← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17027

ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (357 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عن النبي ﷺ قال «احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه» الحديث. وروى الإمام أحمد أيضا والشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال «فيقول الناس بعضهم لبعض عليكم بآدم، فيأتون آدم، فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» الحديث. وروى الإمام أحمد والشيخان أيضا وأبو داود الطيالسي وأهل السنن إلا النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقه مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» الحديث. فقد دلت النصوص من القرآن والأحاديث الصحيحة على أن الله تعالى نفخ في آدم من روحه، ودل حديث ابن مسعود ﵁ على أن الله تعالى يرسل إلى بني آدم ملكا ينفخ فيهم الروح وهم في بطون أمهاتهم، وفي هذا أبلغ رد على من قال أن الشمس هي مصدر حياتنا. وقد جعل الله ﵎ لقيام المعايش في الدنيا أسبابا كثيرة، ومن أعظمها الماء والليل والنهار والشمس والقمر قال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال: البغوي أي أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان، ويدخل فيه النبات والشجر، يعني أنه سبب لحياة كل شيء. انتهى.

стр. 142

وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على من زعم أن الشمس هي مصدر الحياة. الوجه الثاني: أن تعظيم الشمس بغير ما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ شعبة من المجوسية لأن المجوس كانوا يعظمون النار والنور والشمس والقمر، وقد قال عبيد الله بن الحسين القيرواني جد العبيديين في رسالته إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي القرمطي (ومن وجدت مجوسيا اتفقت معه في الأصل في الدرجة الرابعة من تعظيم النار والنور والشمس والقمر) ذكر ذلك عنهم القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، ونقله عنه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي. ورسالة عبيد الله إلى القرمطي هي التي تسمي عندهم بالبلاغ الأكبر والناموس الأعظم، أوصاه فيها بدعاء جميع الطوائف إلى مذهبهم الخبيث

стр. 143

وأمره أن يتقرب إلى كل قوم بما هو معظم عندهم، وما تميل أنفسهم إليه من العقائد وغيرها. وإذا أضيف إلى تعظيم الشمس ما زعموه من كونها مصدر الحياة فذلك زيادة شر إلى شر وضم مجوسية إلى مجوسية أخرى، وكما أن تعظيم الشمس من شعب المجوسية فهو أيضا من دين اليونان المتقدمين وغيرهم من الصائبين الذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، ويزعمون أنها تدبر أمر العالم. فينبغي للمسلم أن يبعد غاية البعد عن عقائد المشركين، ولا يتعلق بشيء منها فيكون منهم وهو لا يشعر، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وصححه ابن حبان، وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى إسناده جيد، وقال الحافظ العراقي إسناده صحيح، وقال ابن حجر العسقلاني إسناده حسن، وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث وذلك يقتضي صحته عنده. ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا زعمه أن الشمس تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية الواحدة من احتراقها: والجواب أن يقال لو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكانت الشمس قد ذهبت منذ دهر طويل وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا قوله في الشمس ولم تزل تجدد وزنها وحجمها. والجواب أن يقال أن الشمس مخلوقة مسخرة بأمر الله تعالى، وليس لها تصرف في نفسها بزيادة ولا نقص، وكذلك ليس لها تصرف في غيرها من

стр. 144

المخلوقات، ومن زعم أنها تجدد وزنها وحجمها فقد جعل لها تصرفا في نفسها وذلك من الشرك في الربوبية. ومن التخرص واتباع الظن الكاذب أيضا قولهم أن الشمس كرة من الغازات الملتهبة، وما زعموه من تحديد قطرها، وتحديد محيطها وثقلها وحرارة سطحها، وما زعموه من نثرها للطاقات الكثيرة في الفضاء، وأن سطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة، وأنها لم تزل تشع في نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين، وأن النيازك والشهب التي تسقط على سطحها تعوض الحرارة التي تفقدها بطريق الإشعاع. فكل هذه تخرصات وظنون كاذبة، وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. فصل وقد ذكر الصواف في صفحة ٥٨ - ٥٩ - ٦٠ إعلانات لبعض الإفرنج المعاصرين عن انفجارات حدثت في الشمس في سنة ١٩٥٦ - ١٩٥٧ ميلادية، منها ما يعادل القوة الناجمة عن تفجير مليون قنبلة هيدروجينية، وأنه حدث في منطقة أكبر بكثير من مساحة الكرة الأرضية، ومنها ما يعادل انفجار مائة مليون قنبلة هيدروجينية دفعة واحدة.

стр. 145

وهذه كلها تخرصات وهذيانات لا تروج إلى على من لا عقل له، وقد أدخلها الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وذلك من أكبر الخطأ وأعظم الفرية على المسلمين، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. ومن هذا القبيل ما نشر في جريدة الرياض في عدد١٠٠٩ في يوم الخميس خامس جمادى الثانية سنة ١٣٨٨ هجرية تحت هذا العنوان: (انفجار في الشمس يهدد الأرض) وهذا نص المنشور: - داندي - اسكتلندة - ٢٨ أغسطس - ١ ب: سيأتي ذلك اليوم المشرق الذي ستنفجر فيه الشمس، وعندما يقرب ذلك اليوم فإن الطريق الوحيدة لإنقاذ الأرض هي إبعادها بعيدا عن الشمس، هذا هو رأي الفلكي أيان روكسبرغ الذي تكهن بهذا الانفجار أمام المؤسسة البريطانية للتقدم العلمي أمس، ويقول أنه عندما يقترب موعد الانفجار فإنه سيكون يوما عظيما للذين يعشقون أن تلفح الشمس جلودهم بالسمرة، وقبيل الانفجار النائي ستحترق الشمس بسطوع أكثر بعشرة آلاف مرة مما تبدو عليه الآن، وستمدد أربعمائة مرة أكثر من حجمها الحالي، وبعدها ستنفجر ويندفع ثلثها إلى الفضاء وستكون سرعة الاندفاع عشرين ميلا في الثانية أي (٧٢) ألف ميل في الساعة، وسيخر كل شيء في طريقه بما في ذلك هذا الكوكب الذي نحن فيه، ولكن متى ينتظر أن يأتي ذلك اليوم الرهيب، يقول روكسبرغ أنه بعد خمسة ملايين عام.

стр. 146

انتهى ما نشر في الجريدة من التخرص والهذيان الذي يشبه هذيان المجانين، ولا يروج هذا الهذيان إلا على من أضله الله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة. وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ﴾، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾، وقال تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية. ومن مفاتيح الغيب التي استأثر الله بعلمها علم ما يكون في المستقبل. فلا يعلم ما يكون في المستقبل إلا الله أو من أظهره الله على ذلك من المرسلين؛ كما قال تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية. وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وروى الإمام أحمد أيضا بإسناد صحيح عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة مجيء جبريل إلى النبي ﷺ وسؤاله عن الإيمان والإسلام والإحسان وعن الساعة نحوه أيضا.

