← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وسافر لتونس فأقام بها مدّة يقرئ بجامع الزّيتونة تفسير الكتاب العزيز فهرعت (٨٢٧) إليه العامة والخاصة، فيجلس القريب ويقف البعيد، قال من شاهد مجلسه: رأيت القائم أكثر من القاعد لأنّه - رحمه الله تعالى - كان متمكّنا من علوم العربية والحديث والسّير والأحكام الشرعيّة والعلوم الأدبية والتاريخ وأيّام النّاس، فبقي كذلك إلى أن أدركته وفاته بتونس سنة نيف وخمسين ومائة وألف (٨٢٨)، فنقل ودفن بجانب والده. ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي المؤخّر: ولنرجع إلى بيان حال من أخذ على سيدي علي غير ولده أحمد، فأمّا الشّيخ أبو الحسن علي المؤخّر (٨٢٩) التّميمي (٨٣٠) فتولّى إمامة مقام الشّيخ سيدي أبي الحسن اللخمي فاشتغل فيه بالتّدريس والتّجويد وكان رجلا محقّقا، من أكبر تلاميذ الشّيخ النّوري، وأخذ أيضا عن الشّيخ سيدي عبد العزيز الفراتي، فشرح عقيدة الشّيخ / النوري (٨٣١) بشرح لطيف مناسب للمبتدئين، وشرح جوهرة التّوحيد (٨٣٢)، وشرح ألفية الجلال السيوطي (٨٣٣) في النّحو. وكان ملازما لمقام الشّيخ اللخمي، قال شيخنا سيدي عبد الله السوسي - رحمه الله تعالى - قدمت من تونس لصفاقس عند توجهي لسيدي إبراهيم الجمّني بجربة فسألت عن الشّيخ النوري للزيارة، فأخبرت بوفاته، فسألت عن أكبر تلاميذه فأرشدت للشّيخ المؤخّر بمقام الإمام اللخمي، فذهبت لزيارته فوجدته بالمسجد وقد فقد إحدى كريمتيه،

стр. 982

فسلّمت، فأحسن الرد، وسألته الفاتحة وصالح الدّعاء فأسعفني بذلك ودخلت (٨٣٤) عليه بنيّة صغيرة قالت: أمي تدعوك، فقال لها: إذهبي وأتي بالفطور، فجاءت بشيء من دشيش الشعير (٨٣٥) مطبوخا فسألني الأكل معه فأكلت، فما وجدت حلاوة طعام مثله، وودعته وسافرت. وتوفّي ﵀ (٨٣٦) ودفن مع الشّيخ النوري مع إخوانه التلاميذ، ولم نقف على تعيين سنة وفاته. الشّيخان: الجمل والحرقاني: وأما الشّيخ الجمل والشّيخ الحرقافي فذهبا إلى تونس ونشرا بها علوم القراءة والتجويد إلاّ أنّ الشّيخ الجمل (٨٣٧) أسرعته منيته. وأما الشيخ الحرقافي (٨٣٨) فطالت مدّته وكثرت تلامذته. ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد الغراب: وأما الشّيخ سيدي أبي عبد الله محمّد الغراب فإنه اشتغل أيضا بنشر العلم وصار إماما بمقام الشّيخ اللخمي بعد وفاة الشّيخ المؤخر، وكان أبوه من التّجّار، فجهّز له مالا وافرا لحجّ بيت الله الحرام، وأمره أن يتّجر ببقية (٨٣٩) المال، فلمّا حجّ ونزل / إلى مصر

стр. 983

إشترى بما معه من الأموال كتبا (فلمّا قدم على والده حسب أنّه قدم ببضائع التجارة الفانية فنزل بخزنة كتب) (٨٤٠) لا غير، فقال: يا بني أين تجارتك؟ قال له: هذه الكتب (هي تجارتي) (٨٤١)، فغضب عليه وقال: أفقرتني وأتلفت علي أموالي، فاشتكى لشيخه من والده، فاستحضر الوالد وقال: لم غضبت من التّجارة الرّابحة الباقية، طيّب قلبك وابشر بالغنى (٨٤٢) فإن شراء الكتب يورث الغنى (٨٤٢) فهذه تجارة الآخرة حصلت ويعوّضك الله بتجارة الدنيا، ودعا له ولذريته بالسّتر والبركة فاستجاب الله له، وعوّض الله عليه المال، وبقيت الكتب إلى الآن ينتفع بها الخلق، وستره الله وذرّيته إلى الآن - أدام الله ستره علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين -. وكان الشّيخ الغراب - رحمه الله تعالى - عدلا فاضلا محبّبا (٨٤٣) عند جميع النّاس لا يذكره الخلق إلاّ بحسن الثناء، وكانت ولادته سنة أربع وسبعين وألف (٨٤٤)، ووفاته بربيع الآخر سنة خمس وثلاثين ومائة وألف (٨٤٥) وكان ذا عفّة حتّى إنّه لم يشرب من ماء النّاصرية (٨٤٦) ويقول: هو حبس على فقراء المسلمين. ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد المكّي: وأمّا الشّيخ أبو عبد الله محمّد المكّي فكان رجلا صالحا كثير الإعتقاد في أهل الخير، خاليا من أدواء (٨٤٧) النّفس، فقيها محدّثا مقرئا، وكان أكثر اشتغاله بعلوم القاراءات وأكثر من انتفع به أهل قابس لكثرة تردّده وإقامته عندهم، ونشأ (٨٤٨) فقيرا يتيما، حدّث عن نفسه قال: كنت أنسخ كلّ ما أقرأ، فحسدني أقراني المياسير وكانوا قادرين على اشتراء الكتب وقالوا لي: / الذي ينسخ يتعسر عليه العلم لاشتغال قلبه

стр. 984

بالنّسخ، وحملهم على ذلك أن يسبقوني بكتبهم ويعلمون عدم قدرتي على اشتراء الكتب، فلم ألتفت إليهم وسبقتهم بتحصيل ما نحتاجه. وكان رحيم القلب شفوقا على المسلمين، ملازما للشّيخ مدّة حياته، فكثرت كتبه وغلب بذلك أقرانه، ولحظه الشّيخ فحصلت له منه عناية، ولمّا بلغ قال له (٨٤٩) الشّيخ: يا بني زوّجتك إبنتي فلانة، وكان ذلك لا يخطر له ببال لقلّة ذات يده، فأخبر بذلك والدته، فأحالت (٨٥٠) ذلك وقالت: لعلّ أصابك أضغاث أحلام، فأقسم لها بالله ما كان إلاّ يقظة، فقالت: اكتم فإن أراد الله شيئا كان. وكانت له دار مخلّفة عن أبيه منهرشة (٨٥١)، فأرسل لها الشّيخ من ماله ما تحتاجه من أخشاب وحجر ومدد وأرسل لها الفعلة، فأقامها على أصولها، (وأعطاه ما يحتاجه من آلة الدّار وأثاثها) (٨٥٢) وأعطاه ما يتجهز به للعرس وقال لزوجته: زوّجت فلانة بفلان، فحسبت أن جميع ما قامت به الدّار وأصلح به شأنه من كسبه فرضيت به كفؤا لابنتها فتزوّج بها، واتّسع حاله، وأقبلت عليه الدّنيا وعلى ذرّيته ببركة الشّيخ وخدمة العلم وتقوى الله العظيم. وانتقل إلى رحمة الله تعالى ودفن بتربة شيخه سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٨٥٣). ترجمة الشّيخ رمضان أبو عصيدة: وأمّا الشّيخ سيدي رمضان ابو عصيدة فكان فقيها محدّثا مفسّرا أديبا متكلّما واعظا له اعتناء زائد بعلوم القراءات، فكان يقرأ للعشر، وهو أوّل من أخذنا عنه / العقيدة الصغرى للإمام السنوسي فصادفت قلبا خاليا فتمكّنت والحمد لله فوافقت الفطرة الاسلامية. ولقد رأيته بعد وفاته ﵀ فسألته ما فعل الله به فقال لي: يا بني عليك بكلمة التّوحيد والإخلاص فقد امتلأ بها التوراة والإنجيل والقرآن، فعلمت أنّ الله قبله ببركة علوم التّوحيد، وكان في كلامه بشارة بإذن الله تعالى، يطلعني على الأدلّة النّقلية في

стр. 985

الكتب السّماوية الدّالة على صدق نبيّنا ومولانا محمّد ﷺ المقويّة للأدلّة العقلية المصحّح جميعها للإعتقاد المطابق للنّطق بالشهادة عن يقين. وكان لمجلس وعظه رونق زائد تذرف منه عيون الجفاة (٨٥٤)، وكان مقرّه بزاوية الأستاذ الصّفّار، قلّ ما يفارقها (٨٥٥)، يدخلها من (٨٥٦) نصف الليل فيشتغل بما تيسّر من صلاة وتلاوة ونشر علم إلى صلاة الصّبح، فإذا فرغ من صلاة الصّبح شرع في أنواع الذكر إلى الزروق (٨٥٧)، فان حضر من يتعلم علّمه (٨٥٨) وإلاّ ذهب لبيته إلى أذان صلاة الظهر، فيأتي للمسجد الأعظم لتجويد القرآن العظيم إلى الصلاة، فيخرج للزّاوية فيصلّي بها الظهر ويقبل على نشر العلم إلى استيفاء بقيّة الصّلوات لأوقاتها، ويزيد بعد العشاء الأخيرة ما تيسّر من علم وتلاوة، ثمّ يرجع إلى بيته ويكون (٨٥٩) عشاؤه بالزّاوية أو لمّا يرجع لبيته. وكان في أوان (٨٦٠) قراءته على الشّيخ النوري وهو صغير السّنّ يحضر عقيدة الشّيخ، / فقال الشّيخ في بعض الأيام: هذه العقيدة أقعد من صغرى الشّيخ السنوسي (من حيث أنّي (٨٦١) كلّما ذكرت عقيدة) (٨٦٢) أتبعتها بدليلها، وأمّا الصغرى فإنّ الشّيخ السنوسي ساق عقائدها مجرّدة، وبعد استيفائها أتبعها بالأدلّة على طريق اللّفّ والنشر المرتّب. وكان الشّيخ رمضان مكفوف البصر فقال خفية بصوت خفي ظنّ أن لا أحد يسمعه: أتتشبهين بالحرائر يا لكّاع؟ فسمعها منه الشّيخ فغضب عليه ومنعه من الحضور لدرسه، فاستعفى فلم يعفه، فلمّا أيس سافر إلى تونس فتعلّم منها ما تيسر من علوم المعقول وغيره، ولم يزل يستشفع عند الشّيخ بأخيار النّاس حتّى قبل الشّفاعة فيه فعفا (٨٦٣)

