← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العرب، وأكثر رجالا وسلاحا، فقال لهم: إذا جاء أمر الله بطل ما تقولون. واعتزل / جرهما وأخذ معه بني اسماعيل، فسلّط الله على جرهم خزاعة فحاربوهم واعتزل عمرو مع بني اسماعيل حربهم، فغلبت خزاعة وأخرجت جرهما من الحرم (٦٨)، فاستأذن عمرو خزاعة أن يساكنهم، فأبت خزاعة ذلك وقالوا: من قارب الحرم من جرهم فدمه هدر، وأبقوا معهم بني اسماعيل. ثم نزلت ابل لمضاض بن عمرو، ودخلت مكة فأخذتها خزاعة، ونحرتها وأكلتها، فتبع أثرها مضاض فوجدها دخلت مكة، فسلك الجبال حتى طلع على جبل أبي قبيس، فتبصّر ابله في بطن الوادي، فرأى الابل تنحر وتؤكل، ولا سبيل إليها، ورأى أنه إن هبط الوادي قتل فولى منصرفا إلى أهله (٦٩) ويقول: [طويل] كأنّ لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر (٧٠) وكنّا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بهذا البيت والخير ظاهر (وكنّا لاسماعيل صهرا وجيرة) (٧١) ... فأبناؤه منّا ونحن الأصاهر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بين (٧٢) الناس تجري المقادر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة (٧٣) ... كذلك عضّتنا السنون الغوابر وسحّت دموع العين (تبكي لبلدة) (٧٤) ... بها حرم أمن وفيها المشاعر بواد أنيس لا يطار حمامه ... ولا ينفرن يوما لديه العصافر (وفيها وحوش) (٧٥) لا تراب أنيسة ... (إذا خرجت منها فما أنت غادر) (٧٦)

стр. 177

فيا ليت شعري هل يعمّر بعدنا ... (جياد ويقضي سيله والظواهر) (٧٧) وهل فرح يأتي بشيء نريده ... وهل جزع ينجيك مما تحاذر / فانطلق مضاض بمن معه إلى اليمن (٧٨) وهم محزونون على مفارقة مكة، وصارت خزاعة حجّاب بيت الله الحرام (٧٩)، وولاة أمر مكّة، وفيهم بنو اسماعيل لا ينازعونهم في شي، ولا يطلبونه، إلى أن كبر شأن قصيّ بن كلاب بن مرة، فاستولى على حجابة البيت وأمر مكّة، وقالوا: قصيّ أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا بمكة، فكانت إليه الحجابة والوفادة، والسقاية والنّدوة، واللواء والقيادة وهو الذي جمع أمر قريش فسمي مجمّعا، بكسر الميم المشددة، وفي ذلك يقول القائل: [طويل] أبوكم (٨٠) قصيّ كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر هم ملكوا البطحاء مجدا وسؤددا ... وهم طردوا عنها غزاة بني عمرو قيل سميت قريشا لاجتماعهم على قصيّ، والتّقرّش هو الاجتماع، وقيل لغير ذلك، واستمرّ بنو قصيّ كذلك إلى زمن ظهور النبيء ﷺ . روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: كان بمكّة حيّ يقال لهم العمالقة، كانوا في عز ثروة، وكانت لهم خيل وابل ومواش ترعى حول مكّة، وكانت العضاة ملتفة والأرض مبقلة، وكانوا في عيش رخي، فبغوا في الأرض وأسرفوا على أنفسهم، وأظهروا الظلم والالحاد، وتركوا شكر الله، فسلبوا نعمتهم، وكانوا يكرون الظّل، ويبيعون الماء، فأخرجهم الله من مكّة بأن سلّط عليهم النّمل حتى خرجوا من

стр. 178

الحرم (٨١)، ثم ساقهم بالجدب حتى ألحقهم الله بمساقط رأس آبائهم من بلاد اليمن، فتفرقوا وهلكوا / وأبدل الله بعدهم الحرم بجرهم فكانوا سكانه إلى أن بغوا فيه أيضا، فأهلكوا جميعا اهـ (٨٢). فظاهر هذا الأثر يقتضي سبق العمالقة على جرهم، وكان مبدأ قصيّ وترقّية أن أباه كلاب بن مرّة تزوّج فاطمة بنت سعد بن سيل (٨٣) فولدت له زهرة وقصيّا، فهلك كلاب وقصي صغير واسمه زيد، فسمي قصيّا، مصغّر قصي، لأنه أبعد عن أهله ووطنه مع أمه لما توفي أبوه، فتزوجها ربيعة بن حرام (٨٤)، فرحل بها إلى الشام، وولدت له رزاحا (٨٥)، فلما كبر قصي وقع بينه وبين آل ربيعة شر، فعيّروه بالغربة، وقالوا له: ألا تلحق بقومك؟ وكان لا يعرف له أبا غير ربيعة بن حرام زوج أمه، فشكا إليها ما عيروه به فقالت له: يا ولدي أنت أكرم أبا منهم، أنت ابن كلاب بن مرّة، وقومك بمكّة عند البيت الحرام (٨٦) فقدم مكة فعرف (له قومه فضله) (٨٧) وقدّموه وأكرموه وكانت خزاعة مستولية على البيت ومكة، وكان كبيرهم حليل (٨٨) بن حبشية الخزاعي بيده [مفتاح] (٨٩) البيت الشريف والسدانة فخطب إلى حليل ابنته، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته حييّ (٩٠)، فتزوجها قصي فكثرت أولاده وأمواله، وعظم شرفه، وهلك حليل، فأوصى بمفتاح البيت الشريف لابنته حييّ، فقالت: لا أقدر على السّدانة، فجعلت ذلك لأبي غبشان وكان سكّيرا يحب الخمر، فأعوزه في بعض الأوقات ما يشربه من الخمر، فباع المفتاح / بزق خمر، فاشتراه منه قصيّ، وسار في الأمثال: «أخسر من

стр. 179

صفقة أبي غبشان» (٩١). فلما صار المفتاح إلى قصيّ، تناكرته خزاعة وكثر كلامها عليه، فاجتمع على حربهم، فحاربهم وأخرجهم من مكّة، وولي قصي أمر الكعبة (٩٢)، وجمع قومه فملكوه على أنفسهم وكانوا يحترمون أن يسكنوا مكة ويعظمونها عن أن يبنوا بها بيتا مع بيت الله فكانوا يكونون بها نهارا فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل، ولا يستحلون الجنابة بمكة، فلما جمع قصي قومه إليه أذن لهم أن يبنوا بمكّة بيوتا وأن يسكنوها، وقال لهم: ان سكنتم الحرم هابتكم العرب ولم تستحل قتالكم، ولا يستطيع أحد إخراجكم، فقالوا له: أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم حول البيت وفي ذلك يقول قائلهم: «أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا. . .» (٩٣). وابتدأ فبنى دار النّدوة (٩٤) والنّدوة في اللغة الاجتماع، فكانوا يجتمعون فيها للمشورة وغيرها من المهمات، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش إلاّ فيها، ولا يدخلها من قريش ولا غيرهم إلاّ ابن أربعين سنة، وبنو قصي يدخلونها كلهم، وقسم جهات البيت الشريف بين طوائف قريش، فبنوا دورهم حول الكعبة من الجهات الأربع (٩٥)، وتركوا للطواف (٩٦) ببيت الله مقدارا، وهو المسمى بالمطاف، فاجتمع لقصيّ ما لم يجتمع لغيره / من الحجابة والسّقاية، والرّفادة (٩٧)، والنّدوة، واللّواء، والقيادة - حسبما مر -. فالحجابة هي سدانه البيت بتولي مفتاحها، والسّقاية سقي الحجّاج كلهم الماء العذب، وكان عزيزا بمكة فيجلب إليها ليسقى الحجاج منه، وينبذ لهم بالتّمر والزّبيب لتقوى حلاوته، فكانت وظيفة فيهم، وأما الرّفادة فإطعام الطعام لسائر الحجاج، تمدّ لهم الأسمطة أيّام الحجّ، وكانت السّقاية والرفادة مستمّرة إلى أيام الخلفاء ومن بعدهم

стр. 180

من الملوك والسلاطين. قال التقي الفاسي (٩٨) ﵀: إن الرّفادة كانت أيّام الجاهلية وصدر الإسلام، واستمرّت إلى أيامنا، وهي الطعام يصنع بأمر السّلطان بمنى للناس حتى ينقضي الحج اهـ (٩٩). وأما الآن فقد انقطع ذلك. وأما اللّواء (١٠٠) فراية تعقد إلى محاربة عدو، ويجتمعون تحتها، وأما القيادة فإمارة الجيش إذا خرجوا إلى حرب، فاجتمعت هذه كلّها لقصيّ، فلما كبر سنه، وضعف بدنه، قسّمها بين أولاده، وكان عبد الدار أكبر أولاده، وكان عبد مناف شرف في زمن أبيه. فقال قصيّ لعبد الدار: لألحقنّك يا بني بالقوم وإن شرفوا عليك، فأعطاه الحجابة باسلام مفتاح البيت إليه، وقال: لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تفتحها له أنت، وأعطاه السّقاية واللّواء. وقال: لا يشرب أحد إلاّ / من سقايتك، ولا يعقد لواء لقريش لحربها إلاّ أنت بيدك، وجعل له الرّفادة وقال: لا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلاّ من طعامك، وكانت الرّفادة خرجا تخرجه قريش من أموالها في كل موسم، فتدفعه إلى قصيّ، فيصنع به طعاما للحجّاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وكان قصيّ فرض ذلك على قريش جميعهم وقال لهم: يا معشر قريش، إنّكم جيران الله وأهل بيته وأهل حرمه، وإن الحجّاج ضيفان الله وزوّار بيته، وهم أحق الاضياف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيّام الحج حتى يصدروا عنكم، فجعل قصيّ كل ما كان بيده من أمر قومه إلى عبد الدّار (١٠١)، وكان قصيّ لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه لعظم شأنه، وعز سلطانه. قال ابن اسحاق: ثم إن قصيّا هلك فأقام على أمره بنوه من بعده، ثم ان بني عبد مناف: هاشما وعبد شمس والمطّلب ونوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدّار من الحجابة واللّواء والسّقاية والرّفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم ولفضلهم، وتفرقت قريش، فكانت طائفة منهم يرون أن بني عبد مناف أحق من بني عبد الدار، وطائفة يرون أن إبقاء بني عبد الدار على ما جعله قصيّ لأبيهم أولى / فأجمعوا على الحرب، ثم اصطلحوا على أن تكون السّقاية والرّفادة لبني عبد مناف،