стр. 147

وفي المسند من حديث ابن عباس ﵄ نحو ذلك أيضا. وروى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا النسائي عن خالد بن ذكوان قال: قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُنِيَ عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن مَن قُتل مِن آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن - وفينا نبي يعلم ما في غد - فقال: «دعي هذه وقولي بالذي تقولين» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وزاد ابن ماجة في آخره «ما يعلم ما في غد إلا الله» وإسناده صحيح على شرط مسلم. وروى الإمام أحمد والبخاري أيضا عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂ يا أم المؤمنين هل رأى محمد ﷺ ربه فقالت: لقد وقف شعري مما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب, ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب, ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ومن حدثك أنه كتم فقد كذب, ثم قرأت ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية ولكنه رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين. ورواه مسلم ولفظه مسروق قال كنت متكئا عند عائشة ﵂ فقالت يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية - فذكر الحديث وفيه - قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

стр. 148

وفي الآيات والأحاديث التي ذكرنا أبلغ رد على من زعم أنه يعلم ما يكون في المستقبل. وإذا كان أشرف المرسلين صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم ما يكون في غد فغيره من الناس أولى أن لا يعلموا ذلك. وعلى هذا فمن زعم أنه يعلم ما يكون في المستقبل فهو من رءوس الطواغيت لكونه قد نازع الله فيما استأثر به من علم الغيب ومن نازع الله في خصائصه فهو طاغوت شاء أم أبى. ومن صدقه فيما يقول فهو ممن آمن بالطاغوت شاء أم أبى. ومن زعم أنه يعلم ما يكون بعد ملايين السنين فهو شر ممن زعم أنه يعلم ما يكون في غد القريب. وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون فيه ويسيرون بسرعة. وقال تعالى في أربعة مواضع من القرآن ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال البغوي وغيره أي: إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا. فالشمس لا تزال جارية سابحة في فلكها الذي جعلها الله فيه ما دامت الدنيا فإذا كان يوم القيامة أدنيت من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل وزيد في حرها كما جاءت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ . ثم بعد ذلك تكور في النار كما قال تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: (يكور الله

стр. 149

الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحًا دبورًا فيضرمها نارًا). وكذا ذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄. قال ابن كثير: وكذا قال عامر الشعبي. قلت ويشهد لهذا الأثر ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة». ورواه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم ولفظه: «إن الشمس والقمر ثوران عقيران يوم القيامة». وروى الحافظ أبو يعلى عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ مثله. وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكور فيه الشمس والقمر ثم يوقد فيكون هو جهنم. فهذه نهاية الشمس يوم القيامة لا ما تخرصه عدو الله «أيان روكسبرغ» من انفجارها وزيادة سطوعها وتمدد حجمها واندفاع بعضها إلى الفضاء وسرعة اندفاع المندفع منها، وأنه سيخر كل شيء في طريق ذلك المندفع منها ومن ذلك الأرض، فهذا كله من زخرف القول الذي أوحاه إليه شيطانه كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.

стр. 150

وفي هذه الأكذوبة التي افتراها «أيان روكسبرغ» التصريح بأنه قد تكهن بما زعمه من انفجار الشمس، والكهانة من أمور الجاهلية التي قد أبطلها الإسلام، والكهان هم الذين تنزل عليهم الشيطان كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ قال قتادة هم الكهنة، وقال ابن كثير على قوله تعالى ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي: كذوب في قوله وهو الأفاك. أثيم: وهو الفاجر في أفعاله فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة. انتهى. ومن أعظم المصائب التي أصيب بها كثير من المسلمين تلقيهم لأكاذيب أعداء الله تعالى وتخرصاتهم بالقبول ومقابلتها بالرضا والتسليم، ونشرها في كتبهم وجرائدهم وتمسكهم بها أعظم مما يتمسكون بنصوص الكتاب والسنة وزعمهم أن ذلك من تقدم العلم، وهذا من تلاعب الشيطان بهم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد ورد التشديد في إتيان الكهان وتصديقهم وأن ذلك من الإيمان بالجبت والطاغوت، وقد ذكرت ذلك مستوفيًا في أول الكتاب فليراجع. وأما زعمهم أن التكهن بانفجار الشمس من التقدم العلمي فهو من قلب الحقيقة، والصواب المطابق للحقيقة أن ذلك من تقدم الجهل وظهوره كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل» متفق عليه من حديث أنس بن مالك ﵁. وأما قوله: "وعندما يقرب ذلك اليوم فإن الطريق الوحيدة لإنقاذ الأرض هي أبعادها بعيدا عن الشمس".

стр. 151

فجوابه أن يقال هذا من أسمج الهذيان والهوس ولا يتفوه بمثل هذا الهذيان عاقل أبدا. ومن هو الذي يقدر على زحزحة الأرض من موضعها سوى الله تعالى، ولو اجتمع الأولون والآخرون من الجن والإنس لما قدروا على زحزحة أكمة من الآكام عن موضعها فضلا عن الجبل العظيم فكيف بالأرض. وقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن الشمس تدنى يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، وفي بعضها التصريح بأنها تدنى من الأرض فتصهر الناس، ويتضررون منها ولا يضر ذلك الأرض شيئا. وكذلك قد جاء في الأحاديث والآثار التي تقدم ذكرها قريبا أن الشمس والقمر يكوَّران يوم القيامة في البحر، وتنتثر الكواكب فيه ولا يؤثر ذلك في الأرض ولا تتزحزح من موضعها فضلا عن أن تخر منه. وأما تسميته الأرض كوكبا فهو خطأ وضلال. وقد استوفيت الرد على هذا القول الباطل في الصواعق الشديدة فليراجع هناك. وأما قوله أن ما هذى به من الانفجار يكون بعد خمسة ملايين عام، فهو مردود بقول الله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. وقد ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه قال «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضم السبابة والوسطى. وفي رواية «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان» وفي رواية «بعثت أنا في نَفَس الساعة فسبقتها كما سبقتْ هذه هذه» لإصبعيه السبابة والوسطى.