стр. 986

عنه ورجع وقد التزم الأدب، فأقبل الشّيخ عليه بهمّته فنفعه الله به ونفع الخلق. وكانت عليه مهابة وجلالة ووقار. وكان ذا حظ من الشّعر وعلوم الأدب، نظم منفرجة في الإستغاثة، ونظم (٨٦٤) الضادات (٨٦٥) الساقطة، وامتدح سيدي حسين باي ﵀ بقصائد عديدة، وأجازه عليها، وأجرى له مرتّبات لكلّ سنة، وامتحن بتغريب الباشا (٨٦٦) ﵀ له ولاخوانه الفقهاء حتى عفا عنهم، فمنهم (٨٦٧) من قضى نحبه، ومنهم من عاش ورجع لوطنه، فأقام على نشر العلم وبذله لسائله حتّى أدركته وفاته سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٨٦٨) ودفن بمقبرة شيخه النّوري - رحمهما الله تعالى آمين -. ترجمة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم المزغنّي: وأمّا / الشّيخ سيدي أبي إسحاق إبراهيم المزغنّي - رحمه الله تعالى - فإنّه بعد أخذه عن الشّيخ النّوري ما أخذه ذهب لتونس وتوغّل فيها في علوم المعقول، وهو أوّل من أكثر الإشتغال بالمنطق في صفاقس ولم يكن للنّاس به قوّة إعتناء ولا يأخذون منه إلاّ ما تقام به التّعاريف والأدلّة كإيسا غوجي والسلّم، وكان إشتغاله بمقام سيدي عبد الرّحمان الطّبّاع إلى أن توفّي ودفن بمقبرة شيخه ولم نقف على سنة وفاته. ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي بن خليفة: وأمّا الشّيخ سيدي أبو الحسن علي بن خليفة (٨٦٩) فقد تقدّم ما قال في تعلّمه على الشّيخ، وكان رجلا صالحا تقيّا عفيفا فقيها متكلّما محدّثا مفسّرا واعظا عارفا بعلوم

стр. 987

العربية بأسرها، وبأصول الفقه وفروعه، تفقّه أوّلا بالشّيخ النّوري، ثمّ سافر لمصر ولقي الرّجال (٨٧٠) ورجع لبلده مساكن فأنشأ بها زاوية (٨٧١)، فكانت بقعة مباركة لم تزل عامرة بطلبة الكتاب والسّنّة وبكلّ خير، وأحفاد الشّيخ قائمون عليها فخرج منها فقهاء وصالحون وأنشأ زيتونا كثيرا أوقفه عليها، قال بعضهم: قصدنا الشّيخ بالزّيارة فقالوا لنا: ذهب إلى الغروس بالمكان الفلاني، فذهبنا لنجتمع به (٨٧٢) وكان ذلك عقب مطر، فوصلنا المكان فوجدنا الشّيخ في مكان جالسا يمنع من خروج الماء من الغروس، فلمناه على ذلك، فقال: حبّب إليّ من دنياكم ثلاث: الغروس، وملازمة الدّروس، ومحبّة الملك القدّوس (٨٧٣). وقال - رحمه الله تعالى -: إنتقلت لبرّ المشرق / على رأس القرن الثّاني عشر، فاجتمعت بمشايخ أكابر أجلّة، وأخذت عنهم جملة من العلوم إجازة وحضورا، منهم سيدي محمّد بن عبد الله بن علي الخريشي البحيري (٨٧٤) تلميذ سيدي علي الأجهوري، ومنهم سيدي إبراهيم الشبرخيتي شارح المختصر والأربعين النووية (٨٧٥)، وألف منظومة في التّوحيد (٨٧٦) شرحها (٨٧٧) شيخنا أبو العباس سيدي أحمد الدمنهوري بمصر. وأخذ عنه ﵀ عدّة أفاضل وجمّ غفير من سائر النّاس. فمن جملة الفضلاء نجله الشّيخ ابو العبّاس سيدي أحمد، وابن عمّه الشّيخ ابو العبّاس سيدي أحمد الصغير، والشّيخ المفتي أبو عبد الله سيدي محمّد الهدّة السّوسي، والشّيخ المفتي بتونس

стр. 988

سيدي قاسم المحجوب، والشّيخ المؤقت أبو زيد عبد الرّحمان الغنّوشي السّوسي، وشيخ زاوية أبي إسحاق الجبنياني ﵀ الشّيخ حسين الحلواني، والشّيخ القاضي أحمد بن لطيف، إلى غير ذلك (٨٧٨). ولمّا كان الثاني عشر من ربيع أوّل سنة ثمان ومائتين (٨٧٩) وألف إجتمعت بصفاقس بالشّيخ الحسيب النّسيب الشّريف سيدي عبد الكريم بن أحمد إبن الشّيخ سيدي علي بن خليفة، فوجدته رجلا حسن الصّورة والهيئة والخلق والخلق، آثار الصّلاح عليه لائحة، ليّن الجانب، محبا للعلم وأهله، وله اعتقاد زائد في أهل الخير، وهو ساعة التاريخ شيخ زاوية جدّه، وهي إلى الآن لم تزل عامرة بطلبة الكتاب والسّنّة - جعلها الله آهلة عامرة بأهل الخير والصّلاح، وأعانه / على ما أولاه من نفع العباد، وأجرى الصّالحات على يديه بفضله وكرمه -. ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد كمّون: وأما تلاميذ الشّيخ سيدي أحمد النّوري المقدّمي (٨٨٠) الذّكر، فقد نشروا العلم في حياته وبعد وفاته. فأمّا الشّيخ أبو عبد الله محمّد كمّون، فكان عدلا ثقة عمدة، أخذ عن عدة مشايخ من بلده، وكان في ابتداء أمره من صيادي (٨٨١) السّمك، فمنّ الله عليه بالعلم في كبر سنّه، وليس له رحلة، فنال في بلده أفضل ما ناله غيره في رحلته، نقل عنه أنّه قال: كنت ملازما لمقام الشّيخ السّبتي وتعسّر علي طلب العلم، فقدم علينا رجل مغربي صالح فأسكناه بخلوة الشّيخ السّبتي، فقال يوما: هلى عندكم شيء من قدّيد التّين (٨٨٢)؟ فقلت: نعم، فأتيته منه بما تيسّر، فجعل كلّ يوم يناولني منه ثلاثا، فعل بي ذلك عدّة أيام، ثمّ غاب عنّا فلم يتبيّن (٨٨٣) لنا خبره بعد ذلك، فمن ذلك الوقت

стр. 989

يسّر الله عليّ ما تعسّر. فكان غاية فيما يتعاطاه من العلوم كالعربية، والفقه، والحديث، والفرائض، والحساب. وكان عارفا بالنّوازل (٨٨٤) والأحكام، ماهرا في التّوثيق، ذا نباهة زائدة، وفطنة وقّادة، وهمّة علية لا يعتريه طيش ولا انزعاج. ثمّ (٨٨٥) طلبه أهل بلده بتولّي القضاء بعد ما أيسوا من شيخنا أبي الحسن سيدي علي الأومي - رحمه الله تعالى - فألزموا الشّيخ كمّون وولوه مكرها، فلقيه شيخنا الأومي بعد تولّيه فبارك له (٨٨٦) ودعا له الإعانة والتّسديد، فرد عليه متحسّرا بقوله: / مصائب قوم عند قوم فوائد (٨٨٧)، فكان في أحكامه ذا رزانة وهيبة وشهامة ودهاء، إذا انتصب للقضاء هابه الخصوم، وانقاد النّاس للحقّ بأيسر الأمر. ومن كراهته للقضاء أنّه خرج يوما من مجلس حكمه، فخرج النّاس من أعوان وأصحاب دعاوي حتّى امتلأ الطّريق، فلقيتهم إمرأة فحسبتهم كانوا في جنازة، فقالت لهم: من مات؟ فأجابها الشّيخ القاضي بقوله: مات محمّد كمّون، يعني نفسه (٨٨٨)، فكان فيه إشارة لطيفة لقوله ﵊: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكّين» (٨٨٩)، أو كما قال: غريبة اتفاقية. ثمّ إنّه ﵀ كان واقفا مع الشّرع لا تأخذه في الله لومة لائم، فاتّفق أن تولى حمّودة الغزالي قائدا على البلد، وكان رجلا ظلوما غشوما ذا شدّة وعسف (٨٩٠)، فسعى بالقاضي إلى السّلطان، ولبّس عليه فأشخصه لتونس، وكان الكاتب أبو عبد الله الشّيخ محمّد أبو عتّور إبن خالة الشّيخ كمّون وقرينه من صغره، وتعلّم العلم معه، ونشأ على محبّة أكيدة بينهما، فدافع عنه عند السّلطان، وعرّفه مقامه فعفا (٨٩١) عنه وعافاه (٨٩٢) من القضاء وولاّه الفتوى، ورجع لبلده وقد أثّر فيه الخوف وأصابه رعب باطني نشأ منه أمراض عسر علاجها، فمات سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٨٩٣).

стр. 990

ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد الفراتي: وأمّا شيخنا أبو عبد الله محمّد بن علي الفراتي - رحمه الله تعالى - فكان رجلا صالحا عابدا ملازما لتلاوة الكتاب العزيز، ونشر علوم الشّريعة / ليلا ونهارا، وللغزو في البحر والرّباط. وكان فقيها محدّثا، مقرئا ميقاتيا، واعظا فرضيا، عمدة في التوثيق، له إشتغال زائد بالنحو، وكان من أصدقاء الشّيخ أبي عبد الله محمّد كمّون القاضي، فطلبه أن يكون نائبا عنه في القضاء، فأبى ذلك وأكّد عليه القاضي الطّلب (٨٩٤) فجعل يبكي ويتضرّع وينتخب خوفا من صعوبة المنصب، وما زال يستعفي القاضي من ذلك حتّى عفا (٨٩٥) عنه وعافاه منه. أخذ عن الشّيخ سيدي أحمد النّوري، والشّيخ سيدي محمّد إبن المؤدّب الشّرفي، والشّيخ سيدي أحمد الفراتي، والشّيخ سيدي عبد العزيز أخيه، وغيرهم ممّن أخذ عنهم (٨٩٦) الشّيخ كمّون، فإنّه رفيقه من صغره لكبره. ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد البجّار: وأمّا الشّيخ أبو عبد الله محمّد البجّار فكان رجلا صالحا مكفوف البصر، قرأ على سيدي أحمد النّوري، ومن ذكرنا آنفا، وله قوّة زائدة على تعاطي المختصر، فلا تراه إلاّ ملازما لتعليمه ليلا ونهارا. ترجمة الشّيخ محمّد الخميري: وأمّا الشّيخ أبو عبد الله محمّد الخميري فإنّه تفقّه ببلده بسيدي أحمد النّوري، ومن تقدّم من فقهاء بلده، فكان فقيها مقرئا واعظا محدّثا مفسّرا نحويّا، تورّع أوّلا عن تحمّل الشّهادة وتولاّها في آخر عمره، وكان يقرئ بمقام الإمام اللخمي، ويعظ من الجمعة

