Полный текст (357 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وتخرصه حجة على غيره.
وقد أجمع المسلمون على أن الرسول ﷺ هو الحجة.
قال مجاهد ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح.
واختلف العلماء في قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف منهم، والصحيح أنه حجة.
واختلف الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الاحتجاج بقول عمر بن عبد العزيز ﵁، والصحيح أنه ليس بحجة.
وأما من سواه من التابعين ومن بعدهم، فلا خلاف أنه لا حجة في قول أحد منهم.
وإذا كانت أقوال علماء المسلمين بعد الصحابة ليست بحجة، فأقوال فلاسفة الإفرنج وتخرصاتهم أولى وأحرى أن لا تكون حجة، ولاسيما في الأخبار عن الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا طريق الوحي فإن أقوالهم فيها وتخرصاتهم مردودة عليهم بلا توقف.
الوجه السادس: أن يقال من قلب الحقائق وصف هوس "سيمون" وهذيانه بأنه من أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور، وكفى بالرجل جهلا وغباوة أن يرى الهوس والهذيان من أعظم الحقائق.
الوجه السابع: أن يقال أن العقول البشرية أضعف وأعجز من أن تكتشف ما في السماء الدنيا التي بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وهي عن اكتشاف ما هو أبعد من ذلك أضعف وأعجز، فضلا عن اكتشاف البرج
стр. 107
الذي زعمه "سيمون" في هوسه وهذيانه وحدد بعده الشاسع تحديد من ذهب إليه وقاسه أو من كان معه نص عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ يطابق ما قاله.
والتحقيق أن ما قاله "سيمون" هو الجهل والهوس والهذيان الذي يشبه هذيان المجانين، ومع هذا فقد صادف هوسه وهذيانه آذانا مصغية إليه وقلوبا فارغة من العلم النافع بل منكوسة ترى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، ولم يقف أهلها عند هذا الحد بل جعلوا كتاب الله ملعبة لهم يلحدون فيه ويتأولونه على ما يوافق تخرصات المتخرصين وهذيان المبرسمين، عافانا الله وإخواننا المسلمين مما ابتلاهم به.
الوجه الثامن: أن البروج كلها في السماء الدنيا بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾.
قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة: البروج هي الكواكب العظام، وقال البغوي: هي النجوم الكبار مأخوذ من الظهور يقال تبرجت المرأة أي ظهرت. وقال أيضا: وسميت بروجا لظهورها.
وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ففي هذه الآيات كلها النص على أن الكواكب في السماء، وفي الآية من سورة الصافات وما بعدها النص على أنها في السماء الدنيا.
стр. 108
والنسر من جملة الكواكب الثوابت التي قد جعلت زينة للسماء الدنيا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد ﵃، وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم الرفع كنظائره.
وفي الآيات التي ذكرنا مع هذه الأحاديث أبلغ رد على ما هذى به "سيمون" في بعد النسر.
الوجه التاسع: قال بعض السلف أن ارتفاع العرش عن الأرض السابعة خمسون ألف سنة، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄. ولو كان الأمر في بعد النسر على ما زعمه "سيمون" لكان محله فوق العرش وهذا من أبطل الباطل فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله تعالى.
الوجه العاشر: أن الله تعالى قال ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات مستديرة وقرروا أن كل سماء محيطة بالسماء التي تحتها وما حوت، والشمس في السماء بنص القرآن، وسيأتي ما يدل على أنها في السماء الدنيا، وعلى هذا فالسموات الشداد التي ليس لها فروج وليس فيها فطور قد أحاطت بالشمس من كل جانب، فليس لها طريق تنفذ منه وتذهب نحو البرج الذي توهمه "سيمون"
стр. 109
بعقله الفاسد.
الوجه الحادي عشر أن الله تعالى قال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وفي هذه الآيات النص على أن الشمس في السماء.
وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظا من كل شيطان رجيم».
وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال «خلق الله سبع سموات، وخلق فوق السابعة الماء، وجعل فوق الماء العرش، وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم».
وفي الآيات التي ذكرنا مع هذين الحديثين ومع ما تقدم في الوجه الثامن من النصوص على أن الكواكب في السماء الدنيا أبلغ رد على ما هذى به "سيمون" في بعد النسر عن الشمس.
وعلى هذا فنقول على سبيل الفرض والتقدير لو كان النسر ثابتا في موضع من السماء لا يزايله ثم سارت الشمس نحوه لوصلت إليه في يوم واحد أو أقل من ذلك، لأنها تقطع الفلك في يوم وليلة وتقطع من كل موضع منه إلى ما يقابله من الناحية الأخرى في اثنتي عشرة ساعة، والمسافة بين جرمين يضمهما سماء واحد لا تكون أكثر من نصف الفلك والله أعلم.
стр. 110
الوجه الثاني عشر: أن يقال أن القرآن منزه عن تخرصات كوبرنيكس وهوس سيمون وهذيانه، وما زعمه الصواف من كون القرآن الكريم قد قرر ذلك وأنه من معجزات القرآن العلمية فهو كذب على الله وعلى كتابه. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وأين في القرآن أن للأرض محورا وأنها تدور حوله، وأن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض؟
وأين في القرآن أن للكواكب السيارة أقمارا، وأن هناك مجموعة شمسية، وأن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة للناس على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف مليون سنة من وقتنا الحاضر؟
أما يستحي الصواف من إيراد هذا الهذيان الذي يضحك منه الصبيان فضلا عن العقلاء؟
أما يستحي من الجراءة العظيمة على الله وعلى كتابه؟
أما يخاف أن يلحقه الوعيد الشديد الذي توعد الله به المفترين عليه.
الوجه الثالث عشر: أن يقال أن تخرصات كوبرنيكس وهوس سيمون ليست من علوم المسلمين، ومع هذا فقد أدخلها الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وهذا من أكبر الخطأ وأعظم الفرية.
стр. 111
فصل
وقد ساق الصواف في صفحة ٤٤ وما بعدها إلى صفحة ٥٤ كلاما للآلوسي، وقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
وقد أدخل الصواف في صفحة ٥٢ جملة ليست منه ولم ينبه على ذلك، وهذا من عدم الأمانة في النقل، وهذه الجملة هي قوله "بل هناك شموس وأقمار لكل كوكب أرضي أو سماوي".
