Полный текст (357 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الكاذبة فهذا هو اللائق بهم والمطابق لحالهم على الحقيقة، وقد استوفيت الرد على ما تكلموا به في الشمس والقمر والنجوم في مواضع كثيرة من الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
فأما زعمهم أن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين ألف مرة. فالرد عليه في المثال الخامس من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة.
وأما زعمهم أن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنسي فالرد عليه في المثال السابع.
وأما قياسهم لبعد القمر عن الأرض فالرد عليه في المثال التاسع.
وأما تخرصهم في النجوم الثوابت فالرد عليه في المثال الحادي عشر والأمثلة الثلاثة بعده.
وأما قوله والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه.
فجوابه أن يقال أن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم لم يطرقوا الأبواب بالعلم الصحيح المأخوذ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم؛ وإنما طرقوها بالتخرصات والظنون الكاذبة كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم. وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنْ
стр. 177
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وأما قوله وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم.
فجوابه أن يقال من عجيب أمر الصواف اندفاعه خلف أعداء الله من فلاسفة الافرنج وقبوله لظنونهم وتخرصاتهم سواء كانوا مخطئين في تقديراتهم - أي ظنونهم وتخرصاتهم - أم مصيبين، وهذا من أقبح الجهل والتقليد. نعوذ بالله من عمي البصيرة. وقد قال الله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وأما قوله فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم.
فجوابه أن يقال: أن اجتهاد أهل الهيئة الجديدة في علوم الكون كله جهل وضلال مثل اجتهاد أسلافهم من النصارى في تقرير دياناتهم، وما يعتقدونه في المسيح وأمه، ومثل اجتهاد أهل البدع في تقرير مذاهبهم الباطلة، وكل من حاد عن الصراط المستقيم فلا عبرة به ولا باجتهاده.
وأما قوله وما صنعوا ذلك إلا بوحي من دينهم.
فجوابه أن يقال: بل إنما صنعوا ذلك بوحي من شياطينهم الذين أضلوهم وأضلوا على أيديهم وأيدي أتباعهم بشرا كثيرا. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ
стр. 178
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾، وقال تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
وأما قوله (وأملا في خدمة هذا الدين الذي وهبوه كل شيء، حياتهم وأموالهم وجهدهم وعملهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم).
فجوابه أن يقال: أن الصواف قد اغتر بأهل الهيئة الجديدة غاية الاغترار، وأحسن الظن بهم غاية الإحسان حيث زعم أنهم ممن يدين بدين الإسلام كما هو ظاهر كلامه ههنا، وكما صرح بذلك في صفحة ٤٤ حيث قال أنهم مسلمون عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح.
وهذا خطأ كبير وغلط فاحش، فإن أهل الهيئة الجديدة كلهم من فلاسفة الإفرنج، وقد ذكرت جملة منهم في الفصل الذي قبل هذا الفصل. وطوائف الإفرنج كلهم ينتسبون إلى النصرانية، والنصارى ضالون مضلون كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
وفي فاتحة الكتاب التي قد أمر المسلمون بقراءتها في كل ركعة من صلواتهم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن المغضوب عليهم اليهود وأن الضالين النصارى» قال الترمذي حسن غريب.
стр. 179
وروى ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم قال «اليهود» قلت الضالين قال «النصارى».
وإذا علم هذا فمن أقبح الجهل أن لا يميز الرجل بين المسلمين والنصارى.
وأقبح من ذلك أن يجعل بعض النصارى من جملة المسلمين، وأقبح من ذلك أن يزكيهم، ويشهد لهم بالتقوى والصلاح، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وأما زعمه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج لهم أمل في خدمة دين الإسلام فهو زعم كاذب لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل؛ بل إن أعداء الله حريصون كل الحرص على إضلال المسلمين وصدهم عن دينهم كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
وأما زعمه أنهم وهبوا الدين كل شئ فهو من نمط ما قبله من التهور في الكلام وعدم التثبت فيه، وكذلك زعمه أنهم بذلوا كل شيء في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم.
والجواب أن يقال: أن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم لم يصلوا في كلامهم في السماء والأرض والشمس والقمر وغيرهما من الأجرام العلوية إلى شيء من
стр. 180
الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم، وإنما وصلوا إلى التخرصات والظنون التي لا تغني من الحق شيئا؛ بل أنها تدعو إلى الضلال والكفر بما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ .
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة تسعة عشر مثالا على بطلان ما يهذون به من التخرصات والظنون الكاذبة فلتراجع هناك.
وأما قوله: ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله.
فجوابه أن يقال: وهل تدري أيها الصواف بالذين تعدهم من علمائك الأعلام وتترحم عليهم وتسأل الله أن يجزيهم خير ما يجزي عاملا عن عمله.
إنهم أعداء الله من فلاسفة الإفرنج, وأولهم كبرنيك البولوني ثم أتباعه من الإفرنج. ومن أعيانهم تيخوبراهي الدانماركي وكبلر وغاليليه ونيوتن الإنجليزي وهرشل الإنجليزي وداروين الإنجليزي وأولبوس وهاردنق وبياظي وستروف, فهؤلاء كلهم من الإفرنج وهم أساطين الهيئة الجديدة, وأقوالهم هي التي أودعها الألوسي في كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعد الهيئة الجديدة). وهي التي يعتمد عليها الصواف في كتابه الذي افترى فيه على المسلمين حيث نسب ما فيه من الجهالات والضلالات إلى علومهم. والمسلمون بريئون من كل ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٦٨ ما ملخصه: هل تعلم أيها القارئ الكريم أن العالم المسلم عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري يكاد يكون أول من ألف
стр. 181
في علم النجوم والأنواء. وله كتاب الأنواء الذي تكلم فيه عن النجوم وكيفية استدلال العرب بها والماهر في هذا العلم من قبائلهم ورجالهم.
والجواب أن يقال إن في ذكر الصواف لابن قتيبة في هذا الموضع إيهاما لمن لا علم عندهم بأنه كان يقول بما يقول به أهل الهيئة الجديدة من ثبات الشمس ودوران الأرض حولها وغير ذلك من تخرصاتهم في الشمس والقمر والنجوم. وليس الأمر كذلك فإن ابن قتيبة لم يكن يقول بشيء مما يقول به أهل الهيئة الجديدة وإنما ألف فيما هو معروف عند العرب من منازل الشمس والقمر والاستدلال بها وبغيرها من النجوم على جهة القبلة وغيرها من الجهات التي يقصدها المسافرون في البر والبحر.
