← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأسوار، عامرة الديار» (٣٢٠). ذكر الطبري (٣٢١) في «تاريخه» أن عمرو بن العاص لما افتتحها أرسل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - يقول: قد افتتحت لك مدينة عظيمة فيها اثنا عشر ألف حانوت يبيع البقل (٣٢٢) (٣٢٣). وبهذه المدينة (٣٢٤) المسلّتان وهما حجران مربعان، وأعلاهما ضيّق حاد، طول كل واحد منهما خمس قامات (٣٢٥)، وعرض قواعدها في كل واحد من وجوهها عشرة أشبار. ومحيط كل الجهات الأربع أربعون شبرا، وعليهما كتابات بالخط السرياني. وحكى أنهما منحوتتان من جبل بريم (٣٢٦) في غربي بلاد مصر، وعليها مكتوب أنا يعمر بن شدّاد، بنيت هذه المدينة حين لا هرم فاش ولا موت / ذريع، ولا شيب ظاهر، وإذا الحجارة كالطين وإذا الناس لا يعرفون لهم ربّا. فأقمت اسطواناتها، وفجّرت أنهارها وغرست أشجارها، وأردت أن أطول على الملوك بما أجعله فيها من الآثار المعجزة، فأرسلت الثبوت بن مرة العادي، ومقدام بن القمر (٣٢٧) بن أبي رغال الثمودي إلى جبل بريم (٣٢٦) الأحمر، فاقتطعا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما، فانكسرت ضلع الثبوت، فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له، وأقامهما لي الفطن بن جارود المؤتفكي في يوم السعادة. وهذه المسلة الواحدة في ركن البلد من الجهة الشرقية، والثانية منهما في بعض المدينة، وقيل إن المجلس الذي بجنوبي الإسكندرية المنسوب الى سليمان بن داود ﵉ أن يعمر بن شدّاد بناه، وقيل إن بانيه سليمان بن داود ﵉ واسطواناته وعضادتاه (قد ذهبت في هذه الأعصار المتأخرة) (٣٢٨).

стр. 142

وصفته على ما حكى صاحب خريدة العجائب أنه مجلس مربع الطول (٣٢٩) في كل رأس منه ستة عشر سارية، وفي الجانبين المتطاولين سبع وستّون سارية، وفي الركن الشمالي منه اسطوانة عظيمة ورأسها عليها، وفي أسفلها قاعدة رخام في محيط تربيع ودورها ثمانون شبرا (٣٣٠) وطولها من القاعدة إلى رأسها تسع قامات (٣٣١)، والرأس محرم / بأحكم صنعة وأتقن وضع، ولا أخت لها ولا يعلم أحد من أهل الإسكندرية، ولا من أهل مصر، ما المراد بوضعها مفردة في مكانها، وهي الآن مائلة ميلا كثيرا، لكنها ثابة آمنة من السقوط أهـ (٣٣٢). (قلت: ولقد وقفت عليها سنة احدى ومائتين وألف فلم يبق لهذا المجلس أثر، وأن هذه الإسطوانة المفردة باقية، احتفر تحتها أصحاب الطّمع رجاء أن يجدوا تحتها بعض الكنوز، فلما لم يجدوا شيئا ردموا ما احتفروه، ولقد رأيت بأعلى الاسطوانة عودا منصوبا فيه قدر ذراع من قماش على صورة الرّاية، ولم نكن نعهده قبل ذلك من السنين، فسألت عنه فأخبرت أن بعض تجّار الإفرنج كان له مركبا مشحون (٣٣٣) فاجتمع مع بعض تجارهم، وجرى بينهما اختلاف (٣٣٤) في أنه هل يمكن الوصول إلى أعلى هذه الأسطوانة. فقال صاحب المركب المشحون (٣٣٣) لا يمكن. فقال الآخر: يمكن. فقال له: إن طلعت إلى أعلاه، فلك مركبي بما فيه فأحضر جماعة، وأشهد عليه وذهبوا، فأخذ نشابا وربط به خيطا طويلا بحيث يصل إلى أعلى الأسطوانة، وينزل حتى يصل إلى الأرض، ومسك طرفه عنده ورمى به فوقع من الجهة الثانية، فربط بطرف الخيط حبلا وثيقا وجذب الخيط حتى وصل الحبل، فربطه بالأرض ربطا محكما من الجهتين، وطلع معه حتى / وصل، فوضع تلك الرّاية (٣٣٥) وأخذ المركب، فمات صاحب المركب أسفا. واليوم لم يبق بهذه المدينة إلا القليل، ولم يبق من الأشجار خارجها شيء، لم يبق إلا شيء قليل من شجر الكبر، بعد ما كانت في سالف (الأعصار) (٣٣٦) نزهة للناظرين (٣٣٧)، عامرة

стр. 143

الدّيار، كثيرة الأشجار، غزيرة الثمار، وبها يعمل من الثياب الفاخرة كل عجيب، ومن الأعمال الباهرة كل غريب، وليس في معمور الأرض مثلها، وهي إلى الآن مزدحم الرّجال ومحطّ الرحال، ومقصد التجّار، من سائر القفار والبحار، والنيل يدخل إليها من تحت أقبية إلى معمورها، ويدور بها وينقسم في دورها بصنعة عجيبة، وحكمة غريبة، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال، لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال، واحدى عجائب الدنيا فيها، وهي المنار التي لم ير مثلها في الجهات والأقطار. وبين (٣٣٨) المدينة (٣٣٩) والمنار ميل واحد [في البحر] (٣٤٠) وفي البر ثلاثة أميال، أحجارها من صميم الكذان، وقد أفرغ الرّصاص في أوصالها، فبعضها مرتبط ببعض (٣٤١) معقود لئلا (٣٤٢) ينفكّ البناء، والبحر يصدم أحجارها من الجهة الشمالية. وارتفاع هذه المنارة ثلاثمائة ذراع بالرّشاشى (٣٤٣) وهو ثلاثة أشبار وذلك أن طولها مائة قامة، وستة وتسعون قامة إلى القبّة التي بأعلاها، وطول القبّة أربع قامات. ومن الأرض إلى الحزام الأوسط / سبعون قامة، ويصعد إلى أعلاها من درج عريض في وسطها كالعادة في أدراج الصوامع، وينتهي الدرج الأول إلى نصفها، ثم ينقبض البناء في نصفها من الأربعة أوجه. وفي جوف هذا البناء وتحت أدراجه بيوت مبنية. ومن هذا الحزام الأوسط يطلع بناؤها إلى أعلاها، مقبوضا على مقدار البناء الأسفل بمقدار ما يستدير به الانسان من كل ناحية. ويصعد أيضا إلى أعلاها من هذا الحزام في أدراج أقل أقبية من الأدراج السّفلى، وفيه زراقات وأضواء في كل وجه منها، يدخل الضوء عليها من خارج إلى داخل بحيث يبصر الصاعد فيها حيث يضع قدميه حتى يصعد، والمنفعة فيها أنها علم توقد النار بها في وسطها، بالليل والنهار، في أوقات سفر المراكب، فيرى أهل المراكب تلك النار، فيعملون عليها وترى من بعد مجرى، لأنها تظهر بالليل كالنجم وبالنهار يرى منها دخان، وذلك أن الاسكندرية في آخر الجون متّصلة بها أوطية وصحار متصلة (٣٤٤)، لا جبل بها ولا علامة يستدل بها (٣٤٥) عليها. ولولا تلك النار لضلت أكثر

стр. 144

المراكب عن القصد إليها، وهذه النار تسمّى فانوسا (٣٤٦). ويقال (٣٤٧) إنه كان في أعلاها مرآة ترى فيها المراكب من مسيرة شهر، وكان بالمرآة أعمال وحركات تحرق المراكب في البحر إذا كان عدوا بقوة (٣٤٨) شعاعها، فارسل صاحب الروم يخدع صاحب / مصر ويقول له إن الاسكندر قد كنز بأعلى المنارة كنزا عظيما من الجواهر واليواقيت (٣٤٩) والأحجار التي لا تقوم (٣٥٠) خوفا عليها فإن صدقت فبادر إلى إخراجه، فإن شككت فأنا أرسل إليك مركبا موسوقا من ذهب وفضة وقماش وأمتعة لا تقوّم (٣٥١) ومكّني من استخراجه (٣٥٢) ولك من الكنز ما تشاء، فانخدع لذلك، وظنّه حقّا (٣٥٣)، فهدّم القبّة فلم يجد شيئا ممّا ذكر، وفسد طلسم المرآة. ونقل أنّ هذا المنار (٣٥٤) كان في وسط المدينة، وأن المدينة [كانت] (٣٥٥) سبع قصبات متوالية، وأنها أكلها البحر، ولم يبق منها إلا قصبة واحدة، وهي المدينة الآن، وصار المنار في البحر لغلبة البحر (٣٥٦) على قصبة المنار. ويقال إن مساجدها حصرت في وقت من الأوقات فكانت عشرين ألف مسجد (٣٥٧)، ويقال (٣٥٨) أيضا المنار من بنيان الاسكندر (ذي القرنين) (٣٥٩) عند بنيان الاسكندرية والله أعلم بصحة ذلك (٣٦٠).