والجواب أن يقال هذا قول باطل لا مستند له سوى التخرصات والظنون الكاذبة، وقد استوفيت الرد على ما زعمه من تعدد الشموس والأقمار في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك.
وأما قوله لكل كوكب أرضي، فإن كان مراده أن الأرض لها كواكب مثل السماء فهو قول باطل معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل، وإن كان مراده أن الكواكب صنفان بعضها أرضون وبعضها سموات كما قد قاله بعض أتباع الإفرنج من العصريين فهو أيضا من أبطل الباطل؛ لأن الله ﵎ قد جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا ومصابيح تضيء لأهل الأرض؛ ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وجعلها أيضا رجوما للشياطين كما قال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال
стр. 112
تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقال تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وما كان زينة للسماء ورجوما للشياطين فليس بسموات ولا أرضين
فصل
وقال الصواف في صفحة ٥٤ ما نصه:
(وقوف حركة الأرض) يقول الحق ﵎ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الله ﵎ يذكر الناس بهذه الآية من آيات الكون ويخاطبهم وكأنه يقول لهم: اسمعوا وانظروا وتبصروا فلو أن الكرة الأرضية توقفت عن دورانها وتعطلت حركتها وأصبح نصفها المواجه للشمس نهارا دائما لا يبرح فمن يأتيكم بليل تسكنون وتستريحون من عناء النهار غير الله الذي يقلب الليل والنهار؟ ولو كان العكس فوقفت حركة الأرض وكانت الشمس إلى الجهة الأخرى التي تقابلنا وكان علينا الليل سرمدا دائما فمن يأتينا بضياء غير الله ؟
والجواب أن يقال ليس للأرض حركة كما زعمه الصواف تقليدا لفلاسفة الإفرنج ومن يوافقهم ويحذو حذوهم من العصريين، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على سكونها وثباتها، وأجمع المسلمون على ذلك، وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة فليراجع هناك، ففيه رد لما زعمه الصواف من حركة الأرض.
وأما كلامه في معنى الآيتين من سورة القصص فهو من الإلحاد في آيات
стр. 113
الله وتحريف الكلم عن مواضعه.
وقد نص الله ﵎ على جريان الشمس في عدة آيات من القرآن والجريان ضد الثبات والاستقرار، ونص أيضا على أنها تسبح في الفلك، والجريان ضد الثبات والاستقرار، ونص أيضا على أنها تسبح في الفلك، والسبح هو المر السريع نص على ذلك أئمة اللغة، ونص أيضا على أنها هي والقمر بحسبان، ونص أيضا على أنه سخرهما دائبين، والدأب إدامة السير، نص على ذلك غير واحد من أئمة اللغة، وقرر معناه غير واحد من المفسرين، ونص أيضا على أنه يأتي بها من المشرق، ونص أيضا على طلوعها وغروبها ودلوكها أي زوالها، وفي هذه النصوص أوضح دليل على أن الشمس هي التي تجري وتدور على الأرض لقيام معايش العباد ومصالحهم، والنهار هو ضوء الشمس وهو تابع لها يسير بسيرها.
وقد نص رسول الله ﷺ على جريان الشمس وطلوعها وارتفاعها وزوالها ودنوها الغروب وغروبها، وأنها تذهب بعد الغروب حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ثم يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، وأنه يقال لها في آخر الزمان: ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح من مغربها.
ونص أيضا على أنها حبست ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه.
وفي كل ما ذكرنا أوضح دليل على جريان الشمس ودورانها على الأرض، وفيه أيضا أبلغ رد لما زعمه الصواف في معنى الآيتين من سورة القصص.
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة: "ثم تأمل حال الشمس في طلوعها وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل
стр. 114
أمر العالم وكيف كان الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم، وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور.
ثم تأمل الحكمة في غروبها فإنه لولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع فرط الحاجة إلى السبات وجموم الحواس وانبعاث القوى الباطنة وظهور سلطانها في النوم المعين على هضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، ثم لولا الغروب لكانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ونبات، فصارت تطلع وقتا بمنزلة السراج يرفع لأهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤوا، وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تمام مصالح العالم.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عباده عليه بقوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال ابن القيم أيضا: "ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم كيف قدره العزيز العليم سبحانه، فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات؛ لأن ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن الجانب الآخر، وكان يكون الليل دائما سرمدا على من لم تطلع عليهم، والنهار سرمدا على من هي طالعة عليهم، فيفسد هؤلاء وهؤلاء، فاقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أن قدر طلوعها من أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار، فيختلف
стр. 115
عندهم الليل والنهار فتنتظم مصالحهم". انتهى كلامه رحمه الله تعالى وهو معارض لكلام الصواف ومناقض له.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٥٥ ما نصه:
وقد ذكر علماء الجيولوجيا والفلك أن الأرض بعد انفصالها عن الشمس كانت تدور حول نفسها بسرعة أكبر مما هي عليه الآن. إذ كانت تتم دورتها حول نفسها مرة كل أربع ساعات. فالليل والنهار كانا في مجموعهما أربع ساعات فقط. وبتوالي النقص في سرعة دورانها حول نفسها زادت المدة التي تتم فيها دورانها هذا. فزادت مدة الليل والنهار إلى خمس ساعات ثم ست حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة، وهي التي نحن عليها الآن. وقد أظهر بعض العلماء أنه تمكن من احتساب النقص في سرعة دوران الأرض فوجد أن هذا النقص يبلغ حوالي ثانية واحدة كل مائة وعشرين ألف سنة. وعليه فبعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض مقدار ساعة، وعندئذ يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة، وهكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار، وعلى هذا الأساس يقول العلماء أن الأرض لابد أن تقف يوما والله أعلم بذلك اليوم. وعند وقوفها يصبح الوجه المقابل للشمس نهارا دائما والوجه البعيد عنها ليلا دائما، وهذا ما أشار إليه الرب ﵎ في كتابه العزيز، وما ذكر الناس به من تعاقب الليل والنهار، وفضل الله على الناس في هذا التعاقب الذي جعل الله الليل فيه سكنا والنهار معاشا، فله الفضل وله الشكر وله الثناء الحسن والحمد لله رب العالمين.
