← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يستخرج منها غرائب الرّخام الذي كان عضادة أبواب الدّور وغيرها، ويحمل منه الحكّام ما يحتاجون إليه، ولم يبق من هذه المدينة بناء قائم على وجه (٥٦) الأرض إنما يستخرج الرخام من تحت الأرض. ولقد حاول (٥٧) بعض الأمراء هدم هذا الحصن عقوبة لأهله فخسر أموالا فائتة الحصر، ولم يؤثر فيه شيئا فعجز عنه، وتركه ومسافة ما بين صفاقس والجم خمسون ميلا (٥٨). جمال: ومنه إلى جمال ثمانية وعشرون ميلا، / وهي بلدة عظيمة كثيرة الزّيتون، وإصابة الشّعير والحنطة، وبها سوق في الجمعة يوم السبت، يقصد من كل مكان، ويباع به كل شيء، وللناس به اعتناء للتجارة. ومن جمّال لسوسة ثمانية عشر ميلا (٥٩). المهدية: ومن صفاقس إلى المهدية مرحلتان، وكانت (٦٠) مدينة ذات حطّ وإقلاع للسفن الحجازية القاصدة إليها من بلاد المشرق، وسفن المغرب والأندلس، وبلاد الرّوم، وغيرها من البلاد، وإليها تجلب البضائع الكثيرة بقناطير الأموال على مر اللّيالي والأيّام، (ثم انقطع ذلك بعد اخراب الإفرنج لها كما يأتي - إن شاء الله تعالى -) (٦١) وهي ممّا أحدثه عبيد الله المهدي فسمّيت باسمه، وهي في نحر البحر، وهي من القيروان على مرحلتين، وكانت فيما سلف كثيرة السفّار والتجّار، مقصودة بالبضائع من سائر الأقطار، وتجارتها نافقة، والهمم على أهلها موقوفة، وإليها راجعة، ولها حسن مبان، نظيفة المنازل، وديارها حسنة، وحمّاماتها جليلة وبها خانات كثيرة، وهي في ذاتها حسنة الداخل والخارج بهية المنظر، وأهلها حسان الوجوه، نظاف الثّياب، ويعمل بها من الأكسية الحسنة الرقيقة الجيدة، المنسوبة إليها ما يحمل ويتجهّز به إلى جميع الآفاق،

стр. 107

في كل وقت / وكل حين ما ليس يقدر على عمل مثله في غيرها من البلاد والأمصار لجودته وحسنه، وشرب أهلها من المواجل (٦٢) وآبارها غير عذبة وكان يحيط بها سور حسن مبني من الحجارة، وعليها بابان من حديد لفّق بعضه على بعض من غير خشب، وليس يدرى في معمور الأرض مثلهما صنعة ووثاقة، وهما من عجائبها الموصوفة (ولم تكن) (٦٣) لها جنّات ولا بساتين، وإنما يجلب إليها من قصور المنستير ما تحتاجه من الثمار، وبينهما في البحر ثلاثون ميلا. والمنستير قصور ثلاثة يسكنها العبّاد والصلحاء والأعراب لا تضرهم في شيء من شجرهم ولا من عماراتهم (لأنها محل رباط وعبادة، والمنستير سيأتي اسم من عمل عليها سورا) (٦٤). وكان أهل المهدية يدفنون موتاهم بالمنستير (تبركا بها) (٦٥) يجلبونهم في الزوارق إليها فيدفنوهم بها، ثم يعودون إلى بلدهم، (ولم تكن) (٦٦) بالمهدية جبانة معروفة. (وفي المهدية كانت وفاة الإمام المازري - رحمه الله تعالى ونفعنا به - ومنها نقل للمنستير) (٦٧). وكانت المهدية مدينتين إحداهما المعهودة (٦٨) والثانية زويلة، فالمهدية يسكنها السلطان وجنوده وبها قصره الحسن البناء العجيب الإتقان، والارتقاء (وكانت قبل استيلاء الإفرنج عليها) (٦٩) بها طيقان الذهب / التي تفتخر بها ملوكها. وفي «خريدة العجائب» (٧٠): ولها أبواب من حديد في كل باب ما يزيد على مائة قنطار ولما بناها وأحكمها قال: الآن أمنت (على الفاطميين) (٧١) ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٧٢).

стр. 108

وكان (٧٣) بمدينة زويلة الأسواق الجميلة، والمباني الحسنة والشّوارع الواسعة والأزقّة الفسيحة، وأهلها تجّار مياسير نبلاء، ذوو أذهان ثاقبة، وأفهام ذكية، وجل لباسهم البياض. ولهم همم في أنفسهم وملابسهم، وفيهم (٧٤) الجمال، ولهم معرفة زائدة في التجارة وطريقتهم حميدة في المعاملات. ولهذه المدينة أسوار عالية حصينة جدا (٧٥) تطيف بها من جميع جهاتها البريّة والبحريّة، وجميعها مبني بالحجارة، وفيها فنادق كثيرة، وحمّامات جمّة، ولهذه المدينة من جهة البر خندق كبير يستقرّ به ماء السماء، وبخارجها من جهة غربيها حمى كان قبل دخول العرب لأرض إفريقية وإفسادهم لها (في أيام صنهاجة كله) (٧٦) جنّات وبساتين بجميع الثمار العجيبة والفواكه الطيبة، ولم يبق منها بهذا الحمى شيء (ثم تراجع الأمر في هذا الأعصار، وكثرت بها بساتين الفواكه والزيتون الذي في غاية الجودة / وكثرة الإصابة) (٧٧). وبمقربة من هذه المدينة قرى كثيرة، ومنازل وقصور، (ورباطات للعبّاد يطول تتبعها) (٧٨)، وسكّانها بواد (متحضرة) (٧٩) لهم زروع كثيرة، ومواش وأغنام، وأبقار، وإصابات كثيرة من الزروع، وبها زيتون كثير، يعتصر منه زيت طيّب يعمّ سائر بلاد إفريقية. (وقد اندرس أكثرها لاستيلاء مفسدو البوادي عليها، والمهدية قاعدة بلاد إفريقية وقطب مملكتها في سالف الزمن. فأما زويلة فلم يبق لها أثر، وأما المدينة المعهودة فقد أخربها الإفرنج، على يد الحسن آخر الملوك الصنهاجيين (٨٠) - حسبما يأتي ذلك إن شاء الله - وهي الآن تعد من القرى، وسيأتي لها مزيد بيان - إن شاء الله تعالى -) (٨١).

стр. 109

نفزاوة: ولنرجع (٨٢) الآن إلى نفزاوة فنقول: إن مدينة سبيطلة كانت مدينة جرجيس ملك الروم الأفارقة، وكانت من أحسن البلاد منظرا، وأكبرها قطرا، وأكثرها مياها، وأعدلها هواء، وأطيبها ثرى، وكان بها بساتين وجنّات فافتتحها المسلمون في صدر الإسلام، وقتلوا بها ملكها جرجيس كما يأتي. ومنها إلى مدينة قفصة مرحلة وبعضها. ومنها إلى القيروان سبعون ميلا. القيروان: والقيروان أم أمصار / وقاعدة أقطار (أسسها الصّحابة الأخيار - رضي الله تعالى عنهم وعني بهم -) (٨٢) فكانت أعظم مدن المغرب قطرا، وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا، وأوسعها أحوالا، وأتقنها بناء، وأربحها تجارة، وأكثرها جباية، وأنفقها سلعة، وأنماها ربحا، (وهي مأوى الأولياء والصالحين، والأتقياء العابدين ممن غلب عليه) (٨٣) التمسّك بالخير، (والعلم والعمل) (٨٤) والوفاء بالعهد، والتخلي عن الشبهات والمحظورات، ومنبع العلوم والولاية والصّلاح والهداية، فهي لأهل المغرب أصل كل خير، والبلاد كلها عيال عليها، فما من غصن في الآفاق المغربية مطلقا إلا منها علا، ولا فرع في جميع نواحيها إلا عليها ابتنى، فضلها ظاهر على جميع البلاد، وإليها ينتمي فضلاء جميع العباد، كيف لا ومنها خرجت علوم المذهب، وإلى أئمتها كل عالم ينتسب، ولا ينكر هذا الفضل خاص ولا عام، ولا يزاحمها في هذا الفضل أحد على طول الأمد والأيام، (قال سيدي أبو إسحاق الجبنياني) (٨٥) - نفعنا الله به وبأمثاله آمين -: القيروان رأس وما سواها جسد. ما قام بردّ الشّبه والبدع إلا أهلها، ولا قاتل وقتل على

стр. 110

احياء السنّة إلا أئمتها، فجزاهم الله عنّا وعن المسلمين أحسن الجزاء، اللهم انفعنا بمحبّتهم واحشرنا يا ربّنا / في زمرتهم وأعد علينا من بركتهم (٨٦). ولما اختلفت الأمراء وانتقلت الدّولة تسلط عليها أهل البغي والفساد من البرابر والبدو والشيع، فتوالت عليها الحوائج حتى بكت عليها العيون وقرحت القرائح لما صارت ملعبة لأهل الطغيان والفجور، فتسلطوا عليها بالتخريب والتثريب، فلم يبق بها (٨٧) من أصول أخيارها إلا النزر القليل مستضعفين، واستولت عليها أخلاط بغاة، أجهر الناس عصيانا، وأكثرهم طغيانا، وكذا شأن كل بلاد يضعف أخيارها، ويطغى فجارها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قيل انها سترجع إلى ما كانت عليه وهيهات. (أما عمارة الأسواق وسعة الأرزاق فهي - والحمد لله - قد تراجعت بعض تراجع. وأما العمارة وسعة البلاد فإلى الآن ما رجعت لأنه قيل أن المسجد الأعظم كان بها وسطا، وهو الآن في ركن من أركانها. وأما العلم فبعيد أن ترجع كما كانت، ولكن فضل الله واسع وليس لما يعطي الله مانع، وسيأتي ذكر شيء ممّا نالها من المحن فيكون كالشرح لما ذكر) (٨٨). ومياه (٨٩) القيروان قليلة وشرب أهلها من فساقي بني الأغلب، فمنها الماجل الكبير، وهو من عجيب البناء لأنه مبني على تربيع، وفي وسطه بناء قائم كالصومعة، وذرع كل جهة / منه مائتا ذراع، فيمتلئ كله ماء إذا سالت الأودية. والقيروان كانت مدينتين إحداهما اسمها القيروان، والثانية صبرة، (وهي في دولة صنهاجة الذين بنوها) (٩٠) كانت دار الملك، قيل كان فيها من أيام عمارتها ثلاثمائة حمّام، وأكثرها للديار وباقيها مبرز للناس قاطبة، وهي الآن خراب، ليس بها ساكن، وعلى ثلاثة أميال منها قصور رقادة الشاهقة الذري الحسنة البناء، الكثيرة البساتين والثمار، وبها كانت الأغالبة تربع في أيام دولتهم، وزمن بهجتهم، وهي الآن خراب لا ينتظر جبرها. (والقيروان لا يحتاج لوصفها بكثرة الحنطة والفلاحة لأنها مشهورة بذلك، وأما اللّحوم والعسل والسمن والزيت فأمر خارج عن الوصف، وثمارها من غيرها لأن الفتن لم

