← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17027

ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (357 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال ابن كثير في تفسيره قال ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ قال ظلمة الليل وسدف النهار. وقال ابن جريج عن مجاهد الشمس آية النهار والقمر آية الليل ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال السواد الذي في وجه القمر وكذلك خلقه الله تعالى. قلت هذا الأثر والذي قبله قد رواهما ابن جرير في تفسيره بإسناده عن ابن جريج. وقال ابن جريج قال ابن عباس ﵄ كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ السواد الذي في القمر. وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ فهذه محوه. وقال قتادة في قوله ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه ﴿وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: منيرة وخلق الشمس أنوار من القمر وأعظم. قلت قد رواه ابن جرير في تفسيره بإسناده نحوه. وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس ﵄ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ﴾ قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله . انتهى. فهذه أقوال المفسرين في تفسير الآية الكريمة. وحسب المسلم أن يقتصر

стр. 212

في تفسير آيات القرآن على ما نقل عن المفسرين من سلف الأمة ولا يتكلف ما لا علم له به. وأما تفسير الآية الكريمة بما تخرصه الفلكيون وتوهموه بعقولهم الفاسدة من حمو جرم القمر أولا وزواله بالبرودة ثانيا فهذا من الافتراء على الله والإلحاد في آياته. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. انتهى. ورواية ابن جريج عن ابن عباس ﵄ أن القمر كان يضيء كما تضيء الشمس لا يعتمد عليها, لأنها منقطعة. وأيضا فرواية ابن أبي نجيح عنه تعارضها. وقد صرح فيها أن الليل والنهار كذلك خلقهما الله. فهذه الرواية تفيد أن السواد الذي في القمر كان فيه من أصل الخلقة وأن قوله تعالى ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ معناه جعل السواد في القمر من أول خلقه. ويدل على ذلك قول مجاهد وكذلك خلقهما الله تعالى. ومجاهد إنما تلقى التفسير عن ابن عباس ﵄ كما قال محمد بن إسحاق حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه واسأله عنها. وروى ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال رأيت مجاهدا سأل ابن عباس ﵄ عن تفسير القرآن ومعه الواحة قال: فيقول له ابن عباس

стр. 213

رضي الله عنهما: اكتب حتى سأله عن التفسير كله. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. ولو صحت رواية ابن جريج فليس فيها أن جرم القمر كان في أول الأمر شديد الحمو والحرارة ثم برد بعد ذلك وإنما فيها أنه كان يضيء كما تضيء الشمس. والإضاءة لا يلزم منها وجود الحمو والحرارة. وأيضا فالأمور الغيبية إنما تعلم من طريق الوحي ولا وحي على ما زعموه من حمو جرم القمر في أول الأمر البتة. الوجه الثاني: أن يقال لو كان ما ذكره في معنى الآية صحيحا لكان معروفا عند الصحابة والتابعين فإنهم أعلم بعاني القرآن ومعجزاته وما أريد به ممن كان بعدهم ولاسيما علماء الصحابة ﵃ فإنهم قد امتازوا على غيرهم بالفهم التام والأخذ عن النبي ﷺ . قال ابن مسعود ﵁ كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. رواه ابن جرير بإسناد صحيح. وفي الصحيحين عن مسروق قال: قال عبد الله ﵁ والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فما أنزلت. ورواه ابن جرير ولفظه قال عبد الله والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين أنزلت. فأما ما توحيه الشياطين من التخرصات والظنون الكاذبة فالصحابة أجل قدرا من أن يتعلقوا بها أو تروج عندهم. وكذلك التابعين وتابعوهم بإحسان

стр. 214

وأئمة العلم والهدى من بعدهم. وإنما تروج عند العصريين المفتونين بخرافات الإفرنج وأكاذيبهم ورجمهم بالغيب. الوجه الثالث: أن يقال من أعظم الإزراء بالصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم أن يقال إنهم جهلوا معنى قوله تعالى ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ﴾ وأن أهل هذا العهد الأخير من الفلكيين وأتباعهم من العصريين الذين هم أبعد الناس عن معرفة معاني القرآن والعمل به هم الذين عرفوه. وهذا ظن سوء بخيار هذه الأمة لا يصدر من رجل له أدنى مسكة من عقل. وأما قوله والذي تلا هذه الآية وأعلن هذه الحقائق العلمية الخطيرة منذ أربعة عشر قرنا من الزمن إنما هو نبي أمي من أمة أمية كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم. فلم يكن ليعلم هذا ويقوله إلا بوحي من الله الذي خلق الخلائق وهو العليم بها وبحقائقها. فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن النبي ﷺ قد تلا الآية الكريمة - أعني قول الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الآية - وتلقاها عنه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ولم ينقل عنه ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه قال: كان للأرض والقمر منذ خلقا أحقاب طويلة وملايين من السنين وإنهما كانا شديدي الحمو والحرارة في أول الأمر ثم بردا بعد ذلك وأن القمر كان يضيء في زمان حموه ثم زالت إضاءته لما برد. ومن زعم أن النبي ﷺ أعلن هذه الخرافات الجهلية الحقيرة فقد افترى عليه.

стр. 215

وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وفي رواية للبخاري وغيره «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار». الوجه الثاني: أن ما ذكره ههنا عن الأرض والقمر ليس من الحقائق العلمية الخطيرة في شيء ولا يمت إليها بصلة وإنما هو من الخرافات الجهلية الحقيرة التي أوحتها الشياطين إلى أوليائهم من طواغيت الإفرنج وألقتها طواغيت الإفرنج إلى أتباعهم ومقلديهم من العصريين فتداولوها بينهم حتى وصلت إلى الصواف فنشرها مع ما جمعه من هذيان أهل الهيئة الجديدة وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة عن الأرض والشمس والقمر والنجوم ثم زعم أن ذلك من علوم المسلمين في الفلك وذلك كذب على المسلمين. فقد جمع ههنا بين الكذب على الله وعلى كتابه وعلى رسوله وعلى المسلمين. ثم زعم أن ذلك من الحقائق العلمية الخطيرة. وهذا من قلب الحقائق كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان. الوجه الثالث: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فقد زعم أن حمو جرم القمر أولا وزواله بالبرودة ثانيا ما عرف إلا في هذا العهد الأخير. ثم زعم أن النبي ﷺ قد أعلن هذه الخرافات منذ أربعة عشر قرنا. وهذا تناقض لا يصدر من رجل يعلم ما يقول. الوجه الرابع: أن يقال من أعظم الإزراء بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن يقال إن النبي ﷺ أعلن بينهم شيئا من الحقائق العلمية الخطيرة فلم يعرفوها وعرفها أفراد غيرهم من أعداء الله من الفلكيين وعرفها أيضا أهل هذا العهد الأخير من أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين الذين

