← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وجل - فجعل فرسه يبحث بيده في الأرض حتى كشف عن صفاة، فانفجر منها الماء فجعل الفرس يمص ذلك الماء فانصرف عقبة فنادى في النّاس أن احتفروا، فاحتفروا سبعين حسيا (١١٨) فشربوا واستقوا وصار ذلك ماء معينا، فسمي ذلك الماء «ماء فرس» إلى اليوم. قال (١١٩): وروى أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم قال: حدثنا حبيب بن نصر، وأحمد بن أبي سليمان، وعيسى بن مسكين، قالوا: أخبرنا سحنون بن سعيد - رحمه الله تعالى - عن عبد الله بن وهب، عن اللّيث بن سعد أنّ عقبة بن نافع الفهرى لما قدم من عند يزيد بن معاوية في جيش لغزو المغرب مرّ على عبد الله بن عمرو وهو بمصر فقال عبد الله بن عمرو: يا عقبة، لعلّك من الجيش الذين يدخلون الجنة برحالهم؟ قال: فمضى (١٢٠) عقبة بجيشه حتى قابل البربر وهم كفار، فقتلوا جميعا. قال أبو العرب: كان هذا في غزوة عقبة الثالثة (١٢١)، قتل هو وأصحابه وكان كسيلة نصرانيّا / وقبر عقبة ظاهر بالزّاب يتبرك به. وكان دخوله افريقية ثلاث مرات، الأولى سنة إحدى وأربعين، فأقام بها ثلاث سنين، وقيل سنة ست وأربعين، وهو الأصح، وعلى كل حال كان ذلك في دولة معاوية بن أبي سفيان. والمرة الثانية سنة خمسين وفيها اختط القيروان ومن جملتها الجامع الأعظم ودار الإمارة وهي في قبلة الجامع المسمى اليوم بالمخزن، وترك ما أسسه (معاوية بن خديج بالقرن) (١٢٢). وغزوته هذه في مدة معاوية أيضا. والمرة الثالثة سنة إحدى وستين وقيل سنة اثنين وستين وكانت غزوته هذه في خلافة يزيد بن معاوية، وكان - رحمه الله تعالى - حريصا على الجهاد بلغ في مغازيه إلى سوس المغرب وإلى بلاد السّودان، وفتح سائر افريقية وودّان وعامّة بلاد البربر (ولم يختلف أنه كان مجابا - رضي الله تعالى عنه -) (١٢٣).

стр. 212

غزوة عقبة بن عامر الجهنّي: كان من أكابر الصحابة. قال في «المعالم» (١٢٤): «يكنّى أبا حمّاد (١٢٥)، وقيل أبا الأسود وقيل أبو أسيد (١٢٦)، وقيل أبو أسد، (وقيل أبو عمران) (١٢٧)، وقيل أبو سعاد، وقيل أبو عمّار، وقيل أبو عامر. قال: سكن مصر وكان واليا عليها وابتنى بها دارا، وغزا منها افريقية قبل عقبة بن نافع. وروى سحنون بن سعيد عن عبد الله بن وهب، عن اللّيث بن سعد، قال: بلغني أن عقبة / بن عامر الجهني لما غزا افريقية أتى إلى وادي القيروان، فبات عليه حتى إذا أصبح وقف على رأس الوادي فقال: يا أهل الوادي أظعنوا، فإنّا نازلون، قال ذلك ثلاث مرات، فجعلت الحيّات والعقارب وغيرها، مما لا يفر (١٢٨) من الدّواب يخرجن وهم قيام ينظرون إليها من حين أصبحوا حتى أوجعهم حرّ الشمس، (وحتى لم يروا) (١٢٩) منها شيئا، فنزلوا الوادي عند ذلك. قال اللّيث: حدثني زياد بن عجلان أن أهل افريقية أقاموا [بعد ذلك] أربعين سنة، ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت، هكذا روى الليث. وقال عبد الله بن لهيعة: إنّما هو عقبة بن نافع عندما أراد أن يختط القيروان وهو الأشهر من القولين. وتوفي عقبة بن عامر بالشّام سنة ثمان وخمسين (١٣٠) في خلافة معاوية. وقال: والواقدي توفي بمصر (١٣١). غزوة رويفع بن ثابت: هو رويفع بن ثابت بن السّكن بن عدى بن حارثة (١٣٢) بن عمرو بن زيد مناة بن