стр. 152

قال الحافظ ابن حجر قوله في نَفَس بفتح الفاء وهو كناية عن القرب أي بعثت عند نفسها. انتهى. وفي رواية «بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني». وفي هذه الأحاديث إشارة إلى قلة المدة التي بين بعثة الرسول ﷺ وبين قيام الساعة، ولهذا قال الحسن البصري: "بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة". ذكره ابن كثير في تفسيره، وقال: هو كما قال. وقال البغوي في تفسيره: "وكان النبي ﷺ من أشراط الساعة" وكذا قال ابن كثير: "بعثة الرسول ﷺ من أشراط الساعة. وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الضحاك أنه قال أول أشراطها بعثة محمد ﷺ . وإذا علم قرب زمان النبي ﷺ من قيام الساعة وأنها كادت أن تسبقه علم بطلان ما هذى به روكسبرغ من الانفجار الذي يكون في الشمس بعد خمسة ملايين عام، ولا يخفى أن قوله هذا يعارض قول النبي ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقوله أيضا «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان» وقوله أيضا «بعثت في نفَس الساعة» وقوله أيضا «أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني». وإذا تعارض قول النبي ﷺ وقول غيره من الناس، فقول الغير مطروح مردود على قائله كائنا من كان. وفي الأحاديث التي ذكرنا أبلغ رد على تخرص روكسبرغ وهذيانه لما دلت عليه من قرب قيام الساعة.

стр. 153

وإذا كان يوم القيامة لم تبق الشمس على حالها في الدنيا بل تكور ويذهب ضوؤها كما دل على ذلك الكتاب والسنة. فصل وقال الصواف في صفحة ٦٠ - ٦١ - ٦٢ - ٦٣ ما نصه. (سكون الشمس وجريانها) والقول بجريانها وسيرها أو ثبوتها وقرارها قد سبق إليه العلماء الأعلام ممن اشتغل بهذا العلم من المسلمين في القديم والحديث وغيرهم، أما القول بثبوتها وقرارها كما يثبت الجبل في محله والسهل في مكانه فلم يقل به أحد فيما نعلم، والذين قالوا بقرارها قالوا هي ثابتة ومتحركة في آن واحدة، ثابتة على محورها الذي أرساه الله لها، ومتحركة حول هذا المحور أي هي دائرة حول نفسها، ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية فهي ثابتة في سقفها، وهي متحركة حول نفسها وبحركتها ينطلق الهواء المطلوب، وهؤلاء استدلوا بقوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وفسروا المستقر بالمحور، وقد قال بمثل هذا القول رجال من سلف هذه الأمة الخيار، وهم من خير العصور، بل هم من العصر الأول الذي هو خير العصور، فقد ورد عن التابعي المشهور مجاهد ﵀ أنه قال في تفسير قوله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: "إنه كحسبان الرحى" وتبعه على ذلك بعض العلماء، وهذا يوافق قول من قال أنها تجري حول نفسها، وهل يجد القارئ الكريم فرقا بين المثل الذي ضربته وهو المروحة حيث تتحرك وهي ثابتة وبين ما قاله مجاهد ومثله بالرحا، حيث تتحرك كذلك حول نفسها وهي ثابتة بمكانها، وقد ذكر قول مجاهد هذا الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب بدأ الخلق حيث قال: "باب صفة الشمس والقمر، بحسبان: قال مجاهد: كحسبان

стр. 154

الرحا، وقال غيره: بحسبان ومنازل لا يعدوانها، وحسبان جمع حساب مثل شهاب وشهبان، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند هذه الترجمة ما نصه: "قوله قال مجاهد: كحسبان الرحى، وصله الفريابي في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومراده أنهما يجريان على حساب الحركة الرحوية الدورية وعلى وضعها. قال وقال غيره حساب ومنازل لا يعدوانا. ووقع في نسخة الصغاني عن ابن عباس. وقد وصله عبد بن حميد من طريق أبي مالك وهو الغفاري مثله. وروى الحربي والطبري عن ابن عباس نحوه بإسناد صحيح وبه جزم الفراء. انتهى. ونقل هذا المعنى عن مجاهد جماعة من المفسرين الكبار الأئمة منهم الإمام أبو جعفر بن جرير والإمام أبو عبد الله القرطبي وغيرهما، كما نقل عن مجاهد ﵀ وجه آخر يخالف هذا الوجه، وذلك فيما رواه عنه الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسيره حيث قال عند تفسير قوله جل وعلا في سورة الأنعام ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾: "حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال هو مثل قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومثل قوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ " انتهى. وقال ابن حبان في تفسيره البحر المحيط: "قال مجاهد: الحسبان الفلك المستدير شبهه بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة" ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي وأبي محمد بن حزم وأبي الفرج بن الجوزي أنهم حكوا الإجماع على أن الأفلاك مستديرة، كما ذكرنا ذلك سابقا. والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن العلماء الأعلام من

стр. 155

الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى زمننا كلهم مجمعون على القول بجريان الشمس في الفلك تصديقا لما أخبر الله به في كتابه، وما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، ولم يقل أحد منهم بثبات الشمس واستقرارها لا في القديم ولا في الحديث، والعبرة بهم لا بغيرهم. ومن حاد عن منهاج الصحابة والتابعين من الفلكيين وغيرهم، فهو من الجهال لا من العلماء ولا عبرة به. الوجه الثاني أن يقال إن الذين سبقوا إلى القول بثبات الشمس واستقرارها هم فيثاغورس اليوناني وأتباعه في القديم، وكوبرنيك البولوني وهرشل الإنجليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج في الحديث، وهؤلاء ليسوا من المسلمين فضلا عن أن يكونوا من العلماء الأعلام. وزَعْمُ الصواف أنهم من المسلمين، ومن العلماء الأعلام لا أساس له من الصحة، وإنما هو تمويه وتلبيس على الجهلة الأغبياء. الوجه الثالث أن الصواف قد جمع في كلامه بين النقيضين فقال في الترجمة ما نصه (سكون الشمس وجريانها) وهذا تناقض لا يصدر من عاقل لأن السكون ينافي الجريان. الوجه الرابع أن كلام الصواف يوهم أن الفلكيين المنتسبين إلى الإسلام في القديم كانوا يقولون بثبات الشمس واستقرارها، وهذا كذب عليهم لأن الفلكيين قبل ظهور أهل الهيئة الجديدة كانوا على القول بثبات الأرض واستقرارها وجريان الشمس وسيرها، وأول من قال بخلاف ذلك هو كوبرنيك البولوني في أثناء القرن العاشر من الهجرة وتبعه على ذلك من كان بعده من فلاسفة الإفرنج، ولما كان في القرن الرابع عشر من الهجرة كثر المقلدون