стр. 216

هم من أجل الناس وأبعدهم عن العلوم النافعة. والصحابة ﵃ أجل قدرا من أن يجهلوا شيئا مما يعلنه رسول الله ﷺ بينهم من أنواع العلوم. وقد تلقوا القرآن والسنة من النبي ﷺ وبلغوهما عنه. وكانوا أعلم الأمة بكتاب الله تعالى وأقوال النبي ﷺ وأفعاله. وقد قال عبد الله بن عمر ﵄ (من كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة) رواه أبو نعيم في الحلية. وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه. وإذا كان الصحابة ﵃ أعمق هذه الأمة علما فمحال أن يعلن النبي ﷺ شيئا من الحقائق العلمية الخطيرة عن الأرض والقمر ولا يعرفها أحد منهم. ومحال أيضا أن يعرف الفلكيون في العهد الأخير وأتباعهم من العصريين من حقائق القرآن العلمية ما يعرفه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. فصل وقال الصواف في صفحة ٨٣ ما نصه: (حقائق عجيبة ومذهلة عن الكون) لا تظن أن الخيال هو صاحب هذه الحوادث المثيرة. إن الخيال لا يمكن

стр. 217

أن يصل إلى هذه الحقائق العجيبة المذهلة التي توصل إليها علم الفلك الحديث. إن الخيال مثلا لا يمكن أن يتصور أن مرصد كاليفورنيا التقط أخيرا صورة عمرها ستة آلاف مليون سنة. إن علماء الفلك أعلنوا حديثا أن هذه الصورة العجيبة أرسلت من إحدى النجوم واستمرت رحلتها ستة آلاف مليون سنة لتصل إلى الأرض. وحقائق أخرى غريبة اكتشفها الإنسان تؤكد كلها أن الأرض ما هي إلا فقاعة في محيط. حقائق أقل ما توصف به أنها مذهلة مذهلة. ثم ذكر في آخر صفحة ٨٣ وما بعدها إلى آخر صفحة ٨٧ هذيانَ كثيرا لبعض الفلكيين من الإفرنج. حاصله أن بعضهم قال: إن الشمس ترسل موجات راديو. وأنهم اكتشفوا نجمة جديدة قوية تبعد عن الأرض بمسافة ١٥٠٠ مليون سنة ضوئية وأنهم في عام واحد اكتشفوا ٣٥ منها أطلقوا عليها اسم أشباه النجوم. وأن الضوء في انتقاله إلينا من أشباه النجوم يستغرق في الرحلة ستة آلاف مليون سنة. ولذلك فالمنظر الذي نراه اليوم لهذه الأجرام السماوية النائية هو المنظر الذي كانت عليه منذ ستة آلاف مليون سنة وفي ذلك الوقت لم تكن الشمس ولا المجموعة الشمسية موجودة بعد. إذ أن عمر الشمس هو خمسة آلاف مليون سنة فقط كما يقولون - إلى أن قال - وقد خرج العلماء بعد هذا بثلاث نظريات علمية مثيرة, أن هذه النظريات. تقول إن الكواكب الأخرى مسكونة وأن سكانها سبقوا أهل الأرض في إطلاق سفن الفضاء وتفجير القنابل الذرية. إن هذه النظرية أشبه بالخيال. الشمس ليست إلا نجمة من النجوم المتوسطة. والمجموعة التي تنتمي إليها الشمس فيها ١.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ أي: مائة ألف مليون نجمة. وبالكون آلاف الملايين من مثل هذه المجموعات. وحول الشمس أسرة من عشرة

стр. 218

كواكب. والأرض كما هو معروف أحد هذه الكواكب. وبين الرقم المجهول الذي ذكرناه للنجوم توجد عشرة آلاف مليون نجمة تؤلف حولها أسرا كأسرة الشمس أي توجد عشرة آلاف مليون نجمة تدور حولها الكواكب والله أعلم. ثم ذكر الصواف أنه نقل هذا الهذيان من جريدة المدينة عدد ٦٤٨ - ٦٠٤. والجواب أن يقال ليس فيما ذكره الصواف في هذا الموضع شيء من الحقائق البتة وإنما هي تخرصات وضلالات سخيفة مضحكة تشبه هذيان المجانين. وسيأتي ذكر الأدلة على بطلانها إن شاء الله تعالى. ولا ينشر هذه الجهالات أو يصدق بها من له أدنى مسكة من عقل. وأما قوله لا تظن أن الخيال هو صاحب هذه الحوادث المثيرة. فجوابه أن يقال: ليس ذلك بالظن وإنما هو اليقين الجازم أنها تخرصات وظنون كاذبة وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وأما قوله أن الخيال لا يمكن أن يصل إلى هذه الحقائق العجيبة المذهلة التي توصل إليها علم الفلك الحديث.

стр. 219

فجوابه أن يقال إن الحقائق العجيبة فيما يتعلق بالمغيبات إنما تؤخذ من نصوص الكتاب والسنة لا من غيرهما. قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال تعالى مخبرا عن رسوله ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ومن ادعى شيئًا من علم الغيب مما ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ﷺ فهو طاغوت ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت شاء أم أبى. وليس شيء مما ذكر في هذا الفصل منصوصا عليه في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة حتى يكون من الحقائق العجيبة المذهلة, وإذا لم يكن ذلك في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة فهو من الظن ونسج الخيال ولا بد. وأما قوله أن الخيال مثلا لا يمكن أن يتصور أن مرصد كاليفورنيا التقط أخيرا صورة عمرها ستة آلاف مليون سنة, أن علماء الفلك أعلنوا حديثا أن هذه الصورة العجيبة أرسلت من إحدى النجوم واستمرت رحلتها ستة آلاف مليون سنة لتصل إلى الأرض. فجوابه من وجوه إحداها أن يقال وهل ظننت أيها الصواف أن مرصد كاليفورنيا ينزل عليه الوحي من السماء حتى تزعم أن ما يلتقط فيه فهو من الحقائق العجيبة. إن المراصد كلها أضعف وأعجز من أن يتوصل بها إلى اكتشاف ما في السماء الدنيا وهي مسيرة خمسمائة عام وهي عن اكتشاف ما فوق السماء أضعف وأعجز، فضلا عن التوصل بها إلى اكتشاف ما يهذو به أعداء الله من المسافات

