← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17027

ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (357 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وأيضا فإن السماك الرامح من جملة المصابيح التي قد جعلها الله زينة للسماء الدنيا. قال الله تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ والشمس في السماء بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ قال الحسن في قوله ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ الآية. قال يعني في السماء الدنيا. ذكره البغوي في تفسيره. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح وجعلها رجوما للشياطين وحفظا من كل شيطان رجيم». وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال «خلق الله سبع سموات وخلق فوق السابعة الماء وجعل فوق الماء العرش وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم». وإذا كان كل من الشمس والنجوم في السماء الدنيا فلا شك أن حجم الشمس يزيد على حجم السماك الرامح وغيره من النجوم الكبار عدة آلاف. وكيف يظن أن السماك الرامح يزيد حجمه على حجم الشمس ثمانين ضعفا مع أنه لا يزيد في رأي العين على حجم التمرة. والشمس ترى في الأفق

стр. 247

عند طلوعها وعند غروبها بقدر ذراعين طولا في ذراعين عرضا. فمن قال أن حجمها دون حجم السماك الرامح أو غيره من النجوم فقوله باطل مردود بما ذكرنا من الآيات والأحاديث والله أعلم. وتمام الرد على هذا الزعم الكاذب قد تقدم مبسوطا مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس فليراجع هناك. وأما زعمهم أن الشعرى اليمانية لا يصل إلينا نورها إلا في ستة عشر سنة. وأنه لا يصل إلينا من نورها إلا واحد من ألفي مليون منه. وأن السماك الرامح لا يصل إلينا ضوؤه إلا في مائتي سنة. فجوابه أن يقال قد ذكر محمد رشيد رضا في صفحة ٦٣٧ من الجزء السابع من تفسيره أنه قد وجد بالرصدان السماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة. وهذا ما ذكره الصواف ههنا كله هذيان لا مستند له سوى التخرص والرجم بالغيب. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. والشعرى اليمانية والسماك الرامح وغيرهما من الكواكب النيرة يرى نورها من حين تبدو من الأفق إذا لم يكن هناك حائل يمنع من رؤيتها. وكلها من زينة السماء الدنيا كما نص الله على ذلك في كتابه العزيز. فالتفريق بين أبعادها ووصول نورها إلى الأرض تفريق بين أشياء متماثلة وذلك باطل مردود

стр. 248

وفيما ذكره الصواف عن الفلكيين أنهم قالوا أن السماك الرامح لا يصل ضوؤه إلينا إلا في مائتي سنة مع ما ذكره محمد رشيد عنهم أنهم قالوا إن السماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة وما بين هذين القولين من التفاوت العظيم في بعد نجم واحد أوضح دليل على تناقض الفلكيين وكذبهم في جميع مزاعمهم عن أبعاد النجوم ومقادير أحجامها وأضوائها وثقلها وأنهم أنا يعتمدون في ذلك على مجرد التخرصات والظنون الكاذبة. وأما قوله هذه كلها تقديرات علماء الفلك والله أعلم بصحتها ولكنها تدل بوضوح على عظمة الخالق جل وعلا وكمال قدرته وفائق صنعته. فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن يقال أن ما في السماء فهو من أمور الغيب التي لا تُعلم إلا من طريق الوحي ولا سبيل إلا علمها بالتقديرات التي هي التخرص واتباع الظن. ولا وهي على شيء مما زعمه الفلكيون في تقديراتهم عن النجوم البتة؛ وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. الوجه الثاني: أن تقديرات الفلكيين عن النجوم مخالفة لنصوص القرآن كما تقدم إيضاحه. وما خالف النصوص فهو باطل مردود على قائله كائنا من كان. الوجه الثالث: أن يقال إن الله ﵎ أعظم وأجل من أن يستدل على عظمته وكمال قدرته وفائق صنعته بتخرصات الفلكيين وظنونهم الكاذبة, وإنما يستدل على ذلك بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فذلك

стр. 249

هو العلم الصحيح النافع والشفاء كل الشفاء لمن آمن به واتبعه؛ قال الله تعالى ﴿وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. ومن لم يكتف بما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسول الله ﷺ عن عظمة ربه وكمال قدرته, فلا كفاه الله ما أهمه. ومن اعتمد على تخرصات الفلكيين وظنونهم الكاذبة واستدل على عظمة الخالق وكمال قدرته وفائق صنعته, فهو من أجهل الناس بالله تعالى وأبعده عن معرفة ما يجب له من الإجلال والتعظيم. فصل وذكر الصواف في صفحة ٩٩ أن البروج تطلق على بروج السماء الاثنى عشر. قال وهي منازل الكواكب والشمس والقمر يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث يوم. وتسير الشمس في كل برج منها شهرا - إلى أن قال في صفحة ١٠٠: فتكون السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم وهي مدة دخول الشمس إلى النقطة التي فارقتها من تلك البروج, والشمس كما قلنا تقطع هذه البروج كلها مرة في السنة؛ كل برج في شهر. وبها تتم دورة الفلك. ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما وكسور.

стр. 250

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال إن المنازل ليست منازل لجميع الكواكب كما يوهمه كلام الصواف, وإنما هي منازل للسيارات منها فقط. وأما الثوابت فليست لها منازل. وكان ينبغي للصواف أن يقيد الكواكب بالسيارات ليزول الإيهام. الوجه الثاني: أن ما قرره الصواف ههنا من كون الشمس تسير في كل برج شهرا وأنها تقطع البروج كلها مرة في السنة يناقض ما قرره في صفحة ٦١ من كون الشمس ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور, أي: هي دائرة حول نفسها ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية؛ فهي ثابتة في سقفها وهي متحركة حول نفسها. وما قرره الصواف ههنا من كون الشمس تسير في كل برج شهرا وتقطع البروج كلها مرة في السنة هو الحق الثابت بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة, وقد ذكرتها مستوفاة في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وما قرره ههنا فهو من الأدلة الحسية على جريان الشمس ودورانها على الأرض, وقد أوضحت ذلك في الصواعق الشديدة في آخر الأدلة على جريان الشمس فليراجع هناك. وأما قرره في صفحة ٦١ فهو باطل مردود من وجوه كثيرة, وقد تقدم ذكرها عند تشبيه الصواف للشمس بالمروحة السقفية الكهربائية فلتراجع هناك. فصل ونقل الصواف في صفحة ١٠١ عن موسى جار الله أنه قال في كتابه (ترتيب