стр. 156

لأهل الهيئة الجديدة من العصريين المنتسبين إلى العلم، فخالفوا ما جاء في كتاب الله وما صح عن رسول الله ﷺ وما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بهؤلاء العصريين المفتونين بآراء الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، وكما أنه لا يعتد بأقوال أعداء الله في شيء من المسائل العلمية فكذلك لا يعتد بأقوال أتباعهم ومقلديهم بطريق الأولى ولو كانوا من المسلمين. الوجه الخامس ذكر الألوسي في صفحة ٢٩ من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) أن أصحاب الزيج الجديد ذهبوا إلى أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا، وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها، وهذا يرد قول الصواف أن القول بثبات الشمس واستقرارها كما يثبت الجبل في محله لم يقل به أحد. الوجه السادس أنه لم يجئ في كتاب الله تعالى ولا عن النبي ﷺ قط أن للشمس محورًا تدور عليه، ومن أثبت أن للشمس أو غيرها من الأجرام العلوية ما لم يخبر الله به ولا رسوله ﷺ فهو متخرص متبع للظن. وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. والعلم ما جاء في كتاب الله تعالى، وما ثبت عن النبي ﷺ قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. الوجه السابع أن القول بثبات الشمس على محورها، ودورانها حول نفسها

стр. 157

وتمثيلها بالمروحة السقفية الكهربائية ينافي ما أخبر الله به من جريانها وسبحها في الفلك ودؤوبها في ذلك، وما أخبر به من طلوعها وغروبها ودلوكها وأنه يأتي بها من المشرق، وما أخبر به رسول الله ﷺ من جريانها وذهابها إلى مستقرها تحت العرش إذا غربت، ورجوعها إلى مطلعها وطلوعها وارتفاعها واستوائها وزوالها ودنوها للغروب وغروبها، وحبسها ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه، وقد ذكرت الآيات والأحاديث الدالة على جريان الشمس في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وقد وقال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس «تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» رواه الشيخان والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال يوما «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها».

стр. 158

وهذا الحديث الصحيح صريح في بيان المراد من قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وفيه الرد على من تأول الآية على غير تأويلها. الوجه الثامن قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه". انتهى. ومن الافتراء على الله والإلحاد في آياته وتحريف الكلم عن مواضعه تفسير المستقر بالمحور الذي تدور عليه الشمس على حد زعمهم الباطل. ومخالفة ما ثبت عن النبي ﷺ في تفسير قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ الآية. وقد تقدم حديث أبي ذر ﵁ في ذلك وفيه كفاية في الرد على من فسر المستقر بالمحور. الوجه التاسع أن تفسير المستقر بالمحور الذي تدور عليه الشمس وهي ثابتة في موضعها كما تدور المروحة السقفية الكهربائية خطأ مردود من وجهين. أحدهما أن الذي يجري لا يثبت في موضعه بل يفارقه بالانتقال إلى غيره كما قال الله تعالى مخبرا عن سفينة نوح ﵇ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الآية ففرق ﵎ بين جري السفينة في الماء وبين رسوها واستوائها على جبل الجودي. وقال تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ففرق بين جري السفن في الماء وبين ركودها على ظهر البحر وهو وقوفها وسكونها عليه.

стр. 159

وقال تعالى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. ثانيهما أن الذي يدور على محوره مع ثباته في موضعه لا يوصف بالجريان وإنما يوصف بالدوران فقط. والله ﵎ قد وصف الشمس بصفات لا تنطبق على ما هو ثابت في موضعه ودائر على محوره فوصفها بالجريان والدؤوب في ذلك والسبح في الفلك والطلوع والغروب والدلوك والتزاور. وأخبر أنه يأتي بها من المشرق. وكذلك الرسول ﷺ قد وصفها بالجريان والطلوع والارتفاع والاستواء والزوال والدنو من المغرب والغروب والذهاب إلى مستقرها تحت العرش إذا غربت ورجوعها بعد ذلك إلى مطلعها، وأخبر أنها حبست ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه، وهذه الصفات لا تنطبق على ما هو ثابت في موضعه ودائر على محوره كالمروحة السقفية الكهربائية وإنما تنطبق على ما هو سائر على الدوام. وبما ذكرنا يتضح بطلان ما حاوله المقلدون لأهل الهيئة الجديدة من حمل الآية الكريمة على زعمهم الباطل. وههنا أمران ينبغي التنبيه عليهما. أحدهما أن لفظ الدوران لفظ مشترك لأنه يطلق على ما يدور على نفسه وهو ثابت في موضعه كالمراوح الكهربائية. ويطلق على ما يجري ويدور في شيء متسع جدا كالشمس والقمر والنجوم التي تجري في الفلك وتدور على الأرض، فمن جعل جريانها في الفلك ودورانها على الأرض مثل دوران المراوح الكهربائية فقد غلط غلطا فاحشا، ومن فرق بينها وبين ما يدور على نفسه وهو ثابت في موضعه فقد أصاب.

стр. 160

الأمر الثاني أن المواصفات بالجريان أو الدوران على ثلاثة اضرب. الأول ما يوصف بالجريان فقط كالرياح والسفن والخيل والأنهار والعيون وغيرها ممن يجري في جهة أو جهات غير مستديرة. الثاني ما يوصف بالدوران فقط كالمراوح الكهربائية التي تدور وهي ثابتة في مواضعها. الثالث ما يجري في شيء مستدير فهو بهذا يجمع بين الجريان والدوران كالشمس والقمر والنجوم فإنها تجري في الفلك - والفلك مستدير بالإجماع - وتدور على الأرض فمن أجل كونها تجري في الفلك توصف بالجريان كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من القرآن ومن السنة أيضا في جريان الشمس، ومن أجل كونها تدور على الأرض في فلك مستدير تقطعه في كل يوم وليلة توصف بالدوران كما قال ذلك من قاله من السلف كمجاهد وغيره. ونظير ذلك الطائف بالكعبة فإنه يجمع بين المشي والدوران على الكعبة، وكما لا يقول عاقل إن الطائف بالكعبة إنما يوصف بالدوران على نفسه، فكذلك لا يقول عاقل إن الشمس والقمر والنجوم إنما توصف بالدوران فقط كما تدور المراوح الكهربائية. الوجه العاشر أن الصواف أخطأ خطأ كبيرا على مجاهد وغيره من الرجال الذين أشار إليهم بقوله (وقد قال بمثل هذا القول رجال من سلف هذه الأمة الخيار وهم من خير العصور بل هم من العصر الأول الذي هو خير العصور). وهذا كذب على مجاهد وغيره ممن أشار إليهم في كلامه هذا، فلم يقل أحد

