Полный текст (357 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لم يؤثر عن أحد من المفسرين, وإنما هو من تحريف الكلم عن مواضعه, وقد ذكرت الرد عليه وكلام المفسرين على الآية في أول الفصل الذي قبل هذا الفصل بفصلين, فليراجع.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير لمعروف عن الصحابة والتابعين, فهو مفتر على الله, ملحد في آيات الله, محرف للكلم عن مواضعه. انتهى.
وأما قوله فسبحان أعلم العلماء
فجوابه أن يقال: هذه العبارة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولم تؤثر عن أحد من السلف الصالح ولا من بعدهم من علماء المسلمين ولم أرها لأحد قبل الصواف.
والذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ولم يكونوا يبتدعون في صفات الرب ألفاظا لم ترد في الكتاب ولا في السنة. فمن سلك سبيلهم فهو منهم. ومن حاد عن سبيلهم وسلك سبل أهل البدع فهو منهم. ولقد أحسن الراجز حيث يقول:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
فصل
وفي صفحة ١١١ وصفحة ١١٢ ذكر الصواف المعلقين على محاضرته والمادحين له ومنهم محمد زكي المحاسني وذكر من قوله.
لا تسألوا عن صوفه أو قطنه ... فمن الصفاء دعوه بالصواف
стр. 282
هو في الأئمة بين سادة مكة ... أهل التقى والعلم والإنصاف
ثم قال:
قطنا لبست أو ارتديت الصوفا ... فلقد وجدتك بالهدى موصوفا
وإذا المنابر بالرجال تلألأت ... عرفت لسانك بالمقال عفيفا
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن إيراد الصواف لهذه الأبيات في رسالته من تزكية النفس وقد قال الله تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال البغوي عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة, فلا تزكوا أنفسكم, فلا تبرئوها من الآثام, ولا تمدحوها بحسن أعمالها.
وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة ﵂ قالت: سُميت برة فقال رسول الله ﷺ : «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم».
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ كره المدح وأنكر على المداحين, وأمر أن يحثى في وجوههم التراب كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أبي بكرة ﵁ قال مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله
стр. 283
أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك».
وروى مسلم أيضا عن أبي موسى ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: «لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل».
وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه, قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب, ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث همام بن الحارث قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله ﷺ فجاء قوم يثنون على عثمان ويمدحونه والمقداد في ناحية المسجد, فلما سمعهم يمدحونه قام فتناول الحصا, فجعل يحثو في وجوههم, فقال عثمان: ما هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتم المداحين فاحثو في وجوههم أو قال: في أفواههم التراب: أو قال الحصا».
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن سعيد بن العاص بعث وفدا من العراق إلى عثمان, فجاؤوا يثنون عليه, فجعل المقداد يحثو في وجوههم التراب, وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب. وقال سفيان مرة: فقام المقداد, فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «احثوا في وجوه المداحين التراب» قال الزبير: أما المقداد فقد قضى ما عليه.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن
стр. 284
مجاهد عن أبي معمر قال: قام رجل يثني على أمير من الأمراء, فجعل المقداد يحثو في وجهه, وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يحيى عن وائل بن داود قال: سمعت عبد الله البهي أن ركبا وقفوا على عثمان بن عفان فمدحوه, وأثنوا عليه ثم المقداد بن الأسود فأخذ قبضة من الأرض فحثاها في وجوه الركب فقال نبي الله ﷺ : «إذا سمعتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
وإذا كان هذا فعل المقداد ﵁ مع من مدح عثمان الذي هو أهل للمدح والثناء فكيف بمن مدح من لا يستحق المدح والثناء وإنما يستحق القدح والذم والتأنيب وما هو أشد من ذلك, فالله المستعان.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب, قال: جعل رجل يمدح عاملا لعثمان, فعمد المقداد, فجعل يحثو التراب في وجهه, فقال له عثمان: ما هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث شعبة به إلا أنه قال جعل رجل يمدح غلاما لعثمان.
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في أفواه المداحين التراب. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الثالث: أن المحاسني قد أخطأ في عدة مواضع من كلامه.
أحدها: قوله: فمن الصفاء دعوه بالصواف
стр. 285
والجواب أن يقال: ليس الأمر كما زعمه المحاسني من أن الصواف منسوب إلى الصفاء؛ وإنما هو منسوب إلى بيع الصوف, كما يقال لبائع التمر تمار ولبائع السمن سمان ولبائع الزيت زيات ولبائع البقل بقال ولبائع النحاس نحاس وما أشبه ذلك. ولو كان منسوبا إلى الصفاء لقيل له الصافي لا الصواف.
الموضع الثاني: عده من الأئمة أهل التقى والعلم والإنصاف.
والجواب أن يقال: هذا فيه نظر لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
الموضع الثالث: قوله فلقد وجدتك بالهدى موصوفا.
والجواب أن يقال: وهذا أيضا فيه نظر لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة, ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
الموضع الرابع: قوله عرفت لسانك بالمقال عفيفا
والجواب أن يقال: كيف يكون لسانه عفيفا بالمقال وهو قد قال على الله تعالى وعلى كتابه ورسوله ﷺ بغير علم, وأخطأ على المسلمين خطأ كبير كير نسب إليهم من التخرصات والظنون الكاذبة ما هم بريئون منه.
فأما قوله على الله تعالى وعلى كتابه بغير علم, ففي مواضع من رسالته التي قد رددت عليها.
منها قوله في صفحة ٤٠: أن القرآن أشار إلى نظرية "لابلاس" وهي قوله: أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنما كانت سديما في
стр. 286
الفضاء وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم. ثم قال في صفحة ٤١: وبذلك قرر العلم اليوم ما قرره القرآن وأشار إليه قبل ألف وأربعمائة عام من أن الأرض والشمس والنجوم, أي: السماء والأرض وما فيهما, إنما كانت سديما انفصل إلى أجزاء.
وهذا من القول على الله وعلى كتابه بغير علم. وقد استوفيت الرد عليه في أول هذا الكتاب فليراجع.
ومنها في صفحة ٤٢ وصفحة ٤٣ فقد أورد آيتين من سورة يس وآية من سورة النمل ثم حمل الآيات على ما يزعمه فلاسفة الإفرنج من التخرصات والظنون الكاذبة, وزعم أن ذلك مما قرره القرآن الكريم, وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه, وقد استوفيت الرد عليه في أول الكتاب, فليراجع هناك.
ومنها في صفحة ٥٤ - ٥٥ - ٥٦ فقد أورد آيتين من سورة القصص, وحملهما على ما يزعمه فلاسفة الإفرنج من حركة الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس, وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه, وقد استوفيت الرد عليه في أول الكتاب, فليراجع هناك.
ومنها في صفحة ٦١ فقد زعم أن المستقر الذي ذكره الله في قوله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إنه المحور الذي تدور عليه الشمس حول نفسها, وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه, وقد استوفيت الرد عليه في أثناء الكتاب, فليراجع هناك.
ومنها أنه في صفحة ٧٦ أورد آية من سورة الإسراء ثم حملها في صفحة ٧٨ على ما يوافق آراء الإفرنج وتخرصاتهم وزعم أن ذلك من معجزات القرآن, وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه, وقد استوفيت الرد عليه في أثناء الكتاب, فليراجع هناك.