стр. 181

والحجابة واللّواء والنّدوة لبني عبد الدار، وتحالفوا على ذلك، فولى الرّفادة والسّقاية هاشم، وكان عبد شمس مقلاّ ذا ولد، وكان هاشم موسرا، وهو أول من سنّ الرحلتين لقريش، (رحلة الشتاء إلى الشام ورحلة الصيف إلى الحبشة) (١٠٢)، وهو أول من أطعم الثّريد بمكة، واسمه عمرو، فسمّي هاشما لهشمه الخبز وثرده لقومه. ثم هلك هاشم بغزّة من أرض الشام تاجرا، فولي السّقاية والرّفادة أخوه المطّلب ابن عبد مناف، فكان ذا شرف وكرم، وكان أصغر من عبد شمس، فتوفي المطلب برومان (١٠٣) من أرض اليمن (١٠٤)، وتوفي عبد شمس بمكة، وتوفي نوفل بالعراق. ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقام لقومه ما كانت تقيمه آباؤه من قبله، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، فأحبه قومه وعظم خطره فيهم، وكان أكبر أولاده الحارث، لم يكن له أوّل أمره غيره، وبه كان يكنّى، ثم كثر بنوه حتى بلغوا عشرة، وكان أصغرهم سنّا عبد الله أبو رسول الله ﷺ وكان أحبهم لأبيه (١٠٥). ولنذكر الآن خبر يعرب بن قحطان (١٠٦)، أخي جرهم - المقدم الذكر - فإنه أول من تملّك بالملك والرئاسة بأرض اليمن، لأنه جمع اخوته فاستولى على جميع اليمن سنين / متطاولة وهو أوّل من نطق بالعربية، واول من حيّاه ولده بتحية الملك، أبيت اللعن وأنعمت صباحا (١٠٧)، وذكر السيوطي إن أوّل من كتب بالعربية حرب بن أمية. قيل له: من أين تعلمته؟ قال: من عبد الله بن جدعان، وهو أخذه عن طريق كاتب الوحي هود ﵇ فلما هلك يعرب ملك بعده ابنه يشجب بن يعرب، فملك سنين كثيرة، ثم ملك بعده ابنه عبد شمس، فلما ملك، أكثر الغزو في أقطار الأرض، وسبى خلقا كثيرا، وهو أول من فعل ذلك من ولد قحطان فسمي لذلك سبأ، وهو أول من بنى السّد بأرض مأرب باليمن، وفجر إليه سبعين نهرا، وساق إليه السّيول من مدى بعيد على بعض الأقوال، وقيل بنته بلقيس، وكان فرسخا في فرسخ، وكانت مدة ملكه

стр. 182

أربعمائة سنة (١٠٨) وهو المذكور في سورة سبأ بقوله تعالى ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ (١٠٩) الآية، وكانت هذه المدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. ولما هلك سبأ ملك بعده الملك ابنه حمير، فكان أشجع النّاس في وقته وأكثرهم جمالا، وكان أوّل من وضع تاج الذهب على رأسه من ملوك اليمن (١١٠)، وإنّما سمي حميرا لكثرة لباسه الثياب الحمر، وكان ملكه خمسمائة سنة. ولما توفي تولى ملكه أخوه كهلان بن سبأ (١١١)، وكانت مدة ملكه تقرب من ثلاثمائة سنة. ولما توفي تولى بعده واثل بن حمير، ثم تولى بعده ابنه / السكسك (١١٢) بن واثل، ثم ملك بعده ابنه يعفر بن السكسك. ثم وثب على ملك اليمن ذورياش (١١٣) وهو عامر بن باران بن عوف (١١٤) بن حمير. ثم نهض من بني واثل النعمان بن يعفر بن [السكسك بن واثل] (١١٥) بن السكسك. ثم ملك بعده ابنه أشمح (١١٦) بن النعمان، (ثم ملك بعده عاد بن عوض، ثم ولده الأكبر شديد) (١١٧)، ثم شدّاد بن عاد فهما أبناء عاد. وشدّاد هو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد، ببعض صحارى عدن، في خمسمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وملك الأرض كلّها على ما قيل. (وملك بعده ابنه مرثد بن شدّاد. وكان على دين هود ﵇ على كتمان من قومه، ثم بعده ولده عمر بن مرثد، وهو على دين أبيه، فملك مائة سنة، ثم بعده ملك عم أبيه نعمان بن عاد، عاش دهرا طويلا) (١١٨) ثم بعده

стр. 183

أخوه ذو سدد (١١٩) بن عاد، ثم بعده ابنه الحارث، وهو تبّع الأول، وذكر أئمة التفسير عند قوله تعالى ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (١٢٠) من قصة سبأ. وعلى ما رواه الكلبي عن أبي صالح أن عمر بن عامر من أولاد سبأ، وبينهما اثنا عشر أبا وهو الذي يقال له مزيقيا بن ماء السّماء، أخبرته زوجه طريفة الكاهنة بخراب سد مأرب وتغريق سيل العرم الجنتين، وعن أبي زيد الأنصاري أن عمر رأى جرذا يحفر السد فعلم أنه لا بقاء له بعد. وقيل إنّه كان كاهنا وقد علمه بكهانته، فباع أملاكه وسار بقومه وهم ألوف من بلد إلى بلد حتى انتهى / إلى مكة المشرفة، وأهلها جرهم، وكانوا قد قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني اسماعيل وغيرهم، فأرسل إليهم ثعلبه بن عمرو بن عامر، يسألهم المقام معهم إلى أن يرجع إليه رواده الذين أرسلهم إلى أصقاع البلاد يطلبون له موضعا يسعه ومن معه من قومه فأبوا، فاقتتلوا فانهزمت جرهم ولم يفلت منهم إلاّ الشّديد، وأقام ثعلبه بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا، فأصابتهم الحمّى فاضطروا إلى الخروج، وقد رجع إليه رواده فافترقوا فرقتين، فرقة توجهت نحو عمان، وهم الأزد وكندة وحمير ومن يتلوهم، وسارت ثعلبة نحو الشام فنزل الأوس والخزرج أبناء حارثة بن ثعلبة بالمدينة، وهم الأنصار، ومضت غسّان فنزلوا بالشّام وانخزعت خزاعة بمكة، فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحي، فولي أمر مكة وحجابة البيت، ثم جاءهم أولاد اسماعيل ﵇ فسألوهم السّكنى معهم حولهم، فأذنوا لهم في ذلك. وروي عن ابن عباس ﵄ أن فروة بن مسيك القطيفي سأل النبي ﷺ عن سبأ، فقال ﵊ هو رجل كان له عشرة أولاد، ستة منهم سكنوا اليمن، وهم مذحج، بالذال المعجمة، وكندة، والأزد، والأشعريون، وحمير / وأنمار، منهم بجيلة وخثعم (١٢١)، وأربعة منهم سكنوا الشّام وهم لخم وجذام، وعاملة، وغسّان. ولما هلكت أموالهم وخرّبت بلادهم تفرّقت أيادي سبأ شذرا مذرا، فنزلت طوائف منهم بالحجاز، فمنهم خزاعة نزلت بظاهر مكّة، ونزلت الأوس والخزرج بيثرب فكانوا

стр. 184

أول من سكنها، ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود، بنو قينقاع وبنو قريضة والنضير، فحالفوا الأوس والخزرج، وأقاموا عندهم، ونزلت أخرى بالشّام، وهم الذين تنصّروا فيما بعد، وهم غسان وعاملة ولخم وجذام، وتنوخ وثعلب وغيرهم. وسبأ تجمع هذه القبائل كلّها. والجمهور على أن جميع العرب قسمان: قحطانية وعدنانية، والقحطانية شعبان: سبأ وحضرموت، والعدنانية شعبان: ربيعة ومضر، وأما قضاعة فمختلف فيها، فبعضهم ينسبها إلى قحطان، وبعضهم إلى عدنان والله أعلم. ثم إن العرب انقسمت إلى شعوب وقبائل كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ﴾ (١٢٢) فالشّعب الجمع العظيم المنتسب إلى أصل واحد، وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل. فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. الخليفة الأكبر محمد ﷺ : فإذا تمهّد هذا (١٢٣)، لنرجع إلى ما نحن بصدده من ذكر خلفاء الإسلام / وأئمتهم، فنقول: إنّ الخليفة الأكبر الذي لولاه ما خلقت شمس ولا قمر، بل لا دنيا ولا آخرة، فهو نتيجة مقدّمات الكون واكسير معدن الكائنات، وروح جسد المخلوقات، وسرّ وجود المخترعات، هو نبينا محمد ﷺ بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النّضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن الياس، بن مضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان (١٢٤). هذا هو النسب الذي اتفقت أئمة النّسب على معرفته، وما وراءه وقع فيه اختلاف واضطراب في تعيين الأسماء وزيادة بعضها، وأما النّسب الشّريف فصحيح إلى آدم ﵊ قال ﷺ :

стр. 185

«خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء» (١٢٥) قال الإمام (١٢٦) الأجهوري في «شرح ألفية العراقي» عند قولها: [رجز] وهو ابن عدنان وأهل النسب ... قد أجمعوا إلى هنا في الكتب وبعده خلف كثير جم ... أصحه حواه هذا النظم قال الحافظ (١٢٧) في «الفتح» (١٢٨) بعد أن ساق نسب سيدنا ابراهيم إلى نوح - عليهما الصّلاة والسّلام - كما سيأتي: «لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلاّ في النطق ببعض هذه الأسماء»، نعم ساق ابن حبّان (١٢٩) في «تاريخه» خلاف ذلك وهو / شاذ اهـ (١٣٠). وقال ابن دريد (١٣١) في كتاب «الاشتقاق»: وأما نسب ابراهيم إلى آدم - عليهما الصّلاة والسّلام - فصحيح لا خلاف فيه لأنّه منزّل في التّوراة، ومذكور فيها نسبهم، ومبلغ أعمارهم، وعلى هذا فقول الناظم وبعده خلف الخ، أي في بعض ما بعد عدنان، وهو ما بينه وبين ابراهيم.