стр. 111

تبق لها أشجارا تنتج ثمارا، لكن فيما يجلب إليها من غير [ها] كفاية جعلها الله دار بركة، وحماها من كل فتنة، وأكثر فيها الأخيار، وطهّرها من الأشرار) (٩١). تونس: ومن (٩٢) مدينة القيروان إلى مدينة تونس مرحلتان وبعض مرحلة بسير القوافل، وهي مدينة في غاية الحسن تحيط بها من جميع جهاتها فحوص ومزارع الحنطة والشعير، وهي أكبر غلاّتها، وكان عليها سور تراب / وثيق ولها أبواب ثلاثة وجميع جنّاتها ومزارع بقولها في داخل سورها، (ولم يكن) (٩٣) لها خارج السور شيء يعوّل عليه، والعرب تجاور أرضها وتأتي بأنواع الحبوب إليها، والسمن والعسل ما يكفي أهلها غدقا، ويعمل بها من الخبز وأنواعه ما لا يمكن عمله في غيرها من البلاد. ومدينة تونس في ذاتها قديمة واسمها في التواريخ ترشيش (٩٤). ولما افتتحها المسلمون وأحدثوا بها البناء سمّوها تونس. (وكان) (٩٥) شرب أهلها من آبار شتّى لكن أعظمها قدرا، وأعلاها سرا، ماء بئران احتفرتهما بعض سيدات (٩٦) المسلمين ابتغاء الثواب، وهما في نهاية من سعة القدر، وكثرة الماء، هذا ما ذكرها به في النزهة (٩٧). (وأقول: إن تونس - حرسها الله تعالى من كل سوء - هي الآن كرسي إفريقية ولا كرسي بها غيرها، إذ هي مقرّ ملكها ودار سلطانها، وجميع ما ذكر من أوصاف الحسن لغيرها، من بهجة الدنيا والعلماء والصلحاء والملوك والخيرات، والمتاجر، والعزة والنخوة والمراكب والأرزاق وكل شيء يذكره اللسان (٩٨) في سائر البلاد، احتوت تونس في عصرنا هذا منه على الحظ الأوفر ويكفي في وصفها أن السفار قالوا: لم ير الرّاؤون مثلها، والنفوس فيها راغبة، والطباع إليها مائلة، والخارج / منها يعد نفسه بالرجوع إليها،

стр. 112

واسمها مشتقّ من الأنس، فهو اسم طابق مسمّاه، وهي وان أصابها من نوائب الدّهر من الهرج والمرج ما أصاب غيرها إلا أنها بفضل الله تنقضي فتنتها في أقرب حين، وترجع إلى أحسن ممّا كانت عليه من الوثاقة والتمكين. وأما مراكب التّجارة من جميع الأقطار من بر الإسلام وجميع بلاد النصارى فأمر معلوم مشهور، وأما حسن البناء ونزهات الطرقات، ونظافة الثياب، وجمال الصّورة ذكرانا وإناثا، وحسن الأصوات، ونجابة الخيل المسوّمة، فهي بذلك مشهورة، وكذا أنواع الطيب فهو بها تجارة (٩٩) واستعمالا أكثر ممّا بغيرها، ولا سيّما عطر الورد الذي لا نظير له في معمور الأرض، وأكثر عمل أهلها عمل القلانس المسمّاة بالطاقية (١٠٠)، فهو شيء فاقوا به على أهل الأرض قاطبة حسنا وإتقانا، فكم حاول أهل المغرب وأنواع النصارى قريبا منه فما قدروا (١٠١)، ومنها يحمل ما يعمّ أقطار الدنيا. فإن ملوك الأرض لا يلبسون إلا منها (١٠٢)، ولهم فيها (١٠٣) حذق زائد وافتخار بين صناعها، وإن أحدهم يخدم فيها باتقان، وحسن صنع وصبغ، ولو تعيّن عليه الخسران (١٠٤) خوفا من سقوط اسمه، ولا يخرج صنعه إلا وعليه ختمه وعليهم (أمناء) (١٠٥) يرجع إليهم فيما يختلفون فيه من ضرورات الصنعة. وأما العلوم من معقول ومنقول ولا سيّما فقه الإمام مالك - رضي الله تعالى عنه - وكذا المنطق والكلام، والعلوم الأدبية العربية، فحدث عن البحر (١٠٦)، وهي وإن

стр. 113

أصابها هذه المدة طاعون جارف آخر المائة الثانية عشرة (١٠٧) ونقصت عمّا كانت عليه إلا أن الله جعل البركة فيمن بقي، وفي أهلها اعتقاد في أهل الفضل (١٠٨) والخير، ولا سيّما أموات الصالحين، ولهم لطف بالخطاب وحسن سياسة، وآداب مشهورة، والمسؤول من الله تعالى أن يحميها وجميع بلاد الإسلام من عيون (١٠٩) سوء، وأن يؤمن أوطانها وينصر سلطانها، ويجري الصّالحات على يديه، ويبصّره لمصالح الخلق، ويعينه على نصرة الحق، ويجنّبه أهل الطّغيان والفجور، ويحول بينه وبين كل رذيلة ونقيصة وغرور آمين، امين، امين، ورحم الله من قال آمين، فإن هذا دعاء ينفع البلاد والعباد، ويقمع آثار أهل البغي والفساد) (١١٠). وتونس (١١١) في وسط جون (داخل من البحر في البر على نحر بحيرة) (١١٢) عرضها أكثر من طولها فطولها ستة أميال وعرضها ثمانية أميال، ولها فم يتصل بالبحر وهو المسمّى فم الراعي (١١٣) وهي لم تكن قبل (وإنما احتفرها سيدنا حسّان بن النعمان الغسّاني، وذلك أنه لما أجلى / الكفّار عن افريقية جعلوا يغيرون على رادس ومن به من المسلمين بالمراكب، وليس عند المسلمين مراكب يلاقون بها العدو، وكان استقراره بالقيروان، فانتقل لرادس يرابط ويحرس المسلمين، وكتب بذلك إلى عبد الملك (بن مروان) (١١٤) وأرسل مع كتابه أربعين رجلا من أشراف العرب يخبرونه بما نال المسلمين من الجهد، فعظم ذلك عليه فبعث عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، وهو أميره على مصر، فأمره أن يوجّه إلى حسّان ألف نبطي وألف قبطي يستعين بهم، فجمّلهم عبد العزيز في البر، (وسار بهم) (١١٥) فلما وصلوا إلى حسّان أثبت كثيرا منهم في رادس، وفرّق كثيرا منهم في مراسي

стр. 114

افريقية، وأمر عبد الملك حسّان أن يخرق البحر إلى تونس من جهة رادس، وكان موضع البحيرة الآن، على ما ورد في التواريخ، مزارع وبساتين، فحفره حفرا وخرقه إلى دار صنعتها، وأنشأ فيها مراكب، فكان يغير فيها على ساحل الروم، فشغلهم بأنفسهم عن الإغارة إلى افريقية، وكان صفة حفره أنه جعل) (١١٦) سعة (١١٧) هذا الحفر نحو من أربعين ذراعا، وعمقه أيضا نحو من أربع قيم، وقعره طين ثم أجرى ماء البحر في ذلك الحفر، فعلا على الحفر حتى جاوز أعلاه بربع قامة وأكثر (١١٨) إلى أن بلغ الماء حدّه، فوقف، وعند آخر هذا الحفر يتّسع الماء ويعمق، ويسمّى ذلك الموضع وقور / وإليه تصل المراكب الحمّالة فترسي هنالك، ويتّصل فيض الماء في البحر المحفور إلى مدينة تونس، فهو على نحر البحيرة وأوساق المراكب تفرغ بوقور في زوارق صغار، وتعوم في أقاصير الماء إلى مدينة تونس، ودخول السفن من البحر إلى البحيرة لا يكون إلا واحدة بعد واحدة لأن سعة الفم (١١٩) لا تحتمل أكثر من ذلك (وهو المسمّى بحلق الوادي) (١٢٠). قرطاجنة: ومن هذا الفم إلى (١٢١) مدينة قرطاجنّة في جهة الغرب ثلاثة أميال ونصف، ومدينة قرطاجنّة الآن خراب، والمعمور منها قطعة يسيرة مرتفعة تسمّى المعلّقة، يعمرها ناس من العرب يسمّون بني زياد، وكانت قرطاجّنة في أيام عمارتها من غرائب البلاد لما فيها من عجائب البناء، وإظهار القدرة في ذلك، وكان بها الطياطر (١٢٢) التي ليس لها نظير في مباني الأرض قدرة واستطاعة، وهي من بناءات الروم الأفارقة، وذلك أن هذه الطياطر هي بناء مستدير فيه نحو من خمسين قوسا قائمة في الهواء سعة كل قوس منها أزيد من ثلاثين شبرا، وبين كل قوسين سارية وعضادتان، وسعة

