ولما نالت البلاد التونسية الاستقلال، وفارق المتوظفون الفرنسيون المصالح الإدارية دعي من جانب الحكومة التونسية الجديدة لرئاسة «المعهد القومي للآثار والفنون» في سنة ١٩٥٧، وفي تلك الفترة نقلت مصلحة الآثار من محلها القديم «ساباط سوق الفكة» إلى دار الفريق (الجنرال) حسين الذي كان مقرا لقائد الجيش الفرنسي ولأركان الحرب بساحة القصر (أي قصر بني خراسان)، وبعد ترميم الدار جعلت مكاتب الإدارة بقسمها الأعلى، وقسمها الأسفل متحفا للفنون الاسلامية.
وفي مدة رئاسته للآثار تأسست خمسة متاحف أربعة منها للآثار الإسلامية «متحف علي بورقيبة» في رباط المنستير، ومتحف أسد «ابن الفرات» برباط سوسة، ومتحف «ابراهيم بن الأغلب» في القيروان، ومتحف دار حسين المتقدم الذكر، ثم مستودع الآثار الكلاسيكية القرطاجنية في بيت أحد أعيان الرومان بقرطاجنة واهدى لهذه المتاحف ما يملك من آثار وتحف.
وفي تلك المدة نشر فصولا كثيرة في مختلف الجرائد والمجلات العلمية عن الآثار بتونس، وحث أهل الاختصاص في هذا الشان لاخراج ما كتبوه بالعربية والفرنسية، كما كتب تمهيدات لنحو عشرة مؤلفات في شتى الأغراض الأثرية طلب منه مؤلفوها أن يقدمها للقراء.
ومن نشاطه التدريسي أنه درس من سنة ١٩٠٥ إلى ١٩٢٤ التاريخ بالمدرسة الخلدونية، ودرس نفس المادة بالمدرسة العليا للغة والآداب العربية بسوق العطارين بين سنتي ١٩٢٣ و ٢٤.
ونشر فصولا في مجلة «الجامعة» بتونس - السنة الأولى - عنوانها «نقل الحبيب إلى الأديب» ذكر في حواشيها تراجم كثير من أدباء أفريقية وغيرها كما نشر فصولا في التراجم عنوانها «صدور الأفارقة» من كتابه الكبير في الموضوع «كتاب العمر» شارك في مؤتمرات المستشرقين ابتداء من عام ١٩٠٥ في عاصمة الجزائر، وقدم بحثا عن الاستيلاء العربي بصقلية، وتعرف
стр. 982
هناك بثلة من العلماء المشاركين عربا كانوا أو إفرنجا منهم محمد فريد رئيس الحزب الوطني المصري، والشيخ عبد العزيز جاريش، وجورج براون، وآمر دوز، وفولارس، ونولدكي، وكوديرا، وريبيرا وميشال آسين بالاثيوس، وليويس ماسينيون، وولييم مرسي، ومحمد بن أبي الشنب، وغيرهم.
وفي عام ١٩٠٨ شارك في مؤتمر كوبنهاكن عاصمة الدنمارك، وفي هذا المؤتمر قدم الأب لامنس والأب لويس شيخو اليسوعيان كلاهما بحثا في وصف النبي - ص - بما لا يليق وافتريا عليه، فقام لمعارضتهما فيما قدما، وكان هو المسلم الوحيد الحاضر في هذا المؤتمر، وكان لمعارضته صدى كبير لدى المؤتمرين وتأييد جانب عظيم منهم.
وفي عام ١٩٢٢ شارك في مؤتمر باريس للمستشرقين الفرنسيين، ثم في المؤتمر المنعقد برباط الفتح بالمغرب الأقصى سنة ١٩٢٧، ثم في مؤتمر كمبريدج واستانبول ومونيخ، وفي جميعها كان الممثل للحكومة التونسية.
ودعي لحضور الندوات العلمية التي دارت بالبندقية في معهد كونت تشيني Comte Cini، وكذلك ملتقى فيورنسة بايطاليا للتقارب بين الحضارات والأديان برئاسة الأمير الحسن المغربي الشرفية.
ومثل الحكومة التونسية في مؤتمر الموسيقى الشرقية المنعقد بالقاهرة في افريل ١٩٣٢، وكان قد تعرف قبل ذلك في سنة ١٩١٤، بالأمير أحمد فؤاد نجل الخديوي اسماعيل في نابلي بايطاليا قبل أن يصير ملكا لمصر، والملك أحمد فؤاد هو الذي عينه عضوا دائما في مجمع اللغة العربية لأول تأسيسه آخر سنة ١٩٣٢، وقد شارك بقدر الاستطاعة في الأبحاث والمناقشات الدائرة في المجمع منذ التأسيس لا سيما عند ما أثيرت الدعوى لابدال الحروف العربية باللاتينية، وكان من أعضاء المجمع العلمي العربي في دمشق، وبغداد والمجمع الفرنسي للنقوش والأدب.
وهو يجيد الفرنسية وقليلا من الايطالية والتركية.
стр. 983
أما اهتماماته بالتاريخ فهو بتأثر من والده فقد قال: «وكان الوالد المرحوم مولعا بفن التاريخ، والعرق دساس كما في الحديث النبوي وله تأليف في أخبار مملكة المغرب الأقصى لم يطبع بعد».
توفي في ١٨ شعبان ١٣٨٨/ ٩ نوفمبر ١٩٦٨.
مؤلفاته:
١) الإرشاد إلى قواعد الاقتصاد، ط تونس ١٩١٩.
٢) الإمام المازري، ط ١٩٥٥، وهو ترجمة لحياته وبحث عن تسلسل السند العلمي في تونس منذ الفتح الإسلامي العربي.
٣) بساط العقيق في حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق (تونس ١٩١٢) والطبعة الثانية بإشراف الأستاذ محمد العروسي المطوي (تونس ١٩٧٠).
٤) خلاصة تاريخ تونس (تونس ١٩١٨ ط ١/) وطبع للمرة الرابعة بتونس ١٩٦٨.
٥) شهيرات التونسيات (تونس ١٩٣٤) و (ط ٢/ تونس ١٩٦٥ بإشراف الأستاذ محمد العروسي المطوي).
٦) المنتخب المدرسي من الأدب التونسي (تونس ١٩٠٨) وأذن الدكتور طه حسين بإعادة طبعه بالمطبعة الأميرية (القاهرة ١٩٤٤) وط للمرة الثالثة بتونس ١٩٦٨ بعنوان «مجمل تاريخ الأدب التونسي» وهذه الطبعة نقحها وزاد فيها كثيرا.
٧) ورقات عن الحضارة العربية بافريقية التونسية، جمع فيها بعض مقالاته المنشورة في المجلات.
الجزء الأول (تونس ١٩٦٥).
الجزء الثاني (تونس ١٩٦٦).
стр. 984
الجزء الثالث (تونس ١٩٧٧) بإشراف الأستاذ محمد العروسي المطوي، وفيه بحوث مترجمة عن الفرنسية كان نشرها قبل ذلك.
٨) كتاب العمر.
٩) مشاهير أحبابي.
ما حققه من كتب.
أ - أعمال الاعلام (قسم تاريخ افريقية وصقلية) للسان الدين بن الخطيب (بالرمو ١٩١٠).
ب - أحكام السوق ليحيى بن عمر دفين سوسة (ت ٢٨٩/ ٩٠١) رواية أبي جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القصري (ت ٣٢١/ ٩٣٣) نشرته الشركة التونسية للتوزيع طبع الشركة التونسية لفنون الرسم تونس ١٩٧٥، وقد راجعه وأعده للنشر بعد وفاته الدكتور فرحات الدشراوي.
ج - كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون (تونس ١٣٥٠/ ١٩٣٧) وأعيد طبعه ثانية بمراجعة الأستاذ محمد العروسي المطوي (تونس ١٩٧٢).
د - رسائل الانتقاد لمحمد بن شرف القيرواني، نشرها أولا في مجلة «المقتبس»، ثم نشرها مفردة في دمشق سنة ١٣٢٩/ ١٩١١ في ٤٠ ص (معجم المطبوعات ١٣٩)، ونشرها الأستاذ محمد كرد علي ضمن «رسائل البلغاء» دمشق ١٣٣١/ ١٩١٣) انظر بساط العقيق ط ٢/، ص ٧٥ - ٧٦ تعليق ١٠).
هـ - التبصر بالتجارة للجاحظ (دمشق ١٩٣٣) (مصر ١٩٤٥ ط ٢/) (بيروت ١٩٦٦ ط ٣/).
و- الجمانة في إزالة الرطانة لمجهول في اللهجة التونسية والأندلسية (المعهد العلمي بمصر ١٩٥٣).
стр. 985
ز - رحلة التجاني (تونس ١٩٥٨).
ح - ملقى السبيل لأبي العلاء المعري (دمشق ١٩١٢) علق حواشيها وقارن بين آراء المعري وآراء الفيلسوف الألماني شوبنهور.