والاستدلال بالنجوم على جهة القبلة وغيرها من الجهات جائز لقول الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٦٨, ٦٩ ما ملخصه: وهل تعلم أن من علماء الهيئة المسلمين الذين رصدوا وألفوا وسهروا الليالي الطوال في مناجاة النجوم ورصد حركاتها وسكناتها والناس نيام والعالم في غفوة وغفلة الشيخ أبو جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف العالم بالأرصاد والرياضيات والعلوم العقلية, وكان يراقب النجوم والقمر ويرصد حركاتها بمرصد مراغة في مصر وبعد السنين الطوال طلع على الناس بكتبه الفذة في علم الفلك وصح فيها ما أخطأ فيه علماء اليونان وما انحرف فيه بطليموس من أراء لا تنطبق مع العلم الصحيح. ولو أردنا أن نزيد لأتينا بالشيء الكثير الغزير من فعل سلفنا
стр. 182
الصالح ﵏ ورضي الله عنهم وأرضاهم وحشرنا وإياهم من المتقين الأبرار.
والجواب أن يقال: أما مناجاة النجوم فمعناها المخاطبة لها في السر وذلك شرك كما سيأتي بيانه.
قال الجوهري: النجو السر بين اثنين, يقال: نجوته نجوًا إذا ساررته. وكذلك ناجيته وانتجى القوم وتناجوا, أي: تساروا.
وقال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب: المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له. قال ابن الأثير يقال: ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناجٍ والنجي فعيل منه. انتهى.
وقد روى مالك في الموطأ عن أبي حازم التمار عن البياض أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال «أن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».
وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه, وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال ابن عبد البر: حديثا البياض وأبي سعيد ثابتان صحيحان.
وفي المسند من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا.
وإذا علم هذا فلا يناجي النجوم إلا من يعتقد فيها الإلهية وأنها تدبر أمر العالم وتسمع دعاء من يدعوها ويناجيها. وهذا المعتقد الخبيث موروث عن عباد الشمس والقمر والنجوم من فلاسفة اليونان وأتباعهم من المتقدمين
стр. 183
والمتأخرين. ولهم كتب في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم ومناجاتها ودعائها والالتجاء إليها لقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان.
وقد صنف بعض الأعيان في المائة السادسة من الهجرة كتابا سماه (السر المكتوم في السحر ومخاطبة الشمس والقمر والنجوم).
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذه ردة صريحة). وقال في موضع آخر: (هذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام). انتهى.
وقد أراد الصواف أن يبالغ في الثناء على نصير الشرك الطوسي بما وصفه به من سهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم فانعكس الأمر عليه وكان مدحه له ذما من أبلغ الذم حيث حكم عليه بالكفر وألحقه بعباد النجوم من فلاسفة اليونان وأتباعهم وهو لا يشعر.
وقد قيل في المثل السائر: (عدو عاقل خير من صديق أحمق).
وأما قوله: (ورصد حركاتها وسكناتها).
فجوابه أن يقال: إن النجوم ليست جامعة بين الحركة والسكون كما قد توهمه الصواف وإنما هي دائبة في الحركة والجريان إلى يوم القيامة سوى القطبين فإنهما لا يفارقان موضعيهما, ولا يخلو الصواف في قوله هذا من أحد أمرين؛ إما أن يقول إن النجوم قد جمعت بين الحركة والسكون في آن واحد, وإما أن يقول إنها تتحرك في وقت وتسكن في وقت آخر. فإن قال بالأول فقد جمع بين النقيضين ولا يقول بذلك من له أدنى مسكة من عقل. وإن قال بالثاني فقد كابر المحسوس المشاهد من جريان النجوم على الدوام مع مخالفته
стр. 184
للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى مع الكلام على ما نقله الصواف من تفسير طنطاوي جوهري فلتراجع هناك.
وأما قوله والعالم في غفوة وغفلة. فهو من تهوره في الكلام وعدم تثبته فيه حيث جعل العالم كله في غفوة وغفلة. وجعل نصير الشرك الطوسي هو المتيقظ المتنبه وحده, لأنه كان يسهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم.
والأمر في الحقيقة بعكس ما زعمه الصواف؛ فأهل طاعة الله تعالى هم أهل التيقظ والنباهة من كانوا وأين كانوا. وأهل الكفر والشرك وأعوانهم مثل: نصير الشرك الطوسي وأشباهه من الملاحدة المحادين لله ولرسوله هم أهل الغفوة والغفلة عن الله والدار الآخرة.
وأما قوله نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف.
فجوابه أن يقال: فهو غير مطابق له وإنما المطابق تلقيبه بنصير الشرك كما يشهد به الواقع مما ذكره المؤرخون في وقعة بغداد المشهورة في سنة ست وخمسين وستمائة. فقد قيل إن القتلى بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف. وقيل ألفي ألف. وقيل غير ذلك.
وهذه الملحمة العظيمة لم يجرِ على أهل الإسلام مثلها لا قبلُ ولا بعدُ. وكان ذلك بإشارة عدوي الإسلام نصير الشرك الطوسي الفيلسوف الملحد الباطني الإسماعيلي وزير هولاكو والوزير ابن العلقمي الرافضي وكيدهما للإسلام وأهله. عاملهما الله بعدله.
стр. 185
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
وكذا أتى الطوسي بالحرب الصريـ ... ـح بصارم منه وسل سنان
وأتى إلى الإسلام يهدم أصله ... من أسه وقواعد البنيان
عمر المدارس للفلاسفة الأولى ... كفروا بدين الله والقرآن
وأتى إلى أوقاف أهل الدين ينـ ... ـقلها إليهم فعل ذي أضغان
وأراد تحويل الإشارات التي ... هي لابن سينا موضع الفرقان
وأراد تحويل الشريعة بالنوا ... ميس التي كانت لدى اليونان
لكنه علم اللعين بأن هـ ... ذا ليس في المقدور والإمكان
إلا إذا قتل الخليفة والقضا ... ة وسائر الفقهاء في البلدان
فعسى لذاك وساعد المقدور بالـ بالـ ... أمر الذي هو حكمة الرحمن
فأشار أن يضع التتار سيوفهم ... في عسكر الإيمان والقرآن
لكنهم يبقون أهل صنائع الـ ... دنيا لأجل مصالح الأبدان
فغدا على سيف التتار الألف في ... مثل لها مضروبة بوزان
وكذا ثمان مئينها في ألفها ... مضروبة بالعد والحسبان
حتى بكى الإسلام أعده اليهو ... د وكذا المجوس وعابدو الصلبان
فشفى اللعين النفس من حزب الرسو ... ل وعسكر الإيمان والقرآن
وقال ابن القيم أيضا:
وكذلك الطوسي لما أن غدا ... ذا قدرة لم يخشَ من سلطان
قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ ... قرآن والفقهاء في البلدان
إذ هم مشبهة مجسمة وما ... دانوا بدين أكابر اليونان
стр. 186
وقال أيضا:
وكذا نصير الشرك في أتباعه ... أعداء رسل الله والإيمان
نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم ... وغزوا جيوش الدين والقرآن
فجرى على الإسلام منهم محنة ... لم تجر قط بسالف الأزمان
فانظروا أيها المسلمون إلى شدة عداوة الفلاسفة والرافضة للإسلام وأهله وخبث طويتهم وكيدهم للمسلمين وطلبهم الغوائل لهم والشرور حتى أوقعوا بهم هذا الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ في الإسلام أشنع ولا أبشع منه.