стр. 213

عدى بن عمرو بن مالك بن النجّار (١٣٣) الأنصارى. قال أبو سعيد بن يونس: كانت لرويفع بالمغرب وافريقية ولايات وفتوحات، وشهد قبلها فتح مصر واختط بها دارا. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: ولي معاوية بن أبي سفيان رويفع بن ثابت على طرابلس سنة ست وأربعين (١٣٤)، فغزا منها افريقية سنة سبع وأربعين (١٣٥)، ودخلها وانصرف من عامه. قال في «المعالم»: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن مكي (١٣٦) قال: أخبرنا أحمد بن محمد (١٣٧) الأصبهاني، قال: أخبرنا محمد بن أحمد (١٣٨) / الرّازي، قال: «أخبرنا محمّد بن أحمد (١٣٩) السّعدي، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد العكبري (١٤٠) قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي عن هارون الحربي قال: حدثنا أحمد ابن خالد السّرخسي، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب (١٤١)، قال: أخبرنا حنش الصنعاني، قال: غزونا المغرب وعلينا رويفع ابن ثابت الأنصاري، فافتتحنا جزيرة (١٤٢) يقال لها جربة، فقام فينا رويفع خطيبا فقال: «إني لا أقول (١٤٣) فيكم إلاّ بما سمعت من رسول الله ﷺ قام فينا يوم خيبر حين افتتحناها، فقال: «لا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني اتيان الحبالي من الفيء - ولا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي ثيّبا حتى يستبرئها (١٤٤)، ولا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة

стр. 214

من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه (١٤٥) [ولا يحل لأمرئ] (١٤٦) يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه» (١٤٧). غزوة زهير بن قيس البلوي: وتوفي رويفع بن ثابت ببرقة وهو وال عليها، وتوفي سنة ثلاث وخمسين (١٤٨) وقبره بها معروف (١٤٩). ولما بلغ أهل الشام وفاة عقبة بن نافع اجتمع (١٥٠) المسلمون إلى مروان ابن الحكم فسألوه أن يبعث الجيوش إلى إفريقية لخلاص من فيها من المسلمين من يد كسيلة وأن يعز بها الإسلام كما كان في أيام عقبة بن نافع، فقال لهم: ومن يوجد مثل عقبة؟ فاتفق رأيه ورأي المسلمين على زهير بن قيس البلوي (نسبته إلى بلي) (١٥١) قبيلة من العرب /، كان - رضي الله تعالى عنه - من رؤساء العابدين - وأشراف المهاجرين، فوجه إليه عبد الملك يأمره بالخروج على أعنّة الخيل فيمن معه من المسلمين لغزو افريقية حتى يعود إليها الإسلام كما كان. فلما اتصل ذلك بزهير سرّه وسارع إلى الجهاد، وكتب إلى عبد الملك يخبره بقلّة من معه من الرّجال وقلة الأموال، فأرسل عبد الملك رجال العرب وأشرافهم يحشدون عليه الناس من مدائن الشام (١٥٢) وأفرع عليه الأموال، فسارع الناس إلى الجهاد واجتمع منهم خلق كثير، فأمرهم أن يلحقوا بزهير، فلما وصلوا إليه خرج بهم إلى افريقية، فلما دنا من القيروان نزل بقرية يقال لها قلشانة (١٥٣)، وكان ذلك في سنة تسع وستين (١٥٤)،

стр. 215

فبلغ ذلك كسيلة وكان في خلق عظيم من الرّوم والبربر، فدعا كبارهم وشاورهم في أمره، وقال لهم: إني رأيت أن أرحل إلى ممسّ (١٥٥) فأنزل عليها لأنّي أخاف إذا التقينا مع القوم (١٥٦) والتحم القتال أن يركبنا من في القيروان من المسلمين فنهلك، ولكن ننزل بعسكرنا على ممسّ (١٥٥) لأن ماءها كثير، فهو يحمل عسكرنا، فإن هزمناهم رحلنا (١٥٧) معهم لطرابلس وقطعنا آثارهم من الدّنيا وتكون افريقية لنا وفي ملكنا إلى آخر الدّهر، وإن هزمونا كان الجبل منا قريبا فتحصّنا به، فأجابوه إلى ذلك فرحل إلى ممسّ فنزل بها. فبلغ ذلك زهيرا وكان ينتظر أن يخرج إليه من القيروان، فلما نزل كسيلة ممسّ رحل زهير بعسكره فنزل القيروان وأقام بها ثلاثة أيام / حتى استراح وأراح أصحابه خيلهم، ونظر إلى ما يعمل كسيلة فإذا به يريد (١٥٨) قتاله، فزحف إليه زهير يوم الأربعاء صباحا، فسار نهاره أجمع حتى أشرف على عسكر كسيلة في آخر النهار، فأمر الناس بالنزول فنزلوا، وبات الناس على مصافّهم، فلما أصبح زهير صلّى الصّبح غلسا ثم زحف إليه بمن معه، فالتقى الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر البلاء في الفريقين جميعا، فضرب الله في وجه (١٥٩) كسيلة فانهزم هو وأصحابه وقتلوا قتالا ذريعا، وأثخن العرب فيهم القتل، وقتل كسيلة بممسّ ولم يتجاوزها، وتمادت العرب في طلب أصحابه حتى سقوا خيلهم من ملويّة «واد بطنبة» (١٦٠) وأفنوا رجال الروم، وفتح شقبناريّة (١٦١) وقلاعا [أخر] (١٦٢) ثم رحل إلى القيروان وقد فزع منه جميع (١٦٣) الرّوم والبربر. ثم إن زهيرا رأى من افريقية رفاهية العيش وملكا عظيما فأبى من المقام، وقال: إنما قدمت إلى الجهاد ولم أقدم لحب الدنيا، - وكان - رضي الله تعالى عنه - من رؤساء