стр. 186

وقال الحرّالي في «المقدمة»: النسب فيما بين آدم واسماعيل - عليهما الصّلاة والسّلام - صحيح لا خلاف فيه، ولا خلاف إلاّ في أسماء الآباء لأجل ثقلها على الألسنة، وأصحّ ما قيل في عدد وأسماء ما فوق عدنان (١٣٢)، أنه ابن أدد، وقيل عدنان ابن أدّ بن أدد بن مقوم (١٣٣) بن ناحور (١٣٤) بن مشرح (١٣٥) بن يعرب بن يشجب بن نابت بن اسماعيل بن ابراهيم بن تارح وهو آزر بن ناحور بن شاروخ (١٣٦) بن أرغو (١٣٧) بن فالع (١٣٨) بن عبير (١٣٩) بوزن جعفر بن شالخ بن أرفخشد (١٤٠) بن سام بن نوح بن لامك (١٤١) بن متّوشلخ بن أخنوخ وهو ادريس بن يرد (١٤٢) بن مهلائيل (١٤٣) بن قينان (١٤٤) بن أنوش (١٤٥) بن شيث بن آدم ﵇. وقال العلامة الأجهوري (١٤٦) - انظر ما حكم معرفة نسبه ﷺ إلى عدنان، وأما ما زاد عليه فهو مكروه عند مالك لقول مالك: ومن يخبره أن فلان بن فلان قال: ورأيت في «شرح عقيدة ابن الحاجب» للمكي عن القرافي ما يفيد أن معرفة نسبته إلى عدنان واجب، ونحوه مستفاد من «شرح عقيدة ابن الحاجب» لابن زكرياء، بل يستفاد منه أن معرفة نسبه من جهة أمه واجب إلى كلاب إذ ما بعده يشترك / فيه نسب أبيه وأمّه. قال: وقد ذكر القرافي في «ذخيرته» أن جميع الأحوال المتعلقة برسول الله ﷺ ، فضلا عما به

стр. 187

يتعين ترجع إلى العقائد لا إلى العمل، فيجب البحث عن ذلك لتحصيل كمال المعتقد بذلك» اهـ. فهو ﷺ ختم الله (١٤٧) به الرّسالة، وأنقذ به الخلق من الكفر والضّلالة، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، فأتمّ الله به على خلقه النّعمة، وظهر من معجزاته ما قامت به الحجة، وقد اعتنى الأيمة بضبط نسبه ومولده وبعثته، وهجرته ومغازيه، وفتوحاته وشرائعه، وشمائله وحياته ما هو مشهور مسطور. وأما وفاته ففي «طبقات المناوى» ابتداء مرضه ﷺ في العشر الأخيرة من صفر سنة إحدى عشرة (١٤٨) في بيت أم المؤمنين ميمونة - رضي الله تعالى عنها - فلما اشتدّ وجعه تحرّك لبيت أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها -. فأقام مريضا نحو اثني عشر يوما. وتوفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول (١٤٩) عند الجمهور اهـ، فتوفي ﷺ وعمره ثلاث وستون سنة. خلافة أبي بكر ﵁ -: فقام بالأمر بعده خليفته أبو بكر بن أبي قحافة، الصّديق الأكبر، أفضل هذه الأمة بعد نبيّها. قال ابن اسحاق: لما توفي رسول الله ﷺ عظمت به مصيبة المسلمين، فصاروا كالغنم المطيرة في الليلة / الشتائيّة لفقد نبيّهم، حتى جمعهم الله على أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - فبويع يوم الثلاثاء، فنظم النثر، وجبر الصدع، وأقام عماد الدين، وردّ للاسلام أهل الرّدة من الأعراب بعد وفاة النبيء ﷺ ، وقاتل مانعي الزّكاة من الأعراب. وقال: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. فجهّز لهم جيوش الاسلام ولم ترعه كثرتهم، وضرب المرتدّين مع كثرتهم بقليل المسلمين، فردّ

стр. 188

المرتدين ومانعي الزّكاة راغمة الأنوف ناكسة الرّؤوس، فاستقرّ الدّين، وثبتت قواعده (١٥٠)، ولم يتعد في أيّامه أحد إلى المغرب غازيا. ومآثره ومفاخره قد ملأت الكتب والدّفاتر، ولا تجد للنبي ﷺ تجدد حال إلاّ والصّدّيق - رضي الله تعالى عنه - مصاحب له فيه، وله به تعلّق حتى لم تفته معه ﷺ صلاة. وكان ثانيه في الغار. ولما مرض قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: رآني الطبيب، فقال: اني فعّال لما أريد، فمات سنة ثلاث عشرة (١٥١) عن ثلاث وستين سنة (١٥٢) على الأصح. خلافة عمر ﵁ -: وبعد عهده (١٥٣) [بويع] (١٥٤) لعمر بن الخطاب فاروق هذه الأمة - رضي الله تعالى عنه - فرست قواعد الاسلام وعظمت بخلافته، وهو أوّل من تسمّى بأمير المؤمنين / ومتانته في الدّين أشهر من أن تذكر حتى أنه إذا سلك فجّا سلك الشّيطان خلافه (١٥٥)، وفتحت في خلافته الفتوح فأتمّ ما ابتدأه الصّديق من فتوح الشّام فعظم الفتح، ثم العراق، فأوقع بالفرس وقعة القادسيّة بالقرب من الكوفة، فانكسر بها عمود عز الأكاسرة، ثم توالت الفتوح كمصر واسكندرية وبرقة (١٥٦)، وطرابلس على ما يأتي - إن شاء الله - بيان ذلك. ومآثره وكراماته وزهده وحكمه ملأت الكتب محل استيفاء

стр. 189

ذلك كتب السّير. توفي - رضي الله تعالى عنه - في آخر سنة ثلاث وعشرين (١٥٧)، وسنه ثلاثة وستون سنة. قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة في المسجد وقت الغلس. خلافة عثمان ﵁ -: وجعل الأمر بعده شورى في ستة (١٥٨): عثمان، وطلحة، وعلي، والزّبير، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرّحمان بن عوف - رضي الله تعالى عنهم - فوقع الاتفاق على عثمان بن عفان ذي النّورين، شهيد الدّار، من استحيت منه ملائكة الرحمان. وفي أيّامه - رضي الله تعالى عنه - تواردت أمراؤه على افريقية، ووقع في المغرب الفتح العظيم، - حسبما يأتي إن شاء الله تعالى -. ومآثره ومفاخره لا تحصى، أعتق نحو ألفين وجهز جيش العسرة (١٥٩) فقال له ﵊ «ما على عثمان ما فعل بعد اليوم» (١٦٠) وقال ﵊ «اللهم اغفر له ما أقبل وما أدبر وما أخفى وما أعلن وما أسرّ وما أجهر» / قتل بداره شهيدا أيام التّشريق سنة خمس وثلاثين (١٦١)، وسنه اثنان وثمانون سنة.

стр. 190

خلافة علي ﵁ -: ثم ولي الخلافة بعده الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهه - باب مدينة علم رسول الله ﷺ زوج البتول، وابن عمّ الرسول، حكمه وأحكامه وخطبه وغرائب علومه، معقولا ومنقولا أمر خارق للعادة، خارج عن طوق البشر، لولا اكرام الله له بهذه الكرامة العظيمة والمنقبة الجسيمة حتى افتتن به الشيعة الرّافضة، ونقل الخلافة إلى الكوفة لعظم العساكر والجنود، ولم تكن في أيّامه فتوح بل كان اشتغاله بقتال الخوارج والبغاة. قتله عبد الرحمان بن ملجم في رمضان سنة أربعين (١٦٢)، وقد نيف عن الستين (١٦٣). وقصة قتله مبسوطة في السير حاصلها أنه - رضي الله تعالى عنه - لما أباد الخوارج ففي سنة أربعين إلاّ واحدا (١٦٤) اجتمع بمكة ثلاثة من بقاياهم، وتعاهدوا على احتساب انفسهم في إراحة الناس من علي ومعاوية وعمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهم - وكان تواعدهم ليلة سبع وعشرين من رمضان، فانطلق أحدهم (١٦٥) إلى معاوية ولقبه «البرك» فطعنه بخنجر وهو يصلي، فأصاب إليته فسلمه الله منه، وانطلق الثاني ويعرف بزادوية (١٦٦) فقتل قاضي مصر وهو خارجة (١٦٧) لشبهه بعمرو، فظنه إياه، وانطلق الأشقى عبد الرحمان بن ملجم فأخذ على علي بعض / زوايا المسجد، فكمن به فلما خرج علي ضربه ابن ملجم بالسيف على رأسه فقبض عليه واحتمل علي إلى منزله فتوفي في السابع عشر (١٦٨) من رمضان من السنة المذكورة.