стр. 287
ومنها أنه في صفحة ٩٧ - ٩٨ زعم أن الله يحثنا على البحث عن الكواكب, وما فيها من عوالم, وهذا من الافتراء على الله تعالى, وقد تقدم الكلام عليه في موضعه.
ومنها أنه في صفحة ١٠١ نقل كلاما لموسى جار الله زعم فيه أن السموات لها منظومات, وكل منظومة من هذه المنظومات يسميها القرآن برجا إلى آخر هذيانه في السطر الأول من صفحة ١٠٢ وهو من الافتراء على الله وعلى كتابه, وقد تقدم التنبيه على ذلك في موضعه.
ومنها أنه في صفحة ١٠٧ وصفحة ١٠٩ ذكر الآيتين من سورة المؤمنين وسورة الذاريات ثم حملها على ما يوافق تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة, وهذا من الافتراء على الله وعلى كتابه, وقد تقدم التنبيه على ذلك قريبا, فليراجع.
وأما قوله على رسول الله ﷺ بغير علم ففي صفحة ٧٨.
وأما خطؤه على المسلمين, ففي عنوان رسالته حيث زعم أن ما أودعه فيها من تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة, فهو من علوم المسلمين في الفلك, وقد نبهت على ذلك في أول الكتاب, فليراجع هناك.
وفي صفحة ٦٠ زعم أن القول بثبات الشمس وقرارها قد سبق إليه العلماء الأعلام من المسلمين. وهذا غلط وخطأ عليهم.
وفي صفحة ٦١ زعم أن للشمس محورا تدور عليه, كما تدور المروحة السقفية على محولها وفسر المستقر المذكور في قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ بما زعمه من المحور المتوهم. قال وقد قال بهذا القول رجال
стр. 288
من سلف هذه الأمة الخيار وذكر منهم مجاهدا. وهذا غلط وخطأ عليهم. وقد نبهت على ذلك في موضعه, فليراجع هناك.
ومما ذكرته من هذه الأمثلة يعلم أن لسان الصواف ليس عفيفا بالمقال, وأن من وصفه بالعفاف فقد أخطأ
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٣ ما نصه:
وانتهت المحاضرة بعد هذا وكان من نتاجها الطيب هذا الكتاب "المسلمون وعلم الفلك" الذي بين أيدي القراء اليوم, والذي نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم, وأن يشفع لنا به .
والجواب أن يقال: ليس كتاب الصواف من النتاج الطيب كما زعم ذلك؛ وإنما هو من النتاج الذي ليس بطيب, كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان. وذلك لأنه محشو من تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة المخالفة لما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . مع ما فيه من القول على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ وعلى المسلمين بغير علم.
وما كان كذلك فليس بطيب, وإنما هو بضد ذلك. ولكن القلوب إذا عميت وانتكست صارت ترى الباطل حقا والمنكر معروفا والخبيث طيبا.
ولما كان الصواف قد عدم التمييز بين الطيب الذي يرجى نفعه وبين ضده الذي هو ضرر محض رأى أن كتابه من النتائج الطيب, وسأل الشفاعة به, ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
стр. 289
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وأما قوله: وأن يشفع لنا به
فجوابه أن يقال ومن ترى يشفع لك به عنده. تعالى الله, وتقدس وتنزه عما يقول الجاهلون علوا كبيرا.
وقد أنكر النبي ﷺ على الأعرابي إنكارا شديدا لما قال له: إنا لنستشفع بالله عليك. ففي سنن أبي داود عن جبير بن مطعم ﵁ قال أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله, جهدت الأنفس, وضاعت العيال, ونهكت الأموال, وهلكت الأنعام, فاستسق الله لنا, فإنا نستشفع بك على الله, ونستشفع بالله عليك. قال رسول الله ﷺ «ويحك أتدري ما تقول» وسبح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: «ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك» الحديث قال الذهبي: إسناده حسن. ورد ابن القيم في تهذيب السنن على من تكلم في هذا الحديث بغير حجة, فأجاد وأفاد.
وإذا علم هذا, فلا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة ما بين قول الصواف وقول الأعرابي من المشابهة الظاهرة. فالصواف قد سأل الله أن يشفع له بكتابه. والأعرابي قال للنبي ﷺ ونستشفع بالله عليك. فكل منهما قد استشفع بالله. والله تعالى لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٤: إن الكثير من شبابنا اليوم في حاجة ماسة إلى مثل هذه الكتب - يعني كتابه وما أشبهه من الكتب المضلة - لتلقي لهم
стр. 290
ضوءا على ماضيهم المشرق وتكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة التي طمسها الأعداء أو كادوا.
والجواب عن هذا وجوه: أحدها: أن يقال: إن الناس في حاجة شديدة إلى التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والأخذ بما جاء عن الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم, فهذا هو العلم النافع الذي يلقي لهم الضوء على ماضيهم المشرق, ويكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة.
فأما ما جاء عن فيثاغورس اليوناني وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين, وهم أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج وجهال المسلمين فهذا ضرر محض تجب محاربته بكل ما أمكن.
وكتاب الصواف من هذا القسم الأخير؛ لأنه مبني على أقوال "فيثاغورس" وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين, ومحشو من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة مع ما اشتمل عليه من تحريف آيات كثيرة من القرآن وتأويلها على غير المراد منها. وما اشتمل عليه أيضا من الافتراء على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين. وما كان بهذه الصفة فإنه يجب القضاء عليه وعلى أمثاله من الكتب التي تضل الشيوخ والشباب, وتدعوهم إلى نبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم.
الوجه الثاني: أن يقال: وأي حاجة بالشباب إلى تخرصات اليونان والإفرنج وظنونهم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وإنما هي من وحي الشيطان وتضليله.
وأي حاجة بالشباب إلى الهذيان والسخافات التي يضحك منها الصبيان الصغار فضلا عن الرجال العقلاء. وسأذكر نماذج منها قريبا إن شاء الله تعالى.
стр. 291
وأي حاجة بالشباب إلى القول على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ وعلى المسلمين بغير علم وقد تقدمت الإشارة إلى مواضع ذلك في رسالة الصواف قريبا عند الكلام على ما نقله الصواف عن المحاسني, فليراجع.
وأي حاجة بالشباب إلى العبارات البشعة المنكرة جدا؛ كقول الصواف في صفحة ٣٩: وقد تمكن بعض العلماء من معرفة أشياء مهمة عن الأرض ومكوناتها. وقوله أيضا في صفحة ٤١: وبتقدم العلم أمكن إلى حد ما معرفة العناصر المكونة للشمس فوجدانها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض.
فأضاف تكوين الأرض والشمس إلى العناصر وهذا مذهب الطبيعيين الذين يزعمون أن الإيجاد والتكوين ناشئ عن الطبيعة, وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق العناصر, وخلق ما تكون منها, فلا يضاف التكوين إلى غيره.
ومن ذلك قوله في صفحة ٥٧: هذه الشمس التي ليست مصدر نورنا ونارنا فقط بل هي محور نظامنا السياري ومصدر حياتنا أيضا.
فجعل مصدر حياة البشر من الشمس, وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الحياة مصدرها من الله وحده؛ فهو الذي أوجد الخلق من العدم وهيأ الأسباب لحياتهم في الدنيا وفي الآخرة.