стр. 145

الباب الرابع: في الكلام على جزيرة (١) الأندلس (٢) جغرافية الأندلس: وهي من المغرب الأوسط، قال ابن خلكان (٣) في ترجمة ابراهيم بن خفاجة «والأندلس بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم اللام، وبالسين المهملة، هي جزيرة متصلة بالبر الطويل، وهو متصل بالقسطنطينية العظمى، وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جميع جهاتها، إلا الجهة الشمالية، وهي مثلّثة الشّكل فالركن الشرقي منها / متّصل بجبل يسلك منه إلى إفرنجة، ولولاه لأحاط البحر بها من جميع الجهات، وحكي أن أول من عمّرها بعد الطّوفان أندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسمّيت باسمه» أهـ (٤) بالمعنى. فالرّأس (٥) الشرقي يضيق حتى يكون بين البحر الشّامي والبحر المظلم المحيط خمسة أيام، والرّأس العريض في أقصى المغرب عرضه من نحو سبعة عشر يوما، وهو محصور بالبحر المظلم والبحر الشامي. اليونان ودورهم بالأندلس: وأول من أظهر شأن الأندلس اليونان (٦). وهم الطّائفة المشهورة بالحكمة. وذلك أنهم كانوا يسكنون بلاد المشرق قبل عهد الاسكندر، فلما ظهر الفرس واستولت على البلاد،

стр. 146

وزاحمت اليونان فيما كان بأيديهم من الممالك، انتقل اليونان إلى أرض الأندلس لكونها طرفا في آخر العمارة، ولم يكن لها ذكر يومئذ ولا ملكها أحد من الملوك، ولا كانت عامرة في الغاية إلا ما عمّره فيها أندلس بن يافث - كما تقدم -. وفي بعض التواريخ نقلا عن المسعودي (٧) في «مروج الذهب» أن الناس تنازعوا في نسب اليونان، فذهبت طائفة إلى أنهم ينتمون إلى الرّوم، ويضافون إلى العيص بن إسحاق، وقالت طائفة إن يونان من أولاد يافث بن نوح ﵇، وذهب قوم (٨) إلى أنهم جبل متقدم في الزمن الأول، ينتمون إلى جدّهم ابراهيم ﵇، لأن الديار كانت مشتركة، والمواطن كانت متساوية، وكان الروم قد شاركوا القوم / في السّجيّة والمذهب، فلذلك غلط من غلط في النسبة، وجعل الأب واحدا (٩). وكانت اليونان من أعقل الناس، وجميع العلوم العقليّة مأخوذة عنهم، مثل العلوم المنطقيّة والطبيعيّة والإلاهية والرّياضية، وكانت خزائن ملوكهم بقبرس، فحملت إلى المأمون، فأمر بنقلها إلى العربية، فهي التي في أيدي الناس اليوم من العلوم المذكورة. والعالم بهذه العلوم يسمّى فيلسوفا أي (محب للحكمة) (١٠) وكانت ملوكهم من أعظم الملوك، حتى غلبت عليهم الروم، قيل كان (١١) مسكنهم على الخليج القسطنطيني، من شرقيه وغربيه إلى البحر المحيط. وذكر المسعودي: أن يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر أخي أرفخشد، وأنه انفصل عن ديار أخيه في جماعة من أهله وولده، فخرج من أرض اليمن، حتى وافى المغرب، فأقام هناك، ونسل في تلك الأماكن، واستعجم لسانه فنسي نسبه (١٢). وكانت عمارة الأرض بعد الطوفان على شكل طائر رأسه المشرق، ورجلاه الشمال والجنوب، وما بينهما بطنه، والمغرب ذنبه، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته لإخراج الطائر. وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما فيه من الأضرار والاشتغال عن العلوم

стр. 147

التي كان أمرها عندهم أهم الأمور. فلذلك انحازوا بين يدي الفرس إلى الأندلس، فلما صاروا إليها أقبلوا على عمارتها، فشقّوا الأنهار، وبنوا المعاقل، وغرسوا الجنّات والكروم / وشيّدوا الأمصار وملؤوها حرثا ونسلا وبنيانا، فعظمت وطابت، حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها: إن الطائر الذي صورة العمارة على شكله، وكان المغرب ذنبه كان طاووسا، معظم جماله في ذنبه، فاغتبطوا بها أتمّ اغتباط، واتخذوا دار الملك والحكمة بها مدينة طليطلة، لأنها وسط البلاد، وكان أهمّ الأمور عندهم تحصينها عمن يتصل به خبرها من الأمم، فنظروا فإذا لم يحسدهم على رغد العيش إلا أرباب الشظف والشّقاء، وهم يومئذ طائفتان: العرب والبربر، فخافوهم على جزيرتهم المعمورة، فعزموا أن يتّخذوا لهذين الجنسين من الناس طلسما، فرصدوا لذلك أرصادا، ولما كان البربر بالقرب منهم، وليس إلا بتعدية البحر، وترد عليهم منهم طوائف منحرفة الطّباع، خارجة عن الأوضاع ازدادوا منهم نفورا وكثر تحذيرهم من مخالطتهم في نسل أو مجاورة، حتى استقرّ ذلك، وثبت في طباعهم، فصار بغضهم طبيعيا. فلما علم البربر عداوة أهل الأندلس لهم وبغضهم، بغضوهم وحسدوهم، فلا تجد أندلسيّا إلاّ مبغضا بربريّا، ولا بربريّا إلاّ مبغضا أندلسيا، إلاّ أن البربر أحوج إلى أهل الاندلس من أهل الأندلس إلى البربر، لكثرة وجود الأشياء بالأندلس وعدمها ببلاد البربر. وكان بنواحي / غربي جزيرة الأندلس ملك يوناني بجزيرة يقال لها قادس (١٣) وكانت له ابنة في غاية الحسن والجمال، فتسامع بها ملوك الأندلس، وكانت جزيرة الأندلس كثيرة الملوك لكل بلدة أو بلدتين ملك تناصفا منهم في ذلك، فخطب البنت كل ملك منهم، وكان أبوها يخشى من تزويجها لواحد منهم سخط الباقين، فتحيّر في أمره، وأحضر ابنته المذكورة. وكانت الحكمة مركّبة في طباع القوم ذكرهم وأنثاهم، ولذلك قيل إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض، على أدمغة اليونان، وأيدي أهل الصّين، وألسنة العرب.

стр. 148

فلما حضرت بين يديه قال لها: يا بنية، إني قد أصبحت في حيرة من أمري، قالت: وما خبرك؟ قال: قد خطبك جميع ملوك الأندلس ومتى أرضيت واحدا أسخطت الباقين. قالت: اجعل الأمر لي تخلص من اللوم. قال: وما تصنعين؟ قالت: أقترح لنفسي أمرا فمن فعله كنت زوجته، ومن عجز عنه فليس يحسن به السخط، فقال: وما الذي تقترحين؟ قالت: أقترح أن يكون ملكا حكيما. قال: نعم الذي اخترته لنفسك. فكتب في أجوبة الملوك الخطاب: أني قد جعلت الأمر إليها فاختارت من الأزواج الملك الحكيم. فلما وقفوا على الأجوبة سكت عنها كل من لم يكن حكيما، وكان في الملوك رجلان حكيمان، فكتب كل واحد منهما إليه أنا الملك الحكيم، فلما وقف على كتابيهما قال: يا بنية بقي الأمر / على اشكاله، وهذان ملكان حكيمان أيهما أرضيت أسخطت الآخر، قالت: سأقترح على كل واحد منهما أمرا يأتي به، فأيهما سبق إلى الفراغ ممّا التمسته، تزوجت به، قال: وما الذي تقترحين عليهما؟ قالت: إنا ساكنون بهذه الجزيرة، وانا محتاجون إلى رحى (١٤) تدور بماء، وإني مقترحة على أحدهما إدارتها بالماء العذب الجاري إليها من ذلك البر، ومقترحة على الآخر أن يتخذ لي طلّسما يحصن به جزيرة الأندلس من البربر (١٥). فاستظرف أبوها اقتراحها وكتب إلى الملكين بما قالته ابنته، فأجابا إلى ذلك، وتقاسماه على ما اختارا، وشرع كل واحد في عمل ما قبله من ذلك. فأما صاحب الرّحى فإنّه عمد إلى خرز عظيمة اتخذها من الحجارة، ونضد بعضها إلى بعض في البحر المالح الذي بين الأندلس والبر الكبير، في الموضع المعروف بزقاق سبتة وسد الفرج التي بين الحجارة بما اقتضته حكمته، وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة (١٦)، وبقيت آثارها في الزّقاق الذي بين سبتة والجزيرة الخضراء، وأكثر أهل الأندلس يزعمون أن هذا أثر قنطرة كان الاسكندر قد عملها ليعبر النّاس عليها من سبتة إلى الجزيرة والله أعلم بأصح القولين، فلما تمّ تنضيد الحجارة للملك الحكيم، جلب إليها الماء العذب من موضع عال في الجبل بالبر الكبير، وسلّطه على ساقية محكمة، وبنى بجزيرة الأندلس رحى على هذه / الساقية (١٧). وأما صاحب الطلسم فإنه أبطأ عمله

стр. 149

بسبب انتظار الرّصد الموافق لعمله، غير أنه عمل أمره وأحكمه، وابتنى بنيانا مربعا من حجر أبيض، على ساحل البحر، في رمل حفر أساسه إلى أن جعله تحت الأرض مقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت، فلما انتهى البناء المربّع إلى حيث اختار، صوّر من النحاس الأحمر والحديد المصفّى (١٨) مخلطين بأحكم الخلط صورة رجل بربري له لحية، وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائم في رأسه بجعودته، متأبط بصورة كساء، قد جمع طرفيه على يده اليسرى بأضبط تصوير وأحكمه، وفي رجليه نعلان، وهو قائم على رأس البناء على مستهدف (١٩) بمقدار رجليه فقط، وهو شاهق في الهواء، طوله ينيف على ستين ذراعا، وهو محدودب (٢٠) الأعلى إلى أن ينتهي إلى ما سعته ذراع، وقد مدّ يده اليمنى بمفتاح قفل قابضا عليه كأنه يقول: لا عبور، فكان من أمر هذا الطلسم في البحر الذي تجاهه أنه لم ير قط ساكنا، ولا كانت تجري فيه قط سفينة بربري، حتى سقط المفتاح من يده. وكان الملكان العاملان للرحى والطلسم يتسابقان إلى إتمام عملهما، إذ كان بالسبق يستحق التزويج، وكان صاحب الرحى قد فرغ لكنه يخفي أمره عن صاحب الطلسم حتى لا يعلم به فيبطل الطلسم، وكان يود عمل الطلسم حتى يحظى بالمرأة والرحى / والطلسم. فلما علم باليوم الذي يفرغ صاحب الطلسم في آخره، أجرى الماء بالجزيرة من أول واد إلى الرحى (٢١) واشتهر (٢٢) ذلك، فاتصل الخبر بصاحب الطلسم وهو في أعلاه يصقل وجهه، وكان الطلسم من ذهب (٢٣) فلما تحقق أنه مسبوق ضعفت نفسه، فسقط من أعلى البناء ميتا، وحصل صاحب الرحى على المرأة والرحى والطلسم (٢٤). وسيأتي خبر بيت الحكمة التي وضعها اليونان بطليطلة عند التعرض لذكرها في غزوة موسى بن نصير لبلاد الأندلس - إن شاء الله -.