ط - وصف افريقية والأندلس، أخذه من مسالك الأبصار لابن فضل العمري (تونس ١٩٢٠) (وانظر معجم المطبوعات ١٣٢٩).
ى - كتاب يفعول للصاغاني (تونس ١٩٢٤).
له مكتبة بها مخطوطات عديدة ألحقت بعد وفاته بالمكتبة الوطنية.
المراجع:
- أدباء تونسيون لرشيد الذوادي ١٥١ - ١٨٣، الأعلام ٢/ ١٨٧ - ٨٨ (ط ٥/)، الحركة الأدبية والفكرية في تونس ١١٢ - ١١٣، ورقات ٣/ ١١ - ٢٩، ترجمة لنفسه بقلمه، رشيد الذوادي جريدة «الصباح» ١٠ نوفمبر ١٩٨٢، عبد الجبار الشريف جريدة «الصباح» ١١ نوفمبر ١٩٨٢.
стр. 986
٣٤٩ - ابن عبد الوهاب ( ... - ١٣٢٢ هـ) ( ... - ١٩٠٤ م)
صالح بن عبد الوهاب بن يوسف الصمادحي، والد المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب الذي تقدمت ترجمته ولد بتونس، وتلقى العلم بجامع الزيتونة، وتعلم بعد ذلك الفرنسية، بمكتب الرهبان (cole des Freres) حتى اتقنها فاضافه الفريق حسين وزير الخارجية إليه، وصار يصاحبه كمترجم في السفارات المتنقلة التي كانت ترسلها الدولة التونسية إلى أوروبا كلما حدث خلاف مع الدول الاوروبية كايطاليا قبل الوحدة وفرنسا وانكلترا وغيرها في عصر كانت فيه رحلة التونسيين إلى تلك البلدان قليلة جدا (من ١٨٦٩ إلى ١٨٨٠) وبعد انتصاب الحماية الفرنسية تقلب في عدة وظائف منها عمل الاعراض (قابس) والمهدية.
وكان له ولوع بالتاريخ التونسي وهو الذي حببه إلى ابنه.
له أخبار مملكة المغرب الأقصى.
المراجع:
- أدباء تونسيون (عرضا في ترجمة ابنه ح حسني عبد الوهاب) ص ١٥٢، ١٧٠، ورقات ٣/ ١٢.
стр. 987
٣٥٠ - ابن عبدوس (٢٠٢ - ٢٦٠ هـ) (٨١٧ - ٨٧٤ م)
محمد بن ابراهيم بن عبد الله بن عبدوس بن بشير القيرواني، أصله من العجم، وهو من موالي قريش من أكابر أصحاب سحنون، وائمة وقته، وهو رابع المحمدين الذين اجتمعوا في عصر واحد من ائمة مذهب مالك لم يجتمع في زمان مثلهم، اثنان بمصر: ابن عبد الحكم، وابن الموّاز، واثنان قيروانيان ابن سحنون وابن عبدوس.
وكان ثقة إماما في الفقه زاهدا ظاهر الخشوع، ذا ورع وتواضع، بذّ الهيئة، أشبه الناس بأخلاق سحنون في فهمه وزهادته في ملبسه ومطعمه، نقل عن ابن اللبّاد انه قال: «إن محمد بن عبدوس صلّى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة من دراسة، وخمس عشرة من عبادة (انظر الغنية للقاضي عياض ص ٢٣١).
وكان صحيح الكتاب، حسن التقييد، عالما بما اختلف فيه أهل المدينة وما اجمعوا عليه.
قال الخشني: «كان حافظا لمذهب مالك بن أنس والرواية عن أصحابه، إماما مقدما غزير الاستنباط، جيد القريحة وكان ناسكا عابدا متواضعا، ولم يكن أفقه منه ومن محمد بن سحنون، وكانت الناس في أيامهما بين حزبين المحمدية والعبدوسية».شنع أصحاب ابن سحنون على ابن عبدوس وأصحابه وسموهم الشكوكية لقولهم: انا مؤمن ان شاء الله.
وقال: إن ابن عبدوس بهذا يشك في إيمان نفسه، قال القاضي عياض والذي صح عن ابن عبدوس أنه قال أدين أني مؤمن عند الله في وقتي هذا ولا أدري ما يختم لي به. ثم روى عن أحمد بن أبي سليمان قوله لابن
стр. 988
عبدوس: الناس يتكلمون فيك وزعموا أنك تشك في دين نفسك وتقول لا أدري وأرجو أن أكون مؤمنا عند الله، فقال: والله ما قلته قط ما شككت قط أني مؤمن عند الله.
وممن أخذ عنه حماس بن مروان الهمداني القيرواني، وغيره.
وكان يكتب لسحنون إذ كان قاضيا فنظر في الديوان إلى شيء فانكره فحلف أن لا يكتب له فعافاه ويقال بل هرب إلى سوسة، وكان صاحب كشف الشهود لسحنون.
مؤلفاته:
١) كتاب التفاسير، فسر فيه أبوابا من الفقه كتفسير كتاب المرابحة، والمواضعة، وكتاب الشفعة من كتاب المدونة، وقد تضاف هذه الكتب إلى تأليف المجموعة.
٢) فضائل أصحاب مالك.
٣) مجالس مالك، أربعة أجزاء.
٤) المجموعة في مذهب مالك وأصحابه، أعجلته المنية قبل اتمامه، وهو من الكتب المعتمدة في المذهب، لما تصفح هذا الكتاب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: هذا كتاب رجل أتى بعلم مالك على وجهه (ترتيب المدارك ٣/ ١٠٥ في ترجمة محمد بن سحنون)
٥) كتاب الورع.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٦/ ١٨٣، البيان المغرب ١/ ١٥٠، ٢١٦، ترتيب المدارك ٣/ ١١٩ - ٢٤، الديباج ٢٣٧ - ٨، رياض النفوس ١/ ٣٦٠ - ٣، شجرة النور الزكية ٧٠، طبقات الخشني ١٣٣، طبقات الفقهاء لأبي اسحاق الشيرازي ١٥٨، الكامل لابن الأثير ٧/ ٩٢، معالم الايمان ٢/ ١٣٧ - ٤٤ (ط ٢/)، معجم المؤلفين ٨/ ٢٠٩.
стр. 989
٣٥١ - ابن عبدون ( ... - ٢٩٩ هـ) ( ... - ٩١٢ م)
محمد بن عبد الله بن ثور بن عبدون الرعيني ولاء، القيرواني الحنفي، أبو العباس، قاضي القيروان، فقيه أصولي مشارك في بعض العلوم، قال المالكي في رياض النفوس: «كان إماما علامة بمذهب العراقيين يتفقه لأبي حنيفة» تخرج بالقاضي سليمان بن عمران تلميذ أسد بن الفرات وبرع في العلوم الشرعية، وفي الكلام.
وقد أولاه ابراهيم الثاني قضاء افريقية، وفي البيان المغرب ١/ ١٢١ ان جده كان طحانا وكان يكتب اسمه محمد بن عبد الله الرعيني، ويستفاد منه أنه تولى القضاء بعد عزل أحمد بن طالب بن سفيان وموته سنه ٢٧٥، وقام بأعباء خطة القضاء نحو الثلاثين شهرا، وكان الأمير محبا فيه شديد الاعجاب به لفطنته وذكائه، وكان يحضر مجالس المناظرة برقادة.
لما خرج ابراهيم الثاني إلى صقلية، وخلفه ابنه أبو العباس عبد الله في إمارة أفريقية أوصاه بابن عبدون وقال له: «احفظه لي» فاغراه بعض جلسائه وقال للأمير أبي العباس: قد كان أبوك دفع إليه ألفي دينار لعمل أبواب جامع القيروان فبعث الأمير في طلبه من تونس إلى القيروان، وأخذ ابن عبدون من ماله ألفي دينار فلما دخل على الأمير قال له: «ائتنا بحساب المال الذي انفق في أبواب الجامع» فأجابه ابن عبدون: «اعز الله الأمير لست بصاحب ديوان تحاسبني» وأخرج كيسا من كمه وقال: «هذه ألفا دينار من مالي فخذوها ويكون ثواب عمل الأبواب التي بالجامع لي، وقد عملت وصية أبيك بي، ومع هذا فخف الله، واحفظ أهل العلم فإن الله يحفظك» فاستحى الأمير وقال له «والله ما ترى منا إلا الخير» وصرف المال.