فهذا دليل على أن انتسابهم إلى الإسلام كذب محض ومكر وخديعة ليفعلوا بالإسلام مثل ما فعله بولص بالنصرانية.
ولهذا قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ليس الفلاسفة من المسلمين.
ونقل عن بعض أعيان القضاة في زمانه أنه قيل له. ابن سينا من فلاسفة الإسلام فقال ليس للإسلام فلاسفة.
قلت وفي هذا حكاية عجيبة ذكرها ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء في ترجمة أحمد بن الحسين بن مهران المقري أبي بكر النيسابوري قال ياقوت: كان مجاب الدعوة مات في السابع والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وتوفي في ذلك اليوم أبو الحسن العامري صاحب الفلسفة. قال الحاكم فحدثني عمر بن أحمد الزاهد قال سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أنه رأى أبا بكر بن الحسين بن مهران في المنام في الليلة التي دفن فيها قال: فقلت أيها الأستاذ ما فعل الله بك فقال: إن الله أقام أبا الحسن العامري بحذائي وقال: هذا فداؤك من النار. ثم ذكر الحاكم بإسناد رفعه إلى أبي موسى الأشعري
стр. 187
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأمة رجلا من الكفار فيقول: هذا فداؤك من النار» وهذا الخبر إذا قرن بالرؤيا صار من براهين الشرع. انتهى.
وقد ذكر ابن كثير هذه الحكاية في البداية والنهاية مختصرة.
وحديث أبي موسى ﵁ الذي ذكره الحاكم قد رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي أسامة عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل مؤمن رجل من أهل الملل فيقال له: هذا فداؤك من النار» هذا لفظ أحمد. ولفظ مسلم «إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» ورواه الإمام أحمد أيضا من طريق أخرى بنحو رواية مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه. وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو وهم المشاؤن خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها وهي التي يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين. انتهى.
ومن أقوال الفلاسفة التي ذكرها شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه: أن النبوة مكتسبة وأنها فيض يفيض على روح النبي إذا استعدت نفسه لذلك فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه. والنبي عندهم من جنس غيرهم من الأذكياء الزهاد لكنه قد يكون
стр. 188
أفضل. والملائكة عندهم هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية. وكلام الله هو ما يسمع في نفسه من الأصوات بمنزلة ما يراه النائم في منامه. ويجوزون على الأنبياء الكذب في خطاب الجمهور للمصلحة. والفيلسوف عند بعضهم أعظم من النبي. وعند بعضهم أن الرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة. والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة عندهم سياسة مدنية. إلى غير ذلك من كفريات الفلاسفة وأقوالهم الباطلة.
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية
لكن حقيقة قولهم أن قد أتوا ... بالكذب عند مصالح الإنسان
والفيلسوف وذا الرسول لديهم ... متفاوتان وما هما عدلان
أما الرسول ففيلسوف عوامهم ... والفيلسوف نبي ذي البرهان
والحق عندهم ففيما قاله ... أتباع صاحب منطق اليونان
ومضى على هذي المقالة أمة ... خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان
منهم نصير الكفر في أصحابه ... الناصرين لملة الشيطان
فاسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء كل موحد رباني
واسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء رسل الله والقرآن
وقد تعلق بأذيالهم كثير من منافقي هذه الأمة من المتقدمين والمتأخرين إلى زماننا ووردوا مواردهم الخبيثة, فمستقل منها ومستكثر.
وكثير منهم أضر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين.
وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي مما قيل فيهم.
стр. 189
الدين يشكو بليه ... من فرقة فلسفيه
لا يشهدون صلاة ... إلا لأجل التقيه
ولا ترى الشرع إلا ... سياسة مدنيه
ويؤثرون عليه ... مناهجا فلسفيه
قلت وقد ذكر لنا عن بعض أتباعهم في زماننا أنهم لا يصلون إلا للرياضة أو للتقية. وأنهم ينكرون وجود الملائكة وتنزلهم بأمر الله وتدبيرهم للأمور بإذنه. وبعضهم ينكرون كونهم يعقلون وإنما هم عندهم بمنزلة الجمادات والنباتات وينكرون أيضا وجود الجن وصرعهم لبني آدم ويسمون الصرع الأمراض العصبية. إلى غير ذلك مما دخل عليهم من سموم الفلاسفة وجراثيم أمراضهم المهلكة.
وليعلم أن بين الفلاسفة والملاحدة الباطنية تناسبا وتقاربا واتفاقا في بعض الأمور.
وقد ذكر بعض العلماء عن ابن سينا أنه قال كان أبي وأخي من أهل دعوة الحاكم - يعني العبيدي.
وكان نصير الشرك الطوسي وزيرا لأصحاب قلاع الالموت من الإسماعيلية وكانوا ينتسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي. ثم وزر لهولاكو. وقد شرح الإشارات لابن سينا. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أكابر العلماء.
وذكر شيخ الإسلام أيضا في رده على الرافضي عن نصير الشرك الطوسي أنه كان ممن يقول أن الله موجب بالذات لا مختار ويقول بقدم العالم. قال وهذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزيرا لملاحدة الباطنية
стр. 190
الإسماعيلية بالألموت ثم لما قدم التتر المشركون هولاكو أشار عليه بقتل الخليفة وبقتل أهل العلم والدين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من النخشية السحرة وأمثالهم وأنه لما بنى المرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين كان أخس الناس نصيبا منه من كان إلى أهل الملل أقرب وأوفرهم نصيبا من كان أبعدهم عن الملل مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين. ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته ولا يحافظون على الفرائض كالصلاة ولا ينزعون عن محارم الله من الخمر والفواحش وغير ذلك من المنكرات حتى أنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلاة وارتكاب الفواحش وفعل ما يعرفه أهل الخبرة بهم. ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى إلى أن قال: وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه في المسلمين أشهر وأعرف من أن يوصف. انتهى.