ومن ذلك قوله أيضا في صفحة ٥٧: إن الشمس لم تزل تجدد وزنها وحجمها؛ فجعل للشمس تصرفا في نفسها بتجديد الوزن والحجم وذلك شرك بالله تعالى.
стр. 292
ومن ذلك قوله في صفحة ٦٨: وهل تعلم أن من علماء الهيئة المسلمين الذين رصدوا وألفوا وسهروا الليالي الطوال في مناجاة النجوم ورصد حركاتهم وسكناتها والناس نيام والعالم في غفوة وغفلة الشيخ أبو جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف.
فجعل نصير الشرك مسلما مع تصريحه بأنه كان يسهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم. ومناجاة النجوم شرك بالله تعالى. وقد تقدم إيضاح ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته ههنا.
وأيضا فقد جعل العالم كله في غفوة وغفلة وجعل نصير الشرك هو المتيقظ المتنبه وحده؛ لأنه كان يسهر الليالي الطوال في مناجاة النجوم. وقد تقدم التنبيه على هذا التهور, فليراجع في موضعه.
ومن ذلك ما نقله في صفحة ٧٤ عن ابن باديس أنه قال في الشمس: إنها هي التي أبصرت القمر.
فأضاف أبصار القمر إلى الشمس, وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي جعل الضياء في الشمس وجعله يمتد منها إلى القمر, وينعكس منه إلى الأرض وذلك كله خلق الله وفعله, فلا يضاف إلى غيره.
ومن ذلك ما في صفحة ١١٣ حيث سأل الله تعالى أن يشفع له بكتابه تعالى الله وتقدس عن قوله.
ومن ذلك قوله في صفحة ١١٧ - ١١٨: علم الفلك يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان. وأنه قد قيل: إن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك.
стр. 293
وهذه إحدى الكبر من الصواف لو كان يعلم ما يقول.
إلى غير ذلك من العبارات المنكرة في كتاب الصواف, وقد تقدم الرد عليها مفصلا في مواضعه من هذا الكتاب سوى الأخير من أقواله, فسيأتي الرد عليه قريبا إن شاء الله تعالى.
وأما الهذيان والسخافات المضحكة فكثيرة جدا في كتابه.
فمن ذلك قوله في صفحة ٣٨: إن الأرض تدور حول الشمس في فلك يبلغ محيطه ٥٨٠ مليون ميل فمعدل سرعتنا في هذه الحركة يبلغ ٦٠ ألف ميل في الساعة أو بنحو ألف ميل في الدقيقة. والنظام الشمسي كله بما فيه الأرض ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة أي أكثر من ٣٠٠ ميل في الدقيقة متجهة نحو برج هركيوليس.
ومن ذلك قوله في صفحة ٣٨: أما عمر الأرض فقد بدأ الإنسان تكهناته عنه من آماد بعيدة؛ ففي القرن السابع عشر قال أحد المفكرين واسمه "جيمس أوثر" أن العالم بدأ يوم ٢٦ أكتوبر سنة ٤٠٠٤ قبل الميلاد. وجاء في أحد الكتب الهندية المقدسة أن عمر العالم هو ١.٩٧٢.٩٤٩.٠٥٦ سنة. وفي العصر الحديث بدأت الجهود التي يبذلها الفلكيون في المراصد تلتقي عند أدق رقم يمكن أن يعتبر أصح تقدير لعمر الكرة الأرضية. فقد دلت آخر التقديرات القائمة على دراسات فلكية وأبحاث علمية في مراصد ليك ومونت ويلسون وبالومار على أن عمر الكرة الأرضية حوالي ٥٤٠٠٠٠٠٠٠٠ سنة. ونسبة الخطأ في تقدير هذا الرقم يقرب من ٢٠ %. ويعتمد الفلكيون في عمر الكرة الأرضية على النظرية القائلة بأن شيئا حدث في الفضاء في قديم الزمان جعل المادة تتناثر من مركز مشترك واحد. وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء
стр. 294
المنبعث من الكواكب البعيدة على أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء. وأن سرعتها تزداد كلما ازداد ابتعادها. وقد قضى الفلكيون في معرفة ذلك سبعة أعوام بالمراصد المذكورة يراقبون ٨٠٠ كوكبا و٢٦ مجموعة من الكواكب.
ومن ذلك ما في صفحة ٣٩ عندما ذكر تخرصات المتخرصين عن الأرض ومعرفة تاريخها ونشأتها وعمرها, وكيف تكونت طبقاتها, وما طرأ على كل طبقة من تغيير. قال: وكل هذه الدراسات تضيف في كل لحظة وحين أدلة مشرقة على عظمة الخالق ووجود الصانع.
فجعل التخرصات والظنون الكاذبة من أعداء الله تعالى أدلة مشرقة على عظمة الخالق ووجود الصانع. هذا مبلغ علمه وحاصل عقله.
ومن ذلك قوله في صفحة ٤٣: وليس هناك أبلغ ولا أدق مما يقوله حجة علم الفلك العالم "سيمون" من أن أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور هي حقيقة أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا, فلن تصل مجموعتها الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف المليون سنة من وقتنا الحاضر. ثم قال: أليست هذه إحدى معجزات القرآن العلمية.
فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة على القول على الله وعلى كتابه بغير علم.
ومن ذلك قوله في صفحة ٥٥: وقد ذكر علماء الجيولوجيا أن الأرض بعد انفصالها عن الشمس كانت تدور حول نفسها بسرعة أكبر مما هي عليه الآن إذ كانت تتم دورتها حول نفسها مرة كل أربع ساعات؛ فالليل والنهار كانا في
стр. 295
مجموعهما أربع ساعات فقط. وبتوالي النقص في سرعة دورانها حول نفسها زادت المدة التي تتم فيها دورانها هذا. فزادت مدة الليل والنهار إلى خمس ساعات ثم ست حتى وصلت إلى أربع وعشرين ساعة, وهي التي نحن عليها الآن. وقد أظهر بعض العلماء أنه تمكن من احتساب النقص في سرعة دوران الأرض فوجد أن هذا النقص يبلغ حوالي ثانية واحدة كل مائة وعشرين ألف سنة. وعليه فبعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض بمقدار ساعة, وعندئذ يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة. وهكذا يتوالى النقص ويطرد طول الليل والنهار. وعلى هذا الأساس يقول العلماء: إن الأرض لا بد أن تقف يوما والله أعلم بذلك اليوم. وعند وقوفها يصبح الوجه المقابل للشمس نهارا دائما والوجه البعيد عنها ليلا دائما وهذا ما أشار إليه الرب في كتابه العزيز.
فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة على القول على الله وعلى كتابه بغير علم.
ومن ذلك قوله في صفحة ٥٧: هذه الشمس هي آية من آيات الخالق وإن هي إلا آية صغيرة تزخر السماء بملايين من النجوم أضخم منها حجما وأكبر سرعة وأكثر تألقا. وقد قال علماء الفلك: إنما هي كرة هائلة من الغازات الملتهبة. قطرها يزيد عن مليون وثلث مليون كيلو متر. ومحيطها مثل محيط الأرض ٣٢٥ مرة, ويبلغ ثقلها ٣٣٢ ألف ضعف ثقل الأرض. وحرارة سطحها نحو ٦٠٠٠ درجة سنتجراد. وهذا السطح تندلع منه ألسنة اللهب إلى ارتفاع نصف مليون كيلو متر. وهي تنثر في الفضاء باستمرار طاقة قدرها ١٦٧٤٠٠ حصان من كل متر مربع. ولا يحصل للأرض منها إلا جزء من مليوني جزء. وهي لا تعتبر إلا نجمة ولكنها ليست في عداد النجوم الكبرى. وسطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة.