стр. 251

السور الكريمة): فإن كان البروج في قول الله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ هي بروج الهيئة القديمة كما اتفقت عليه التفاسير, فإن تلك الشمس الظاهرة وهو المدار السنوي للأرض في الواقع؛ واقع في هذه البروج. والأرض في مدارها السنوي تقطع كل هذه البروج. هذا وجه وجيه, لنا أن نقتنع به في بيان نزول سور البروج بعد سورة الشمس, وقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا, زهقت الهيئة القديمة وجاء النظام الحق نظام السموات التي رفعها الله بغير عمد ترونها, وهذه السموات لها منظومات, منها منظومة شمسنا هذه بسياراتها التسع. وشمسنا هذه ليست من كبار الشموس ومنظومتنا هذه ليست من كبار المنظومات, وكل منظومة من هذه المنظومات يسميها القرآن برجًا. والسماء التي تحوي كل هذه المنظومات يسميها القرآن الكريم السماء ذات البروج. بها أقسم الله في كتابه الكريم في سورة البروج. وهذه السماء ذات البروج التي تحوي كل هذه المنظومات يسميها القرآن الكريم السماء ذات البروج. بها أقسم الله في كتابه الكريم في سورة البروج. وهذه السماء ذات البروج التي تحوي كل هذه المنظومات يحدث خلال منظوماتها كل يوم. شأن الله، انشقاقات. وبتلك الانشقاقات يحدث في المجرة وخارجها سموات. وللإشارة وللإرشاد وإلى مثل هذه الحوادث الهائلة العظيمة وضعت سورة البروج بعد سورة الانشقاق. والجواب عن هذا الهذيان والقرمطة من وجوه: أحدها: أن يقال إن الأرض ثابتة ومرساة بالجبال كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. وما كان ثابتا فليس له مدار يدور عليه. وما زعمه موسى جار الله تقليدا لأهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين من أن للأرض مدارا سنويا, فهو قول باطل مردود بالأدلة التي أشرت إليها, وقد ذكرتها مستوفاة في أول الصواعق الشديدة,

стр. 252

فلتراجع هناك. الوجه الثاني: أن البروج في السماء كما هو منصوص عليه في مواضع من القرآن؛ قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. وإذا كانت البروج في السماء, فمن أبطل الباطل أن يقال إن للأرض مدارا واقعا في تلك البروج, وأن الأرض تقطعها كلها في السنة. الوجه الثالث: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة, وهم: عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد الخدري ﵃. وروي أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم المرفوع. وإذا كان بين السماء والأرض هذا البعد الشاسع, فلا يقول إن للأرض مدارا في بروج السماء, وأنها تقطعها كلها في السنة إلا من هو من أجهل الناس وأقلهم عقلا. الوجه الرابع: أن المفسرين اختلفوا في تفسير البروج التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ فقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة: هي الكواكب العظام. قال البغوي: مأخوذ من الظهور؛ يقال تبرجت المرأة, أي: ظهرت. وقال أيضا: سميت بروجا لظهورها. انتهى.

стр. 253

وقيل: هي قصور في السماء للحرس, يروى هذا عن علي وابن عباس ﵃ ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش. قال ابن كثير: والقول الأول أظهر اللهم ألا تكون الكواكب العظام هي قصور للحرس, فيجتمع القولان. انتهى. وقيل: هي البروج الاثنا عشر التي هو منازل الشمس والقمر والكواكب السيارة, وروي ذلك عن ابن عباس ﵄ أيضا. وهذا القول الأخير هو الذي زعم موسى جار الله أن التفاسير اتفقت عليه. وذلك وهم منه وغلط. الوجه الخامس: أن أهل الهيئة القديمة لم ينفردوا بإثبات البروج الاثني عشر التي تنزلها الشمس والقمر والكواكب السيارة حتى يقال: إنها بروج الهيئة القديمة. بل إثبات هذه البروج الاثني عشر والمنازل الثمانية والعشرين للشمس والقمر والكواكب السيارة, هو المعروف عند علماء المسلمين سوى بعض العصريين المفتونين بتقليد أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وهؤلاء لا عبرة بهم كما لا عبرة بسلفهم من فلاسفة الإفرنج. الوجه السادس: أن يقال ليس للسموات نظام ولا منظومات وليس فيها شموس متعددة كما زعمه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين اعتمادا منهم على التخرصات والظنون الكاذبة. وإنما فيها شمس واحدة وقمر واحد وما سوى ذلك فهي نجوم قد جعلها الله تعالى زينة للسماء الدنيا ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا

стр. 254

لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. فما ذكره الله في هذه الآيات هو الحق الذي لا ريب فيه, وأما ما زعمه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من وجود النظام والمنظومات والشموس المتعددة, فهو هذيان وباطل مردود. وأما قوله: وقد جاء الحق وزهق الباطل وجاء النظام الحق إلى آخره. فجوابه أن يقال: هذا من قلب الحقيقة؛ فإن ما ذكره ههنا باطل وضلال وليس من الحق في شيء كما تقدم إيضاح ذلك في الأوجه الستة. وليس ما ذكره ههنا من نظام السموات, وإنما هو في الحقيقة نظام أهل الهيئة الجديدة الذي تلقوه من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة. وأما قوله: وشمسنا هذه ليست من كبار الشموس. فجوابه أن يقال: تخرص لا أساس له من الصحة, وليس في الوجود سوى شمس واحدة, كما قد دل على ذلك الكتاب والسنة مع المشاهدة. وقد استوفيت الرد على ما زعموه من تعدد الشموس في الصواعق الشديدة في المثال الحادي عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة, فليراجع هناك. وأما زعمهم أن في النجوم ما هو أكبر من الشمس, فقد تقدم رده في أثناء هذا الكتاب مع الكلام على مزاعم الصواف في الشمس, فليراجع هناك. وأما قوله: وكل منظومة من هذه المنظومات يسميها القرآن برجًا. فجوابه أن يقال: هذا من القول في القرآن بغير علم. وليس في القرآن

стр. 255

ما يدل على أن في السماء منظومات, فضلا عن أن يكون فيه تسمية تلك المنظومات المتوهمة بروجًا. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين, فهو مفترٍ على الله, ملحدٌ في آيات الله, محرفٌ للكلم عن مواضعه. انتهى. وقد تقدم كلام المفسرين في البروج التي ذكرها الله في القرآن قريبا. وأما قوله: وهذه السماء ذات البروج يحدث خلال منظوماتها كل يوم انشقاقات, وبتلك الانشقاقات يحدث في المجرة وخارجها سموات. فجوابه أن يقال: هذا كله هوس وهذيان يشبه هذيان المجانين؛ ولو كان يحدث في المجرة وخارجها كل يوم سموات لكانت السموات لا تحصى من كثرتها ولكن هذا من أبطل الباطل؛ فإن السموات سبع بالنص والإجماع. والسماء إنما تنشق يوم القيامة لا في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ الآيات وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ الآيات وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾

стр. 256

وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قوله: فجرت, أي: شقت. فهذا الانشقاق إنما يكون يوم القيامة. ومن زعم أن السماء تشقق في الدنيا فقد كذب. وأما قوله: وللإشارة وللإرشاد وإلى مثل هذه الحوادث الهائلة العظيمة وضعت سورة البروج بعد سورة الانشقاق. فجوابه أن يقال: هذا من القرمطة والإلحاد في القرآن, وليس في القرآن ما يشير إلى الانشقاقات التي زعم أنها تحدث كل يوم ولا إلى حدوث السموات التي توهمها أعداء الله بعقولهم الفاسدة. فصل وقال الصواف في صفحة ١٠٣ ما نصه: يتضمن هذا الكون خمسمائة مليون من المجرات كما يقدر علماء الفلك. وفي كل مجرة مائة ألف مليون نجم. وأن أقرب مجرة إلى الأرض تلك التي نشاهد جزءا منها كخط أبيض في الليل تمتد مساحتها مائة ألف عام بالنسبة إلى عام الضوء, ونحن سكان الأرض نبتعد عن هذه المجرة مقدار ثلاثين ألف عام من الضوء, ثم أن هذه لمجرة كبيرة تتضمن سبع عشرة

стр. 257

مجرة وتمتد أبعاد هذه المجموعة في مساحة مليوني عام من الضوء, ثم أن هناك حركة أخرى غير هذه الدورات, وهي أن الكون كله يتوسع ويتضخم مثل الكرة في الجوانب الأربعة. والشمس تجري بسرعة هائلة تبلغ اثني عشر ميلا في ثانية نحو الجانب الخارجي لمجرته وتقود كل ما يتبع النظام الشمسي وكذلك النجوم كلها تتوجه إلى أي جانب بسرعة متزايدة مع متابعة دورانها, فمنها ما يبلغ سيره ثمانية أميال في كل ثانية, وما يبلغ سيره ثلاثة وثلاثين ميلا في ثانية وأربعة وثمانين ميلا في ثانية. وهكذا نجد النجوم كلها متجهة نحو الأمام. والجواب أن يقال: كل ما ذكره في هذا الفصل فهو تخرص وهذيان, لا مستند له سوى وحي الشياطين بعضهم إلى بعض, ولا يعتمد عليه أو يُصغي إليه إلا مَنْ هو جاهل مغرور. فأما زعمه أن هذا الكون يتضمن خمسمائة مليون مليون من المجرات, وأن كل مجرة فيها مائة ألف مليون نجم. فجوابه أن يقال: مثل هذا لا يعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي على ذلك البتة, وحينئذ فليس مع من يدعي إحصاء المجرات والنجوم سوى اتباع الظن الكاذب. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وليس في السماء سوى مجرة واحدة, كما هو معلوم بالمشاهدة, ومن زعم وجود غيرها فعليه الدليل من الكتاب أو السنة, ولن يجد إلى ذلك سبيلا.

стр. 258

وأما زعمه أن المجرة تمتد مساحتها مائة ألف عام بالنسبة إلى عام الضوء. فجوابه أن يقال: هذا من جنس ما قبله من التخرص واتباع الظن الكاذب. وأما زعمه أن المجرة تبعد عن سكان الأرض مقدار ثلاثين ألف عام من الضوء. فجوابه أن يقال: هذا من أبطل الباطل؛ لأن المجرة على هذا التقدير تكون فوق العرش وليس فوق العرش شيء سوى الله ﵎. وقد علم بالمشاهدة أن المجرة تسير سير الكواكب الثوابت لا تتقدم على شيء منها ولا تتأخر عنه. والنجوم قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن وبين السماء الدنيا وبين الأرض خمسمائة سنة بنص الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . وعلى هذا فليس بين المجرة وبين سكان الأرض سوى خمسمائة سنة. ويشهد لهذا ما رواه الطبراني من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن هرقل كتب إلى معاوية ﵁, وقال إن كان بقي فيهم شيء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه, قال: فكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة, قال: فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال: إن هذا لشيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا. من لهذا, قيل: ابن عباس, فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به إلى ابن عباس ﵄, فكتب إليه (إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق والمجرة باب السماء الذي تنشق منه وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل) قال ابن كثير: إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

стр. 259

قلت: وقد رواه سعيد بن منصور في سننه والبخاري في (الأدب المفرد) مختصرا وإسناده صحيح على شرط الشيخين, ولفظ البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ (القوس أمان لأهل الأرض من الغرق والمجرة باب السماء الذي تنشق منه) ورواه البخاري أيضا من حديث يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ قال: (أبواب السماء وأما قوس قزح فأمان من الغرق بعد قوم نوح) في إسناده علي بن زيد, وهو حسن الحديث وفيه كلام, وبقية رجاله ثقات. وروى البخاري أيضا في (الأدب المفرد) وابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليا ﵁ عن المجرة فقال: (هي شرج السماء ومنها فتحت السماء بماء منهمر). وأما زعمه أن هذه المجرة جزء لمجرة كبيرة تتضمن سبع عشرة مجرة وتمتد أبعاد هذه المجموعة في مساحة مليوني عام من الضوء. فجوابه أن يقال: هذا من جنس ما قبله من التخرص واتباع الظن الكاذب. وليس يرى في السماء سوى مجرة واحدة, وما لم يشاهد بالأبصار, فهو من المغيبات التي لا تعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي على شيء مما زعموه البتة, وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ومن ادعى علم المغيبات, فهو طاغوت ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت, وأما زعمه أن الكون يتوسع ويتضخم فجوابه أن يقال: هذا أيضا من التخرص واتباع الظن الكاذب. وأما زعمه أن الشمس تجري بسرعة هائلة نحو الجانب الخارجي ... إلى قوله: وهكذا نجد النجوم كلها متجهة نحو الأمام.