ومع ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى عن نصير الشرك الطوسي من الأفعال الشنيعة والأقوال الباطلة الوضيعة فقد خالفهما الصواف وصار معهما في طرفي نقيض حيث بالغ في الثناء على نصير الشرك ووصفه بما لا يستحقه وجعله من سلفه الصالح وفي هذا أوضح دليل على كثافة جهله وعدم تمييزه بين الطيب والخبيث.
وقد ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) عن عبيد الله بن الحسين القيرواني جد العبيديين أنه قال في رسالته
стр. 191
إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي القرمطي إذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى الفلاسفة معولنا وأنا وإياهم مجمعون على رد نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم لولا ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالم مديرا لا نعرفه.
وذكر شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي نحو ذلك أيضا نقله عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني.
ورسالة عبيد الله إلى القرمطي تسمى عندهم بالبلاغ الأكبر والناموس الأعظم أوصاه فيها بالدعاء إلى مذهبهم الخبيث وأمره بالاحتفاظ بإخوانهم الفلاسفة وهذا مما يدعو كل مسلم إلى زيادة البغض للفلاسفة ومقتهم والبعد عنهم.
ولكن الأمر قد انعكس في زماننا فصار الانتساب إلى الفلسفة مألوفا عند كثير من المسلمين بل عند كثير من المنتسبين إلى العلم فإذا بالغوا في مدح العالم والثناء عليه قالوا: (هو فيلسوف). وكذلك الكلام المشتمل على الحكم يسمونه فلسفة ويجعلون الوصف بذلك تعظيما له وثناء عليه. وهو في الحقيقة تهجين له وعيب وذم, لأنه ليس للإسلام فلاسفة وليس الفلاسفة من المسلمين. وأقل ما يقال في ذلك أنه خلاف عرف المسلمين ولغتهم وعدول عن ذلك إلى عرف اليونان ولغتهم وذلك نوع من التشبه بهم. وفي الحديث الصحيح «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: إسناده جيد. وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح. وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن. وقد احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى وذلك يقتضي صحته عنده.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى وهذا الحديث
стр. 192
أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وأن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. انتهى.
وقد قال الله تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى ﴿فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾.
فسماها الله تعالى حكمة ولم يسمها فلسفة. وكذلك سمى أهلها علماء وأئمة وربانيين وأحبارا ولم يسمهم فلاسفة. قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وقال تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
فسماها حكمة ولم يسمها فلسفة.
وروى أبو نعيم وغيره عن سويد بن الحارث ﵁ أن رسول الله ﷺ أثنى على وفد الأزد ووصفهم بأنهم حكماء علماء ولم يقل إنهم فلاسفة.
وفي حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم
стр. 193
فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي.
وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء فالفلاسفة ورثة اليونان وكان معلمهم الأول أرسطو وزيرا للإسكندر بن فليبس المقدوني ملك اليونان وكان هو والملك وأصحابهما مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويعانون السحر. فهذا ميراثهم الذي خلفوه لأتباعهم مع ما تقدم ذكره عنهم قريبا وما لم يذكر فهو أكثر.
وأما معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي التركي فقد خلف لهم من الميراث أنواع الألحان والمعازف.
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
أنى يقاوم ذي العساكر طمطم ... أو تنكلوشا أو أخو اليونان
أعني أرسطو عابد الأوثان أو ... ذاك الكفور معلم الألحان
ذاك المعلم أولا للحرف والثا ... ني لصوت بئست العلمان
هذا أساس الفسق والحرف الذي ... وضعوا أساس الكفر والهذيان
إذا عرف هذا فما أسفه رأي من رغب عن الأسماء التي اختارها الله لهذه الأمة واختارها رسول الله ﷺ وكانت هي المعروفة عنده وعند أصحابه والتابعين لهم بإحسان. وعدل إلى أسماء أجنبية عن الإسلام وأهل الإسلام ولغتهم وعرفهم.
وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى في رده على زنادقة البحرين لما خاطبوا رشيد رضا باسم الفيلسوف
ثم لو سلمنا أن الفيلسوف على عرف الفلاسفة وأتباعهم من أهل الكلام
стр. 194
هو محب الحكمة وأنه يمدح ويثنى به على العالم المصلح المرشد للعباد لم يكن هذا من عرف أهل الإسلام ولا من لغتهم ولا يمدح به أحد من علماء الإسلام, لأنه قد كان من المعلوم أنه لم يكن يسمى به أحد من علماء الصحابة ولا علماء التابعين ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين والعلماء المصلحين المرشدين ولا أكابر علماء أهل الحديث المجتهدين بل كان هذا الاسم في عرف أهل الإسلام لا يسمى به إلا من كان من علماء الفلاسفة ومن نحا نحوهم من زنادقة هذه الأمة فكان في الحقيقة إن هذا مما يعاب ويذم به من يسمى بذلك لا مما يمدح ويثنى به عليه. ولو أراد هؤلاء المتنطعون المتعمقون أن ينقلوا هذا عن أحد من أهل العلم أو يذكروه في شيء من دواوين أهل الإسلام لم يجدوا إلى ذلك سبيلا البتة. اللهم إلا ما يذكر عن أشباه هؤلاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق. الذين لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق من الفهم. إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ومما ذكرنا يعلم أن اسم الفيلسوف ليس بمدح وإنما هو ذم على الحقيقة وإن هذا الاسم هو اللائق بنصير الشرك الطوسي وأشباهه من ورثة اليونان. ولا ينبغي أن يسمي به أحد من علماء المسلمين.
وأما قوله وكان يراقب النجوم والقمر ويرصد حركاتها بمرصد مراغة في مصر.
فجوابه أن يقال إن نصير الشرك الطوسي إنما بنى المرصد بمدينة مراغة المعروفة بأذربيجان. قال محمد فريد وجدي في دائرة المعارف ولما نبغ نصير الدين الطوسي بنى مرصدا في المراغة بالتركستان أنفق عليه الأموال الطائلة وهذا هو الصحيح لا ما توهمه الصواف.
стр. 195
وأما قوله وبعد السنين الطوال طلع على الناس بكتبه الفذة في علم الفلك.
فجوابه أن يقال وهو مع ذلك على مذهب أهل الهيئة القديمة في القول بجريان الشمس وثبات الأرض. فأي فائدة للصواف من الجعجعة بذكره وذكر غيره من الفلكيين الذين هم على خلاف ما يراه هو وأسلافه أهل الهيئة الجديدة من ثبات الشمس ودوران الأرض حولها.