стр. 150

وطول (٢٥) بلاد الأندلس من كنيسة الغراب التي على البحر المظلم إلى الجبل المسمّى بهيكل الزّهرة ألف ومائة ميل، وعرضها من كنيسة شنّت ياقوب (٢٦) التي على أنف بحر الانقليشين (٢٧) إلى مدينة المرية التي على البحر الشامي ستمائة ميل. طليطلة وما جاورها: وبلاد الأندلس مقسومة من وسطها في الطول بجبل طويل يسمّى الشارات، وفي جنوب هذا الجبل مدينة طليطلة، وهي مركز لبلاد الأندلس، (وهي قاعدة ملك اليونان (٢٨)، ولها بساتين محدقة وأنهار مخترقة، ورياض وجنان، وفواكه حسان، مختلفة الطعم والألوان، ولها من جميع جهاتها أقاليم وسيعة) (٢٩) وهي (٣٠) من بناء العمالقة العادية، ولها أسوار حصينة، وهي على ضفة البحر الكبير، يشقها نهر يسمّى تاجة ولها / قنطرة عجيبة على قوس واحد، والماء يدخل من تحته بشدة جري، وفي آخر النهر ناعورة طولها تسعون ذراعا بالرشاشي، يصعد الماء إلى أعلى القنطرة، فيجزي على ظهرها، ويدخل إلى المدينة، ولها رساتيق مربّعة، وضياع وسيعة، وقلاع منيعة، وبجبل الشارات الذي في شمالها من الغنم والبقر ما يعمّ البلاد كثرة ونموا. وما خلف الجبل في جهة الجنوب يسمّى اشبانيا، وما خلفه في جهة الشمال يسمّى قشتالة. ومن مدينة طليطلة إلى مدينة قرطبة بين غرب وجنوب تسع مراحل.

стр. 151

ومنها أيضا إلى مدينة المرية (بفتح الميم وكسر الراء المخففة) (٣١)، وهي على البحر الشامي تسع مراحل. ومن طليطلة إلى لشبونة غربا تسع مراحل. ومن طليطلة إلى شنت ياقوب (٣٢) على بحر الانقليشين تسع مراحل. قرطبة: (ولما صارت الأندلس في ملك الإسلام، وتولاها بنو أميّة، جعلوا قاعدة الأندلس مدينة قرطبة عوضا عن طليطلة فيما سبق من أيّام اليونان والروم، فكانت قرطبة دار الخلافة الإسلامية، وهي مدينة عظيمة، وأهلها أعيان البلاد، وسادات الناس في كمال الحسن والملابس، والمراكب وعلوّ الهمم، وبها أعلام العلماء، وسادات الفضلاء، وأجلاء القراء، وأمجاد الحروب) (٣٣) وهي (٣٤) في نفسها خمس مدن، يتلو بعضها بعضا / وبين المدينة والمدينة سور حصين حاجز، لكل مدينة منها ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمّامات والصّناعات، وطولها ثلاثة أميال، وعرضها ميل واحد [وهي] في سفح جبل مطلّ عليها يسمّى جبل العروس (٣٥)، وبمدينتها الثالثة، وهي الوسطى، باب القنطرة. وبها الجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، فيه من السواري الكبار ألف سارية، وفيه مائة وثلاثة عشرة ثريا للوقيد، أكثر ما تحمل الواحدة (٣٦) ألف مصباح، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر على وصفه (٣٧)، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد، طول كل قوس فوق القامة، قد تحيّر الرّوم والمسلمون في وصف حسنها، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران، واثنان لازورديان (٣٨)، (لا تقوّم بمال) (٣٩) وبه منبر ليس على معمور الأرض مثله في

стр. 152

حسن صنعته، وخشبه ساج وآبنوس وبقس (عود قاقلي) (٤٠) ويذكر في تاريخ بني أمية أنه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمان (٤١) صناع، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمّدي، فكانت (٤٢) جملة ما أصرف على المنبر أجرة لا غير، عشرة آلاف مثقال وخمسون مثقالا. وفي الجامع حاصل كبير فيه آنية الذهب والفضة لأجل الوقود، وبهذا / الجامع أربع ورقات من مصحف (٤٣) عثمان بن عفّان - رضي الله تعالى عنه - بخطّ يده (٤٤)، وفيه نقط من دمه (٤٥)، وله عشرون بابا مصفّحة (٤٦) بالنحاس (٤٧) الأندلسي، محزمة (٤٦) تحزيما يعجز عن وصفه البشر، وفي كل باب حلقتان (٤٨) في نهاية الصّنعة والحكمة، وبه الصومعة التي هي من عجائب الدّنيا، وارتفاعها مائة ذراع بالمالكي المعروف بالرّشاشي (٤٩) كل ذراع بثلاثة أشبار، وفيها من أنواع الصنائع الرقيقة ما يعجز الواصف عن وصفه واتقانه، (وبهذا الجامع ثلاثة أعمدة مكتوب على كل واحد اسم محمد ﷺ وعلى الآخر صورة عصا موسى ﵇ وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح ﵇ (٥٠) - الجميع خلقة ربّانية) (٥١). وبمدينة قرطبة القنطرة العجيبة، التي فاقت قناطر الدنيا حسنا وارتفاعا، وعدد أقواسها سبعة عشر قوسا، سعة كل قوس منها خمسون شبرا، وبين كل قوسين خمسون شبرا، ومع هذا فمحاسنها أعظم من أن يحيط بها وصف. ومن عجائب قرطبة الزّهراء بالألف الممدودة، قال ابن خلكان (٥٢): فهي من

стр. 153

أعاجيب أبنية الدّنيا أنشأها أبو المظفر عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله، الملقّب بالنّاصر (٥٣)، أحد ملوك بني أميّة بالأندلس بالغرب من قرطبة، أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة (٥٤) ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل: / وطول الزّهراء من الشّرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة (٥٥) إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السّواري التي بها أربع ألاف سارية وثلاثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر بابا (٥٦). وكان النّاصر يقسم جباية البلاد أثلاثا، فثلث للجند وثلث مدّخر وثلث ينفقه على عمارة الزّهراء، وكانت جباية الأندلس [يومئذ] خمسة آلاف ألف دينار، وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق المستخلص سبعمائة ألف [وخمسة وستون ألف] (٥٧) دينار، وهي من أهول ما بناه ملوك الأندلس (٥٨) وأجله قطرا وأعظمه شأنا. المرية: وأما المرية (٥٩) فكانت مدينة الإسلام في أيام الملثمين من شيعة يوسف بن تاشفين، وكان بها من جميع الصّناعات كل غريبة وكان بها نسج طراز الحرير ثمانمائة نول (٦٠)، ولحلل الحرير النفيسة والديباج الفاخر ألف نول (٦١) والسقلاطون كذلك، وللثياب الحركانية كذلك والأصبهاني كذلك، وللعباني (٦٢) كذلك وبها يصنع المعاجر المدهشة والستور المكللة، وكان يصنع بها جميع آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف.

стр. 154

وكان بها من أنواع الفاكهة العجيبة تأتيها من وادي بجانة (٦٣) ما يقصر عنه الوصف حسنا وطيبا، وكثرة واتّساعا، وتباع بأرخص ثمن. وهذا الوادي طوله أربعون ميلا في مثلها / كلها بساتين مغلقة، وجنّات وأنهار مطردة، وطيور مغردة، ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالا من أهلها، ولا أكثر متاجر، ولا أعظم ذخائر. وكان بها من الفنادق والحمّامات ألف فندق إلا ثلاثين. وهي بين جبلين (٦٤) بينهما خندق معمور، على الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وعلى الجبل الآخر ربضها، والسّور محيط بالمدينة والرّبض، وبغربيها ربض آخر يسمّى ربض الحوض، ذو أسواق وحمّامات، وفنادق وصناعات، وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة، وأحجار قديمة، وكأنها غربلت تربتها، وبها مدن وضياع عامرة، متّصلة الأنهار. أقاليم الأندلس: واعلم أن جزيرة الأندلس تشتمل على أقاليم كثيرة ومدة وحصون، فأوّل (٦٥) أقاليمها إقليم البحيرة، وهو إقليم مبدؤه من البحر المظلم، ويمر مع البحر الشّامي، وفيه من البلاد جزيرة طريف والجزيرة الخضراء، وجزيرة قادس، وحصن أركش، وبكّة (٦٦)، وشريش، وطشانة (٦٧)، ومدينة ابن السليم (٦٨)، وحصون كثيرة كالمدن [عامرة]. فأما جزيرة طريف (٦٩) فهي على البحر الشامي في أول المجاز المسمّى بالزّقاق، ويتّصل غربيها ببحر الظلمة، وبها مدينة صغيرة، وأمامها جزيرتان، وهما على مقربة من البر. وأما الجزيرة الخضراء فهّي أول جزيرة افتتحت من الأندلس في صدر الإسلام

стр. 155

(على يد طارق بن عبد الله بن ونمو الزناتي مولى موسى بن نصير) (٧٠) وبهذه الجزيرة مدينة، وعلى باب البحر منها / مسجد يسمّى بمسجد الرّايات، ويقال إن هناك اجتمعت رايات القوم للرأي، وكان وصولهم إليها من جبل طارق، سمي بذلك لأن طارقا لما نزل بمن معه من البرابر وتحصّنوا بهذا الجبل أحس في نفسه أن العرب لا تثق به، فأراد إزاحة ذلك عنه، فأمر بإحراق المراكب التي جاز فيها، فتبرأ بذلك ممّا اتّهم به (وغلب اليوم عليه التسمية بجبل الطارق فرخم في غير الندا وأدخل عليه ال) (٧١). ويتلو هذا الإقليم إقليم شذونة، وهو من إقليم البحيرة شمالا، وفيه من المدن إشبيلية ومدينة قرمونة، وغلسانة، وحصون كثيرة. ويتلوه اقليم الشرف، وهو ما بين إشبيلية ولبلة والبحر المظلم، وهو أربعون (٧٢) ميلا في مثلها، يمشي فيه السّائر في ظلّ التّين والزّيتون فيه ثمانية ألاف قرية بالأسواق والحمّامات، والفنادق والدّيار الحسنة، وفيه من المعاقل (٧٣) حصن القصر، ومدينة لبلة وولبلة، وجزيرة شلطيش، وجبل العيون. ثم يليه إقليم الكنبانية وفيه من المدن قرطبة، والزّهراء وأستجة (٧٤)، وبيّانة، وقبرة، واليشانة (٧٥). ويلي اقليم الكنبانية اقليم أشونة، وفيه حصون عامرة كالمدن، مثل لورة، وأشونة، وهو اقليم صغير. ويليه مع الجنوب اقليم ريّة، وفيه من المدن مدينة مالقة، وهي (٧٦) مدينة واسعة الأقطار، عامرة الدّيار، قد استدار بها من جميع جهاتها شجر التّين، المنسوب / إلى