стр. 191

خلافة الحسن بن علي ﵁ -: وتولى الخلافة (١٦٩) بعده الإمام الحسن ابن الإمام علي - رضي الله تعالى عنهما - فأقام في الخلافة خمسة أشهر وخمسة وعشرين يوما. فزاحمه سيدنا معاوية فرآى الإمام الحسن - رضي الله تعالى عنه - صلاح الناس في تفويض الأمر إلى معاوية - رضي الله تعالى عنه - وفي ذلك مصداق قوله ﵊: «إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١٧٠) فكانت خلافة الحسن - رضي الله تعالى عنه - تمام الثّلاثين التي وعد بها رسول الله ﷺ بقوله «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» (١٧١) ففي تفسير البغوي لقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (١٧٢)﴾ الآية. خلافة أبي بكر الصديق سنتان وخلافة عمر عشرة، وعثمان اثنا عشر، وعلي ست (١٧٣) اهـ. فاندرجت خلافة الحسن في خلافة أبيه (رضي الله تعالى عنهم جميعا) (١٧٤). وفي «الكشاف» (١٧٥) عنه ﵊ «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم (١٧٦) يملّك الله من يشاء، فتصير ملكا، ثم تصير بزيزى (١٧٧) قطع سبيل وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها» (١٧٨) انتهى.

стр. 192

الباب الثاني: في (١) خلافة سيدنا معاوية - رضي الله تعالى عنه - بالشّام ودولة بني أمية (٢) معاوية: فالأول هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن [أمية] بن عبد شمس، يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، وله المجد المسطور والفخر (٣) المشهور، كتب الوحي لرسول الله ﷺ وصهره على أمّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبيء ﷺ وهو كسرى العرب (٤) وأول سلاطين الاسلام، وأما حلمه ودهاؤه فأمر مشهور، توفي - رضي الله تعالى عنه - في رجب سنة ستين (٥)، وله ثمانون سنة (٦). يزيد: وتولّى بعده ولده يزيد فكان حائدا عن الصواب والعدل، فهو أول من شرب الخمر جهارا من ملوك الإسلام، واتخذ الملاهي واستحل محارم الله، واختلف في اسلامه وزندقته. قالوا لما ولي يزيد اتفق رأي أهل المدينة على خلعه واخراج من بها من بني أميّة، وجعلوا أمرهم إلى عبد الله بن حنظلة، فجهز يزيد إليهم الجيوش وأمر عليهم مسلم (٧) بن عقبة المرّي فأحاط بالمدينة ثلاثة أيام، وعطلت الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ وبلغ عدد من قتل من قريش والمهاجرين والأنصار، ووجوه الناس ألف رجل وسبعمائة رجل، ومن سائر الناس عشرة آلاف رجل سوى النساء والصبيان. ولم يبق بعدها بدريّ

стр. 193

من الصحابة. وفي أيامه قتل الحسين ابن الإمام علي (بن أبي طالب) (٨) - رضي الله تعالى عنهما -، وذلك أنه لما مات معاوية أرسل أهل الكوفة يستقدمونه فلحق بمكّة / ووجه مسلم بن عقيل إلى الكوفة فخاطبه في القدوم، فتوجه نحو الكوفة وكتب اليزيد إلى عبد الله بن زياد، فخرج من البصرة مسرعا حتى لحق بالكوفة، وقتل مسلم بن عقيل والحسين متوجه إلى الكوفة ولا علم عنده، وذلك يوم ثامن الحجة (٩)، فلقيته خيل عبد الله بن زياد بكربلاء وكاثرته العساكر، فلم يزل يقاتل حتى قتل، وقتل معه سبعة وثمانون من أهل بيته يوم عاشوراء (١٠)، واحتملت نساؤه أسارى على الإبل، وبعث إلى يزيد برأسه. وأراح الله الخلق من يزيد الخبيث لأربع عشرة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين (١١). بقية خلفاء بني أمية: ثم تولى بعده ولده معاوية بن يزيد بعهد من أبيه، وهو ابن عشرين سنة، فلبث فيها أربعين يوما محتجبا مستخيرا، وكان زاهدا منقبضا، ثم خرج وجمع الناس وترك لهم خلافتهم ومضى لأيّامه. فقام (١٢) بعده مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة في أربع وستين (١٣) وهو ابن اثنين وستين (١٤) سنة، فمكث تسعة (١٥) أشهر وأيّاما. وصار الأمر إلى ولده عبد الملك بن مروان، وهو أبو الملوك الأموية، وصاحب السّياسة ودعا على عهده لنفسه عبد الله بن الزّبير بالحجاز وما يليه، واستقامت له الخلافة، ودخل في أمره العراق، وبعث إليه عبد الملك الحجّاج بن يوسف الثقفي (١٦)،

стр. 194

فحاصر مكّة ورمى البيت بالمجانيق ودخلها لخمسين ليلة / من حصاره، وقاتل عبد الله بن الزبير بإزاء البيت حتى قتل يوم الثلاثاء لأربع عشرة من جمادي الأولى (١٧) سنة ثلاث وسبعين (١٨). وصلب الحجّاج جثّته وكذا عمر بن سعيد بن العاص، دعا لنفسه بدمشق. وقد خلفه عبد الملك بها، فكرّ إليها واستنزله عن صلح ثم اغتاله فقتله، وكذا ابن الأشعث بن قيس، فخلع طاعته، وتوجّه إليه الحجّاج، والتقيا بدير الجماجم، فكانت الدائرة على ابن الأشعث سنة نيف وثمانين، فتفانى فيها الخلق، ثم لمّا ساءت طاعة أهل العراق قلّده الحجّاج فكان من أمره ما هو مشهور. وفي مدة عبد الملك كان معظم فتوحات المغرب كما يأتي - إن شاء الله تعالى - وتوفي عبد الملك بدمشق يوم السبت لأربع عشرة من شوال سنة ست وثمانين (١٩). وتولى بعده ولده الوليد بن عبد الملك (٢٠) فكان ملكا عظيما، فارس بني أميّة، وولى موسى بن نصير افريقية، وأغزاه الغرب الأقصى، وأجاز البحر مولاه طارقا ففتح الأندلس. ومات الوليد بدير مروان. ودفن بدمشق منتصف جمادى الأخيرة سنة ست وتسعين (٢١). فقام بعده أخوه سليمان بن عبد الملك، فكان قيّما برسوم الشريعة، فارسا صحيحا، إلاّ أنه كان منهوما كثير الأكل، فيأكل القنطار أكلة واحدة، توفي سنة تسع وتسعين (٢٢). فتولى الخلافة ثاني العمرين ويلقب «الأشج» لشجّة في وجهه، وهو عمر بن عبد العزيز بن مروان / أحد الخلفاء الرّاشدين، أمّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فهو جدّه لأمّه فكان ثانيه في الزّهد والورع والعدل، وكان من خيار الأمّة - رضي الله تعالى عنه - أفردت مآثره بالتآليف (٢٣). توفي بدير سمعان من عمل حمص، أواخر رجب (٢٤) سنة إحدى ومائة. وقبره مشهور، يزار ويتبرك به.

стр. 195

ثم تولّى بعده اليزيد بن عبد الملك، فكان مضيّعا للأمر (٢٥) لاشتغاله بلهوه فخلع (٢٦) فتولى (٢٧) بعده أخوه هشام بن عبد الملك فكان ملكا حازما صلبا، جمع الأموال وعمر الأرض واصطنع الرجال. وتولّى (٢٨) الوليد بن يزيد بعد عمه، فكان صاحب شراب ولهو وبطالة، بلغ خبثه أنّه قرأ في المصحف الكريم ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٢٩) عند استفتاحه، فجعل المصحف غرضا لنشابه، وأقبل يرميه لما توعّده به وأنشد يقول: [وافر] تهددني بجبار (٣٠) عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني (٣١) الوليد فسمّه (٣٢) يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فبطش به امتغاصا للدين. فتولّى بعده (٣٣)، فكان خيّرا، ذا عدل ونسك وورع، حزما ولكن كان جمّاعا بخيلا، فلقّب بالناقص لكونه نقّص الجند عطاءهم، ويقال الأشج والنّاقص أعدلا بني مروان، أي عادلاهما إذ لا عدل إلاّ فيهما، وكانت ولايته خمسة أشهر وليلتين. وولي (٣٤) بعده أخوه ابراهيم بن الوليد، فكانت أيّامه / كثيرة الهرج، فلم تطل مدّته حتى خلع (٣٥). فقام بعده (٣٦) مروان بن محمد بن الحكم، ويسمّى مروان الحمار (٣٧)، أقبل من الجزيرة ودخل الشام، فقتل ابراهيم بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عباس بعد ما سجنه أربعة أشهر خوفا من قيام بني العباس بالأمر. فكان ما خافه. وكان مروان شهما عظيم

стр. 196

الدّهاء عارفا بالسّير والأخبار، إلاّ أنّ لله أمرا هو بالغه. فلما كانت سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٣٨)، بويع أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح بالخلافة - حسبما يأتي تفصيل ذلك في خلافة بني العباس - وفرّ مروان حتى قطع النيل، وأغرق الجسور، فنزل ببوصير، فجاءه صالح بن علي فقتله وفرغت بموته خلافة بني أمية من المشرق، وفر باقيهم إلى المغرب. سئل بنو أمية: ما أقوى أسباب زوال ملككم؟ فقالوا: إنّا اعتمدنا على المال واستهونّا بالرّجال، فوفّرنا المال وقلّلنا الرجال، فأخذ العدو مالنا وتقوّى به علينا، وأبعدنا الصّديق اعتمادا على صداقته، وقرّبنا العدو استجلابا لمحبته، فصار الصديق عدوا بالأبعاد، ولم يصر العدو صديقا بالاحسان، كما يقال: [مجزوء الكامل] احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق ... فصار أدرى بالمضرة فكانت عدة بني أمية من معاوية إلى مروان أربعة عشر، والمدة اثنين وتسعين سنة (٣٩).