وأما قوله ولو أردنا أن نزيد لأتينا بالشيء الكثير الغزير من فعل سلفنا الصالح ﵏ ورضي الله عنهم وأرضاهم وحشرنا وإياهم مع المتقين الأبرار.
فجوابه أن يقال قد ذكر الصواف في مقدمة رسالته في صفحة ١٢ أن ما جمعه في رسالته فهو مما تركه العلماء الأعلام والخلفاء العظام.
فأما علماؤه الذين أشار إليهم فهم أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج وقد ذكرت قريبا أسماء جملة منهم. وذكرت في أول الكتاب جملة ممن نقل عنهم واعتمد على جهالاتهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وهم جيمس أوثر. ولابلاس. وسيمون. وتوماس جولد. ودونالد مينزل. واللورد افبري. وسبريل هازارد. والبروفيسور شميدت. وأرثر فندلاي. وسيمون نيوك وأصحاب المرصد الأمريكي. والمراصد في ليك. ومونت. ويلسون. وبالومار.
فهؤلاء كلهم من الإفرنج وهم علماء الصواف الذين زعم أنهم أعلام.
ومن علمائه أيضا وأعلامه الذين اعتمد على تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة جميل صدقي الزهاوي وهو من الجهمية كما تقدم إيضاح ذلك في أول الكتاب.
والجهمية كفار كما قد نص على ذلك أئمة السلف. قال شيخ الإسلام أبو
стр. 196
العباس بن تيمية رحمه الله تعالى المشهور من مذهب أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب. وحقيقة قولهم جحود الصانع وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله ﷺ بل وجميع الرسل. وقال غير واحد من الأئمة إنهم أكفر من اليهود والنصارى. وبهذا كفروا من يقول إن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة وأن الله ليس على العرش وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب ونحو ذلك من صفاته.
وقال أيضا نفي الصفات كفر والتكذيب بأن الله لا يرى في الآخرة كفر وكذلك ما كان في معنى ذلك كإنكار تكليم الله لموسى واتخاذ الله إبراهيم خليلا. انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنـ ... ـهم بل حكاه قبله الطبراني
فذكر رحمه الله تعالى أن خمسمائة عالم كفروا الجهمية. وقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة جملة منهم. وكان بعض الأئمة يسميهم الزنادقة. وروي عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما من أهل العلم والحدث أنهم قالوا أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع: الخوارج والروافض والمرجئة والقدرية. قيل لابن المبارك فالجهمية قال ليست الجهمية من أمة محمد ﷺ .
وكلام أئمة السلف في ذم الجهمية وتكفيرهم كثير جدا.
وعن أحمد رحمه الله تعالى في تكفير من لم يكفر الجهمية روايتان.
стр. 197
وبالتكفير يقول أبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وحكى أبو زرعة وأبو حاتم ذلك عمن أدركاه من العلماء في جميع الأمصار.
ومن علماء الصواف وأعلامه أيضا نصير الشرك الطوسي وقد تقدم الكلام فيه قريبا.
ومن علمائه وأعلامه أيضا أبو علي ابن الهيثم. وسيأتي الكلام فيه قريبا ومن علمائه وأعلامه أيضا علي بن عبد الرحمن بن يونس المنجم صاحب الزيج الحاكمي وقد ذكر ابن خلكان عنه أنه كان قد أفنى عمره في الرصد والتسيير للمواليد وأنه كان يقف للكواكب. ثم نقل عن الأمير المسبحي قال أخبرني أبو الحسن المنجم الطبراني أنه طلع معه إلى جبل المقطم وقد وقف للزهرة فنزع ثوبه وعمامته ولبس ثوبا نساويا أحمر ومقنعة حمراء تقنع بها وأخرج عودا فضرب به والبخور بين يديه.
قلت وهذه الأفعال كلها من أفعال فلاسفة اليونان وأتباعهم من الكفرة الذين يعبدون الكواكب ويتقربون إليها بما يرون أنه يناسبها من اللباس والبخور والضرب بآلات اللهو.
ومن علمائه وأعلامه أيضا طنطاوي جوهري وموسى جار الله. وسيأتي ذكر ما نقله عنهما من الهوس والهذيان في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأما خلفاؤه الذين زعم أنهم عظام فهم الملوك المنحرفون ومنهم المأمون والحاكم العبيدي وبعض بني بوبه والسلاجقة وهولاكو وتيمورلنك وحفيده أولغ بيك وأشباههم من الملوك المفتونين بالنجوم وعمل الأرصاد. فهؤلاء مع من ذكرنا من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم هم السلف الطالح للصواف الذين يترحم عليهم ويسأل الله أن يرضى عنهم ويرضيهم ويحشره وإياهم مع
стр. 198
المتقين الأبرار. هذا مبلغ علم الصواف وحاصل عقله. وقد قال الله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ومن أعظم عمى القلب أن يعتقد الشخص في أعداء الله من الكفرة والفجرة الطالحين أنهم من السلف الصالحين ويترحم عليهم ويسأل الله تعالى أن يرضى عنهم ويرضيهم ويحشره وإياهم مع المتقين الأبرار. نعوذ بالله من عمى البصيرة ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. اللهم أرنا الحق حق وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
فصل
وقال الصواف في صفحة ٧١ ما نصه
يقول علماء الفلك القمر أقرب الأجرام السماوية للأرض وأقل حجما منها. يدور حول الأرض مرة كل شهر. وجاذبية القمر مع جاذبية الشمس هي التي تسبب بقدرة الله المد والجزر في البحر. وقد درس الفلكيون أحوال القمر الجغرافية ووصفوها ورسموا لها الرسومات لتبيين جباله وأوديته. يقول "اللورد افبري" أن سطح القمر صحاري وقفار تتناهض فيها البراكين الخامدة وجباله ضخمة عظيمة يبلغ ارتفاعها ٤٢ ألف قدم بزيادة تقرب من ١٣ ألف قدم عن أعلى جبل على سطح الأرض. وفوهات البراكين هائلة العظمة يبلغ قطرها ٧٨ ميلا. ويقولون إن جبال القمر أقدم بكثير من سلاسل الجبال الأرضية بملايين السنين.
стр. 199
والجواب أن يقال أما قول الفلكيين أن القمر أقر الأجرام السماوية إلى الأرض فهو تخرص لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. وما لم يكن عليه دليل فليس عليه تعويل.