стр. 991

لمثلها إلى أن توفّي سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف (٨٩٧)، ودفن مع شيخه النّوري كإخوانه - رحمة الله عليهم وعلى جميع المسلمين -. ترجمة الشّيخ محمّد النّوري: ومن أنجال الشّيخ سيدي أحمد النّوري الشّيخ الصّالح (٨٩٨) ذو الدّين والعفّة والصّيانة / والعقل الرّاجح سيدي أبو عبد الله محمّد النّوري. كان ﵀ عمدة ثقة فقيها محدّثا واعظا عارفا بالعربية والتّوحيد والمنطق، تفقّه بعد أبيه بتونس على شيخنا أبي محمد عبد الله السّوسي، وشيخنا أبي عبد الله محمّد الشّحمي، والشّيخ أبي عبد الله محمّد الغرياني، والشّيخ المفتي سيدي قاسم المحجوب في آخرين من فقهاء تونس، ورجع لصفاقس فعمّر زاوية أبيه وجدّه، وكان رجلا مسلما سلم المسلمون من يده ولسانه (٨٩٩)، ظاهرا وباطنا، ذا عفّة وديانة، وحفظ جانب، وحفظ عهد، لا يعرف التّلبيس والخداع والمراوغة، ظاهره كباطنه، حسن السّيرة والخلق، كان معتزلا عن الخلق إلا بقدر الحاجة إليهم، ولا يعرف للأمراء بابا ولا يوجّه لهم خطابا، تاركا للمناصب على سيرة أبائه، ولا أخذ مرتبا على تعليمه، بل حسبة لوجه الله تعالى، توفّي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وتسعين ومائة وألف (٩٠٠). ترجمة الشّيخ محمّد حامد النّوري: ومن أنجاله الشّيخ أبو عبد الله سيدي محمّد حامد، واحد زمانه عقلا وعفّة وفهما وفضلا، تفقّه بصفاقس بتلاميذ أبيه وجدّه كالشّيخ المكّي، والشّيخ أبي عصيدة والشّيخ البجّار، وأخيه الشّيخ سيدي محمّد، والشّيخ أبي العبّاس أحمد لولو وغيرهم،

стр. 992

فتمكّن من علوم القراءات والتّجويد، والنّحو والفقه، وغير ذلك. ثمّ انتقل لجربة لطلب (مختصر الشّيخ خليل والفرائض والحساب، فأخذ عن الشيخ) (١) أبي إسحاق سيدي إبراهيم ابن الشيخ سيدي عمر (٢) الجمني، ثمّ توجّه / لتونس فأخذ عن أبي عبد الله شيخنا سيدي محمد الشّحمي وغيره من أشياخ العصر بتونس، فكان فقيها مقرئا فرضيا حيسوبيا منطقيا متكلّما واعظا أصوليا متمكّنا من علوم العربية وفنون البلاغة، حسن الخلق والخلق والسّيرة، ذا عفّة وهمّة عالية، لا يرى إلاّ منبسطا مستبشرا متبسّما، ليس بالفظّ ولا بالغليظ الجافي. وهو القائم بعمارة الزّاوية بعد وفاة أخيه أعانه الله على ما أولاه. وكان معرضا عن الأمراء وأبوابهم وعن المناصب وعلائقها، يأكل من كسبه بالفلاحة فأغناه (٣) الله بذلك. ترجمة الشّيخ عبد العزيز الفراتي: ومن أجلّ (٤) أعيان فقهاء صفاقس المتأخّرين الشّيخ أبو فارس سيدي عبد العزيز الفراتي (٥) - رحمه الله تعالى -. تفقّه في صغره بتونس على فقهاء العصر، ثمّ ارتحل (٦) إلى مصر فأقام بها خمسة أعوام يطلب العلم، فلقي الرّجال وأخذ عنهم كالشّيخ أبي العبّاس أحمد البشبيشي الشافعي، والشّيخ القاضي عمر فكرون الشّافعي، والشّيخ أبي عبد الله محمد البنوفري، والشيخ أبي البركات سيدي يحيى الشّاوي (٧)، وذهب معهم إلى القسطنطينية لصدور أمر مطاع من الحضرة العثمانية لفقهاء الأزهر، بإشخاص شيخ فاضل، ولم يعيّن سبب

стр. 993

ذلك، فاجتمع أهل الحلّ والعقد من فقهاء الأزهر من جميع المذاهب وأرادوا تعيين رجل يوجّهونه إلى الحضرة، فكلّما طلبوا واحدا امتنع، وهابوا الأمر إذ لم يعرف / أحد (٨) على ماذا يقدم، فاتّفق رأيهم على تعيين الشيخ الشّاوي، وقالوا فيما بينهم: إن أجاب السّلطان عمّا سأله فرجل من فقهاء الأزهر، وإن عجر فهو مغربي ولا نقص فينا، فإذا عرفنا السّبب أعددنا له من يمشي على بصيرة. وكان الشّيخ الشّاوي ﵀ رجلا بارعا في الأصول والفروع وآداب البحث والصّناعات الخمس، من علم النّظر وعلوم العربية والحديث والتّفسير وغير ذلك ممّا يحتاج إليه النظّار. وكان سريع الجواب، حاد الذّهن والفطنة، يسلك من كلّ باب أراده، فانعقد عليه إجماعهم، فقبل وامتثل، فسار بتلاميذه ولم يفارق دروسه إلى أن بلغ الحضرة الخاقانية، فتلقّاه أهلها بالإجلال والإكرام، وتقدّم للسّلطان - رحمه الله تعالى - وصافحه على مقتضى السّنّة، وكانت العادة تقبيل اليد من السّلطان، فتكلّم بعض من حضر في ذلك وقال: هذا سوء أدب مع السّلطان، ففهم مرادهم وقال: يا سيدي السّلطان عاملتك بآداب الشّريعة المطهّرة، سنّة رسول الله ﷺ والأدب مع السّلاطين هو المحافظة على السّنّة إذ هذا المقام هو الأحقّ بإظهار السّنّة وشعائر الإسلام، ولمّا حصلت السّنّة فشرّفني بمناولة يدك السّعيدة أقبّلها فإني لا أستنكف عن تعظيم من أقامه الله تعالى لحفظ ملّة الإسلام وإذلال أهل الكفر والطّغيان، فعلم السّلطان صدق قوله فعافاه / من تقبيل اليد، وأمره بالوقوف على (ما رسم الشّرع (٩)، وقال: إنّي أحقّ منك بإعزاز هذا الدّين والمحافظة على) (١٠) رسوم الشّريعة (١١) فلا تزيدك المحافظة على السّنّة إلاّ محبّة منّي إليك، ورغبة في لقائك، فأظهر الشّيخ يحيى الفرح والسّرور بمحبّة السّلطان لحماية الدّين وإظهار شعائره وأكثر من دعاء الخير للسّلطان وعساكر الإسلام، فحصل له في ذلك المقام رفعة مقامه، وظهرت (١٢) نباهة شأنه. ثمّ إنّه حصلت له مناظرة مع بعض فقهاء الحنفيّة في عدّة مسائل، ومن جملتها طهارة الكلب التي يقول بها إمامنا مالك ﵀ ورضي عنه - فقال: كيف تقولون

стр. 994

بطهارته مع أنّه ﷺ أمر بغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه (١٣) وما ذلك إلاّ لنجاسته، فأجاب الشّيخ يحيى على مقتضى أصول المذهب من أنّ علّة الطّهارة الحياة وهي حاصلة، والغسل سبعا إنّما هو تعبّد (١٤) إذ ريقه لا يكون أقذر وأنجس من البول والغائط مع أنّه يكفي في طهارة مصابهما زوال اللّون والطّعم والرّيح (غير ما تعسّر من اللون والرّيح) (١٥) ولو زال ما يطلب زواله بغسلة (١٦) واحدة، وطال الكلام في ذلك على (١٧) قواعد الجدل فقطعهم بالحجّة، ووقف (١٨) كلّ مع (١٩) مقتضى قواعد مذهبه. ثمّ إنّ السّلطان ﵀ عرّفه أن السّبب الذي أشخصه له هو أنّ والدته أخرجت صدقة من مالها على فقهاء الجامع الأزهر، [فقال له] فخذها / واصحبها معك للفقهاء ليفرّقوها بينهم، فقال: السّمع والطّاعة، ثمّ قال للشّيخ يحيى: تمنّ (٢٠) ما شئت من الدّنيا لتستعن به على طلب العلم، فقال: لا حاجة لي بشيء إذ يكفيني ما أنا عليه، وكان رجلا زاهدا متقلّلا من الدّنيا غاية، وكانت عليه أثواب المغاربة، وقال: لا أقدر على تغيير ما أنا عليه من أثواب وقوت، وقد ترى في أثوابي بقية فلا أدري أبليها أم أموت قبل ذلك، وعندي (٢١) من القوت ما يسدّ رمقي وما زاد على ذلك فهو فضول يقطعني عن العلم بالله تعالى، فألزم بطلب شيء ولو قلّ إذ في عدم الطّلب من السّلطان مع (إنعامه بالإقبال) (٢٢) الأمر بالتّمنّي إظهار تعاظم وسوء أدب معه بحسب جاري العادة، فقال: إن كان ولا بدّ فاجعلني شيخ (٢٣) الجامع الأزهر، فكتب له بذلك ظهيرا، ورجع لمصر

стр. 995

بما معه، فأوصله للفقهاء ورضوا بما والاه (٢٤) السلطان عليه من مشيخة الجامع الأزهر، فكان كذلك إلى وفاته - رحمه الله تعالى -. ثمّ إنّ الشّيخ الفراتي بعد انقضاء خمس سنين أخذ الإجازات من مشايخه وحجّ حجّة الفريضة وجاور بالحرم الشّريف يقرأ الحديث بالمسجد النّبوي مدّة، ثمّ رجع إلى صفاقس فوجد الشّيخ النّوري سبقه فيها بأربعة عشر عاما، فوجده مجتهدا في طلب العلم، فأعانه على ذلك، وكثرت دروسه حتّى بلغت ثمانية عشر دولة، واشتغل بالعلم في ابن صيّود المقام المشهور. / ولمّا قدم إبراهيم الشّريف لصفاقس عند توجّهه (٢٥) لقتال طرابلس - حسبما مرّ - قصد إلى زيارة (٢٦) الشّيخ النّوري بزاويته، فزار الشّيخ والتمس صالح دعائه فدعا له بالتّوفيق والهداية، ولمّا سمع الشّيخ الفراتي جاء إلى زاوية الشّيخ النّوري، فقام له الشّيخ (٢٧) إجلالا وقام السّلطان لقيامه وسلّم عليه، فقال الشّيخ النّوري للسّلطان: هذا رجل صالح من طلبة العلم، إغتنم بركة دعائه فدعا له الشّيخ الفراتي، ثمّ قال إبراهيم الشّريف للشّيخ النوري: تمنّ ما شئت، فامتنع، فألحّ عليه، فقال: إن كان ولا بدّ فتولية (٢٨) هذا الشّيخ إمامة المسجد الأعظم لأنّ إمامه عجز لكبر سنّه، وكان أئمته قبل ذلك المشايخ الشّرفيين، فقال له السّلطان: إن كان ولا بدّ فلتكن (٢٩) أنت إماما، فاعتذر بعدم القدرة على ذلك، فكتب للشّيخ الفراتي ظهيرا بذلك مشتملا على القيام بمصالح المسجد وولاّه الفتوى، فصار خطيبا إماما مدرّسا بالمسجد الأعظم مفتيا. وتفقّه عليه جماعة فأخذوا عنه كما أخذوا عن الشّيخ النّوري، فمن أعظمهم الشّيخ سيدي محمد إبن المؤدّب [الشرفي] وكان محبّا له غاية فجعله خليفة عنه في الإمامة والخطبة وامتدحه بقصيدة وهي هذه:

стр. 996

[الطويل] أيا لائمي فيم (٣٠) الملامة والعذل ... وقلبي (٣١) من لوع الصّبابة لا يخل [و] دع اللوم واذكر لي حديث (٣٢) أحبتي ... فذكرهم عندي - وحق الهوى يحل [و]- إذا ذكروا يوما طربت لذكرهم ... واهتزّ مثل الغصن يعتاده (٣٣) ميل / أهيم بهم شوقا إذا الصّبح قد بدا ... ويزداد بي شوق إذا جنّني الليل سقوني حميّا حبهم غير مرّة ... ثملت بها سكرا، وما عاد لي عقل حرام على قلبي السّلوّ وإن أبى ... عذول يرى أن السلوّ له حلّ لئن كان يسلو الحبّ من يدّعي الهوى ... فعن حبّ من أهوى - وحقك لا أسل [و] (٣٤) - فلي فيك - يا عين عين الزّمان - محبة ... لها في فمي فرع، وفي مهجتي أصل سميري سامرني (٣٥)، وكرّر حديث من ... بذكرهم يحيا (٣٦) الفؤاد ويبتل أبي فارس عبد العزيز الذي غدا (٣٧) ... له بالفراتي نسبة ذكرها يحل [و] إمام له بين الأئمة منصب وقدر رفيع ... فوق نسر السما يعل [و] (٣٨) حليم، سليم الصدر، لا يستفزه ... سفيه، ولا يغريه من جاهل جهل علا قدره، والعلم يرفع أهله ... ولم لا، وذا يقضي به العقل والنقل (٣٩) فلو أن أهل المجد (٤٠) كانوا فريضة ... لكان لها من أجل عليائه عول

стр. 997

ولو حارت الأفكار في حلّ مشكل ... لكان عليه العقد في ذاك والحلّ هو البحر، بل لا، إنما البحر ماؤه ... أجاج، وذاك السائغ المشرب السّهل إذا ما اشتكت أرض القلوب جهالة (٤١) ... ترى سحبه بالعلم تهمي وتنهلّ خبير بتقرير المسائل عالم ... فصيح له في نطقه المنطق الفصل (٤٢) ولولا إمام النحو نوّه باسمه ... لقال له: أهلا، وأنت لذا أهل أبا فارس من ذا يجاريك في النّهى (٤٣) ... ولو كان في الدنيا له الجاه والطّول بقيت على الأيّام كنزا لأهلها ... وساعدك التّوفيق والعزّ والفضل فدونكها (٤٤) بكرا يشير بنانها ... وترنو (٤٥) إلى علياك أعينها النّجل فلا زلت ينبوع الفضائل كلّما ... تقادم فضل منك يخلفه فضل (٤٦) وله تآليف منها عقيدة على مذهب أهل السّنّة، ومقدّمة في الفقه، وشرح مقدمة (٤٧) السيوطي (٤٨) في النّحو، واختصر سيرة الحلبي، وله ديوان خطب، وتوفّي ﵀ سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف (٤٩). ترجمة الشّيخ الولي عبد الله الجمّوسي: ومن أجلّ من أخذ عن الشّيخ الفراتي الولي الصّالح سيدي عبد الله الجمّوسي. كان أوّلا من عامة النّاس يبيع الفحم، فحصل له جذب إلاهي فتعلّم القرآن في

стр. 998

كبر سنّه، وتفقّه على الشّيخ الفراتي وأضرابه من فقهاء بلده، فلازم على الشّيخ الفراتي قراءة مختصر الشّيخ خليل سبع عشرة ختمة فتمكّن من الفقه، وغلب عليه الجذب، فأقبل على تعليم القرآن العظيم، وسنّة النبيء الكريم، وكانت تأتيه البوادي، يتعلّمون منه ويتوبون على يديه. ونظم المختصر وألفية في النّحو قال فيها: فائقة ألفية السيوطي لكونها وافرة الشروط، إلاّ أنّ وزن نظمها غير محرّر، فلذا تركت تأليفه. وكان يفرّ من تولية المناصب والأحكام جهده، فأنزل فيه أهل البلد أمرا من السّلطنة على أن يحضر مع الفقهاء مجلس يوم الخميس لفصل ما يصعب من نوادر الوقائع على عادة فقهاء البلد، فكان يحضر ويشدّد في الأحكام ويعارض القضاة والفقهاء بحسب إجتهاده نصرة للحقّ، فتأذّوا منه فأتوا بأمر من الحضرة بتونس على منعه من الحضور، فكان بعدها يقول: نعم البلد، ونعم السّور، ونعم النّاس لولا ما فيها من المداهنة، ويقول لشيخه الفراتي: يا سيدي كنت مجاب الدعوة ونستقي بك الغمام، فمنذ تولّيت الأحكام (٥٠) / زال ذلك السّرّ منك. وترك الجمعة فترك الفقهاء وما هم فيه، وأقبل على التّعليم رافضا للدّنيا (٥١) وأبنائها وأمرائها. وكان صلبا في الدّين لا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت يده مباركة في شفاء المرضى كتابة ورقيا، مستجاب الدّعوة حتّى نزول المطر وقت القحط والشدّة، جاءه بعض البوادي بثلاثة أحمال زكاة حبوبه (٥٢)، فردّه وقال: لا آكل أوساخ الخلق هو يرزقني من حيث لا أحتسب، فمن ثمّ تقلّل من الدّنيا واقتصر على أدنى القوت. وخرج ذات يوم لخدمة جنانه الذي يقتات منه فلقيه بعض تلاميذه من الأعراب وهو يبيع جلبا من الغنم فقال: إلى أين يا سيدي؟ قال: إلى الجنان، فقال: أتعبت (٥٣) نفسك في شيء قليل الجدوى، فقال الشّيخ: وأنت ما تصنع هنا؟ قال: أبيع جلبا أنتفع بمكسبه، قال له: تخسر فيه مائة ريال من رأس مالك، فكان كذلك. قيل كان يقري الأنس والجن، توفي ﵀ سنة نيف وأربعين ومائة

стр. 999

وألف (٥٤) بعد ما تفقّه به خلق كثير، وقبره مزار متبرّك به - رحمه الله تعالى -. ومن جملة من أخذ عن الشّيخ الفراتي ثلاثة من أولاده: أبو العبّاس أحمد، وأبو فارس عبد العزيز، وأبو زيد عبد الرّحمان، فأخذوا عنه في حياته، وقام مقامه في الخطبة والإمامة والتّدريس الأوّلان شركة بينهما. ترجمة الشّيخ أحمد الفراتي: فأمّا الشّيخ أبو العبّاس سيدي أحمد الفراتي كان رجلا صالحا تقيّا عفيفا فقيها محدّثا خطيبا واعظا مفتيا، / وكان حسن الخطبة والوعظ. قال الشّيخ أبو عبد الله سيدي محمد السعداوي - وكان من الصّالحين المتصوّفين -: والله ما أحبّ الإقامة بصفاقس إلاّ لخطبة سيدي أحمد الفراتي، ووعظ أبي عبد الله محمّد المراكشي. توفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع وأربعين ومائة وألف (٥٥). ترجمة الشّيخ عبد العزيز الفراتي: فاستقلّ أخوه الشّيخ أبو فارس عبد العزيز الفراتي بالإمامة والخطبة والتّدريس وتولّى الفتوى، وكان محدّثا مقرئا مؤقّتا ذا حظّ من علوم الدّين فصيحا في خطبته، ذا قدرة على إنشاء الخطب، متقلّلا من الدّنيا لا يأخذ شيئا على فتواه، ليّن الجانب محبّبا معظّما عند النّاس، وكان ملازما لمقصورة المسجد الأعظم، فدخل عليه يوما الشّيخ سيدي إبراهيم ابن حمامة القروي، وكان جزّارا له مكاشفات وإشارات فقال له: السّلام عليك يا منديل، فتغيّر الشّيخ من ذلك وانقبض، فقال له: يمسح الناس فيك أوساخهم وينسبون إليك أشياء كثيرة يوسّخونك بها. فلمّا كانت سنة خمس وستين ومائة وألف (٥٦) قدم الحاج محمّد السيالة (٥٧) من طرابلس، وكان القائد بصفاقس إبن أخيه محمد السيالة (٥٧)، فلم يقم بحقّ عمّه،

стр. 1000

فاغتاظ عليه، فلمّا وصل لتونس دخل على الباشا (٥٨) ﵀ فذكر له أشياء من قبائح إبن أخيه إخترقها خارجة عن مجاري السّنّة والسّياسة، وأنّ النّاس منه في مقاساة (٥٩) شدائد (٦٠) ولا يقدرون على رفع الشكوى فاستشاط غضبا، فكتب لقاضي / البلد أبي العبّاس الشيخ أحمد لولو ﵀ وللشّيخ الخطيب، وأمرهم بإحضار الخاص والعام وسؤالهم عن محمّد السيالة وإرسال ما انفصل عنه أمر النّاس، فاجتمع النّاس، فأمّا أصحاب النّعمة فسكتوا وخافوا من العواقب، وأمّا الفقراء فأظهروا الشّكوى بالقائد وعدم لياقته وطلبوا عزله، وأمّا جماعة القائد ومن ينتمي إليه فقالوا: لا بأس به وإنّه مصلح، وانفصل المجلس على اختلاف الكلمة وعدم اتّفاق، فتحيّر الخطيب والقاضي وعلموا أن الحقّ مع الفقراء وعامّة النّاس، فطلب القائد منهما جوابا على مقتضى ما قاله جماعته من حسن سيرته، فازداد الشيخان تحيّرا وقالا له: نذهب بأنفسنا ونعرّف الباشا مشافهة بما وقع ونظره أوسع، فأيس منهما، وكتب وسيّر بريدا للكاتب أبي زيد الشّيخ عبد الرّحمان البقلوطي، وكان نافذ القول عند الباشا، فوقف على الكتاب وعلم ما فيه، وعيّن رجلا من رجاله يقف بباب تونس ليأتيه بالشّيخين إذا قدما قبل وصولهما للباشا، ففعل، فلمّا اجتمعا بالكاتب أمرهما الكاتب بالرّجوع لبلدهما، فاعتذرا إليه بالخوف من الباشا، فقال: أنا أكفيكما، فرجعا فنهض من له عداوة عليهما وقال: قد أصبت مقتلهما، فتجهّز لتونس وعرّف الباشا ولم يذكر الكاتب خوفا منه، فطار الباشا غضبا وذكر أمورا لا ينبغي نسبة مثلها (لأقلّ حال منهما فضلا عن مثلهما) (٦١) ولكن جفّ القلم ومضى الحكم / لأمور قدرها (٦٢) بديع السّماوات والأرض، فأحضر الشّيخان وعنّفهما فلم يقدرا على ردّ الجواب خوفا من ضرب الرقاب فلمّا سكن بعض غضبه أمر بهما لبيت الحانية سجن خفيف رفعا لمقامهما عن مقام غيرهما لنسبتهما للعلم الشريف، ولقد ذهبت إليهما أسلّيهما فرأيت الشيخ الخطيب صابرا معتمدا على الله، ورأيت على الشيخ القاضي آثار الخوف فصبّرتهما، ودعوت لهما بحسن العاقبة والصّبر الجميل والإستغاثة بالله، ثمّ عزل الشيخ (٦٣) القاضي من جميع مرتّباته ومن العدالة حتى من مرتّب التّجويد بالمدرسة، كما عزل الخطيب (٦٤) عن الجامع وجميع وظائفه، فبقيا بتونس معزولين، فلم تمض أشهر