стр. 216

العابدين - فراوده أصحابه على المقام بافريقية فأبى ورجع إلى المشرق ونزل ببرقة، وكانت له بها وقائع كثيرة مع المشركين. وكانت الرّوم لما بلغهم أن زهيرا خرج غازيا إلى افريقية لقتال الرّوم والبربر وأيقنوا أنه خرج من برقة أمكنهم ما يريدون، فخرجوا إليها في مراكب كثيرة، وقوّة عظيمة، فأغاروا على برقة / وأصابوا منها سبيا كثيرا وأفسدوا وذهبوا فوافق ذلك قدوم زهير من افريقية إلى برقة فأخبروه بالذي حلّ بهم من الروم، فأمر عسكره أن يمضي على الطريق، وعدل هو إلى الساحل في خيل يسيرة من فرسان أصحابه وأنجادهم، وطمع أن يدرك شيئا من سبي المسلمين، فلما انتهى إلى السّاحل أشرف على الروم فإذا هم في خلق كثير، ولم يقدر أن يرجع، واستغاث ذراري المسلمين وصاحوا والرّوم يدخلونهم في المراكب، وعسكر الروم بوفرة في البر، فنادى زهير بأصحابه وقال: أنزلوا رحمكم الله، فنزل المسلمون وبرز الروم لقتالهم، فالتقى الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا حتى عانق بعضهم بعضا، وتكاثرت عليهم الروم فاستشهد زهير وكلّ من معه من المسلمين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - ولم يفلت منهم إلاّ رجل واحد، فأدخل الروم خيلهم وسلاحهم والسبي الذي كان معهم في المراكب، فلما وصل الخبر إلى عبد الملك بن مروان اشتدّ عليه وعلى المسلمين ذلك، وكانت المصيبة بزهير وأصحابه - رضي الله تعالى عنهم -[مثل المصيبة بعقبة بن نافع وأصحابه ﵃ أجمعين -] (١٦٤). ولاية حسان بن النعمان وغزواته: فسأل (١٦٥) عبد الملك أشراف المسلمين أن ينظروا إلى أهل افريقية من يؤمنهم من عدوّهم ويبعث الجيوش إليهم، فقال عبد الملك: «ما أعلم أحدا أكفأ بإفريقية من حسان بن النّعمان الغسّاني» فبعثه عبد الملك أميرا على افريقية في سنة تسع وستين (١٦٦) / في جيش فيه نحو من ستة آلاف وهو أول من دخل افريقية من أهل الشام في زمن بني أمية فخرج حسان بجيوشه حتى وصل افريقية فسأل أهل افريقية عن أعظم ملك بإفريقية فقالوا: «صاحب قرطاجنة»، فرحل إليه حسّان، وفي قرطاجنة من الروم ما لا يعلمه إلاّ

стр. 217

الله، وهي على شاطئ البحر، (قرب مدينة تسمى ترشيش) (١٦٧)، وهي من مدينة القيروان على مائة ميل وميل، فمشى حسّان حتى نزل على مدينتهم ترشيش، ووجه خيله إلى قرطاجنّة ولم يكن فيها بحر، فضيق عليهم حسّان، وتواقف القوم فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل رجالهم وفرسانهم. واجتمع رأي الروم على أن يهربوا في البحر في سفن كثيرة، فحملوا فيها، فمنهم من هرب إلى صقلية ومنهم من هرب إلى الأندلس، فدخلها حسان بالسيف فسباها وغنم ما فيها وقتل الرجال وأرسل إلى ما حولها من العمران فاجتمعوا إليه مسرعين خوفا منه، فأمرهم بهدم قرطاجنة وقطع القناة عنها، ثم اجتمع عليه الروم وعقدوا عليه عسكرا عظيما لا يعلمه إلاّ الله، ومعهم البربر وذلك بموضع يسمّى سطفورة (١٦٨)، فزحف إليهم حسّان وقاتلهم قتالا شديدا، وأصيب من أصحابه رجال كثيرون - رضي الله تعالى عنهم -. ثم ضرب الله في وجوه الروم والبربر، فانهزموا بعد بلاء عظيم، فقتلهم حسّان / قتلا ذريعا، واستأصلهم وحمل بأعنّة الخيل عليهم فما ترك في بلادهم موضعا إلاّ وطأه بخيله، ولجأ بقية الرّوم خائفين هاربين إلى مدينة باجة، فتحصنوا فيها، وهرب البربر (١٦٩) إلى إقليم بونة، واخترق حسان البحر فاحتفره وجعل دار (صناعة لإنشاء المراكب (١٧٠) وأخرج البحر إليها - حسبما مرّ - ثم انصرف إلى مدينة القيروان فأقام بها حتى برئت جراح أصحابه. ثم سأل حسان عن أعظم ملك بإفريقية، فقيل له ليس بإفريقية أعظم قدرا ولا أبعد صيتا ولا أشد حربا من امرأة يقال لها الكاهنة (وهي كاهنة لواتة) (١٧١) وهي في جبل أوراس (١٧٢)، وجميع من بإفريقية يخافها والرّوم سامعون لها مطيعون، فإن قتلتها يئس الروم والبربر من افريقية فإنها لهم ملجأ. فلما سمع ذلك حسان عزم على غزوها، فخرج إليها بجيوشه، فلما بلغ موضعا يقال له مجّانة نزل به وكانت قلعة مجانة لم