стр. 116
والجواب أن يقال ما ذكره الصواف ههنا عن أهل الجهالة والضلالة من أهل الجيولوجيا والفلك فكلها تخرصات وظنون كاذبة. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. ولا يعتمد على مثل هذه الأباطيل ويرى أنها حقائق علمية إلا من هو من أجهل خلق الله.
ونسبة هذه الجهالات والضلالات إلى المسلمين فرية عليهم وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
فأما ما زعموه من انفصال الأرض عن الشمس فجوابه من وجوه. أحدها أن يقال أن دعوى انفصال الشيء عن الشيء في الأزمان الماضية لا تثبت إلا بدليل قاطع من كتاب الله تعالى أو مما ثبت عن رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك من أمور الغيب التي لا تعلم إلا من طريق الوحي ولا دليل على ما زعموه من انفصال الأرض عن الشمس البتة. وما ليس عليه دليل فهو من الرجم بالغيب، وما كان كذلك فحقه أن يطرح ولا يعول عليه وقد قال الله تعالى ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
الوجه الثاني: أن يقال لو كان الأمر على ما زعموه من انفصال الأرض عن الشمس لكانت الأرض مثل الشمس في الحرارة والضياء، وكانت تحرق ما يكون على ظهرها ولم يمكن أن يعيش عليها شيء من الحيوانات ولا النباتات. ولما كانت عديمة المماثلة للشمس في الحرارة والضياء دل ذلك على بطلان ما
стр. 117
زعموه من انفصالها عن الشمس.
الوجه الثالث: أن يقال ما زعموه من انفصال الأرض عن الشمس فهو زعم باطل وظن كاذب مردود بما أخبر الله به من تقدم خلق الأرض على خلق السموات وما فيهن. قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال النبي ﷺ «خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ لمن سأله. قال وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم، والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها
стр. 118
في آخر ساعة».
وروى ابن جرير أيضا عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال «إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة».
وروى ابن جرير أيضا من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قال إن الله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول قل لمن يسألك هذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وكان ذلك الدخان من تنفس الماء وحين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال خلق في
стр. 119
كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومالا يعلمه غيره، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويقول ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾.
وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلقت ثار منها دخان فذلك قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فسواهن سبع سموات بعضهن فوق بعض وسبع أرضين بعضهن فوق بعض.
وقال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال قتادة والسدي يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي وذلك يوم الخميس والجمعة. انتهى.
وفي الآيات التي ذكرنا مع حديث ابن عباس ﵄ وما ذكر بعده من الآثار عن الصحابة والتابعين دليل على أن الأرض خلقت قبل السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم. بل في حديث ابن عباس ﵄ النص على أن الشمس والقمر والنجوم خلقت يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها الخليقة، وفي هذا أبلغ رد على ما زعمه طواغيت الافرنج من انفصال الأرض عن الشمس لأن المتقدم في الخلق لا يكون منفصلا عما هو مخلوق بعده، ثم ليس في المعقول الصحيح ما يؤيد ما زعموه من انفصال الأرض عن الشمس فليس لهم على ما زعموه من الانفصال دليل البتة لا من المنقول ولا من المعقول.
стр. 120
وأما ما زعموه من سرعة دوران الأرض حول نفسها في أول الأمر وأن مدة الليل والنهار إذ ذاك كانت أربع ساعات فقط،، وبتوالي النقص في سرعة دورانها حول نفسها زادت مدة الليل والنهار إلى خمس ساعات، ثم إلى ست حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال ما زعموه من دوران الأرض حول نفسها فهو زعم باطل وظن كاذب مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على سكون الأرض وثباتها. وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
الوجه الثاني: أن دعوى قصر مدة الليل والنهار في أول الأمر ثم زيادتها شيئا فشيئا حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة، لا تثبت إلا بدليل قاطع من كتاب الله تعالى أو مما ثبت عن رسول الله ﷺ ، لأن ذلك من أمور الغيب التي لا تعلم إلا من طريق الوحي، ولا دليل على ما زعموه من قصر مدة الليل والنهار في أول الأمر ثم زيادتها شيئا فشيئا البتة، وما ليس عليه دليل فهو من الرجم بالغيب، وتعاطي علم المغيبات حرام شديد التحريم، ومن ادعى علم الغيب فهو من رؤوس الطواغيت، ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت.
الوجه الثالث: أن ما توهموه بعقولهم الفاسدة من قصر مدة الليل والنهار في أول الأمر، ثم زيادتها شيئا فشيئا مردود بقول النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع «ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان من حديث أبي بكرة ﵁.
ورواه ابن جرير والبزار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 121
ورواه ابن جرير أيضا وابن مردويه والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر ﵄. قال الهيثمي ورجال الطبراني ثقات.
قال الجوهري: الزمن والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره. وكذا قال ابن منظور في لسان العرب وصاحب القاموس.
وقال ابن الأثير وابن منظور أيضا الزمان يقع على جميع الدهر وبعضه.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن الزمان في عهد النبي ﷺ كان مثل الزمان يوم خلق الله السموات والأرض، وأن مدة الليل والنهار كانت على هيئتها من أول الدنيا ولم تكن قصيرة في أول الأمر ثم زادت شيئا فشيئا كما زعمه أعداء الله من فلاسفة الإفرنج.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ قال «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة» الحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم بأسانيد صحيحة من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه المنذري والذهبي على ذلك.
وروى الحافظ أبو يعلى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن يوم الجمعة وليلة الجمعة أربع وعشرون ساعة» الحديث.
وروى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود ﵁ قال «إن ربكم تعالى ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه، وأن مقدار يوم من أيامكم عنده ثنتي عشرة ساعة» الحديث.
وهذه الأحاديث مطلقة ليس فيها تقييد بالأزمان المتأخرة دون الأزمان المتقدمة، وهذا يدل على أن مدة الليل والنهار كانت أربعا وعشرين ساعة
стр. 122
من أول الدنيا ولم تكن قصيرة في أول الأمر ثم زادت شيئا فشيئا كما قد زعمه أعداء الله من فلاسفة الإفرنج اعتمادا على ظنونهم الكاذبة وتوهماتهم الخاطئة.
