Полный текст (357 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
اليونان والإفرنج وفلاسفتهم الفلكيون من أعظم الناس إيمانا بالله. والواقع شاهد ببطلان هذا القول وكذب من قاله لما عليه أطباء اليونان والإفرنج وفلاسفتهم من الكفر العظيم. وكذلك الأطباء والفلكيون من سائر أمم الكفر والضلال.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان علم الفلك يبعث الإيمان ويزيده ويدعو إلى تعميق جذوره في قلب الإنسان لكان الصحابة ﵃ أحرص عليه من غيرهم, فإنهم كانوا أحرص على الخير, وتحصيل العلم النافع ممن كان بعدهم. وقد كان بعضهم يسافر مسيرة الشهر وأكثر من ذلك في طلب الحديث الواحد, وكذلك التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم, فإنهم كانوا يسافرون إلى الأقطار البعيدة في طلب العلوم النافعة ومع هذا لم يكونوا يشتغلون بعلم الفلك ولا ينظرون فيه. ولو كان فيه أدنى منفعة لما كان الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان يهملونه.
وأما قوله: وقديما قد قيل: إن أشد الناس إيمانا بالله هم علماء الطب وعلماء الفلك.
فجوابه أن يقال: لقد أخطأ من قال: هذا القول الباطل خطأ كبيرا وأخطأ من أورده في كتابه مقررا له ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
وهذا القول الباطل لا يصدر من رجل يعلم ما يقول؛ لأنه يقتضي تفضيل الأطباء والفلكيين على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف ما عليه المسلمون كافة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
стр. 317
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكان يجعل المطيعين لله والرسول مع الأطباء والفلكيين.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ والصديقون هم أعظم أتباع الرسل إيمانا بالله. ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لقال والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الأطباء والفلكيون.
وقال تعالى في سورة الأنعام بعد ما ذكر جملة من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف لكان يأمر بالاقتداء بالأطباء والفلكيين.
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان, فقال رسول الله ﷺ : «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه».
وروى الإمام أحمد أيضا عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا إن شاء الله».
وروى الترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين الشهداء»
стр. 318
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف, لقال عن هؤلاء المذكورين في هذه الأحاديث: إنهم يكونون يوم القيامة مع الأطباء والفلكيين.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث, فليعلم أيضا أنه لا خلاف بين المسلمين أن أعظم الناس إيمانا بالله الأنبياء ثم الصديقون ثم الناس بعد ذلك متفاوتون في كثرة الإيمان وقلته. والأطباء والفلكيون المنتسبون إلى الإسلام هم من أقل الناس حظا من الإيمان كما لا يخفى على من تتبع أخبارهم وسبر أحوالهم. وأما الأطباء والفلكيون من غير المسلمين فهم من أكفر الناس. أما أطباء اليونان وفلاسفتهم الفلكيون في قديم الدهر فكانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب. وأما أطباء الإفرنج وفلاسفتهم الفلكيون فهم ما بين دهري وعابد صليب. فأي إيمان بالله عند هؤلاء الإفرنج وأولئك اليونان فضلا عن شدة الإيمان التي تفوق إيمان الرسل فضلا عن غيرهم من الناس؟ وأنه ليصدق على الصواف قول القائل:
لقد كان في الأعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البلد
والغالب على الفلكيين من فلاسفة الإفرنج الإيمان بالجبت والطاغوت لما في كثير من كلامهم من التحكم على الغيب وتصديق من يدي علم المغيبات من الأجرام العلوية وغيرها, وقد ذكر الصواف في رسالته شيئا كثيرا من دعاويهم الكاذبة في ذلك, وقد نبهت عليها في مواضعها, ولله الحمد والمنة. ومن كانوا كذلك فالمطابق لأحوالهم على الحقيقة أن يوصفوا بشدة الإيمان بالجبت والطاغوت, لا بشدة الإيمان بالله.
стр. 319
وأما قوله: لأنهم يرون من عجائب صنع الله ما لا يراه غيرهم.
فجوابه أن يقال: إن رؤية أعداء الله من الأطباء والفلكيين وغيرهم من الكفار لعجائب صنع الله لم تنفعهم شيئا, كما قال الله تعالى فيهم وفي أشباههم: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
وأما الأطباء والفلكيون المنتسبون إلى الإسلام فانتفاعهم بما يرونه من عجائب صنع الله أقل من انتفاع غيرهم من المسلمين. ويدل على ذلك ما هم عليه من التهاون ببعض المأمورات, ولاسيما الصلاة وارتكاب كثير من المنهيات, ولو كان إيمانهم قويا لكانوا يحافظون على فعل المأمورات. ويبعدون عن فعل المنهيات.
فصل
وقد انبرى أبو الأعلى المودودي وعلي الطنطاوي لمؤازرة الصواف, وتأييد ما نشره من الأقوال الباطلة, فصارا شريكين له في كل ما نشره في كتابه مما هو مخالف لمدلول الكتاب والسنة والإجماع.
وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
وفي المسند وصحيح مسلم والسنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا, ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام
стр. 320
من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي: سواء كان ذلك الهدي أو الضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه. انتهى.
وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله».
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
فأما المودودي فقد ابتدأ كلامه بإطراء الصواف, ومجاوزة الحد في مدحه, وقد أنكر النبي ﷺ على المداحين, وأمر أن يُحثى في وجوههم الترابُ. وقد ذكرت الأحاديث في ذلك قريبا عند ذكر مدح المحاسني للصواف, فلتراجع.
وفي كلامه أيضاً أخطاء كثيرة سأذكرها, واتبعها بالرد إن شاء الله تعالى.
فمن أخطائه قوله في رسالة الصواف: إنها قيمة.
والجواب أن يقال: هذا كلام لا يصدر إلا من رجل قد التبست عليه الحقائق حتى صار يرى الباطل في صورة الحق. وكيف تكون رسالة الصواف قيمة, وهو قد حشاها بتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة ورجمهم بالغيب عما لا يعلمونه. وفيها أيضا الشيء الكثير من القول على الله, وعلى كتابه
стр. 321
وعلى رسوله ﷺ وعلى المسلمين بغير علم. وفيها أيضا تعظيم أعداء الله تعالى من الكفرة الفجرة والمبالغة في الثناء عليهم والدعاء لهم بالرحمة والرضا. فهي بلا شك رسالة تهور وجهل وضلال. ومن استحسنها ورأى أنها رسالة قيمة فأحسن الله عزاءه في علمه وعقله. ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
وأحسن من هذا وأبلغ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
ومن أخطائه أيضا قوله في الصواف: إنه أقام بمكة؛ ليبلغ رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
والجواب أن يقال: ليس الأمر, كما زعمه المودودي, فإن الصواف لم يقم بمكة؛ ليبلغ رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها, وإنما أقام بها؛ ليأخذ المرتبات الضخمة لا غير.