стр. 296
والمشكلة التي حيرت العلماء هي أن الشمس, كما يؤخذ من علم طبقات الأرض لم تزل تشع نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين. فإن كانت الحرارة الناتجة عنها نتيجة احتراقها فكيف لم تفنَ مادتها على توالي العصور, فلا شك أن طريقة الاحتراق الجارية فيها غير ما نعهد ونألف وإلا لكفاها ستة آلاف سنة؛ لتحترق وتنقد حرارتها. وقد زعم البعض أن النيازك والشهب التي تسقط على سطحها تعوض الحرارة التي تفقدها بطريق الإشعاع.
ومن ذلك ما ذكره في صفحة ٥٨ - ٥٩ - ٦٠ من الإعلانات لبعض الإفرنج المعاصرين عن انفجارات حدثت في الشمس في سنة ١٩٥٦ و١٩٥٧ ميلادية. منها ما يعادل القوة الناجمة عن تفجير مليوني قنبلة هيدروجينية وأنه حدث في منطقة أكبر بكثير من مساحة الكرة الأرضية. ومنها ما يعادل انفجار مائة مليون قنبلة هيدروجينية دفعة واحدة.
ومن ذلك قوله في صفحة ٦٠ (سكون الشمس وجريانها).
فجمع بين النقيضين.
ثم قال: والذين قالوا بقرارها قالوا هي ثابتة ومتحركة في آن واحد. ثابتة على محورها الذي أرساها الله لها ومتحركة حول هذا المحور أي: هي دائرة حول نفسها ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية فهي ثابتة في سقفها وهي متحركة حول نفسها, وهؤلاء استدلوا بقوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ , وفسروا المستقر بالمحور. وقد قال بهذا القول رجال من سلف هذه الأمة الخيار.
فانظروا إلى هذه الجراءة على كتاب الله وحمله على غير ما يراد به.
стр. 297
وانظروا أيضا إلى الافتراء على السلف الخيار من هذه الأمة ونسبة القول الباطل إليهم وهم براءة منه, وإنما هو من أقوال المتبعين لأهل الهيئة الجديدة المفتونين بتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة.
وقد نقض الصواف ما قرره في هذا الموضع من ثبات الشمس وتشبيهها بالمروحة السقفية الكهربائية بما قرره في صفحة ٩٩ وصفحة ١٠٠ أن الشمس تسير في كل برج شهرا وأنها تقطع البروج كلها مرة في السنة.
ومن ذلك قوله في صفحة ٦٧: أكتفي بهذا المقدار من النقل ولا أريد أن أسترسل إلا أني أود أذكر كيف أن العلماء تكلموا في الشمس والقمر وتكلموا في النجوم الثوابت والسيارات وقدروا الأبعاد بين الأرض والشمس وقدروا مقدار ضخامة الشمس عن الأرض وأن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة وثمانية وعشرين ألف مرة. وأن الشمس تبعد عن الأرض بأربعة وثلاثين مليون فرسخ فرنسي. والخلاصة أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه وسواء كانوا مخطئين في تقديراتهم أم مصيبين فإنهم اجتهدوا في علوم الكون وتكلموا فيها على حسب ما وصل إليه علمهم. وما صنعوا ذلك إلا بوحي من دينهم وأملا في خدمة هذا الدين الذي وهبوه كل شيء حياتهم وأموالهم وجهدهم وعلمهم وجهادهم وسهرهم وعرقهم في سبيل الوصول إلى الحقائق العلمية التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم. ورحم الله علماءنا الأعلام وجزاهم عما قدموا خير ما يجزي عاملا عن عمله.
ومن ذلك قوله في صفحة ٧١ يقول اللورد افبري: إن سطح القمر صحاري وقفار تتناهض فيها البراكين الخامدة وجباله ضخمة عظيمة يبلغ ارتفاعها ٤٢ قدم بزيادة تقرب من ١٣ ألف قدم على أعلى جبل على سطح
стр. 298
الأرض. وفوهات البراكين هائلة العظمة يبلغ قطرها ٧٨ ميلا. ويقولون أن جبال القمر أقدم بكثير من سلاسل الجبال الأرضية بملايين السنين.
ومن ذلك قوله في صفحة ٧٨: واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر - كالأرض - كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد فكانت إضاءته في زمان حموه وزالت لما برد.
ومن ذلك قوله في صفحة ٨٣: إن الخيال لا يمكن أن يتصور أن مرصد كاليفورنيا التقط أخيرا صورة عمرها ستة آلاف مليون سنة. أن علماء الفلك أعلنوا حديثا أن هذه الصورة العجيبة أرسلت من إحدى النجوم واستمرت رحلتها ستة آلاف مليون سنة؛ لتصل إلى الأرض. وحقائق أخرى غريبة اكتشفها الإنسان تؤكد كلها أن الأرض ما هي إلا فقاعة في محيط. حقائق أقل ما توصف به أنها مذهلة مذهلة. ثم ذكر في صفحة ٨٣ وما بعدها إلى آخر صفحة ٨٧ هذيانا كثيرا لبعض الفلكيين من الإفرنج. حاصله أن بعضهم قال: إن الشمس ترسل موجات راديو وأنهم اكتشفوا نجمة جديدة قوية تبعد عن الأرض بمسافة ١٥٠٠ مليون سنة ضوئية. وأنهم في عام واحد اكتشفوا ٣٥ منها أطلقوا عليها اسم أشباه النجوم. وأن الضوء في انتقاله إلينا من أشباه النجوم يستغرق في الرحلة ستة آلاف مليون سنة. ولذلك فالمنظر الذي نراه اليوم لهذه الأجرام السماوية النائية, هو المنظر الذي كانت عليه منذ ستة آلاف مليون سنة. وفي ذلك الوقت لم تكن الشمس ولا المجموعة الشمسية موجودة بعد, إذ أن عمر الشمس هو خمسة آلاف مليون سنة فقط, كما يقولون - إلا أن قال - وقد خرج العلماء بعد هذا بثلاث نظريات علمية مثيرة. أن هذه
стр. 299
النظريات تقول: إن الكواكب الأخرى مسكونة, وأن سكانها سبقوا أهل الأرض في إطلاق سفن الفضاء وتفجير القنابل الذرية. إن هذه النظرية أشبه بالخيال.
الشمس ليست إلا نجمة من النجوم المتوسطة. والمجموعة التي تنتمي إليها الشمس فيها ١٠٠٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ أي: مائة ألف مليون نجمة, وبالكون آلاف الملايين من مثل هذه المجموعات. وبين الرقم المجهول الذي ذكرناه للنجوم توجد عشرة آلاف مليون نجمة تؤلف حولها أسرا؛ كأسرة الشمس أي: توجد عشرة آلاف مليون نجمة تدور حولها الكواكب, ثم ذكر الصواف أنه نقل الهذيان من جريدة المدينة عدد ٦٤٨ - ٦٠٤.
