، ثم رحل لاداء فريضة الحج سنة ١١١٥/ ١٧٠٤ واجتمع في القاهرة باجلاء علماء الأزهر، كما اجتمع في الحرمين الشريفين بعلمائهما وصوفيتهما.
وبعد عودته اتخذ داره زاوية للتدريس وإفادة المريدين صباحا ومساء، وبعد صلاة المغرب يحضره جميع طلبته ومريديه قدر أربعين