стр. 260

فجوابه أن يقال: هذا أيضا من التخرص واتباع الظن الكاذب, وقد ذكر نحو هذا الهذيان في صفحة ٣٨ حيث قال: والنظام الشمسي كله بما فيه الأرض ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة متجهة نحو برج هركيوليس, وقال أيضا في صفحة ٣٨: وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء المنبعث من الكواكب البعيدة عن أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء, وأن سرعتها تزداد كلما زاد ابتعادها ... إلى آخر كلامه. وقال أيضا في صفحة ٤٣: وليس هناك أبلغ ولا أدق مما يقوله حجة علم الفلك العالم (سيمون) من أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور هي حقيقة أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض ... إلى آخر كلامه, وقد تقدم الكلام على هذه المواضع مستوفى في أول الكتاب, فليراجع؛ ففيه الرد لما زعمه الصواف ههنا. فصل وذكر الصواف في صفحة ١٠٤ أن حركة الأرض حول الشمس منظمة تماما؛ قال: وكذلك دوران الأرض حول محورها يبلغ من الانتظام والدقة بحيث لا يلحقه خلل ولا تقديم أو تأخير ثانية واحدة في موعدها ولو بعد قرون. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال: ليس للأرض حركة حول الشمس ولا دوران حول محورها كما زعمه الصواف تقليدا لفلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين. وإنما هي ساكنة ومرساة بالجبال كما دلت على ذلك

стр. 261

الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون وأهل الكتاب, وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة, فليراجع هناك؛ ففيه أبلغ رد لما زعمه الصواف ههنا. الوجه الثاني: أن ما قرره ههنا يناقض ما قرره في صفحة ٥٥ من أن الأرض بعد انفصالها عن الشمس كانت تدور حول نفسها بسرعة أكبر مما هي عليه الآن إذ كانت تتم دورنها حول نفسها مرة كل أربع ساعات وأن الليل والنهار كانا أربع ساعات فقط. وبتوالي النقص في سرعة دورانها حول نفسها زادت المدة التي تتم فيها دورانها, فزادت مدة الليل والنهار إلى خمس ساعات ثم إلى ست حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة, وأن النقص في سرعة دوران الأرض يبلغ حوالي ثانية واحدة كل مائة وعشرين ألف سنة, وأنه بعد ٤٣٢ مليون سنة يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة, قال: وهكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار, وإذ علم أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فليعلم أن الأرض ساكنة ثابتة كما تقدم إيضاحه, وأن الجريان والدوران حول الأرض إنما هو للشمس والقمر والكواكب, وأن جريانها ودورانها حول الأرض يبلغ من الانتظام والدقة بحيث لا يلحقه خلل إلى يوم القيامة ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فصل وقال الصواف في صفحة ١٠٤ أما كوكب الأرض الذي نسميه بالقمر فدورانه معلوم مقرر. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال: ليس القمر بكوكب كما سماه بذلك أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين, وإنما هو قمر كما سماه

стр. 262

الله بذلك في عدة مواضع من كتابه, وسماه بذلك رسول الله ﷺ في كثير من الأحاديث الصحيحة. ولم يجيء في كتاب الله ولا عن رسول الله ﷺ تسمية القمر كوكبا, فمن سماه بذلك فقد خالف الكتاب والسنة, وكل قول خالف الكتاب أو السنة فهو مردود على قائله. الوجه الثاني: أن الله تعالى غاير بين القمر وبين الكواكب في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ الآية. وعلى هذا فمن جمع بين القمر والكواكب وقال: إنه كوكب من جنسها, فقد جمع بين ما فرق الله بينه وخالف نصوص القرآن. الوجه الثالث: أن الأرض ليس لها كواكب, وإنما الكواكب في السماء وكذلك الشمس والقمر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾

стр. 263

وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. ومن زعم أن القمر كوكب للأرض فقوله مردود لمخالفته لنصوص القرآن. الوجه الرابع: أن القمر قرين الشمس في كتاب الله تعالى, فهو قرينها في الحسبان والجريان والسبح في الفلك والدؤوب في السر والبزوغ والأقوال قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى في أربعة مواضع من القرآن: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقال تعالى في موضعين من كتابه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. وإذا كان القمر قرين الشمس في كتاب الله تعالى فإنه يلزم أن يقال في الشمس مثل ما قيل في القمر, فمن قال إن دوران القمر حول الأرض معلوم مقرر لزمه أن يقول مثل ذلك في الشمس, وأن لم يفعل فقد فرق بين متماثلين وآمن ببعض الكتاب ورد بعضه, فليختر الصواف وأشباهه من العصريين أي الخطتين شاؤوا, فلا محيد لهم عن إحداهما.

стр. 264

فصل وذكر الصواف في صفحة ١٠٤ أن خبران الفلك يقدرون أن نظام مجرة بأسره ذلك الذي يحتوي على ملايين من النجوم يدخل في نظام مجرة أخرى خلال الدورات الفضائية ويخرج منه دون أن ينشأ هناك صدام أو خلل في نظم الدورات. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال ليس في السماء سوى مجرة واحدة كما هو معلوم بالمشاهدة, ومن زعم وجود غيرها فليس له مستند سوى التخرص واتباع الظن الكاذب, وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. الوجه الثاني: أن المجرة في السماء, وكذلك الكواكب كلها في السماء الدنيا, فلو كان للمجرة أو لشيء من النجوم نظام يدور عليه لكانت توابعها تخترق السماء في حال دورانها عليها, وهذا لا يقوله عاقل. الوجه الثالث: أن عدة النجوم لا يعلمها إلا الله تعالى, ومن زعم أنه يعلم عدتها فقد كذب, والذين زعموا أن نظام مجرة بأسره يحتوي على ملايين الملايين من النجوم ليس لهم مستند سوى التخرص والرجم بالغيب. فصل وقال الصواف في صفحة ١٠٧ وصفحة ١٠٨ (اتساع الكون) قال الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وقال : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ يقول الله سبحانه عن السموات إنها سبع وزيادة عليها يوجد العرش الذي

стр. 265

وصفه بأنه عظيم, ويصف جل شأنه هذه السموات أنها طباق؛ ففي سورة الملك ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ وأن هذه السموات تتسع. هذه الآية جمعت علما لم يمكن معرفته إلا في الأعوام القليلة الماضية. وما زال العلماء في دراسة متواصلة فيه رغم أن القرآن قد أوضحه منذ عشرات المئات من السنين. أن التقدم الذي أحرزه العلم الفزيقي, وظهور الكشوف العلمية الحديثة في الفلك قد مكنت العلماء من فهم هذه السموات السبع والأراضي السبع. فقد أثبت العلم بأن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم, إنما هي سموات فوق سموات تتألف منها عوالم الكون. يقول العالم الفلكي (أرثر فندلاي) في كتابه (على حافة العلم الأثيري) إن العلم أثبت أن السموات السبع هي أفضية منسابة يتبعثر خلالها ويرتد ضوء الشموس السبع الأثيرية التي تحيط بالشمس الفزيقية من كل جانب, وأكد أن الأراضي السبع هي كرات أثيرية تحيط بالكرة الأرضية وتتخللها. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن ما زعمه من اتساع الكون وأن السموات تتسع فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة, وإنما يعتمد أهله على التخرصات والظنون الكاذبة وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. الوجه الثاني: أن الآية من سورة الذاريات ليس فيها دليل على ما زعمه من كون السموات تتسع إلى الآن, وإنما دلت على أن الله تعالى حين خلق السموات جعلها واسعة.