ومن ذلك ما نقله في صفحة ٩٣ عن تفسير طنطاوي جوهري أنه قال: كيف تجعل الكواكب التي عدت بمئات الملايين؛ كأنها درر مرصعة في سقفنا - إلى أن قال: فالشمس من تلك الشموس تشرف على سياراتها وعلى أراضيها ثم هي من جهة تجعل زينة في سماء كل شمس وكل أرض وكل سيارة, وكما أن الكواكب مرصعة في سمائنا فإن شمسنا مرصعة في ملايين الآفاق المحيطة بالكرات.
ومن ذلك قوله في صفحة ٩٧ يقول علماء الفلك: إن من النجوم نجوما سوف لا يصل نورها إلى كرتنا الأرضية في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة ضوئية, مع العلم بأن الضوء يسير في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلوا متر. ويصل في سيره إلى القمر في قدر ثانية وثلث الثانية. ولو جرى حول الكرة الأرضية لدار حولها في الثانية الواحدة ثماني مرات. ولو أطلق مدفع فإن قنبلة تجري وتسير نحو سنة ونصف السنة حتى تقطع المسافة التي يقطعها الضوء في ثانية واحدة.
стр. 300
ومن ذلك قوله في صفحة ٩٨ - ٩٩ يقول علماء الفلك: إن الشعرى اليمانية أثقل من الشمس جرما بعشرين مرة, ونورها خمسون ضعف نور الشمس, وهي أبعد منها مليون ضعف بعدها عنا, وإن الشعرى اليمانية تجري بسرعة ألف ميل في الدقيقة, والشعرى اليمانية أسطع من خمسين شمسا كشمسنا ولا يصل إلينا نورها إلا في ستة عشر سنة. ولا يصل من نورها إلينا إلا واحد من ألفي مليون منه, وثلاث من بنات نعش يفقن الشمس نورا, واحدة منهن أربعمائة ضعف. والثانية أربعمائة وثمانين. والثالثة ألف ضعف. وسهيل أضوأ من الشمس ألفين وخمسمائة مرة. والسماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس ولا يصل إلينا ضوؤه إلا في سنة.
ومن ذلك ما نقله في صفحة ١٠١ عن موسى جار الله أنه قال في كتابه "ترتيب السور الكريمة": زهقت الهيئة القديمة وجاء النظام الحق نظام السموات التي رفعها الله بغير عمد ترونها. وهذه السموات لها منظومات. منها منظومة شمسنا هذه بسياراتها التسع. وشمسنا هذه أليست من كبار الشموس ومنظومتنا هذه ليست من كبار المنظومات وكل منظومة من هذه المنظومات يسميها القرآن برجا. والسماء التي تحوي كل هذه المنظومات يسميها القرآن الكريم السماء ذات البروج, بها أقسم الله في كتابه الكريم سورة البروج. وهذه السماء ذات البروج التي تحوي كل هذه المنظومات يحدث خلال منظوماتها كل يوم انشقاقات. وبتلك الانشقاقات يحدث في المجرة وخارجها سموات. وللإشارة وللإرشاد وإلى مثل هذه الحوادث الهائلة العظيمة وضعت سورة البروج بعد سورة الانشقاق.
ومن ذلك قوله في صفحة ١٠٣: يتضمن هذا الكون خمسمائة مليون مليون من المجرات كما يقدر علماء الفلك. وفي كل مجرة مائة ألف مليون نجم. وأن
стр. 301
أقرب مجرة إلى الأرض تلك التي نشاهد جزءا منها كخط أبيض في الليل تمتد مساحتها مائة ألف عام بالنسبة إلى عام الضوء. ونحن سكان الأرض نبتعد عن هذه المجرة مقدار ثلاثين ألف عام من الضوء. ثم إن هذه المجرة جزء لمجرة كبيرة تتضمن سبع عشرة مجرة وتمتد أبعاد هذه المجموعة في مساحة مليوني عام من الضوء. ثم إن هناك حركة أخرى غير هذه الدورات, وهي أن الكون كله يتوسع ويتضخم مثل الكرة في الجوانب الأربعة. والشمس تجري بسرعة هائلة تبلغ اثني عشر ميلا في ثانية نحو الجانب الخارجي لمجرته وتقود كل ما يتبع النظام الشمسي. وكذلك النجوم كلها تتوجه إلى أي جانب بسرعة متزايدة مع متابعة دورانها فمنها ما يبلغ سيره ثمانية أميال في كل ثانية وما يبلغ سيره ثلاثة وثلاثين ميلا في ثانية وأربعة وثمانين ميلا في ثانية. وهكذا نجد النجوم كلها متوجها نحو الأمام.
ومن ذلك أنه ذكر في صفحة ١٠٧ آيتين في ذكر السموات السبع ثم قال في صفحة ١٠٨: أن التقدم الذي أحرزه العلم الفزيقي, وظهور الكشوف العلمية الحديثة في الفلك قد مكنت العلماء من فهم هذه السموات السبع والأراضي السبع. فقد أثبت العلم بأن الشمس والقمر والنجوم والمذنبات والنيازك والشهب والسدم, إنما هي سموات فوق سموات تتألف منها عوالم الكون. يقول العالم الفلكي "أرثر فندلاي" في كتابه " على حافة العلم الأثيري": إن العلم أثبت أن السموات السبع هي أفضية مناسبة يتبعثر خلالها, ويرتد ضوء الشموس السبع الأثيرية التي تحيط بالشمس الفزيقية من كل جانب. وأكد أن الأراضي السبع هي كرات أثيرية تحيط بالكرة الأرضية وتتخللها.
ومن ذلك قوله في صفحة ١١٤: إن الكثير من شبابنا اليوم في حاجة ماسة
стр. 302
إلى مثل هذه الكتب - يعني كتابه وما أشبه من الكتب المضلة - لتلقي لهم ضوءا على ماضيهم المشرق وتكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة التي طمسها الأعداء أو كادوا.
ومن ذلك قوله في صفحة ١١٧: ومن هذا المنطلق وجدت نفسي مضطرا إلى توسيع هذا الكتاب إلى الحد الذي وصل إليه لعلي أساهم بجهد المقل في بث الوعي الإسلامي بإلقاء شيء من الأضواء على علم خطير من العلوم التي اشتغل بها علماؤنا الأعلام ﵃ وأرضاهم حتى كانوا أئمة فيه, ألا وهو علم الفلك.
فهذه نماذج مما في كتاب الصواف من الهذيان والسخافات التي يضحك منها كل عاقل, وقد تقدم الرد عليها مفصلا في مواضعه من هذا الكتاب سوى الأخير من أقواله, فسيأتي الرد عليه قريبا إن شاء الله تعالى.
وإذا علم ما ذكرنا من هذه النماذج السخيفة, وما قبلها من العبارات البشعة المنكرة جدا, فلا يقول: إن الكثير من شبابنا اليوم في حاجة ماسة إلى الكتاب الذي قد اشتمل عليها وعلى أضعاف أضعافها من التخرصات والظنون الكاذبة وإلى أمثاله من الكتب المضلة؛ لتلقي لهم ضوءا على ماضيهم المشرق وتكشف لهم الحجاب عن حضارتهم الرائعة إلا من هو في غاية الجهل والغباوة ومن لا يعرف الفرق بين الكتب النافعة والكتب الضارة.