стр. 990
ولابن عبدون طرائف أورد الأخباريون كثيرا منها، وهي تدل على فرط ذكائه، قال الخشني: «كانت في القيروان طبقة تسمى بالركنية كانوا لا شغل لهم، فكان جلوسهم ومجتمعهم في ركن الجامع فلزمهم الاسم وكان الناس يدارونهم ويتقون السنتهم، وكان فيهم رجل يعرف بأبي القاسم المساجدي، كان خاصا بأبي العباس بن عبدون، وكان مقلا، وكان ابن عبدون يرفقه ويصله ويجدي عليه ويحسن إليه، فحسده سائر أصحابه من الركنية، واجتمع منهم أربعة في الادارة عليه لينقطع ما بينه وبين ابن عبدون قطيعة لا يكون بعدها وصل أبدا فأتى أحد الاربعة إلى القاضي ابن عبدون فجلس عنده وحادثه، ثم أخطر عن ذكر الصحبة والصداقة وقلة الوفاء، ثم قال له: «ما الذي حدث بينك وبين المساجدي»؟ فقال ابن عبدون: ما أعلم انه كان حدث في ما بيني وبينه شيء فما الخبر؟ فجعل الرجل يحيد له عن أن يخبره بشيء فلما كان بعد ذلك بيوم أتاه الثاني فجلس إلى ابن عبدون، وادار الحديث، ثم خرج إلى ذكر المساجدي فقال: قد كان المساجدي لك صديقا، وكنت إليه محسنا، ثم كان من أمره ما كان، فتحرك ابن عبدون وجعل يستقصيه عن حقيقة هذا الخبر، وذكر أنه لا علم له بشيء من ذلك فانزوى الرجل عنه وانقبض وحلف ألا يخبره اجلالا له وإعظاما، فلما كان في اليوم الثالث أتاه الثالث منهم والرابع فجلسا وتحدثا ثم قال له أحدهما ما ينبغي لأحد أن يثق بأحد، قد كان المساجدي لك وكنت له على أفضل حال ثم قد خرج فيك إلى ما خرج، فقال ابن عبدون: قد تكرر علي هذا الخبر من غير إنسان، وعلى غير لسان، وما أجد أحدا يخبرني بالحقيقة في ذلك فأخبرني بذلك فقد ضجرت من اكتتام الحقيقة عني في ذلك، فقال الرجل لا - والله - لا أفعل ولا استهين بك هذه الاستهانة فاستجاب الرابع وقال: لانك - والله - لا تحب القاضي ولا تنصحه إن كنت أنت لا تخبره فقال له ابن عبدون: هات، فقال الرجل: يقول المساجدي أنك خنثي وإن لك قرعة كقرعة النساء، فتلون وجه ابن عبدون، وصار يحلف ماله قرعة، ثم بلغ المساجدي فأتى منتصلا فوجد في قلب ابن عبدون مر التصديق ما قيل له عنه ما لا يعمل
стр. 991
فيه الاعتذار ولا يمحوه التنصل فأبعده وأقصاه عن نفسه»
وعقب الخشني الراوي لهذه الرواية بكلمة قال فيها: «لعمري هذه الادارة لطيفة من الفكر وعجيبة من الحيل ولو قرع منها أدهى الناس ما خلص منها، نستعيذ بالله من حيل الماكرين، ومن أفك الكائدين».وفي معالم الايمان في ترجمة أبي إسحاق ابراهيم بن الضاء (ت ٢٧٦ وقيل ٢٥٠ معالم الايمان ٣/ ١٧٦ ط ٢/) «إن ابن عبدون لما تولى القضاء ضرب طائفة من أهل العلم والصلاح من أصحاب سحنون بالسياط وطيف بهم على الجمال بغضا منه في مذهب مالك ﵀ وفي أصحابه منهم أحمد بن معتّب، وأبو إسحاق بن المضاء، وأبو زيد المديني والحسن بن مفرّج مولى مهرية، ومات المديني، وأبو إسحاق بن المضاء على الحال وهما على الجمال، وكان ابن عبدون حنفيا ورجل سوء، قال ابراهيم بن أحمد الامير: لو ساعدته على مقصوده فيمن يشكو به لجعلت له مقبرة على حدة».
وهذه الحكاية المنسوبة إلى الأمير ابراهيم بن أحمد الاغلبي ينظر إليها بعين الشك والاحتراز، فقد مرّ أن هذا الامير كان يحبه وشديد الاعجاب به، ولما خرج إلى صقلية أوصى ابنه به.
وفي ترجمة جبلة بن حمّود من معالم الايمان (٣/ ٢٧٤ ط ٢/) دارت محاورة بينه وبين جبلة بن حمود قال له جبلة: «أنت الذي ضربت أحمد بن معتب، وابراهيم الدمني، وقطعت بهم سماط القيروان، وأمرت أن ينادى عليهم هؤلاء حزب الشيطان».
وكانت وفاته بالقيروان بعد استيلاء العبيديين على أفريقية.
مؤلفاته:
١) كتاب الآثار في الفقه.
٢) الاحتجاج بقول أبي حنيفة في تسعين جزءا، والظاهر أنها أجزاء صغيرة في حجم الأجزاء الحديثة.
стр. 992
٣) الاعتلال لأبي حنيفة.
٤) قصيدة رائية في التاريخ.
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٧/ ٩٥، تاج التراجم لقاسم بن قطلوبغا، ط. العاني بغداد ١٩٦٣، ص ٦٣، الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/ ٦٦ - ٦٧، طبقات علماء أفريقية للخشني ١٣٧، كشف الظنون ١٥، كتاب المحن لأبي العرب التميمي (دار الغرب الإسلامي، بيروت) ص ١٧ - ٧١، ١١٩، معالم الايمان ٣/ ٢٧٥ (ط ٢/) عرضا في ترجمة جبلة بن حمود، معجم المؤلفين ١/ ٢٢٥، هدية العارفين ٢/ ٢٣، ورقات ١/ ٢٦٤ - ٦٦.
стр. 993
٣٥٢ - العبيدلي ( ... - ٧٤٨ هـ) ( ... - ١٣٤٨ م)
علي بن عبد الله بن عياش العبيدلي القيرواني، أبو الحسن الفقيه الصوفي، أصله من عربان البوادي وجاء القيروان كبيرا فتعلم القرآن والعلم، وقرأ على الشيخ محمد بن عبد الرحمن القبسي الرمّاح.
عمل على نشر التصوف في البوادي فكانوا يتوبون على يديه، وهذب غرائزهم وطباعهم، فأقلعوا عن تعاطي ما عرفوا به من سلب ونهب وأخافة السابلة.
وفي آخر العصر الحفصي انتشر التصوف في البوادي، ولعل من أقوى حركاته الطريقة الشابية التي وصل نفوذها إلى بوادي الجزائر.
وكان المترجم لا تأخذه في الله لومة لائم. كثير الخوف من الله متبعا للسنة.
مؤلفاته:
١) عقيدة.
٢) كتاب في الفقه.
المصادر والمراجع:
- تذييل بان ناجي على معالم الإيمان ٤/ ١٢١ - ١٣٦، شجرة النور الزكية ٢١١، معجم المؤلفين ٧/ ١٣٩، هدية العارفين ٢/ ٢٢ كشف الظنون ٤٥، ١١٩، بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين بالفرنسية ٢/ ٣٣٨.
стр. 994
٣٥٣ - العبيدي ( ... - ١٣٥٦ هـ) ( ... - ١٩٣٧ م)
علي بن عمار العبيدي التوزري، الفقيه الاديب الشاعر.
تلقى تعليمه الابتدائي بمنزله على معلم خاص، ثم ارتحل إلى جامع الزيتونة وتابع به الدروس حتى أحرز على شهادة التطويع.
وباشر ببلده توزر خطة العدالة ثم اسندت إليه خطة التدريس بالفرع الزيتوني فزانها بفصاحة لسانه وعذوبة بيانه وأسلوبه المشوق الجذاب، فكان تلاميذه ينصتون إليه كأن على رءوسهم الطير، ثم أسندت إليه خطة القضاء.
له جمع الكلمات اللغوية الغريبة الغامضة وشرحها بعبارات سهلة ميسورة لا يصعب على القارئ فهمها.
المرجع:
- الجديد في أدب الجريد ١٧٧ - ٨٤.
стр. 995
٣٥٤ - العتقي ( ... - ٣٨٥ هـ) ( ... - ٩٩٥ م)
محمد بن عبد الله بن محمد العتقي الفرياني (١) الافريقي، نزيل مصر، المنجم، كان متفننا في عدة علوم، والغالب عليه النجوم (الفلك)، قدم مع معز الدولة لما استولى على مصر، كان عدلا بمصر له قربة من الملوك القصرية (٢) بالديار المصرية، ولم يزل على ذلك إلى أيام العزيز بن المعز، واتفق أن صنف كتابا تاريخيا ذكر فيه أخبار بني أمية وبني العباس، وذكر فيه أشياء عن محاسن القوم وجميل أفعالهم على عادة المؤرخين واطلع يعقوب بن كلّس اليهودي وزير العزيز على شيء من ذلك فأنهاه إلى العزيز في شهور سنة ٣٧٧/ ٩٨٨ فوبخ على ذلك، وجمع الوزير الناس إلى ذلك وخاطبهم وذم العتقي، فلزم منزله وقبضت ضيعة كانت له وتحت يده ولم يزل ملازما لمنزله تحت الغضب إلى أن توفي يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر رمضان.