стр. 115

السارية والعضادتين أربعة أشبار ونصف، وتقوم على كل قوس من هذه الأقواس خمسة أقواس، قوس على قوس، صفة واحدة وبناء واحد من الكذان (١٢٣) الذي لا يجانسه شيء في الجودة أو فوق كل قوس / من هذه القسي حجر دائر، وقد صورت في الحجر الدائر على القسي السفلى أنواع من الصّور، وضروب من التماثيل العجيبة الثابتة (١٢٤) في الصخر من صفات الناس والضباع (١٢٥) والمراكب، والحيوانات، وكل ذلك قد أتقن بأبدع صنعة وأحذق حكمة، وسائر البناء الأعلى أملس لا شيء به، ويقال أن هذا البناء كان ملعبا ومجتمعا في فصل ما، ويوم ما من السنة. ومن عجائب بناءات قرطاجنة الدواميس التي تبلغ عدتها أربعة وعشرين داموسا، في سطر واحد وطول واحد، طول كل داموس منها مائة وثلاثون خطوة في عرض ستين (١٢٦) خطوة (وارتفاع كل واحد أزيد من مائتي ذراع) (١٢٧) بين كل داموسين أثقاب محكمة تتصل بها المياه من بعضها إلى بعض في العلو الشاهق بهندسة عجيبة وإحكام بليغ، وكان الماء يأتي إلى هذه الدّواميس من عين شوقار، وهي بقرب القيروان، ومسافة جري هذا الماء من العين إلى الدّواميس ثلاث مراحل، وكان جري الماء من هذه العين إلى هذه الدواميس على عدة قناطر لا يحصى لها عدد، وجري الماء بوزنة (١٢٨) معتدلة، وهذه القناطر قسي مبنية بالصّخر، فما كان منها في نشر الأرض كان قصيرا، وما كان منها في متواطئ الأرض كان عاليا جدا، وهذا من أغرب شيء رئي على وجه الأرض، وقد تعطّلت / هذه الأقواس وماؤها ودواميسها لخراب قرطاجنّة، وبعد خرابها بقي الناس سنين متطاولة يحفرون على ما تهدّم من قصورها وأصول بنائها، فيستخرجون من أنواع الرخّام ما يكل عنه الواصف، وربّما استخرج منها ألواح من رخام طول الواحد أربعون شبرا في عرض عشرة أشبار (١٢٩) (ويستخرج منها أنواع الرخام والمرمر المجزّع والملوّن ما يشتهي الناظر شيء كثير) (١٣٠) ويستخرج منها أعمدة

стр. 116

طول كل عمود يزيد على أربعين شبرا فما دون ذلك، ولم تكن مركب تسافر إلا وفيها شيء من رخامها حتى انقطع أثر ذلك. بنزرت: وتحيط بمدينة قرطاجنّة أوطية من الأرض وسهول، ولها مزارع وضروب غلات، ومنافع جمّة (١٣١). ويتصل بقرطاجنة من جهة المغرب إقليم سطفورة (١٣٢) وهو إقليم جليل به ثلاث مدن. فأقر بها إلى تونس أشلونة وتينجة وبنزرت، وهي مدينة على البحر أصغر من مدينة (سوسة) (١٣٣) في ذاتها (وكانت غير مسوّرة حتى سوّرها المرحوم علي باشا في نيف وخمسين ومائة وألف) (١٣٤). وبين تونس وبنزرت يوم كبير في البر، وهي مدينة عامرة بأهلها وبها مرافق وأسواق قائمة، وبجهة الشرق منها بحيرتها المعروفة بها، والمنسوبة إليها، وطولها ستة عشر ميلا، وعرضها ثمانية أميال، وفمها متصل / بالبحر، وكلما أخذت في البرية اتسعت وما قربت من البحر ضاقت وانخرطت. وهذه البحيرة من عجائب الدّنيا، وذلك أن بها اثنا عشر نوعا من السّمك، يوجد منها في كل شهر نوع واحد لا يمتزج بغيره من أنواع السمك، فإذا تمّ الشهر لم يوجد شيء من ذلك النوع في الشهر الذي بعده، بل يوجد فيه نوع آخر غير الأول لا يمتزج بغيره، هكذا لكل شهر نوع إلى تمام السنة، فهي اثنا عشر نوعا في السنة ترجع عودا على بدء، وتلك الأنواع هي البوري، والقاجوج، والمجّل، والطلنطة، والأشبلينيات، والشلّبة، والقاروص، واللاج، والجوجة، والكحلاء، والطنفلوا، والقلا. وتتصل بهذه البحيرة من جهة الجنوب مع انحراف إلى الغرب (١٣٥) بحيرة ثانية تسمّى بحيرة تينجة، طولها أربعة أميال في عرض مثلها، وبينهما فم تتصل منه [مياه] (١٣٦) إحداهما بالأخرى. وفي هاتين البحيرتين أمر عجيب، وذلك أن ماء بحيرة تينجة عذب (من مياه

стр. 117

الأمطار) (١٣٧)، وماء بحيرة بنزرت ملح (من البحر) (١٣٨) وكل واحدة منهما تصبّ في أختها ستة أشهر حتى ينعكس جريها فتمسك الجارية عن الجري، وتصب البحيرة الثانية إلى الأولى ستة أشهر أخرى، فلا بحيرة تينجة يملح ماؤها، ولا بحيرة بنزرت يعذب ماؤها، (وذلك أن زمن الخريف والشّتاء تكثر السّيول / وتهب ريح الدبور، فتغلب تينجة، وزمن الربيع والصيف تقل السّيول، وتهب ريح الصّبا، فتغلب بحيرة بنزرت (١٣٩) والسمك بتونس كثير مجلوب إليها من بنزرت. طبرقة: ومن بنزرت إلى طبرقة سبعون ميلا. وطبرقة حصن على البحر، قليل العمارة وحوله عرب، وبها مرسى للمراكب، ومراكب الأندلس تسافر إليها وتأخذها روسية في قطعها (وكانت معمورة بطائفة من الإفرنج، فافتتحها المرحوم علي باشا - رحمه الله تعالى - قبل بناء سور بنزرت، فهدمها لئلا يعودوا إليها) (١٤٠). باجة: وعلى بعض الطريق بين طبرقة وتونس مدينة باجة، وهي مدينة حسنة في وطاء (١٤١) من الأرض كثيرة القمح والشّعير، وبها من ذلك ما ليس مثله بالمغرب كثرة وجودة. وهي بذلك كثيرة الرّخاء، وبها عين في وسطها ينزل إليها بأدراج ومنها شرب أهلها، وليس لها في خارجها عود نابت إلا فحوص (١٤٢) ومزارع. وبين باجة وطبرقة مرحلة وبعضها. مرسى الخرز: وتقابل باجة في جهة الشمال وعلى نحر البحر مدينة مرسى الخرز، وبينهما مرحلة كبيرة، وهي مدينة صغيرة عليها سور حصين، ولها قصبة وحولها عرب كثير، وعمارة

стр. 118

أهلها على صيد المرجان لكثرته بها، وهو أجل من جميع (١٤٣) المرجان بسائر الأقطار من صقلية وسبتة وغيرهما. ويقصد التجّار من سائر الأقطار / إلى هذه المدينة فيخرجون منه الكثير إلى جميع الجهات، ومعدن المرجان بهذه المدينة مخدوم في كل سنة، ويعمل به في كل الأوقات الخمسون قاربا وأقل وأكثر، وفي كل قارب نحو العشرين رجلا، والمرجان ينبت كالشّجر في قعر البحر ثم يتحجّر فيصاد بآلات ذات ذوائب كثيرة تصنع من القنّب تدار هذه الآلات في أعلى القوارب فتلتفّ الخيوط على ما قاربها من نبات المرجان فيجذبه الرجال إلى أنفسهم، ويستخرجون منه الشيء الكثير، ممّا يباع بالأموال الطائلة، وعمدة أهلها على عمله، وشرب أهلها من الآبار، وهي قليلة الزّرع، وإنما يجلب إليها قوتها من بوادي العرب (١٤٤) المجاورة لها، وكذلك الفواكه ربّما جلبت إليها من بونة وغيرها. بونة: وبين مدينة بونة ومرسى الخرز مرحلة خفيفة، وفي البحر أربعة وعشرون ميلا روسية. ومدينة بونة متوسطة، ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة، ونعتها في بقعتها كالأربس، وهي على نحر البحر، وكانت لها أسواق حسنة وتجارة مقصودة، وأرباح موجودة، وبها كثير من الخشب موجود، جيد الصّفة، وبها بساتين وشجر، وأنواع الفواكه ما يعمّ أهلها وأكثر فواكهها من باديتها، والقمح بها والشّعير في أوقات الإصابة كثير جدا، وبها معادن حديد جيد (١٤٥)، ويزرع / بأرضها الكتّان، والعسل بها موجود وكذلك السّمن، وأكثر سوائمهم البقر، ولها أقاليم وأرض واسعة تغلّبت العرب عليها. وقد ضعفت وذهبت عمارتها (ثم رجعت الآن وهي المسمّاة الآن بمدينة العناب) (١٤٦) وبقرب بونة جبل يدوغ (١٤٧) وهو عالي الذروة، سامي القمة وبه معادن الحديد.