وأما قوله وقد أظهر بعض العلماء أنه تمكن من احتساب النقص في سرعة دوران الأرض، فوجد أن هذا النقص يبلغ حوالي ثانية واحدة لكل مائة وعشرين ألف سنة، وعليه فبعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض بمقدار ساعة وعندئذ يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة وهكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار.
فجوابه من وجوه إحداها أن تسميته للطواغيت المتعاطين لعلم الغيب باسم العلماء خطأ كبير وهو من قلب الحقائق؛ لأن المطابق لحال أعداء الله أن يوصفوا بالجهل والتخرص واتباع الظنون الكاذبة لا بالعلم.
الوجه الثاني: أن يقال كل ما زعموه ههنا من حساب النقص في سرعة دوران الأرض، وما يبلغ النقص في مائة وعشرين ألف سنة، وما يبلغ بعد ٤٣٢ مليون سنة، وما يبلغ مجموع ساعات الليل والنهار حينئذ فكله تخرص ورجم بالغيب، وهو مردود على قائليه وعلى من قبل تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة واعتمد عليها. وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ قال «بعثت والساعة كهاتين» رواه الإمام أحمد والشيخان من حديث سهل بن سعد ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام «بعثت والساعة كهاتين» وفي رواية للبخاري «بعثت أنا والساعة هاتين» ويشير بإصبعيه فيمدها في رواية لأحمد أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الساعة
стр. 123
كهاتين» وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان» ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم» ثم يقول: رسول الله ﷺ «أنا كذلك».
وروى الإمام أحمد أيضا والشيخان وأبو داود الطيالسي والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين»، زاد مسلم قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة، وفي رواية له عن معبد وهو ابن هلال عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين» قال وضم السبابة والوسطى.
وروى البخاري أيضا وابن ماجة واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وجمع بين أصبعيه.
وروى الإمام أحمد ومسلم وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم، ويقول «بعثت أنا والساعة كهاتين»، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى.
وروى الترمذي عن المستور بن شداد الفهري ﵁ عن النبي ﷺ «بعثت أنا في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه» لإصبعيه السبابة والوسطى.
стр. 124
قال الحافظ ابن حجر قوله في نفس بفتح الفاء وهو كناية عن القرب أي بعثت عند نفسها. انتهى.
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني».
وروى الإمام أحمد أيضا بإسناد حسن عن جابر بن سمرة ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بإصبعيه ويقول «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه».
ورواه ابن جرير ولفظه قال كأني أنظر إلى أصبعي رسول الله ﷺ أشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه»، وفي رواية وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى.
وفي هذه الأحاديث على اختلاف ألفاظها إشارة إلى قلة المدة التي بين بعثة النبي ﷺ وبين قيام الساعة.
قال عياض وغيره: والتفاوت إما في المجاورة، وإما في قدر ما بينهما ويعضده - أي القول الأخير - قوله كفضل إحداهما على الأخرى.
وقال: القرطبي في " المفهم " حاصل الحديث تقريب أمر الساعة وسرعة مجيئها.
وقال البيضاوي: معناه أن نسبة تقدم البعثة النبوية على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى، ورجح الطيبي هذا القول، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
وقال الحسن البصري: بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة، ذكره ابن كثير في تفسيره وقال: هو كما قال.
стр. 125
وقال ابن كثير أيضا: بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين وأقام به الحجة على العالمين.
وقال البغوي في تفسيره: وكان النبي ﷺ من أشراط الساعة.
وذكر الحافظ بن حجر في فتح الباري عن الضحاك أنه قال: أول أشراطها بعثة محمد ﷺ .
وإذا علم قرب زمن النبي ﷺ من قيام الساعة، وإنها كادت أن تسبقه علم بطلان ما يهذو به طواغيت الافرنج من أنه بعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض بمقدار ساعة، ويصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة، وأنه هكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار.
ولا يخفى أن قولهم هذا يعارض قول النبي ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وقوله أيضا «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان»، وقوله أيضا «بعثت في نفس الساعة»، وقول أيضا «بعثت أنا والساعة جميعا أن كادت لتسبقني».
وإذا تعارض قول النبي ﷺ وقول غيره من الناس فقول الغير مطرح مردود على قائله كائنا من كان.
ولو كان الأمر على ما زعمه أعداء الله من طول مدة الليل والنهار بعد ٤٣٢ مليون سنة لما كانت بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة. وفي الأحاديث التي ذكرنا أبلغ رد على هذا التخرص والظن الكاذب.
الوجه الرابع: أن ما زعمه أعداء الله تعالى من زيادة الليل والنهار مقدار ساعة في كل ٤٣٢ مليون سنة بناء على ما توهموه بعقولهم الفاسدة من نقصان
стр. 126
دوران الأرض، يقتضي أن يكون قد مضى على الأرض ثمانية آلاف وستمائة وأربعون مليون سنة منذ خلقت، أو منذ انفصالها عن الشمس على حد تعبيرهم الخاطئ وظنهم الكاذب، وهذا من الرجم بالغيب.
وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾.
وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن آدم ﵇ عاش ألف سنة، وكان بينه وبين الطوفان ألفان ومائتان واثنتان وأربعون سنة، وبين الطوفان وبين موت نوح ﵇ ثلاثمائة وخمسون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى تسعمائة سنة، وبين موسى وداود خمسمائة سنة، وبين داود وعيسى ألف سنة، وبين عيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين ستمائة وعشرون سنة، فكان من عهد آدم إلى محمد سبعة آلاف وثمانمائة واثنتان وخمسون سنة على ما ذكره ابن قتيبة. وقد مضى منذ ولد ﷺ إلى سنتنا هذه وهي سنة ١٣٨٨ هـ ألف سنة وأربعمائة وإحدى وأربعون سنة، فيكون منذ خلق آدم إلى هذه السنة تسعة آلاف ومائتان وثلاث وتسعون سنة، وهذا يعارض ما تخرص به الفلكيون من طول المدة التي مضت على الأرض منذ خلقت إلى الآن.