стр. 161

من الصحابة الذين هم خير العصور ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان ولا أئمة العلم والهدى من بعدهم أن الشمس ثابتة، وأنها تدور حول نفسها كما تدور المروحة السقفية الكهربائية، وأن مستقرها هو محورها الذي تدور عليه، ومن زعم أن أحدا منهم قال بهذا القول الباطل فهو مفتر أثيم. وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وقد سبق للصواف أن أورد آيات من القرآن وألحد فيها، حيث تأولها على غير تأويلها، وحملها على ما هو مفتون به من آراء الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، ومن كان جريئا على الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه فغير مستبعد منه أن يفتري على مجاهد وغيره من السلف الصالح ويقول عليهم ما لم يقولوه ولا يحتمله كلامهم. الوجه الحادي عشر أن مجاهدًا إنما أراد بالحسبان الفلك الذي تجري فيه الشمس والقمر والنجوم ولم يرد به المحور الذي زعمه الصواف تبعا لأئمته أهل الهيئة الجديدة، فروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال النجوم والشمس والقمر فلك كفلكة المغزل، وقال مثل ذلك الحسبان يعني حسبان الرحى وهو سفودها القائم الذي تدور عليه، وكان مجاهد يفسر قوله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ بهذا. قال مجاهد: "ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل، ولا يدور الحسبان إلا بالرحى، ولا تدور الرحى إلى بالحسبان". قال: فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يَدُمْنَ إلا به، ولا يدوم

стр. 162

إلا بهن، قال فنقر لي بإصبعه، قال: فقال مجاهد: "يدمن كذلك كما نقر" قال: "فالحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد غير أن الحسبان في الرحى والفلك في المغزل". قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى بعد ما ذكر هذا الأثر عن مجاهد: "قوله: لا تدوم إلا به، أي لا تدور إلا به، ومنه الدُّوامة بالضم والتشديد، وهي فلكة يرميها الصبي بخيط، فتدوم على الأرض أي تدور، ومنه تدويم الطير وهو تحليقه ودورانه في طيرانه ليرتفع إلى السماء، وقوله فنقر بإصبعه يعني نقر بها في الأرض، وأدارها ليشبه بذلك دوران الفلك". انتهى. وروى ابن جرير عن مجاهد ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال هو مثل قوله ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومثل قوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. وقال ابن كثير عند قوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أي يدورون، قال ابن عباس ﵄ يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، قال مجاهد فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن كما قال تعالى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وقال ابن كثير أيضا في تفسير سورة يس: "وقوله ﵎ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورن في فلك السماء، قاله ابن عباس ﵄ وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني، قال ابن عباس ﵄ وغير واحد من السلف في فلكة كفلكة المغزل، وقال مجاهد: الفلك كحديد الرحى أو كفلكة المغزل لا يدور المغزل إلا بها ولا تدور إلا به". وقال أبو حيان في تفسيره: "قال مجاهد: الحسبان الفلك المستدير شبهه بحسبان

стр. 163

الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة". انتهى. ومما ذكرنا يعلم أن البخاري قد اختصر قول مجاهد ولم يورده بتمامه. ويعلم أيضا أن مجاهد إنما أراد بالحسبان الفلك الذي تدور فيه النجوم والشمس والقمر، ولم يرد به المحور الذي توهمه الصواف وأئمته من فلاسفة الإفرنج. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "فأما قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ وقوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فقد قيل هو من الحساب وقيل بحسبان كحسبان الرحى وهو دوران الفلك فإن هذا مما لا خلاف فيه، بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك مستديرة لا مسطحة". انتهى. الوجه الثاني عشر أن القمر قرين الشمس في الحسبان كما أنه قرينها في الجريان والسبح في الفلك والدؤوب في السير والبزوغ والأفول. قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وقال تعالى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى في أربعة مواضع من القرآن: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقال تعالى في موضعين ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ وقال تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. وإذا كان القمر قرين الشمس في كتاب الله تعالى فإنه يلزم أن يقال فيه

стр. 164

مثل ما قيل في الشمس، فمن قال أن للشمس محورًا تدور عليه وهي ثابتة في مكانها كما تدور المروحة السقفية على محورها، وأن ذلك المحور هو الحسبان الذي ذكره الله في كتابه، فلازم قوله أن يكون للقمر محور يدور عليه، وهو ثابت في مكانه، كما تدور المروحة السقفية على محورها، وهذا ما لا محيد للصواف عنه، وهو من أبطل الباطل كما أن التفريق بين الشمس والقمر فيما جمع الله بينهما فيه من أبطل الباطل أيضا. والتفريق بينهما هو الذي عليه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين المفتونين بآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة. ومثل هؤلاء الذين يفرقون بين ما جمع الله بينه كمثل اليهود يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. الوجه الثالث عشر أن يقال قد تبين لمن له أدنى علم وفهم أن الصواف قد افترى على مجاهد وعلى العلماء الذين زعم أنهم قالوا إن الشمس ثابتة وأنها تدور حول نفسها، كما تدور المروحة السقفية على محورها، وأن مستقرها هو محورها الذي تدور عليه. وحينئذ فقوله (وهل يجد القارئ الكريم فرقا بين المثل الذي ضربته وهو المروحة حيث تتحرك وهي ثابتة، وبين ما قاله مجاهد ومثَّله بالرحا حيث تتحرك كذلك حول نفسها وهي ثابتة بمكانها). جوابه أن يقال الفرق بينهما واضح جلي، أما مجاهد فإنه شبه الفلك الذي تجري فيه الشمس والقمر والنجوم ويدرن فيه على الأرض بفلكة المغزل وحسبان الرحى؛ لأن كلا من الفلك والفلكة والحسبان يدار عليه، فهذا وجه تشبيه مجاهد وغيره من السلف للفلك بفلكة المغزل وحسبان الرحى.

стр. 165

وأما الصواف فإنه زعم أن الحسبان هو المحور الذي تدور عليه الشمس وهي ثابتة في مكانها كما تتحرك المروحة السقفية على محورها، وهذا القول الذي ذهب إليه الصواف لا أصل له من كتاب ولا سنة، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة العلم من بعدهم، وإنما قاله أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين المفتونين بآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة. ومجاهد رحمه الله تعالى أجل قدرا من أن يقول بهذا القول الباطل المخالف لكتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ . الوجه الرابع عشر قد تقدم أن مجاهدًا قال في قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: للنجوم والشمس والقمر فلك كفلكة المغزل، وقال: مثل ذلك الحسبان يعني حسبان الرحى، وهو سفودها القائم الذي تدور عليه، قال: ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ولا تدور الرحى إلى بالحسبان، قال: فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يدمن إلا به ولا يدوم إلا بهن. وإذا كان مجاهد قد جمع بين الشمس والقمر والنجوم في تفسير الفلك والحسبان ولم يفرق بينها، فإنه يلزم على قول الصواف أن يكون مجاهد يرى أن كلاً من الشمس والقمر والنجوم له محور يدور عليه وهو ثابت في مكانه، كما تدور المروحة السقفية الكهربائية على محورها وهي ثابتة في سقفها، وهذا ما لا محيد للصواف عنه، وحينئذ فلا بد للصواف ومن قال بقوله من أحد أمرين: أحدهما أن يلزموا مجاهدا بهذا القول الباطل الذي لم يقل به أحد من المسلمين فضلا عن مجاهد، وإما أن يرجعوا عما افتروه على مجاهد في تخصيص الشمس بالثبات في مكانها دون القمر والنجوم.