стр. 156

ريّة، وهو من أحسن التّين لونا، وأكبره جرما، وأنعمه شحما، وأحلاه طعما، حتى يقال إنه ليس في الدّنيا مدينة عظيمة، يحيط بها سور من حلاوة، عرض السّور يوم للمسافر، إلاّ مالقة، يعني أن شجر تينها الشبيه بالحلاوة، يحيط بها إحاطة السّور، ويحمل من تينها إلى سائر الأقاليم حتى للهند (والصّين، وذلك مسافة سنة، لحسنه وحلاوته، وعدم دخول السّوس فيه، وصحة بقائه) (٧٧) ولها ربضان عامران، ربض عامر بالناس (٧٨) وربض التبانين (٧٩). وفي إقليم ريّة (٨٠)، وأرشذونة، ومربلّة، وببشتر (٨١)، وبشكصار (٨٢) وغيرها من الحصون. ويتلو هذا الأقليم اقليم البشارات، وفيه من المدن جيّان، وجملة حصون وقرى كثيرة تشفّ على ستمائة قرية، يتّخذ بها الحرير. ثم اقليم بجّانة، وفيه من المدن المرية، وبرجة، وحصون كثيرة منها مرشانة، وبرشانة، وطرجالة، وبالش. ويتلوه في جهة الجنوب اقليم إلبيرة (٨٣) وفيه من المدن غرناطة، وهي مدينة (٨٤) أحدثها حبوس (٨٥) الصّنهاجي، وبنى قصبتها وأسواقها، ثم زاد في عمارتها ابنه باديس بعده، وهي مدينة يشقها [نهر يسمّى حدرّو وعلى جنوبها] (٨٦) نهر الثّلج المسمّى شنيل (٨٧)، ومبدؤه من جبل شلير (٨٨)، والثّلج بهذا الجبل لا يبرح. وبهذا الإقليم وادي آش والمنكب وحصون وقرى كثيرة، ثم كورة تدمير، وفيها من المدن مرسية،

стр. 157

وأوريولة (٨٩)، وقرطاجنة، ولورقة، ومولة، وجنحالة ويتصل / بكورة كونكة (٩٠)، وفيها ألش، ولقنت، وكونكة وشقورة. ويليه اقليم مرباطر، وفيه من البلاد بلنسية، ومرباطر، وبريانة، وحصون كثيرة. ويليه مع الجوف اقليم القواطم، وفيه من البلاد شنت مارية المنسوبة لابن رزين (٩١). ويتصل به اقليم الولجة، وفيه من البلاد سرتة وفتة (٩٢) وقلعة رباح. ويلي هذا الإقليم إقليم البلالطة وفيه حصون كثيرة، ومن أكبرها بطروش وغافق، وحصن ابن هارون، وغيرها دونها في الكبر. ويلي هذا الإقليم غربا اقليم الفقر (٩٣)، وفيه من البلاد شنت مارية (٩٤)، ومارتلة، وشلب، وحصون كثيرة وقرى. ويلي هذا الإقليم [اقليم القصر وفيه القصر] (٩٥) المنسوب لأبي (٩٦) دانس، وفيه يابورة، وبطليوس، وشريشة، وماردة، وقنطرة السيف وقورية. ويليه اقليم البلاط، وفيه مدينة البلاط، ومدلين. ويلي هذا الإقليم اقليم بلاطة، وفيه شنترين (٩٧)، ولشبونة، وشنترة. ويليه اقليم الشارات وفيه طلبيرة، وطليطلة، ومجريط (٩٨)، والفهمين، ووادي الحجارة، وأقليش ووبذة. ويليه أيضا اقليم أرنيط، وفيه من البلاد قلعة أيوب، وقلعة دروقة، ومدينة سرقسطة (٩٩).

стр. 158

ثم يليه اقليم الزيتون، وفيه جاقة، ولاردة، ومكناسة، وافراغة. ويليه اقليم البرتات، وفيه طرطوشة، وطركونة، وبرشلونة. ويلي هذا الإقليم غربا / اقليم مرمرية، وفيه حصون خالية ومما يلي البحر حصن طشكر وكشطالي، وكتندة (١٠٠). فهذه كلها أقاليم [أشبانيا المسمّى جملتها] (١٠١) الأندلس (ولولا خشية السآمة لذكرنا مسافة ما بين هذه البلدان، لكن لا فائدة لنا في ذكرها هنا، لأن الأندلس ساعة التاريخ في يد العدو - أعادها الله تعالى للاسلام - والكلام عليها يطول، وتتبعه هنا يعد من الفضول. مدن ساحلية: واعلم أن جنوبي بلاد الأندلس متصل بالبحر الشامي - كما تقدم - وتقدم أنه مار ما بين بلاد الأندلس وبلاد العدوة) (١٠٢). فمالقة (١٠٣) من بلاد الأندلس يقابلها من العدوة المزمّة، وبادس، وبينهما عرض البحر مجرى يوم بالريح الطيبة المعتدلة. وكذلك المرية من الأندلس يوازيها من العدوة هنين، وعرض البحر بينهما مجريان. وكذلك أيضا مدينة دانية يقابلها من العدوة مدينة تنس، وبينهما ثلاث مجار. وكذلك مدينة برشلونة تقابلها من [عدوة المغرب الأوسط] (١٠٤) مدينة بجاية، وبينهما أربع مجار في عرض البحر، والمجرى مائة ميل. جزر البحر الشامي: وبين بر الأندلس وبر العدوة جزر كثيرة، صغيرة وكبيرة، معمورة ومغمورة، فمن الجزر الكبيرة جزيرة سردانية وجزيرة قرسقة، وجزيرة صقليّة، ومن الصغار جزيرة مالية وبانوشة (١٠٥)، وأسقرنجلو، وجبل اليركان، ثم جزيرة اليركان، وجزيرة لبيس، وجزيرة

стр. 159

دندمة، وجزيرة أم الحمار، وجزيرة الطرفانية، وجزيرة أنكوذة، وأشتقة، والبالية، وجزيرة الراهب، ومليطمة، وقوصرة (١٠٦)، / والكتاب، ونموشة، وكمونة، ومالطة، وغودش، ولنبدوشة. ولنذكر بعض هذه الجزر المشهورة، ونعرض عن الباقي لطول الكلام عليها. وهذه الجزر العامرة كلها فتحها الإسلام، ثم رجعت الآن في يد العدو، وقال (١٠٧) في رحلة التجاني: «وبجزيرة شريك يعني (من أرض تونس) (١٠٨) اجتمع الرّوم عند دخول عبد الله بن سعد بن أبي سرح المغرب ثم ارتحلوا إلى اقليبية وركبوا منها إلى جزيرة قوصرة فيقال أنهم أقاموا بها إلى خلافة عبد الملك بن مروان فأغزى عبد الملك ابن قطن في البحر فافتتح جزائر افريقية كلها» (١٠٩). فأما جزيرة (١١٠) يابسة، فهي حسنة، وأقرب مدن الأندلس إليها دانية، وبينهما مجرى. وفي شرقي جزيرة يابسة جزيرة ميورقة، وبينهما مجرى. وتقابل منورقة شرقا، مدينة برشلونة من الأندلس، وبينهما مجرى. ومن منورقة إلى جزيرة سردانية أربع مجار شرقا (١١١). وسردانية جزيرة كبيرة القطر، كثيرة الجبال، قليلة المياه، طولها مائتان وثمانون ميلا وعرضها من المغرب إلى المشرق، وطولها مار من الجنوب إلى الشمال مع قليل تشريق، وفيها ثلاث مدن، منها القيطنة، وهي مما يلي جنوبيها، وهي عامرة، ومنها مدينة خالدة وهي رأس المجاز إلى جزيرة قرسقة، ومنها إلى قشتيلية. وأهل جزيرة (١١٢) سردانية في الأصل روم أفارقة متبربرون. وفي جزيرة سردانية /

стр. 160

معادن الفضة الجيدة، ومنها تخرج الفضة إلى كثير من بلاد الروم. وبين سردانية وجزيرة قرسقة (١١٣) مجاز طوله عشرون ميلا. صقلية: وأما جزيرة صقلية (١١٤) وتوصف بسيسليا (١١٥) فهي مثلثة الشكل، فالجهة الشرقية منها من مدينة مسينة إلى جزيرة الأرنب مائتا ميل، ومن جزيرة الأرنب إلى اطرابنش (١١٦) أربعمائة وخمسون ميلا، وهو الوجه الجنوبي، والوجه الثالث من اطرابنش إلى الحرّاش إلى الغار مائتان وخمسون ميلا، فمساحة محيطها تسعمائة ميل، وانتهت عمارتها سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (١١٧) إلى مائة بلد وثلاثين بلدا، وكان فتحها أسد بن الفرات - رحمه الله تعالى - وهي اليوم بيد العدو أعادها الله للاسلام. وأول مدنها المشهورة بلرم (١١٨)، وهي المدينة العظمى على ساحل البحر في الجانب الغربي، والجبال محدقة بها، وهي على قسمين، قصر وربض، فالقصر هو القديم المشهور، وهو في ذاته على ثلاثة أسمطة، وكل سماط مشتمل على قصور، والربض مدينة أخرى تحدق بالمدينة من جميع الجهات، وبه المدينة القديمة المسماة بالخالصة (١١٩) التي كان بها مسكن السّلطان والخاصة في أيام المسلمين، وبها دار الصناعة للانشاء، والمياه بجميع جهات مدينة صقلية مخترقة، وعيونها جارية متدفقة، وبخارج الربض من الجهة الجنوبية منها نهر (١٢٠) عباس، وهو جار، عليه جمل من الأرحاء الطاحنة ما لا يحتاج معها إلى غيرها / وبالشرق من المدينة على مرحلة منه قلعة ثرمة (١٢١) وبها حمتان