стр. 197

الباب الثالث: في ذكر فتوحات المغرب الواقعة في أيام الصّحابة (١) ومن بعدهم من بني أميّة غزوات عمرو بن العاص: فأقول: «إن أول من دخل المغرب غازيا سيدنا عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - ففي «رحلة التجاني» (٢) كان افتتاح طرابلس في القديم على يد عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - بعد افتتاحه لمصر والاسكندرية وذلك سنة اثنين وعشرين (٣). سار إليها في جيشه فنزل على شرفها من الجهة الشّرقية وأقام عليها شهرا لا يقدر منهم على شيء، وقد كان أهلها استعانوا بقبيل من البربر يعرفون بنفوسة دخلوا معهم في دين النّصرانية، فخرج ذات يوم من عسكر عمرو رجل من بني مدلج يتصيّد في نفر معه فأمعن عن العسكر إلى جهة غربي المدينة ومال إلى شاطىء البحر، والبحر لاصق بالمدينة، وليس بالمدينة إذ ذاك من جهة البحر سور، بل كانت سفنهم شارعة إلى بيوتهم، فنظر المدلجي وأصحابه إلى البحر قد حسر (أي جزر) (٤) من جهة المدينة عن مسلك يمكن النفوذ إليها منه، فندبوا معهم جماعة واقتحموا المدينة فلم يكن للروم مفزع إلاّ سفنهم، (وأبصر عمرو أصحابه) (٥) في جوف المدينة فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم، فلم يفلت من الروم سوى من خف في سفينته، واحتوى عمرو على المدينة فهدم سورها وارتحل عنها ثم (إنه لما أتى من افريقية) (٦) جدد بناء سورها من البر» أهـ (٧).

стр. 198

فعمرو - رضي الله تعالى عنه - افتتح برقة وطرابلس وما قاربهما من المغرب الأدنى ومفاخر / عمرو بن العاص ومآثره - رضي الله تعالى عنه - وغزواته وفتوحاته مشهورة، وفي كتب السّير مسطورة. غزوة عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ثم غزا المغرب بعد عمرو بن العاص أبو يحيى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحسام القرشي العامري - رضي الله تعالى عنه - قال في «معالم الإيمان» (٨) أسلم عبد الله قبل الفتح وهاجر وكان أخا لعثمان بن عفان من الرضاع وكان يكتب الوحي للنبيء ﷺ وكان أحد العقلاء النّجباء من قريش، وكان فارس بني عامر، والمقدم فيهم، شهد فتح مصر، وكان صاحب ميمنة عمرو بن العاص في فتوحاته، ثم ولاّه عثمان غزو افريقية سنة سبع وعشرين (٩)، فسار إليها من مصر، فدخلها في عشرين الفا من المسلمين فيهم جماعة من الصّحابة منهم العبادلة السبعة، ولذلك تسمى غزوة العبادلة، فنزل السّبخة التي في شرق القيروان، ولذلك يسمى ذلك المكان بباب عبد الله. قال: «وكانت وفاته سنة ست أو سبع وثلاثين (١٠) قبل اجتماع الناس على معاوية. قلت (١١): واختلف أين توفي فقيل بإفريقية والصّحيح بعسقلان». (١٢) وقال: «روى الواقدي عن ربيعة بن عباد الدّيلي، قال: أغزانا عثمان - رضي الله تعالى عنه - افريقية، فخرجنا مع الناس حتى قدمنا مصر، فخرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح - وهو أمير الناس - من مصر بمن كان معه وبمن قدم عليه من المدينة، فكانوا عشرين ألفا ونحن نريد بطريق / الروم من افريقية يقال له جرجير. كان قد غلب على ما هنالك من أرض المغرب فلما فصل عبد الله من مصر، كان يقدم الطلائع [والمقدمات

стр. 199

أمامه، وكثيرا ما أكون في الطلائع] (١٣) فو الله إنا لبطرابلس، إذا مراكب قد أرست بالساحل، فشددنا عليهم، فأقاموا ساعة ثم استؤسروا، فكتّفناهم وهم مائة، حتى لحقنا ابن أبي سرح فقتلهم. وقد تحصّن منا أهل طرابلس، ولم يعرضوا لنا، فأخذنا ما في السّفن، فكانت هذه أول غنيمة أصبناها ونحن في وجهتنا، ثم لحق بنا الناس وأقاموا أياما، وكانت السّرايا في كل وجهة تأتي بالبقر والشاة والعلف، ثم تمادينا حتى وردنا افريقية فأقمنا أياما تجري بيننا وبين جرجير ملكهم الرّسل، ندعوه إلى الإسلام، وكلما دعوناه إلى الإسلام نخر (١٤)، ثم استطال وقال: لا أقبل هذا أبدا. فقلنا له: تخرج خراجا في كل عام، فقال: ولو سألتموني درهما واحدا لم أفعل، ثم إنا تهيأنا للقتال بعد الأعذار إليه فهيّأنا (١٥) عبد الله بن أبي سعد فجعل ميمنة وميسرة وقلبا، وسار بأصحابه فقال له رجل من قبط مصر كان معه: إن القوم لا يصافونك، وهم يهربون، فاجعل لهم كمينا وفرّقهم في أماكن ففعل ذلك عبد الله وغدا بنا على تعبئة، والروم قد رفعوا الصليب وعليهم من السلاح ما الله به عليم (١٦) ومعهم / من الخيل ما لا يحصى، فتصاولنا ساعة من النهار حتى صارت الشمس قدر رمحين أو أكثر، ثم حمل عبد الله بالناس وحملنا [معه] فكانت الهزيمة عليهم، وكرّ الكمين عليهم في كل مكان فأكثروا فيهم القتل والأسر، فطلبوا الصلح. فصالحهم عبد الله بن أبي سرح على خراج. روي عن أسامة بن زيد [الليثي] أن الذي صالحهم عليه عبد الله بن سعد (١٧) ألفا ألف دينار. وذكر بعض المؤرخين أن عبد الله بن سعد غزا افريقية في جماعة من الصّحابة. فلقي جرجيرا في سبيطلة وهي مدينة على سبعين ميلا من القيروان، فقتل جرجيرا وهو في مائة ألف، وصالح ابن أبي سرح أهل الحصون وأهل المدائن على مائة ألف (١٨) رطل من الذهب.

стр. 200

قال أبو عثمان سعيد بن عفير (١٩) في «تاريخه»: «لما سمعت الرّوم والأفارقة (٢٠)، بخروج عبد الله بن سعد ووصوله إلى إفريقية، خرجوا إليه ومعهم جرجير في جمع من الرّوم. فلما التقى بهم المسلمون بادر جرجير بالبراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فقتله ابن الزبير، ومنهم من قال قتلاه جميعا. ثم كانت الهزيمة، واتخذ المسلمون ذلك المنزل معسكرا ومنزلا، وأصابوا لهم غنائم كثيرة، وقسم عبد الله الفيء على الصحابة، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الرّاجل ألف دينار» (٢١) وتولى قسم الغنيمة / عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنهما - ونفل عبد الله ابن أبي سرح عبد الله بن الزبير ابنة جرجير لأنه قتل جرجيرا. وبلغ الخمس أربعمائة ألف دينار واجتمعت الرّوم بعد قتل جرجير إلى كورة من الكور حصينة (هو قصر الجم) (٢٢) فسار إليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح بمن معه (من المسلمين) (٢٣) فصالحوه على ثلاثمائة قنطار (ذهبا وهي) (٢٤) ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، فقبضها منهم وانصرف عنهم. وسئل يومئذ بعض النّصارى من أين كثرت أموالكم؟ فبادر إلى شجرة زيتون كانت بين يديه فأخذ منها عودا وقال: من هذا جمعنا هذه الأموال، نصيب الزّيت فيأتينا أهل البحر والجزائر [والصحارى] (٢٥) فيبتاعونه منا، فمنه كثرت أموالنا». ثم قال (٢٦): وأقام ابن أبي سرح بسبيطلة، وهو الأمير على عسكره والحاكم بينهم، فلما رأى [الرّوم] (٢٧) الذين بالساحل ما حل بجرجير وأهل سبيطلة، غارت

стр. 201

أنفسهم وتجمّعوا وكاتب بعضهم بعضا، (وأمّلوا حرب) (٢٨) ابن أبي سرح، فخاف منهم لما معه من الغنائم، فكتب إلى خليفته بمصر يأمره أن يوجه (٢٩) إليه مراكب في البحر يجعل فيها غنائم المسلمين، فوصل كتابه إلى مصر، وأخذ خليفته فيما أمره به، واتّصل بالروم قصد ابن أبي سرح إياهم واستقباله (٣٠) حربهم، فخافوه وراسلوه ودار بينهم / تشاجر، فجعلوا له جعلا على أن يرتحل بجيشه ولا يعترضون لشيء معه فأجابهم إلى ذلك، ووجهوا إليه مائة قنطار ذهبا فقبضها منهم وانصرف عنهم راجعا إلى مصر بعد أن أقام بافريقية سنة وشهرين، فلما وصل إلى طرابلس وافته المراكب، فحمل فيها أثقال جيشه ونفذ هو وأصحابه سالمين إلى مصر، ووجّه إلى عثمان - رضي الله تعالى عنه - بالأموال التي معه (٣١) من الخمس وغيره، فوقعت الفتنة في اثر ذلك واستشهد عثمان ﵁. وولي بعده علي - رضي الله تعالى عنهما -، وبقيت افريقية على حالها إلى ولاية معاوية. ولاية معاوية بن خديج: «فلما ولي معاوية عزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن مصر وإفريقية، وولى عليهما معاوية بن خديج الكندي كان من أصحاب رسول الله ﷺ (٣٢) وهو (٣٣) بضم الخاء مصغر، بن جفنة بن قتيرة (٣٤) بن حارثة بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد بن أشرس بن شبيب (٣٥) بن السّكون (٣٦) بن كندي (٣٧) السّكوني