стр. 119

الأربس: ومن مدينة باجة إلى مدينة الأربس مرحلتان [خفيفتان] (١٤٨). ومن الأربس إلى القيروان ثلاث مراحل، وكذلك بين باجة والبحر. ومدينة الأربس في وطاء عليها سور، وفي وسطها أعين ماء جارية لا تجف، وشرب أهلها من تلك العيون واسم عين منها رباح، والأخرى عين زياد، وماء عين زياد أطيب من ماء عين رباح، وماؤها صحيح، ولها معدن حديد وليس حولها من خارجها عود نابت البتة، وهي على مزارع الحنطة والشعير، ويدّخر منه الشيء الكثير. ومدن أخرى: ومنها على اثني عشر ميلا مدينة أبّة، وبها عين جارية منها شربهم، وهي غدقة وماؤها غزير، وكان عليها سور من طين، وهي الآن خراب (١٤٩). ومن الأربس إلى مدينة صغيرة تسمّى تامديت مرحلتان، وعليها سور تراب، وشرب أهلها من عيون بها، وغلاّت أهلها من الحنطة والشعير المقدار الكثير. وبين الأربس ومدينة تامديت مدينة صغيرة / تسمّى مرماجنة ولأهلها من القمح والشعير المقدار الكثير ما يعمّ بالكفاف وزيادة. ومن تيجس (١٥٠) (إلى بونة الساحلية ثلاث مراحل. ومن الأربس إلى تونس مرحلتان. ومن مدينة تيجس) (١٥١) إلى قسنطينة يومان. وبين الأربس ومدينة باجة اثنتا عشرة مرحلة. ومن مرماجنّة (١٥٢) إلى مدينة مجّانة مرحلة كبيرة وهي مدينة صغيرة عليها سور تراب، وكان يزرع بها قديما بصل الزعفران، ولهم واد غزير الماء، يأتي من جبل بمقربة منها، يزرعون عليه غلاّتهم، وهو جبل شاهق تقطع منه [أحجار] (١٥٣) الطواحن التي

стр. 120

إليها الانتهاء في الجودة وحسن الطحين، حتى أن الحجر منها ربّما مرّ عليه (١٥٤) عمر الانسان فلا يحتاج إلى نقش ولا إلى صنعة لصلابته ودقة أضراسه، وأرض مجانة تغلبت عليها العرب فتختزن بها طعامها. وبينها وبين قسنطينة ثلاث مراحل. ومنها إلى بجاية الناصريّة ست مراحل. جزيرة باشو: وبين تونس والحمّامات مرحلة كبيرة، وهذه المرحلة هي عرض الجزيرة المسمّاة بجزيرة باشو (١٥٥). وهي أرض مباركة طيبة ذات أشجار وعمارات متصلة، وبركات وخيرات، ومياه ليست بعيدة من وجه الأرض، فهي ممكنة بالآبار، وفيها خصب كثير زائد. وهذه الجزيرة إقليم بها مدينة باشو. ولم يبق الآن إلا مكانها، وفيه قصر معمور [ومنها قصر على البحر يسمّى نابل] (١٥٦)، وكذلك قصر توسيهان، وبالقرب منها أثر / مدينة كانت عامرة في أيّام الروم خربت، وبقي مكانها. جبل زغوان: وبين تونس والقيروان جبل زغوان وهو عال جدا، تقصده المراكب من ظهر البحر لعلوّه وارتقائه في الجو؛ وهو من أكثر الجبال ماء، وفيه خصب ومزارع، ومياه جارية، وعمارة، ويعمر في أماكن منه عبّاد المسلمين، ينفردون بأنفسهم. جبل وسلات: وكذلك جبل وسلات (وبينه وبين تونس يومان) (١٥٧)، وبينه وبين القيروان خمسة عشر ميلا، وفيه عمارات كثيرة، ومياه جارية، وفيه من الحصون حصن الجوزات، وحصن تيفاف، وحصن القيطنة، ودار اسماعيل، ودار الدّواب، وكل هذه البلاد (كان) (١٥٨) يعمرها قبائل من البربر، وهم أهل هذه النّاحية، وهم في خصب ولهم

стр. 121

مواش أبقار، وأغنام وبغال، ورماك (١٥٩) (وساعة التاريخ غضب سلطان تونس المرحوم سيدنا علي باشا ابن سيدنا حسين (بن علي) (١٦٠) - رحمهما الله تعالى - على أهل وسلات وأخرجهم (١٦١) من هذا الجبل، فلم يبق به أنيس) (١٦٢). ومدن أخرى: ولنذكر الآن (الطرقات) (١٦٣) المسلوكة بين هذه البلاد. فالطّريق من القيروان إلى تاهرت (١٦٤). فمن القيروان إلى الجهنيين وهي قرية مرحلة، إلى مدينة سبيبة مرحلة وهي مدينة قديمة، كثيرة المياه والجنّات، وعليها سور من حجارة، ولها ربض فيه الأسواق والخانات وشربهم (من عيون جارية كثيرة) (١٦٥) عليها جنّاتهم / ومنها إلى مرماجنة وهي قرية لهوارة مرحلة. ومنها إلى مدينة مجانة مرحلة ثم إلى مسكيانة (١٦٦) مرحلة وهي [قرية] (١٦٧) عامرة قديمة، وبها زروع ومكاسب وعيون، ولها سوق ممتدّة كالسّماط وهي أكبر من مرماجنة (١٦٨). ومنها إلى باغاية (١٦٩) وهي مدينة عامرة - كما تقدم -. وطريق ثانية تأخذ من القيروان إلى المسيلة على غير الطريق الأولى. فمن القيروان إلى جلولا (١٧٠) مرحلة خفيفة، وهي مدينة صغيرة عليها سور وبها عين ماء جارية، عليها بساتين كثيرة ونخل كثير.

стр. 122

ومنها إلى آجرّ (١٧١) مرحلة، وهي قرية حسنة ماؤها من الآبار، وفيها زروع وحنطة، وشعير كثير. ومنها إلى قرية طامجنة (١٧٢) مرحلة، ولها فحص كبير، وحنطتها وشعيرها كثير، رخيص جدا. ومنها إلى مدينة الأربس مرحلة. ومن الأربس إلى تيفاش مرحلة، وهي أيضا مدينة قديمة عليها سور قديم بالحجارة والجير، وبها عين جارية، ولها بساتين ورياضات وأكثر غلاتها الشعير. ومن تيفاش إلى قصر الافريقي مرحلة، ولا سور لها، ولها مزارع وإصابات جمة من الحنطة والشعير. ومنها إلى قرية أركو مرحلة، ولها جنّات وعيون ومياه وبساتين. ومنها إلى قرية البردوان مرحلة، وكانت قرية كبيرة، وهي من أقاليم القمح والشعير. / ومنها إلى قرية النهروين مرحلة وهي في وطاء من الأرض، وفيها آبار عذبة، والغالب عليها البربر من كتامة ومزاتة. ومنها إلى قرية تامسيت مرحلة وبها أشجار وعمارات. ومنها إلى دكمة مرحلة وهي (قرية لها أسواق وأصلها من كتامة. ومنها إلى أوسحنت مرحلة وهي) (١٧٣) قرية للبربر، وبها مياه جارية، ومزارع حنطة وشعير. ومنها إلى المسيلة أقل من مرحلة. ومن المسيلة إلى وارقلان (١٧٤) اثنتا عشرة مرحلة كبار، وهي مدينة فيها قبائل مياسير، وتجّارها أغنياء يتجولون في بلاد السودان إلى بلاد غانة وبلاد ونقارة، فيخرجون منها التبر، ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم وهم وهبيّة إباضية نكّارة (١٧٥) خوارج في دين

стр. 123

الإسلام. قاله في «نزهة المشتاق» (١٧٦). ومن وارقلان إلى غانة ثلاثون مرحلة. ومن وارقلان إلى كوغة (١٧٧) نحو من شهر (ونصف) (١٧٨). ومن وارقلان إلى قفصة ثلاثة عشرة مرحلة. طرابلس: ومن قابس إلى طرابلس (١٧٩) ست مراحل (١٨٠) (وكلها كانت آهلة، وهي الآن خراب، استولت عليها قبائل الأعراب كانوا فيما مضى يسمّون مرداس ورياح. ومدينة طرابلس كانت حسنة حصينة وهي الآن خراب) (١٨١) وهي في نحر البحر (كانت) (١٨٢) بيضاء حسنة الشّوارع متقنة الأسواق، وبها صنّاع وأمتعة يتجهّز بها / إلى كثير من الجهات، وكانت متّصلة (١٨٣) العمارة من جميع جهاتها، كثيرة شجر التين والزيتون وبها فواكه جمة، ونخل إلا أن العرب أضرّت بها وبما حولها من ذلك وأجلت أهلها وأخلت بواديها وغيّرت أحوالها، وأبادت أشجارها، وغوّرت مياهها، وكانت (١٨٤) عديمة المثال في إصابة الزرع، ولا يدرى في معمور الأرض مثلها في ذلك، وكان ذلك عندهم معلوما مشهورا (ثم ان هذه المدينة أهلكت بالمرة حتى أتى السلطان (١٨٥) درغوث باشا - رحمه الله تعالى - أحد أمراء السّلطنة العثمانية فأنشأ مدينة جديدة بالقرب من الأولى (١٨٦)، وهي مدينة لطيفة جليلة في قدر مدينة سوسة) (١٨٧).

стр. 124

الطرقات من طرابلس إلى ما جاورها: ومن مدينة طرابلس في جهة الشّرق إلى مدينة سرت مائتا ميل وثلاثون ميلا، وهي إحدى عشرة مرحلة، فيخرج السّائر من مدينة طرابلس إلى المجتنى عشرون ميلا. ومن المجتنى إلى ورداسا اثنان وعشرون ميلا. ومن ورداسا إلى رغوغا خمسة وعشرون ميلا. ومن رغوغا إلى تاورغا اثنان وعشرون ميلا (ثم إلى المنصّف خمسة وعشرون ميلا) (١٨٨) ثم إلى قصر حسّان بن النّعمان الغسّاني - رضي الله تعالى عنه - أربعون ميلا، ثم إلى الأصنام ثلاثون ميلا، ثم إلى سرت ستة وأربعون ميلا، وهذا الطّريق يبعد عن السّاحل تارة ويقرب أخرى، وساكن (١٨٩) ذلك كله قبيلتان من العرب / وهما عوف ودباب. وبين مدينة سرت والبحر ميلان، وعليها سور تراب، وما استدار بها رمل، وبها بقايا نخيل، ومياهها من المطر في المواجل وآبارها قليلة وعليها قبائل من البربر. ومن مدينة طرابلس إلى جبل نفوسة ست مراحل، وكذلك من جبل نفوسة إلى صفاقس تسع مراحل، وبأعلى طرابلس جبل مقدة (١٩٠) (وهو غريان) (١٩١) ثلاث مراحل. ومن جبل نفوسة إلى قسطيلية (١٩٢) ست مراحل، وأهل جبل نفوسة كلهم إسلام ولكنهم خوارج نكّار على مذهب ابن منبّه اليماني كأهل وارقلان.