стр. 1001

قلائل إلاّ (وقد ثارت فتنة يونس مع أخيه والباشا أبيه) (٦٥) فأمر الباشا (٦٦) بإطلاقهما فنزلا على القائد أبي عبيد، فأكرم نزلهما وأحسن مثواهما لما يعرف من فضلهما حين كان قائدا قبل محمّد السّيالة بصفاقس، فكان بعض النّاس (٦٧) يرى أنّ محنة الباشا جرت عليه من إمتحانهما ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٦٨). ثمّ لم تنفصل الفتنة إلاّ وقد حضرت منيّة الشّيخ الخطيب ﵀ فنقل لبلده سنة نيف وستين (٦٩). وأطلق سراح القاضي ورجع إلى بلده. وألّف الشّيخ الخطيب عدّة تآليف لم تشتهر، وأخذ عنه عدّة تلاميذ ممّن تقدّم نسبتهم لسيدي أحمد النّوري وغيرهم كأولاده الثلاثة: الشّيخ أبي عبد الله محمّد / وتولّى القضاء ثمّ الفتوى وتوفّي على ذلك، والشّيخ أبي زيد عبد الرّحمان وتولّى الخطابة والقضاء ثمّ الفتوى، وتوفّي على ذلك، والشّيخ أبي محمد سيدي عبد السّلام. ترجمة الشّيخ عبد الرّحمان الفراتي: ولمّا كانت سنة تسع وستين ومائة وألف (٧٠)، ولّى الباشا - رحمه الله تعالى - الخطبة الشّيخ أبا زيد سيدي عبد الرّحمان أخا الشّيخ الخطيب الذي عزله الباشا وردّ عليه جميع مرتبات أخيه، وكان رجلا غلب (٧١) عليه الإعراض عمّا فيه النّاس، فينسج القماش بيده فيقتات من كدّ يمينه، وكان فقيها واعظا محدّثا خطيبا مفتيا رقيق القلب، قلّما (٧٢) خطب إلاّ وبكى (٧٣). له معرفة بالسّير والأخبار وأحوال النّاس، وأكثر انكبابه (٧٤) على علوم الحديث، فشرح مسلم بشرح مات وهو في مسودّته، وبيض منه نسخة لسيدي علي باي إبن سيدي حسين ﵀ وشرح عقيدة والده، وجعل حاشية على موطّا إمامنا مالك ﵀ (٧٥). وتوفّي أواخر شعبان سنة إحدى وثمانين ومائة وألف (٧٦).

стр. 1002

ترجمة الشّيخ عبد السّلام الفراتي: فتولّى بعده ولده الشّيخ الحاج حمّودة، فقام مقام والده في جميع مرتّباته شركة أبناء عمّه إلى أن انتقل بالطّاعون إلى رحمة الله تعالى سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٧٧)، فاستقلّ بالخطبة والإمامة والتّدريس الشيخ سيدي عبد السّلام إبن الشّيخ الخطيب عبد العزيز وولي القضاء من قبل ذلك، فكان إماما خطيبا مدرّسا قاضيا، وله رياضة ولين جانب وسياسة وتحمّل لجفاء الجفاة، وإعراض عن اللغو وسقط (٧٨) / الخصوم، فلذا طالت مدّته في القضاء، - وفّقنا الله وإياه (٧٩) لما يحبّه ويرضاه، وأجرى الصّالحات على يديه -. وممّا جرى من الصّالحات على يديه مصلّى (٨٠) الرّبط فإنه (٨٠) مضى عليه (٨٠) سنون متطاولة معطّل عن إقامة الصّلاة بها إلى سنة سبع ومائتين وألف (٨١) وكان أوقف عليه المعلّم علي عباس صاحب إنشاء السّفن بعض رباع، وجعل النّظر في ذلك لأعقابه (٨٢)، فاجتمع من غلال الوقف مال تخاصموا عليه وعطّلوا الصلاة بالمصلّى، فانتبه له الشّيخ القاضي فرتّب له من يصلّي به وأحياه بعد دثوره أثابه الله على ذلك. ترجمة الشّيخ محمّد بن المؤدّب الشّرفي: ومن أجلّ أعيان فضلاء صفاقس وفقهائها الشّيخ الفاضل والهمام الكامل معدن العلوم وإكسيرها وكاشف أسرار الحقائق وتحريرها شيخ الطّريقة والحقيقة سيدي محمّد الشّرفي إبن المؤدّب - رحمه الله تعالى - وأعاد عليّ وعلى المسلمين من بركاته وصالح دعواته. كان - رحمه الله تعالى - رئيسا في علوم الدّين من فقه، وحديث، وتفسير، وقراءة، وتوحيد، وعربية بأنواعها، وأصول فقه، وسير ومغاز، وغير ذلك. تفقّه بصفاقس على الشّيخ النّوري والشّيخ الفراتي (٨٣)، ثمّ انتقل لبرّ المشرق فأخذ

стр. 1003

عمّن لقي من مشايخ الجامع الأزهر كالشّيخ العمدة الثقة المتقن المتفنّن الفهّامة الحيسوبي الفلكي صاحب الزيج المعروف، نادرة وقته أبي العبّاس سيدي أحمد الشّرفي (٨٤) الصّفاقسي نزيل مصر / فأخذ عنه ما معه من علوم الرياضي، وأتقن معرفة أعمال الأرباع الجيبية والمقنطرة، وانفرد في صفاقس بتلك الصناعة، فأخذها عنه (٨٥) كثير من النّاس. ولمّا ظهر فضله وصلاحه إبتنى له السّلطان المرحوم برحمة الحيّ القيّوم سيدي حسين باي مدرسة بصفاقس قرب المسجد (٨٦) الأعظم فكانت على قلبه ﵀ ظاهرة النور، يجد داخلها سرورا وبهجة، فرتّبه (٨٧) بها وعمرت بطلبة العلم من أهل الوطن (٨٨) وغيرهم ولمّا كما بناؤها أنشأ أبياتا تشتمل على تاريخ بنائها فقال: [الكامل] سعد الزّمان وأشرقت أنواره ... وبدا (٨٩) السّرور وهذه آثاره بحسين بن عليّ الباي (٩٠) الّذي ... طابت بطيب فعاله أخباره يا حبّذا للعلم مدرسة بنى ... بصفاقس فعلا (٩١) بذاك مناره فاقت (٩٢) برونقها البديع وحسنها ... روضا تضوع نوره وبهاره في عام شوقك للبنا تاريخها (٩٣) ... يا من سما بين الملوك فخاره لا زلت أهلا للفضائل والعلا ... ما دام دهر ليله ونهاره

стр. 1004

وقال أيضا: [البسيط] لله درّك يا فخر الملوك ومن ... غدا بمهجته للخير ملتمسا أنشأت للعلم في ذا العصر مدرسة ... تحيي بها من علوم الدّين ما اندرسا حسين بن عليّ الباي أسّسها ... من لم يزل لضياء المجد ملتمسا في عام (٩٤) خير ونصر أصل نشأتها ... أكرم بأصل بذاك (٩٥) العام قد غرسا (٩٦) وكان - رحمه الله تعالى - جيّد النّظم والنّثر إلاّ أنّ غالب نظمه في الجدّ / من مدح أهل الفضل من مشايخه ومشايخ عصره، واستغاثات وقواعد فلكية وأدبية وغير ذلك. وجرت بينه وبين شيخه الفراتي محاجّة وأجوبة، وامتدح الشّعراء ومدحوه فمن ذلك ما مدح به أبا دينار (٩٧) شاعر تونس ذلك الوقت فقال: [الوافر] وقائلة أرى الأيّام ولّت (٩٨) ... وأعقب حسن (٩٩) بهجتها الذّبول وأودى كلّ ذي أدب ولبّ ... وساد (١٠٠) الغمر فينا والجهول فناداها الزّمان وقال: كلاّ ... ضللت إذا (١٠١)، وقد وضح السّبيل ثكلتك ها أبو دينار أضحى ... له بين الورى ذكر جميل له أدب يحيّر كلّ لبّ (١٠٢) ... ويدهشه (١٠٣) إذا أنشأ يقول له في مضمر (١٠٤) البلغاء شأو ... بعيد ليس تدركه (١٠٥) الفحول إذا ابتدروا لنيل المجد فيه ... أبا دينار أنت له كفيل

стр. 1005

فإن طلعت لهم فيه نجوم ... فشمسك فيه ليس لها أفول لقد أصبحت في ذا العصر شمسا ... تضيء بك البصائر والعقول عليك تحيّة ما فاح روض ... وما مالت غصون أو تميل (١٠٦) فلمّا بلغ أبا دينار ذلك أجابه بقوله: [الوافر] لمثلك ما يقال ولا مثيل ... أهذا (١٠٧) الفخر والعقل (١٠٨) الجميل أيا قمرا تبدّى في علاه (١٠٩) ... لرائيه، وليس له وصول (١١٠) ومن أحيى وحيّر في نظام ... علاه الفخر والفضل الجليل بعقل تحسد العقلاء عنه ... ونقل قد تحيّر له العقول إذا الفصحا [قد] (١١١) اشتهروا بقول ... فأنت القصد تعلم ما تقول إليك تشد أزمّات المطايا ... ونحو (١١٢) حماك قد نزل الرّعيل / وفي شرف المعالي أنت شمس ... لناظرنا تلوح، ولا أفول! بنو الشرفيّ إن فرضوا لمجد ... فريضتهم بمجدك قد تعول سقا قبر الذي أبقاك (١١٣) فينا ... من الرحمات وابلها هطول وأسقى فرعه بالجود حتى ... يميل لنا وعنّا لا يميل متى نحظى بوصل واجتماع ... ونهنا (١١٤) فلا كتاب ولا رسول وإن أمّت بنا حال وحالت ... علمنا الودّ منك (١١٥) لا يزول تعيش على الدّوام بكلّ خير ... لك التّوفيق والعمر الطّويل مودّة من مضى في النّاس ماتت ... وأحياها لنا الحبر النّبيل (١١٦) وقد فسح الله في مدّته حتّى ألحق الأبناء بالآباء، وأخذ عنه خلائق لا يحصون، فمن ذلك الشّيخ المفتي أبو العبّاس سيدي أحمد الشرفي، ونجله سيدي حسن، وأخذ عنه