стр. 202

الكندي، هكذا سرد نسبه أبو نصر (٣٨) بن ماكولا الكرخي. فمن نسب معاوية بن خديج إلى جدّه الأقرب قال: السّكوني، ومن نسبه إلى جده الأبعد، قال: الكندي» (٣٩) واختلف في كنيته، فقيل أبو عبد الرحمان وقيل أبو نعيم، وفد على النبيء ﷺ وشهد فتح مصر وكان هو الوارد بفتح الإسكندرية على عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وغزا افريقية ثلاث غزوات / احداهن سنة أربع وثلاثين (٤٠) في خلافة عثمان، فنزل بمكان القيروان اليوم واحتفر بها آبارا تسمّى آبار خديج إلى الآن غلب عليها (٤١) اسم أبيه (٤٢) وهذه الآبار خارج باب تونس منحرفة عنه إلى المشرق عند مصلّى الجنائز، وكان معه في هذه الغزوة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وجبلة بن عمرو الساعدي، وأبو زمعة البلوي، فمات أبو زمعة ودفن بالبلويّة أحد مقابر القيروان الآن فسميت به. ثم غزا معاوية افريقية سنة إحدى وأربعين (٤٣) وسنة خمسين (٤٤)، في إحداهما نزل القرن (٤٥) وأقام بها ثلاثة أعوام، وبنى هنالك بيوتا وذلك قبل أن تختط القيروان» (٤٦). وتوفي سنة اثنين وخمسين (٤٧). ولما ولاه (٤٨) معاوية بن أبي سفيان على مصر أراد معاوية غزو افريقية، فأغزاه إياها، فخرج ابن خديج من مصر ومعه جماعة من الصّحابة والتابعين وكان معه عبد الملك بن مروان ويحيى بن الحكم، والأكدر بن حمام (٤٩) اللخمي، وخالد بن ثابت الفهمي (٥٠) وأشراف من جند مصر حتى وصل افريقية، فقصد جلولا (٥١) وعليها

стр. 203

عامل لجرجير الرّومي الذي كان ملك سبيطلة، فنزل بجيشه على قمّونيّة (٥٢) وهي قيروان افريقية. فرحل (٥٣) منها إلى جبل يقال له القرن، قيل إنما سمّي بذلك لقول معاوية: ارحلوا بنا إلى ذلك القرن، ويقال إنّه نزل جبلا بإفريقية يقال له ممطور في غربي / مدينة قمّونيّة على فراسخ منها، فأصابه مطر شديد فقال: إنّ جبلنا هذا الممطور فسمي إلى اليوم بذلك. وقال: إذهبوا بنا إلى ذلك القرن. ثم رحل منه إلى مدينة جلولا، فلما وصل إليها امتنعوا منه وتحصنوا فحاصرهم حتى فتحها وكان سبب فتحها أن معاوية لما طال مقامه عليها، رحل عنهم يريد القفول، فلما سار عنهم قليلا، ذكر رجل من عسكره أنه نسي قوسا بمعسكره، فرجع في طلبها فرآى ركنا من أركان جلولا قد انهدم، فلحق معاوية فأخبره. ويقال إنّه لما انصرف جعل فرسان النّاس وحماتهم على ساقة للعسكر، فساروا غير بعيد، ثم نظروا فإذا خلفهم غبار شديد. ورهج، فوقف العسكر وزحف من كان على الساقة نحو ذلك الغبار حتى وقفوا على المدينة، فإذا هي قد وقع حصنها من ناحية واحدة من ركن إلى ركن، فلم يبق منه شيء إلاّ لصق بالأرض، فانصرف المعسكر إليها، فنزلوا على حصنها من جهة الهدم، وألقوا بأنفسهم على الموت، فقاتلوهم قتالا شديدا فانهزم الروم، وقتل رجالهم وأنجادهم، ودخلوها بالسيف، فأصابوا بها سبيا كثيرا وغنائم، ويقال إنّ معاوية بن خديج مضى إليها بجميع عسكره، فغنم كل ما كان فيها، ثم أنفذ الغنائم إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام. ويقال إنّ الذي نسي القوس عبد الملك بن مروان» (٥٤). ونقل في «معالم الإيمان» (٥٥) / عن أبي العرب (٥٦) «إن معاوية بن خديج غزا افريقية ثلاث غزوات أما الأولى فسنة أربع وثلاثين (٥٧)، في خلافة عثمان - رضي الله تعالى عنه - (وكانت تلك الغزوة لا يعرفها كثير من الناس) (٥٨) وأما الثانية فسنة أربعين (٥٩)، وأما الثالثة فسنة خمسين (٦٠) من الهجرة».

стр. 204

وقال محمد بن يوسف الورّاق القيرواني: «إنّ معاوية بن خديج غزاها سنة أربع وثلاثين (٦١). وأول غزوة غزاها عقبة بن نافع بن عبد القيس بن عامر بن أمية بن الحارث بن فهر بن مالك سنة اثنتين وأربعين (٦٢)، وقيل سنة إحدى وأربعين (٦٣)، ثم غزاها معاوية بن خديج وهي حرب كلها. وغزا معاوية بن خديج جزيرة صقلية في مائتي مركب وأصاب بها غنائم كثيرة (٦٤)، وانصرف إلى قمّونيّة فقسم عليهم فيأهم، وبعث بالخمس إلى معاوية بن أبي سفيان، وهو إذ ذاك خليفة وهذه الغزوة هي غزوة معاوية بن خديج الثانية، كانت سنة خمس وأربعين (٦٥) وقيل كانت سنة إحدى وأربعين» (٦٦) اهـ كلام الوراق (٦٧). قال أبو بكر المالكي: فلما وصلت الغنائم إلى معاوية بن أبي سفيان، أعاد معاوية ابن خديج بجيوش الشّام ومصر إلى إفريقية وكان ذلك في سنة خمسين (٦٨) ومعه عبد الملك ابن مروان، فوصل إلى إفريقية، واحتفر الآبار التي تسمى الآن آبار خديج بباب تونس، وإنّما احتفرها إذ كان عسكره هناك. ولاية أبي المهاجر: «ثم غزا منها بنزرت وغنم غنائم كثيرة من نواحيها، ورجع قافلا / إلى قمّونيّة وبنى بناحية القرن (٦٩) مساكن وسمّاها قيروانا، وموضع القيروان غير مسكون ولا معمور. ثم

стр. 205

رحل معاوية بن خديج من إفريقية إلى معاوية بن أبي سفيان، فدفع الغنائم إليه، ثم عزله معاوية عن مصر وولى عليها مسلمة بن مخلّد الأنصاري، فوجه مسلمة خالد بن ثابت الفهمي (٧٠) إلى افريقية وكان من التابعين. فخرج في محرم سنة خمسين (٧١)، فانتهى إلى مواضع منها، وأصاب غنائم كثيرة، ثم عزله مسلمة وولى أبا المهاجر مولاه بجيش من قبله، فوصل إلى افريقية، فأخذ عقبة بن نافع الفهري، فحبسه وضيق عليه، فبلغ خبره معاوية، فكتب إلى أبي المهاجر يأمره بتخليته ويعنفه (٧٢) فيما صنع به، فأطلقه أبو المهاجر وأرسله برسل من قبله، حتى أخرجه من قابس، فمضى وهو حنق على أبي المهاجر، فدعا الله أن يمكّنه منه، فلم يزل أبو المهاجر خائفا من دعائه، وقال هو عبد لا تردّ له دعوة. ثم إن أبا المهاجر صالح برابر افريقية وفيهم كسيلة الأوربي (٧٣) وأحسن إليه واتّخذه صديقا وصالح عجم افريقية، وخرج بجيوشه نحو المغرب ففتح كل ما مرّ به، حتى انتهى إلى العيون التي تسمى الآن عيون أبي المهاجر، نحو تلمسان، ولم يستخلف على القيروان أحدا ينظر فيها لأن أكثرهم خرج معه ولم يبق إلاّ شيوخ ونساء وأطفال، ثم رجع إليها وأقام بها» اهـ (٧٤). ولاية عقبة بن نافع وغزواته: (وحبس أبي المهاجر لعقبة وأخذه له / لأن عقبة سبقه لإفريقية) (٧٥) في غزوته الثانية التي كانت في سنة ست وأربعين (٧٦) من الهجرة، قال محمّد بن يوسف الورّاق: إن عقبة بن نافع الفهري غزا افريقية غزوته الثانية في سنة ست وأربعين (٧٦) من الهجرة، فافتتح كثيرا من حصونها، وأثخن في قتل الرّوم والبربر، واختط مدينة القيروان، وتحوّل بها أيّاما، ثم قدم أبو المهاجر دينار مولى مسلمة بن مخلّد الأنصاري إلى افريقية سنة

стр. 206

خمس وخمسين (٧٧)، فعزل عقبة وقيّده وحبسه وأخرب ما كان اختطه بالقيروان، واختط مدينة تاكروان (٧٨) وهي بجوفي (٧٩) افريقية على نحو ميلين، وجدّ في بنائها وتشييدها، ولم يزل عقبة في حبسه حتى أتاه كتاب الملك الخليفة معاوية بن أبي سفيان يأمره باطلاقه. قال أبو بكر المالكي (٨٠): ولما سرح عقبة من وثاقه (٨١) توجه إلى معاوية بن أبي سفيان فوجده؟؟؟ توفي. وولي بعده يزيد، فدخل عليه وأخبره بما صنع (٨٢) أبو المهاجر بالقيروان، وما حل به منه. وقال: فتحت افريقية وبنيت مسجد الجامع فبعثتم عبد الأنصار فأهانني وأساء عزلي (٨٣) فغضب اليزيد وقال أدركوها قبل أن يخرّبها، ورد عقبة إليها وأزال ولاية مسلمة عنها وأقره بمصر، وذلك سنة اثنين وستين (٨٤) من الهجرة، فقدم عقبة إليها في عشرة آلاف فارس، فوصل إلى القيروان، وأخذ أبا المهاجر وحبسه وقيّده وأخذ / منه ما وجد بيده من الأموال، فبلغ ذلك مائة ألف دينار ذهبا، وجدّد بناء القيروان وشيّدها ونقل إليها الناس، فعمرت (وعظم بناؤها) (٨٥) وعلا قدرها وأعز الله بها الإسلام وأقر بها أعين الأنام. ثم إن عقبة خرج بأصحابه وبكثير من أهل القيروان إلى المغرب، واستخلف عليها عمر بن علي القرشي، وزهير بن قيس البلوي، وخرج بأبي المهاجر معه موثوقا. ولما خرج عقبة دعا بأولاده فقال لهم: إني بعت نفسي من الله ولا أدري ما يقضي علي في سفري، ثم قال: يا بني أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها: إيّاكم أن تملؤوا صدوركم شعرا وتتركوا القرآن، املؤوا صدوركم من كتاب الله فإنه دليل على الله، وخذوا من كلام العرب ما تهتدي به ألسنتكم، ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه، وأوصيكم أن لا تداينوا ولو لبستم العباء، فإن الدين ذلّ بالنهار وهمّ