الوجه الثالث: أن الله تعالى ذم التخرص واتباع الظن بأبلغ الذم فقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ
стр. 303
مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد خالف الصواف ما ذكرنا من الآيات والحديث الصحيح حيث حشا كتابه من تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة, ولم يكتفِ بالمخالفة لما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ بل ضم إلى ذلك الترغيب, فيما ذمه الله ورسوله ﷺ حيث زعم أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة ماسة إلى كتابه وأمثاله من الكتب المشتملة على التخرصات والظنون الكاذبة, وهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ .
الوجه الرابع: قد تقدم في أول الكتاب أحاديث كثيرة في الخوف من التصديق بالنجوم. والنهي عن النظر فيها. وعن مجالسة من ينظر فيها. والأمر بالإمساك إذا ذكرت. وأن من اقتبس بابا من علم النجوم لغير ما ذكر الله, فقد اقتبس شعبة من السحر. وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا وفيه «وتعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا». وحديث عمر ﵁ بنحوه. وحديث ابن عباس ﵄ «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق».
وقد خالف الصواف جميع ما أشرنا إليه من الأحاديث التي سبق ذكرها
стр. 304
في أول الكتاب حيث رغب الناس في كتابه الذي قد اشتمل على التخرص في النجوم وزعم أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة ماسة إليه وإلى أمثاله من الكتب المضلة, ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن بالحسن>
وأحسن من ذلك, وأبلغ قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
الوجه الخامس: ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه "بيان فضل علم السلف على علم الخلف" حديث ابن عباس ﵄: «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق» ثم قال: وهذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير فإن علم التأثير باطل محرم والعمل بمقتضاه؛ كالتقرب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر. وأما علم التسيير فإذا تعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القلة والطرق كان جائزا عند الجمهور وما زاد عليه, فلا حاجة إليه وهو يشغل عما هو أهم منه. وكذلك التوسع في علم الأنساب, هو مما لا يحتاج إليه, وقد سبق عن عمر وغيره النهي عنه.
قلت قد تقدم حديث عمر ﵁ في أول الكتاب, وتقدمت الإشارة إليه في الوجه الرابع.
قال ابن رجب وكذلك التوسع في علم العربية لغة ونحوا هو مما يشتغل عن العلم الأهم والوقوف معه يحرم علما نافعا. وقد كره القاسم بن مخيمرة علم النحو وقال: أوله شغل وآخره بغي. وأراد به التوسع فيه. وكذل كره الإمام أحمد التوسع في معرفة اللغة وغريبها وأنكر على أبي عبيد توسعه في ذلك وقال: هو يشغل عما هو أهم منه. ولهذا يقال العربية في الكلام كالملح
стр. 305
في الطعام, يعني أنه يؤخذ منها ما يصلح الكلام كما يؤخذ من الملح ما يصلح الطعام وما زاد على ذلك, فإنه يفسده. وكذلك علم الحساب يحتاج منه إلى ما يعرف به حساب ما ينفع من قسم الفرائض والوصايا والأموال التي تقسم بين المستحقين لها والزوائد على ذلك مما لا ينتفع به إلا في مجرد رياضة الأذهان وصقالها لا حاجة إليه, ويشغل عما هو أهم منه. وأما ما حدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالما بها فهو جاهل أو ضال وكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. ثم ذكر من ذلك ما أحدث المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال لله وما أحدثه أهل الرأي من الضوابط والقواعد العقلية والجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام. وكذلك ما أحدثه غيرهم من الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب بمجرد الرأي والذوق والكشف.
قلت ومن ذلك ما أحدثه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من الكلام في الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم بمجرد التخرصات واتباع الظنون الكاذبة والتعاطي لما استأثر الله به من علم الغيب. وهذا هو الذي أودعه الصواف في كتابه وزعم أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة ماسة إلى معرفته, وهذا إن لم يكن شرا من علم التأثير الذي لا خلاف في تحريمه, فليس بدونه.
وإذا كان التوسع في علم النسب والنحو واللغة والحساب مكروها عند بعض علماء السلف, وكذلك التوسع في علم النجوم, قد ورد النهي عنه, كما تقدم في حديث أبي هريرة المرفوع, وحديث عمر الموقوف, فماذا يقال فيمن يرغب الناس فيما نهى الله ورسوله ﷺ عنه من التخرصات واتباع الظنون الكاذبة, والتعاطي لعلم الغيب.
стр. 306
الجواب, أن يقال: لا شك أن هذا من المحادة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٥: ووجدنا إلى أبواب جهنم هم من جلدتنا, ويتكلمون بألسنتنا من أجابهم دعوتهم الضالة, وفتنتهم المضللة قذفوه فيها, وألقوه في الحميم وتركوه في الجحيم.
والجواب أن يقال: أما تخشى - يا صواف - أن تكون من هؤلاء الدعاة إلى أبواب جهنم وأنت لا تشعر, أما علمت أن رسالتك في علم الفلك قد اشتمل أكثر مباحثها على مخالفة الكتاب والسنة والإجماع. وما كان ذلك فهو من أعظم أسباب الضلال الذي يدعو إلى جهنم. وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٥: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
والجواب أن يقال: وهل ظننت - أيها الصواف - أن صلاح أول هذه الأمة إنما كان بالاشتغال بعلم الفلك وإنشاء المراصد الذي ألفت كتابك لتأييده وحشوته من تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة وأقوالهم الباطلة. وزعمت في أوله أن علم الفلك كان من أول العلوم التي لفتت أنظار العلماء المسلمين, وجلبت اهتمامهم وعنايتهم بها. ثم زعمت في آخره أن الكثير من الشباب اليوم في حاجة
стр. 307
ماسة إلى مثل كتابك.
كلا, بل إنما كان صلاح أول هذه الأمة بالتمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وبذلك ظهورا على الأمم في مشارق الأرض ومغاربها وعلت كلمة الله, وظهر دينه على الدين كله. ولم يكن أحد منهم يشتغل بعلم الفلك أو يلتفت إليه. وإنما ظهر الاشتغال بعلم الفلك في زمن المأمون حين عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان, فظهر الضعف في المسلمين منذ ذلك الزمان, وما زال الضعف يزداد فيهم شيئا فشيئا بقدر إعراضهم عن الكتاب والسنة وإقبالهم على العلوم المردية المهلكة حتى آل الأمر بكثير منهم إلى الردة والانسلاخ من دين الإسلام بالكلية, كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في قوله «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا» رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد تقدم في أول الكتاب كلام شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية في المأمون بسبب ما أدخله على هذه الأمة من العلوم الفلسفية. وكلام الذهبي والمقريزي في ذلك أيضا, فليراجع فإنه حسن جدا.
وإذا علم أن صلاح أول هذه الأمة, إنما كان بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فليعلم أن صلاح آخر هذه الأمة إنما يكون بذلك. والله المسؤول المرجو الإجابة أن يصلح أحوال المسلمين, وأن يرزقهم الرجوع إلى ما كان عليه أول هذه الأمة, وأن ينصر دينه, ويعلي كلمته, ويظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
стр. 308
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٧ عن القرآن: إنه كتاب أبدي سرمدي أنزل للخلود والبقاء, وليكون دينا أبديا للإنسانية جمعاء.