وما ذكره ابن قتيبة في تحديد المدة التي كانت منذ خلق آدم إلى أن ولد النبي ﷺ فهو مما لا ينبغي الجزم به؛ لأن ذلك لم يثبت عن
стр. 127
المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. ومع هذا فهو أقرب إلى الصواب مما تخرصه أعداء الله وتوهموه بعقولهم الفاسدة.
وإذا علم هذا فالواجب على المسلمين الإعراض عن أعداء الله تعالى وعن تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة؛ لأن الله تعالى قد حذر منهم وأمر بالإعراض عنهم فقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.
الوجه الخامس: أن ما قرره في هذا الموضع يقتضي أن الدنيا لا تزال باقية على الأبد، وأنه ليس هناك قيامة ولا بعث ولا آخرة، وقد قرر هذا المعنى في صفحة ١١٧ حيث قال عن القرآن أنه كتاب أبدي سرمدي أنزل للخلود والبقاء وليكون دينا أبديا للإنسانية جمعاء. انتهى.
والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في إثبات القيامة والمعاد أكثر من أن تحصر.
وقد قال الله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وقال تعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ وفي هذه الآيات أبلغ رد على ما ذكرنا من تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة.
الوجه السادس: أن الصواف قد نقض ما قرره في هذا الموضع بما قرره في
стр. 128
صفحة ١٠٤ من أن حركة الأرض حول محورها يبلغ من الانتظام والدقة بحيث لا يلحقه خلل ولا تقديم أو تأخير ثانية واحدة في موعدها ولو بعد قرون، وهكذا الباطل لا تجده إلا مختلفا ينقض بعضه بعضا.
وأما قوله وعلى هذا الأساس يقول العلماء أن الأرض لابد أن تقف يوما والله أعلم بذلك اليوم، وعند وقوفها يصبح الوجه المقابل للشمس نهارا دائما والوجه البعيد عنها ليلا دائما، وهذا ما أشار إليه الرب ﵎ في كتابه العزيز، وما ذكر الناس به من تعاقب الليل والنهار.
فجوابه من وجوه:
أحدها: أنه لا ينبغي تسمية أعداء الله باسم العلماء لأن هذه التسمية لا تليق بهم ولا تطابق حالهم، وقد تقدم التنبيه على ذلك قريبا.
وقد روى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز لذلك العرش».
ومن المعلوم أن اسم العالم والعلماء من أعلى صفات المدح والتعظيم، وعلى هذا فلا ينبغي مدح أعداء الله ولا تسميتهم بأسماء المدح والتعظيم؛ لأن ذلك مما يغضب الرب ﵎ ويهتز له العرش.
الوجه الثاني: أن يقال إن الأرض لا تزال واقفة ساكنة منذ أرساها الله بالجبال إلى أن تقوم الساعة فترج رجا كما أخبر الله بذلك في قوله ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وقال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً *
стр. 129
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ وقال تعالى ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ الآيات.
فأما قبل يوم القيامة فهي كما قلنا لا تزال واقفة ثابتة، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وقوفها وثباتها وأجمع المسلمون على ذلك، وأجمع على ذلك أهل الكتاب أيضا، وقامت على ذلك الأدلة العقلية الصحيحة، وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة فليراجع هناك، وما زعمه الخراصون من أن الأرض لابد أن تقف يوما فهو مردود بما ذكرنا من الأدلة على وقوفها منذ أرسيت بالجبال إلى أن تقوم الساعة.
الوجه الثالث: قولهم أنه عند وقوفها يصبح الوجه المقابل للشمس نهارا دائما والوجه البعيد عنها ليلا دائما.
جوابه أن يقال إنما يكون هذا لو وقفت الشمس عن حركتها وجريانها في الفلك، وهي لا تقف إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره أي إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا.
وقال: ابن كثير في قوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ قال: القرطبي المعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران، وقال: ابن كثير أي لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة انتهى.
وإذا علم هذا فما تخرصه أعداء الله من وقوف الأرض ودوام النهار
стр. 130
على الوجه البعيد عنها مردود عليهم لأنه من الرجم بالغيب، والأرض لم تزل واقفة ساكنة منذ أرساها الله بالجبال، ولا تزال كذلك إلى يوم القيامة كما تقدم تقريره في الوجه الثاني.
الوجه الرابع: أن الله ﵎ لم يشر قط إلى حركة الأرض ودورانها حول نفسها وعلى الشمس، فضلا عن الإشارة إلى وقوف حركتها في المستقبل ودوام النهار على الوجه المقابل للشمس ودوام الليل على الوجه البعيد عنها.
وما زعمه الصواف ههنا فهو كذب على الله وعلى كتابه، وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.
وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال «من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي، وقال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وما ذكر في هذا الحديث والآيات قبله من الوعيد الشديد يمنع من له أدنى مسكه من عقل من الجراءة على القرآن والقول فيه بغير علم، ومن اجترأ على القول في القرآن بغير علم ولم يبال بهذا الوعيد الشديد فذلك لا عقل له، وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
стр. 131
فصل
قال: الصواف في صفحة ٥٧ ما نصه
(الشمس) تنتقل الآن إلى الآية الكبرى من آيات عظمة الله وقدرته وجلاله وهي الشمس التي جعلها الله آية النهار كما جعل القمر آية الليل وقدره منازل لنعلم عدد السنين والحساب. قال: الله ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. هذه الشمس التي ما زالت أسرارها في الخفاء والتي ما زالت موضع حدس وتخمين، هذا الشمس التي ليست مصدر نورنا ونارنا فقط؛ بل هي محور نظامنا السياري ومصدر حياتنا أيضا.