ويقال أيضا: إن الصواف لم يبلغ رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها, وإنما بلغ فيها ما يخالف الكتاب والسنة والإجماع من تخرصات فيثاغورس اليوناني وتخرصات أتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين وظنونهم الكاذبة ورجمهم بالغيب عن السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم, فهذا هو الذي نشره الصواف وبثه في مشارق الأرض ومغاربها وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
ومن أخطائه أيضا قوله: إن الذي ورد في كتاب الله تعالى في بعض آياته
стр. 322
عن الأمور الكونية لم يرد ليعلم الإنسان علم الطبيعة. وإنما ورد ليلفت نظر الإنسان إلى ما في آيات الله الكونية من دلائل قاطعة وحجج دامغة على توحيد الله تعالى والبعث بعد الموت.
والجواب أن يقال: إن الله ﵎ هو الذي خلق العالم كله علويه وسفليه وأودع فيه من عجائب قدرته وبديع إتقانه ما أودع, وليس شيء من ذلك من فعل الطبيعة كما يزعمه أهل الجهل بالله. وإذا لم يكن شيء من ذلك من فعل الطبيعة, فأي بعلم يتعلق بها أو ينسب إليها.
والذي ورد في كتاب الله تعالى عن الأمور الكونية كله حق يجب الإيمان به واعتقاد أنه هو الحق وما خالفه فهو باطل.
وبما ورد في كتاب الله تعالى عن الأمور الكونية يستدل المسلم على عظمة الخالق ﷻ وعظيم إنعامه على خلقه حيث سخر لهم ما في السموات وما في الأرض. ومن ذلك تسخيره للشمس والقمر يجريان دائبين لقيام معايش العباد ومصالحهم.
وقد جعل المودودي هذه المقدمة التي ذكرنا عنه تمهيداً لمنع الاستدلال على جريان الشمس ودورانها حول الأرض بالآيات التي فيها النص على جريانها وطلوعها ودلوكها وتزاورها وغروبها, وأن الله يأتي بها من المشرق, وأنها تجري لمستقرها الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁؛ لمنع الاستدلال أيضا على سكون الأرض وثباتها بما أخبر الله به من إلقاء الرواسي فيها, وجعلها أوتادا لها, وهذا خطأ كبير. وكيف يترك الاستدلال بكلام الله تعالى على جريان الشمس حول الأرض ويستدل بتخرصات
стр. 323
أعداء الله وظنونهم الكاذبة على سكونها وثباتها أو ما يزعمه بعضهم من دورانها على محورها.
وكيف يترك الاستدلال على سكون الأرض, وثباتها بما أخبر الله به من إلقاء الرواسي فيها, وجعلها أوتاداً لها, وجعلها قرارا للمخلوقات. ويستدل على دورانها حول نفسها وحول الشمس بتخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ولا يعرض عن كلام الله والاستدلال به على ما أخبر الله به عن الأمور الكونية, ويرى أن الحق فيما زعمه أعداء الله من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة إلا من هو مصاب في دينه وعقله. اللهم إنا نعوذ بك من زيغ القلوب وانتكاسها.
ومن أخطائه أيضا قوله: إن القرآن لم ينتهج لذكره أسلوبا يصطدم مع علوم الإنسان في عصر من العصور اصطداماً صريحا يحول بين الإنسان, وبين إيمانه بالله تعالى وبكتابه ولأجل ذلك لم يصرح القرآن بصورة قاطعة من آية من آياته بدوران الأرض وثبوت الشمس أو ثبوت الأرض وجريان الشمس حولها.
والجواب أن يقال: أما العلوم الصحيحة من علوم الإنسان, فإن القرآن لا يصادمها وإنما يصادم الأقوال الباطلة والتخرصات والظنون الكاذبة.
ومن الأقوال الباطلة والتخرصات والظنون الكاذبة التي يصادمها القرآن ويشهد ببطلانها ما زعمه فيثاغورس اليوناني وتبعه عليه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج المتأخرين وما تخرصوه في قولهم: إن الشمس ثابتة وأن الأرض تدور حولها.
стр. 324
والسنة أيضا تصادم هذا القول الباطل وتشهد ببطلانه.
وقد ذكرت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على ثبات الأرض وجريان الشمس حولها في أول الصواعق الشديدة, فلتراجع هناك. وذكرت أيضا إجماع المسلمين, وأهل الكتاب على القول بوقوف الأرض وسكونها, فليراجع أيضا.
ومن الأقوال الباطلة التي يصادمها القرآن والسنة إنكار أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من العصريين وجود السموات السبع وزعمهم أن سعة الجو غير متناهية. وزعمهم تعدد الشموس والأقمار إلى غير ذلك من أقوالهم الباطلة التي يصادمها القرآن والسنة. وقد ذكرت في الصواعق الشديدة تسعة عشر مثالا منها, فلتراجع هناك.
وقد ذكر الصواف في رسالته التي وافقه المودودي عليها شيئا كثيراً من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم, وزعم أن ذلك من علوم المسلمين في الفلك. وكلها أقوال باطلة يصادمها القرآن والسنة. وقد نبهت على كل جملة منها في موضعها من هذا الرد, ولله الحمد والمنة. وفي كل موضع من تلك المواضع رد على المودودي في زعمه أن القرآن لم ينتهج لذكره أسلوبا يصطدم مع علوم الإنسان في عصر من العصور.
وأما قوله: إن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة من آية من آياته بدوران الأرض وثبوت الشمس.
فجوابه أن يقال: هذا صحيح فليس في القرآن ما يدل على دوران الأرض وثبات الشمس البتة.
стр. 325
وقد استدل الصواف وغيره من العصريين على ما زعموه من دوران الأرض بآيات زعموا أنها تدل على ذلك, ولا دليل في شيء منها على دوران الأرض ولكنهم تأولوها على غير تأويلها وذلك من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكم عن مواضعه. وقد ذكرت ما استدلوا به من الآيات والرد عليهم في الصواعق الشديدة, فليراجع هناك.
وأما زعمه أن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة من آية من آياته بثبوت الأرض, وجريان الشمس حولها.
فجوابه أن يقال: هذا خطأ وقول بلا علم, فقد جاء التصريح بجريان الشمس في خمسة مواضع من القرآن. وصرح في الآية من سورة يس أن الشمس تجري لمستقر لها. وسيأتي تفسير ذلك بما في الحديث الصحيح إن شاء الله تعالى. وصرح في آيتين أنها تسبح في الفلك.
قال الراغب الأصفهاني السبح المر السريع في الماء وفي الهواء يقال: سبح سبحا وسباحة واستعير لمر النجوم في الفلك نحو: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ولجري الفرس نحو: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ولسرعة الذهاب في العمل نحو: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ انتهى.
وروى ابن أبي حاتم عن الضحاك: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: الفلك السرعة والجري في الاستدارة, ويسبحون يعملون.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة, وعلى سرعة الحركة, كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى.
стр. 326
وقال الشيخ أيضا: ولفظ الفلك في لغة العرب يدل على الاستدارة. قال الجوهري: فلكة المغزل سميت بذلك لاستدارتها والفلكة قطعة من الأرض أو الرمل تستدير وترتفع على ما حولها والجمع فلك. وقال: ومنه قيل: فلك ثدي الجارية تفليكا وتفلك استدار.