стр. 161

متقاربتان من أجل الحمّامات، وعليها بنيان قديم الزمان، وبجانبها الغربي محل يعرف بالتّربيعة، وهو من المنازه البديعة. وبشرقي جزيرة صقلية مدينة مسّينا، والجبال من الناحية الغربية محدقة بها، ومرساها من أعجب المراسي المتحدّث به في سائر البلاد، لأن أكبر ما يكون من السفن العظام يرسي من الشاطىء بحيث يتناول ما فيها من البر بالأيدي، ومن بلاد صقلية شكلة، وهي قلعة في أعلى جبل على البحر بنحو ثلاثة أميال، وبها العين المعروفة بعين الأوقات، ومن غريب أمرها أنها تجري في أوقات الصّلاة، وتجف في غير ذلك. ومنها مازر واليها ينسب الإمام المازري - رحمه الله تعالى - والخراز واليها ينسب الخرّازي (١٢٢). وأما جزيرة مليطمة، فهي توازي تونس. وفي شرقي مليطمة، قوصرة (١٢٣)، وبين قوصرة وبرّ افريقية مجرى، وقوصرة جزيرة حصينة فيها آبار وسواحل وأشجار زيتون، وهي توازي نابل، وتوازي بين الشاقة ومازر، وبينهما مجرى. ومن قوصرة في عين الشرق جزيرة غودش، وبينهما مائة ميل وفيها مرسى مأمون. ومن جزيرة غودش إلى جزيرة كمونة وهي كبيرة. ومنها في شرقيها جزيرة مالطة - دمّرها الله - وهي جزيرة كبيرة وفيها مرسى مأمون / وبينها وبين (أقرب بر من) (١٢٤) صقليّة، وهو موضع يقال له أكرنتة، ثمانون ميلا، وليس بعد مالطة لناحية الشّرق والجنوب إلاّ جزيرة أقريطش. وأما جزيرة لنبدوشة (١٢٥) فبينها وبين أقرب بر من أفريقية وهو قبودية (١٢٦) مجريان، وبالأنبدوشة مرسى مأمون يكنّ من كل ريح، ويحمل الأساطيل الكثيرة، وهذا المرسى منها في الغرب والجنوب. ومنها في جهة الشمال جزيرة لطيفة هي جزيرة الكتاب، بينهما خمسة أميال وفيما ذكرناه (١٢٧) كفاية والله أعلم (١٢٨) وأحكم.

стр. 162

المقالة الثّانية في ذكر الخلافة وخلفاء الصّحابة بعد رسول الله ﷺ ومن بعدهم من خلفاء بني أميّة بالمشرق وفتوحات المغرب في أيّامهم وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في الخلافة وخلافة النبي ﷺ والخلفاء الأربعة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - مفهوم الخلافة: فنقول إن الخلافة التي جعلها الله لآدم - على نبيّنا وعليه (١) أفضل الصلاة والسلام - في الأرض، ولذريته الصالحين من بعده، هي إقامة الله تعالى بشرا من خلقه لاقامة أحكام الله وتنفيذ قضاياه بين خلقه تعالى، وعمارة أرضه وسياسة عباده، وتكميل نفوسهم، رحمة منه تعالى لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، تعالى، وتلقّي أمره بلا / واسطة، ولذلك لم يكن النبيء ملكا، وفي ذلك لطف ورفق بالعباد. هذه هي الخلافة الحقيقية، وعليها تقع المبايعة، وهي المعاقدة على القيام على موجب الكتاب والسنة، حسبما يرشد إليه قوله علت كلمته: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا﴾

стр. 163

﴿يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ الآية (٢) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٣). فالكتاب والسّنّة طريق الخلافة الحقيقية، فمن قام بهذه الخلافة على حقها سمي خليفة راشدا، كالخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ فهذا هو الإمام العادل، وإليه الإشارة بقوله علت كلمته: ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ (٤) الآية. ومن كان مخالفا لما بويع عليه من الكتاب والسنة فهو غير راشد، وإن أخذها بغير حقها، بل جبروتا وغصبا فهو مستخلف لا خليفة، وهو باسم الملك أحق من اسم الخليفة، واطلاق الخليفة عليه من حيث اظهار صورة البيعة التي عقدت له غصبا. واعلم أن منصب الخلافة عظيم، وخطب جسيم، إلاّ على من وفقه الله وعصمه وحفظه، فروى البغوي (٥) في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٦): أن لقمان كان نائما نصف النهار / فنودي يا لقمان: هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق، فأجاب الصّوت وقال: إن خيّرني ربّي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم إن فعل ذلك بي أعانني وعصمني (٧). فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشقى المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان إن يعن فبالحري (٨) أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن تخيّر الدّنيا على الآخرة تفتنه (٩) الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة، فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها اهـ (١٠). ولا بد في خلافة الاسلام من شرط (١١) كون الخليفة قريشيّا، لقوله - عليه

стр. 164

الصلاة والسلام - الخلافة في قريش، والفرق بين الخليفة الحقيقي، والملك والسّلطان، أن الخليفة يأخذ بالحق ويعطي بالحق، والملك من لا يبالي من أين أخذ ولا فيما أعطى، حسبما ترشد له قصّة عمر - رضي الله تعالى عنه - حين قال لبعض أصحابه: أملك أنا أم خليفة؟ فقيل له إذا وضعت شيئا من بيت المال في غير حقه، وأخذته من غير حقه، مصادرة أو غصبا قصد الأخطاء فأنت ملك لا خليفة، وذلك لأن الملك يعسف الناس ولا يبالي بما فعل، وأما السّلطان فهو من يأخذ ويعطي مطلقا / وفي ولايته أمراء يكون ملكهم تحته، ويكون عسكره عشرة آلاف فأكثر ويملك ممالك متعددة، كالشام ومصر، فإن زاد مملكة أو جيشا كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه سلطان السلاطين، والسّلطان الأعظم. ويشترط أن يخطب له في ممالك متعددة أقلها ثلاثة أيام، وأكثرها ثلاثة أشهر، فما فوق اهـ من حسن المحاضرة (١٢) بالمعنى. وقد أرشدنا لمدة الدّنيا ولحكمة الخلافة ما روي عن ابن عباس (١٣) - رضي الله تعالى عنهما - دنياكم هذه أسبوع من أسابيع الآخرة، وانكم في آخر يوم منه، فإن الله يبعث في كل ألف سنة نبيئا بمعجزات واضحة، وبراهين قاطعة، لرفع أعلام دينه القويم، وظهور سراطه المستقيم، فكان في الألف الأولى آدم ﵇ وفي الثانية، ادريس ﵇، وفي الثالثة نوح ﵇ وفي الرابعة ابراهيم ﵇، وفي الخامسة موسى ﵇ وفي السّادسة عيسى ﵇ وفي السّابعة محمّد ﵊ وبه ختمت النبوءة وتمّت به آلاف الدّنيا، كذا قال في «أصول التواريخ»، ولم يبق بعد النبوءة الاّ الخلافة من الأمة المحمدية، وفي هذه اشارة إلى أن ما بعد الألف السابعة (لا يبلغ ألفا بل كسور ألف) (١٤) وإلاّ لم يكن أسبوعا، ولا يشترط في الرسول صاحب الألف / أن يكون على رأس الألف، ولا أن يكون بينه وبين غيره ألف.

стр. 165

وذكر الشيخ محي الدين بن العربي (١٥) في «مسامرته» نقلا عن ابن عباس أن ما بين آدم ونبينا محمد ﷺ خمسة آلاف سنة، وخمسمائة وخمسة وسبعون سنة، وعلى ما رواه الكلبي عن أبي صالح أنه ستة آلاف سنة وتسعة عشرة سنة، وتفصيل ذلك من آدم إلى نوح ﵉ ألف سنة ومائتا سنة، ومن نوح إلى ابراهيم ﵉ ألف ومائة سنة، ومن ابراهيم إلى موسى ﵉ خمسمائة وخمسة وسبعين سنة، ومن موسى إلى داود ﵉ ألف وثلاثمائة وخمس وستون سنة، ومن عيسى إلى محمّد - صلّى الله عليهما وسلّم - ستمائة سنة، وللناس من الأمم في ذلك اختلاف كثير. آدم ﵇ أول الخلفاء: وأول خلفاء هذا النوع الإنساني في الأرض هو أبو البشر آدم ﵇ حسبما يرشد إليه قوله علت كلمته ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١٦) فلما نزل إلى الأرض نزل حزينا كئيبا لمفارقة دار الكرامة، ووحشته في الأرض، اذ لم يكن فيها أحد من هذا النوع غيره وزوجه، ونزل هو بجبال سرنديب (١٧) من أرض الهند، ونزلت هي بجدّة، وقد جعل الله سكون الزوج لزوجه كما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ (١٨) الآية. واستصحب في خروجه من الجنة سفرجلة (١٩) فشمّها فحصل له من طيبها منيّ في صلبه، خلقه الله

стр. 166

لتناسل النوع البشري، فتحركت فيه الشهوة، فاشتد شوقه لحواء، حكمة إلا هية، فطلب حواء فوجدها بعرفة فتغشّاها، فحملت بذكر وأنثى في بطن واحد، واستمر التوالد بينهما حتى بلغ عشرين بطنا، بذكر وأنثى في كل بطن (٢٠)، ثم أمره الله تعالى بتزويج الذّكر من هذا البطن بأنثى البطن الآخر، وأنثاه بذكر الآخر وهكذا. ولما أراد الله تعالى خروج نور نبيّنا محمد ﷺ أوحى الله إليه بعد قتل قابيل أخاه هابيل (٢١)، أنّي مخرج منك نورا أجعله خاتم الأنبياء وخيار الأئمة والخلفاء، أختم الزمان بمدته فشمّر يا آدم وتطهّر وقدّس وسبّح، ثم اغش زوجك على طهارة منكما فإن وديعتي ونوري ينتقل إلى الولد الكائن بينكما، فغشيها ﵉ فحملت لوقتها بشيث (٢٢) ﵇ وهو عوض عن هابيل الذي قتله قابيل، فتلألأ النور في وجهها، فلما وضعته كان أكمل الأولاد خلقا وخلقا، وصورة وبشرا، فسمّاه آدم ﵇ شيث، ومعناه هبة الله فكان وصيّه وولي عهده بنبوءته، فلما حضرته الوفاة، أوصى لابنه شيث بالقيام بالشريعة، وعمر آدم تسعمائة سنة وثلاثين سنة على ما نقل / عن «التوراة» وقال وهب: عاش آدم ألف سنة وقبره قيل بأبي قبيس (٢٣) بغار فيه يقال له غار الكنز، فلما جاء الطّوفان حمله نوح في السّفينة، فلما نزل منها ردّه إلى ذلك الغار (٢٤)، وقيل إن قبر آدم في بيت المقدس، رأسه عند مسجد ابراهيم ﵇ ورجلاه عند الصّخرة الشّريفة، وقيل غير ذلك وعاشت حواء بعده سنة واحدة ودفنت معه، وقيل بجدّة وعمرها تسع مائة وسبع وستون سنة، فكان فيه وفي بنيه النبوءة، وأوصى لابنه كيومرث (٢٥) بالملك والسياسة.