هذه الشمس التي كانت ما يكتشف عنها يزيدها غموضا ولم تزح يد العلم بعد النقاب عن كل ما يجب أن نعلمه عن الواحدة من احتراقها، ولم تزل تجدد وزنها وحجمها، هذه الشمس هي آية من آيات الخالق وإن هي إلا آية صغيرة تزخر السماء بملايين من النجوم أضخم منها حجما وأكبر سرعة وأكثر تألقا، وقد قال علماء الفلك إنما هي كرة هائلة من الغازات الملتهبة، قطرها يزيد عن مليون وثلث مليون كيلوا متر، ومحيطها مثل محيط الأرض ٣٢٥ مرة، ويبلغ ثقلها ٣٣٢ ألف ضعف ثقل الأرض، وحرارة سطحها نحو ٦٠٠٠ درجة سنتجراد، وهذا السطح تندلع منه ألسنة اللهب إلى ارتفاع نصف مليون كيلوا متر، وهي تنثر في الفضاء باستمرار طاقة قدرها ١٦٧٤٠٠ حصان من كل متر مربع، ولا يحصل للأرض منها إلا جزء من مليوني جزء، وهي لا تعتبر إلا نجمة، ولكنها ليست في عداد النجوم
стр. 132
الكبرى، وسطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة، والمشكلة التي حيرت العلماء هي أن الشمس كما يؤخذ من علم طبقات الأرض لم تزل تشع نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين، فإن كانت الحرارة الناتجة عنها نتيجة احتراقها فكيف لم تفن مادتها على توالي العصور، فلا شك أن طريقة الاحتراق الجارية فيها غير ما نعهد ونألف، وإلا لكفاها ستة آلاف سنة لتحترق وتنفد حرارتها، وقد زعم البعض أن النيازك والشهب التي تسقط على سطحها تعوض الحرارة التي تفقدها بطريق الإشعاع.
والجواب أن يقال هذا الكلام يدور على التناقض واتباع الظنون الكاذبة، ومع ذلك فقد أدخله الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وذلك من أكبر الخطأ وأعظم الفرية على المسلمين.
فأما التناقض فالأول منه أنه قرر في أول كلامه أن الشمس هي الآية الكبرى من آيات عظمة الله وقدرته، ثم نقض ذلك بقوله وإن هي إلا آية صغيرة تزخر السماء بملايين من النجوم أضخم منها حجما وأكبر سرعة وأكثر تألقا - أي إضاءة - وبقوله وهي لا تعتبر إلا نجمة ولكنها ليست في عداد النجوم الكبرى، وبما ذكره في صفحة ٩٨ - ٩٩ عن الفلكيين أن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة، وأن نورها خمسون ضعف نور الشمس، وأن ثلاثا من بنات نعش يفقن الشمس نورا واحدة منهن أربعمائة ضعف، والثانية أربعمائة وثمانين والثالثة ألف ضعف، وأن سهيلا أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة، وأن السماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس.
والصواب أن الشمس أكبر من سائر النجوم حجما وأشد إضاءة وإنها
стр. 133
من أعظم الآيات السماوية، وليس شيء من النجوم يقاربها في كبر الحجم وشدة الإضاءة. والدليل على ذلك قول الله تعالى مخبرا عن مناظرة إبراهيم ﵊ لقومه ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، وفي هذه الآيات دليل على أن الشمس أكبر من الكواكب.
وأيضا فقد قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ والبروج هي الكواكب العظام قاله مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة وغيرهم، وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾، وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾.
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح وجعلها رجوما للشياطين وحفظا من كل شيطان رجيم».
وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال (خلق الله سبع سموات، وخلق فوق السابعة الماء وجعل فوق الماء العرش، وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم).
وإذا علم ما في الآية الأولى من النص على أن الشمس والبروج في السماء وما في الآيات بعدها من النص على أن الكواكب في السماء الدنيا، وما في حديثي
стр. 134
ابن مسعود وعبد الله بن عمرو ﵃ من النص على أن الشمس والنجوم كلها في السماء الدنيا، فلا ريب أنه ليس شيء من الكواكب يقارب عشر عشر الشمس في كبر الحجم وشدة الضياء، فضلا عن أن تكون الملايين منها أضخم من الشمس حجما وأكثر تألقا - أي أشد إضاءة - ولو كان الأمر على ما يزعمه الصواف وأشباهه من أتباع أهل الهيئة الجديدة لكانت السماء الدنيا مملوءة من الشموس العظام ولكان ضوؤها يطمس ضوء الشمس ونور القمر؛ بل لو كان الأمر على ما زعموه لاحترق ما بين الخافقين ولم يمكن أن يعيش على الأرض شيء من شدة حرارة الشموس المزعومة. ولم يكن عند أهل الأرض ليل أبدا؛ بل يكون النهار دائما سرمدا من كثرة الشموس التي تعد عندهم بالملايين.
وفساد قول أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في تعدد الشموس لا يخفى إلا على من ختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك.
وأيضا فقد قال الله تعالى ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال: البغوي في تفسيره ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾ يعني الشمس ﴿وَهَّاجًا﴾ مضيئا منيرا. قال: الزجاج الوهاج الوقاد، وقال: مقاتل جعل فيه نورا وحرارة والوهج يجمع النور والحرارة.
وقال: ابن كثير على قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. انتهى.
وقال: الراغب الأصفهاني الوهج حصول الضوء والحر من النار، والوهجان كذلك ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ وتوهج الجوهر تلألأ.
стр. 135
وقال: ابن منظور في لسان العرب والوهج والوهج والوهجان والتوهج حرارة الشمس والنار من بعيد، والوهج بالتسكين مصدر وهجت النار تهج وهجا ووهجانا إذا اتقدت. انتهى.
وقال الله تعالى مخبرا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾.
قال: البغوي في قوله ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، قال: الحسن يعني في السماء الدنيا ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ مصباحا مضيئا.
وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، قال: أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره المراد بالسراج الشمس. قال وقال: الماوردي لما اقترن بضوء الشمس وهج حرها جعلها لأجل الحرارة سراجا ولما عدم ذلك في القمر جعله نورا.
وقال: ابن كثير على قوله ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. انتهى.
وفي التفسير المروي عن ابن عباس ﵄ قوله ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ في السماء ﴿سِرَاجًا﴾ شمسا مضيئة لبني آدم بالنهار ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئا لبني آدم بالليل. انتهى وفي هذه الآية والآيتين قبلها أوضح دليل على أنه ليس في الوجود سوى شمس واحدة جعلها الله سراجا للعالم.