قال الشيخ: قلت: والسباحة تتضمن الجري بسرعة, كما ذكر ذلك أهل اللغة. انتهى.
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ قال أهل اللغة: الدأب إدامة السير والمبالغة فيه.
وفي هذه الآية أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض لقيام معايش العباد ومصالحهم.
وقال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وفي هذه الآية أوضح دليل على سير الشمس ودورانها على الأرض.
ونص ﵎ على طلوعها وغروبها في عدة آيات من القرآن.
ونص أيضا على دلوكها وهو زوالها عن وسط السماء وعلى تزاورها. وفي كل آية من هذه الآيات التي أشرت إليها أوضح دليل على جريان الشمس ودورانها على الأرض. وقد ذكرت هذه الآيات وغيرها من الآيات الدالة على سير الشمس ودورانها على الأرض في أول الصواعق الشديدة, فلتراجع هناك.
وذكرت أيضا الآيات التي تدل على ثبات الأرض واستقرارها, فلتراجع أيضا ففي كل ما ذكرته هناك أبلغ رد على المودودي في زعمه أن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة من آية من آياته بثبوت الأرض وجريان الشمس حولها.
стр. 327
وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة تدل على سير الشمس ودورانها على الأرض. وأحاديث أخرى تدل على ثبات الأرض واستقرارها, وقد ذكرتها في الصواعق الشديدة, فلتراجع أيضا ففيها أبلغ رد على المودودي في زعمه أن القرآن لم يصرح بصورة قاطعة بثبوت الأرض وجريان الشمس حولها.
وما صرح به النبي ﷺ فهو مما صرح به القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة أيضا إجماع المسلمين على القول بوقوف الأرض وسكونها, وإجماع المسلمين حجة قاطعة, لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
ومن أخطائه أيضا قوله: أما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ فليس معنى ذلك أن الشمس تدور حول الأرض بل معناه أن الشمس سارية إلى مستقرها الذي لا يعلمه الإنسان، وهذا المدلول لا يعارضه علم الهيئة في العصر الحاضر.
والجواب أن يقال: إن النبي ﷺ قد فسر هذه الآية الكريمة في الحديث الصحيح فلم يدع لقائل مقالا.
فروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود الطيالسي والترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت
стр. 328
الشمس: «تدري أين تذهب» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد, فلا يقبل منها وتستأذن, فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» هذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله. وذلك مستقر لها. وللترمذي نحوه وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال يوما: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة, فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة, فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت, فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش, فيقال لها: ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها» فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون متى ذاكم. ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً».
وفي هذا الحديث الصحيح أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض, وفيه التصريح بأنها تنتهي إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة فتسجد حينئذ وتستأذن في الطلوع فيؤذن لها حتى إذا كان في آخر الزمان أمرت بالطلوع من مغربها.
стр. 329
وفيه رد على المودودي حيث زعم أن الشمس سارية إلى مستقرها الذي لا يعلمه الإنسان. يعني أنها لا تزال سارية إلى مستقرها ولم تصل إليه بعد. وكأنه والله أعلم قد اعتمد على كلام العصريين المفتونين بتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة, فقد نقل الصواف في صفحة ٦٣ عن قطب أنه قال: والله يقول: إنها تجري لمستقر لها. هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه ألا هو سبحانه ويعلم موعده سواه انتهى.
فكلام المودودي شبيه بكلام قطب وهما ومن قال بقولهما من العصريين كلهم عيال على فلاسفة الافرنج المتأخرين. فقد ذكر الصواف عنهم في صفحة ٣٨ أنهم قالوا: إن النظام الشمس ينهب الفضاء نهباً متجهاً نحو برج هر كيوليس.
وذكر أيضا في صفحة ٤٣ عن الفلكي الجاهل (سيمون) أنه قال: إن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا, فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف مليون سنة من وقتنا الحاضر. انتهى هذيانه.
وهذه التخرصات والظنون الكاذبة مردودة بما أخبر به النبي ﷺ من انتهاء الشمس إلى مستقرها تحت العرش كل ليلة وسجودها حين تنتهي إليه, واستئذانها في الطلوع وأنه يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت, فتصبح طالعة من مطلعها إلى آخر الحديث الذي تقدم ذكره.
وقد تقدم في أول الكتاب الجواب عما لعله يورده بعض الناس على هذا الحديث من كون الشمس لا تزال طالعة على الأرض, فليراجع مع الكلام على ما زعمه الصواف من حركة الأرض.
стр. 330
وأما قول المودودي أن مستقر الشمس لا يعلمه الإنسان.
فجوابه أن: يقال قد أخبر النبي ﷺ في رواية مسلم التي تقدم ذكرها أن مستقرها تحت العرش وأنها تنتهي إليه كل ليلة, فتسجد حينئذ, وتستأذن في الطلوع.
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. قال: «مستقرها تحت العرش»
وأما قوله وهذا المدلول لا يعارضه علم الهيئة في العصر الحاضر.
فجوابه أن يقال: أما تأويله للآية على ما يوافق تخرصات سيمون وأمثاله من فلاسفة الإفرنج الذي نقل عنهم الصواف في صفحة ٣٨ و ٤٣ ما نقل فهو كما قال لا يعارض جل الهيئة في العصر الحاضر بل يوافقه. وأما على التأويل التصحيح الثابت عن النبي ﷺ من حديث أبي ذر ﵁ فمدلول الآية يعارض جهل أهل الهيئة في العصر الحاضر ويرده).
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آياته محرف للكلم عن مواضعه. انتهى.
وإذا كان المخالف لتفسير الصحابة والتابعين متصفا بهذه الصفات الذميمة؛ فالمخالف لتفسير النبي ﷺ أولى وأحرى أن يكون متصفا بها.
стр. 331
ومن أخطائه أيضا قوله: إن القرآن لم يصرح في آية من آياته بكون الأرض ثابتة ساكنة وكون الشمس دائرة حولها.
والجواب عن هذا الخطأ قد تقدم قريبا, فليراجع.
ومن أكبر أخطائه أيضا قوله: إن الإنسان في القرون الماضية كان يفسر الرواسي والأوتاد في نطاق معرفته وحسب علمه بالأمور الكونية آنذاك.
ويحق له أن يفسرها اليوم في ضوء ما اكتشفه من الأمور الكونية.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال أن العلماء في القرون الماضية كانوا أعلم بالأمور الكونية من جهلة العصريين المفتونين بتقليد فلاسفة الإفرنج والعض على تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة بالنواجذ.