стр. 167

كيومرث: فكان كيومرث أول ملوك بني آدم، كما أن شيث أول نبيء بعد آدم، وسبب ذلك أن آدم ﵇ ما حضرته الوفاة إلاّ وقد بلغ عدد أولاده وأولاد أولاده أربعين ألفا، ومن ضرورة الكثرة الإختلاف والتّنازع، والتّغالب لاختلاف الطباع، وتنافي الاختيارات، فلما كان آدم قائم الحياة كان يسوسهم بحق الأبوة والنبوءة، ولما حضرته الوفاة اختار خلاصة أولاده، وهما شيث وكيومرث، فأقام كل واحد منهما فيما خلقه الله لأجله، ثم أن آدم ﵇ أعطاهما أربعين صحيفة ليعملا بما فيها، فولى شيث حفظ أمور الدين والآخرة، وكيومرث حفظ الممالك ونظامها التام، والسياسة بالضبط وتعمير الأرض. مهلائيل: فأما كيومرث فكان ملكه مائتي سنة وثلاث وعشرين سنة، وعمره ألف سنة فعهد لولده (٢٦)، وولده لولده حتى / أفضى الملك للخامس، وهو مهلائيل (٢٧) بن قينان (٢٨)، فكثر الخلق في زمنه، وتضايقوا وتزاحموا، وكان سكناهم بالكهوف والغابات والجبال، ففرق الخلق للأقطار فنزل مهلائيل (٢٧) مع من كان معه إذ ذاك من أولاد شيث بأرض بابل، فابتدأ ببناء مدينة بابل، فهو أول من بنى المدائن، وقيل إن كيومرث هو الذي ابتدأ بناية مدينة اصطخر، ومدينة نهاوند. شيث وذريته: وأما شيث فكان بأرض مصر، فلما مات وعمره تسعمائة سنة واثنا عشر سنة، دفن بقرب آدم ﵇ وكان أوصى بعهده إلى ابنه أنوش، ثم إلى ابنه قينان،

стр. 168

ثم إلى ابنه مهلائيل (٢٩) ثم إلى ابنه يرد (٣٠)، ثم إلى ابنه أخنوخ (٣١)، وهو ادريس ﵇ ثم إلى متّوشلخ، ثم إلى ابنه لامك (٣٢)، ثم إلى ابنه نوح النبيء ﵇ فكانت الوصيّة تارة تجتمع مع النبوءة وتارة مع الولاية والحكمة، وتملّك فيهم عشرة آباء من أكابر أولاد آدم، فكانوا على شرع آدم ووصيته وعهده، وكان فيهم النبوءة والولاية، والحكمة والملك، وكان لهم سلاطين وملوك على شرائعهم إلى آخر أيّام نوح ﵇ وكان ملك زمانه فرعان الذي قام عليه الطوفان. ادريس: وادريس ﵇ هو أول من دبّر الأرض ووزن الماء وأجرى النّيل للزراعات، ونصب الجر عليه لمعاملات القرى، وصعد إلى أول مسيل / النّيل، لأنه ولد بمصر، فخرج منها وطاف الأرض، ودعا الخلق إلى الله، ثم رحل إلى المشرق وأطاعه جميع الملوك، وابتنى مائة وأربعين مدينة، ثم عاد إلى مصر، ودبّر أمر النيل من أول مجراه إلى موضع انصبابه في البحر الرّومي بقرب دمياط (٣٣) وكان جمع أهل مصر، وأمرهم باصلاح الأرض من خفض المرتفع ورفع المنخفض بما رآه في علم النجوم والهيئات، وهو أوّل من تكلّم في هذه العلوم، وأخرجها من القوّة إلى الفعل ووضع فيها الكتب، ورسم فيها التّعاليم، ثم سار إلى أرض الحبشة والنّوبة، وجمع أهلها وزاد في مسافة جري النيل، ونقّص بحسب بطئه وسرعته في طريقه، حتى كمل حساب جريه ووصوله إلى أرض مصر في أول زمان الزّراعة على ما هو عليه الآن، فهو أول من دبّر جري النيل إلى أرض مصر، وهو الهرمس الأول، النبوي الحكمي السّلطاني، الفلكي

стр. 169

الملكي، الرّوحاني العقلي الإنساني، ويسمّى هرمس الهرامسة، أي حكيم الحكماء المشهورة، فله ثلاث مناصب: نبوءة آدمية، وحكمة إلاهيّة، وسلطنة أرضية، وله تجرد ملكي وسياحة فلكية (٣٤)، عرج إلى الأفلاك، وشاهد أطوارها وأدوارها، غلبت روحانيته بشريته، فصار كثير الإنسلاخ عن البدن، وهو صاحب المعراج الملكي، خالط الملائكة الكرام، والأرواح المجرّدة، ولم يأكل، قيل لم يتم ستة عشر عاما حتى بقي عقلا / مجردا وروحانية في فلك الشمس، وهو وسط الأفلاك حسبما يرشد إليه علت كلمته بقوله: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ (٣٥) تحته ثلاثة أفلاك، وفوقه مثلها، حسبما ذكره الشيخ الأكبر في الفصل الادريسي. وادريس هو أوّل من كتب الكتب في أسرار الهياكل، وأدوار الأفلاك، وأطوار الأرواح المجرّدة، وأول من صنف كتاب «كنز الأسرار في علم الحروف» ولما صنّف الكتب الكثيرة، حرصا على تخليد علومه، أخذ جبريل أكثرها، فألقاه في البحر لحكمة الاهية، لما فيها من اظهار أسرار الرّبوبيّة التي اقتضت الحكمة اخفاءها عن العامة، فمن أراد أخذ تلك العلوم أخذها بالقوة العاقلة القليلة القدسيّة، مما بقي من كتبه، فإنها اقتبس (٣٦) منها أساطين الحكماء أحكام علوم الأفلاك، وأسرار الحروف، والخواص الفلكية والأرضية، ثم خلطت طوائف أرذال الحكماء من الدهريّة والطبيعيّة، زخارف الفلسفة بتلك العلوم، فيجب الاحتراز عن علومهم المزخرفة، فإنها لا تخفى على العقلاء، وإلاّ وقع الإنسان في سوء الاعتقاد كما وقع لابن سيناء والفارابي ومن تبعهم. وهو ﵇ أول من خاط بالإبرة، واشتهر بالحرفة. ولما ظهر في زمنه عبادة أولاد قابيل لغير الله تعالى أرسله الله تعالى نبيئا بعد شيث، فزجر وأمر ونهى، وجاهد وسبى وهو أول من أرسل بالدعوة / القهريّة، فسن الجهاد والقتل والسّبي لمن كفر، واستخرج آلات القتال من السيف والسرج، وما يتوقف عليه الجهاد، واستنبط علوم الكتابة من الأوضاع الحرفية والأقلام. وهو أول من أسّس الهياكل، ومجّد الله فيها، وبنى الأهرام والمناير، وصور فيها جميع الصنائع والآلات، ورسم فيها العلوم، حرصا على تخليدها لمن بعده، لما تحقق وقوع الطوفان. ولما مضى من عمره ثلاثمائة سنة وستون

стр. 170

سنة، رفعه الله إلى السماء من أرض مصر، فهو الآن فيها، والعامة تزعم أنه مات بمصر، وأن أحد أهرام مصر قبر شيث، والآخر قبر ادريس ﵉ (٣٧). وبأرض مصر ثمانية عشر أهراما، قيل في كل واحد منها قبر ملك من ملوكها، البعض قبل الطّوفان، والبعض بعده، كذا قيل، وفي أمرها اختلاف كثير، والله أعلم. وفي الخبر النبوي أن ادريس هو الياس، وقيل ينزل مرّة أخرى كما ينزل عيسى ﵇ قال مشايخ الصّوفية: له جولان في الأرض، وقطبيّة برّيّة، مع خلافة محمديّة كما للخضر أخيه قطبيّة بحرية، وبينهما اجتماع برا وبحرا، عند سد ياجوج وماجوج، وفي مكة وعرفات، كما ورد في أحاديث أوردها السّيوطي - رحمه الله تعالى - في «الجامع الصغير والجامع الكبير» وتواترت عليهما أخبار الصّوفية كشفا ومشاهدة واجتماعا بهما، كما ذكر ابن العربي في «الفتوحات / المكية». وبعد الطوفان أول ملوك مصر هو مصر بن حام بن نوح ﵇، وهو أبو القبط كلهم، وبه سمّيت تلك البلاد، وبعث هود ﵇ في زمنه فدعاه إلى التّوحيد فما آمن، فهو أول الفراعنه بعد الطوفان. إبراهيم وإبنيه: ومن الفراعنة فرعون ابراهيم ﵇ قال الثّعلبي في كتاب «العرائس» (٣٨) من قصص الأنبياء، لما نجّى الله خليله ابراهيم من نار النمرود، وآمن به من آمن، خرج مهاجرا إلى ربّه، وتزوج ابنة عمه سارة، وسار ومن معه فقدم إلى مصر، وبها فرعون الفراعنة الأولى (٣٩)، وكانت سارّة من أحسن النساء، وكانت لا تعصي ابراهيم، وبذلك أكرمها الله تعالى، فأتى ابليس إلى فرعون وقال له: إن ههنا رجلا ومعه امرأة من أحسن النساء، فأرسل الجبار إلى ابراهيم ﵇ فقال له: ما هذه المرأة منك؟ (٤٠)