стр. 207

بالليل، فدعوه تسلم لكم أقداركم وأعراضكم، وتبقى لكم الحرمة مع الناس ما بقيتم، ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخصين، فيجهّلوكم (٨٦) دين الله ويفرقوا بينكم وبين الله، ولا تأخذوا دينكم (٨٧) إلاّ من أهل الورع والحيطة فإنه أسلم لكم، ومن احتاط سلم ونجا (فيمن نجا ثم عليكم سلام الله) (٨٨) وأراني لا تروني بعد يومكم هذا (٨٩). ثم سار (٩٠) حتى انتهى إلى باغاية (٩١) والرّوم يهربون بين يديه (٩٢) يمينا وشمالا، فحاصرها وقد اجتمع بها الرّوم، فقاتلهم وحاصرهم أشدّ القتال / ثم انهزم عدوهم فقتلهم قتلا ذريعا وغنم أموالهم، ثم كره أن يقيم عليهم، فرحل عنهم ونزل على تلمسان، وهي من أعظم مدائنهم، وانضم إليها من حولها، فخرجوا إليه في عدد لا يحصى ولا يعلم عددهم إلاّ الله، فقاتلهم حتى ظن المسلمون أنه الفناء، فضرب الله في وجوه الرّوم، فقاتلهم إلى باب حصنهم، وأصاب الناس منهم غنائم كثيرة، ثم كره المقام عليهم، فرحل يريد الزّاب، فسأل عن أعظم مدائنه فقيل له مدينة يقال لها آذنة، وهي (مدينة ملكهم) (٩٣)، وكان حولها ثلاثمائة قرية، وستون قرية، كلها عامرة، فلما بلغهم قدوم المسلمين عليهم هربوا إلى حصنهم وإلى الجبال، فلما قدم عقبة نزل على واد منها على ثلاثة أميال أو أكثر قليلا، فلقوه عند الوادي في وقت المساء، - وكان وقت نزوله - فكره قتالهم بالليل، فتواقف القوم الليل كله، لا راحة لهم ولا فترة ولا نوم فسماه الناس إلى اليوم وادي سهر (٩٤) لأنهم سهروا عليه فلما أصبح عقبة صلّى الصّبح، ثم أمر المسلمين بقتالهم فقاتلوهم قتالا ما رآه المسلمون قط حتى يئس المسلمون من أنفسهم، ثم أعطاهم الله الظفر، فانهزم الرّوم وقتل فرسانهم وأهل النّكاية والبأس منهم، واستولت الهزيمة على بقيتهم.

стр. 208

وفي هذه الغزوة ذهب عزّ الرّوم / من الزّاب وذلّوا، فكره عقبة المقام عليهم وقد تحصّنوا فرحل عنهم يريد المغرب حتى نزل تاهرت فاستغاث الرّوم بالبربر فأجابوهم ونصروهم، فقام [عقبة] في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إن أشرافكم وخياركم الذين ﵃ وأنزل عليهم كتابه، بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان على قتال (٩٥) من كفر بالله إلى يوم القيامة وهم [أشرافكم] (٩٦) والسّابقون منكم إلى البيعة باعوا أنفسهم من ربّ العالمين بجنته بيعة رابحة وأنتم اليوم في دار غربة، وإنّما بايعتم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلاّ طلبا لرضاه واعزازا لدينه، فأبشروا فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذلّ إن شاء الله وربكم لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب صادقة فإن الله جعلكم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه. فالتقى المسلمون بهم فاقتتلوا قتالا شديدا فلم يكم لهم بقتال العرب من طاقة، فولوا (٩٧) هاربين، فقاتلهم المسلمون قتالا ذريعا أبادوا فيه فرسان البربر، وتفرق جمعهم وقليل من نجا منهم. ثم رحل حتى نزل طنجة فنزل على البحر المحيط، وهو بحر الأندلس، فقيل له: ذلك بحر لا يرام، وعليه ملك عظيم الشأن، وما أظنك تقدر أن تجوز هذا البحر، فقال لهم: دلّوني على رجال البربر والرّوم، فقالوا له: قد / تركت خلفك الروم وقد أفنيتهم، وما أمامك إلاّ البربر وهم في عدد لا يعلمه إلاّ الله. فسألهم عن موضعهم فقالوا له: السّوس الأدنى فلقي البربر في عدد لا يعلمه إلاّ الله تعالى، فانهزموا وقتلهم قتلا ذريعا وأمعنت خيل المسلمين في البلاد، ثم رحل عنهم إلى السّوس الأقصى، فاجتمع عليه البربر في عدد لا يحصى فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر القتلى من الفريقين، ثم ضرب الله في وجوه الكفّار، فهزمهم المسلمون وقتّلوهم وغنموا أموالهم وسبوا نساءهم، (وهنّ في غاية الحسن والأدب) (٩٨) فبلغ (٩٩) ثمن الجارية منهن بالمشرق ألف دينار، ثم هربوا من بين يديه.

стр. 209

ورحل يريد البحر المحيط، فانتهى إليه وأقحم فيه فرسه - لا يقف بين يديه أحد، ولا يرومه بشر - ثم نادى بأعلى صوته وهو يشير بسوطه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال له بعض أصحابه: على من تسلم يا ولي الله؟ فقال: على قوم يونس من وراء هذا البحر، ولولاه لوقفت بكم عليهم، ثم رفع يديه إلى السّماء وقال: اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في الأرض أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك، ثم انصرف راجعا يريد افريقية، وداخل البربر منه خوف (١٠٠) عظيم، وتفرقوا في الجبال / فلما دنا منها أمر أصحابه أن يتفرقوا، فتفرقوا أفواجا أفواجا إلى افريقية، فلما انتهى إلى ثغر افريقية وهو طبنة (١٠١)، وبينها وبين القيروان (١٠٢) ثمانية أيام، أذن لمن بقي معه في الانصراف إلى القيروان (ومال في خيل يسيرة يريد تهودة) (١٠٣) فلما انتهى إليها، نظر الروم في خيل يسيرة (فقرب لينظر إليها) (١٠٤) ويعرف قدر ما يكفيها من الخيل، فيقطع ذلك إليها، وجيوشها متياسرة عن طبنة (١٠١) فلما انتهى إليها نظر الروم إلى قلة ما معه من الخيل، فقالوا: في قتل هذه الخيل قتل أهل الأرض كلهم وظنوا أن ذلك هو عسكره فأغلقوا باب حصنهم دونه، وأقبلوا يرمونه بالحجارة وهم في ذلك يشتمونه، وكل ذلك وهو يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فلما توسط البلاد نزل. وبعث الروم إلى كسيلة الأوربي، فأعلموه بقلة من معه، فجمع له جمعا كثيرا من الروم والبربر وتسارعوا إليه ثم زحف إليه ليلا حتى نزل بالقرب منه وأحاط بعسكر عقبة وأقام كذلك حتى أصبح فلما رأى ذلك عقبة استعد له وأمر أصحابه أن لا يركب منهم أحد ويئس المسلمون من أنفسهم، وقاتل المشركون قتالا شديدا حتى بلغ البلاء، وتكاثرت في المسلمين الجراح، وتكاثر عليهم العدو، فاستشهد عقبة ﵁ وجميع من معه - رضي الله تعالى عنهم جميعا - / واستشهد معه أبو المهاجر وكان موثوقا في الحديد (١٠٥).

стр. 210

فلما (١٠٦) استشهد عقبة وأصحابه، جمع كسيلة أهل المغرب، وزحف بهم يريد القيروان، فاشتعلت (١٠٧) افريقية نارا، وعظم البلاء على المسلمين، ومضى كسيلة بالعساكر حتى جاوز (١٠٨) القيروان فخرجت العرب منها هاربة، ولم يكن لهم بحربه من طاقة لعظم ما اجتمع عليه من الروم والبربر، وأسلموا القيروان وبقي بها أصحاب العيال، وكل مثقل من التجار وأهل الذمّة، فحار الناس ولم يدروا كيف يفعلون فأرسلوا إلى كسيلة يسألونه الأمان فأجابهم إلى ذلك، ودخل القيروان (١٠٩) إلى الموضع الذي كان فيه عقبة فنزله وأقام بها أميرا، وصارت بقيّة المسلمين تحت يده، ومضى الذين هربوا حتى قدموا على يزيد فوجدوه قد مات، وذلك في سنة أربع وستين» (١١٠). «قال في «معالم الإيمان» (١١١): وقيل إن زهير بن قيس البلوي - خليفة عقبة - ثبت بالقيروان حين (١١٢) زحف إليه كسيلة البربري، وخرج الروم من حصونهم، ونقضوا العهود، وزحف كسيلة وقاتله زهير قتالا شديدا، فانهزم كسيلة وقتل من أصحابه ما لا يحصى، ومضت عنه تلك الجموع فهرب الرّوم وتفرقت جموعهم فأقام زهير يسيرا بالقيروان، ثم خرج إلى مصر، وذلك في سنة خمس وستين (١١٣)، فوجد يزيدا قد مات وعبد الله بن الزبير خليفة / بمكّة ومروان بن الحكم أميرا (١١٤) بالشام (١١٥). (واعلم أن عقبة بن نافع - رضي الله تعالى عنه -) (١١٦) ولد على عهد رسول الله ﷺ ولم يرو عنه شيئا، وكان رجلا صالحا، مستجاب الدعاء، وله كرامات، منها ما رواه عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم (١١٧)، أن عقبة بن نافع أصابه في بعض مغازيه بالمغرب عطش شديد هو وأصحابه أشرفوا منه على الموت، فصلّى عقبة ودعا الله - عزّ