وتفسر العلماء في القرون الماضية للرواسي والأوتاد بما يقتضي وقوف الأرض وثباتها هو التفسير الصحيح, كما تدل على ذلك لغة العرب. وهم إنما يعتمدون في تفاسيرهم على ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ثم على ما جاء عن التابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ثم على لغة العرب التي نزل القرآن بها. وأما العصريون فكثير منهم قد جعلوا القرآن ملعبة لهم يتأولونه على غير تأويله ويحملونه على ما يوافق تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن تفسير العلماء في القرون الماضية للرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها ينافي تفسير العصريين من أتباع أهل الهيئة الجديدة وقولهم: إنها إنما وضعت على الأرض لتحفظ عليها توازنها مع دورانها على نفسها وعلى الشمس.
والذي يظهر من كلام المودودي أنه كان يذهب إلى تغليط الذين فسروا الرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها ويرى أن الصواب في قول العصريين الذين فسروها في ضوء ما اكتشفه لهم فلاسفة الإفرنج المتأخرون من الأمور الكونية. وهذه إحدى الكبر من المودودي لما يلزم على قوله هذا
стр. 332
من تغليط النبي ﷺ وتغليط علي وابن عباس ﵃ وغير واحد من التابعين وكثير من أئمة المفسرين الذين قرروا في تفاسيرهم وقوف الأرض وثباتها وأنها قد أرسيت بالجبال وجعلت الجبال أوتاداً لها.
وقد ذكرت في الوجه الأول أن هذا هو التفسير الصحيح.
والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن انس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أن قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تمتد, فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت».
وهذا نص في استقرار الأرض وسكونها. قال في القاموس وشرحه: قر بالمكان يقر بالكسر والفتح قراراً وقروراً وقراً وتقرة ثبت وسكن فهو قار كاستقر وتقار وهو مستقر. انتهى.
وروي ابن جرير عن علي ﵁ أنه قال: (لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: تخلق علي آدم وذريته يلقون علي نتنهم ويعملون علي الخطايا فأرساها بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون).
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن الجبال لتفخر على الأرض بأنها أثبتت بها).
وقال وهب لما خلق الله الأرض جعلت تمر فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال, فلم تدر الملائكة مِمَّ خلقت الجبال.
وروي عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن نحوه.
وروي سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد نحو ذلك أيضا.
стр. 333
وكلام المفسرين في تفسير الرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها كثير موجود في تفاسيرهم. وقد ذكرت جملة من ذلك في أول الصواعق الشديدة, فلتراجع هناك.
وإذا علم ما ذكرنا فالمودودي بين خطتين لا بد له من إحداهما. إما أن يقول بتغليط النبي ﷺ حيث نص على استقرار الأرض لما ألقيت الجبال عليها. وتغليط علي وابن عباس ﵃ ومن ذكر بعدهم من التابعين ومن أشرنا إليهم من أئمة المفسرين الذين قرروا أن الرواسي إنما وضعت على الأرض وجعلت أوتاداً لها لتثبتها وتمنعها من الحركة.
وإما أن يرجع عن قوله: إنه يحق للإنسان أن يفسر الرواسي والأوتاد في ضوء ما اكتشفه من الأمور الكونية. وما قبله من الكلام الذي يفهم منه تجهيل من فسر الرواسي والأوتاد بأنها وضعت على الأرض لإرسائها وتثبيتها وأن نطاق معرفتهم وعلمهم بالأمور الكونية كان قاصرا عن نطاق معرفة أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم ومقلديهم من جهلة العصريين وعلمهم بالأمور الكونية.
الوجه الثالث: أن ما يزعمه فلاسفة الإفرنج من اكتشاف حركة الأرض ودورانها على نفسها وعلى الشمس. وما يزعمونه أيضا من الاكتشافات عن الشمس وثباتها وعن القمر والنجوم فكلها تخرصات وظنون كاذبة ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وتسميتها ضوءًا من قلب الحقيقة. ومن قال: إنه يحق للإنسان أن يفسر شيئا من القرآن على ما يوافقها فقد فتح للملحدين باب الإلحاد في آيات الله وأغرى المحرفين للكلم عن مواضعه على التحريف.
وليعلم أن القول في القرآن بمجرد الرأي حرام شديد التحريم وقد ورد
стр. 334
الوعيد الشديد على ذلك كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى الترمذي أيضا أبو داود وابن جرير والبغوي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم.
ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: ما في القرآن آية ألا وقد سمعت فيها شيئا. وروي أيضا بإسناده عن مجاهد أنه قال: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. انتهى كلام الترمذي.
وقال البغوي: قال شيخنا الإمام: قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن براية وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئاً من غير علم. قال: وأما التفسير وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها, فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل. انتهى.
وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين, فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. انتهى.
стр. 335
وقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄, وهما من أعلم هذه الأمة بكتاب الله تعالى يهابان القول في القرآن بغير علم. كما روي شعبة عن سليمان وهو الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم).
ووري أبو عبيد القاسم بن سلام عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق ﵁ سئل عن قول الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا اعلم).
وروي أبو عبيد أيضا ومحمد بن سعد وابن جرير بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها, فما الأب ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. وزاد ابن سعد في روايته: فما عليك أن لا تدريه.
وإذا علم هذا فقد روي الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن, وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وللترمذي أيضا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
ومن أخطائه أيضا قوله: وأن الله تعالى لم يجعل إيماننا وعقيدتنا مربوطا بعلم عصر من العصور بحيث إذا تغير هذا العلم وتبدل اضطر الإنسان إلى أمرين إما أن يؤمن بالله تعالى وينكر صحة العلم. أو يكفر بالله تعالى ويؤمن بصحة العلم.
والجواب أن يقال: هذه إحدى الكبر من المودودي حيث قرر ما يهذو
стр. 336
به جهلة العصريين من حرية الفكر حتى فيما يتعلق بالإيمان والعقيدة. وهذا القول من أبطل الباطل.
والحق أن الإيمان والعقيدة مربوطان بعلم العصر النبوي, وهو علم الكتاب والسنة. وهذا العلم لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
وما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على ثبات الأرض واستقرارها وأجمع المسلمون عليه لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك: فقوله باطل مردود عليه لمخالفته للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من النصوص على جريان الشمس ودؤوبها في ذلك وأن الله سخرها لخلقه تأتي من المشرق كل يوم وتغرب في المغرب كل ذلك لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك فقوله باطل مردود عليه لمخالفته لنصوص الكتاب والسنة وما كان عليه المسلمون في قديم الدهر وحديثه سوى من شذ عنهم في هذه الأزمان الأخيرة من أتباع أهل الهيئة الجديدة.
وكذلك ما جاء في القرآن من النص على أن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح, وهي النجوم. وفي الآية من سورة الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ فهذه النصوص لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ومن
стр. 337
قال بخلاف ذلك من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين الذين يزعمون في أبعاد الكواكب ومقادير أجرامها ما يزعمون فأقوالهم باطلة مردودة عليهم لمخالفتها لنصوص القرآن.
وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من النصوص الكثيرة على إثبات السموات السبع وأن السماء بناء وسقف محفوظ مرفوع وأنهن شداد وأن لهن أبوابا وحجابا. كل ذلك لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من العصريين الذين يزعمون أن السماء ليست بناء وإنما هي فضاء وجو سعته غير متناهية فأقوالهم باطلة مردودة عليهم لمخالفتها لنصوص الكتاب والسنة.
وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من النصوص على اتحاد كل من الشمس والقمر, فهي لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ومن قال بخلاف ذلك وزعم أن هناك شموسا وأقمارا متعددة فقوله باطل مردود عليه لمخالفته لنصوص الكتاب والسنة.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة مما قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وقال أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم بخلاف ذلك وقد ذكرت جملة منها في الصواعق الشديدة. ومنها كثير مفرق في هذا الكتاب.
والمقصود ههنا بيان أن الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. وإنما التي تتغير وتتبدل في كل زمان هي الآراء والتخرصات والظنون الكاذبة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال البغوي معناه لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق؛ فهم لا يختلفون. قال ومحصول الآية أن أهل الباطل مختلفون وأهل
стр. 338
الحق متفقون, فخلق الله أهل الحق للاتفاق وأهل الباطل للاختلاف. انتهى.
وإذا علم هذا, فالواجب على المسلمين اعتقاد ما جاء في الكتاب والسنة, وما أجمع عليه المسلمون ونبذ ما خالف ذلك من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وراء الظهر.
وقد سمى المودودي تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة في السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم علما, وهذا من أكبر الخطأ ومن قبل الحقيقة فليست التخرصات والظنون الكاذبة بعلم, وإنما هي جهل وضلال, وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وقال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.
وأما قوله أن الإنسان يضطر إلى أمرين هما أن يؤمن بالله تعالى, وينكر صحة العلم أو يفكر بالله تعالى ويؤمن بصحة العلم.
فجوابه أن يقال: قد ذكرنا أن تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة في السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم ليست بعلم, وإنما هي جهل وضلال. ولا بد إذا من أحد أمرين: إما الإيمان بما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ورد ما جاء عن أهل الهيئة الجديدة من الجهل والضلال. وأما
стр. 339
الإيمان بالجهل والضلال ورد ما جاء عن الله ورسوله ﷺ . فليختر المرء ما يناسبه من إحدى الخطتين. فأما الجمع بينهما فغير ممكن.
وأما قوله: فإذا كان الإنسان القديم مسلما صحيح الإسلام على رغم قوله بثبوت الأرض كذلك لا شك في صحة إسلام الإنسان الحاضر على اعتقاده بدوران الأرض.
فجوابه أن يقال: إذا كنت لا تشك في إسلام من يقول بدوران الأرض, فغيرك قد يشك في إسلامه ولاسيما إذا قامت عليه الحجة بأن بلغته الأدلة الدالة على سكون الأرض واستقرارها وبلغه إجماع المسلمين على القول بوقوف الأرض وسكونها مقصورة على المخالفة والعناد, فهذا قد يشك في إسلامه لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وقد صرح بعض المحقين بتكفير من يقول بحركة الأرض ودورانها. وقد ذكرت ذلك في الصواعق الشديدة بعد ذكر الأدلة العقلية على ثبات الأرض واستقرارها, فليراجع هناك.
وأما قوله: ولذلك أنا أوافق رأي أخي محمد محمود الصواف
فجوابه أن يقال: بئس ما اخترت لنفسك من الموافقة على التخرصات والظنون الكاذبة التي تخالف مدلول الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وإنما يعود وبال هذه الموافقة عليك قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
стр. 340
فصل
وأما علي الطنطاوي فقال في تقريظه لكتاب الصواف ما نصه:
أخي الأستاذ الصواف, رحبت بما سمعت عن عزمك على طبع ما كتبته في موضوع دوران الأرض. لا لأن فيه ردا على مقال الشيخ الجليل ابن باز. بل لأن أعداء الإسلام استغلوا ذلك المقال, وعلقوا عليه تعليقات ملأت الصحف الأوربية والأميركية. نالوا فيها من الإسلام بالباطل, فوجب الدفاع عن الإسلام بالحق, وبيان أن الذي كتبه الشيخ ابن باز رأي له قد يكون له قبول عند بعض العلماء, ولكنه ليس حكم الإسلام القطعي في هذه المسألة. وجمهور علماء المسلمين في جميع أقطار الإسلام على خلافه.
والجواب أن يقال: أما استغلال الأوربيين والأمريكيين لمقال الشيخ ابن باز وتعليقهم عليه في صحفهم ونيلهم من الإسلام بالباطل فغير مستنكر منهم؛ لأنهم الأعداء الألداء للإسلام وأهله. وأبغض المسلمين إليهم من يتكلم بالحق ويتصدى لنصره والذب عنه, ولذلك قامت قيامتهم من أجل مخالفة مقال الشيخ ابن باز لتخرصاتهم وتخرصات أسلافهم من أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم. وقد وافقهم هذا المسكين وأخواه الصواف والمودودي, فقاموا في صف أعداء الله يناضلون عن تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة. وهذا مما يحبه أعداء الله ويرضون به. فليهنك أيها الطنطاوي وليهن أخويك رضوان أعداء الله عنكم.
وهؤلاء الثلاثة أعني الصواف والمودودي والطنطاوي قد التبس عليهم الحق بالباطل, فهم لذلك يرون أنهم ينصرون الحق ويذبون عنه وهم في الحقيقة إنما ينصرون الباطل ويذبون عنه.
стр. 341
اللهم إنا نعوذ بك من عمى القلوب وانتكاسها. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطل باطلا وارزقنا اجتنابه. ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.
وأما قوله: إن الذي كتبه الشيخ ابن باز رأي له.
فجوابه أن يقال: إن الشيخ ابن باز قد أيد ما كتبه بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة والإجماع. وما كان مؤيدا بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة والإجماع, فليس من قبيل الرأي. وإنما الرأي المحض ما لم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع وذلك ما كتب فيه الصواف ووافقه عليه المودودي والطنطاوي. بل إن الذي كتب فيه الصواف شر من الرأي المحض؛ لأن غالبه مبني على اتباع الظنون الكاذبة والرجم بالغيب وتصديق من يتعاطى علم المغيبات, كما قد أوضحت ذلك في مواضعه من هذا الكتاب وفي الصواعق الشديدة.
وأما قوله: ولكنه ليس حكم الإسلام القطعي في هذه المسألة.
فجوابه أن يقال: بل هو حكم الإسلام القطعي فيها لقيام الأدلة عليه من الكتاب والسنة والإجماع. وما قام عليه الدليل, فهو الذي عليه التعويل.
وأما قوله وجمهرة علماء المسلمين في جميع أقطار الإسلام على خلافه.