стр. 1006

أنجاله أيضا وجميع من ذكر من تلاميذ سيدي أحمد النّوري، وأمّا أهل الأوطان فلا يحصون كثرة، ولقد أدركته ﵀ وهو شيخ مسنّ أزهر اللّون، حسن الوجه، عليه جبّة خضراء، وعمامة الفقهاء إلاّ أنّها لطيفة، وهو عاجز عن المشي إستقلالا فيعتمد على العصا، وقد يركب على حمار عند خروجه من داره للمدرسة، فلا أدري أكان ذلك لكبر سنّه أو ليبس عرض في أعصاب رجليه. توفّي - رحمه الله تعالى - سنة سبع وخمسين ومائة وألف لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة (١١٧). وبعد الفراغ من دفنه دخل النّاس للمدرسة وقرأوا عليه ختما ثمّ تكلّموا على من يتولّى المدرسة فاتّفقوا على إبنه أبي العبّاس الشّيخ سيدي أحمد / فجعلوا فيه وثيقة، وشهد فيه أناس كثيرون بصلوحيته لذلك، وكتبت الوثيقة ورفعت لقاضي الوقت ليطبع فيها فأبى، قيل لرغبته في تولّيها، فذهب الشّيخ سيدي أحمد بها لتونس من غير طبع (١١٨) ودخل هو وشقيقه الشيخ سيدي طيّب على الباشا (١١٩) وأخبراه بموت الشيخ والدهما وطلباه في توليتهما المدرسة (فولّى الشيخ) (١٢٠) سيدي طيب (١٢١) لشهادة شيخه شيخنا أبي محمّد عبد الله السّوسي فيه، فرجع سيدي أحمد وأقام بالمدرسة مقام أخيه، وبقي الشيخ سيدي طيّب بتونس إلى أن قضى مآربه بها وختم كتبه التي ابتدأ قراءتها على مشايخه، ثم قدم إلى صفاقس - حسبما يأتي إن شاء الله تعالى -. ترجمة الشّيخ أحمد الشّرفي: ومن أجلّ أعيان فضلاء صفاقس الشّيخ أبو العباس سيدي أحمد الشّرفي إبن الشيخ الخطيب المفتي أبي عبد الله محمد إبن الشيخ الخطيب المفتي حسن الشرفي. كان ﵀ من نوادر الزّمان، أخذ عن الشّيخ سيدي محمّد إبن المؤدّب وتمكّن من علوم الدّين، فكان إماما هماما عمدة ثقة، فاق أهل العصر في الفتاوي والأحكام والتّوثيق والفرائض والحساب واستحضار جزئيات الفقه، فهو غصن تأصّل عن أصل أصيل (في ذلك) (١٢٢) فهو من بيت علم تمكن أصلا وبسق غصنا، عاش بعد أقرانه (من

стр. 1007

فقهاء إفريقية) (١٢٣) فحاز الرئاسة فيما ذكر من أوصافه، وسارت فتاويه وتوثيقاته في بلاد إفريقية، ولا يفتي إلاّ بمشهور المذهب، فاعتمده النّاس / وقبلوا كلامه حتى في العاديات (١٢٤) لصحّة نظرة ودقّة فكره، فاعتمدوه في أمر دينهم ومعاشهم. وكان حسن الخلق والسّياسة والسّيرة، يعود المرضى ويشيّع الجنائز ويهني (١٢٥) بالخير ويودّع المسافرين ويدعو لهم بالسّلامة، ويقبل الشّكوى، ويسعى كثيرا في إصلاح ذات البين لجميع الخلق، وقلّ من أدخله في حكومة وخالفه أو خرج عن إشارته لما يعلمون من نصحه للفريقين، بعيد عن الميل والجور في الحكم، يعفو عن المسيء ولا (١٢٦) يؤاخذ الجاهل ويعظه، فأقبلت القلوب عليه، وتوجّهت الرّغبات إليه، وكان حسن الإعتقاد، ملازما لدراسة دلائل الخيرات والنّظر في كتب الحديث ومناقب الصّالحين. وقد حضر بين يديه ذات يوم خصمان فوقع بينهما لجاج (١٢٧) وخصام، وكان بين يدي الشيخ الجامع الصغير للحافظ السيوطي، فرفع أحد الخصمين يديه وضرب بهما على نسخة الجامع الصّغير وقال: إن وقع منّي كذا وكذا فلا أقوم من هنا إلاّ على أشرّ الحالات، أو ما (١٢٨) هذا معناه، فما استتمّ كلامه حتّى صرع وغاب عقله واعوجّ فمه، ورفع إلى داره فبقي كذلك أشهرا (١٢٩)، واستمرّ به كذلك (١٣٠) إلى الممات - عافانا الله من ذلك - فمن ذلك الوقت كثر خوف النّاس منه وصاروا يقولون للشّيخ: أعطنا الكتاب الذي حلف به فلان نحلف به فلم يجبهم لذلك. وقد نقل أنّه لمّا كان صغيرا أوان تعلّمه العلم دخل على الشّيخ الصّالح المجذوب سيدي محمّد عبّاس (١٣١) - نفعنا الله به - وهو بجنانه المجاور له، فوجد / الشّيخ عبّاس يشرب الدّخان، فلمّا وصل إليه ناوله الدّخان وأمره بشربه فأبى ذلك لما يرى في الظّاهر

стр. 1008

من أنّه دخان فاجتنبه تورّعا لما وقع فيه من اختلاف الأيمة، فلمّا رجع إلى والده عرّفه بما وقع له مع الشّيخ، وكان والده حسن الإعتقاد في أهل الخير سيما والشّيخ مجاور له مطّلع على أحواله، فقال له: يا بنيّ إذا ناولك مرّة أخرى فاقبل منه وافعل ما يأمرك به فلعلّ الله يفتح عليك، (فإنّ الشّيخ يشربه دخانا ظاهرا) (١٣٢) والله أعلم بما يكون عليه في باطن الأمر لأنّ أحوال الأولياء تخفى على أهل الظّاهر، فأثّر كلامه في قلبه تأثيرا عظيما ميلا للخير وطمعا في العلوم الموهوبة من الله كما قال القائل: [الهزج] رأيت العلم علمين ... موهوب ومكسوب (١٣٣) ولا ينفع مكسوب ... إذا لم يك موهوب كما لا تنفع الشّمس (١٣٤) ... وضوء العين مسلوب فلمّا اجتمع بالشّيخ عبّاس مرّة أخرى وناوله الدّخان إنتهز (١٣٥) الفرصة لما رأى على آلة الشرب أثر ريق الشّيخ فالتقمه بهمّة ونيّة صالحة عملا بوصيّة والده، فلمّا شرب قال له الشّيخ: زد، فزاد، ثمّ قال له: زد، فزاد، وكرّرها (١٣٦) ثلاثا، ثمّ قال: فيه بركة، فقال الشّيخ: وفيه البركة وكرّرها ثلاثا، فمن ثمّ ظهرت منه ينابيع العلم بأمور خارقة للعادة فيما قصده ممّا هو بسبيله من علوم الفقه والأحكام والتّوثيق والفرائض وما يتبع ذلك من علوم الدّين حتّى فاق أهل العصر ممّن كدّ وتعب وكدح (١٣٧) أكثر منه أضعافا مضاعفة ببركة الإعتقاد في الشّيخ. وكان - رحمه الله تعالى - امتحن بما امتحن به إخوانه الفقهاء - رحمة الله عليهم أجمعين -، أشخصهم الباشا (١٣٨) - عفا (١٣٩) الله عنه - من أوطانهم، وذلك أنّه

стр. 1009

لمّا وقعت الفتنة بينه وبين سيدي حسين (١٤٠) - رحمه الله تعالى - واختلفت النّاس، فسعى بعض أهل الشّرّ من كلّ بلاد بفقهائهم (١٤١)، فأقاموا بتونس حتّى أطلق الله سراح من طال عمره، ومن عجلت منيّته إنتقل لرحمة الله (١٤٢)، ولمّا أشخص الشّيخ سيدي أحمد صاحب التّرجمة ظهرت فتاويه بتونس واشتهر فضله وتبيّنت نزاهته من كلّ سوء، وبلغ ذلك للباشا فعفا (١٣٩) عنه وأذن له في الرّجوع لوطنه على ما كان عليه (١٤٣) من فتواه وسراحاته. وكانت ولادته ﵀ آخر المائة الحادية عشرة وأوّل الثّانية عشر (١٤٤)، وتوفّي برمضان سنة خمس وتسعين ومائة وألف (١٤٥) وأنشد في تاريخه نجله الشّيخ أبو العبّاس سيدي أحمد قوله: [مجزوء الرّجز] هذا الضّريح قد حوى ... جسما لعالم عظيم مفتي الأنام المرتضى ... أحمد ذو القلب السّليم الشّرفي كان في ... حياته غوث اليتيم وقائما مجتهدا ... في طاعة الله الرّحيم وبات (١٤٦) لمّا أن قضى ... مجاور الرّب الكريم فقلت في تاريخه ... سيرا لجنّة (١٤٧) النعيم

стр. 1010

ترجمة الشّيخ أبي محمّد حسن الشّرفي: وأمّا ولده الشيخ أبو محمّد سيدي حسن الشرفي فكان (١٤٨) - رحمه الله تعالى - عمدة ثقة متفنّنا متقنا متمكّنا من علوم العربية بأنواعها، وعلوم الفقه وأحكامه، والحساب والفرائض والقراءات والأصلين، والحديث والتفسير، والمغازي والسير، وتخطيط البسايط والمنحرفات، وغير ذلك من علوم الفلك والميقات، / وبالجملة فهو (١٤٩) أقوى تركيبا من والده إلاّ أنّ الفضل للمتقدّم. وبعد ما تفقّه بصفاقس إرتحل إلى تونس في طلب العلم، فأخذ عن شيخنا سيدي عبد الله السوسي، والشيخ سيدي محمد الغرياني، وشيخنا سيدي قاسم المحجوب، والشيخ المكودي (١٥٠) وأخذ القراءات عن الشيخ السبعي المقري، وأخذ إجازات المشايخ، ورجع إلى صفاقس بما معه من العلوم، فولّي خطبة الجامع الأعظم، سنة خمس وستين ومائة وألف (١٥١)، فقام بوظيفة الجامع حقّ القيام من خطبة وصلاة وتدريس وتوقيت وغير ذلك، ورتّب به عدّة مدرّسين وحلقات لقراءة القرآن العظيم سيما برمضان بعد صلاة التراويح إلى صلاة الصبح، وبقي كذلك إلى سنة تسع وستين (١٥٢) - حسبما مرّت الإشارة إليه - ثمّ ولّي القضاء كرها عليه، ولمّا أراد الأمير توليته إمتنع إمتناعا كليا وقال له: يا سيدي لا أتولّى القضاء لأنه ليست وظيفة آبائي وأجدادي وإنّما وظيفتنا الفتوى والخطابة، وكيف يكون أبي مفتيا وأنا قاضيا، فقال له: إنّا نريد أن نجمع في داركم بين الفتوى والقضاء، فامتنع، فقال له: إن لم تقبل طوعا تقبل كرها فقبل ثم طلب الخروج منه لصعوبة المقام وهوله (١٥٣) لكثرة لجاج الخصوم وتلبيسهم. ومن غريب ما اتّفق له في أيّام قضائه أنّه أجّل رجلا في حقّ عليه لمّا ادّعى