وأما قولهم إن القمر أصغر حجما من الأجرام السماوية. فهو أيضا من التخرص واتباع الظن الكاذب. وفي القرآن والسنة ما يدل على أن القمر أكبر حجما من الكواكب. قال الله تعالى مخبرا عن مناظرة إبراهيم ﵊ لقومه ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وفي هذه الآيات دليل على أن القمر أكبر من الكواكب فإن الله تعالى بدأ بذكر الأصغر أولا ثم ثنى بذكر ما هو أكبر منه ثم ذكر ما هو أكبر منهما.
ويدل على ذلك أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
ورواه الدارمي ولفظه «وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم».
وروى أبو نعيم في الحلية عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
стр. 200
وفي تفضيل القمر على سائر الكواكب دليل على أنه أكبر منها حجما وأشد إضاءة.
وأيضا فقد قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله».
وفي النص على أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تنويه بعظم شأنهما وأنهما أكبر من سائر الكواكب.
وأما قولهم إن جاذبية القمر مع جاذبية الشمس هي التي تسبب المد والجزر في البحر.
فجوابه أن يقال أما الشمس فلا تأثير لها في مد البحر وجزره.
وأما القمر فقد جعل الله له خاصية في المد والجزر. ولم يقم دليل على أن ذلك بسبب الجاذبية.
وللمد والجزر حالتان: حالة يومية وحالة شهرية كما قد شاهدنا ذلك في الخليج العربي.
فأما الحالة اليومية فإنه يمد ويجزر في اليوم والليلة مرتين. إذا طلع القمر في آية ساعة من ليل أو نهار إذا الماء قد انتهت زيادته. ثم يأخذ في النقص إلى أن يتوسط القمر في السماء فحينئذ ينتهي النقصان. فإذا زال القمر عن وسط السماء إلى جهة المغرب أخذ الماء في الزيادة إلى أن يصل القمر إلى المغرب فحينئذ تنتهي الزيادة كما كانت عند طلوع القمر, فإذا غرب القمر أخذ الماء في النقصان إلى أن يتوسط القمر فيما بين المشرق والمغرب فحينئذ ينتهي النقصان
стр. 201
ثم يأخذ الماء في الزيادة إلى وقت طلوع القمر فحينئذ تنتهي الزيادة. وهكذا أبدا.
وأما الحالة الشهرية فإنه يمد ويجزر في الشهر مرتين. إذا كان في أول يوم من الشهر إذا الماء قد انتهت زيادته ثم يأخذ في النقص إلى اليوم الثامن فحينئذ ينتهي النقصان ثم يأخذ في الزيادة إلى نصف الشهر فإذا انتصف الشهر إذا الزيادة قد انتهت كما كانت في أول يوم من الشهر ثم يأخذ في النقص إلى اليوم الثاني والعشرين من الشهر فحينئذ ينتهي النقصان ثم يأخذ في الزيادة إلى تمام الشهر فحينئذ تنتهي الزيادة. وهكذا أبدا. حكمة بالغة من حكيم عليم.
وأما قوله وقد درس الفلكيون أحوال القمر الجغرافية إلى آخره.
فجوابه أن يقال كل ما ذكره الفلكيون ههنا عن القمر فهي تخرصات وظنون كاذبة. ومن أين للفلكين أن يصلوا إلى القمر ويدرسوا أحواله الجغرافية وهو في السماء بنص القرآن وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام بنص الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فوصول الفلكيين إلى القمر مستحيل وظنونهم وتخرصاتهم عما فيه مردود عليهم.
وأما قوله ويقولون إن جبال القمر أقدم بكثير من سلاسل الجبال الأرضية بملايين السنين.
فجوابه أن يقال هذا من أبطل الباطل, لأن الله تعالى قد نص على أنه خلق الأرض قبل خلق السماء وما فيها فقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا
стр. 202
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال ﷺ «خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبار يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ لمن سأله. قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة».
وفي الآيات التي ذكرنا مع حديث ابن عباس ﵄ دليل على أن الأرض خلقت قبل السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم. بل في حديث ابن عباس ﵄ النص على أن الشمس والقمر والنجوم خلقت يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها الخليقة. وفي هذا أبلغ رد على ما يهذو به طواغيت الإفرنج من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة إن في القمر جبالا أقدم من الجبال الأرضية بملايين السنين.
وروى ابن جرير أيضا عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال: (إن
стр. 203
الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والاثنين وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة).
وروى ابن جرير أيضا من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ وعن مرة ابن مسعود ﵁ وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﵃ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قال إن الله ﵎ كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق الحرج من الماء دخانا فارتفع فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول قل لمن يسألك هكذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول ﴿خَلَقَ
стр. 204
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويقول ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾.
وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلقت ثار منها دخان فذلك قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فسواهن سبع سموات بعضهن فوق بعض وسبع أرضين بعضهن فوق بعض.
وقال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: قال قتادة: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها.
وقال مقاتل وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي وذلك يوم الخميس والجمعة. انتهى.
وهذه الآثار تعضد حديث ابن عباس ﵄ المذكور قبلها وتدل على ما دل عليه من تقدم خلق الأرض وما فيها من الجبال على خلق السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم. وفي ذلك رد على من زعم أن في القمر جبالا أقدم من جبال الأرض بملايين السنين.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٧١ ولقد رصد أسلافنا القمر قبل أهل الشرق والغرب. إلى آخر ما نقله من كلام ابن الهيثم في صفحة ٧٣.
قلت وقد استوفيت الرد على هذه المواضع في آخر الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
وقد زعم الصواف في صفحة ٧٣ أن ابن الهيثم عالم مسلم وهذا خطأ ظاهر
стр. 205
فإن ابن الهيثم فيلسوف جاهل بالعلوم الشرعية النافعة التي هي العلم على الحقيقة وأهلها هم العلماء على الحقيقة. وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
والفلاسفة ليسوا من المسلمين فضلا عن أن يكونوا من العلماء. قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: ليس الفلاسفة من المسلمين. ونقل عن بعض أعيان القضاة في زمانه أنه قيل له ابن سينا من فلاسفة الإسلام فقال: ليس للإسلام فلاسفة.