стр. 220

التي تبلغ ملايين من السنين. فهذه الدعوى من أسخف الخيال وأسمج الهذيان. الوجه الثاني: أن ما زعموه من التقاط الصورة التي أرسلت من إحدى النجوم فهي أكذوبة نسجها خيال أهل المرصد وظنونهم الكاذبة, وليست من الحقائق ولا تمت إليها بصلة. الوجه الثالث: أن يقال لو كان ما زعموه من التقاط الصورة حقا لكان تحديدهم لعمرها بستة آلاف مليون سنة من الرجم بالغيب وذلك حرام. فكيف وكلام أعداء الله كله كذب من أوله إلى آخره. الوجه الرابع: أن النجوم كلها في السماء الدنيا بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة البروج: هي الكواكب العظام. وقال البغوي: هي النجوم الكبار مأخوذ من الظهور يقال: تبرجت المرأة أي: ظهرت. وقال أيضا: وسميت بروجا لظهورها. وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ففي هذه الآيات كلها النص على أن الكواكب في السماء. وفي الآية من

стр. 221

سورة الصافات وما بعدها النص على أنا في السماء الدنيا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد ﵃. وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم الرفع. وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الصواعق الشديدة مع الأدلة على سكون الأرض فلتراجع هناك. وفي الآيات التي ذكرنا مع هذه الأحاديث أبلغ رد على ما هذى به أهل مرصد كاليفورنيا من التقاط صورة من نجمة تبعد عن الأرض بملايين الملايين من السنين. الوجه الخامس: قال بعض السلف أن ارتفاع العرش عن الأرض السابعة خمسون ألف سنة. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄. ولو كان الأمر على ما هذى به أهل مرصد كاليفورنيا في بعد النجمة التي زعموا أنهم التقطوا الصورة منها لكان محلها فوق العرش. وهذا من أبطل الباطل, فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله تعالى. وأما قوله وحقائق أخرى غريبة اكتشفها الإنسان تؤكد كلها أن الأرض ما هي إلا فقاعة في محيط. فجوابه أن يقال أما ما زعمه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم عن الأجرام العلوية فكله هذيان وظنون كاذبة ليست من الحقائق ولا تمت إليها بصلة. وقد نهبت على كثير من مزاعمهم الباطلة في الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.

стр. 222

ونهبت أيضا على مواضع منها أثناء هذا الكتاب. وسيأتي التنبيه على مواضع آخر فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما تصغيره وتحقيره للأرض فقد تقدم الكلام عليه في أول الكتاب فليراجع هناك. وأما قوله حقائق أقل ما توصف به أنها مذهلة مذهلة. فجوابه أن يقال ليس فيما تخرصه فلاسفة الإفرنج عن الأجرام العلوية شيء من الحقائق البتة وإنما هي توهمات وخرافات ورجم بالغيب أقل ما توصف به أنها مضحكة مضحكة. وأما قولهم أن الشمس ترسل موجات راديو وأنهم اكتشفوا نجمة جديدة قوية تبعد عن الأرض بمسافة ١٥٠٠ مليون سنة ضوئية وأنهم في عام واحد اكتشفوا ٣٥ منها أطلقوا عليها اسم أشباه النجوم وأن الضوء في انتقاله إلينا من أشباه النجوم يستغرق في الرحلة ستة آلاف مليون سنة. وأن المنظر الذي نراه اليوم لهذه الأجرام السماوية النائية هو المنظر الذي كانت عليه منذ ستة آلاف مليون سنة. وفي ذاك الوقت لم تكن الشمس ولا المجموعة الشمسية موجودة بعد. فجوابه أن يقال هذا كله تخرص وهذيان لا يصدر ممن له أدنى مسكة عقل. ولا ينشره أو يصدق به له أدنى مسكة من عقل. وتسميتهم لبعض النجوم بأشباه النجوم مخالف لما سماها الله به في كتابه, فإن الله تعالى سماها بروجا ونجوما وكواكب ومصابيح ولم يسم شيئا منها بأشباه النجوم ولم يخبرنا أن في السماء أجراما تشبه النجوم وليست من النجوم فهذه التسمية التي اخترعوها لبعض النجوم مع ما زعموه من بعدها الشاسع جدا

стр. 223

عن الأرض وتحديدهم لمدة انتقال الضوء منها إلى الأرض وزعمهم أنها خلقت قبل الشمس بألف مليون سنة. كل ذلك باطل وضلال وهذيان يشبه هذيان المجانين. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وكل ما في هذا الفصل من أوله إلى آخره بل كل ما نقله الصواف في رسالته من توهمات فلاسفة الإفرنج وتخرصاتهم فهو من زخرف القول الذي أوحته شياطين الجن إلى شياطين الإنس ونشرته شياطين الإنس لأوليائهم وأتباعهم من العصريين فصغت إليه أفئدتهم ورضوه وتمسكوا به أعظم مما يتمسكون بنصوص الكتاب والسنة واشتد إنكارهم على من رد ذلك من المسلمين. وهذا من زيغ القلوب وانتكاسها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأما قولهم إن عمر الشمس هو خمسة آلاف مليون سنة. فجوابه أن يقال هذا من الرجم بالغيب والقول بغير علم وذلك من أعظم المحرمات. وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾. فهؤلاء الكذابون المتعاطون لما استأثر الله به من علم الغيب لم يشهدوا

стр. 224

خلق السموات والأرض وما فيهما ولم يأتهم خبر عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ بما زعموه من تحديد عمر الشمس وغيرها من الأجرام العلوية. فمن أين لهم العلم بذلك وهو من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. وقد أخبر الله تعالى في عدة مواضع من كتابه أنه خلق السموات والأرض في سنة أيام. وقال تعالى في سورة حم السجدة ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. فأخبر ﵎ أنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام وخلق السموات وما فيهن في يومين. والشمس والقمر والنجوم من جملة ما خلقه الله في اليومين. قال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: قال قتادة والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي وذلك يوم الخميس والجمعة. انتهى. وقد قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 225

وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ وقال تعالى ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ المرفوع وفيه أن الله خلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء يوم الأربعاء وخلق السماء يوم الخميس وخلق النجوم والشمس والقمر والملائكة وآدم يوم الجمعة. رواه ابن جرير. وقد اختلف المفسرون في مقدار الستة الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض على قولين. قال ابن كثير والجمهور على أنها كأيامنا هذه. وعن ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك وكعب الأحبار أن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد فيه على الجهمية وابن جرير وطائفة من المتأخرين. انتهى. وفي الآيات التي ذكرنا مع حديث ابن عباس ﵄ دليل على أن الشمس والقمر والنجوم خلقت مع السموات. بل في حديث ابن عباس ﵄ النص على أن الشمس والقمر والنجوم خلقت يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها الخليقة. وفي هذا أبلغ رد على ما يهذو به طواغيت الإفرنج في بعض النجوم - وهي التي يسمونها أشباه النجوم - أنها خلقت قبل الشمس بألف مليون سنة. وقد تقدم ما ذكره ابن قتيبة في المعارف عن المدة التي كانت منذ خلق

стр. 226

آدم إلى أن ولد النبي ﷺ وأنها كانت سبعة آلاف وثمانمائة واثنتين وخمسين سنة. وقد مضى منذ ولد النبي ﷺ إلى سنتنا هذه وهي سنة ١٣٨٨ هـ ألف وأربعمائة وإحدى وأربعون سنة فيكون منذ خلق آدم إلى هذه السنة تسعة آلاف ومائتان وإحدى وأربعون سنة فيكون منذ خلق آدم إلى هذه السنة تسعة آلاف ومائتان وثلاث وتسعون سنة. وهذا يعارض ما تخرص به طواغيت الإفرنج في عمر الأرض والشمس والنجوم وما يسمونها أشباه النجوم والله أعلم. ولما تكلم بعض الناس في عدة أصحاب الكهف بغير دليل أنكر الله ذلك عليهم وأخبر أن ذلك من الرجم بالغيب. قال ابن كثير في قوله ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم لكن إذا اطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا. انتهى. ثم قال تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء بل قل في مثل هذا ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ انتهى. وإذا كان هذا في واقعة حدثت في الأرض فكيف بالذين يزعمون أنهم يعلمون ما في السماء وما يبعد عن الأرض بآلاف الملايين من السنين على حد زعمهم الكاذب. وكذلك الذين يزعمون أنهم يعلمون وقت ابتداء خلق الأرض ومدة عمرها وعمر الشمس وغيرها من الأجرام العلوية. فهؤلاء أولى بالإنكار من الذين تكلموا في عدة أصحاب الكهف بلا مستند والله أعلم. وأما قوله: وقد خرج العلماء بعد هذا بثلاث نظريات علمية مثيرة إلى آخر كلامه. فجوابه من وجوه: أحدها: أن يقال إن المغيبات لا تعلم بالنظريات وإنما

стр. 227

تعلم من طريق الوحي لا غير. وكل ما ذكره في هذا الفصل فهو من المغيبات وكلامهم فيها مردود إذ لا وحي على ما زعموه ههنا البتة. الوجه الثاني: أن ما ذكره ههنا عن الفلكيين ليست بنظريات علمية وإنما هي تخرصات وظنون كاذبة لا تخفى إلا على جاهل لا يعرف الحق من الباطل. الوجه الثالث: أن الصواف كرر اسم العلماء في ثلاثة مواضع من هذا الفصل وأراد بهم الفلكيين الذين نقل عنهم من التخرصات والظنون الكاذبة ما نقل وهذا من قلب الحقيقة فإنهم ليسوا بعلماء وإنما هم من أهل الجهل والغباوة على الحقيقة. واسم العلماء عند الإطلاق إنما يراد به علماء الشريعة دون من سواهم قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فالموصوفون في هذه الآيات هم العلماء على الحقيقة. وأما غيرهم فلابد فيهم من التقييد كما يقال علماء اليهود وعلماء النصارى وعلماء الفلك وعلماء النسب وعلماء الطب وعلماء الهندسة ونحو ذلك. الوجه الرابع: أن نظرية الفلكيين في الكواكب وزعمهم أنها مسكونة وأن سكانها سبقوا أهل الأرض في إطلاق سفن الفضاء وتفجير القنابل الذرية ليس بشبه خيال كما زعمه الصواف, وإنما هي خيال صرف ورجم بالغيب. ولم يأت في القرآن ولا في السنة ما يدل على أن الكواكب مسكونة فضلا عما تخرصوه وتوهموه بعقولهم الفاسدة من أن سكانها سبقوا أهل الأرض في إطلاق سفن الفضاء وتفجير القنابل الذرية. وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا

стр. 228

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. وأما قولهم في الشمس أنها نجمة من النجوم المتوسطة. وأن المجموعة التي تنتمي إليها الشمس فيها مائة ألف مليون نجمة. وأن في الكون آلاف الملايين من مثل هذه المجموعات وأن الأرض أحد الكواكب التي يزعمون أنها أسرة الشمس وأنه يوجد عشرة آلاف مليون نجمة تدور حولها الكواكب. فكلها خيالات سخيفة وظنون كاذبة لا تروج إلا على من هو من أجهل الناس. وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقد تقدم التنبيه على بطلان ما زعموه من تعدد الشموس في أثناء الكتاب مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع هناك. وأما زعمهم في الأرض أنها أحد الكواكب التي تدور حول الشمس فقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة فليراجع هناك. وأما زعمهم أن في الكون عشرة آلاف مليون نجمة تدور حولها الكواكب فقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة في المثال الثامن عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك. فصل وفي صفحة ٩٠ ذكر الصواف طغاة مكة من كفار قريش وقال فيهم ما نصه: (الذين أغواهم الشيطان وختم على سمعهم وأبصارهم وقلوبهم).

стр. 229

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الختم لا يكون من الشيطان وإنما يكون من الله تعالى كما قال تعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ والختم هو الطبع. وقال تعالى ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقال تعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. الوجه الثاني: أن الأبصار لا يختم عليها كما توهمه الصواف وإنما تجعل عليها الغشاوة كما قال الله تعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. فخص ﵎ القلوب والأسماع بالختم وخص الأبصار بجعل الغشاوة عليها. قال ابن جرير وقوله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ خبر مبتدأ بعد تمام الخبر عما ختم الله عليه من جوارح الكفار الذين مضت قصصهم. وقال البغوي ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذا ابتداء كلام. غشاوة أي: غطاء فلا يرون الحق. وقال ابن كثير وأعلم أن الوقف التام على قوله تعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ جملة تامة فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع. والغشاوة وهي الغطاء تكون على البصر. وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄. ختم الله على قلوبهم