стр. 266

قال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: أي: قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي. وقال ابن جرير يقول لذو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه وقدرة عليه ومنه قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ يراد به القوي. ثم روى عن ابن زيد أنه قال في قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ قال: أوسعها ﷻ . وذكر البغوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: لقادرون. وعنه أيضا: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذوو سعة. وقال الضحاك: أغنياء. دليله قوله : ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ وقال الحسن: لمطيقون. وقال القرطبي قال ابن عباس ﵄: لقادرون, وقيل: وإنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا يضيع علينا شيء نريده, وقيل: وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس. الحسن: وإنا لمطيقون. وعنه أيضا: وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك: أغنيناهم. دليله ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. وقال القتبي: ذو سعة على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل جعلنا بينها وبين الأرض سعة. الجوهري: وأوسع الرجل, أي: صار ذا سعة وغنى, ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: أغنياء قادرون, فشمل جميع الأقوال. انتهى كلام القرطبي. وقال أبو حيان في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: أي: بناءها؛ فالجملة حالية أي: بنيناها موسعوها كقوله جاء زيد وأنه لمسرع أي: مسرعا, فهي بحيث أن الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء كالنقطة وسط الدائرة, وقال ابن زيد قريبا من هذا, وهو أن الوسع راجع إلى السماء, وقيل لموسعون قوة

стр. 267

وقدرة أي: لقادرون من الوسع وهو الطاقة. وقال الحسن: أوسع الرزق بالمطر والماء. انتهى. فهذه أقوال السلف في تفسير الآية وهم أعلم بكتاب الله من جهلة العصريين الذين يتأولون القرآن على غير تأويله ويحملونه على ما يوافق آراء الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة. الوجه الثالث: أن الله تعالى أخبر في عدة آيات من القرآن أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وفيها أوضح دليل على أن الله تعالى أتم خلق السموات وفرغ منهن في تلك الأيام الستة, وفي ذلك رد على من زعم أن السموات لا تزال تتسع. وبزيد ذلك إيضاحا قول الله تعالى في سورة حم السجدة ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره: يقول تعالى ذكره ففرغ من خلقهن سبع سموات في يومين وذلك يوم الخميس ويوم الجمعة. ثم روى بإسناده عن السدي قال استوى إلى الماء وهي دخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة, وإنما سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض. قال ابن جرير وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم ذكر في ذلك آثارا كثيرة فمن أراد الوقوف عليها, فليراجعها في تفسيره. وقال البغوي في قوله تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: أتمهن, وفرغ من خلقهن.

стр. 268

وقال القرطبي في تفسيره. قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: أكملهن وفرغ منهن. وقيل أحكمهن. قلت: ولا منافاة بين القولين؛ فإنه تعالى أحكمهن وفرغ منهن. ومن زعم أن السموات لا تزال تتسع, فقد زعم أن خلق السموات لم يكمل إلى الآن وذلك تكذيب لما أخبر الله به في هذه الآية الكريمة وفي غيرها من الآيات التي أشرت إليها آنفا. الوجه الرابع: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه قال: «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» وزاد في بعض الروايات «ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة» وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الصواعق الشديدة مع الأدلة على ثبات الأرض, فلتراجع هناك. وتحديد المسافة التي بين السماء والأرض, ومن كل سماء إلى سماء بخمسمائة وتحديد كثف كل سماء بمثل ذلك أيضا يدل على أن السموات لا تزال على ما كانت عليه منذ خلقها الله تعالى إلى أن تقوم الساعة, وأن ما بين كل سماء إلى سماء وما بين السماء والأرض لا يزال على ما كان عليه منذ خلقه الله إلى أن تقوم الساعة, ولو كانت السموات تتسع كما زعمه فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين لكانت المسافة التي بين السماء والأرض ومن كل سماء إلى سماء تتغير على ممر الأزمان وكان كثف كل سماء يزيد إلى يوم القيامة. وهذا ظاهر على ممر الأزمان لمعارضته لمدلول الأحاديث التي ذكرنا والله أعلم. الوجه الخامس: أن القول في القرآن بمجرد الرأي حرام شديد التحريم. وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك, كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد

стр. 269

والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وإذا كان هذا الوعيد الشديد لمن قال في القرآن برأيه فكيف بمن قال فيه بآراء فلاسفة الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة, كما فعله الصواف في هذا الموضع وفي عدة مواضع من رسالته. الوجه السادس: أن القرآن منزه عما حمله الصواف عليه من تخرصات الإفرنج وظنوهم الكاذبة, وما قدر الله حق قدره من جعل كلام الله ملعبة له يتأوله على غير تأويله ويحمله على تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة. الوجه السابع: أن يقال من أعظم الإزراء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم ما زعمه الصواف في الآيات التي تقدم ذكرها في أول الفصل أنها جمعت علما لم يكن معرفته إلا في الأعوام القليلة الماضية رغم أن القرآن قد أوضحه منذ عشرات المئات من السنين. وهذا العلم الذي أشار إليه هو ما ذكره عن الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية الحديثة في الفلك, وما قاله الجاهل (أرثر فندلاي). وقد جمع الصواف في هذا الموضع بين أمرين عظيمين أحدهما القول في القرآن بغير علم. والثاني الغض من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم حيث زعم أن القرآن قد أوضح شيئا من العلم ولم يمكنهم أن يعرفوه وعرفه فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين. والصحابة ﵃ أجل قدرا من أن يجهلوا شيئا مما أوضحه