وفي هذه الآيات أبلغ رد على ما يهذو به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من وجود الملايين من النجوم التي يزعمون أنها أكبر من الشمس حجما وأشد إضاءة.
وقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال «لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سوراه لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم».
стр. 136
وهذا الحديث يدل على أن ضوء الكواكب كلها لا يقاوم ضوء الشمس فضلا عن أن يكون فيها ما هو أكبر من الشمس وأعظم منها ضوأ بكثير.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وروى الدارمي في سننه ولفظه «وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»
ورواه أبو نعيم في الحلية عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وفي هذين الحديثين النص على تفضيل القمر على سائر الكواكب، وفي هذا النص أبلغ رد على ما يهذو به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من وجود الملايين من النجوم التي يزعمون أنها أكبر من الشمس حجما وأشد إضاءة.
وأما الأدلة على أن الشمس من أعظم الآيات السماوية لا من أصغرها ففي عدة آيات من القرآن منها قول الله تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقوله تعالى ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الآية. قال: مجاهد الشمس آية النهار والقمر آية الليل، وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا
стр. 137
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقد جاء عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة أنه قال «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته».
وفي الآيات التي ذكرنا مع هذه الأحاديث دليل على أن الشمس والقمر من أعظم الآيات السماوية، ولهذا نص الله عليهما دون سائر الأجرام السماوية، وفيها أيضا الرد على من زعم خلاف ذلك.
الثاني من تناقض الصواف أنه ذكر الآية من سورة الرعد وفيها النص على جريان الشمس، ثم عارض الآية بقوله في الشمس؛ بل هي محور نظامنا السياري: يعني أنها المركز الثابت الذي تدور عليه الأفلاك والكواكب ومنها الأرض بزعمه وزعم أسلافه أهل الهيئة الجديدة.
ونحو هذا ما ذكره في آخر كلامه عن البعض أن النيازك والشهب التي تسقط على سطح تعوض الحرارة التي تفتقدها بطريق الإشعاع، يعني أن الشمس هي المركز والمستقر الذي يقع عليه ما يسقط من الأجرام العلوية.
والحق ما أخبر الله به في كتابه من جريان الشمس وسحبها في الفلك ودؤبها في السير.
وقد نص النبي ﷺ أيضا على جريان الشمس واستمرارها في ذلك وقد ذكرت الأحاديث بذلك في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
وما كان جاريا وسابحا في الفلك على الدوام فإنه لا يكون محورا ثابتا تدور عليه الأفلاك والكواكب.
وكل قول خالف كتاب الله تعالى أو ما صح عن النبي ﷺ فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله.
стр. 138
وأما زعمهم أن النيازك والشهب تسقط على ظهر الشمس، فهو مردود بقول الله تعالى ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
والشمس في السماء بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾، وما كان في السماء فهو مما أمسكه الله تعالى مع السماء عن الوقوع على الأرض، وهذا يدل على أن الأرض هي المركز للأثقال والمستقر لما ينزل من السماء، ويدل على ذلك أيضا آيات وأحاديث ذكرتها في الصواعق الشديدة في آخر الأدلة من القرآن على ثبات الأرض واستقرارها فلتراجع هناك.
وإذا كانت الأرض مركزا للأثقال ومستقرا لما ينزل من السماء، فالنيازك والشهب التي تسقط من السماء إنما تسقط على الأرض لا على الشمس.
وقد ذكر فريد وجدي في دائرة المعارف عدة نيازك سقطت على الأرض وصار لها آثار باقية، وذكر الصواف ثلاثة منها في صفحة ٨٢ من رسالته.
الثالث: من تناقض الصواف زعمه أن الشمس تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية الواحدة، ثم نقض ذلك بقوله ولم تزل تجدد وزنها وحجمها.
وهذا كله تخرص لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾، وقال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
الرابع: من تناقض الصواف أنه ذكر في صفحة ٤١ أنه بتقدم العلم أمكن
стр. 139
إلى حد ما معرفة عناصر الشمس، فوجد أنها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض، ثم نقض ذلك بما ذكره في هذا الموضع عن الفلكيين أن الشمس إنما هي كرة هائلة من الغازات الملتهبة.
وكل من هذين القولين باطل وضلال، ويلزم على القول الأول أن تكون الشمس ترابا وأحجارا وماء مثل الأرض، ولو كانت كذلك لما كانت سراجا وهاجا كما وصفها الله بذلك وإنما تكون باردة مضيئة، وهذا معلوم البطلان بالضرورة، ويلزم على القول الثاني أن تكون الأرض كرة من الغازات الملتهبة، وهذا أيضا معلوم البطلان بالضرورة.
وأما ما في كلامه من التخرص واتباع الظن الكاذب فكثير، ومنه قوله في الشمس أنها مصدر نارنا.
وهذا خطأ مردود بقوله تعالى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، وقوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾.
وكما تكون النار من الشجر فكذلك تكون من الشمس بواسطة بعض الزجاج، وتكون أيضا من الكهرباء، ومن الكبريت، ومن الأحجار الصلبة، وغير ذلك مما تتولد منه النار بواسطة الاحتكاك.
ومن قال: أن النار مصدرها الشمس وحدها فهو من أجهل الناس.
ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا قوله في الشمس؛ بل هي محور نظامنا السياري ومصدر حياتنا، وقد تقدم التنبيه على قوله؛ بل هي محور نظامنا السياري قريبا.
وأما قوله ومصدر حياتنا.
стр. 140
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال أن الحياة مصدرها من الله وحده لا شريك له في ذلك، فهو الذي أوجد الخلق من العدم وهيأ الأسباب لحياتهم في دار الدنيا وفي الدار الآخرة.
ومن قال: أن الشمس هي مصدر الحياة فقد جعلها ندا لله تعالى.
والقرآن مملوء من تقرير التوحيد والرد على من جعل لله ندا من خلقه. قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾، وقال تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾، وقال تعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، وقال تعالى ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وقال تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
والآيات الدالة على تفرد الرب ﵎ بالخلق والإيجاد كثيرة جدا وفيما ذكرته ههنا كفاية.