وهكذا تتجلى حرمة العلم والبحث عند الفاطميين، فالعلم يجب أن يكون خاضعا لأهوائهم وأغراضهم ولو ديست الحقائق، وماذا يتخيل هؤلاء في أنفسهم إذا جردوا الامويين والعباسيين من كل المحاسن الا يوجد في الدنيا منصف يذكر ما لهم وما عليهم.
مؤلفاته:
١) أدب الشهادة.
стр. 996
٢) كتاب التاريخ الجامع الذي بلغ به إلى بعض أيام العزيز، ويقال له التاريخ الكبير، وهو سبب نكبته وملازمته لمنزله.
٣) السبب إلى علم العرب في النحو، أغار عليه معاصره المهذب كاتب بيت المال بالقاهرة على الاسم وجعله لكتاب صنفه في اللغة على أوزان الأفعال وسماه السبب لحصر كلام العرب.
٤) سيرة العزيز الفاطمي.
٥) كتاب في النجوم وأحكامها.
٦) الوسيلة إلى درك الفضيلة.
المصدر والمرجع:
- أخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي، ص ٤٧، الأعلام ٦/ ٢٢٥ (ط ٥/)، الاكمال لابن ماكولاج ج ٢ خط، هدية العارفين ٢/ ٥٥.
стр. 997
٣٥٥ - بوعتور (١٢٤٠ - ١٣٢٥ هـ) (١٨٢٥ - ١٩٠٧ م)
محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب ابن الوزير محمد بن محمد بوعتور، وزير من العلماء والكتاب، أصل سلفه من صفاقس من ذرية الشيخ عبد الكافي بوعتور العثماني من سلالة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ولد بتونس في رجب ونشأ في رعاية أبيه الشيخ محمد الحبيب فلقنه القرآن حتى حفظه على ظهر قلب، والتحق بجامع الزيتونة في سنة ١٢٥٤/ ١٨٣٩ فأخذ عن أعلامه كابراهيم الرياحي، وابنه محمد الطيب، ومحمد بن الخوجة، ومحمد بن سلامة، ومحمد الطاهر بن عاشور، وأخيه محمد الشهير بحمدة، وأحمد عاشور، ومحمد الشاذلي بن صالح، ومحمد النيفر، ووقت طلبه وفد على تونس الامام محمد الصالح الرضوي السمرقندي الشريف ضجيع المدينة المنورة فلازمه ملازمة شديدة، وروى عنه بأسانيده العالية الجامعة، وتلقى عنه من أسرار السنة وآداب الشريعة ما زاد فضائله الغريزية وتربيته الشرعية في نفسه رسوخا وبرع في العلم والذكاء حتى بلغ صيته مجلس المشير الأول أحمد باشا باي فاستدعاه واولاه خطة الكتابة بديوان الانشاء سنة ١٢٦٢/ ١٨٤٧.قال صاحب الترجمة عند حكايته طلب أحمد باشا باي له وتردده في قبول الولاية: «ويشهد الله اني ما فكرت قط في وظيفة مدة قراءتي العلم، وما قرأت إلا طلبا للكمال العقلي، ولقد فاجأتني الأقدار بما آل إليه أمري، والانسان مسير لا مخير» وقبل انتخابه للكتابة درس متطوعا بجامع الزيتونة بإجازة شيوخه، ودرس كتبا عديدة منها شرح المختصر للسعد في البلاغة، ولم تمنعه الوظيفة عن الاشغال العلمية والتحريرات والمطالعات، ولا حال مقامه المخزني الجديد بينه وبين الدروس العليا بجامع الزيتونة فكان يحضر دروس استاذه محمد
стр. 998
الطاهر بن عاشور في عهد الدولة الصادقية وهو يومئذ وزير ومن كبار رجال الدولة.
ثم اختاره أحمد باشا لتلاوة التقارير والحجج التي تعرض عليه لما رأى فيه من فصاحه اللسان وحسن الايجاز، وكان يصاحب ولي العهد محمد باي عند تجوله في البلاد، ولما توفي أحمد باشا باي كانت مكانة صاحب الترجمة عند الامير الجديد محمد باي راسخة حتى أن هذا الامير كان يحليه في بعض أوامره بقوله «محبنا».
وبعد ولاية المشير الثاني محمد باي سمي رئيسا لكتبة وزارة المال في شوال ١٢٧٦/ ١٨٦٠، وفي سنة ١٢٧٧ تألف المجلس الأكبر الذي اقتضاه قانون عهد الامان فكان من أعضائه، ثم سمي بأثر ذلك كاتبا خاصا لاسرار الملك وعضوا في مجلس الشورى الملكي الخاص، وبذلك أصبح الواسطة بين الملك ونواب الامة. وفي سنة ١٢٨١/ ١٨٦٥ سمي باش كاتب ووزيرا للقلم فكان أول من حمل هذا اللقب الأخير في الدولة التونسية.
وفي سنة ١٢٨٣/ ١٨٦٧ سمي وزير مال فكان أول من تقلده وآخره.
ولما تأسست اللجنة الدولية المشتركة (الكومسيون المالي) لمراقبة مالية الدولة التونسية سنة ١٢٨٦/ ١٨٦٩ وانقسمت إلى قسمين قسم العمل وقسم النظر كان رئيس قسم النظر الوزير المباشر خير الدين، وكان المترجم رئيس قسم العمل.
ولما تولى خير الدين الوزارة الكبرى كان المترجم أول اعضاده فكان عمدته في الأعمال الادارية والتحريرات الدولية والمسائل الشرعية، وسمي وزير استشارة سنة ١٢٩٠/ ١٨٧٣، ووجد فيه خير الدين عضدا قويا ونصيرا كبيرا فشاركه في تنظيم التعليم بجامع الزيتونة، وفي تأسيس المدرسة الصادقية، وفي تأسيس جمعية الأوقاف، وتنظيم المحاكم الشرعية، وسن قانون العدول، إلى غير ذلك من المؤسسات النافعة. بعد انتصاب الحماية الفرنسية واعتلاء علي باشا العرش قلد منصب الوزارة الكبرى في المحرم
стр. 999
سنة ١٣٠٠/ ١٨٨٣ فأظهر من المهارة السياسية ما جعله محل إكبار ورضا من الأهالي والمقيم العام على خطورة هذا المنصب وما فيه من توفيق بين المتناقضات في ذلك الظرف الدقيق الحرج.
أصيب بنزلة صدرية وتوفي يوم الخميس غرة محرم ١٣٢٥/ ٤ فيفرى ١٩٠٧، ودفن يوم السبت ٣ محرم في موكب ملكي عسكري، وكان دفنه بمقبرة الامراء الحسينيين برغبة من الأمير محمد الناصر باشا باي.
له كنش أدبي مخطوط بالمكتبة الوطنية (أصله من مكتبة الخلدونية).
المراجع:
- الأعلام ٦/ ٢٨٦ (ط ٥/)، تراجم الأعلام ١٤١ - ٥١، تونس وجامع الزيتونة ٨٩ - ٩٣، شجرة النور الزكية ٤١٩، عنوان الأريب ٢/ ١٧٨ - ٨٧.
стр. 1000
٣٥٦ - ابن عديس (٥٥١ - ٥٩٦ هـ) (١١٥٦ - ١٢٠٠ م)
محمد بن أحمد بن محمد بن عديس (بصيغة التصغير)، القضاعي القرطبي، وقيل البلنسي، نزيل تونس العالم اللغوي، روى عن أبي محمد بن السيد البطليوسي واختص به كثيرا، وروى عن غيره، وتجول طالبا للعلم بالأندلس والعدوة وأفريقية وغيرها، روى عنه بأفريقية أبو محمد عبد الحق ابن الحاج أبي بكر بن أبي الحسين بن ثعبان.
وكان إماما في اللغة مستبحرا في حفظها ذاكرا للتواريخ والآداب، نحويا يقظا ماهرا.
مولده بقرطبة وقيل ببلنسية وأقوأ ببلنسية وأشبيلية، ثم انتقل إلى تونس، وأقبل على الإفادة والتصنيف. له في اللغة والآداب مصنفات مفيدة منها:
(١) الباهر في المثلثات مضافا إليه المثنيات في ثلاثة مجلدات.
(٢) شرح الفصيح لثعلب في مقدار الباهر.
(٣) الصواب في شرح أدب الكتاب في ثلاثة مجلدات ضخمة.
المصدر:
- الذيل والتكملة ٥ ق ٢/ ٤٥٧ - ٨.
стр. 1001
٣٥٧ - أبو العرب التميمي (ما بين ٢٥٠ - ٢٦٠ - ٣٣٣ هـ) (٨٦٤ - ٨٧٩ - ٩٤٥ م)
محمد بن أحمد بن تميم بن تمام التميمي القيرواني أبو العرب، المحدث الفقيه المؤرخ الأديب.