стр. 230

وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم. وروى ابن جرير أيضا عن ابن جريج قال الختم على القلب والسمع. والغشاوة على البصر. قال ابن جرير والغشاوة في كلام العرب العطاء ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص. تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها فصل وقال الصواف في صفحة ٩٣ نقلا عن تفسير طنطاوي جوهري ما ملخصه: إن العجب ليأخذنا كل مأخذ ويدهشنا أن نكون في عالم بديع الإتقان عجيب البنيان - إلى أن قال - كيف تجعل الكواكب التي عدت بمئات الملايين كأنها درر مرصعة في سقفنا - إلى أن قال - ولبديع وحسن الإتقان ومال الوضع تتراءى لنا أنها إنما وضعت لأجلنا وليزين بها سقفنا - إلى أن قال - فالشمس من تلك الشموس تشرف على سياراتها وعلى أراضيها. ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة ويكون قدرها في تلك الزينة مختلفا باختلاف الآفاق التي تتراءى لها. وكما أن الكواكب مرصعة في سمائنا, فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات. والجواب أن يقال هذا كله هذيان لا حاصل تحته. وتفسير طنطاوي جوهري مملوء من الهذيان وتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة, فلا يغتر به. وما زعمه من تعدد الشموس فقد تقدم رده في أثناء الكتاب مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع هناك. وكذلك قد استوفيت الرد

стр. 231

عليه في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع أيضا. وأما قوله ولبديع وحسن الإتقان وجمال الوضع تتراءى لنا أنها وضعت لأجلنا وليزين بها سقفنا. فجوابه أن يقال وما تنكر من ذلك والله ﵎ يقول ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ويقول أيضا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الآيات إلى قوله ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ويقول أيضا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويقول أيضا ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ويقول أيضا ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ويقول أيضا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ويقول أيضا ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ويقول أيضا ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ ويقول أيضا ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ويقول أيضا ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. ففي هذه الآيات النص على أن الله تعالى قد جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا التي هي سقف ما تحتها من المخلوقات, وجعلها أيضا للناس ليهتدوا بها

стр. 232

في ظلمات البر والبحر, وفيها أيضا الرد على من تأول في النجوم خلاف ما أخبر الله به ورسوله ﷺ . وقد قال قتادة رحمه الله تعالى خلق الله هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ووصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما. وأما قوله فالشمس من تلك الشموس تشرف على سياراتها وعلى أراضيها ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة. فجوابه أن يقال مراده بالشموس الكواكب الثوابت التي زعم أنها عدت بمئات الملايين. وزعم الصواف في صفحة ٨٧ أنه يوجد عشرة آلاف مليون نجمة نؤلف حولها أسرا كأسرة الشمس أي: تدور حولها الكواكب. وإذا كان لكل شمس من هذه الشموس المزعومة سماء وأرضون ونجوم سيارات كما تخيلوه بعقولهم الفاسدة فإن السموات تكون عشرة آلاف مليون سماء وتكون الأرضون كذلك أو أكثر وتكون النجوم السيارات أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة. وهذا هو هذيان المجانين بعينه وهو مردود بنصوص القرآن والسنة وإجماع أهل السنة والحديث على أن السموات سبع فقط وأن الأرضين سبع فقط. أما نصوص القرآن فقول الله تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ وقول تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ *

стр. 233

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ وقول تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقوله تعالى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ وقول تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾. ففي هذه الآيات كلها النص على أن السموات سبع ففيها الرد على من زعم أن السموات أكثر من سبع, وفيها أيضا الرد على أهل الهيئة الجديدة الذين ينكرون وجود السموات ويزعمون أن سعة الجو غير متناهية. وفي الآية من سورة الطلاق دليل على أن الأرضين سبع كالسموات ففيها الرد على من زعم أن الأرضين أكثر من سبع. وأما نصوص السنة على أن السموات سبع وأن الأرضين سبع فكثيرة جدا. وقد ذكرت طرفا منها في الصواعق الشديدة في المثال الثالث من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فلتراجع هناك ففيها الرد على من زعم أن السموات أكثر من سبع وأن الأراضين أكثر من سبع. وأما الإجماع فقد ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي في آخر

стр. 234

كتابه (الفرق بين الفرق) عن أهل السنة أنهم أجمعوا على أن السموات سبع طباق خلاف قول من زعم من الفلاسفة والمنجمين أنها تسع. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية ﵀ عن أبي بكر الأنباري أنه ذكر إجماع أهل الحديث والسنة على أن الأراضين سبع بعضهن فوق بعض. وفي هذا رد على من زعم أن السموات أكثر من سبع وأن الأراضين أكثر من سبع. وأما قوله وكما أن الكواكب مرصعة في سمائنا, فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات. فجوابه أن يقال لم يأت في القرآن ولا في السنة ما يدل على أن الكواكب مرصعة في السماء كالمسامير في الباب بل فيهما ما يدل على أنها تجري كما تجري الشمس والقمر قال الله تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير في الكلام على الآية الأولى ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان والشمس والقمر يدوران والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها. والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله. انتهى.

стр. 235

وقال تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ قال علي ﵁ هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. قال ابن كثير وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم. قال وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم الخنس أي في حال طلوعها ثم هي جوارٍ في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها كنس من قول العرب أوى الظبي إلى كناسه إذا تغيب فيه. وقال ابن منظور في لسان العرب: جرت الشمس وسائر النجوم سارت من المشرق إلى المغرب. قال وقوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ يعني النجوم. وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: النجوم والشمس والقمر. وقال تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ الأفول الغيبوبة. وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة كما يتراءون الكوكب الشرقي أو الكوكب الغربي الغارب في الأفق أو الطالع في تفاضل الدرجات» الحديث. وهذا لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وروى الإمام أحمد والترمذي أيضا وابن ماجة عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وأن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» قال الترمذي هذا حديث حسن.