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 141
عن النبي ﷺ قال «احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه» الحديث.
وروى الإمام أحمد أيضا والشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال «فيقول الناس بعضهم لبعض عليكم بآدم، فيأتون آدم، فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» الحديث.
وروى الإمام أحمد والشيخان أيضا وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقه مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» الحديث.
فقد دلت النصوص من القرآن والأحاديث الصحيحة على أن الله تعالى نفخ في آدم من روحه، ودل حديث ابن مسعود ﵁ على أن الله تعالى يرسل إلى بني آدم ملكا ينفخ فيهم الروح وهم في بطون أمهاتهم، وفي هذا أبلغ رد على من قال أن الشمس هي مصدر حياتنا.
وقد جعل الله ﵎ لقيام المعايش في الدنيا أسبابا كثيرة، ومن أعظمها الماء والليل والنهار والشمس والقمر قال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال: البغوي أي أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان، ويدخل فيه النبات والشجر، يعني أنه سبب لحياة كل شيء. انتهى.
стр. 142
وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على من زعم أن الشمس هي مصدر الحياة.
الوجه الثاني: أن تعظيم الشمس بغير ما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ شعبة من المجوسية لأن المجوس كانوا يعظمون النار والنور والشمس والقمر، وقد قال عبيد الله بن الحسين القيرواني جد العبيديين في رسالته إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي القرمطي (ومن وجدت مجوسيا اتفقت معه في الأصل في الدرجة الرابعة من تعظيم النار والنور والشمس والقمر) ذكر ذلك عنهم القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، ونقله عنه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي.
ورسالة عبيد الله إلى القرمطي هي التي تسمي عندهم بالبلاغ الأكبر والناموس الأعظم، أوصاه فيها بدعاء جميع الطوائف إلى مذهبهم الخبيث
стр. 143
وأمره أن يتقرب إلى كل قوم بما هو معظم عندهم، وما تميل أنفسهم إليه من العقائد وغيرها.
وإذا أضيف إلى تعظيم الشمس ما زعموه من كونها مصدر الحياة فذلك زيادة شر إلى شر وضم مجوسية إلى مجوسية أخرى، وكما أن تعظيم الشمس من شعب المجوسية فهو أيضا من دين اليونان المتقدمين وغيرهم من الصائبين الذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، ويزعمون أنها تدبر أمر العالم.
فينبغي للمسلم أن يبعد غاية البعد عن عقائد المشركين، ولا يتعلق بشيء منها فيكون منهم وهو لا يشعر، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وصححه ابن حبان، وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى إسناده جيد، وقال الحافظ العراقي إسناده صحيح، وقال ابن حجر العسقلاني إسناده حسن، وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث وذلك يقتضي صحته عنده.
ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا زعمه أن الشمس تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية الواحدة من احتراقها:
والجواب أن يقال لو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكانت الشمس قد ذهبت منذ دهر طويل وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾.
ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا قوله في الشمس ولم تزل تجدد وزنها وحجمها.
والجواب أن يقال أن الشمس مخلوقة مسخرة بأمر الله تعالى، وليس لها تصرف في نفسها بزيادة ولا نقص، وكذلك ليس لها تصرف في غيرها من
стр. 144
المخلوقات، ومن زعم أنها تجدد وزنها وحجمها فقد جعل لها تصرفا في نفسها وذلك من الشرك في الربوبية.
ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا قولهم أن الشمس كرة من الغازات الملتهبة، وما زعموه من تحديد قطرها، وتحديد محيطها وثقلها وحرارة سطحها، وما زعموه من نثرها للطاقات الكثيرة في الفضاء، وأن سطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة، وأنها لم تزل تشع في نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين، وأن النيازك والشهب التي تسقط على سطحها تعوض الحرارة التي تفقدها بطريق الإشعاع.
فكل هذه تخرصات وظنون كاذبة، وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
فصل
وقد ذكر الصواف في صفحة ٥٨ - ٥٩ - ٦٠ إعلانات لبعض الإفرنج المعاصرين عن انفجارات حدثت في الشمس في سنة ١٩٥٦ - ١٩٥٧ ميلادية، منها ما يعادل القوة الناجمة عن تفجير مليون قنبلة هيدروجينية، وأنه حدث في منطقة أكبر بكثير من مساحة الكرة الأرضية، ومنها ما يعادل انفجار مائة مليون قنبلة هيدروجينية دفعة واحدة.
стр. 145
وهذه كلها تخرصات وهذيانات لا تروج إلى على من لا عقل له، وقد أدخلها الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وذلك من أكبر الخطأ وأعظم الفرية على المسلمين، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
ومن هذا القبيل ما نشر في جريدة الرياض في عدد١٠٠٩ في يوم الخميس خامس جمادى الثانية سنة ١٣٨٨ هجرية تحت هذا العنوان:
(انفجار في الشمس يهدد الأرض)
وهذا نص المنشور: -
داندي - اسكتلندة - ٢٨ أغسطس - ١ ب: سيأتي ذلك اليوم المشرق الذي ستنفجر فيه الشمس، وعندما يقرب ذلك اليوم فإن الطريق الوحيدة لإنقاذ الأرض هي إبعادها بعيدا عن الشمس، هذا هو رأي الفلكي أيان روكسبرغ الذي تكهن بهذا الانفجار أمام المؤسسة البريطانية للتقدم العلمي أمس، ويقول أنه عندما يقترب موعد الانفجار فإنه سيكون يوما عظيما للذين يعشقون أن تلفح الشمس جلودهم بالسمرة، وقبيل الانفجار النائي ستحترق الشمس بسطوع أكثر بعشرة آلاف مرة مما تبدو عليه الآن، وستمدد أربعمائة مرة أكثر من حجمها الحالي، وبعدها ستنفجر ويندفع ثلثها إلى الفضاء وستكون سرعة الاندفاع عشرين ميلا في الثانية أي (٧٢) ألف ميل في الساعة، وسيخر كل شيء في طريقه بما في ذلك هذا الكوكب الذي نحن فيه، ولكن متى ينتظر أن يأتي ذلك اليوم الرهيب، يقول روكسبرغ أنه بعد خمسة ملايين عام.
следующие страницы →