стр. 270

القرآن. وكذلك التابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم. وقد قال عبد الله بن عمر ﵄ (من كان مستنا فليس بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبين ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة) رواه أبو نعيم في الحلية. وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه. وإذا كان الصحابة ﵃ أعمق هذه الأمة علما فمحال أن يوضح القرآن شيئا ولا تمكنهم معرفته. وقد قال ابن مسعود ﵁: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن) رواه ابن جرير بإسناد صحيح. وفي الصحيحين عن مسروق قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ (والله الذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما نزلت). ورواه ابن جرير ولفظه قال عبد الله: (والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فِيمَ نزلت وأين أنزلت). وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ

стр. 271

الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وأول المعنيين بهذه الآيات هم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ فقد علمهم النبي ﷺ الكتاب والحكمة, وبين لهم ما نزل إليهم حتى تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وأيم الله لقد تركتكم على مثل اليضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. وروى الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه. قال المنذري وإسناده حسن. وروى الإمام أحمد أيضا والطبراني عن أبي ذر ﵁ قال لقد: تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما. قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة. وروى علم ما ذكرنا فمحال أن يوضح القرآن شيئا ولا يعرفه الصحابة ﵃. فأما الجهالات والضلالات التي أحرزها الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية في الفلك وما أشبه ذلك من زخرف القول الذي توحيه الشياطين إلى أوليائهم

стр. 272

من الإنس, فالصحابة ﵃ أجل قدرا من أن يتعلقوا بشيء من ذلك أو يروج عندهم وإنما يروج ذلك عند جهال العصريين استزلهم الشيطان وأغواهم وفتنهم بتقليد أعداء الله وقبول آرائهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (نقض المنطق): من المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوا وقولا للباطل وتكذيبا للحق في مسائلهم ودلائلهم لا يكاد - والله أعلم - تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك. وقال أيضا في الكتاب المذكور: إذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلال وكفر وجد القرآن والسنة كاشفين لأحوالهم مبينين لحقهم مميزين بين حق ذلك وباطله. والصحابة ﵃ كانوا أعلم الخلق بذلك, كما كانوا أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين, كما قال فيهم عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم, وهذا قليل في المتأخرين - إلى أن قال وأهل التعمق في العلم قد يدركون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في أنواع الغي والضلالات, وأصحاب محمد ﷺ كانوا أبر الخلق قلوبا وأعمقهم علما.

стр. 273

ثم أكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن بتعمقهم التكلف المذموم وهو القول والعمل بلا علم وطلب مالا يدرك. وأصحاب محمد ﷺ كانوا - مع أنهم أكمل الناس علما نافعا وعملا صالحا - أقل الناس تكلفا؛ يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي الله بها أمة. وتجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات ما هو من أعظم الفضول المبتدعة والآراء المخترعة لم يكن لهم في ذلك سلف إلا رعونات النفوس المتلقاة ممن ساء قصده في الدين. ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح إني سأخلق أمة أفضلها على كل أمة وليس لها علم ولا حلم فقال المسيح أي رب كيف تفضلهم على جميع الأمم وليس لهم علم ولا حلم قال أهبهم من علمي وحلمي. وهذا من خواص متابعة الرسول فأيهم كان له أتبع كان في ذلك أكمل, كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وكذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر ﵃ «مثلنا ومثل الأمم قبلنا كالذي استأجر أجراء فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين فعمل المسلمون فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل أجرا قال: فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا: لا, قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء».

стр. 274

فدل الكتاب والسنة على أن الله يؤتي أتباع هذا الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل الكتابين قبلهم فكيف بمن هو دونهم من الصائبة دع مبتدعة الصائبة من المتفلسفة ونحوهم. ومن المعلوم أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه فلهم من فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم كما قال بعض السلف أهل السنة في الإسلام, كأهل الإسلام في الملل. فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان أو اليد والسنان. والمقصود التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله أو طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وتعرف وأجب الوجود والنفس الناطقة والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث فهو - إن كان من المؤمنين بالرسل - فهو جاهل فيه شعبة قوية من شعب النفاق وإلا فهو منافق خالص من الذين ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقد يكون من ﴿الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه, وإن كان ذلك ظاهرا بالفطرة لكل سليم الفطرة, فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم بالحقائق وأقومهم قولا وحالا لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك, وأن يكون أعظهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق - إلى أن قال: فإذا

стр. 275

كان الرسول أعلم الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية وأحب الخلق للتعليم والهداية والإفادة وأقدر الخلق على البيان والعبارة امتنع أن يكون من هو دونه أفاد خواصه معرفة الحقائق أعظم مما أفادها الرسول لخواصه فامتنع أن يكون عند أحد من الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث. انتهى المقصود من كلامه ملخصا. الوجه الثامن: أن الصواف صدر كلامه في هذا الموضع بعنوان (اتساع الكون) ثم أورد الآيات الثلاث من سورة المؤمنين وسورة الذاريات وسورة الملك ثم عقب ذلك بما أحرزه الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية الحديثة في الفلك من أن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم إنما هي سموات فوق سموات تتألف منها عوالم الكون, وما قاله الجاهل الفلكي "أرثر فندلاي" من أن السموات السبع أفضية منسابة, وأن الأرضين السبع كرات أثيرية تحيط بالكرة الأرضية وتتخللها. وهذا ظاهر في حمله الآيات الثلاث على ما ذكره بعدها وجعله كالتفسير لها وذلك من تأويل الآيات على غير تأويلها. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله, ملحد في آيات الله, محرف للكلم عن مواضعه. انتهى. الوجه التاسع: أن الله تعالى نص في تسعة مواضع من القرآن على أن السموات سبع فقط. وأخبر في سورة الملك وسورة نوح أنها طباق أي: بعضها فوق بعض. وقال في سورة المؤمنين: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ أي: بعضها فوق بعض, كما قاله غير واحد من المفسرين وأئمة اللغة. وأخبر