كان جده تمام بن تميم أمير مدينة تونس، وهو الذي ثار على محمد بن مقاتل العكي بالقيروان سنة ١٨٣/ ٧٩٩ وكان أبوه أحمد ممن سمع من شجرة بن عيسى، وسليمان بن عمران، وغيرهما، وأسرته عريقة في تقاليد الامارة حديث العهد بتقاليد العلم، وهي لا تريد أن تضحي بهذه في سبيل تلك، وقد صور لنا أبو العرب بدايته في طلب العلم، وما لاقاه من عنت في سبيل المحافظة على التقليدين تصويرا طريفا فيه بيان لزي طلبة العلم وزي أبناء الأمراء قال «أتيت يوما وأنا حدث دار محمد بن يحيى بن سلاّم فرأيت عنده الطلبة، ورأيت أمرا أعجبني وركنت إليه نفسي فعاودت الموضع، وكنت آتي إليه والطرطور على رأسي، ونعلي أحمر في رجلي في زي أبناء السلاطين، وكان الطلبة ينقبضون مني من أجل ذلك الزي، فقال لي رجل يوما بجواري: لا تتزيّ بهذا الزي فليس هو زي طلبة العلم وأهله فرجعت إلى أمي فقلت: نلبس الرداء وثيابا تشاكل أهل العلم والتجار فأبت علي وقالت: إنما تكون مثل آبائك وأعمامك، فاحتلت حتى اشتريت ثيابا وجعلتها عند صباغ في باب أبي الربيع فكنت إذا أتيت من القصر القديم أتيت بذلك الزي الذي تحبه أمي ووالدي، فإذا وصلت إلى باب أبي الربيع ودخلت حانوت الصباغ خلعتها ولبست الثياب الأخرى، فكنت كلما ترددت فعلت ذلك، ثم قال لي رجل من أصحابي: أراك تأتي في هذا
стр. 1002
المجلس فتسمع فيه العلم ولا تكتب شيئا مما تسمع يكون عندك ما هذا حقيقة طلب العلم.
- فقلت له، والدي راغب عن هذا وعن المعونة عليه وما مكنني من شيء اشتري به الرق.
- فقال لي: أنا أعطيك جلدا تكتب لنفسك وتكتب لي جلدا عوضا عنه، فرضيت له بذلك فكنت أكتب لنفسي ما شئت، واكتب له في جلوده ما يحب حتى يسرّ الله ما اشتريت به الرق وما قويت به على طلب العلم».
سمع أبو العرب من جماعة من أصحاب سحنون واكثر علماء القيروان كأبي داود العطار، وعيسى ومحمد ابني مسكين، وابن طالب، وعبد الجبار بن خالد، وغيرهم.
قال أبو عبد الله الخراط: كان صالحا ثقة عالما بالسنن والرجال من أبصر أهل وقته بها، كثير الكتب، حسن التقييد، كريم النفس والخلق، كتب بخطه كثيرا في الحديث والفقه، ويقال إنه كتب بخطه ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة وشيوخه تنيف على العشرين ومائة شيخ.
وقال ابن أبي دليم: كان حافظا للمذهب معتنيا به وغلب عليه الحديث والرجال وتصنيف الكتب والرواية والأسماع.
وقال تلميذه محمد بن حارث الخشني: يغلب عليه الرواية والجمع، ولم أحس عنده علما ولا فقها. أما غلبة الرواية والجمع فقد مر ما يؤيده، أما تجريده من العلم والفقه فقد مر ما يناقضه، ولا ندري ما هو الباعث للخشني على التحامل على شيخه، ومن ترك مؤلفات متعددة لا يوصف بأنه غير عالم ولا فقيه. سمع عليه خلق كثير منهم ابناه أبو العباس تمام، وأبو جعفر تميم، والحسن بن سعيد، وابن أبي يزيد، والشذوني، وغيرهم.
стр. 1003
وهو من الذين آذتهم الدولة العبيدية كدأبها مع علماء المالكية فحبس وقيد مع ابنه مرة بسبب بني الأغلب، وهو أحد العلماء الذين خرجوا لقتال بني عبيد مع أبي يزيد الخارجي، وعند حصارهم للمهدية سمع عليه كتابي الإمامة لمحمد بن سحنون، وكان يقول: «سماع هذين الكتابين عليّ أفضل من كل ما كتبت».توفي في السجن.
مؤلفاته:
١) كتاب التاريخ ١٧ جزءا (١).
٢) كتاب الجنائز وذكر الموت وعذاب القبر.
٣) كتاب الصلاة.
٤) كتاب ثقات المحدثين.
٥) كتاب ضعاف المحدثين (٢).
٦) كتاب طبقات أهل البصرة، مخزون بالمكتبة الوطنية رقم ١٥١.
٧) كتاب طبقات علماء أفريقية، وتونس حققه محمد بن أبي الشنب طبع بالجزائر سنة ١٩١٤، وأعيد نشره بتحقيق علي الشابي ونعيم اليافي وطبع بتونس سنة ١٩٦٨ وقد وصل إلينا الكتاب مختصرا عن طريق الطلمنكي.
٨) كتاب عباد أفريقية.
٩) كتاب عوالي حديثة.
١٠) كتاب فضائل مالك.
١١) كتاب في موت العلماء جزءان.
стр. 1004
١٢) كتاب المحن (١) حققه يحيى وهيب الجبوري، ونشرته دار العرب الإسلامي ببيروت، سنة ١٩٨٢.
١٣) كتاب مناقب بني تميم.
١٤) كتاب مناقب سحنون بن سعيد وسيرته وأدبه.
١٥) كتاب سند حديث مالك.
١٦) كتاب الوضوء والطهارة.
لم يذكر المترجمون له كامل اسماء مؤلفاته فالقاضي عياض في «ترتيب المدارك» قال بعد سرد أسماء كتبه «وغير ذلك» وأغلب هذه الكتب أبواب كما في «معالم الإيمان».
المصادر والمراجع:
- الأعلام ٥/ ٣٠٩ (ط ٥/)، ايضاح المكنون ٢١٣/، ٣٢٩، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩، ترتيب المدارك ٣/ ٣٣٤ - ٣٦، الديباج ٢٥٠، شجرة النور الزكية ٨٢ - ٣، طبقات الحفاظ للسيوطي ٣٦٣، طبقات علماء أفريقية للخشني (نشر عزت العطار) ٢٢٦ - ٧، عنوان الأريب ١/ ٢٨، فهرسة ابن خير ٢٩٧، كشف الظنون ١١٢٢، مجمل تاريخ الأدب التونسي ٨٠ - ٢، معالم الايمان ٣/ ٤٢، معجم المؤلفين ٨/ ٢٤، مقدمة طبقات علماء أفريقية لمحققي الكتاب ص ٢٤ - ٣١، هدية العارفين ٢/ ٣٧، الوافي بالوفيات ٢/ ٣٧، بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٧١٥، دائرة المعارف الإسلامية (بالفرنسية ط جديدة) بقلم ش. بالاّ Ch.Pellat.
стр. 1005
٣٥٨ - ابن عرفة (١) (٧١٦ - ٨٠٣ هـ) (١٣١٦ - ١٤٠١ م)
محمد بن محمد بن عرفة بن حماد الورغمي (٢) المولود بمدينة تونس كما قاله تلميذه أبو حامد بن ظهيرة في معجمه ونقله عنه السيوطي في بغية الوعاة، ولم يولد بقبيلة ورغمة كما ظنه بعضهم، الإمام العلامة شيخ الإسلام بالمغرب، كان مقرئا فقيها منطقيا فرضيا نحويا، اشتغل في مبدأ أمره بالقراءات والنحو والأصلين والمنطق وغير ذلك، وأقبل في آخر عهده على التوسع في دراسة الفقه حتى صار فيه اماما مبرزا له فيه أنظار جيدة، نعته المجارى الأندلسي في برنامجه بقوله: الشيخ الفقيه المفتي المحدث الراوية امام أهل زمانه في فتح إقفال المشكلات، وكشف نقاب شبه المعضلات».
أخذ عن والده كما قاله ابن الجزري نقلا عن التحفة لعبد الله بن غالب. وقرأ القرآن على الشيخ الصالح الفقيه محمد بن محمد بن حسن بن سلامة الأنصاري، وعرض عليه الشاطبيتين في القراءات وفي الرسم، والجزولية في النحو، وسمع عليه جملة من الموطأ تفقها. وقرأ عليه كتاب
стр. 1006
التيسير لأبي عمرو الداني، والكافي لابن شريح، ومفردتي يعقوب للداني وابن شريح، ومفردته في الجمع بينهما من تأليفه. وقرأ عليه جملة من التفريع لابن الجلاب، وجملة من كتاب الارشاد لإمام الحرمين وجملة من المعالم الدينية لفخر الدين الرازي، وأجازه جميع ذلك وجميع مروياته.
وأخذ القراءات السبع عن محمد بن سعيد بن برّال الأنصاري.