والجواب أن يقال: أما قوله: إن القرآن أنزل للخلود والبقاء فهو مردود بما رواه ابن ماجة في سننه بإسناد صحيح والحاكم في مستدركه من حديث حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يسرى على كتاب الله في ليلة, فلا يبقى في الأرض منه آية» الحديث, قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «يسرى على كتاب الله, فيرفع إلى السماء, فلا يبقى في الأرض منه آية» الحديث.
وروى الحاكم أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا: وكيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا, وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يسرى عليه ليلة, فيذهب ما في قلوبكم, وما في مصاحفكم ثم قرأ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قال الحاكم: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (يسرى على كتاب الله, فيرفع إلى السماء, فلا يصبح في الأرض آية من القرآن, ولا من التوراة والإنجيل ولا الزبور, وينتزع من قلوب الرجال, فيصبحون ولا يدرون ما هو). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وهذا الأثر والذي قبله لهما حكم المرفوع.
стр. 309
وأما قوله: وليكون دينا أبديا للإنسانية جمعاء.
فجوابه من وجوه: أحدها: أن يقال: ما زعمه ههنا فهو تخرص مردود بما تقدم عن حذيفة وابن مسعود وأبي هريرة ﵃ أن القرآن يسرى عليه في آخر الزمان, ويرفع إلى السماء, فلا يبقى في الأرض منه آية. وإذا رفع القرآن إلى السماء, فأي دين يبقى في الأرض بعد ذلك.
الوجه الثاني: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي من حديث أنس ﵁. وفي رواية لأحمد «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله» ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه.
وفي هذا الحديث الصحيح دليل على أن الإنسانية جمعاء تعود إلى الكفر في آخر الزمان حتى أنهم لا يذكرون اسم الله بالكلية. وفي هذا أبلغ رد لما زعمه الصواف من كون القرآن يكون دينا أبديا للإنسانية جمعاء.
الوجه الثالث: أن يقال: ليست الإنسانية باقية على الأبد حتى يكون لها دين أبدي يبقى على الدوام بل لا بد لها ولجميع من على وجه الأرض من الفناء؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
ومن زعم أن الإنسانية تبقى على الأبد, فليس عنده إيمان بقيام الساعة وإماتة الخلائق كلهم وبعثهم بعد ذلك ليوم الفصل والقضاء. وليس للإنسانية
стр. 310
في ذلك اليوم دين تعمل به, وإنما هو الحساب والجزاء على الأعمال؛ إن خيرا فخير, وإن شرا فشر.
وقد ذكر الصواف في صفحة ٥٥ أنه بعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض بمقدار ساعة, وعندئذ يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة, قال: وهكذا يتولى النقص, ويطرد طول الليل والنهار. وعلى هذا الأساس يقول العلماء: إن الأرض لا بد أن تقف يوما. وعند وقوفها يصبح الوجه المقابل للشمس نهارا دائما, والوجه البعيد عنها ليلا دائما. انتهى.
وهذا القول الباطل يقتضي أن الإنسانية لا تزال باقية على الأبد, وأنه ليس هناك قيامة ولا بعث ولا آخرة.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٧ ما نصه:
ومن هذا المنطلق وجدت نفسي مضطر إلى توسيع هذا الكتاب إلى الحد الذي وصل إليه لعلي أساهم بجهد المقل في بث الوعي الإسلامي بإلقاء شيء من الأضواء على علم خطير من العلوم التي اشتغل بها علماؤنا الأعلام ﵃ وأرضاهم حتى كانوا أئمة فيه. ألا وهو علم الفلك.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: إن بث الوعي الإسلامي إنما يكون بنشر علوم الكتاب والسنة لا بنشر الأباطيل والجهالات والضلالات التي هي من وحي الشياطين إلى أوليائهم.
وكتاب الصواف من هذا القسم المذموم؛ لأنه مملوء من تخرصات الإفرنج, وظنونهم الكاذبة. وما كان كذلك فليس فيه إعانة على بث الوعي الإسلامي
стр. 311
بوجه من الوجوه, وإنما فيه إعانة على بث الباطل وإظهاره.
الوجه الثاني: أن الصواف ليس عنده تمييز بين الحق والباطل, فلهذا زعم أنه يساهم بالأباطيل التي جمعها في بث الوعي الإسلامي, وهذا من عجيب أمره حيث قلب الحقيقة وعكس القضية؛ لأنه على الحقيقة إنما ساهم في بث الباطل وادحاض الحق كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان.
الوجه الثالث: أن يقال: ليس في كتاب الصواف شيء من أضواء العلم النافع, وإنما هو مملوء من التخرصات والظنون الكاذبة التي هي في الحقيقة ظلمات بعضها فوق بعض, وقد ذكرت قريبا نماذج مما فيه من السخافات والأقوال البشعة, فلتراجع.
الوجه الرابع: أن علم الفلك ليس بعلم خطير, كما زعمه الصواف, ولو كان خطيرا لما أهمله الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين, فإنهم كانوا أسبق إلى الخير والعلوم النافعة ممن جاء بعدهم. وكذلك التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم, فإنهم كانوا أحرص على تحصيل العلوم النافعة ممن كان بعدهم. ولكنه علم لا يخلو في الغالب من تعاطي علم الغيب, وما كان كذلك, فهو علم مرد مهلك. وما سلم منه من تعاطى علم الغيب؛ فهو علم كثير العناء قليل الجدوى.
ومن زعم أن علم الفلك علم خطير, فهو من أجهل الناس وأقلهم تمييزا بين العلوم النافعة وغير النافعة.
الوجه الخامس: أن العلماء الأعلام من المسلمين لم يكونوا يشتغلون بعلم الفلك كما زعمه الصواف, وإنما كان يشتغل به الفلاسفة والمنجمون الذين هم من أبعد الناس عن العلوم الشرعية النافعة. وهذا كان في الأزمان السابعة, فأما في
стр. 312
الأزمان الأخيرة, فأكثر من يعتني به ويشتغل فيه فلاسفة الإفرنج. وأقوالهم فيه وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة هي التي أودعها الصواف في كتابه وزعم أنه يساهم بها في بث الوعي الإسلامي. فهم علماء الصواف وأعلامه الذين سأل الله أن يرضى عنهم ويرضيهم.
فصل
وقال الصواف في صفحة ١١٧ - ١١٨ ما نصه:
وهذا العلم - يعني علم الفلك - يبعث الإيمان ويزيده, ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان. وقديما قد قيل أن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك, لأنهم يرون من عجائب صنع الله ما لا يراه غيرهم.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: إن علم الفلك لا يخلو في الغالب من تعاطي علم الغيب كما يفعله المنجمون في قديم الدهر وحديثه وكما هو شأن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج المتأخرين, فإن غالب أقوالهم في الأجرام العلوية من اتباع الظن والرجم بالغيب. وما كان كذلك فهو مما يبعث على الإيمان بالجبت والطاغوت ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلوب المفتونين به. وكتاب الصواف في علم الفلك من هذا القبيل, لأنه مملوء من تعاطي علم الغيب فهو مما يبعث على الإيمان بالجبت والطاغوت ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلوب الجهال. وما كان من علم الفلك خاليا من تعاطي علم الغيب, فهو قليل الجدوى يصد المشتغل به عما هو أهم منه من العلوم النافعة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن العلم الذي يبعث على الإيمان بالله وملائكته
стр. 313
وكتبه ورسله واليوم الآخر وما وعد الله به أولياءه من جزيل الثواب, وما توعد به أعداءه من وبيل العذاب هو علم الكتاب والسنة, فهو العلم النافع على الحقيقة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى:
﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
وفي الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم ﵁, قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد, ألا أيها الناس, فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول
стр. 314
ربي فأجيب, وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم.
وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».
وفي رواية له أخرى أن رسول الله ﷺ قال: «ألا وأني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة».
وروى مسلم أيضا وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» ورواه الترمذي بنحوه مختصرا.
وروى مالك في الموطأ بلاغا أن رسول الله ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله».
وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع - فذكر الحديث وفيه أنه قال: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنة نبيه, ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
стр. 315
وروى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه عن أي: شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا» قال المنذري: إسناد الطبراني جيد. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني أيضا في الكبير والصغير, والبزار من حديث جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه» ورواه الطبراني والبغوي بنحوه موقوفا
وروى الترمذي عن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم» الحديث قال الترمذي: غريب.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث, فلا يعرض عن علم الكتاب والسنة ويشتغل بعلم الفلك, ويزعم أنه يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان إلا من هو من أجهل الناس, وأبعدهم عن تحصيل العلم النافع, ومعرفة الفرق بينه وبين الجهالات والضلالات الضارة.
الوجه الثالث: أن يقال لو كان ما زعمه الصواف ههنا صحيحا لكان أطباء
стр. 316
اليونان والإفرنج وفلاسفتهم الفلكيون من أعظم الناس إيمانا بالله. والواقع شاهد ببطلان هذا القول وكذب من قاله لما عليه أطباء اليونان والإفرنج وفلاسفتهم من الكفر العظيم. وكذلك الأطباء والفلكيون من سائر أمم الكفر والضلال.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان علم الفلك يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان لكان الصحابة ﵃ أحرص عليه من غيرهم, فإنهم كانوا أحرص على الخير, وتحصيل العلم النافع ممن كان بعدهم. وقد كان بعضهم يسافر مسيرة الشهر وأكثر من ذلك في طلب الحديث الواحد, وكذلك التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم, فإنهم كانوا يسافرون إلى الأقطار البعيدة في طلب العلوم النافعة ومع هذا لم يكونوا يشتغلون بعلم الفلك ولا ينظرون فيه. ولو كان فيه أدنى منفعة لما كان الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان يهملونه.
وأما قوله: وقديما قد قيل: إن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك.
فجوابه أن يقال: لقد أخطأ من قال: هذا القول الباطل خطأ كبيرا وأخطأ من أورده في كتابه مقررا له ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
وهذا القول الباطل لا يصدر من رجل يعلم ما يقول؛ لأنه يقتضي تفضيل الأطباء والفلكيين على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف ما عليه المسلمون كافة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
стр. 317
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكان يجعل المطيعين لله والرسول مع الأطباء والفلكيين.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ والصديقون هم أعظم أتباع الرسل إيمانا بالله. ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لقال والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الأطباء والفلكيون.
وقال تعالى في سورة الأنعام بعد ما ذكر جملة من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكان يأمر بالاقتداء بالأطباء والفلكيين.
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان, فقال رسول الله ﷺ : «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه».
وروى الإمام أحمد أيضا عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا إن شاء الله».
وروى الترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين الشهداء»
стр. 318
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف, لقال عن هؤلاء المذكورين في هذه الأحاديث: إنهم يكونون يوم القيامة مع الأطباء والفلكيين.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث, فليعلم أيضا أنه لا خلاف بين المسلمين أن أعظم الناس إيمانا بالله الأنبياء ثم الصديقون ثم الناس بعد ذلك متفاوتون في كثرة الإيمان وقلته. والأطباء والفلكيون المنتسبون إلى الإسلام هم من أقل الناس حظا من الإيمان كما لا يخفى على من تتبع أخبارهم وسبر أحوالهم. وأما الأطباء والفلكيون من غير المسلمين فهم من أكفر الناس. أما أطباء اليونان وفلاسفتهم الفلكيون في قديم الدهر فكانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب. وأما أطباء الإفرنج وفلاسفتهم الفلكيون فهم ما بين دهري وعابد صليب. فأي إيمان بالله عند هؤلاء الإفرنج وأولئك اليونان فضلا عن شدة الإيمان التي تفوق إيمان الرسل فضلا عن غيرهم من الناس؟ وأنه ليصدق على الصواف قول القائل:
لقد كان في الأعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البلد
والغالب على الفلكيين من فلاسفة الإفرنج الإيمان بالجبت والطاغوت لما في كثير من كلامهم من التحكم على الغيب وتصديق من يدي علم المغيبات من الأجرام العلوية وغيرها, وقد ذكر الصواف في رسالته شيئا كثيرا من دعاويهم الكاذبة في ذلك, وقد نبهت عليها في مواضعها, ولله الحمد والمنة. ومن كانوا كذلك فالمطابق لأحوالهم على الحقيقة أن يوصفوا بشدة الإيمان بالجبت والطاغوت, لا بشدة الإيمان بالله.
стр. 319
وأما قوله: لأنهم يرون من عجائب صنع الله ما لا يراه غيرهم.
فجوابه أن يقال: إن رؤية أعداء الله من الأطباء والفلكيين وغيرهم من الكفار لعجائب صنع الله لم تنفعهم شيئا, كما قال الله تعالى فيهم وفي أشباههم: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
وأما الأطباء والفلكيون المنتسبون إلى الإسلام فانتفاعهم بما يرونه من عجائب صنع الله أقل من انتفاع غيرهم من المسلمين. ويدل على ذلك ما هم عليه من التهاون ببعض المأمورات, ولاسيما الصلاة وارتكاب كثير من المنهيات, ولو كان إيمانهم قويا لكانوا يحافظون على فعل المأمورات. ويبعدون عن فعل المنهيات.
فصل
وقد انبرى أبو الأعلى المودودي وعلي الطنطاوي لمؤازرة الصواف, وتأييد ما نشره من الأقوال الباطلة, فصارا شريكين له في كل ما نشره في كتابه مما هو مخالف لمدلول الكتاب والسنة والإجماع.
وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
وفي المسند وصحيح مسلم والسنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا, ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام
стр. 320
من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي: سواء كان ذلك الهدي أو الضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه. انتهى.
وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله».
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
فأما المودودي فقد ابتدأ كلامه بإطراء الصواف, ومجاوزة الحد في مدحه, وقد أنكر النبي ﷺ على المداحين, وأمر أن يُحثى في وجوههم الترابُ. وقد ذكرت الأحاديث في ذلك قريبا عند ذكر مدح المحاسني للصواف, فلتراجع.
وفي كلامه أيضاً أخطاء كثيرة سأذكرها, واتبعها بالرد إن شاء الله تعالى.
فمن أخطائه قوله في رسالة الصواف: إنها قيمة.
والجواب أن يقال: هذا كلام لا يصدر إلا من رجل قد التبست عليه الحقائق حتى صار يرى الباطل في صورة الحق. وكيف تكون رسالة الصواف قيمة, وهو قد حشاها بتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة ورجمهم بالغيب عما لا يعلمونه. وفيها أيضا الشيء الكثير من القول على الله, وعلى كتابه
следующие страницы →