стр. 236

وفيما ذكرته من الآيات والأحاديث دليل على أن النجوم تجري وتسبح في الفلك كما تجري الشمس فيه والقمر. وفيها الرد على من زعم أنها مرصعة في السماء. وأما قوله: فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال أن الشمس تجري وتسبح في الفلك وتدور على الأرض كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وقد ذكرتها في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وما كان جاريا على الدوام فليس مرصعا في شيء من الآفاق فضلا عما هذى به طنطاوي جوهري من كونها مرصعة في مئات الملايين من السموات. الوجه الثاني: أن مراده بملايين الآفاق المحيطة بالكرات أن كل كوكب من الكواكب التي تعد عنده بمئات الملايين له سماء تخصه. وأن كل أرض من الأراضين التي تعد عنده بمئات الملايين لها سماء تخصها. وأن كل سيارة من السيارات التي تعد عنده بمئات الملايين لها سماء تخصها. وقد صرح بذلك في قوله ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة. وقد تقدم رد هذا الهذيان قريبا فليراجع. فصل وقال الصواف في صفحة ٩٧ - ٩٨ ما نصه: البروج التي في قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ هي النجوم العظام في هذا الفلك العظيم منها ما نراه بأعيننا المجردة. ومنها ما لم يصل نوره إلينا حتى الآن. لذا فهي لا ترى حتى بالمكبرات والمراصد الكبيرة الحساسة.

стр. 237

وقول علماء الفلك أن من النجوم نجوما سوف لا يصل نورها إلى كرتنا الأرضية في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة ضوئية. مع العلم بأن الضوء يسير في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر. ويصل في سيره إلى القمر في قدر ثانية وثلث الثانية. ولو جرى حول الكرة الأرضية لدار حولها في الثانية الواحدة ثماني مرات. ولو أطلق مدفع فإن قنبلة تجري وتسير نحو سنة ونصف السنة حتى تقطع المسافة التي يقطعها الضوء في ثانية واحدة. فما أبعد الكواكب عنا. وما أعظم خالق هذه الكواكب ومسيرها ومدبرها ومضيئها الجليل القدير على كل شيء. وقد قلنا إن الله تباركت أسماؤه أقسم بهذه الكواكب لما فيها من عجيب الصنعة وباهر الحكمة. وهو يحثنا على البحث عن هذه الكواكب وما فيها من عوالم لنستل بذلك على عظيم قدرته وجليل حكمته وبالغ عظمته. وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ولله العظمة والجلال إذ ينبه إلى عظمة الكون ليهيج الناس ويشوقهم ويدعوهم إلى الاطلاع على تلك العوالم الجبارة في الحياة وهي فوقهم في السماء التي يشاهدونها ويرون النجوم فيها مبعثرة هنا وهناك ولا نرى من نورها إلا واحدا من آلاف الملايين من حقائق أنوارها وأقدارها, وأكبرها ترى صغيرة دقيقة الجرم وهي قد تفوق أرضنا سعة وحجما. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال من أين للصواف العلم بأن في السماء نجوما لم يصل نورها إلى أهل الأرض حتى الآن ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. والله ﵎ لم يخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ أن في

стр. 238

السماء نجوما لم يصل نورها إلى أهل الأرض حتى الآن. وقد انقطع الوحي بموت النبي ﷺ فلم يبق للصواف وأشباهه وسلفهم من فلاسفة الإفرنج مستند سوى وحي الشياطين إليهم بالتخرصات والظنون الكاذبة. فهذا الوحي الشيطاني هو عمدتهم فيما يزعمونه عن المغيبات والأجرام العلوية. الوجه الثاني: أن الكواكب كلها في السماء الدنيا بنص القرآن قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة وهم: عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد الخدري ﵃. وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم الرفع، وقد ذكرت هذه الأحاديث في الصواعق الشديدة مع الأدلة على ثبات الأرض فلتراجع هناك. وإذا كانت الكواكب زينة للسماء الدنيا فبعدها عن الأرض لا يزيد على خمسمائة سنة. فما زعموه من البعد المفرط في بعض الكواكب مردود بالآيات التي ذكرنا. الوجه الثالث: أن يقال لو كان ما زعمه الفلكيون صحيحا لكان يتجدد في كل زمان نجوم لم يكن أهل الأرض يعرفونها من قبل. ولو وقع ذلك

стр. 239

لذكره الناس فيما يذكرونه من الحوادث وتناقلوه قرنا بعد قرن ولكن لا وجود لذلك أبدا. والنجوم لم تزل ولا تزال على الحال التي خلقها الله عليها. فما كان منها يرى بالعين المجردة أو بالمكبرات من أول الأمر فهو لا يزال على حاله. وما كان ضعيف الضوء لا يرى بالعين المجردة ولا بالمكبرات فهو لا يزال على حاله. الوجه الرابع: أن الفلكيين زعموا أن النور يصل إلى القمر في ثانية وثلث ثم زعموا في النجوم ما زعموه من الأبعاد المتفاوتة وأن منها ما لا يصل النور منه في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة. وهذا تفريق بين ما جمع الله بينه فإن القمر في السماء بنص القرآن. والكواكب قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن. فما وصل من القمر ثانية وثلث وصل من الكواكب في مثل ذلك. ومن فرق بين ما جمع الله بينه فقوله مردود عليه. وأما قوله فما أبعد الكواكب عنا. فجوابه أن يقال أن بعدها لا يزيد على خمسمائة سنة, لأن الله تعالى قد جعلها زينة للسماء الدنيا كما قد نص على ذلك في عدة آيات من القرآن. وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة كما هو ثابت بالنصوص عن النبي ﷺ . فمن زعم أن من الكواكب ما يبعد عن الأرض أكثر من خمسمائة سنة فقوله مردود بنصوص الكتاب والسنة. وأما ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في بعد بعضها عن الأرض بآلاف الملايين من السنين فهو تخرص وهذيان لا حقيقة له. وأما زعمه أن الله تعالى حث على البحث عن الكواكب وما فيها من العوالم.

стр. 240

فهو من الكذب على الله تعالى. وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وليس في القرآن ما يدل على أن في الكواكب عوالم فضلا عن أن يكون فيه الحث على البحث عنها وعما فيها. والبحث إنما يكون عن الأشياء الخفية. والله ﵎ لم يأمر الناس بالبحث عن الأشياء الخفية والرجم عنها بالغيب. وإنما أمرهم بالنظر والتفكر فيما يشاهدونه من آياته الظاهرة التي يراها كل بصير ويعرفها كل عاقل فقال تعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال البغوي: أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا ماذا في السموات والأرض من الآيات والدلائل والعبر ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها, وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها. انتهى. ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. قال القرطبي وهم يعني الكفار ﴿عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها من ليلها ونهارها وشمسها وقمرها وأفلاكها ورياحها وسحابها وما فيها من قدرة الله تعالى إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا

стр. 241

أن لها صانعا قادرا واحدا فيستحيل أن يكون له شريك. انتهى. وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. والآيات في الحث على التفكر والاعتبار بالآيات الكونية كثيرة جدا, وليس في شيء منها ما يدل على البحث عن المغيبات كما توهمه الصواف. بل ذلك مما نهى الله عنه في قوله ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وأما كلام الصواف على الآية من سورة الواقعة فهو من تحريف الكلم عن مواضعه. والله ﵎ إنما أقسم بمواقع النجوم لينبه عباده على عظمة القرآن لا ليهيجهم ويشوقهم ويدعوهم إلى الاطلاع على العوالم الجبارة كما زعمه الصواف. ومن أين لبني آدم الوصول إلى السماء والاطلاع على ما فيها لو كان الصواف يعقل. وأما زعمه أن بعض النجوم قد تفوق الأرض سعة وحجما فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح وإنما هو من التخرص واتباع الظن. وقد تقدم التنبيه على بطلانه في أول الكتاب عند كلام الزهاوي في تصغير الأرض وتحقيرها فليراجع هناك. فصل وقال الصواف في صفحة ٩٨ - ٩٩ ما نصه:

стр. 242

يقول علماء الفلك أن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة ونورها خمسون ضعف نور الشمس. وهي أبعد منها مليون ضعف بعدها عنا. وأن الشعرى اليمانية تجري بسرعة ألف ميل في الدقيقة. لذا خصها الله في كتابه العزيز إذ قال ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهناك الشعرى الشامية لها خصائص ومميزات أخرى. والشعرى اليمانية هذه التي نراها قبل اليمن وهي في النظر بقدر الجوزة أو البيضة وهي أسطع من خمسين شمسا إلا واحد من ألفي مليون منه. وثلاث من بنات نعش يفقن الشمس نورا. واحدة منهن أربعمائة ضعف. والثانية أربعمائة وثمانين. والثالثة ألف ضعف. وسهيل أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة. والسماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس ولا يصل إلينا ضوؤه إلا في مائتي سنة. هذه كلها تقديرات علماء الفلك والله أعلم بصحتها. ولكنها تدل بوضوح على عظمة الخالق جل وعلا وكمال قدرته وفائق صنعته. والجواب أن يقال ما ذكره الصواف ههنا عن الفلكيين فكله هوس وهذيان لا يصدر من عاقل, وهو مما يضحك منه السفهاء فضلا عن العقلاء. ولا يروج إلا على من أضله الله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة. فأما زعمهم أن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة. فجوابه أن يقال لو اجتمع الأولون والآخرون من الإنس والجن لما قدروا على وزن جبل من الجبال. وهم عن الارتقاء إلى السماء ووزن ما فيها من الشمس والنجوم أعجز وأعجز. ولم يأت عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ نص بقدر وزن الشمس

стр. 243

والنجوم. وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل. ومن زعم معرفة وزنها وما بين بعضها والبعض الآخر من التفاوت في الثقل فليس له مستند سوى التخرص والرجيم بالغيب. وقد قال الله تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية أبعد من الشمس مليون ضعف بعدها عنا فجوابه أن يقال قد زعم أهل الهيئة الجديدة أن الشمس تبعد عن الأرض أربعة وثلاثين ألف ألف فرسخ وخمسمائة ألف فرسخ. ذكره الألوسي عنهم في صفحة ٣٤ من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) وهذه المسافة تطابق اثني عشر ألف سنة أو قريبا من ذلك. فعلى هذا يكون بعد الشعرى عن الأرض اثني عشر ألف مليون سنة على حد زعمهم. وهذا من أقبح الهوس والهذيان. وهو مردود بنصوص القرآن على أن الكواكب قد جعلت زينة للسماء الدنيا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» وعلى هذا فالمسافة بين الأرض وبين الشعرى خمسمائة سنة فقط. وعلى قول الفلكيين تكون الشعرى فوق العرش وهذا من أبطل الباطل فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله ﵎. وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية تجري بسرعة ألف ميل في الدقيقة. فجوابه أن يقال: إن الشعرى اليمانية كسائر النجوم الثوابت فكلها في

стр. 244

فلك واحد تجري فيه على نسق مضبوط لا يتقدم شيء منها على غيره ولا يتأخر عنه كما هو معلوم بالمشاهدة. وأما قوله لذا خصها الله في كتابه العزيز إذ قال ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. فجوابه أن يقال إنما خصها الله بالذكر دون غيرها من النجوم, لأن طائفة من العرب كانوا يعبدونها فأخبر الله تعالى أنها مخلوقة مربوبة. والعبادة لا تصلح لشيء من المخلوقات وإنما هي من خصائص الرب ﷻ . ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. فأما زعم الصواف أن الله تعالى خص الشعرى بالذكر من أجل ما زعمه الفلكيون من سرعة جريانها, فذلك من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه. وأما قوله وهناك الشعرى الشامية لها خصائص ومميزات أخرى. فجوابه أن يقال: إن الشعرى الشامية كغيرها من النجوم التي قد جعلها الله زينة للسماء الدنيا. وما كان في السماء فالقدرة البشرية عاجزة عن الوصول إليه والعلم بخصائصه ومميزاته. ولم يخبر الله تعالى في كتابه ولا رسوله ﷺ أن الشعرى الشامية لها خصائص ومميزات. فمن زعم أن لها خصائص ومميزات سوى ما يشاهده الناس من ضعف ضوئها عن ضوء الشعرى اليمانية فقوله مردود عليه إذ لا مستند له سوى التخرص والرجم بالغيب. وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية نورها خمسون ضعف نور الشمس وأنها أسطع من خمسين شمسا كشمسنا. وأن ثلاثا من بنات نعش يفقن الشمس

стр. 245

نورا. واحدة منهن أربعمائة ضعف. والثانية أربعمائة وثمانين. والثالثة ألف ضعف. وأن سهيلا أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة. فجوابه أن يقال: إن الشمس في السماء بنص القرآن, والنجوم قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن. فلو كان الأمر في هذه النجوم على ما زعمه الفلكيون لما كان عند أهل الأرض ليل أبدا, ولطمس ضوء هذه النجوم ضوء الشمس ونور القمر. بل لو كان الأمر على ما زعموه فيها لاحترق ما بين الخافقين ولم يمكن أن يعيش على الأرض شيء من شدة حرارة الشموس المزعومة. وقد استوفيت الرد على ما زعموه من تعدد الشموس في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك. وذكرت طرفا من ذلك في أثناء هذا الكتاب مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع أيضا. وأما زعمهم أن السماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس. فجوابه أن يقال هذا تخرص وهذيان مردود بنص القرآن. قال الله تعالى مخبرا عن مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. وفي هذه الآيات دليل على أن الشمس أكبر من الكواكب.