стр. 166

الوجه الخامس عشر أن قول مجاهد في الحسبان والسبح في الفلك متفق. وما جاء في بعض الروايات عنه من ذكر الدوران فالمراد به دوران الشمس والقمر والنجوم على الأرض وهي في فلكها الذي تسبح فيه أي تجري فيه بسرعة كما تقدم إيضاح ذلك. وليس هو بدوران فقط كما تدور المراوح الكهربائية. ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير عنه أنه قال في قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال: "هو مثل قوله ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والسبح هو الجري بسرعة". قال الراغب الأصفهاني: "السبح المرُّ السريع في الماء وفي الهواء يقال سبح سبحا وسباحة، واستعير لمر النجوم في الفلك نحو ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ولجري الفرس نحو ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ولسرعة الذهاب في العمل نحو ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ ". وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "السباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر ذلك أهل اللغة". انتهى. وإذا علم هذا فكلام مجاهد صريح في كونه يرى أن الشمس والقمر والنجوم سابحة في الفلك أي جارية فيه بسرعة، وإن الفلك لهن مثل الحسبان للرحى والفلكة للمغزل، يعني أنهن يدرن حول الأرض في فلك مستدير، وفي هذا رد على من تقول عليه وزعم أنه يقول إن الشمس ثابتة ودائرة على نفسها مثل المروحة السقفية الكهربائية، وأما زعم الصواف أن قول مجاهد يخالف بعضه بعضا فهو خطأ مردود. الوجه السادس عشر لو فرضنا أن مجاهدا قال إن الشمس ثابتة، وأنها تدور على نفسها مثل المروحة السقفية الكهربائية، فقوله ليس بحجة وإنما الحجة فيما أخبر الله به من جريان الشمس وسبحها في الفلك ودؤوبها في ذلك وطلوعها وغروبها ودلوكها وتزاورها، وأنه يأتي بها من المشرق فهذا يدل

стр. 167

دلالة واضحة على دوران الشمس على الأرض لا على نفسها، وكذلك ما أخبر به الرسول ﷺ من جريان الشمس وطلوعها وارتفاعها واستوائها وزوالها ودنوها من الغروب وغروبها وذهابها بعد الغروب إلى مستقرها تحت العرش، وأنها حسبت ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه. وما أشرت إليه ههنا من الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة فهو الحجة، وما خالفها فهو باطل مردود على قائله كائنا من كان. وقد ثبت عن مجاهد أنه قال: "ليس أحد بعد النبي ﷺ ألا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ "رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح. الوجه السابع عشر أن الصواف قد قرر في صفحة ٩٩ وصفحة ١٠٠ أن الشمس تسير في كل برج شهرًا، وأنها تقطع البروج كلها مرة في السنة، وهذا يناقض ما قرره ههنا من كون الشمس ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور مثل المروحة السقفية الكهربائية، وما قرره ههنا فهو باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وقد تقدم ذكر بعضها والإشارة إلى الباقي في الوجه السابع. وما قرره في ٩٩ - ١٠٠ فهو الحق الثابت بالنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة. وقد ذكرت الأدلة على ذلك مستوفاة في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك .. وأما قوله: "وقال ابن حبان في تفسيره البحر المحيط". فجوابه أن يقال إن مصنف البحر المحيط في التفسير هو أبو حيَّان بالياء المثناة التحتية، لا بالباء الموحدة وهو من أعيان المائة الثامنة من الهجرة، وأما ابن حبان بالباء الموحدة فهو صاحب الصحيح المسمى بالأنواع والتقاسيم، وهو من أعيان المائة الرابعة من الهجرة والقول بأن البحر المحيط من تصنيفه وهم وغلط.

стр. 168

فصل ونقل الصواف في صفحة ٦٣ عن قطب أنه قال في تفسيره (في ظلال القرآن) عند قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ما نصه: والشمس تدور حول نفسها وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها، ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها إنما هي تجري، تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون بإثني عشر ميلا في الثانية، والله ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها يقول أنها تجري لمستقر لها، هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه ولا يعلم موعده سواه، وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف حجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء لا يسندها شيء ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم". إلى أن قال عند قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: "وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفينة في الخضم الفسيح فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب، وأن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة والكواكب السيارة متناثرة في ذلك الفضاء سابحة في ذلك الخضم والفضاء من حولها فسيح فسيح وأحجامها الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح". والجواب أن يقال: أما قوله إن الشمس تدور حول نفسها فهو ما قرره الصواف في صفحة ٦١ وتقدم رده قريبا في الوجه السابع والثامن والتاسع من الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع.

стр. 169

وأما قوله: وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها. فجوابه أن يقال: كل أقوال أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في الشمس وغيرها من الأجرام العلوية مبناها على التخرصات والظنون الكاذبة وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. وأما قوله: ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها إنما هي تجري، تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية. فجوابه أن يقال: من أين عرف جريان الشمس على الوجه الذي توهمه الفلكيون من فلاسفة الإفرنج بعقولهم الفاسدة، والوحي قد انقطع عن الأرض بموت النبي ﷺ ولم يبق إلى وحي الشياطين إلى أوليائهم من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم بالأكاذيب والتخرصات والظنون التي لا حاصل لها في نفس الأمر، فهذا الوحي الشيطاني الكاذب هو الذي يعتمد عليه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في الأجرام العلوية. والذي قرره قطب ههنا هو ما نقله الصواف في صفحة ٣٨ عن الفلكيين، أنهم قالوا إن النظام الشمسي ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة أي أكثر من ٣٠٠ ميل في الدقيقة متجهة نحو برج هركيوليس. وذكر الصواف أيضا في صفحة ٤٢ في الكلام على قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ الآية - أن المجموعة الشمسية وما حولها تتحرك في الفلك، وأن الشمس تجري إلى بعيد فيه وليس إلى قريب. وذكر الصواف أيضا في صفحة ٤٣ عن "سيمون" أن الشمس