стр. 171

فقال: هي أختي، وخاف إن قال هي امرأتي أن يقتله، فقال له: زينها وأرسلها إلي، فرجع إبراهيم إلى سارة فقال لها: إن هذا الجبّار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فإنه ليس مسلم في هذه الأرض غيري وغيرك، ثم أقبلت سارّة إلى الجبّار وقام ابراهيم يصلّي وقد رفع الله الحجاب بين ابراهيم وسارّة، ينظر إليها منذ أن فارقته إلى أن / عادت إليه، اكراما له وتطييبا لقلب ابراهيم ﵇ فلما دخلت سارة على الجبار ورآها، دهش في حسنها، ولم يملك نفسه أن مدّ يده إليها، فيبست يده على صدره، فلما رأى ذلك أعظم أمرها، فقال لها: سلي ربّك أن يطلق يدي عليّ فو الله اني لا أوذيك فقالت سارة: اللهم إن كان صادقا فاطلق يده، فأطلقها الله تعالى، فوهب لها هاجر، وهي جارية قبطيّة جميلة، وردها إلى ابراهيم، فأقبلت إلى ابراهيم ﵇ فلما أحس بها انتقل من صلاته، وقال: هيه؟ قالت: كفى الله كيد الفاجر ووهبني هاجر، وقد وهبتها إليك فلعل الله يرزقك منها ولدا صالحا، وكانت سارة قد منعت الولد حتى أيست، فتغشّى ابراهيم هاجر فحملت وولدت له اسماعيل. وأقام ابراهيم بأرض فلسطين بين الرّملة وإيليا، وهو يضيّف من يأتيه، وقد وسّع الله عليه وبسط له في الرّزق والمال والخدم. قيل إن فرعون مصر لما وهب هاجر وهب معها تلك الأرض فأقطعها ابراهيم، فبقيت له ولبنيه من بعده، فهو يستطعم ويضيّف منها، فظهر من هذا أن الفراعنة كانت تعظّم الأنبياء، وكانوا يعترفون بملكوت السموات (والأرض) (٤١) وبه صدر أمر الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - وامتنعوا من تصديق الأنبياء احتجاجا بالكهانة والسحر والنجوم والسيمياء / ودعوا الألوهية ممن يدعيها، إنما هو طغيان وعتوّ واظهار للناس مع الاعتراف في أنفسهم بالعجز والافتقار، ثم إن الله - تعالى - تفضّل على سارّة بأن رزقها اسحاق، وأرسل الملائكة لابراهيم ولها بالبشارة، فرزق ابراهيم اسماعيل من هاجر، واسحاق من سارّة. قيل إن اسماعيل واسحاق تهاوشا وتضاربا كما يتهاوش الأطفال، فقالت سارّة: فرّق بين ابنيك، فأوحى الله إلى ابراهيم ﵇ أن يأتي بهاجر وابنها إلى مكة، فذهب بها حتى قدم مكة وهي اذ ذاك عضاة وسلم، وموضع البيت ربوة حمراء، فعمد

стр. 172

بها إلى موضع الحجر - بسكون الجيم -، فأنزلهما فيه، وأمرهما أن يتخذا عريشا، ثم انصرف فتبعته هاجر فقالت: أمرك بهذا ربّك؟ قال: نعم. قالت: اذن لا يضيعنا، فرجعت عنه وكان معها شن ماء فنفذ، فعطشت وعطش ولدها، حتى نزلت في الوادي، فغابت عنه فهرولت حتى صعدت الجانب الآخر وهو موضع الصّفاء فرأته واستمرت إلى أن صعدت مكان المروة فما رأت أحدا وتردّدت كذلك سبعا، فعادت إلى ولدها وقد نزل جبريل ﵇ فضرب موضع زمزم بجناحه فنبع الماء، فبادرت هاجر إليه وحبسته من السيلان كي لا يضيع (٤٢). روي لولا أنها / حبسته لكانت عينا معينا، فشربت وأروت ولدها وقال لها جبريل: لا تخافي الضّيعة فإن هنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، فإن الله لا يضيع أهله». قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي في «تفسيره» (٤٣): لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في جواز طرح ولده وعياله بأرض مضيعة اتكالا على الله العزيز الرحيم، واقتداء بفعل ابراهيم ﵇ فإنه فعل ذلك بأمر الله اهـ (٤٤). ولأنه قيل إن ابراهيم ﵇ سخّر الله له البراق، فكان ابراهيم يركبه متى أراد فيتفقدهما ويرجع من ساعته (٤٥). ثم إنه مرت فرقة من جرهم قبيلة من عرب اليمن كانوا قاصدين الشّام، فاستاذنوا هاجر في المقام معها ليؤنسوها، ويشربون من زمزم على جهة الفضل على أن الماء ماؤها فأذنت (لهم بذلك) (٤٦) ثم شب اسماعيل وتزوج منهم (٤٧) وتكلم بلسانهم لنشأته معهم، فتعرّب وولد من بنات جرهم أولادا يتكلمون بلغة جرهم، فمن ثم يقال لبني اسماعيل: العرب المستعربة، ويقال لجرهم وقحطان: العرب العاربة، والعرب العرباء، وكان لسان ابراهيم عبرانيا، ولسان اسماعيل عربيا.

стр. 173

العرب: طرف من أصلهم وبعض من أخبارهم: ولما جرى ذكر جرهم فلا بد من ذكر طرف من أصلهم، وبعض من أخبارهم. فنقول: «ذكر صاحب (٤٨) «المختصر في أخبار البشر» (٤٩) أن المؤرخين قسمت / العرب ثلاثة أقسام بائدة (٥٠) وعاربة ومستعربة. أما البائدة فهم العرب الأولى الذين ذهبت عنا تفاصيل أخبارهم لتقادم عهدهم وهم عاد وثمود وجرهم الأولى، فكانت على عهد عاد فبادوا (٥١) ودرست أخبارهم، وأمّا جرهم الثانية فهم أولاد قحطان بن الهميسع بن ثابت بن اسماعيل، وبجرهم الثانية اتصال (٥٢) اسماعيل النبيء ﵇ ولم يبق من العرب البائدة إلاّ القليل. وأما العرب المستعربة فهم ذريّة اسماعيل النبيء ﵇. وأما العرب العاربة فهم عرب اليمن والحجاز من ذريّة قحطان المتقدم، وذلك أنه خلف واحدا وثلاثين ذكرا أمّهم واحدة، كانوا نزلوا أولا بالهند، فلما هلكت عاد وبقي من عقبهم طائفة من مكة وهم عاد الأخرى هلكوا، وفي الحديث أنهم مسخوا نسانس (٥٣)، لكل واحد منهم يد ورجل بشق واحد، ينقرون كما ينقر الطيور، ويرعون كما ترعى البهائم، وقيل أولائك انقرضوا، والموجود من النّسانس خلق على صفتهم كالقردة، والخنازير الموجودين الآن، غير الممسوخ من بني اسرائيل. وأصل جرهم الثانية أنهم نجب من أولاد قحطان اثنان أحدهما جرهم الثاني المقدّم الذّكر، فملك الحجاز ثم ملك بعده ولده عبد ياليل ابن جرهم، ثم ابنه جرهم،

стр. 174

ثم بعد جرهم ابنه المدّان / ثم بعد المدان ابنه نفيلة، ثم بعد نفيلة ابنه عبد المسيح، ثم بعد عبد المسيح نفيلة، ثم عمر بن مضاض، ثم بعده أخوه الحارث بن مضاض مائة سنة، ثم ابنه عمر بن الحارث مائة وعشرين سنة، ثم أخوه البشر بن الحارث، ثم مضاض الأصغر أربعين سنة وجرهم المذكورون هم الذين اتصل بهم اسماعيل النبيء ﵇، وقد انقرضوا (٥٤). وثاني نجبا: أولاد قحطان ابنه يعرب بن قحطان وسيأتي خبره. ولاية الكعبة: ثم إن ابراهيم ﵇ تزوّج بعد وفاة سارّة قطورا بنت يقطن الكنعانية (٥٥) فولدت له ستة أولاد، وولد (٥٦) لاسماعيل بن ابراهيم من زوجته رعلة (٥٧) ابنة مضاض ابن عمرو الجرهمي اثنا عشر رجلا منهم نابت بن اسماعيل، وقيدار (٥٨) ووطور (٥٩)، فلما بلغ اسماعيل مائة وثلاثين سنة مات، ودفن بالحجر مع أمّه ﵇ فولي البيت بعده نابت بن اسماعيل، ونشر الله العرب من نابت فكثروا ونموا ثم توفي نابت، فتولى البيت بعده جده لأمه مضاض بن عمرو الجرهمي، وضمّ إليه بني نابت بن اسماعيل، وصار ملكا عليهم وعلى جرهم، ونزلوا بقيقعان (٦٠) بأعلى مكّة، وكانوا أصحاب سلاح كثير، ونزل العمالقة بأسفل مكّة، فصاروا إلى رجل منهم ولوه ملكا عليهم يقال له السّميدع، ونزلوا بأجياد، وكانوا أصحاب خيل، وكان الأمر بمكة لمضاض بن عمرو دون السميدع إلى أن حدث بينهما البغي واقتتلوا، فقتل السميدع، وتم الأمر لمضاض بن

стр. 175

عمرو، وفي ذلك يقول قائلهم: / [طويل] ونحن قتلنا سيّد الحيّ عنوة ... فأصبح فيها وهو حيران موجّع (وما كان يبغي أن يكون خلافنا ... بها ملك حتى أتانا السّميدع) (٦١) فذاق وبالا حين حاول ملكنا ... وعالج منا غصّة متجرّع فنحن عمرنا البيت كنّا ولاته ... ندافع عنه من أتانا ونمنع (٦٢) وما كان (٦٣) حقا أن يلي ذاك غيرنا ... ولم يك حي قبلنا ثم يدفع (٦٤) وكنا ملوكا في الدّهور التي مضت ... ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع ثم نشر الله بني اسماعيل وأخوالهم جرهما، فكانت جرهم ولاة البيت لا ينازعهم بنو اسماعيل لخؤولتهم وقرابتهم، فلما ضاقت مكّة وانتشروا في الأرض، فلا يأتون قوما ولا ينزلون بلدا إلاّ أظهرهم الله عليهم بدينهم، وهو يومئذ دين ابراهيم ﵇ حتى ملؤوا البلاد ونفوا عنها العمالقة، وكانوا ضيّعوا الحرم، بل حرمة الحرم (٦٥)، ثم أن جرهما استخفوا بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، وأحدثوا فيها ما لم يكن قبل ذلك، فقام فيهم مضاض (٦٦) بن عمرو بن الحارث بن مضاض (٦٧) خطيبا، فقال: يا قوم احذروا البغي، فقد رأيتم من كان قبلكم من العمالقة كيف استخفّوا بأمر البيت، فلم يعظّموه، فسلّطكم الله عليهم فأخرجتموهم، فتفرقوا في البلاد، وتمزقوا كل ممزق، فلا تستخفوا بحق الله فيخرجكم منه. فلم يطيعوه، وقالوا: من يخرجنا ونحن أعزّ