وعرض عليه الشاطبية، وقرأ عليه التيسير ومفردة يعقوب لابي عمرو الداني، وعقيلة أرباب المقاصد في الرسم للشاطبي، وأجازه جميع ذلك وجميع ما يحمله ويرويه.
وسمع على الشيخ القاضي محمد بن عبد السلام الهوّاري القاءه تفسير القرآن. وقرأ عليه جميع صحيح مسلم الا يسيرا منه سمعه من لفظ قراءة غيره، وسمع عليه بعض صحيح البخاري، وبعض الموطأ، وقرأ جملة من تهذيب المدونة لأبي سعيد البراذعي، وسمع سائره مرارا، وسمع تفريع ابن الجلاب، وابن الحاجب الفرعي وقرأ عليه بعض كتاب الحاصل في أصول الفقه لتاج الدين الأرموي، وكل ذلك قراءة تفقه وبحث ونظر وسمع بقراءة غيره الموطأ، وقرأ عليه بعض كتاب ابن الصلاح في علم الحديث، وسمع سائره، وأجازه جميع ما رواه وحمله.
وسمع صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وبعض رسالة القشيري على المحدث الراوية الرحالة محمد بن جابر الوادي آشي، وأجازه إجازة عامة.
وقرأ جملة من كتاب سيبويه قراءة بحث وتحقيق على الفقيه الكاتب محمد بن عمر بن حباب المعافري، وبمثل ذلك سمع عليه كتاب ابن الحاجب الأصولي، وقرأ عليه كتاب الإرشاد للعميدي ويسمع سائره بقراءة غيره، وقرأ عليه العلم الأول من كتاب كشف الحقائق لأثير الدين الأبهري بمثل القراءة المذكورة، وسمع عليه جملة من كتاب الجمل للخونجي، وأجازه جميع ما رواه.
стр. 1007
ومن أشهر شيوخ ابن عرفة في العلوم العقلية، أي في الحساب والمنطق خاصة، ابن الحباب، وأبو يعقوب بن اندراس، والآبلي، واستشهد بهم في مختصره المنطقي عدة مرات.
وقرأ على الفقيه الحافظ محمد بن سليمان السطي جملة من كتاب تهذيب المدونة قراءة بحث ونظر، وجميع كتاب أبي القاسم الحوفي في الفرائض قراءة بحث وتحقيق لأحكامه الفقهية وتصوير لاعماله الجزئية بأعماله الثلاثة العدد (الحساب)، والكليات، والجبر والمقابلة إلا يسيرا من آخر باب الولاء.
وسمع على الآبلي كتاب ابن الحاجب الأصلي قراءة بحث وتحقيق، وبمثل ذلك سمع عليه جملة من كتاب الارشاد لإمام الحرمين، وبمثل ذلك سمع عليه جمل الخونجي، وبمثل ذلك قرأ عليه الحساب والهندسة. وقرأ كتاب التيسير على أحمد بن عبد الله الأنصاري الرّصافي، وأجازه جميعه بسنده فيه. ومن شيوخه في الفقه محمد بن هارون الكناني، ومن شيوخه بالإجازة المعمر المسند شهاب الدين أحمد بن أبي طالب الحجار ابن الشحنة الصالحي الدمشقي أجازه في رواية صحيح البخاري باسناده فيه.
وكان شيخه الآبلي يثني عليه كثيرا ويقول: أنه لم ير ممن قرأ عليه مثله والشريف التلمساني. تخرج به طائفة كبيرة من علماء تونس، وغالب علماء القرن التاسع من تلامذته، ومن تلامذته ابن قنفذ القسنطيني الذي قال «وله مصنفات ارفعها المختصر الكبير في فروع المذهب قرأت عليه بعضه وأنعم بمناولته وإجازته. وزرته سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدويرة جامع الزيتونة وجدته على حال من اجتهاد في العلم والقيام بالخطبة، ثم لقيته قبل وفاته بسنة وبه ضعف وبعض نسيان وبلغت امامته بجامع الزيتونة في بلده خمسين سنة».
وهو من رؤساء العلوم في القرن الثامن، قال طاش كبري زاده بعد أن ذكر جماعة منهم «ومحمد بن عرفة في فقه المالكية وفي سائر العلوم
стр. 1008
بالمغرب (اشتقاق النعمانية (بيروت) ص ٢٢ معجم المطبوعات ١٤٦٠ - ٦١) وكان عارفا بالطب قرأه علي أحمد الصقلى (فهرست الرصاع، ص ١٦٠) ولحسن سلوكه وورعه وتثبته ومجانبته لهوى النفس كان محل تقدير من تلامذته قال ابن ناجي: «وكان شيخنا الغبريني (أي أبو مهدي عيسى) لا يقدم أحدا لقضاء ولا شهادة إلا بموافقة الشيخ ابن عرفة (تذييل ابن ناجي على معالم الايمان في ترجمة محمد بن أحمد اليزليتني).
وحج سنة ٧٩٢/ ١٣٩٨ فتلقاه العامة وأرباب المناصب بالإكرام التام، واجتمع بسلطان مصر الملك الظاهر فأكرمه وأوصى أمير الركب بخدمته، وتسابق العلماء للأخذ عنه واستجازته منهم الحافظ ابن حجر، واغتبط كل واحد منهما بالآخر، والدماميني، وشمس الدين بن عمار المالكي، وأبو علي ابن أبي كامل العقيقي القبائلي اللخمي الاسكندري المعروف بالسقلوني المالكي (طبقات المفسرين ٢/ ٢٨٢)، ولما زار المدينة المنورة نزل في دار ابن فرحون صاحب «الديباج المذهب»، وأخذ عنه بمكة أبو حامد بن ظهيرة الذي قال عنه في «معجمه» «إمام علامة برع في الأصول والفروع والعربية والمعاني والبيان والفرائض والحساب، وكان رأسا في العبادة والزهد، ملازما للشغل بالعلم، رحل إليه الناس وانتفعوا به، ولم يكن بالعربية من يجري مجراه في التحقيق، ولا من اجتمع له من العلوم ما اجتمع له، وكانت الفتوى تأتيه من مسافة شهر».
لم يتول من المناصب سوى الخطابة والإمامة بجامع الزيتونة، وذلك بداية من سنة ٧٧٢/ ١٣٧٠ وبعد وفاة الشيخ ابراهيم البسيلي سنة ٧٥٦/ ١٣٥٥ تقدم عوضه لإمامة الخمس، وولي خطيبا سنة ٧٧٢.وفي هذا العام تولى الفتيا بجامع الزيتونة وكان المفتي بعد صلاة الجمعة هو الشيخ أحمد بن أحمد الغبريني (وله صاحب عنوان الدراية) إلى أن توفي سنة ٧٧٠/ ١٣٦٨ فوليها عوضه الإمام ابن عرفة. ولما تولى الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة لم يرض به أهل مدينة تونس لأنه ليس ابن بلدتهم فاشترطوا عليه شروطا فقبلها منها ألا يأكل التين لعسر الاتقاء منه فقال: «من فضل الله ما أكلته قط» ومنها
стр. 1009
ألا يمشي على الأرض حافيا فقال «لا اتركها ولا في المسجد» وأول مرة رقي المنبر قال أيها الناس:
يرفع الدهر أناسا ... بعد أن كانوا سفاله
من له في الغيب شيء ... لم يمت حتى يناله
وله نظم وسط.
توفي في الرابع والعشرين من جمادى الأولى وقيل في ٢٧ رجب ٦/ اكتوبر ودفن بالزلاج تحت جبانة أبي الحسن المنتصر على مقربة من مقام أبي الحسن الشاذلي المعروف بالمغارة السفلية.
له مؤلفات كثيرة والغالب على كتبه الاختصار والميل إلى جمع المسائل في اللفظ القليل الموجز، وهي طريقة شاعت قبل عصره ويمثلها خير تمثيل مختصر خليل بن اسحاق المصري في الفقه المالكي، قال تلميذه الرصاع «وألف ﵁ تآليف عجيبة ومصنفات غريبة منها تأليفه الفقهي لم يسبق إليه في تحقيقه وتهذيبه وجمعه ..
وتأليفه المنطقي فيه من القواعد والفوائد ما يعجز عنه كبار الفحول على صغر حجمه وكثرة علمه».
مؤلفاته:
١) تفسير، ختم تفسير الكتاب الكريم عدة ختمات، وكان تلاميذه يدونون ما يلقي عليهم، واشتهر من هؤلاء المدونين ثلاثة، البسيلي، والأبي، والسلاوي، والموجود الآن ما دونه البسيلي والأبيّ، والمخطوط والمخطوطات الموجودة عندنا هي من رواية الأبي، أما رواية البسيلي فمنها مخطوطة مبتورة الأول، في حين تعددت نسخ الأبي مع نقص عدد كبير من السور.
واعتمد في التفسير على ابن عطية والزمخشري إلى جانب
стр. 1010
بقية المفسرين وعلماء اللغة والأصول والمنطق، وهذه النقول لم تطغ عليه، وبدت آراؤه واضحة معبرة عن شخصيته.