стр. 211

وجل - فجعل فرسه يبحث بيده في الأرض حتى كشف عن صفاة، فانفجر منها الماء فجعل الفرس يمص ذلك الماء فانصرف عقبة فنادى في النّاس أن احتفروا، فاحتفروا سبعين حسيا (١١٨) فشربوا واستقوا وصار ذلك ماء معينا، فسمي ذلك الماء «ماء فرس» إلى اليوم. قال (١١٩): وروى أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم قال: حدثنا حبيب بن نصر، وأحمد بن أبي سليمان، وعيسى بن مسكين، قالوا: أخبرنا سحنون بن سعيد - رحمه الله تعالى - عن عبد الله بن وهب، عن اللّيث بن سعد أنّ عقبة بن نافع الفهرى لما قدم من عند يزيد بن معاوية في جيش لغزو المغرب مرّ على عبد الله بن عمرو وهو بمصر فقال عبد الله بن عمرو: يا عقبة، لعلّك من الجيش الذين يدخلون الجنة برحالهم؟ قال: فمضى (١٢٠) عقبة بجيشه حتى قابل البربر وهم كفار، فقتلوا جميعا. قال أبو العرب: كان هذا في غزوة عقبة الثالثة (١٢١)، قتل هو وأصحابه وكان كسيلة نصرانيّا / وقبر عقبة ظاهر بالزّاب يتبرك به. وكان دخوله افريقية ثلاث مرات، الأولى سنة إحدى وأربعين، فأقام بها ثلاث سنين، وقيل سنة ست وأربعين، وهو الأصح، وعلى كل حال كان ذلك في دولة معاوية بن أبي سفيان. والمرة الثانية سنة خمسين وفيها اختط القيروان ومن جملتها الجامع الأعظم ودار الإمارة وهي في قبلة الجامع المسمى اليوم بالمخزن، وترك ما أسسه (معاوية بن خديج بالقرن) (١٢٢). وغزوته هذه في مدة معاوية أيضا. والمرة الثالثة سنة إحدى وستين وقيل سنة اثنين وستين وكانت غزوته هذه في خلافة يزيد بن معاوية، وكان - رحمه الله تعالى - حريصا على الجهاد بلغ في مغازيه إلى سوس المغرب وإلى بلاد السّودان، وفتح سائر افريقية وودّان وعامّة بلاد البربر (ولم يختلف أنه كان مجابا - رضي الله تعالى عنه -) (١٢٣).

стр. 212

غزوة عقبة بن عامر الجهنّي: كان من أكابر الصحابة. قال في «المعالم» (١٢٤): «يكنّى أبا حمّاد (١٢٥)، وقيل أبا الأسود وقيل أبو أسيد (١٢٦)، وقيل أبو أسد، (وقيل أبو عمران) (١٢٧)، وقيل أبو سعاد، وقيل أبو عمّار، وقيل أبو عامر. قال: سكن مصر وكان واليا عليها وابتنى بها دارا، وغزا منها افريقية قبل عقبة بن نافع. وروى سحنون بن سعيد عن عبد الله بن وهب، عن اللّيث بن سعد، قال: بلغني أن عقبة / بن عامر الجهني لما غزا افريقية أتى إلى وادي القيروان، فبات عليه حتى إذا أصبح وقف على رأس الوادي فقال: يا أهل الوادي أظعنوا، فإنّا نازلون، قال ذلك ثلاث مرات، فجعلت الحيّات والعقارب وغيرها، مما لا يفر (١٢٨) من الدّواب يخرجن وهم قيام ينظرون إليها من حين أصبحوا حتى أوجعهم حرّ الشمس، (وحتى لم يروا) (١٢٩) منها شيئا، فنزلوا الوادي عند ذلك. قال اللّيث: حدثني زياد بن عجلان أن أهل افريقية أقاموا [بعد ذلك] أربعين سنة، ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت، هكذا روى الليث. وقال عبد الله بن لهيعة: إنّما هو عقبة بن نافع عندما أراد أن يختط القيروان وهو الأشهر من القولين. وتوفي عقبة بن عامر بالشّام سنة ثمان وخمسين (١٣٠) في خلافة معاوية. وقال: والواقدي توفي بمصر (١٣١). غزوة رويفع بن ثابت: هو رويفع بن ثابت بن السّكن بن عدى بن حارثة (١٣٢) بن عمرو بن زيد مناة بن

стр. 213

عدى بن عمرو بن مالك بن النجّار (١٣٣) الأنصارى. قال أبو سعيد بن يونس: كانت لرويفع بالمغرب وافريقية ولايات وفتوحات، وشهد قبلها فتح مصر واختط بها دارا. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: ولي معاوية بن أبي سفيان رويفع بن ثابت على طرابلس سنة ست وأربعين (١٣٤)، فغزا منها افريقية سنة سبع وأربعين (١٣٥)، ودخلها وانصرف من عامه. قال في «المعالم»: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن مكي (١٣٦) قال: أخبرنا أحمد بن محمد (١٣٧) الأصبهاني، قال: أخبرنا محمد بن أحمد (١٣٨) / الرّازي، قال: «أخبرنا محمّد بن أحمد (١٣٩) السّعدي، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد العكبري (١٤٠) قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي عن هارون الحربي قال: حدثنا أحمد ابن خالد السّرخسي، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب (١٤١)، قال: أخبرنا حنش الصنعاني، قال: غزونا المغرب وعلينا رويفع ابن ثابت الأنصاري، فافتتحنا جزيرة (١٤٢) يقال لها جربة، فقام فينا رويفع خطيبا فقال: «إني لا أقول (١٤٣) فيكم إلاّ بما سمعت من رسول الله ﷺ قام فينا يوم خيبر حين افتتحناها، فقال: «لا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني اتيان الحبالي من الفيء - ولا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي ثيّبا حتى يستبرئها (١٤٤)، ولا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة

стр. 214

من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه (١٤٥) [ولا يحل لأمرئ] (١٤٦) يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه» (١٤٧). غزوة زهير بن قيس البلوي: وتوفي رويفع بن ثابت ببرقة وهو وال عليها، وتوفي سنة ثلاث وخمسين (١٤٨) وقبره بها معروف (١٤٩). ولما بلغ أهل الشام وفاة عقبة بن نافع اجتمع (١٥٠) المسلمون إلى مروان ابن الحكم فسألوه أن يبعث الجيوش إلى إفريقية لخلاص من فيها من المسلمين من يد كسيلة وأن يعز بها الإسلام كما كان في أيام عقبة بن نافع، فقال لهم: ومن يوجد مثل عقبة؟ فاتفق رأيه ورأي المسلمين على زهير بن قيس البلوي (نسبته إلى بلي) (١٥١) قبيلة من العرب /، كان - رضي الله تعالى عنه - من رؤساء العابدين - وأشراف المهاجرين، فوجه إليه عبد الملك يأمره بالخروج على أعنّة الخيل فيمن معه من المسلمين لغزو افريقية حتى يعود إليها الإسلام كما كان. فلما اتصل ذلك بزهير سرّه وسارع إلى الجهاد، وكتب إلى عبد الملك يخبره بقلّة من معه من الرّجال وقلة الأموال، فأرسل عبد الملك رجال العرب وأشرافهم يحشدون عليه الناس من مدائن الشام (١٥٢) وأفرع عليه الأموال، فسارع الناس إلى الجهاد واجتمع منهم خلق كثير، فأمرهم أن يلحقوا بزهير، فلما وصلوا إليه خرج بهم إلى افريقية، فلما دنا من القيروان نزل بقرية يقال لها قلشانة (١٥٣)، وكان ذلك في سنة تسع وستين (١٥٤)،

стр. 215

فبلغ ذلك كسيلة وكان في خلق عظيم من الرّوم والبربر، فدعا كبارهم وشاورهم في أمره، وقال لهم: إني رأيت أن أرحل إلى ممسّ (١٥٥) فأنزل عليها لأنّي أخاف إذا التقينا مع القوم (١٥٦) والتحم القتال أن يركبنا من في القيروان من المسلمين فنهلك، ولكن ننزل بعسكرنا على ممسّ (١٥٥) لأن ماءها كثير، فهو يحمل عسكرنا، فإن هزمناهم رحلنا (١٥٧) معهم لطرابلس وقطعنا آثارهم من الدّنيا وتكون افريقية لنا وفي ملكنا إلى آخر الدّهر، وإن هزمونا كان الجبل منا قريبا فتحصّنا به، فأجابوه إلى ذلك فرحل إلى ممسّ فنزل بها. فبلغ ذلك زهيرا وكان ينتظر أن يخرج إليه من القيروان، فلما نزل كسيلة ممسّ رحل زهير بعسكره فنزل القيروان وأقام بها ثلاثة أيام / حتى استراح وأراح أصحابه خيلهم، ونظر إلى ما يعمل كسيلة فإذا به يريد (١٥٨) قتاله، فزحف إليه زهير يوم الأربعاء صباحا، فسار نهاره أجمع حتى أشرف على عسكر كسيلة في آخر النهار، فأمر الناس بالنزول فنزلوا، وبات الناس على مصافّهم، فلما أصبح زهير صلّى الصّبح غلسا ثم زحف إليه بمن معه، فالتقى الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر البلاء في الفريقين جميعا، فضرب الله في وجه (١٥٩) كسيلة فانهزم هو وأصحابه وقتلوا قتالا ذريعا، وأثخن العرب فيهم القتل، وقتل كسيلة بممسّ ولم يتجاوزها، وتمادت العرب في طلب أصحابه حتى سقوا خيلهم من ملويّة «واد بطنبة» (١٦٠) وأفنوا رجال الروم، وفتح شقبناريّة (١٦١) وقلاعا [أخر] (١٦٢) ثم رحل إلى القيروان وقد فزع منه جميع (١٦٣) الرّوم والبربر. ثم إن زهيرا رأى من افريقية رفاهية العيش وملكا عظيما فأبى من المقام، وقال: إنما قدمت إلى الجهاد ولم أقدم لحب الدنيا، - وكان - رضي الله تعالى عنه - من رؤساء
следующие страницы →