стр. 125

جبل دمر: ومن جبل نفوسة إلى جبل دمّر ثلاث مراحل في رمل متصل، وفي أطراف هذا الجبل قوم من البربر يسمّون رهانة (١٩٣) وهم قوم ينتجون الإبل، ويركبون أمضاها وأسرعها خطا، ويسيرون فرقا إلى ما تباعد منهم من قبائل العرب، فيغيرون عليهم وعلى إبلهم ويعودون بغنائمهم إلى جبلهم ومواضع مساكنهم التي يأوون إليها، وليس لهم شغل إلا هذا، وليس أحد من العرب المجاورين لهم إلا ويشتكي أذيّتهم، وقليلا ما يظفر بأحد منهم لسرعة جري نجبهم، ودلالتهم تلك الأرض، وتحصّنهم في أمكنتهم (١٩٤). وتتصل هذه البلاد في جهة الجنوب ببلاد ودّان، ثم بعد هذه البلاد تنقطع العمارة / إلى اسكندرية، فأكثر هذه الأراضي خالية، وفيها من البلاد زويلة ابن خطاب (١٩٥) وزالة، ومستيح وأوجلة و برقة ، وعلى الساحل (١٩٦) جمل من القصور يحيط بها التفصيل، وبها من البلاد المشهورة سرت وأجدابية. برقة: فأما مدينة برقة فمدينة متوسطة المقدار، ليست بكبيرة القطر، وتخرج منها التربة المنسوبة إليها، فينتفع بها الناس، ويتعالجون بها مع الزّيت للجرب والحكّة وداء الحيّة، وهي تربة غبراء، وإذا ألقيت في النار ظهرت (١٩٧) لها رائحة كريهة كرائحة الكبريت، وهي فظيعة الدّخان كريهة الطعم (١٩٨). الطريق من برقة إلى العين: ومن برقة إلى مدينة أوجلة في البريّة عشر مراحل بسير القوافل، وكذلك من برقة إلى أجدابية ست مراحل، وهي من الأميال مائة واثنان وخمسون ميلا.

стр. 126

ومن برقة إلى الاسكندريّة احدى وعشرون مرحلة وهي من الأميال خمسمائة ميل وخمسون ميلا (١٩٩). فإذا خرج الخارج من طرف قانان صار إلى قصور حسّان وقطع في البريّة أربع مراحل كبارا، ليس بها من الماء شيء. ومنها إلى الأصنام ثلاثون ميلا، ويسمّى هذا الجون جون زديك (٢٠٠)، والماء يوجد بها في خروق أحساء محفورة في الرمل على ضفة البحر. ومن الأصنام إلى القرنين (٢٠١) وهو قصر كبير عامر وفي وسطه بئر عميقة وإليها تصبّ مياه الأمطار. ومنها إلى قصر العبّادي على البحر أربعة وثلاثون ميلا. ومن قصر العبادي إلى اليهوديّة أربعة وثلاثون ميلا. ومن اليهودية إلى قصر العطش (أربعة وثلاثون ميلا وفيه ثلاث جباب. ومن قصر العطش) (٢٠٢) إلى منهوشة ثلاث مراحل، لا ماء فيها، وهي سباخ وطئة، ومنهوشة على البحر، ومياهها أحساء. ومن منهوشة إلى بئر الغنم نحو من ثلاث عشر ميلا، وهي على آخر السبخة المنسوبة إلى منهوشة. ومنها إلى الفاروخ مرحلة، وهي من الأميال ثلاثون ميلا. ومن الفاروخ إلى حرقرة (٢٠٣) خمسة وعشرون ميلا، ثم إلى توسمت (٢٠٤) عشرون ميلا، ثم إلى سلوق أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى أويرار (٢٠٥) ثلاثون ميلا، ثم إلى قصر العسل اثنا عشر ميلا، [ثم إلى مليتية سبعة وعشرون ميلا] ثم إلى برقة خمسة عشر ميلا. والطريق من سلوق إلى قافز مرحلة، وقافز في وسط وطاء برنيق، وفي شرقيها غابة متصلة إلى البحر وبينها وبين البحر أربعة أميال.

стр. 127

وبمقربة من قافز في جهة الشرق بحيرة مع طول البحر يحجزها تل رمل، وماؤها عذب، وطولها ستة عشر ميلا، وفي سعتها نحو من نصف ميل. ومنها إلى قمانس (٢٠٦)، وهو قصر، عشرة أميال. ومنه إلى أوطليط، وهو قصر عامر بالناس نصف يوم. ومنه إلى أربعة أبراج، وهو قصر، يوم. ومنه إلى قصر العين عشرة أميال ومنه إلى قصر طلميثة. الطريق من برقة إلى الإسكندرية: ونقول (٢٠٧) إن من مدينة برقة إلى الإسكندرية على طريق مستقيم إحدى وعشرون مرحلة / وذلك من برقة إلى قصر النّدامة ستة أميال، ومنها إلى تاكنست (٢٠٨) ستة وعشرون ميلا، إلى مغار الرقيم خمسة وعشرون ميلا، وهنا يجتمع هذا الطريق بالطريق الأعلى. ومن مغار الرقيم إلى جب حليمة خمسة وثلاثون ميلا. ومن جبّ حليمة إلى وادي مخيل (٢٠٩) خمسة وثلاثون ميلا. ومن وادي مخيل إلى جبّ الميدان خمسة وثلاثون ميلا. ومن جبّ الميدان إلى جناد الصغير خمسة وثلاثون ميلا، ثم إلى جبّ عبد الله ثلاثون ميلا، ثم إلى مرج الشيخ ثلاثون ميلا، ثم إلى العقبة عشرون ميلا، ثم إلى حوانيت أبي حليمة عشرون ميلا. ومن حوانيت أبي حليمة إلى خربة القوم خمسة وثلاثون ميلا، ثم إلى قصر الشماس (خمسة عشر ميلا. ومن قصر الشمّاس) (٢١٠) إلى سكة الحمام خمسة وعشرون ميلا. ومن سكة الحمام إلى جبّ العوسج ثلاثون ميلا.

стр. 128

ومن جبّ العوسج إلى كنائس الحرير إلى الطاحونة أربعة وعشرون ميلا. ومن الطّاحونة إلى حنية الروم ثلاثون ميلا. ومن حنية الروم إلى ذات الحمام أربعة وثلاثون ميلا، وإلى ثونية ثمانية عشر ميلا، ثم إلى الاسكندرية عشرون ميلا، وهذه الطريق هي الطريق العليا في الصحراء. الطريق الساحلي من بونة إلى نابل: ولنرجع (٢١١) إلى ذكر ما تضمنه هذا الباب من مراسي البحر وقراطيله، وما عليه من القصور المعمورة والبلاد المقصودة، وبالله الإستعانة وعليه التكلان. فمن مدينة بونة الغربية إلى الطّرف ستة أميال إلى جون الأزقاق (٢١٢)، وهو جون (٢١٣) صغير وفي آخره مرسى الخرز، وهذا القرطيل داخل في البحر أربعون / ميلا. ومن مرسى الخرز إلى طبرقة أربعة وعشرون ميلا، ومنها إلى طرف الجون خمسة عشر ميلا روسيّة، وعلى التّقوير أربعة وعشرون ميلا، وهناك طرف (٢١٤) يسمّى المنشار ستة عشر ميلا. ومن طرف المنشار إلى قلعة أبي خليفة عشرة أميال، ومنها قطع جون روسيّة عشرون ميلا، وتقويرا ثمانية وعشرون ميلا. وإلى رأس الطرف اثنا عشر ميلا، ومنها إلى بنزرت ثمانية أميال، ومنها إلى مرسى بني وجّاص اثنا عشر ميلا. ومن مرسى بني وجّاص إلى رأس الجبل ثلاثة عشر ميلا جونا، وعلى هذا الجون قصور. فمن أول رأس بني وجّاص إلى قصر مرسى الوادي ثلاثة أميال، وهو مسقط نهر صغير، ومنه إلى قصر مرسى داود (٢١٥) ثلاثة أميال، ومنه إلى قصر موسى (٢١٦) خمسة

стр. 129

أميال، ومنه إلى طرف الجبل ميلان، وهذا الطرف يعرف بالكنيسة، وهو أول الجون الذي في وسطه مدينة تونس وبحيرتها. فمن طرف الجبل مع التقوير إلى موقع نهر مجردة (٢١٧) ستة أميال. ومن موقع الوادي إلى قصر جلّة أربعة (٢١٨) أميال، ومنه إلى قصر جردان ميلان، ومنه إلى قرطاجنّة ميلان، ومنها إلى حلق وادي تونس ثلاثة أميال، وهذا الوادي في نصف الجون. ومن فم الوادي إلى قصر فهم (٢١٩) اثنا عشر ميلا، وإلى قصر قربص ستة عشر ميلا، وإلى طرف أفران أربعة عشر ميلا، وهو قرطيل داخل في البحر، فجميع تقوير هذا الجون أربعة وسبعون ميلا / وقطعه روسيّة. ومن رأس الجبل إلى طرف أفران ثمانية وعشرون ميلا، وكذلك من وسط الجون حيث فم وادي تونس إلى طرف أفران إذا قطع روسيّة ثمانية وعشرون ميلا، وتقويرا ستة وخمسون ميلا. ومن طرف أفران إلى مرسى قصر النخلة ستة أميال ومنه إلى قصر بنزرت (٢٢٠) اثنا عشر ميلا، ومنه إلى قصر بونة ثلاثون ميلا. فمن فم وادي تونس إلى نوبة سبعون ميلا، ويوازي نوبة في البحر الجامور الكبير والجامور الصغير، وبينهما سبعة أميال، ومن الجامور الكبير إلى نوبة اثنا عشر ميلا، ومن نوبة روسيّة إلى رأس الرخيمة ميل واحد جونا، وهذا الجون على التقوير ستة أميال، وكله قصير. ومن رأس الرخيمة إلى طرف البقلة (٢٢١) وهو طرف الجبل المسمّى أدارون (٢٢٢)، وهو من ناحية اقليبية في المشرق. ومن رأس الرخيمة إلى الجامور الصغير ستة أميال، وهذان الجاموران جبلان قائمان