стр. 1011

العسر، فلمّا حلّ الأجل وطلب صاحب الحقّ حقّه وأحضر خصمه، قال له الشيخ القاضي: قد انقضى أجلك فاقض الحقّ الذي عليك، فإذا بالرجل الذي / عليه الحقّ إستلقى على الأرض كالميت، وقال: أشهد أن لا إلاه إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله ﷺ وقال: لمّا انقضى أجلي فما بقي لي غير النطق بالشّهادة مغالطا للشّيخ في قوله بحمله على أبعد محامله، وكان الرّجل صاحب قواعد في الكلام، وكان البلاء موكلا بالمنطق، فلم تمض أيام يسيرة إلاّ وقد انقضى أجل حياته فمات، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ولمّا قدم الأمير للقيروان وجاءه النّاس من الأوطان على ما كان الأمراء عليه في سالف الزّمان جاء الشيخ القاضي مع جماعة أهل البلد متطلّبا الخروج من القضاء، فجعل لقدومه تاريخا في بيتين مقتبسا آية من القرآن وهما: [الرمل] الهناء يا أمير المؤمنين (١٥٤) ... بقدوم لديار الصّالحين (١٥٥) فابشروا قد جاء في تاريخكم ... ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (١٥٦) وذلك سنة إثنتين وسبعين ومائة وألف (١٥٧)، فسرّ الأمير بذلك وعجب به وأبى أن يقيله من القضاء فلم يزل بعد ذلك يردّد الطلب برفع اليد حتى آن الأوان وفرغ ما كتب له فطلب فأسعف بمطلوبه، وولّي منصب الفتوى مع أبيه، فقام به حق القيام كقيام أبيه من قبل، ولمّا مات والده انفرد بالفتوى، ولم يزل كذلك إلى أن حضرته منيّته شهيدا بالطّاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (١٥٨). وكان ﵀ وجد ثلاثة أبيات لبعض الأدباء في استخراج المجهول وهي هذه: [الطويل] وهبت له ثلثا من العمر كاملا ... وربعا وسدسا ثمّ قام (١٥٩) فأعرضا / فقال: قليل، قلت عندي زيادة ... فزدت إليه نصف سدس الذي مضى فخلّف لي عشرين عاما أعيشها ... فكم كان أصل العمر إن كنت مفرضا؟

стр. 1012

هذا العمر مائة سنة وست سنين وثمانية أشهر، فلذا أجابه الشيخ القاضي ببيتين من البحر والقافية والضرب والعروض فقال: [الطويل] وهبت له ستّين عاما وثلثها ... وستة أعوام وثلثين فارتضى (١٦٠) ولو كنت ذا حبّ سليم وصادق ... لكنت إليه في الجميع مفوّضا ترجمة الشّيخ أحمد بن محمّد الشّرفي: وأمّا أنجال الشّيخ سيدي محمد إبن المؤدب فأكبرهم الشّيخ أبو العباس سيدي أحمد الشرفي إبن المؤدّب كان - رحمه الله تعالى - عمدة ثقة، تفقّه بأبيه وأخذ عنه صناعة عمل الأرباع فكان فيه غاية، فهو ميقاتي، حيسوبي، فرضي، فقيه، متمكّن (١٦١) من علوم العربية وعلوم الدّين. ولّي القضاء سنة خمس وستين ومائة وألف (١٦٢)، فكان صادعا بالحقّ لا تأخذه في الله لومة لائم (١٦٣)، ولصعوبة المقام والقيام بالحقّ وشدّة لجاج الخصوم (١٦٤) وكثرة أهل (١٦٥) الباطل طلب المعافاة من القضاء فلم يعف منه، فضاق بذلك ذرعا، ودعا الله أن ييسّر خروجه من القضاء ولو بالموت، فاستجاب الله له فسافر لتونس سنة ثمان وستين ومائة وألف (١٦٦)، فأدركته منيّته عند شقيقه الشيخ عبد السّلام بالمدرسة المرادية، فأتي به في تابوته لبلده، فدفن بإزاء أبيه. وكان - رحمه الله تعالى - حسن الخلق والخلق، محبّا للفقراء والقرّاء والأولياء والصالحين، ليّن الجانب في غاية، فلم تلقه إلاّ ضاحكا وكذا أخوته / كلّهم بهذا الخلق، طبيعة طبعهم الله عليها، وكلّهم عدول موثّقون يعتقدهم الناس ويحبّونهم. وكانت وفاة أبي عبد الله سيدي محمد وسيدي عبد السلام سنة تسع وتسعين ومائة وألف (١٦٧)، شهيدين بالطاعون.

стр. 1013

ترجمة الشّيخ طيّب الشّرفي: وأمّا الشّيخ (١٦٨) أبو الشذى (١٦٩) سيدي طيّب الشّرفي فقد كان ﵀ إماما في علوم الدين، عمدة، ثبتا، حجة، متقنا، متفننا، أحد نوادر الزمان زهدا وصلاحا، فاز من العلوم الأدبية بالقدح المعلّى من جميع أنواعها، وأما الفقه والحديث والتفسير والقراءات والتجويد والأصول والتوحيد والفرائض والحساب فحدث عن البحر ولا حرج، وأخذ من المنطق الحظ الأوفر، والحاصل أنّه ﵀ كان كاملا في مشيخة السنة. وكان في ذاته حسن الخلق والخلق، والهيئة والسيرة، حليما كريما محبّبا عند النّاس، نفّاعا لخلق الله ببذل العلم لسائله، موفقا مدقّقا في تقريره، وهو القائم بالمدرسة بعد أبيه. وكانت رحلته لتونس فأخذ عن شيخنا سيدي عبد الله السّوسي، وشيخنا سيدي قاسم المحجوب، (والشيخ الغرياني، وأخذ التّجويد عن الشيخ) (١٧٠) السّبعي المقري في آخرين من مشايخ العصر بتونس. وكان ﵀ راغبا عن المناصب كلّها، فطلب أوّلا هو والشّيخ سيدي حسن المفتي - المقدّم الذّكر - أن يكونا كاتبين عند الباشا ﵀ وأرسل إليهما فذهبا إليه / فطلبهما في ذلك فامتنعا، وطلب هو أيضا أن يكون قاضيا فامتنع، فجعل أهل البلد فيه وثيقة أنّه يصلح بنا للقضاء وشهدوا فيها (١٧١) أنّه لا يصلح إلاّ هو، وأرادوا توليته كرها عليه، فقال لهم: إن أردتم خروجي من بينكم خرجت وولّوا (١٧٢) من يصلح غيري بكم فكفوا عنه. وكان في ابتداء أمره قد يتحمّل بعض الشهادات ثمّ ترك ذلك واقتصر على بثّ العلم ونشره، ونصح الخلق وتعليمهم، فاعتقده كافّة النّاس، وأخذ عنه خلائق لا يحصون كثرة كالشيخ أبي العباس سيدي أحمد إبن الشيخ سيدي أحمد الشّرفي المفتي، والشيخ أبي عبد الله محمد المغربي، والشيخ أبي الحسن علي ذويب الشاعر، والشيخ أبي عبد الله سيدي محمد الزّواري أحد شيوخنا، والشيخ أبي عبد الله محمد المصمودي

стр. 1014

القاضي، والشيخ الأديب الشاعر أبي إسحاق إبراهيم الخرّاط، والشيخ أبي زيد سيدي عبد الرّحمان بكّار، والشيخ أبي العباس أحمد المصّمودي إبن الشيخ عبد الرّحمان، والشّيخ سيدي الحاج طاهر المحجوب، والشيخ علي البقلوطي، وكان عدلا، والشيخ سيدي قاسم بن عاشور الجمّالي، والشيخ أبي عبد الله محمّد بن عاشور، والشّيخ فرج ابن عاشور، مع خلائق من قصور السّاف والوطن لا يحصون، وكذا شيخنا أبو عبد الله محمد الدّرناوي والشيخ أبي عبد الله محمد حمزة، وأخذ عنه أيضا نجلاه / وأبو زيد سيدي عبد الرحمان، وأبو عبد الله سيدي محمد الشرفي إبن الشيخ سيدي حسن المفتي - المقدّم الذّكر - فهؤلاء مشاهير أصحابه وأكثرهم لنشر العلم في حياته وبعد وفاته. وممّا أنشده تلميذه أبو إسحاق سيدي إبراهيم الخرّاط - أبقى الله مهجته (١٧٣) - عند ختمه للشفاء للقاضي عياض بقصيدة وهي هذه: [الطويل] عليّ بمن أهوى حديث الشّفا قصّوا ... وعن شرح تهيامي (١٧٤) ووجدي به نصّوا حديث غرامي في هواه مسلسل ... ومرسل دمعي لا يقيّده ربص يصحّح يأسي منه فتكة لحظه ... كأن له في كلّ جارحة شقص كأنّ له ثان (١٧٥) على كلّ مهجة ... كأنّ له حقّ، كأنّ له نصّ وتطمعني فيه زخارف لفظه ... كأنّ [له] على جلب القلوب له حرص علقت به ريّان من ما شبا به ... وفي مهجتي من نار وجنته لقص أسيل المحيّا يخجل البدر طالعا ... وللشّمس منه وهي مشرقة رهص (١٧٦) فلا عيب فيه غير لدن (١٧٧) نوابه ... وفي ردفه ثقل تباهي به الدّعص وفي ريقه شهد وفي ثغره لمى (١٧٨) ... وفي لحظه سحر وفي فرعه عقص نسيت وما أنسى عتابا على النّوا ... ورتجه (١٧٩) مصغ ما (١٨٠) له بعدها ربص وحلو حديث بالعتاب مردّد (١٨١) ... عفيف فلا لثم يريب ولا مصّ سقى ورعى ربعا ونيلا (١٨٢) تشفّيا ... من الوصل حتّى كان يفضحنا (١٨٣) القرص