стр. 176

العرب، وأكثر رجالا وسلاحا، فقال لهم: إذا جاء أمر الله بطل ما تقولون. واعتزل / جرهما وأخذ معه بني اسماعيل، فسلّط الله على جرهم خزاعة فحاربوهم واعتزل عمرو مع بني اسماعيل حربهم، فغلبت خزاعة وأخرجت جرهما من الحرم (٦٨)، فاستأذن عمرو خزاعة أن يساكنهم، فأبت خزاعة ذلك وقالوا: من قارب الحرم من جرهم فدمه هدر، وأبقوا معهم بني اسماعيل. ثم نزلت ابل لمضاض بن عمرو، ودخلت مكة فأخذتها خزاعة، ونحرتها وأكلتها، فتبع أثرها مضاض فوجدها دخلت مكة، فسلك الجبال حتى طلع على جبل أبي قبيس، فتبصّر ابله في بطن الوادي، فرأى الابل تنحر وتؤكل، ولا سبيل إليها، ورأى أنه إن هبط الوادي قتل فولى منصرفا إلى أهله (٦٩) ويقول: [طويل] كأنّ لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر (٧٠) وكنّا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بهذا البيت والخير ظاهر (وكنّا لاسماعيل صهرا وجيرة) (٧١) ... فأبناؤه منّا ونحن الأصاهر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بين (٧٢) الناس تجري المقادر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة (٧٣) ... كذلك عضّتنا السنون الغوابر وسحّت دموع العين (تبكي لبلدة) (٧٤) ... بها حرم أمن وفيها المشاعر بواد أنيس لا يطار حمامه ... ولا ينفرن يوما لديه العصافر (وفيها وحوش) (٧٥) لا تراب أنيسة ... (إذا خرجت منها فما أنت غادر) (٧٦)

стр. 177

فيا ليت شعري هل يعمّر بعدنا ... (جياد ويقضي سيله والظواهر) (٧٧) وهل فرح يأتي بشيء نريده ... وهل جزع ينجيك مما تحاذر / فانطلق مضاض بمن معه إلى اليمن (٧٨) وهم محزونون على مفارقة مكة، وصارت خزاعة حجّاب بيت الله الحرام (٧٩)، وولاة أمر مكّة، وفيهم بنو اسماعيل لا ينازعونهم في شي، ولا يطلبونه، إلى أن كبر شأن قصيّ بن كلاب بن مرة، فاستولى على حجابة البيت وأمر مكّة، وقالوا: قصيّ أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا بمكة، فكانت إليه الحجابة والوفادة، والسقاية والنّدوة، واللواء والقيادة وهو الذي جمع أمر قريش فسمي مجمّعا، بكسر الميم المشددة، وفي ذلك يقول القائل: [طويل] أبوكم (٨٠) قصيّ كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر هم ملكوا البطحاء مجدا وسؤددا ... وهم طردوا عنها غزاة بني عمرو قيل سميت قريشا لاجتماعهم على قصيّ، والتّقرّش هو الاجتماع، وقيل لغير ذلك، واستمرّ بنو قصيّ كذلك إلى زمن ظهور النبيء ﷺ . روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: كان بمكّة حيّ يقال لهم العمالقة، كانوا في عز ثروة، وكانت لهم خيل وابل ومواش ترعى حول مكّة، وكانت العضاة ملتفة والأرض مبقلة، وكانوا في عيش رخي، فبغوا في الأرض وأسرفوا على أنفسهم، وأظهروا الظلم والالحاد، وتركوا شكر الله، فسلبوا نعمتهم، وكانوا يكرون الظّل، ويبيعون الماء، فأخرجهم الله من مكّة بأن سلّط عليهم النّمل حتى خرجوا من

стр. 178

الحرم (٨١)، ثم ساقهم بالجدب حتى ألحقهم الله بمساقط رأس آبائهم من بلاد اليمن، فتفرقوا وهلكوا / وأبدل الله بعدهم الحرم بجرهم فكانوا سكانه إلى أن بغوا فيه أيضا، فأهلكوا جميعا اهـ (٨٢). فظاهر هذا الأثر يقتضي سبق العمالقة على جرهم، وكان مبدأ قصيّ وترقّية أن أباه كلاب بن مرّة تزوّج فاطمة بنت سعد بن سيل (٨٣) فولدت له زهرة وقصيّا، فهلك كلاب وقصي صغير واسمه زيد، فسمي قصيّا، مصغّر قصي، لأنه أبعد عن أهله ووطنه مع أمه لما توفي أبوه، فتزوجها ربيعة بن حرام (٨٤)، فرحل بها إلى الشام، وولدت له رزاحا (٨٥)، فلما كبر قصي وقع بينه وبين آل ربيعة شر، فعيّروه بالغربة، وقالوا له: ألا تلحق بقومك؟ وكان لا يعرف له أبا غير ربيعة بن حرام زوج أمه، فشكا إليها ما عيروه به فقالت له: يا ولدي أنت أكرم أبا منهم، أنت ابن كلاب بن مرّة، وقومك بمكّة عند البيت الحرام (٨٦) فقدم مكة فعرف (له قومه فضله) (٨٧) وقدّموه وأكرموه وكانت خزاعة مستولية على البيت ومكة، وكان كبيرهم حليل (٨٨) بن حبشية الخزاعي بيده [مفتاح] (٨٩) البيت الشريف والسدانة فخطب إلى حليل ابنته، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته حييّ (٩٠)، فتزوجها قصي فكثرت أولاده وأمواله، وعظم شرفه، وهلك حليل، فأوصى بمفتاح البيت الشريف لابنته حييّ، فقالت: لا أقدر على السّدانة، فجعلت ذلك لأبي غبشان وكان سكّيرا يحب الخمر، فأعوزه في بعض الأوقات ما يشربه من الخمر، فباع المفتاح / بزق خمر، فاشتراه منه قصيّ، وسار في الأمثال: «أخسر من

стр. 179

صفقة أبي غبشان» (٩١). فلما صار المفتاح إلى قصيّ، تناكرته خزاعة وكثر كلامها عليه، فاجتمع على حربهم، فحاربهم وأخرجهم من مكّة، وولي قصي أمر الكعبة (٩٢)، وجمع قومه فملكوه على أنفسهم وكانوا يحترمون أن يسكنوا مكة ويعظمونها عن أن يبنوا بها بيتا مع بيت الله فكانوا يكونون بها نهارا فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل، ولا يستحلون الجنابة بمكة، فلما جمع قصي قومه إليه أذن لهم أن يبنوا بمكّة بيوتا وأن يسكنوها، وقال لهم: ان سكنتم الحرم هابتكم العرب ولم تستحل قتالكم، ولا يستطيع أحد إخراجكم، فقالوا له: أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم حول البيت وفي ذلك يقول قائلهم: «أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا. . .» (٩٣). وابتدأ فبنى دار النّدوة (٩٤) والنّدوة في اللغة الاجتماع، فكانوا يجتمعون فيها للمشورة وغيرها من المهمات، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش إلاّ فيها، ولا يدخلها من قريش ولا غيرهم إلاّ ابن أربعين سنة، وبنو قصي يدخلونها كلهم، وقسم جهات البيت الشريف بين طوائف قريش، فبنوا دورهم حول الكعبة من الجهات الأربع (٩٥)، وتركوا للطواف (٩٦) ببيت الله مقدارا، وهو المسمى بالمطاف، فاجتمع لقصيّ ما لم يجتمع لغيره / من الحجابة والسّقاية، والرّفادة (٩٧)، والنّدوة، واللّواء، والقيادة - حسبما مر -. فالحجابة هي سدانه البيت بتولي مفتاحها، والسّقاية سقي الحجّاج كلهم الماء العذب، وكان عزيزا بمكة فيجلب إليها ليسقى الحجاج منه، وينبذ لهم بالتّمر والزّبيب لتقوى حلاوته، فكانت وظيفة فيهم، وأما الرّفادة فإطعام الطعام لسائر الحجاج، تمدّ لهم الأسمطة أيّام الحجّ، وكانت السّقاية والرفادة مستمّرة إلى أيام الخلفاء ومن بعدهم

стр. 180

من الملوك والسلاطين. قال التقي الفاسي (٩٨) ﵀: إن الرّفادة كانت أيّام الجاهلية وصدر الإسلام، واستمرّت إلى أيامنا، وهي الطعام يصنع بأمر السّلطان بمنى للناس حتى ينقضي الحج اهـ (٩٩). وأما الآن فقد انقطع ذلك. وأما اللّواء (١٠٠) فراية تعقد إلى محاربة عدو، ويجتمعون تحتها، وأما القيادة فإمارة الجيش إذا خرجوا إلى حرب، فاجتمعت هذه كلّها لقصيّ، فلما كبر سنه، وضعف بدنه، قسّمها بين أولاده، وكان عبد الدار أكبر أولاده، وكان عبد مناف شرف في زمن أبيه. فقال قصيّ لعبد الدار: لألحقنّك يا بني بالقوم وإن شرفوا عليك، فأعطاه الحجابة باسلام مفتاح البيت إليه، وقال: لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تفتحها له أنت، وأعطاه السّقاية واللّواء. وقال: لا يشرب أحد إلاّ / من سقايتك، ولا يعقد لواء لقريش لحربها إلاّ أنت بيدك، وجعل له الرّفادة وقال: لا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلاّ من طعامك، وكانت الرّفادة خرجا تخرجه قريش من أموالها في كل موسم، فتدفعه إلى قصيّ، فيصنع به طعاما للحجّاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وكان قصيّ فرض ذلك على قريش جميعهم وقال لهم: يا معشر قريش، إنّكم جيران الله وأهل بيته وأهل حرمه، وإن الحجّاج ضيفان الله وزوّار بيته، وهم أحق الاضياف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيّام الحج حتى يصدروا عنكم، فجعل قصيّ كل ما كان بيده من أمر قومه إلى عبد الدّار (١٠١)، وكان قصيّ لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه لعظم شأنه، وعز سلطانه. قال ابن اسحاق: ثم إن قصيّا هلك فأقام على أمره بنوه من بعده، ثم ان بني عبد مناف: هاشما وعبد شمس والمطّلب ونوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدّار من الحجابة واللّواء والسّقاية والرّفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم ولفضلهم، وتفرقت قريش، فكانت طائفة منهم يرون أن بني عبد مناف أحق من بني عبد الدار، وطائفة يرون أن إبقاء بني عبد الدار على ما جعله قصيّ لأبيهم أولى / فأجمعوا على الحرب، ثم اصطلحوا على أن تكون السّقاية والرّفادة لبني عبد مناف،
следующие страницы →