стр. 170

والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض. وذكر الصواف أيضا في صفحة ١٠٣ أن الشمس تجري بسرعة هائلة تبلغ اثني عشر ميلا في ثانية نحو الجانب الخارجي لمجرته، وتقود كل ما يتبع النظام الشمسي. قلت وقد تقدم رد هذه الأباطيل بما أغنى عن إعادته ههنا فليراجع. وأما قوله والله يقول أنها تجري لمستقر لها، هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو ولا يعلم موعده سواه. فجوابه أن يقال الظاهر أن مراد قطب بهذا المستقر برج هركيوليس الذي توهمه الفلكيون من فلاسفة الإفرنج بعقولهم الفاسدة؛ لأن كلامه من أوله إلى آخره في تقرير قولهم، ويدل على ذلك قوله في الشمس أنها تجري في اتجاه واحد في الفضاء، وهذا خلاف ما أخبر الله به عنها أنها تسبح في الفلك، والفلك مستدير بالإجماع، وفي هذا رد لما زعموه من كونها تجري في اتجاه واحد. وأيضا فقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال «مستقرها تحت العرش». وروى الإمام أحمد والشيخان أيضا وأبو داود الطيالسي والترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس «تدري أين تذهب؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى

стр. 171

تسجد تحت العرش، فتستأذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» هذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم قال ثم قرأ في قراءة عبد الله (وذلك مستقر لها). وللترمذي نحوه وقال هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ قال يوما «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي، ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها». وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الشمس تنتهي إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة فتسجد حينئذ وتستأذن في الطلوع. وفي هذا الحديث رد على قطب وعلى غيره ممن تأول الآية على غير تأويلها الثابت عن النبي ﷺ . وأما قوله وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف حجم أرضنا هذه. فجوابه أن يقال هذا من الرجم بالغيب والقول بغير علم، وقد استوفيت

стр. 172

الرد عليه في (الصواعق الشديدة) في المثال الخامس من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة، فليراجع هناك. وأما قوله وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء. فجوابه أن يقال قد ذكر الله في كتابه أن الشمس تسبح في الفلك ولم يقل في الفضاء، فيجب إثبات ما أثبته الله ورد ما سوى ذلك من الأقوال التي لا مستند لها سوى التخرصات والظنون الكاذبة. وأما قوله وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفينة في الخضم الفسيح إلى آخر كلامه. فجوابه أن يقال قد أخبر الله تعالى أنه جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا فقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ والبروج هي الكواكب العظام قاله مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة. وفي هذه الآيات رد على قطب وعلى غيره ممن زعم أن الكواكب متناثرة في الفضاء وسابحة فيه. فصل وقال الصواف في صفحة ٦٤ ما نصه قال الألوسي ﵀ في كتابه (ما دل عليه القرآن) صفحة ١١٨ (والذي

стр. 173

قاله المتأخرون من الفلاسفة أهل الفن الجديد المتشرعين - وانظروا إلى قوله المتشرعين - إن هذا الجرم العظيم - الشمس - مركز للسيارات) إلى آخر ما نقله الصواف من كلام الألوسي في أول صفحة ٦٧. والجواب أن يقال أما كلام الألوسي فقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة فليراجع هناك. وأما قول الصواف: وانظروا إلى قوله المتشرعين. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال: وأي فائدة للقراء في النظر في كلمة الألوسي؟ وهل ظننت أيها الصواف أن الألوسي قد أورد نصًا من كتاب الله تعالى، أو مما صح عن رسول الله ﷺ حتى لا يجوز لأحد أن يعارض ذلك أو يعدل عنه؟ وهل ظننت أيها الصواف أيضا أن المتشرعين الذين أشار إليهم الألوسي هم السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان حتى تطلب من القراء أن ينظروا في كلمة الألوسي؟ الوجه الثاني أن يقال قد نظرنا في كتاب الألوسي الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) ونظرنا في قوله المتشرعين فوجدناه قد صرح في عدة مواضع من كتابه المشار إليه بأنهم من فلاسفة الإفرنج وليسوا من المسلمين. فقال في صفحة ٢٣ إن المتأخرين ممن انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل الحكيم وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة، وقالوا بأن الشمس مركز، والأرض وكذا النجوم دائرة حولها. قلت: وهرشل من الإنجليز وقد ولد في سنة ١٧٣٨ ميلادية، ومات في

стр. 174

سنة ١٨٢٢ ميلادية، وقوله وقول أتباعه في الشمس أنها مركز وأن الأرض والنجوم دائرة حولها هو الذي ذكره الألوسي في صفحة ١١٨، وقد ذكرهم الألوسي أيضا في صفحة ٣٣ - ٤٦ - ٥٩ - ٩٥ - وأشار إليهم في مواضع كثيرة سوى هذه المواضع. وسمى منهم هرشل في صفحة ٢٣ - ٣٤ - ٤٥ وسمى منهم أيضا في صفحة ٣٣ - ٣٤ أو لبوس وهاردنق وبياظي، وقد ذكر محمد فريد وجدي في دائرة المعارف منهم كوبرنيك البولوني وتيخربراهي الدانماركي وكبلر وغاليليه ونيوتن الإنجليزي وهرشل الإنجليزي ومنهم أيضا داروين الإنجليزي، فهؤلاء الفلاسفة كلهم من الإفرنج وهم أهل الفن الجديد أي أهل الهيئة الجديدة وأقوالهم هي التي أودعها الألوسي في كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) وعلى هذا فوصف الألوسي لهم بالمتشرعين معناه المنتسبين إلى شريعة الإنجيل. وقد نسخت الشرائع كلها بالشريعة المحمدية فلا يجوز لأحد بعد بعثة محمد ﷺ أن يتمسك بشريعة غير شريعته ولا أن ينتسب إلى غيرها من الشرائع، ومن انتسب إلى غير الشريعة المحمدية فليس بمتشرع وأن قيل فيه ذلك، وعلى هذا فوصف الألوسي لأهل الهيئة الجديدة بأنهم متشرعون لا معنى له ولا حاصل تحته. الوجه الثالث أن الظاهر من كلام الصواف أنه يرى أن الفلاسفة من المسلمين، وهذا غلط، فإنه ليس للإسلام فلاسفة، قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ليس الفلاسفة من المسلمين، ونقل عن بعض أعيان القضاة في زمانه أنه قيل له ابن سينا من فلاسفة الإسلام، فقال ليس للإسلام فلاسفة، وسيأتي الكلام في الفلاسفة وشدة ضررهم على الإسلام قريبا عند ذكر نصير الشرك الطوسي إن شاء الله تعالى.