وقد كان ابن الهيثم من أصحاب الحاكم العبيدي وقد ولاه الحاكم بعض الدواوين. وقد تقدم كلام العلماء في تكفير العبيديين وأنهم أكفر من المشركين المحاربين من الإفرنج وغيرهم وأعظم كفرا وردة من كفر أتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين. ومن تولى شيئا من أعمالهم فهو منهم. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له وقد سئل عن المعز بن تميم الذي بنى القاهرة. قال: ومما يبين هذا أن المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الإسلام كانوا من أتباع مفسر بن قابل أحد أمرائهم وأبى علي ابن الهيثم اللذين كانا في دولة الحاكم نازلين قريبا من الجامع الأزهر. وابن سينا وأبوه وأخوه كانوا من أتباعهم. انتهى. وفي كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كفاية في رد ما زعمه الصواف من إسلام ابن الهيثم والله أعلم.
فصل
ونقل الصواف في صفحة ٧٤ عن ابن باديس أنه قال في الشمس أنها هي التي أبصرت القمر.
стр. 206
والجواب أن يقال بل الله وحده لا شريك له هو الذي جعل الضياء في الشمس والنور في القمر قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.
فإن قيل أن نور القمر مستفاد من نور الشمس فما وجه الاعتراض على ابن باديس.
فالجواب أن يقال أن إسناد الأبصار إلى الشمس شرك بالله تعالى, لأن الله تعالى هو الذي جعل الضياء في الشمس وجعله يمتد منها إلى القمر وينعكس منه إلى الأرض. فهذا كله خلق الله وفعله. والواجب في مثل هذا أن يسند الفعل إلى الفاعل المختار لا إلى المخلوق المربوب المدبر. ومن أسند شيئا من أفعال الله تعالى إلى غيره فقد أشرك به.
فصل
وذكر الصواف في صفحة ٤ ما نقله الألوسي عن ابن قتيبة في ذكر منازل القمر الثماني والعشرين وعد منها السماك الرامح وليس هو من المنازل وأسقط سعود السعود وهو من المنازل.
وهذا غلط أما من الألوسي أو ممن قبله من النساخ ويبعد أن يكون ذلك عن ابن قتيبة. وقد نبهت على هذا الغلط في آخر الصواعق الشديدة.
стр. 207
فصل
وقال الصواف في صفحة ٧٨ ما نصه:
واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر - كالأرض - كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد فكانت إضاءته في أزمان حموه وزالت لما برد.
لنقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية. ذلك الكتاب الذي جعله الله حجة لنبيه ﷺ وبرهانا لدينه على البشر مهما ترقوا في العلم وتقدموا في العرفان. فإن ظلام جرم القمر لم يكن معروفا أيام نزول الآية عند الأمم إلا أفرادا قليلين من علماء الفلك. وأن حمو جرمه أولا وزواله بالبرودة ثانيا ما عرف إلا في هذا العهد أبعد الأمم من العلم. فلم يكن ليعلم هذا ويقوله إلا بوحي من الله الذي خلق الخلائق وهو العليم بها وبحقائقها.
والجواب أن يقال أما ما ذكره عن علماء الفلك أن جرم القمر - كالأرض - كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد فكانت إضاءته في أزمان حموه وزالت لما برد.
فهو تخرص لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح. وقد انقطع الوحي عن الأرض بموت النبي ﷺ ولم يبقَ إلا وحي الشياطين إلى أوليائهم بالأكاذيب والظنون التي لا تغني من الحق شيئا. بل تضل من اتبعها عن سبيل الله وتهديه إلى صراط الجحيم.
стр. 208
وهذا الوحي الشيطاني هو الذي يعتمد عليه طواغيت الإفرنج فيما يزعمونه عن الماضي والمستقبل.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» رواه الإمام أحمد ومسلم في مقدمة صحيحه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية لمسلم «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم يضلونكم ولا يفتنونكم».
وهذا الحديث ينطبق على طواغيت الإفرنج الذين يتخرصون عن الماضي والمستقبل وعن الأرض والشمس والقمر وغيرهما من الأجرام العلوية بما لا علم لهم به ولا مستند لهم فيه سوى ظنونهم الكاذبة.
ومن أين لأعداء الله العلم بأنه كان للأرض والقمر منذ خلقا أحقاب طويلة وملايين من السنين وهم لم يشهدوا خلقهما ولم يأتهم بما زعموه من الأحقاب والملايين خبر عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ .
ومن أين لهم العلم بأنهما كانا شديدي الحمو والحرارة ثم بردا بعد ذلك وأن القمر كان يضيء في زمان حموه ثم زالت إضاءته لما برد وهم لم يشهدوا ذلك ولم يأتهم بذلك خبر عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ .
وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ
стр. 209
أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
وفي هذه الآيات أبلغ تحذير من القول بغير علم واتباع ما لم يكن في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ﷺ والإصغاء إلى تخرصات المتخرصين.
وأما قوله لتقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال لم يأت في كتاب الله تعالى أنه كان للقمر والأرض منذ خلقا أحقاب طويلة وملايين من السنين. ولم يأت في كتاب الله تعالى أن القمر والأرض كانا شديدي الحمو والحرارة ثم بردا بعد ذلك وأن القمر كان يضيء في زمان حموه ثم زالت إضاءته لما برد.
كل هذا لم يخبر الله به في كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ . ومن زعم أن ذلك في كتاب الله وأنه من معجزات القرآن العلمية فقد أعظم الفرية على الله وعلى كتابه.
وقد توعد الله المفترين عليه بأعظم الوعيد فقال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ
стр. 210
رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وقال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الوجه الثاني أن الصواف لم يقف خاشعا متذكرا أمام معجزة القرآن العلمية كما زعم ذلك وإنما وقف خاشعا متذكرا أمام هذيان الفلكيين وتخرصاتهم الوهمية وبحوثهم الجهلية عن جرم القمر والأرض. وكلامه الذي ذكرنا في أول الفصل أعظم شاهد عليه بذلك.
وأما قوله فإن ظلام جرم القمر لم يكن معروفا أيام نزول الآية عند الأمم إلا أفرادا قليلين من علماء الفلك. وأن حمو جرمه أولا وزواله بالبرودة ثانيا ما عرف إلا في هذا العهد الأخير.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال أما السواد الذي في القمر فقد جاء فيه أقوال عن بعض الصحابة والتابعين. قال ابن الجوزي في تفسيره عند قوله تعالى ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ فيه قولان أحدهما أن آية الليل القمر ومحوها ما في بعض القمر من الاسوداد. وإلى هذا المعنى ذهب علي وابن عباس ﵃ في آخرين. والثاني آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل فنسب المحو إلى الظلمة إذ كانت تمحو الأنوار وتبطلها ذكره ابن الأنباري.
стр. 211
وقال ابن كثير في تفسيره قال ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ قال ظلمة الليل وسدف النهار. وقال ابن جريج عن مجاهد الشمس آية النهار والقمر آية الليل ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال السواد الذي في وجه القمر وكذلك خلقه الله تعالى.