стр. 276

تبارك وتعالى أنه جعل في السماء سراجا, وهي الشمس وقمرا منيرا. وأخبر أيضا أنه زين السماء الدنيا بالكواكب. وأخبر أيضا أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا. وفي هذه النصوص وما فيه من التفريق بين السموات وبين ما جعله الله فيها من السراج والقمر والزينة التي هي النجوم, وما ملئت به من الحرس والشهب أعظم رد على ما فهمه أهل الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية من أن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم إنما هي سموات فوق سموات, تتألف منها عوالم الكون. الوجه العاشر: أن ما أحرزه الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية وما أثبته جهلهم يقتضي أن تكون السموات كثيرة جدا بحيث لا يحصرها علم البشر وفي هذا أعظم معارضة للقرآن والأحاديث الصحيحة الدالة على أن السموات سبع فقط. وقد ذكرت جملة منها في الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وفيه أيضا معارضة لإجماع أهل السنة على أن السموات سبع طبقات. وقد ذكرت ذلك في الصواعق الشديدة فليراجع هناك. وما عارض نصوص القرآن والأحاديث الصحيحة وإجماع أهل السنة فمضروب به عرض الحائط, ومردود على قائله كائنا من كان. الوجه الحادي عشر: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا؛ فقد قال في الكلام على الآية من سورة المؤمنين ما نصه: (يقول الله سبحانه عن السموات إنها سبع وزيادة عليها يوجد العرش الذي وصفه بأنه عظيم ويصف جل شأنه هذه السموات أنها طباق) ثم ذكر بعد ذلك أن العلم أثبت أن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم إنما هي سموات فوق سموات تتألف منها عوالم الكون.

стр. 277

وهذا من أقبح التناقض؛ لأنه قد قرر أن السموات سبع كما نطقت به الآية الكريمة. ثم ذكر ما يقتضي كثرة عدد السموات وأن عدتها لا تنحصر في سبع بل ولا سبعين ولا سبعمائة ولا سبعة آلاف, ومثل هذا التناقض لا يصدر من رجل عاقل أبدا. الوجه الثاني عشر: أن إيراد الصواف لما أحرزه الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية الحديثة في الفلك وما أثبته جهلهم من أن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم إنما هي سموات فوق سموات تتألف منها عوالم الكون, وإيراده أيضا لما قاله الجاهل الفلكي "أرثر فندلاي" من أن الجهل أثبت أن السموات السبع أفضية مناسبة, وتقرير لهذه الأقوال الباطلة يقتضي تكذيب ما أخبر الله به في كتابه من كون السموات سبعا وكونهن شدادا. ويقتضي أيضا تكذيب ما أخبر به رسول الله ﷺ من كون السموات سبعا كثف كل سماء منهن خمسمائة سنة. بل هذا في الحقيقة إنكار لوجود السموات التي نص الله عليها في مواضع كثيرة من القرآن. ونص عليها رسول الله ﷺ في كثير من الأحاديث الصحيحة وأخبر أنه عرج به إليها فلم يدخل سماء منها هو وجبريل إلا بعد الاستفتاح وفتح الباب لهما. وإذا كانت السموات السبع عند أهل الجهل الفزيقي والكشوف الجهلية ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال العصريين هي الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم, فإنه يلزم على قولهم أن يكون النبي ﷺ قد عرج به إلى الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم ورأى فيها آدم وإبراهيم وموسى وهارون وإدريس ويوسف ويحيى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا لا يقوله مسلم, ومع هذا فقد أدخله الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين. وهذا من أكبر

стр. 278

الخطأ وأعظم الفرية على المسلمين. الوجه الثالث عشر: أن الله ﵎ قال ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادً﴾. وروى الإمام أحمد وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة» وفي هذا النص مع نص الآية الكريمة أبلغ رد على ما زعمه الجاهل الفلكي "أرثر فندلاي" من أن السموات أفضية مناسبة إلى آخر كلامه. الوجه الرابع عشر: أنه ليس في السماء سوى شمس واحدة كما هو معلوم بالمشاهدة ومنصوص عليه في مواضع كثيرة من القرآن والأحاديث الصحيحة, وقد ذكرت الأدلة على ذلك مستوفاة في أول الصواعق الشديدة, وذكرت جملة منها في مواضع من هذا الكتاب, فلتراجع هنا وهناك, ومن زعم أن في السماء شموسا متعددة فهو من أكذب الكاذبين. الوجه الخامس عشر: أن كل ما ذكره الصواف عن الجاهل الفلكي "أرثر فندلاي" من أن السموات أفضية مناسبة, وأن هناك شموسا سبعا أثيرية, وأن الأرضين السبع كرات أثيرية تحيط بالكرة الأرضية وتتخللها فكله هوس وهذيان مردود بالنصوص الدالة على أن السموات شداد, وأن كثف كل سماء خمسمائة سنة, وأنه ليس في السماء سوى شمس واحدة وأن الأرضين ليست بالأثير أي الهواء الذي هو فوق الأرض أو يتخللها وإنما هي أجرام صلبة كما هو مشاهد من أعلاها الذي نحن ساكنون عليه. وكما يدل عليه قول النبي ﷺ : «من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» رواه الإمام أحمد والبخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄. والخسف لا يكون في الهواء ولا إلى الجهة الفوقية, وإنما يكون في

стр. 279

المواضع الصلبة, وفيما هو تحت المخسوف به. وفي قوله ﷺ : «خسف به إلى سبع أرضين» دليل على أن الأرضين بعضهن فوق بعض, وأعلاهن ما نحن ساكنون عليه. فصل وفي صفحة ١٠٨ ساق الصواف كلاما للفلكي "سيمون نيوك" صور فيه صورة العالم وحجم الأرض والشمس والقمر والنجوم السيارة وأبعادها, وما بينها وبين النجوم الثوابت من البعد العظيم على حد زعمه الكاذب, وما بين النجوم الثوابت أيضا من البعد الشاسع بالنسبة إلى العالم الذي تصوره بعقله الفاسد. وهذا التصوير لا دليل عليه من كتاب ولا سنة, وإنما هو مبني على التخرص واتباع الظن الكاذب. وقد قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. ولا يغتر بمثل هذا الهذيان ويصغى إليه إلا جاهل قد أعمى الله بصيرته. فصل وقال الصواف في صفحة ١٠٩ ما نصه: ولعل أدق وصف للأرض بالنسبة للكون هو أنها هباءة دقيقة لا ترى إلا بالمجهر في هذا الفضاء الفلكي الواسع بالنسبة إلى الأجرام السماوية المتناثرة في أنحاء الكون. والجواب أن يقال: هذا قول باطل مردود, وقد نبهت على بطلانه في أول الكتاب, فليراجع هناك.