٢) تساعيات في الحديث.
٣) عشاريات في الحديث.
٤) شرح مختصر الحوفي في الفرائض ويسمى مختصر الفرائض، والحوفي هو أبو القاسم محمد بن محمد بن خلف الأشبيلي (ت ٥٨٠/ ١١٨٥) وذكر في أوله أنه لما تكرر إقراؤه لكتاب الحوفي، وكان يلقي لطلبته مسائله الجزئية بضوابط كلية، وكثيرا ما التمسوا منه تكريرها اختصره مع زيادة وتنبيهات على مواضع مشكلة وهو في ٥٨ ورقة من القطع المتوسط يوجد بالمكتبة الوطنية (وأصله من المكتبة العبدلية).
٥) المبسوط في الفقه، ٩ أسفار.
٦) المختصر الشامل في التوحيد أوله: الحمد لله المنفرد بصفات التقديس والكمال والعزة والجلال قال في ديباجته «لمّا كان علم الكلام هو الموصل لإدراك حقيقة الإيمان، بواضح الأدلة والبرهان رأيت أن أجمع فيه مختصرا شاملا لأصول طريقتي الأقدمين والمتأخرين، ورتبته على منوال طوالع الأنوار للشيخ القاضي ناصر الدين البيضاوي ﵀ ليكون معينا على فهمه وعلمه، كاشفا عما اختص به وما هو لغيره عن تراجمه بلفظه، وعن مباحثه بلفظ المسائل، وعن ضروري لم يذكر بلفظ التتميم، فرتبته على ثلاثة كتب ومقدمة فيها فصول».
أتمّ تأليفه يوم الجمعة ٢٧ رمضان سنة ٧٨٩/ ١٣٨٧، وهو في ١٩٨ ورقة من القطع المتوسط مخطوط بالمكتبة الوطنية (أصله من المكتبة العبدلية).
٧) مختصر المذهب، جامع لمسائل المذهب، وأقوال أصحابه، وفروع
стр. 1011
مسائله ويذكر في بعض المسائل خمسين قولا منسوبة لقائلها (١) اعتمد فيه بالدرجة الأولى المدونة، وأورد كثيرا من أقوال ابن الحاجب وشارحه شيخه ابن عبد السلام وبقية أقوال أهل المذهب منسوبة لأصحابها، ومشفوعة بمناقشات وتكميلات وتوضيحات، قال ابن عقاب متحدثا عن هذا المختصر «مختصره الفقهي لم يسبق به في تهذيبه وجمعه وأبحاثه الرشيقة، وحدوده الأنيقة» وقال فيه العلامة المرحوم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: «بحث فيه الأنظار المهجورة والأقوال المتروكة منذ القرن السادس، ووضعها بين الأقوال المصطلح بين الفقهاء على الأخذ بها تشهيرا وترجيحا واختيارا على بساط واحد من النقد والتحقيق والمقارنة والاستدلال والكشف عما ارتبطت به تلك الأقوال من اعتبارات باقية وزائلة، وما ارتبط بها اختيارها وتشهيرها من اعتبار لظروف واقعية أو اعمال لأصول نظرية قد يكون وجه ذلك الاختبار قائما ومقبولا وقد يكون زائلا ومحل نظر».
واعتنى ابن عرفة بضبط حدود الحقائق الفقهية في مختصره، شرح هذه الحدود تلميذه الرصاع، ومن المعلوم أن الفقه والنحو وغيرهما يصعب وضع حدود لهما جامعة مانعة، ولذلك تكثر الإيرادات والاعتراضات على حدودها بينما يكفي فيها الرسم المقرب للحقيقة إلى الأذهان، لكن التشبث الحرفي بمنطق أرسطو على ما فيه من خلل دعا الكثيرين إلى التقيد بقواعده، ويظنون أنهم بذلك يسدون خدمة جلّى للعلم، بينما هو في الواقع افساد للعلم وضياع للوقت فيما لا يجدي ولا نفع وراءه، ماذا ينتفع المتتبع الذي يكد ذهنه لمعرفة الحدود، وما عليها من إيراد واعتراض. لا شيء. ولا يكتسب بها معرفة جديدة تنمي عقله، وتقوّم فكره، وقد كنت منذ عهد الطلب أكره هذه المباحث إلاّ ما تدعو إليه الحاجة الملحة، وكان الجو السائد أن الإحاطة بمثل هذا هو من الأشياء اللازمة، سمعت مرة مدرسا يتحدث عن الوقت الذي
стр. 1012
اضاعه لإفهام الطلبة حدا من حدود النحو مفتخرا وكأنه أتى بفتح جديد فقلت له: أضعت وقتك فيما لا ينفع، وطلبتك لا يفهمون مثل هذه المباحث ولا تروق لهم، ولو اقتصرت على تقريب الحقيقة بالأمثلة لكان أجدى لك ولهم.
توجد من مختصر المذهب نسخة في أربعة أجزاء ناقصة ما بين كتاب الزكاة إلى الصداق في المكتبة الوطنية (وأصله من المكتبة العبدلية).
ولعيسى بن علال الكتامي الصمودي الفاسي (ت ٨٢٣/ ١٤٢١) تعليق على هذا المختصر (جذوة الاقتباس ٢٨٢).
٨) المختصر في المنطق، حققه ونشره الاستاذ سعد غراب، المطبعة العصرية، تونس بلا تاريخ، ومعه الجمل للخونجي.
٩) منظومة في قراءة يعقوب.
المصادر والمراجع:
- اتحاف أهل الزمان ١/ ١٨٢، ٧/ ٦١، الأعلام ٧/ ٤٣ - ٤ (ط ٥/)، أنباء الغمر للحافظ ابن حجر ٢/ ١٩٢، البدر الطالع للشوكاني ٢/ ٢٥٥ - ٥٦، برنامج المجاري الأندلسي، تحقيق محمد أبو الأجفان (بيروت ١٩٨٢) ص ١٣٨ - ١٤٨، برنامج المكتبة الصادقية ٣/ ٩٣ - ٤، ٤/ ٣٧٤ - ٤١٨٥ - ١٩ البستان لابن مريم ١٩٠، ٢٠١، بغية الوعاة ١/ ٣٠ - ٢٢٩، تاريخ الدولتين ٥١، ٧٢ - ٣، ٩٣، ١٠٥ - ٦، تاريخ معالم التوحيد ٢٩، الحلل السندسية ١ ق ٢/ ٥٧٧ - ٩٤، درة الحجال ٢/ ٢٨٠ - ٣، الديباج ٤٠ - ٣٣٧، شجرة النور الزكية ٢٢٧، شذرات الذهب ٧/ ٢٨٥، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٢٣٥ - ٧، الضوء اللامع ٩/ ٢٤٠ - ٢، عنوان الأريب ١/ ١٠٥ - ٧، غاية النهاية لابن الجزري ١/ ٢٤٣، كشف الظنون ٤٣٨ - ٩، ١٢٤٦، ١٥٨٢، ١٦٢٦، ١٨٦٧، لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، ص ١٩٣، مسامرات الظريف ١٠٣، أعلام الفكر الإسلامي في المغرب العربي محمد الفاضل بن عاشور (تونس ١٩٦٥) ص ٦٧، معجم المؤلفين ١١/ ٢٨٥، فهرسة الرصاع ٧٦ (وتعليقات محقق الكتاب ص ٧٨ - ٨٣) نزهة الأنظار ١/ ٢٣٧ - ٨، نيل الابتهاج ٢٧٤ - ٩، هدية العارفين ٢/ ١٧٧،
стр. 1013
مقدمة المختصر في المنطق لمحققه الأستاذ سعد غراب ص ٤٣ - ٥٤، ملتقى الإمام ابن عرفة منشورات مجلة الحياة الثقافية (تونس ١٩٧٧)، الوفيات لابن قنفذ ٦٣، تاريخ الطب العربي التونسي ١٣٩ - ٤٠ وانظر طرفا من أخباره في التعريف بابن خلدون ١٤٤، ٢٣٢، دائرة المعارف الإسلامية (بالفرنسية) ط جديدة ٣/ ٧٣٤ بقلم هادي روجي ادريس بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين (بالفرنسية) ٢/ ٢٩٣ - ٤، ٣٧٩ - ٨٠، ٤٠٨.
стр. 1014
٣٥٩ - العروسي (كان حيا ١٣٢٦ هـ) (١٩٠٨ م) .
أبو بكر العروسي التونسي من أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم (جامع الزيتونة) له سياسة الإسلام في الدولة، ط. تونس سنة ١٣٢٦.
المرجع:
- معجم المطبوعات ٢/ ١٢/٢ (استدراك).