стр. 130

في البحر، ويرسى بهما عند انغلاق (٢٢٣) الرياح، فجميع ما بين نوبة واقليبية ثلاثون ميلا. ومن طرف اقليبية إلى المنستير مجرى (مائتان وخمسون ميلا) (٢٢٤). فمن اقليبية إلى قصر أبي مرزوق (٢٢٥) سبعة أميال، ومنه إلى قصر لبنة ثمانية أميال. ومن لبنة إلى قصر سعد، أربعة أميال. ومن قصر سعد إلى قصر قرية ثمانية / أميال إلى طرف توسيهان عشرة أميال، وطرف توسيهان يدخل في البحر ميلا ونصفه، وهو كالضرس الخارج. ومن هذا الضرس (٢٢٦) الخارج إلى قصر توسيهان في الجون أربعة أميال. نابل: ومن توسيهان إلى قصر نابل ثمانية أميال، وكانت نابل مدينة للروم، كبيرة جدا عامرة، فلما فتحت الجزيرة في صدر الإسلام استبيحت جميع محاسنها حتى لم يبق لها رسم ولا أثر إلا مكان قصر فقط، وبقيت بقايا خرابها دالّة عليها (٢٢٧). الطريق الساحلي من نابل إلى سوسة: ومن قصر نابل إلى قصر الخيّاط ثمانية أميال، وبينه وبين البحر نحو من ميلين. ومن قصر الخيّاط إلى قصر النخيل ستة أميال، ثم إلى طرف الحمّامات سبعة أميال، وهذا الطرف المسمّى طرف الحمّامات هو قصر مشيّد على طرف يدخل (٢٢٨) في البحر نحوا من ميل. ومن الحمّامات إلى المنار وهو قصر خمسة أميال، وهذا القصر على بعد من البحر. ومنه إلى قصر المرصد إلى قصر المرابطين ستة أميال، وهذا القصر في قاع جون المدفون. ومنه إلى طرف قرطيل المدفون ستة أميال، ومن لقرطيل المذكور إلى حصن أهرقلية ثمانية أميال.

стр. 131

سوسة: ومن أهرقلية إلى مدينة سوسة ثمانية عشر ميلا، وهي مدينة عامرة كثيرة المتاجر، والمسافرون إليها قاصدون وعنها صادرون، ويعمل بها من أنواع الثّياب المنسوبة إليها / ما يعدم نظيره، وبها أسواق عامرة ومياههم من المواجل، وعليها سور من حجر حصين (وشجر الزيتون محيط بها من جميع جهاتها إلا ما أحاط به البحر، فأكثر غلاّتها الزّيتون وما يعتصر من زيته، وفواكهها كثيرة من بساتينها ومن قراها المحيطة بها، وبها من الحنطة والشّعير كثير منها، وممّا يجلب إليها من غيرها، وأهلها مياسير متشبهون بأهل تونس (٢٢٩) في الزيّ والوضع، وهي في سند ربوة من الأرض مواجهة للبحر من جهة المشرق، ووضعت كذلك طلبا لنسيم البحر (٢٣٠) ليصلح هواؤها ويذهب فساده، ولا تبقى بها مياه الأمطار ولا مستنقعات الطّرقات، فبذلك خفّت على النفس، وجلبت النشاط، وبها من أهل الخير والصّلاح بقية خاملون، كما هو شأن غالب هذا الزّمان لغلبة الفساد وأهله، وقلة الصلاح وأهله، لأن الأرض قد ملئت جورا، والله المستعان) (٢٣١). الطريق الساحلي من سوسة إلى صفاقس: ومن سوسة إلى قصر شقانس ثمانية أميال. [ومن شقانس إلى قصر ابن الجعد أربعة أميال] (٢٣٢). ومنه إلى قصر (٢٣٣) المنستير ميلان. ويقابل المنستير في البحر جزيرة قورية، ومنها إلى المنستير تسعة أميال. ومن هذه الجزيرة إلى لمطة عشرة أميال، ومنها إلى الدّيماس اثنا عشر ميلا، ومنه (٢٣٤) إلى المهديّة ثلاثون ميلا. ومن المنستير إلى قصر لمطة سبعة أميال. ومن قصر لمطة إلى الدّيماس ثمانية أميال.

стр. 132

ومن الديماس إلى المهدية / (عشرون ميلا) (٢٣٥)، والمهدية مما أحاط به البحر، فمنها يبتدئ التجوين في جهة جنوبها. فمن المهدية إلى قصر سلّقطة ستة أميال، ومنه إلى قصر العالية ستة أميال، إلى قبّودية (٢٣٦) ثلاثة عشر ميلا. وقبوديّة قصر حسن، ويصاد به من الحوت كل طريفة، وهو بها كثير. ومن قبوديّة إلى قصر مليان (ثمانية أميال. ومن قصر مليان) (٢٣٧) إلى قصر الرّيحانة أربعة أميال، إلى قصر قناطة أربعة أميال، (وكان) (٢٣٨) يعمل بقصر قناطة فخّار كثير (٢٣٩) ساذج (من الدهن) (٢٤٠) ويتجهّز به إلى المهدية وغيرها وطينه أحمر [ثم] إلى قصر اللّوزة أربعة أميال، إلى قصر زياد ستة أميال. ومن قصر زياد إلى قصر مجدونس ثمانية أميال. ومن قصر مجدونس إلى قصر قاساس (ثمانية أميال. ومن قصر قاساس) (٢٤١) إلى قصر قزل ميلان، فمن قصر زياد إلى قصر (٢٤٢) قزل ثمانية عشر ميلا. (وقصر قزل هو المسمّى بقصر عمار، اسم رجل كان يحرسه، واليوم صار مشهورا بسيدي منصور الغلام - نفعنا الله به - لأن ضريحه تحت القصر المذكور) (٢٤٣). ومن قصر قزل إلى قصر جبلة ميلان، وهو في جون، ومنه إلى قصر (٢٤٤) صفاقس في الجون خمسة أميال. فمن قبودية (٢٤٥) إلى صفاقس ثمانية وأربعون ميلا تقويرا، وروسيّة ثلاثون ميلا.

стр. 133

جزيرة قرقنة: ومقابلة قصر زياد في البحر من المشرق جزيرة قرقنة، وموضعها من قصر زياد وصفاقس (وسطا) (٢٤٦)، وذلك لأن من قرقنة إلى قبودية (٢٤٧) عشرون ميلا، ومن قرقنة إلى صفاقس نحو خمسة عشر ميلا، وهي جزيرة حسنة / عامرة بأهلها، (ولم يكن) (٢٤٨) بها مدينة (وكان) (٢٤٩) سكناهم في أخصاص (إلا أنها في هذه المدة اشتملت على قرى بكل قرية جماعة بنوا لهم ديارا، وسورها من الأعراب بحرها، ومن عدو الدّين (٢٥٠) قصر بحرها (٢٥١)، على أنها غير مأمونة منهم، وهي كثيرة الأعناب والرطب والتين) (٢٥٢) وفي (الطرف الغربي منها) (٢٥٣) كهوف وغيران يتحصنون فيها ممن يريدهم من (النصارى) (٢٥٤) وتسمّى القرمدي (٢٥٥)، وهناك يتصل به بحر (٢٥٦) قصير عشرون ميلا. ومن القرمدي إلى بيت القصير (٢٥٧) خمسة وثلاثون ميلا، وطول هذه الجزيرة ستة

стр. 134

عشر ميلا، وعرضها ستة أميال (وهي منقسمة على جزيرتين: كبراهما الشرقية (٢٥٨) وصغراهما الغربية (٢٥٩)، ويمكن المشي بين الجزيرتين على الأرجل في وسط الماء وقت الجزر (٢٦٠)، وتمشي دواب هذه إلى هذه والعكس، وليس لهم في جزيرتهم سوق وانما سوقهم صفاقس، ومعائشهم من البحر، وبها اسفنج (٢٦١) الماء الذي لا يوجد بغيرها، وبها جميع أنواع السّمك وخصوصا القرنيط (٢٦٢)، ومن اصطياده تتيسر أحوالهم في الشّدة، ومنها يتجّهز به إلى الآفاق (٢٦٣)، وخصوصا القرنيط، فإنه يحمل منه إلى جزر القريق (٢٦٤) مراكب، يأكلونه (٢٦٥) أيام صيامهم لأنهم يزعمون أن الصّيام إنما هو عن أكل الحيوان الذي له دم، وهذا القرنيط لا دم له ولا شوك فيأكلونه عوضا عن اللحم، وبقية أنواع السمك التي يزعمون تحريمها عليهم وكذا الأنعام / إنما حرموها بأنفسهم افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين) (٢٦٦). الطريق الساحلي من صفاقس إلى جربة: ومن صفاقس إلى حدّ (٢٦٧) الرملة أربعة أميال. ومن طرف الرملة راجعا في جهة الجنوب وهو أول الجون إلى قصور (٢٦٨) المجوس (وهو الكبلة) (٢٦٩) أربعة أميال. ومنها إلى قصر ينقة (٢٧٠) (وهو المسعودة) (٢٧١) عشرة أميال.