стр. 280

فصل وقال الصواف في صفحة ١٠٩ ما نصه: هذا وقد أثبتت الأبحاث الأخيرة أن حجم الكون أخذ في الزيادة والاتساع شيئا فشيئا, وكلما ازداد حجمه ازدادت المسافة بين أجرامه. فسبحان أعلم العلماء, وما أعظم صدق القرآن, وهو يقرر هذه الحقيقة العلمية قبل أن تعرف, وهي أن السماء في اتساع دائم ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. والجواب أن يقال, أما زعمه أن حجم الكون أخذ في الزيادة والاتساع شيئا فشيئا, وكلما ازداد حجمه ازدادت المسافة بين أجرامه فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح, وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل. وأيضا فالأمور الغيبية لا يمكن الوصول إلى علمها بالأبحاث التي هي التخرصات والظنون الكاذبة على الحقيقة, وإنما تعلم من طريق الوحي. وقد انقطع الوحي بموت النبي ﷺ . وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وتأويل الصواف للآية من سورة الذاريات على ما زعمه من الاتساع الدائم

стр. 281

لم يؤثر عن أحد من المفسرين, وإنما هو من تحريف الكلم عن مواضعه, وقد ذكرت الرد عليه وكلام المفسرين على الآية في أول الفصل الذي قبل هذا الفصل بفصلين, فليراجع. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير لمعروف عن الصحابة والتابعين, فهو مفتر على الله, ملحد في آيات الله, محرف للكلم عن مواضعه. انتهى. وأما قوله فسبحان أعلم العلماء فجوابه أن يقال: هذه العبارة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولم تؤثر عن أحد من السلف الصالح ولا من بعدهم من علماء المسلمين ولم أرها لأحد قبل الصواف. والذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ولم يكونوا يبتدعون في صفات الرب ألفاظا لم ترد في الكتاب ولا في السنة. فمن سلك سبيلهم فهو منهم. ومن حاد عن سبيلهم وسلك سبل أهل البدع فهو منهم. ولقد أحسن الراجز حيث يقول: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف فصل وفي صفحة ١١١ وصفحة ١١٢ ذكر الصواف المعلقين على محاضرته والمادحين له ومنهم محمد زكي المحاسني وذكر من قوله. لا تسألوا عن صوفه أو قطنه ... فمن الصفاء دعوه بالصواف

стр. 282

هو في الأئمة بين سادة مكة ... أهل التقى والعلم والإنصاف ثم قال: قطنا لبست أو ارتديت الصوفا ... فلقد وجدتك بالهدى موصوفا وإذا المنابر بالرجال تلألأت ... عرفت لسانك بالمقال عفيفا والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن إيراد الصواف لهذه الأبيات في رسالته من تزكية النفس وقد قال الله تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال البغوي عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة, فلا تزكوا أنفسكم, فلا تبرئوها من الآثام, ولا تمدحوها بحسن أعمالها. وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة ﵂ قالت: سُميت برة فقال رسول الله ﷺ : «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم». الوجه الثاني: أن النبي ﷺ كره المدح وأنكر على المداحين, وأمر أن يحثى في وجوههم التراب كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أبي بكرة ﵁ قال مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله

стр. 283

أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك». وروى مسلم أيضا عن أبي موسى ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: «لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل». وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه, قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب, ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث همام بن الحارث قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله ﷺ فجاء قوم يثنون على عثمان ويمدحونه والمقداد في ناحية المسجد, فلما سمعهم يمدحونه قام فتناول الحصا, فجعل يحثو في وجوههم, فقال عثمان: ما هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتم المداحين فاحثو في وجوههم أو قال: في أفواههم التراب: أو قال الحصا». وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن سعيد بن العاص بعث وفدا من العراق إلى عثمان, فجاؤوا يثنون عليه, فجعل المقداد يحثو في وجوههم التراب, وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب. وقال سفيان مرة: فقام المقداد, فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «احثوا في وجوه المداحين التراب» قال الزبير: أما المقداد فقد قضى ما عليه. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن

стр. 284

مجاهد عن أبي معمر قال: قام رجل يثني على أمير من الأمراء, فجعل المقداد يحثو في وجهه, وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يحيى عن وائل بن داود قال: سمعت عبد الله البهي أن ركبا وقفوا على عثمان بن عفان فمدحوه, وأثنوا عليه ثم المقداد بن الأسود فأخذ قبضة من الأرض فحثاها في وجوه الركب فقال نبي الله ﷺ : «إذا سمعتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب». وإذا كان هذا فعل المقداد ﵁ مع من مدح عثمان الذي هو أهل للمدح والثناء فكيف بمن مدح من لا يستحق المدح والثناء وإنما يستحق القدح والذم والتأنيب وما هو أشد من ذلك, فالله المستعان. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب, قال: جعل رجل يمدح عاملا لعثمان, فعمد المقداد, فجعل يحثو التراب في وجهه, فقال له عثمان: ما هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب». وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث شعبة به إلا أنه قال جعل رجل يمدح غلاما لعثمان. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في أفواه المداحين التراب. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة ﵁. الوجه الثالث: أن المحاسني قد أخطأ في عدة مواضع من كلامه. أحدها: قوله: فمن الصفاء دعوه بالصواف

стр. 285

والجواب أن يقال: ليس الأمر كما زعمه المحاسني من أن الصواف منسوب إلى الصفاء؛ وإنما هو منسوب إلى بيع الصوف, كما يقال لبائع التمر تمار ولبائع السمن سمان ولبائع الزيت زيات ولبائع البقل بقال ولبائع النحاس نحاس وما أشبه ذلك. ولو كان منسوبا إلى الصفاء لقيل له الصافي لا الصواف. الموضع الثاني: عده من الأئمة أهل التقى والعلم والإنصاف. والجواب أن يقال: هذا فيه نظر لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة. الموضع الثالث: قوله فلقد وجدتك بالهدى موصوفا. والجواب أن يقال: وهذا أيضا فيه نظر لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة, ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر الموضع الرابع: قوله عرفت لسانك بالمقال عفيفا والجواب أن يقال: كيف يكون لسانه عفيفا بالمقال وهو قد قال على الله تعالى وعلى كتابه ورسوله ﷺ بغير علم, وأخطأ على المسلمين خطأ كبير كير نسب إليهم من التخرصات والظنون الكاذبة ما هم بريئون منه. فأما قوله على الله تعالى وعلى كتابه بغير علم, ففي مواضع من رسالته التي قد رددت عليها. منها قوله في صفحة ٤٠: أن القرآن أشار إلى نظرية "لابلاس" وهي قوله: أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنما كانت سديما في
следующие страницы →