قلت هذا الأثر والذي قبله قد رواهما ابن جرير في تفسيره بإسناده عن ابن جريج.
وقال ابن جريج قال ابن عباس ﵄ كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ السواد الذي في القمر.
وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ فهذه محوه.
وقال قتادة في قوله ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه ﴿وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: منيرة وخلق الشمس أنوار من القمر وأعظم.
قلت قد رواه ابن جرير في تفسيره بإسناده نحوه.
وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس ﵄ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ﴾ قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله . انتهى.
فهذه أقوال المفسرين في تفسير الآية الكريمة. وحسب المسلم أن يقتصر
стр. 212
في تفسير آيات القرآن على ما نقل عن المفسرين من سلف الأمة ولا يتكلف ما لا علم له به.
وأما تفسير الآية الكريمة بما تخرصه الفلكيون وتوهموه بعقولهم الفاسدة من حمو جرم القمر أولا وزواله بالبرودة ثانيا فهذا من الافتراء على الله والإلحاد في آياته.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. انتهى.
ورواية ابن جريج عن ابن عباس ﵄ أن القمر كان يضيء كما تضيء الشمس لا يعتمد عليها, لأنها منقطعة.
وأيضا فرواية ابن أبي نجيح عنه تعارضها. وقد صرح فيها أن الليل والنهار كذلك خلقهما الله. فهذه الرواية تفيد أن السواد الذي في القمر كان فيه من أصل الخلقة وأن قوله تعالى ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ معناه جعل السواد في القمر من أول خلقه. ويدل على ذلك قول مجاهد وكذلك خلقهما الله تعالى.
ومجاهد إنما تلقى التفسير عن ابن عباس ﵄ كما قال محمد بن إسحاق حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه واسأله عنها.
وروى ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال رأيت مجاهدا سأل ابن عباس ﵄ عن تفسير القرآن ومعه الواحة قال: فيقول له ابن عباس
стр. 213
رضي الله عنهما: اكتب حتى سأله عن التفسير كله. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
ولو صحت رواية ابن جريج فليس فيها أن جرم القمر كان في أول الأمر شديد الحمو والحرارة ثم برد بعد ذلك وإنما فيها أنه كان يضيء كما تضيء الشمس. والإضاءة لا يلزم منها وجود الحمو والحرارة. وأيضا فالأمور الغيبية إنما تعلم من طريق الوحي ولا وحي على ما زعموه من حمو جرم القمر في أول الأمر البتة.
الوجه الثاني: أن يقال لو كان ما ذكره في معنى الآية صحيحا لكان معروفا عند الصحابة والتابعين فإنهم أعلم بعاني القرآن ومعجزاته وما أريد به ممن كان بعدهم ولاسيما علماء الصحابة ﵃ فإنهم قد امتازوا على غيرهم بالفهم التام والأخذ عن النبي ﷺ .
قال ابن مسعود ﵁ كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. رواه ابن جرير بإسناد صحيح.
وفي الصحيحين عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁ والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فما أنزلت.
ورواه ابن جرير ولفظه قال عبد الله والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين أنزلت.
فأما ما توحيه الشياطين من التخرصات والظنون الكاذبة فالصحابة أجل قدرا من أن يتعلقوا بها أو تروج عندهم. وكذلك التابعين وتابعوهم بإحسان
стр. 214
وأئمة العلم والهدى من بعدهم. وإنما تروج عند العصريين المفتونين بخرافات الإفرنج وأكاذيبهم ورجمهم بالغيب.
الوجه الثالث: أن يقال من أعظم الإزراء بالصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم أن يقال إنهم جهلوا معنى قوله تعالى ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ وأن أهل هذا العهد الأخير من الفلكيين وأتباعهم من العصريين الذين هم أبعد الناس عن معرفة معاني القرآن والعمل به هم الذين عرفوه. وهذا ظن سوء بخيار هذه الأمة لا يصدر من رجل له أدنى مسكة من عقل.
وأما قوله والذي تلا هذه الآية وأعلن هذه الحقائق العلمية الخطيرة منذ أربعة عشر قرنا من الزمن إنما هو نبي أمي من أمة أمية كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم. فلم يكن ليعلم هذا ويقوله إلا بوحي من الله الذي خلق الخلائق وهو العليم بها وبحقائقها.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن النبي ﷺ قد تلا الآية الكريمة - أعني قول الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الآية - وتلقاها عنه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ولم ينقل عنه ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه قال: كان للأرض والقمر منذ خلقا أحقاب طويلة وملايين من السنين وإنهما كانا شديدي الحمو والحرارة في أول الأمر ثم بردا بعد ذلك وأن القمر كان يضيء في زمان حموه ثم زالت إضاءته لما برد.
ومن زعم أن النبي ﷺ أعلن هذه الخرافات الجهلية الحقيرة فقد افترى عليه.
стр. 215
وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
وفي رواية للبخاري وغيره «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».
الوجه الثاني: أن ما ذكره ههنا عن الأرض والقمر ليس من الحقائق العلمية الخطيرة في شيء ولا يمت إليها بصلة وإنما هو من الخرافات الجهلية الحقيرة التي أوحتها الشياطين إلى أوليائهم من طواغيت الإفرنج وألقتها طواغيت الإفرنج إلى أتباعهم ومقلديهم من العصريين فتداولوها بينهم حتى وصلت إلى الصواف فنشرها مع ما جمعه من هذيان أهل الهيئة الجديدة وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة عن الأرض والشمس والقمر والنجوم ثم زعم أن ذلك من علوم المسلمين في الفلك وذلك كذب على المسلمين. فقد جمع ههنا بين الكذب على الله وعلى كتابه وعلى رسوله وعلى المسلمين. ثم زعم أن ذلك من الحقائق العلمية الخطيرة. وهذا من قلب الحقائق كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان.
الوجه الثالث: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فقد زعم أن حمو جرم القمر أولا وزواله بالبرودة ثانيا ما عرف إلا في هذا العهد الأخير. ثم زعم أن النبي ﷺ قد أعلن هذه الخرافات منذ أربعة عشر قرنا. وهذا تناقض لا يصدر من رجل يعلم ما يقول.
الوجه الرابع: أن يقال من أعظم الإزراء بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن يقال إن النبي ﷺ أعلن بينهم شيئا من الحقائق العلمية الخطيرة فلم يعرفوها وعرفها أفراد غيرهم من أعداء الله من الفلكيين وعرفها أيضا أهل هذا العهد الأخير من أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين الذين
следующие страницы →