стр. 1015
٣٦٠ - ابن عربها (٦٠٠ - ٦٥٩ هـ) (١٢٠٣ - ١٢٦٠ م)
عثمان بن عتيق بن عثمان القيسي المهدوي المعروف بابن عربها (١)، أبو عمرو، المحدث، الأديب الشاعر ولد في المهدية وتوفي بتبرسق وهو قاضيها، ودفن هناك بجبل الرحمة، وكانت وفاته في ٢٨ محرم. رغب في تولي قضاء المهدية فلم يتم له ذلك، وله من قصيدة مدح بها أبا زكرياء الحفصي وعرض له في آخرها الرغبة في تقديمه لقضاء المهدية:
ذكرت جمة والذكرى تهيج أسى ... وأين جمّة مني والمنستير
وما مناي لياليها التي سلفت ... ولا هواي مجانيها المعاطير
لكن بها رحم مجفوة يئست ... من أن تقربني منها المقادير
فإن رأى من أدام الله نعمته ... لعبده خطة فيها فمأجور
وفي هذا الغرض قال أيضا من قصيدة:
فأطلّ وانهض بضبعي وارع لي ... حمدا له علق لديك ثمين
وإلى ذرى المهدية اثن أعنّتي ... فبموطني أنا مغرم مفتون
مؤلفاته:
١) آثار السجابة في أشعار الصحابة.
٢) تخميس الشقراطسية، قال العبدري: «خمسها أيضا الفقيه الأديب الأفضل أبو عمرو عثمان بن عتيق المعروف بابن عربها، وهو من
стр. 1016
المشاهير في أفريقية، وشعره مجموع وقفت عليه بخطه، وأكثره قعقعة ما ترسل بغيث مزنا، وكما قيل: جعجعة ولا أرى طحنا».
وظاهر هذا أن شعره فخم الألفاظ ضعيف المعاني، وهو تحامل من العبدري فقد فضله الأمير أبو زكرياء الأول الحفصي على معاصريه من الشعراء كابن الأبار حيث قال:
الا أن مضمار القريض لممتدّ ... به شعراء السبق أربعة لدّ
فأما المجلّي فهو شاعر جمّة (١) ... أتى أولا والناس كلهم بعد
ونسبه شاعر إلى انتحال أشعار الناس.
يا أهل ترشيش (٢) ... ألا حاكم
يحكم في السارق بالنص
قد جاءكم من جمة شاعر ... وشعره يأتيه من حمص (٣)
والحسد داء يحمل على الكذب والتزيد.
٣) جوامع الكلم النبوية على طريقة شهاب الأخبار للقضاعي.
٤) الروضة الثريا في امتداح الأمير أبي يحيى (زكرياء الحفصي ولي العهد وأمير بجاية ابن الأمير أبي زكرياء الأول).
٥) سنن القوم في آداب الليلة واليوم.
٦) قصائد المدح ومصائد المنح (ديوان شعره).
٧) المائة المنتقاة من المشيخة الثقات خرجها لأمين الدين عبد الرحيم بن أحمد بن طلحة الأنصاري السبتي المعروف بابن علم نزيل تونس، ذكرها الوادي آشي في برنامجه.
٨) المستوفي في رفع أحاديث المستصفي.
стр. 1017
المصادر والمراجع:
- الأدلة البينة النورانية لابن الشماع ٥٣ - ٥٤، الأعلام ٤/ ٢٠٩ - ١٠ (٧/ ٥) الحلل السندسية ١٧ ق ٢/ ٥٠٣ - ٧، رحلة التجاني ٣٧٥ - ٧٩، رحلة العبدري ٥٠، الروض المعطار - ٣ - ١٧٢، شجرة النور الزكية ١٨٩ - ٩٠، عنوان الأريب ١/ ٧٤ - ٦، الفارسية في مبادئ الحفصية ١٢٢، مجمل تاريخ الأدب التونسي ١٩٧ - ٩٩، معجم المؤلفين ٦/ ٢٦٤، بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين ٢/ ٤٠٨.
стр. 1018
٣٦١ - ابن عزم (٨١٦ - ٨٩١ هـ) (١٤١٤ - ١٤٨٦ م)
محمد بن عمر بن أحمد بن عزم (١)، وبه يعرف، التميمي التونسي، نزيل مكة، جمال الدين، شمس الدين، أبو عبد الله، المؤرخ.
ولد بتونس في شوال، ونشأ بها وطلب بها العلم، فحفظ القرآن والرائية الشاطبية في الرسم، والأجرومية وأرجوزة الولدان المعروفة بالقرطبية في الفقه، وقطعة صالحة من رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومعظم الشاطبية في القراءات. وتلا لورش على مقرئ تونس أبي القاسم بن الماجد، وبعضه لنافع عن غيره، وسمع العشر بقراءة أخيه على بعض القراء.
ارتحل إلى المشرق في أوائل رجب سنة ٨٣٧/ ١٤٣٥ فنزل الاسكندرية وحضر مجلس عمر البلقوني وغيره، ثم قدم القاهرة في أثناء السنة فأقام بها إلى أواخر سنة ٨٣٩/ ١٤٣٧، وتوجه إلى مكة عن طريق البحر فوصلها أوائل سنة ٨٤٠/ ١٤٣٨، ولبث مقيما بها إلى أن حج، ثم توجه أوائل سنة ٨٤١/ ١٤٣٩ إلى المدينة المنورة فسمع بها الجمال الكازروني، ثم خرج منها أثناء السنة فوصل القاهرة ثم رجع إلى مكة أثناء سنة ٨٤٢/ ١٤٤٠ ولبث مقيما بها إلى أثناء سنة ٨٤٧/ ١٤٤٥ فسافر إلى القاهرة، وسمع من الحافظ ابن حجر الحديث المسلسل بالأولية، ومجلسا من صحيح مسلم، وكتب عنه مجالس من أماليه، وفي سنة ٨٤٩/ ١٤٤٧ زار بيت المقدس، ثم عاد إلى القاهرة ثم إلى مكة، وأقام بها، وسمع بها على مشايخها والوافدين عليها، وأكثر عن أبي الفتح المراغي، ولازم محي الدين بن عبد القادر المالكي في العربية، وتخرج بالنجم بن فهد في كتابه الطباق، وتتبع شيوخ الرواية،
стр. 1019
وصار له في ذلك نوع من المام مع اعتناء بتقييد الوفيات. ولما كان الحافظ السخاوي بمكة رافقه في سماع أشياء، وسمع منه السخاوي الرسالة القشيرية بقراءته وسمع منه غيرها. وطاف بالقاهرة على الشيوخ. وسمع فيها السخاوي، واستمد منه كثيرا، ووصفه بشيخنا العلامة، حافظ العصر. وكان كثير التردد بين مكة والقاهرة مكتسبا بالتجليد وتجارة الكتب (١).
قال السخاوي في أواخر ترجمته: «ثم أنه خلّط فاشتد حرصه على تحصيل تصانيف ابن عربي والتنويه بها ومصنفها، حتى صار داعية لمقالته، وركن إليه أهل هذا المذهب، فكان يجلب إليهم من تصانيفه ما ينسقه ويحسّنه فيرغبونه في ثمنه، وربما قصد كثيرا من عوام المسلمين في الخفية لقراءتها لتكون متصلة الاسناد - زعم - وعذلته كثيرا عن ذلك فما كف، بل أفاد حقدا ومقاطعة».
وكان بينه وبين الجلال السيوطي صداقة، وينقل عنه السيوطي أحيانا مواليد بعض العلماء أو تاريخ وفياتهم قائلا: أفادني صاحبنا المؤرخ شمس الدين بن عزم (انظر مواضع متفرقة من بغية الوعاة) وله نظم، مات في ليلة الجمعة تاسع ربيع الثاني.
مؤلفاته:
١) دستور الإعلام بمعارف الأعلام. قال الزركلي: «جديد في أسلوبه جمع على صغر حجمه تراجم أشهر الرجال، ولا تتجاوز الترجمة ثلاثة أسطر، وجعله على خمسة أقسام، ورتب كل قسم على الحروف فالقسم الأول فيمن اشتهر باسمه كمالك، والجنيد، والحجاج، والثاني فيمن اشتهر بكنيته كأبي الأسود وأبي داود، وأبي تمام، والثالث فيمن اشتهر
стр. 1020
بنسب أو سبب أو لقب كالجوهري، والحريري، وقطرب وذي الرمة، والرابع فيمن اشتهر بابن كابن عباس، وابن العربي، وابن دريد، والخامس فيمن اشتهر بصاحب كصاحب الكتاب الفلاني أو البلدة الفلانية».
وأكمله إبراهيم بن سليمان الجنيني نزيل دمشق (١) (ت ١١٠٨/ ١٦٩٧)، وزاد فيه أشياء زين الدين بن محمد البصروي الدمشقي (٢) (ت ١١٠٢/ ١٦٩١) والكتاب مخطوط في برلين وغيرها.
٢) المنهل العذب في شرح أسماء الرب.
المصادر والمراجع
الأعلام - ٧/ ٢٠٦ - ٧، تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ٢١٨، الضوء اللامع ٨/ ٢٥٥ - ٥٦، كشف الظنون ٢، ٧٥، معجم المؤلفين ١١/ ٩٠.