стр. 135

ومن قصر ينقة إلى قصر تليدة (٢٧٢) ثمانية أميال. ومنه إلى قصور (٢٧٣) الرّوم أربعة أميال، (وقصر تليدة هو طرف الكنائس (٢٧٤) وهناك وادي (٢٧٥) المالطين) (٢٧٦). ومن قصور (٢٧٧) الروم إلى قابس أربعة (٢٧٨) وسبعون ميلا (فالجملة من صفاقس إلى قابس مائة تقويرا، ومن صفاقس لقابس روسية سبعون ميلا - حسبما تقدّم - وقد سمّيت جزيرة الكنائس جزيرة بصيلة) (٢٧٩). ومن قابس إلى قصر ابن عيشون ثمانية أميال، إلى قصر زجونة ثمانية أميال. [ومن قصر زجونة إلى قصر] (٢٨٠) بني مأمون عشرون ميلا. [ومن قصر بني مأمون] (٢٨١) إلى أمرود أحد عشر ميلا، [ومنه] (٢٨٢) إلى قصر الجرّف ثمانية عشر ميلا. جربة: ومن طرف الجرف إلى جزيرة جربة في البحر أربعة أميال، وهي جزيرة عامرة بقبائل من البربر، وكلامهم (٢٨٣) بالبربرية أكثر، وكان طولها من المشرق إلى المغرب ستين ميلا، وعرض الرّأس الشّرقي خمسة عشر ميلا. ومن هذا الطرف إلى البر الكبير عشرون ميلا، وهذا الرأس (٢٨٤) الضيق يسمّى

стр. 136

رأس كرين، ويسمّى الطرف الواسع أنتيجان، ويتصل بهذه الجزيرة في جهة الشرق جزيرة زيزو (٢٨٥) وهي صغيرة نحو من ميل، ويقابلها قصر بني خطّاب (٢٨٦)، وغالب أهلها وهبية / (وقد فشا فيها مذهب الإمام مالك - رضي الله تعالى عنه - ونزر قليل من مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - من حين دخلت العساكر العثمانية، وحكي في «نزهة المشتاق» و «رحلة التجاني» عن أوائل هذه الجزيرة أمورا لا تليق يتنزهون اليوم عن أكثرها، فقد استصلحوا - والحمد لله - عن تلك الرذائل وربنا يوفقنا وإيّاهم وعامّة المسلمين لما فيه سعادة الدنيا والدين (٢٨٧) ففيهم حسن عهد وكرم نفس وضيافة، ويسالمون النّاس ما سالموهم في أموالهم ولا يخونون، ولهم صبر زائد على الاغتراب في الأوطان، فكثرت بذلك أموالهم، فهم أيسر الناس (٢٨٨)، ولهم رفق زائد في معائشهم فيصبرون على الشدّة أكثر من غيرهم، ويعمل بهذه الجزيرة من أصناف ثياب الصوف الساذج، والممزوج بالحرير كل مفتخر يعم آفاق الدنيا وأقطارها، وإليها تجلب قناطير الأموال، فتحمل طيالسهم وأكسيتهم وأحزمتهم وبرانسهم لجميع الأراضي. وبها من جميع أنواع الثمار ما لا يوجد في غيرها وتستمرّ ثمارها على حول السّنة، وتبقى ثمارها في أشجارها إلى إنتهاء نضجها لقوة الأمن بها وقلة الخيانة. وخيل أهلها البغال، فهي بها أكثر من غيرها، وبها الحمر الفارهة التي لا توجد في غيرها وتحمل منها إلى غيرها من البلاد، وبها من الزّيتون وزيته ما يعمّ الآفاق. وبالجملة فهي من غزر / الجزر وربنا يحميها وسائر بلاد الإسلام من عدو الدين. ويعمل بها من أنواع الفخّار ساذجا ومطليا كل غريب يعم الآفاق، وخصوصا أوعية الزّيت والماء (٢٨٩) وسيأتي لنا - إن شاء الله تعالى - التنبيه على ما وقع لها من عدو الدين. وهي الآن - والحمد لله - في حماية الله ورسوله، منذ دخلت

стр. 137

العساكر العثمانية (٢٩٠)، ربّنا يمدّهم بالنصر ويعينهم على أعداء الدين (٢٩١) ويجعلهم نكاية عليهم إلى يوم الدّين. وأهل هذه الجزيرة يستنبتون جميع الحبوب والبقول حتى أن جميع الناس يحتاجون إليهم في البذر (٢٩٢) كلها، وهم لا يحتاجون إليهم فيها. وأكثر زروعهم على السّقي من الآبار، وشربهم من المواجل) (٢٩٣). الطريق الساحلي من جربة إلى لبدة: ومن طرف هذه الجزيرة المسمّى أنتيجان (٢٩٤) إلى قصير البيت (من جهة قرقنة) (٢٩٥) تسعون ميلا. وكذلك من طرف أنتيجان إلى القنطرة التي بقرقنة اثنان وستون ميلا. ومن طرف الجرف المتقدم إلى رأس الأودية على الساحل أربعة وعشرون ميلا. ومنها إلى قصور الزارات [عشرون ميلا. ومن قصور الزارات] (٢٩٦) إلى قصر بني ذكومين خمسة وعشرون ميلا. ومن بني ذكومين إلى قصر الهواء (٢٩٧) ستة أميال. ومنه إلى قصر جرجيس ستة أميال.

стр. 138

ومنه إلى قصر بني خطّاب خمسة وعشرون ميلا، وقصر بني خطّاب هو على آخر سباخ الكلاب من جهة المغرب، ويقابل قصر بني خطاب في البحر اسقالة جزيرة زيزو، وطولها أربعون ميلا، وعرضها [نحو] (٢٩٨) نصف ميل، وبعضها معمور به نخل وكروم وباقيها تحت الماء، والماء يشف على وجهها / نحو قامة أو أقرب من ذلك. ومن قصر بني خطّاب إلى قصر شمّاخ خمسة وعشرون ميلا، وبينهما جون صغير يسمّى جون صلب الحمار. ومن قصر شماخ إلى قصر صالح عشرة أميال، وقصر صالح على قرطيل يأخذ من المشرق إلى المغرب طوله خمسة أميال، ويسمّى رأس المخبز. ومنه إلى قصر كوطين عشرون ميلا. ومن قصر كوطين إلى قصر بني ولول عشرون ميلا. ومنه إلى مرسى مركيا عشرون ميلا. ومن قصر مركيا إلى قصر عسقلات (٢٩٩) عشرون ميلا. ومن قصر عسقلات (٢٩٩) إلى قصر سرية (٣٠٠) أربعة أميال، ومنه إلى قصر سنان ميلان ومنه إلى قصر البنداري (٣٠١) ثلاثة أميال. [ثم] إلى قصر غرغرة عشرة أميال. ومنه إلى قصر صيّاد ستة أميال، ثم إلى مدينة طرابلس عشرون ميلا. ومن مدينة طرابلس إلى قصر على رأس قاليوشا أربعة عشر ميلا، ومنه إلى قصر الكتاب ثمانية أميال، ومنه إلى قصر بني غسّان اثنا عشر ميلا، إلى مصب وادي لادس ثمانية عشر ميلا، ومنه إلى طرف رأس الشعراء أربعة عشر ميلا. فمن رأس قاليوشا إلى رأس الشعراء روسيّة أربعون ميلا، وعلى التّقوير اثنان وخمسون ميلا. ومن رأس الشعراء إلى قصر شريكس أربعة عشر ميلا، إلى قرطيل المسن، وهو طرف داخل في البحر، أربعة أميال، ومنه إلى لبدة أربعة أميال.

стр. 139

لبدة: وكانت مدينة لبدة كثيرة العمارة مشتملة على الخيرات، وهي على بعد من البحر، فتسلّط بدو الأعراب عليها وعلى أرضها فغيّرت ما كان بها من النعم، وأجلت أهلها إلى غيرها / فلم يبق منها (إلاّ) (٣٠٢) قصران كبيران، وعمارهما قوم من هوارة البربر، ولها على نحر البحر قصر كبير عامر (٣٠٣) آهل (٣٠٤) به صناعات وسوق عامرة، وفي لبدة نخل كثير، وزيتون. الطريق الساحلي من لبدة إلى الإسكندرية: ومن لبدة إلى قصر بني حسن سبعة عشر ميلا، ومنه إلى قصر باكرو (٣٠٥) ميل واحد وهو مرسى حسن يكنّ من كل الرّياح، ومنه إلى قصر هاشم إلى قصر سامية اثنا عشر ميلا. ومن قصر سامية إلى سويقة ابن مثكود (٣٠٦) اثنا عشر ميلا. ومن السويقة إلى طرف قانان المشهور عشرون ميلا. فمن طرابلس إلى طرف قانان روسية مائة وثمانون ميلا، وعلى التقوير مائتان وعشرة أميال. والسويقة تنسب إلى ابن مثكود، ويسكنها وما حواليها قبائل من هوارة البرابر (٣٠٧) وبها سوق (٣٠٨) مشهورة مشهودة، وهي قصور كثيرة وأهلها يحرثون الشعير (٣٠٩) والعرب يخزنون بها طعامهم. (وبقية هذه المراسي إلى الاسكندرية على أن نبتدئ من الاسكندرية إلى ما وقفنا عليه) (٣١٠) أن نقول (٣١١): فمن الاسكندرية إلى مرسى الكنائس ثلاث مجار.

стр. 140

ومن مرسى الكنائس إلى مرسى الطرفاوي [مجرى. ومن مرسى الطرفاوي] (٣١٢) إلى أول جون رمادة خمسون ميلا. ومن عقبة السلم إلى مرسى عمارة عشرة أميال. ومن مرسى عمارة إلى الملاحة ثلاثون ميلا. ومن الملاحة إلى لكّة عشرة أميال، وممّا يلي لكّة في البرية قصران يسمّى أحدهما كيب والثاني قمار. ومن لكّة إلى مرسى طرقة (٣١٣) خمسون ميلا. ومن طرقة إلى مرسى رأس تيني (٣١٤) مجرى (٣١٥) ونصف. ومن رأس تيني / إلى البندرية مجريان. ومن البندرية ينعطف البحر مارّا في جهة المغرب على استواء إلى طرف (٣١٦) التعدية مجريان لا عمارة بها (٣١٧)، ومن طرف التعدية يأخذ جون زديق في الإبتداء إلى آخره، وهذا الجون الذي أوله البندرية إلى أن ينتهي إلى اسكندرية قطعه روسية ستة مجار، وهو ستمائة ميل. وطول هذا الجون إلى الإسكندرية على التقوير احد عشر مجرى ونصف، وهي من الأميال ألف ومائة وخمسون ميلا. الإسكندرية: (وأما الاسكندرية فهي آخر مدن المغرب) (٣١٨) «وهي على ضفة البحر وبها الآثار العجيبة والرسوم الهائلة التي تشهد لبانيها بالملك والقدرة والحكمة (وكانت) (٣١٩) حصينة