стр. 1015

طرقت خلال الحيّ خطوي مقصّر ... ولفظي ومن أهوى على سرّنا مقص أصاحب (١٨٤) قلبا لا يذلّ وصارما ... له كلّما قد سلّ من غمده وبص (١٨٥) أجوب به ديمومة تذعر (١٨٦) القطا (١٨٧) ... فليس بها إلاّ اليعافير والدّرص (١٨٨) أمانا أمانا أيّها الفاتك الّذي ... على كلّ قتلى لحظه ما له نكص بنا قد (١٨٩) سعت ناس فصدّق ظنونهم ... كما زعموا أنّي بوصلك مختصّ فثغرك أنّي لم أكن من جناته ... فما لك بالهجران مني تقتصّ قطعت يدي منه (١٩٠) ولست بسارق ... لدرّه فاعلم إنما يقطع اللّصّ سأوجد عن حتفي بحبك محفة ... وها عند شيخي طيّب الشّرفي النصّ (١٩١) هو الطيّب ابن الطّيب الطاهر الذي ... غدا فوق فرق (١٩٢) الفرقدين له قنص هو السيّد المهتزّ صارم فكره ... لقرع العويصات التي ما لها نصّ تجاذب أيدي فكره كلّ شارد ... عن الذهن حتى يستبين (١٩٣) له لحص (١٩٤) وجيز فصيح ماهر شمس (١٩٥) محضر ... على درسه كلّ البرية تنتصّ تراهم لديه من إفادته لهم ... حروف سطور في الطّروس قد التصّ [وا] كما الهيم (١٩٦) حول الورد ذات ازدحام أو ... لواحظ عشّاق على الحسن تكتصّ أسيّدنا يا منبع العلم والتّقى ... أثرت منار العلم فهو بكم يخصّ فدم أيّها الحبر السّنيّ السّور (١٩٧) ذا (١٩٨) ... فخار وبالعلياء والفضل تختصّ فمهما بدت من (١٩٩) حاسد لك (٢٠٠) لفتة ... تبدّى (٢٠١) لنا في جيده عند ذا (٢٠٢) وقص ولو في بنان (٢٠٣) الدّهر كلّ كريمة ... بدت خاتما (٢٠٤) ضاءت فأنت لها فصّ

стр. 1016

ولو أن شمس الأفق باهت بنورها ... دراري السّما ودّت لوانت لها قرص أمولاي دم فخرا وعزا (٢٠٥) وسؤددا ... فأنت الذي عن كلّ مجد له (٢٠٦) حرص بختم الشفا هنيت فلتبد ساحبا (٢٠٧) ... ذيول علا منها عليك غدت قمص فيا لك من حبر كشفت نكاته ... لنا فغدا في كلّ علم لنا شنص (٢٠٨) جزاك جزاء الله عنا بفضله ... نعيما بفردوس لولدانه قفص خدمت بمدحي روض مجدك مذ (٢٠٩) رأيت ... عن خدمة العلم الشريف لك الفحص فإنّك يا فخر الورى بحر سؤدد ... لفكري فيه عن لآلي الثنا غوص فدرّ مديحي فيك منه التقطته (٢١٠) ... وما كان إلاّ النضد (٢١١) لي فيه والوص ولو كان في وسعي جذبت النّجوم كي ... أحلّي بها مدحي لكم ولها رقص فها بنت (٢١٢) فكري غادة قد توشّحت ... بدرّ ثناء لم يحصه العدّ والخرص فخذها عروسا مهرها صالح الدعاء منك ... وشرطي لا يلاحظها خصّ عليك سلام الله ما هبّت الصّبا ... بروض وغنّى (٢١٣) فيه ورق له كصّ وصلّ وسلّم يا إلاهي على النبيء والآل (٢١٤) ... والأصحاب بالفضل قد خصّ [ـوا] ولم يزل مرضي السّيرة طيّب السّريرة إلى أن حضرته الوفاة شهيدا مبطونا يوم ثلاثة عشر خلت من رجب الحرام سنة ثمان وتسعين ومائة وألف (٢١٥) فقرأ ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢١٦) وأوصى أن يصلّي عليه تلميذه الشيخ سيدي أحمد بن سيدي أحمد بن حسن لما اعتقد فيه من الصلاح والفضل، وكان ذلك إشارة والله أعلم إلى توليته مشيخة المدرسة فكان ذلك، ثمّ تشهد شهادة الحقّ، وفارق الدّنيا - رحمه الله تعالى - وخرج خلف جنازته خلق ملأ الفضاء، ورثاه تلميذه الشّيخ علي ذويب بمرثية طويلة قرأها عند سرير نعشه قبل الصلاة عليه وهي هذه:

стр. 1017

[الكامل] ريب (٢١٧) المنون من البريّة دان (٢١٨) ... ورداه لم يظهره (٢١٩) منه يدان عجبا (٢٢٠) له أردى ولم يك (٢٢١) ذا يد ... ومهنّد صمصامة وسنان لم يثنه عن حكمه الجاري على ... غير المراد من الخليفة (٢٢٢) ثان بالله عاتبه على وثباته ... وثباته (٢٢٣) فيها الفظيع الجان أرأيت كيف دهى فهال فهاج (٢٢٤) في ... كلّ القلوب فوادح الأحزان ولمحت بدرا (٢٢٥) كيف سار مشيعا ... في الجوّ بالأملاك للرّحمان والنّاس طرّا حوله ودموعهم ... فاضت على الوجنات والأذقان ما لي أرى الأجفان غير قريحة ... والدّمع منها غير أحمر قان وعلام فارق لعننا (٢٢٦) دارا (٢٢٧) غدت ... مثوى النكاد وطارق (٢٢٨) الحدثان ليست بدار للقرار ولا لما ... ترجوه من أمن ونيل أمان كم نغّصت (٢٢٩) عيشا وكم قد فرّقت ... بين امرئ وأليفه المتدان وكم اغتدت (٢٣٠) وبدت مخادعة لمن ... قد أعجبته ولا خداع روان (٢٣١) تنمو فجائعها وتأتي بغتة ... كالصّلّ (٢٣٢) يكمن في الزهور لجان (٢٣٣) أبناؤها (٢٣٤) أحنت (٢٣٥) عليهم فاغتدوا ... صرعى بخالية من السّكّان ويل امرئ تلفيه مغرورا بها ... متلهّفا (٢٣٦) بوبالها الفتّان وتراه مسرورا بمن هو شائد ... لقصوره فيها ومن هو بان

стр. 1018

أبغض بها من مستقرّ نوائب ... ومحلّ أكدار ودار هوان أين الوصيّ مدينة العلم الرّضى ... والشّيخ ذو النّورين والشّيخان والأصبحيّ الفرد مفتي طيبة ... وعليهما (٢٣٧) المثني على النّعمان وأخو المكارم نجل إدريس الّذي ... قد سار للفسطاط من بغدان والمهتدي الصوفي مفخر (٢٣٨) حنبل ... والسيّد الحنفي والأخوان (٢٣٩) وبنو (٢٤٠) الحسين الأتقياء أولو الهدى ... والشيخ عبد القاهر الجرجان (٢٤١) والأشعريّ الشيخ والقاضي أبو ... بكر وسعد الدّين والعمران والسيّد السّند الفصيح لسانه ... والمرتضى عمرو أبو عثمان وأبو المعالي والإمام وجعفر ... والزاهد القرنيّ (٢٤٢) والحسنان (٢٤٣) / والسادة الأشراف من ملكوا الدّنا ... وحووا مناهم من بني (٢٤٤) مروان (٢٤٥) أيرى (٢٤٦) التّسلّي بالّذين ذكرتهم ... عن شيخنا في حيّز (٢٤٧) الإمكان لا والّذي أهدى لمن حملوا له ... ذاك السرير موفّر الغفران (٢٤٨) وأفاض - جلّ - على الألى معه مشوا (٢٤٩) ... ما راق من عفو ومن رضوان (٢٥٠)

стр. 1019

إن حلّ ذا الشيخ الجنان فكلّنا (٢٥١) ... يمسي لأشقى (٢٥٢) الحرق في (٢٥٣) نيران (٢٥٤) نحن الذين ننوح (٢٥٥) من فقدانه ... نوح الحمام على قضيب البان ونبين شجوا (٢٥٦) مجريا فوق الثرا ... دمعا يرى متواصل الفيضان (٢٥٧) بلدي صفاقس قد بدت لبّاسة ... ثوب الحداد (٢٥٨) بذلك الفقدان مرّت مفاخر مجدها ولطالما ... زهيت به وجلت على بلدان (٢٥٩) ما لي أرى سكّانها لم يسلبوا (٢٦٠) ... ألبابهم ويروا ذوي هذيان (٢٦١) يا أيّها الموت الذي بهجومه ... تبدي النّفوس نوى عن (٢٦٢) الأبدان هلاّ تركت أبا الشّذا أستاذنا ... الفهّامة العلاّمة الصّمدان شيخ المشايخ طيّب من فضله ... ذكراه طيّبة بكلّ مكان الخيّر الشرفيّ والهادي الذي ... ما إن له بين البرية (٢٦٣) ثان (٢٦٤) المهتدى لعقائد أثنى على ... تحريرهنّ تقدّس الديان (٢٦٥) خلت الديار من المعارف مذ خلت (٢٦٦) ... من ربّها النقّالة المعوان (٢٦٧)

стр. 1020

الطّاهر الآباء والآراب والأحلام ... والإخوان والخلاّن والأثوب البيض الّتي هبّ الشّذا ... منها على الأذيال والأردان ببيان منطقه البديع ونحوه ... ذكر الفتى البصريّ والشيخان وبفقهه الكرديّ أصبح صيته ... مستخرجا من ربقة النّسيان قد شاذ مذهب مالك وأبانه ... بعد اندراس رائق البنيان ودرى معارف بعد (٢٦٨) عشر قد مضت ... من سنّه لم يدرها الشّيخان أبدى وجوها للحديث بديعة ... خفيت عن العينيّ والكرمان وأبان (٢٦٩) حفظا فائقا (٢٧٠) ذا فطنة ... هزأت بفطنة أحمد الهمدان حبر ترحّل غير معتوب (٢٧١) ولا ... متصنّع أشر ولا منّان ومضى أبرّ مهذّب فهم أخا ... غلب (٢٧٢) إلى أسنى التّقى حنّان ومضى لطيفا طبعه ذا همّة ... شادت له للفخر خير منان (٢٧٣) أحيى بمبدع نحوه وببثّه ... فيمن تطلّبه أبا حيّان وأتى بمختار الخلاصة منه في ... درس أنار مفاخر الحيّان (٢٧٤) وألاح منطقه البديع بيانه ... نقدا لما انتخبوه في (٢٧٥) الميزان (٢٧٦) لهفي عليه أغرّ أفضل سيّد (٢٧٧) ... ذي سؤدد من دونه النّسران ندب بديع (٢٧٨) رثائه فرض على ... كلّ امرئ للشّعر (٢٧٩) غير معان حسّان أشعار تسرّ وطالما ... سرت فنون الشعر من حسّان لهفي على ذا الشّيخ طيّب الرضا ال ... ـشّرفي فخر أفاضل الأزمان طاب الثّناء عليه ذا (٢٨٠) حسن به ... في خجلة كم قد بدى الغمران كم مستفيد ذاد عنه ضلالة ... بهدى حجاه السّاطع البرهان (٢٨١)
следующие страницы →