فجوابه أن يقال: ليس علم الغيب عندك يا طنطاوي حتى تخبر الناس عما يعتقده جمهور علماء المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية, وأنهم على خلاف ما كتبه الشيخ ابن باز. وما الذي يدريك عن معتقدهم في هذه المسألة, وأنت لم تجتمع بهم كلهم ولا يمكنك ذلك ولا تقدر عليه. وعلى تقدير أنك قد
стр. 342
اجتمعت بأشخاص معدودين من بعض الأقطار الإسلامية, وأخبروك أنهم مخالفون للشيخ ابن باز, فلا يسوغ لك أن تحكم على جمهور العلماء في جميع الأقطار الإسلامية بأنهم يعتقدون معتقدك الباطل الذي ورثته عن فيثاغورس اليوناني وكوبرنيك البولوني وهرشل الإنجليزي, وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج المتأخرين ومن يتعلق بأذيالهم من جهلة المسلمين.
إنك يا طنطاوي قد قفوت ما ليس لك به علم وحكمت على كثير من علماء المسلمين بمجرد اتباعك للظن الكاذب وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
والذي نعرفه عن أكابر العلماء عندنا في المملكة العربية السعودية أنهم ينكرون القول بحركة الأرض ودورانها وثبات الشمس وسكونها. وهم ولله الحمد متمسكون بالكتاب والسنة بعيدون عن الميل إلى الخرافات والتخرصات والظنون الكاذبة التي قد افتتن بها كثير من المنتسبين إلى العلم في بعض الأقطار الإسلامية, كما قد رأيت ذلك فيما اطلعت عليه من كتبهم.
وأما قوله: ثم إن المسألة أكبر من المجاملة وأجل من أن تدخل في تقدير الأمور الشخصية.
فجوابه أن يقال: وهل ظننت يا طنطاوي أن الشيخ ابن باز قد جاء شيئا إداً لما خالف رأي فيثاغورس وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين حتى تقول في حقه ما قلت. وإذا كنت ترى أن مخالفة رأي فيثاغورث وأتباعه أمرا كبيرا لا تنبغي المجاملة فيه ولا التقدير لمن خالفهم, فغيرك يرون أن
стр. 343
مخالفتهم في تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة من أوجب الواجبات وأهم المهمات. ويرون أن الأمر المنكر على الحقيقة هو مخالفة مدلول الكتاب والسنة والإجماع والاعتياض عن ذلك بآراء أعداء الله وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة والتجرد لنصرتها والذب عنها, كما فعلت ذلك يا طنطاوي أنت وأخواك الصوف والمودودي, فهذا هو الشيء الإد الذي لا يجوز إقراره ولا مجاملة أصحابه وتقديرهم.
وأما قوله: وبعد, فالذي أعرفه أن الإسلام ليس فيه نص قطعي من كتاب أو سنة ولا دليل من إجماع أو قياس على دوران الأرض ولا على سكونها.
فجوابه أن يقال: قد وردت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على سكون الأرض وثباتها وأجمع المسلمون على ذلك ودلت على ذلك الأدلة العقلية الصحيحة, وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة, فليراجع هناك.
وإذا كان الطنطاوي لا يعرف مثل هذه الأدلة التي أشرت إليها, فالأولى له السكوت وعدم الخوص فيما لا علم له به فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وأما قوله, ودوران الأرض أمر مشاهد مقطوع به. كان معلوما علما نظريا بالأدلة العقلية فصار معلوما علما ضروريا بالحس ومشاهدة الأرض من المركبات الفضائية وعرض الصور التي التقطت في الرائي أي: التلفزيون وفي الخيالة أي: السينما. وصار القول بدوران الأرض من البديهيات التي لا ينازع فيها اليوم أحد.
فجوابه أن يقال: أما زعمه أن دوران الأرض أمر مشاهد ومحسوس, فهذا باطل قطعا. ولا يدعي هذه الدعوى من له أدنى مسكة من عقل.
стр. 344
وأما ما يزعمه أهل المركبات الفضائية أنهم شاهدوا دوران الأرض من مركباتهم فذلك إنما يخيل إليهم من سرعة سير المركبات لا من سير الأرض كما أن راكب المراكب السريعة في الأرض يخيل إليه أن ما حوله من الأشجار والأحجار يسير وهو في الحقيقة ثابت في موضعه فذلك راكب المركبات الفضائية يخيل إليه أن الأرض تسير وإنما ذلك من سرعة سير المركبة التي هو فيها.
وأما تصويرهم لسير الأرض وعرض ذلك في التليفزيون والسينما, فذلك من مخرقتهم وتدجيلهم على ضعفاء البصيرة. ولا يغتر بذلك ويصدق به إلا جاهل لا عقل له.
وأما قوله: إن دوران الأرض مقطوع به, وأنه صار معلوما علما ضروريا.
فجوابه أن يقال: بل الأمر في الحقيقة بخلاف ما زعمه الطنطاوي, فإن سكون الأرض وثباتها هو المقطوع به عند المتمسكين بالكتاب والسنة لما قام على ذلك من الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح. وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة, فليراجع هناك.
وزعم الطنطاوي أن دوران الأرض قد صار معلوما علما ضروريا, إنما هو مبني على ما زعمه أهل المركبات الفضائية أنهم شاهدوا ذلك, فهذا هو عمدته فيما زعمه من العلم الضروري. ولما كان هذا مبلغ علمه وأن اعتماده إنما كان على ما يخيل إليه في التليفزيون والسينما من مخرقة أعداء الله وتدجيلهم تبين أنه ليس عنده علم يميز به بين ما يسمى علما وبين المخرقة والتخييلات الكاذبة فضلا عن التمييز بين العلم الضروري وغير الضروري.
стр. 345
وأما قوله: صار القول بدوران الأرض من البديهيات التي لا ينازع فيها اليوم أحد.
فجوابه أن يقال: أما قوله إن دوران الأرض من البديهيات فذلك خطأ ظاهر. والصحيح المطابق للواقع أن يقال: إنه من التخرصات والظنون الكاذبة.
وأما زعمه أنه لا ينازع في ذلك اليوم أحد فهو خطأ ظاهر, لأن كل متمسك بالكتاب والسنة ينازع في ذلك وهم أسعد بالدليل من منازعيهم.
وأكابر العلماء عندنا في المملكة العربية السعودية كلهم على إنكار القول بدوران الأرض.
وقد حكى الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي - وكان في آخر القرن الرابع من الهجرة وأول القرن الخامس - في كتابه "الفرق بين الفِرق" إجماع أهل السنة على وقوف الأرض وسكونها.
وحكى القرطبي في تفسير سورة الرعد إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك. ولا عبرة بمن خالف الإجماع من العصريين المفتونين بتخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة.