стр. 246

وأيضا فإن السماك الرامح من جملة المصابيح التي قد جعلها الله زينة للسماء الدنيا. قال الله تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ والشمس في السماء بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ قال الحسن في قوله ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ الآية. قال يعني في السماء الدنيا. ذكره البغوي في تفسيره. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح وجعلها رجوما للشياطين وحفظا من كل شيطان رجيم». وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال «خلق الله سبع سموات وخلق فوق السابعة الماء وجعل فوق الماء العرش وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم». وإذا كان كل من الشمس والنجوم في السماء الدنيا فلا شك أن حجم الشمس يزيد على حجم السماك الرامح وغيره من النجوم الكبار عدة آلاف. وكيف يظن أن السماك الرامح يزيد حجمه على حجم الشمس ثمانين ضعفا مع أنه لا يزيد في رأي العين على حجم التمرة. والشمس ترى في الأفق

стр. 247

عند طلوعها وعند غروبها بقدر ذراعين طولا في ذراعين عرضا. فمن قال أن حجمها دون حجم السماك الرامح أو غيره من النجوم فقوله باطل مردود بما ذكرنا من الآيات والأحاديث والله أعلم. وتمام الرد على هذا الزعم الكاذب قد تقدم مبسوطا مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع هناك. وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية لا يصل إلينا نورها إلا في ستة عشر سنة. وأنه لا يصل إلينا من نورها إلا واحد من ألفي مليون منه. وأن السماك الرامح لا يصل إلينا ضوؤه إلا في مائتي سنة. فجوابه أن يقال قد ذكر محمد رشيد رضا في صفحة ٦٣٧ من الجزء السابع من تفسيره أنه قد وجد بالرصدان السماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة. وهذا ما ذكره الصواف ههنا كله هذيان لا مستند له سوى التخرص والرجم بالغيب. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. والشعرى اليمانية والسماك الرامح وغيرهما من الكواكب النيرة يرى نورها من حين تبدو من الأفق إذا لم يكن هناك حائل يمنع من رؤيتها. وكلها من زينة السماء الدنيا كما نص الله على ذلك في كتابه العزيز. فالتفريق بين أبعادها ووصول نورها إلى الأرض تفريق بين أشياء متماثلة وذلك باطل مردود

стр. 248

وفيما ذكره الصواف عن الفلكيين أنهم قالوا أن السماك الرامح لا يصل ضوؤه إلينا إلا في مائتي سنة مع ما ذكره محمد رشيد عنهم أنهم قالوا إن السماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة وما بين هذين القولين من التفاوت العظيم في بعد نجم واحد أوضح دليل على تناقض الفلكيين وكذبهم في جميع مزاعمهم عن أبعاد النجوم ومقادير أحجامها وأضوائها وثقلها وأنهم أنا يعتمدون في ذلك على مجرد التخرصات والظنون الكاذبة. وأما قوله هذه كلها تقديرات علماء الفلك والله أعلم بصحتها ولكنها تدل بوضوح على عظمة الخالق جل وعلا وكمال قدرته وفائق صنعته. فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن يقال أن ما في السماء فهو من أمور الغيب التي لا تُعلم إلا من طريق الوحي ولا سبيل إلا علمها بالتقديرات التي هي التخرص واتباع الظن. ولا وهي على شيء مما زعمه الفلكيون في تقديراتهم عن النجوم البتة؛ وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. الوجه الثاني: أن تقديرات الفلكيين عن النجوم مخالفة لنصوص القرآن كما تقدم إيضاحه. وما خالف النصوص فهو باطل مردود على قائله كائنا من كان. الوجه الثالث: أن يقال إن الله ﵎ أعظم وأجل من أن يستدل على عظمته وكمال قدرته وفائق صنعته بتخرصات الفلكيين وظنونهم الكاذبة, وإنما يستدل على ذلك بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فذلك

стр. 249

هو العلم الصحيح النافع والشفاء كل الشفاء لمن آمن به واتبعه؛ قال الله تعالى ﴿وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. ومن لم يكتف بما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسول الله ﷺ عن عظمة ربه وكمال قدرته, فلا كفاه الله ما أهمه. ومن اعتمد على تخرصات الفلكيين وظنونهم الكاذبة واستدل على عظمة الخالق وكمال قدرته وفائق صنعته, فهو من أجهل الناس بالله تعالى وأبعده عن معرفة ما يجب له من الإجلال والتعظيم. فصل وذكر الصواف في صفحة ٩٩ أن البروج تطلق على بروج السماء الاثنى عشر. قال وهي منازل الكواكب والشمس والقمر يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث يوم. وتسير الشمس في كل برج منها شهرا - إلى أن قال في صفحة ١٠٠: فتكون السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم وهي مدة دخول الشمس إلى النقطة التي فارقتها من تلك البروج, والشمس كما قلنا تقطع هذه البروج كلها مرة في السنة؛ كل برج في شهر. وبها تتم دورة الفلك. ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما وكسور.

стр. 250

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال إن المنازل ليست منازل لجميع الكواكب كما يوهمه كلام الصواف, وإنما هي منازل للسيارات منها فقط. وأما الثوابت فليست لها منازل. وكان ينبغي للصواف أن يقيد الكواكب بالسيارات ليزول الإيهام. الوجه الثاني: أن ما قرره الصواف ههنا من كون الشمس تسير في كل برج شهرا وأنها تقطع البروج كلها مرة في السنة يناقض ما قرره في صفحة ٦١ من كون الشمس ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور, أي: هي دائرة حول نفسها ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية؛ فهي ثابتة في سقفها وهي متحركة حول نفسها. وما قرره الصواف ههنا من كون الشمس تسير في كل برج شهرا وتقطع البروج كلها مرة في السنة هو الحق الثابت بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة, وقد ذكرتها مستوفاة في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وما قرره ههنا فهو من الأدلة الحسية على جريان الشمس ودورانها على الأرض, وقد أوضحت ذلك في الصواعق الشديدة في آخر الأدلة على جريان الشمس فليراجع هناك. وأما قرره في صفحة ٦١ فهو باطل مردود من وجوه كثيرة, وقد تقدم ذكرها عند تشبيه الصواف للشمس بالمروحة السقفية الكهربائية فلتراجع هناك. فصل ونقل الصواف في صفحة ١٠١ عن موسى جار الله أنه قال في كتابه (ترتيب
следующие страницы →