стр. 141

الأسوار، عامرة الديار» (٣٢٠). ذكر الطبري (٣٢١) في «تاريخه» أن عمرو بن العاص لما افتتحها أرسل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - يقول: قد افتتحت لك مدينة عظيمة فيها اثنا عشر ألف حانوت يبيع البقل (٣٢٢) (٣٢٣). وبهذه المدينة (٣٢٤) المسلّتان وهما حجران مربعان، وأعلاهما ضيّق حاد، طول كل واحد منهما خمس قامات (٣٢٥)، وعرض قواعدها في كل واحد من وجوهها عشرة أشبار. ومحيط كل الجهات الأربع أربعون شبرا، وعليهما كتابات بالخط السرياني. وحكى أنهما منحوتتان من جبل بريم (٣٢٦) في غربي بلاد مصر، وعليها مكتوب أنا يعمر بن شدّاد، بنيت هذه المدينة حين لا هرم فاش ولا موت / ذريع، ولا شيب ظاهر، وإذا الحجارة كالطين وإذا الناس لا يعرفون لهم ربّا. فأقمت اسطواناتها، وفجّرت أنهارها وغرست أشجارها، وأردت أن أطول على الملوك بما أجعله فيها من الآثار المعجزة، فأرسلت الثبوت بن مرة العادي، ومقدام بن القمر (٣٢٧) بن أبي رغال الثمودي إلى جبل بريم (٣٢٦) الأحمر، فاقتطعا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما، فانكسرت ضلع الثبوت، فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له، وأقامهما لي الفطن بن جارود المؤتفكي في يوم السعادة. وهذه المسلة الواحدة في ركن البلد من الجهة الشرقية، والثانية منهما في بعض المدينة، وقيل إن المجلس الذي بجنوبي الإسكندرية المنسوب الى سليمان بن داود ﵉ أن يعمر بن شدّاد بناه، وقيل إن بانيه سليمان بن داود ﵉ واسطواناته وعضادتاه (قد ذهبت في هذه الأعصار المتأخرة) (٣٢٨).

стр. 142

وصفته على ما حكى صاحب خريدة العجائب أنه مجلس مربع الطول (٣٢٩) في كل رأس منه ستة عشر سارية، وفي الجانبين المتطاولين سبع وستّون سارية، وفي الركن الشمالي منه اسطوانة عظيمة ورأسها عليها، وفي أسفلها قاعدة رخام في محيط تربيع ودورها ثمانون شبرا (٣٣٠) وطولها من القاعدة إلى رأسها تسع قامات (٣٣١)، والرأس محرم / بأحكم صنعة وأتقن وضع، ولا أخت لها ولا يعلم أحد من أهل الإسكندرية، ولا من أهل مصر، ما المراد بوضعها مفردة في مكانها، وهي الآن مائلة ميلا كثيرا، لكنها ثابة آمنة من السقوط أهـ (٣٣٢). (قلت: ولقد وقفت عليها سنة احدى ومائتين وألف فلم يبق لهذا المجلس أثر، وأن هذه الإسطوانة المفردة باقية، احتفر تحتها أصحاب الطّمع رجاء أن يجدوا تحتها بعض الكنوز، فلما لم يجدوا شيئا ردموا ما احتفروه، ولقد رأيت بأعلى الاسطوانة عودا منصوبا فيه قدر ذراع من قماش على صورة الرّاية، ولم نكن نعهده قبل ذلك من السنين، فسألت عنه فأخبرت أن بعض تجّار الإفرنج كان له مركبا مشحون (٣٣٣) فاجتمع مع بعض تجارهم، وجرى بينهما اختلاف (٣٣٤) في أنه هل يمكن الوصول إلى أعلى هذه الأسطوانة. فقال صاحب المركب المشحون (٣٣٣) لا يمكن. فقال الآخر: يمكن. فقال له: إن طلعت إلى أعلاه، فلك مركبي بما فيه فأحضر جماعة، وأشهد عليه وذهبوا، فأخذ نشابا وربط به خيطا طويلا بحيث يصل إلى أعلى الأسطوانة، وينزل حتى يصل إلى الأرض، ومسك طرفه عنده ورمى به فوقع من الجهة الثانية، فربط بطرف الخيط حبلا وثيقا وجذب الخيط حتى وصل الحبل، فربطه بالأرض ربطا محكما من الجهتين، وطلع معه حتى / وصل، فوضع تلك الرّاية (٣٣٥) وأخذ المركب، فمات صاحب المركب أسفا. واليوم لم يبق بهذه المدينة إلا القليل، ولم يبق من الأشجار خارجها شيء، لم يبق إلا شيء قليل من شجر الكبر، بعد ما كانت في سالف (الأعصار) (٣٣٦) نزهة للناظرين (٣٣٧)، عامرة

стр. 143

الدّيار، كثيرة الأشجار، غزيرة الثمار، وبها يعمل من الثياب الفاخرة كل عجيب، ومن الأعمال الباهرة كل غريب، وليس في معمور الأرض مثلها، وهي إلى الآن مزدحم الرّجال ومحطّ الرحال، ومقصد التجّار، من سائر القفار والبحار، والنيل يدخل إليها من تحت أقبية إلى معمورها، ويدور بها وينقسم في دورها بصنعة عجيبة، وحكمة غريبة، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال، لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال، واحدى عجائب الدنيا فيها، وهي المنار التي لم ير مثلها في الجهات والأقطار. وبين (٣٣٨) المدينة (٣٣٩) والمنار ميل واحد [في البحر] (٣٤٠) وفي البر ثلاثة أميال، أحجارها من صميم الكذان، وقد أفرغ الرّصاص في أوصالها، فبعضها مرتبط ببعض (٣٤١) معقود لئلا (٣٤٢) ينفكّ البناء، والبحر يصدم أحجارها من الجهة الشمالية. وارتفاع هذه المنارة ثلاثمائة ذراع بالرّشاشى (٣٤٣) وهو ثلاثة أشبار وذلك أن طولها مائة قامة، وستة وتسعون قامة إلى القبّة التي بأعلاها، وطول القبّة أربع قامات. ومن الأرض إلى الحزام الأوسط / سبعون قامة، ويصعد إلى أعلاها من درج عريض في وسطها كالعادة في أدراج الصوامع، وينتهي الدرج الأول إلى نصفها، ثم ينقبض البناء في نصفها من الأربعة أوجه. وفي جوف هذا البناء وتحت أدراجه بيوت مبنية. ومن هذا الحزام الأوسط يطلع بناؤها إلى أعلاها، مقبوضا على مقدار البناء الأسفل بمقدار ما يستدير به الانسان من كل ناحية. ويصعد أيضا إلى أعلاها من هذا الحزام في أدراج أقل أقبية من الأدراج السّفلى، وفيه زراقات وأضواء في كل وجه منها، يدخل الضوء عليها من خارج إلى داخل بحيث يبصر الصاعد فيها حيث يضع قدميه حتى يصعد، والمنفعة فيها أنها علم توقد النار بها في وسطها، بالليل والنهار، في أوقات سفر المراكب، فيرى أهل المراكب تلك النار، فيعملون عليها وترى من بعد مجرى، لأنها تظهر بالليل كالنجم وبالنهار يرى منها دخان، وذلك أن الاسكندرية في آخر الجون متّصلة بها أوطية وصحار متصلة (٣٤٤)، لا جبل بها ولا علامة يستدل بها (٣٤٥) عليها. ولولا تلك النار لضلت أكثر

стр. 144

المراكب عن القصد إليها، وهذه النار تسمّى فانوسا (٣٤٦). ويقال (٣٤٧) إنه كان في أعلاها مرآة ترى فيها المراكب من مسيرة شهر، وكان بالمرآة أعمال وحركات تحرق المراكب في البحر إذا كان عدوا بقوة (٣٤٨) شعاعها، فارسل صاحب الروم يخدع صاحب / مصر ويقول له إن الاسكندر قد كنز بأعلى المنارة كنزا عظيما من الجواهر واليواقيت (٣٤٩) والأحجار التي لا تقوم (٣٥٠) خوفا عليها فإن صدقت فبادر إلى إخراجه، فإن شككت فأنا أرسل إليك مركبا موسوقا من ذهب وفضة وقماش وأمتعة لا تقوّم (٣٥١) ومكّني من استخراجه (٣٥٢) ولك من الكنز ما تشاء، فانخدع لذلك، وظنّه حقّا (٣٥٣)، فهدّم القبّة فلم يجد شيئا ممّا ذكر، وفسد طلسم المرآة. ونقل أنّ هذا المنار (٣٥٤) كان في وسط المدينة، وأن المدينة [كانت] (٣٥٥) سبع قصبات متوالية، وأنها أكلها البحر، ولم يبق منها إلا قصبة واحدة، وهي المدينة الآن، وصار المنار في البحر لغلبة البحر (٣٥٦) على قصبة المنار. ويقال إن مساجدها حصرت في وقت من الأوقات فكانت عشرين ألف مسجد (٣٥٧)، ويقال (٣٥٨) أيضا المنار من بنيان الاسكندر (ذي القرنين) (٣٥٩) عند بنيان الاسكندرية والله أعلم بصحة ذلك (٣٦٠).

стр. 145

الباب الرابع: في الكلام على جزيرة (١) الأندلس (٢) جغرافية الأندلس: وهي من المغرب الأوسط، قال ابن خلكان (٣) في ترجمة ابراهيم بن خفاجة «والأندلس بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم اللام، وبالسين المهملة، هي جزيرة متصلة بالبر الطويل، وهو متصل بالقسطنطينية العظمى، وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جميع جهاتها، إلا الجهة الشمالية، وهي مثلّثة الشّكل فالركن الشرقي منها / متّصل بجبل يسلك منه إلى إفرنجة، ولولاه لأحاط البحر بها من جميع الجهات، وحكي أن أول من عمّرها بعد الطّوفان أندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسمّيت باسمه» أهـ (٤) بالمعنى. فالرّأس (٥) الشرقي يضيق حتى يكون بين البحر الشّامي والبحر المظلم المحيط خمسة أيام، والرّأس العريض في أقصى المغرب عرضه من نحو سبعة عشر يوما، وهو محصور بالبحر المظلم والبحر الشامي. اليونان ودورهم بالأندلس: وأول من أظهر شأن الأندلس اليونان (٦). وهم الطّائفة المشهورة بالحكمة. وذلك أنهم كانوا يسكنون بلاد المشرق قبل عهد الاسكندر، فلما ظهر الفرس واستولت على البلاد،
следующие страницы →