стр. 175

فصل وقال الصواف في صفحة ٦٧ ما نصه أكتفي بهذا المقدار من النقل ولا أريد أن أسترسل إلا أني أود أذكر كيف أن العلماء تكلموا في الشمس والقمر، وتكلموا في النجوم الثوابت والسيارات، وقدروا الأبعاد بين الأرض والشمس، وقدروا مقدار ضخامة الشمس عن الأرض، وأن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين مرة، وأن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنس، وقاسوا بعد القمر عنها وبينوا البعد الأبعد والبعد الأقرب. والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم. كل شيء، حياتهم وأموالهم وجهدهم وعلمهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعوا إلى الإيمان بالله العظيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، والذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن تبارك ربنا وتعالى وله الحمد على ما أنعم وتفضل، ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله. والجواب أن يقال أن الذين تكلموا في الشمس والقمر والنجوم الثوابت والسيارات، وقدروا ضخامة الشمس وبعدها عن الأرض وبعد القمر عنها، هم أهل الهيئة الجديدة وليسوا من علماء المسلمين وإنما هم من فلاسفة الإفرنج كما تقدم إيضاحه في عدة مواضع، ووصفهم بأنهم علماء خلاف الصواب وهو من قلب الحقيقة، والصواب أن يقال أنهم أهل الجهل والتخرص وأتباع الظنون

стр. 176

الكاذبة فهذا هو اللائق بهم والمطابق لحالهم على الحقيقة، وقد استوفيت الرد على ما تكلموا به في الشمس والقمر والنجوم في مواضع كثيرة من الصواعق الشديدة فليراجع هناك. فأما زعمهم أن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين ألف مرة. فالرد عليه في المثال الخامس من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة. وأما زعمهم أن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنسي فالرد عليه في المثال السابع. وأما قياسهم لبعد القمر عن الأرض فالرد عليه في المثال التاسع. وأما تخرصهم في النجوم الثوابت فالرد عليه في المثال الحادي عشر والأمثلة الثلاثة بعده. وأما قوله والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه. فجوابه أن يقال أن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم لم يطرقوا الأبواب بالعلم الصحيح المأخوذ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم؛ وإنما طرقوها بالتخرصات والظنون الكاذبة كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم. وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنْ

стр. 177

تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وأما قوله وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم. فجوابه أن يقال من عجيب أمر الصواف اندفاعه خلف أعداء الله من فلاسفة الافرنج وقبوله لظنونهم وتخرصاتهم سواء كانوا مخطئين في تقديراتهم - أي ظنونهم وتخرصاتهم - أم مصيبين، وهذا من أقبح الجهل والتقليد. نعوذ بالله من عمي البصيرة. وقد قال الله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وأما قوله فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم. فجوابه أن يقال: أن اجتهاد أهل الهيئة الجديدة في علوم الكون كله جهل وضلال مثل اجتهاد أسلافهم من النصارى في تقرير دياناتهم، وما يعتقدونه في المسيح وأمه، ومثل اجتهاد أهل البدع في تقرير مذاهبهم الباطلة، وكل من حاد عن الصراط المستقيم فلا عبرة به ولا باجتهاده. وأما قوله وما صنعوا ذلك إلا بوحي من دينهم. فجوابه أن يقال: بل إنما صنعوا ذلك بوحي من شياطينهم الذين أضلوهم وأضلوا على أيديهم وأيدي أتباعهم بشرا كثيرا. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ

стр. 178

الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. وأما قوله (وأملا في خدمة هذا الدين الذي وهبوه كل شيء، حياتهم وأموالهم وجهدهم وعملهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم). فجوابه أن يقال: أن الصواف قد اغتر بأهل الهيئة الجديدة غاية الاغترار، وأحسن الظن بهم غاية الإحسان حيث زعم أنهم ممن يدين بدين الإسلام كما هو ظاهر كلامه ههنا، وكما صرح بذلك في صفحة ٤٤ حيث قال أنهم مسلمون عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح. وهذا خطأ كبير وغلط فاحش، فإن أهل الهيئة الجديدة كلهم من فلاسفة الإفرنج، وقد ذكرت جملة منهم في الفصل الذي قبل هذا الفصل. وطوائف الإفرنج كلهم ينتسبون إلى النصرانية، والنصارى ضالون مضلون كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وفي فاتحة الكتاب التي قد أمر المسلمون بقراءتها في كل ركعة من صلواتهم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن المغضوب عليهم اليهود وأن الضالين النصارى» قال الترمذي حسن غريب.

стр. 179

وروى ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم قال «اليهود» قلت الضالين قال «النصارى». وإذا علم هذا فمن أقبح الجهل أن لا يميز الرجل بين المسلمين والنصارى. وأقبح من ذلك أن يجعل بعض النصارى من جملة المسلمين، وأقبح من ذلك أن يزكيهم، ويشهد لهم بالتقوى والصلاح، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وأما زعمه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج لهم أمل في خدمة دين الإسلام فهو زعم كاذب لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل؛ بل إن أعداء الله حريصون كل الحرص على إضلال المسلمين وصدهم عن دينهم كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. وأما زعمه أنهم وهبوا الدين كل شئ فهو من نمط ما قبله من التهور في الكلام وعدم التثبت فيه، وكذلك زعمه أنهم بذلوا كل شيء في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم. والجواب أن يقال: أن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم لم يصلوا في كلامهم في السماء والأرض والشمس والقمر وغيرهما من الأجرام العلوية إلى شيء من

стр. 180

الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم، وإنما وصلوا إلى التخرصات والظنون التي لا تغني من الحق شيئا؛ بل أنها تدعو إلى الضلال والكفر بما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ . وقد ذكرت في الصواعق الشديدة تسعة عشر مثالا على بطلان ما يهذون به من التخرصات والظنون الكاذبة فلتراجع هناك. وأما قوله: ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله. فجوابه أن يقال: وهل تدري أيها الصواف بالذين تعدهم من علمائك الأعلام وتترحم عليهم وتسأل الله أن يجزيهم خير ما يجزي عاملا عن عمله. إنهم أعداء الله من فلاسفة الإفرنج, وأولهم كبرنيك البولوني ثم أتباعه من الإفرنج. ومن أعيانهم تيخوبراهي الدانماركي وكبلر وغاليليه ونيوتن الإنجليزي وهرشل الإنجليزي وداروين الإنجليزي وأولبوس وهاردنق وبياظي وستروف, فهؤلاء كلهم من الإفرنج وهم أساطين الهيئة الجديدة, وأقوالهم هي التي أودعها الألوسي في كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعد الهيئة الجديدة). وهي التي يعتمد عليها الصواف في كتابه الذي افترى فيه على المسلمين حيث نسب ما فيه من الجهالات والضلالات إلى علومهم. والمسلمون بريئون من كل ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين. فصل وقال الصواف في صفحة ٦٨ ما ملخصه: هل تعلم أيها القارئ الكريم أن العالم المسلم عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري يكاد يكون أول من ألف
следующие страницы →