وأما قوله: أما الآيات التي يرى فيها منكر والدوران دليلا لهم كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ فليس فيها دليل, لأن (ماد) عند العرب بمعنى (مال) وهو باب معروف. والميلان حركة اضطرابية. والسير حركة انتقالية. فإذا نفى الله عنها الميلان فلا يفهم منه نفي الحركة الانتقالية بل ربما كان في الآية إشارة إلى مسيرها, لأن الآية دلت على أن الجبال مثل الثقل للأرض؛ لئلا تميد أي: تضرب في سيرها كالزورق إذا كان فارغا وضعوا فيه
стр. 346
الحجارة أو أكياس الرمل؛ لئلا يضربه الموج فيضطرب. أقول في الآية إشارة فقط وإلا فالصحيح ما قلته أولا عن الإسلام إذ ليس فيه دليل قطعي لا على حركة الأرض ولا على نفي الحركة عنها وعلى مدعي عكس هذا أن يأتي بالدليل.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال: إن الميد في لغة العرب يطلق على معان منها الحركة والدوران. قال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالا ثوابت ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: لئلا تميد بهم ولا تتحرك ليتم القرار عليها. قال: والميد التحرك والدوران.
وقال الشوكاني في تفسير هذه الآية ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾: الميد التحرك والدوران أي لئلا تتحرك وتدور بهم. انتهى.
وإذا انتفى التحرك والدوران عن الأرض, فإنه يثبت لها نقيض ذلك وهو الوقوف والسكون.
فهذه الآية وما في معناها من الآيات الكثيرة من أوضح الأدلة على ثبات الأرض واستقرارا, وقد استدل بها الراسخون في العلم على ذلك. وقد ذكرت ذلك مستوفى في أول الصواعق الشديدة, فليراجع هناك.
وليس في الآية ما يشير إلى سير الأرض بوجه من الوجوه, كما زعمه الطنطاوي.
وأما تشبيه الأرض بالزورق الفارغ وتشبيه وضع الجبال عليها بوضع الحجارة أو أكياس الرمل في الزورق, لئلا يضربه الموج فيضطرب في حال سيره, فهو تشبيه غير مطابق؛ لأن الأرض قد أرسيت بالجبال من جميع نواحيها والجبال متوجهة بثقلها نحو المركز الذي هو وسط الأرض, فصارت الجبال
стр. 347
للأرض, كالأوتاد التي تمنعها من الحركة. ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾.
قال ابن منظور في لسان العرب: وأوتاد الأرض؛ لأنها تثبتها. انتهى.
وإذا كانت الجبال أوتادا للأرض فالتشبيه المطابق هو تشبيه الأرض بالسفينة التي قد وضع فيها ما يثقلها وأودت بالأوتاد في مرساها, فوقفت فيه ولم تتحرك.
الوجه الثاني: أن الطنطاوي ذكر الآية التي فيها نفي الميد عن الأرض وتأولها على غير تأويلها حيث شبه الأرض بالزورق الفارغ إذا وضعت فيه الحجارة أو أكياس الرمل وأعراض عن الآية الصريحة في تثبيت الأرض بالجبال وجعلها أوتادا للأرض كالأوتاد التي تثبت الخيام في مواضعها والسفن في مرساها, وهي قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾.
قال ابن كثير عند هذه الآية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ أي: ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي: جعلها لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت, ولم تضطرب بمن عليها.
وقال القرطبي على قوله ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي: لتسكن ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها.
وقال أبو حيان في تفسيره ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي: ثبتنا الأرض بالجبال, كما ثبت البيت بالأوتاد. قال الأفوه:
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
وتقدم قول ابن منظور في لسان العرب. وأوتاد الأرض الجبال؛ لأنها تثبتها.
стр. 348
وقال ابن القيم ﵀ في كتابه مفتاح دار السعادة ومن منافعها - أي الجبال - ما ذكره الله تعالى في كتابه أن جعلها للأرض أوتادا تثبتها ورواسي بمنزلة مراسي السفن. وأعظم بها من منفعة وحكمة. انتهى.
وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد, فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت».
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن الجبال لتفخر على الأرض بأنها أثبتت بها).
وإنما أعرض الطنطاوي عن هذه الآية التي ذكرنا؛ لأنها لا تحمل التأويل. فلو قال هو أو غيره إن الأرض تشبه السفينة إذا وضع فيها ما يثقلها وربطت بالأوتاد, وهي مع ذلك تسير في الماء لكان كل عاقل يضحك منه؛ لأنه قد رام الجمع بين النقيضين والجمع بينهما غير ممكن.
وكما أنه لا يقول عاقل أن السفينة وهي مربوطة بالأوتاد فكذلك لا يقول عاقل إن الأرض تسير وهي موتدة بالجبال لأن تثبيتها بالجبال ينافي سيرها, فلا يجتمعان.
الوجه الثالث: أن الله تعالى قال في سورة المؤمنين: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية. وقال تعالى في سورة النمل: ﴿مَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ الآية.
وفي هاتين الآيتين أوضح دليل على ثبات الأرض واستقرارها. قال في القاموس وشرحه: قر بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارا وقرورا وقرا وتقرة
стр. 349
ثبت وسكن, فهو قار كاستقر وتقار وهو مستقر. انتهى.
الوجه الرابع أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ وفي هذه الآية الكريمة أوضح دلل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت تسير وتدور على الشمس كما زعمه أعداء الله تعالى لكانت تزول من مكان إلى مكان, وهذا خلاف نص الآية الكريمة.
وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبا قال: ما حدثك؟ قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها كذب كعب إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾.
وقال ابن جرير أيضا حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ذهب جندب البجلي إلى كعب الأحبار, فقدم عليه ثم رجع فقال له عبد الله: حدثنا ما حدثك فقال: حدثني أن السماء فق قطب كقطب الرحا والقطب عمود على منكب ملك قال عبد الله: لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك ثم قال: ما تنكب اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ كفى بها زوالا أن تدور.
وروى ابن أبي خيثمة عن قتادة قال: بلغ حذيفة ﵁ أن كعبا يقول: إن السماء تدور على قطب كالرحى فقال: كذب كعب إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن.
стр. 350
وقال ابن جرير: حدثنا بشير قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة. قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ من مكانها.
فهذه أقوال السلف في معنى الآية الكريمة وردهم بها على من زعم أن السماء تدور. وبما قالوه في معنى الآية الكريمة يرد على من زعم أن الأرض تدور؛ لأن سياق الآية في السموات والأرض واحد. فإذا كانت الآية الكريمة دالة على ثبات السموات وعدم دورانها كما صرح به حبر الأمة ابن مسعود ﵁ وصرح به أيضا حذيفة ﵁, فكذلك هي دالة على ثبات الأرض وعدم دورانها.
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت. ورواه ابن جرير ولفظه قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين أنزلت.
والأدلة من القرآن على ثبات الأرض واستقرارها قد بلغت خمسة وعشرين وقد ذكرتها في أول الصواعق الشديدة, فلتراجع هناك.
الوجه الخامس: ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لما خلق الله الأرض جعلت تميد, فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت».
وهذا نص في استقرار الأرض وسكونها.
والأدلة على ذلك من السنة قد بلغت ستة عشر حديثا. وقد ذكرتها في أول الصواعق الشديدة, فلتراجع هناك.
стр. 351
الوجه السادس: ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي في آخر كتابه "الفرق بين الفرق" جملة مما أجمع عليه أهل السنة قال فيها. وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها.
وقال القرطبي في أول تفسير سورة الرعد: والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها. انتهى.
وهذا صريح في حكاية الإجماع من المسلمين وأهل الكتاب على القول بثبات الأرض واستقرارها.
وإجماع المسلمين دليل قطعي على ثبات الأرض واستقرارها. وفيه مع ما تقدم من الآيات والأحاديث لما زعمه الطنطاوي عن الإسلام أنه ليس فيه دليل قطعي على ثبات الأرض ونفي الحركة عنها.
وأما تقسيمه الأجور بين الشيخ ابن باز ومن وافقه وبين الصواف ومن وافقه وجعله للفريق الأول أجرا واحدا وللفريق الثاني أجرين.
فجوابه أن يقال هذه قسمة ضيزى ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وليس الصواف وأشباهه ممن يرجى لهم الأجر فضلا عن مضاعفته إلى ضعفين. وإنما هم جديرون بمضاعفة الأوزار؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
وأما قوله ولست أوزع الأجور ولكن أشير إلى الحديث.
стр. 352
فجوابه أن يقال: بلى, قد وزع الطنطاوي الأجور على حسب رغبته ثم تتصل من ذلك وزعم أنه يشير إلى الحديث. وليس في الحديث إشارة إلى دعاة الهدى ودعاة الضلالة كما قد توهم ذلك. وإنما هو وارد في الحكام وهم القضاة كما في الصحيحين والمسند وسنني أبي داود وابن ماجة عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» قال فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁.
وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال وفي الباب عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ﵄. وترجم الترمذي على هذا الحديث بقوله: (باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطئ). وترجم عليه أبو داود بقوله: (باب في القاضي يخطئ).
والقائل فحدثت أبا بكر هو يزيد بن عبد الله بن الهاد أحد رواته كما صرح بذلك الإمام أحمد ومسلم وابن ماجة في روايتهم لهذا الحديث.
وإذا علم أن هذا الحديث وارد في القضاة وأن الطنطاوي قد أخطأ في إشارته إليه فليعلم أيضا أن المطابق لحال الشيخ ابن باز ومن وافقه وحال الصواف ومن وافقه هو حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه
стр. 353
لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي: سواء كان ذلك الهدى أو الضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه. انتهى.
فالشيخ ابن باز قد دعا إلى اعتقاد ما قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع من جريان الشمس في الفلك ودؤوبها في ذلك وثبات الأرض واستقرارها فيرجى أن يكون له من الأجر مثل أجور من اهتدى بسببه.
وأما الصواف فإنه قد دعا إلى اعتقاد ما يخالف الكتاب والسنة والإجماع من ضلالات فيثاغورس اليوناني وأتباعه أهل الهيئة الجديدة, وهم كوبرنيك البولوني وهرشل الإنجليزي وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج وجهال المسلمين. فيخشى على الصواف أن يكون عليه من الوزر مثل أوزار من ضل بسببه إلى يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
وأما قوله وجزاك الله خيرا على قصدك الحسن في الدفاع عن الإسلام.
فجوابه أن يقال: أما قصده فالله أعلم به هل هو حسن أو سيئ. ولكن الذي يظهر من حاله أنه مفتون بحب الشهرة, فلهذا نصب نفسه لمعارضة الحق ومخالفة من هو أعلم منه فكان الأمر فيه كما قيل:
خلافا لقولي من فيالة رأيه ... كما قبل اليوم خالف لتذكرا
وأما زعمه أن ذلك من الدفاع عن الإسلام.
فجوابه أن يقال: كلا؛ فليس ما جمعه الصواف في رسالته في علم الفلك
стр. 354
دفاعا عن الإسلام, وإنما هو دفاع عن ضلالات فيثاغورس وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين. ولكن الطنطاوي قد التبست عليه الحقائق, فصار يرى الباطل في صورة الحق, ويرى أن الدفاع عن ضلالات أعداء الإسلام دفاع عن الإسلام. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا من مصداق ما رواه رزين وغيره عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا» قالوا: وإن ذلك لكائن قال: «نعم».
وأما ما ذكره عن أعداء الإسلام أنهم اتخذوا من مقال الشيخ ابن باز طعنا على الإسلام وأهله.
فقد تقدم الجواب عنه في أول الرد على الطنطاوي.
وأما قوله: ليروا أن في علماء المسلمين من لا ينكر الأمور الحسية والمسلمات البديهية.
فجوابه أن يقال: ليس فيما ذكره الصواف في رسالته من الأمور الحسية والمسلمات البديهية شيء سوى القول بكروية الأرض واستدارة الأفلاك. وأما ما سوى ذلك فكلها تخرصات وظنون كاذبة لا يقبلها إلا من هو من أجهل الناس. وعلى هذا فالمطابق للحقيقة أن يقال ليرى أعداء الله أن في المسلمين من يسعى سعيا حثيثا خلف نعيقهم ويسارع إلى تحصيل رضاهم بقبول تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وتأييدها والذب عنها والمجادلة بها؛ لادحاض الحق.
стр. 355
وأما قوله: ومن قبل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه ليس في الدين أمر ثابت يناقض أو يتناقض أو ينافي أمرا ثابتا في العقل أو الحس. وما قاله هو الحق.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الطنطاوي إنما نقل كلام شيخ الإسلام بالمعنى فزاد فيه وغير أسلوبه. والمعروف من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قوله أن المعقول الصريح لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح. وتقرير قوله هذا أن نصوص الكتاب والسنة هي الأصل الذي يجب الرجوع إليه, وأن المعقولات تعرض على نصوص الكتاب والسنة, فما وافقها فهو معقول صريح معتبر, وما خالفها فهو فاسد يجب إطراحه.
الوجه الثاني: أن الطنطاوي قد استشهد بهذا الكلام في غير محله؛ لأنه قد توهم أن ما ذكره الصواف في رسالته فهو من الأمور الحسية والمسلمات البديهية التي يثبتها العقل. وليس الأمر على ما توهمه, بل إن الذي ذكره الصواف كله تخرصات وظنون كاذبة تنافي الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع سوى القول بكروية الأرض واستدارة الأفلاك. وقد نبهت على ما فيه من التخرصات والظنون الكاذبة في مواضعها من هذا الكتاب ولله الحمد والمنة.
فصل
وقد نشر الصواف في أول رسالته كلاما لوزير المعارف الشيخ بن عبدالله بن حسن آل الشيخ. ولمدير التعليم بمكة مصطفى عطار. وحيث إنه ليس في كلامهما تصريح بموافقة الصواف على ما قرره في كتابه من دوران الأرض وثبات الشمس وغير ذلك مما حشده فيه من تخرصات الإفرنج وظنونهم الكاذبة. وإنما كتبا إليه ما كتبا؛ لمناسبة خاصة, لا لتدعيم كتابه وتقريظه فضم كتابتهما إلى كتابه؛ ليتكثر بذلك ويجعله تأييدا لأقواله الباطلة
следующие страницы →