стр. 218

تفتح - فتحصن بها الروم، فمضى وتركهم، وبلغ الكاهنة أمره فزحفت من جبل أوراس في عدة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فنزلت بمدينة باغاي (١٧٣) فأخرجت من بها وهدّمتها لظنها أن حسّانا يريد حصنا يتحصن به، ثم أقبل حسّان حين بلغه الخبر إلى واد يقال له مسكيانة (١٧٤) فقيل له أنها أقبلت في عدد لا يحصى، فقال لهم: دلّوني على ما يسع العسكر الذي أنا فيه، فمالوا به إلى نهر فنزل عليه / وزحفت إليه الكاهنة حتى أتت إلى أسفل النهر فنزلت عليه، فكان شربه هو وأصحابه من أعلى النهر وتشرب هي من أسفله، فلما دنا بعضهم من بعض تواقفت الخيل، وأبى حسان أن يقاتلها بالليل، فوقف كل فريق على مصافه، فلما أصبحوا زحف بعضهم إلى بعض واقتتلوا قتالا شديدا فعظم البلاء بينهم وظن المسلمون أنه الفناء، وانهزم حسّان بعد بلاء عظيم، وقتل من العرب خلق كثير، فسمي ذلك النهر «نهر البلاء»، فأتبعته الكاهنة بمن معها حتى خرج من حد قابس، فأسلم افريقية ومضى على وجهه، وأسّرت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل إنها أسّرت ثمانين رجلا، منهم (خالد بن يزيد) (١٧٥) العبسي وكان رجلا مذكورا. فلما فصل من قابس كتب إلى أمير المؤمنين يخبره بما نزل بالمسلمين من البلاء وبخبر الكاهنة، وطفق يرفق في سيره طمعا فيمن نجا من أصحابه أن يلحقوا به. ثم إن أمير المؤمنين عبد الملك كتب إليه: إنه بلغني أمرك وما لقيت ولقي المسلمون، فحيثما لقيك كتابي هذا فأقم ولا تبرح حتى يأتيك أمري، فلقيه كتابه وهو نازل بالموضع الذي يقال له اليوم قصور (١٧٦) حسّان من بر برقة، فابتنى هناك قصرا لنفسه وأقام بذلك الموضع هو ومن معه ثلاث سنين. وملكت الكاهنة افريقية كلها. وكانت الكاهنة حين أسّرت / أصحاب حسان أساءت أسرهم إلاّ رجلا واحدا وهو (خالد بن يزيد) (١٧٥) العبسي فإنها تبنته ثم عمدت إلى دقيق شعير مقلي (١٧٧)، فأمرت به

стр. 219

فلث بزيت والبربر تسمي ذلك بسيسة، ثم دعت (خالد بن يزيد) (*) وابنيها فأمرتهم، فأكل ثلاثتهم، وقالت لهم: أنتم الآن قد صرتم اخوة، وذلك عند البربر (١٧٨) من أعظم العهود في جاهليتهم إذا فعلوه. ثم أن حسّانا بعث لخالد رسولا وهو عند الكاهنة فقال: إن حسّانا أرسلني إليك وهو يقول لك: ما منعك من الكتب إلينا بخبر الكاهنة؟ فكتب خالد كتابا إلى حسان مع رسوله في خبزة ملّة قد أنضجها ثم دفعها إلى الرسول ليخفي الكتاب وليظن من رأى الخبزة أنه زاد للرجل، فلم يغب شخص الرسول عنهم حتى خرجت الكاهنة ناشرة شعرها وهي تقول: يا معشر بني، ذهب ملككم ودنا هلاككم فيما يأكل النّاس، فكرّرته ثلاث مرات. ومضى الرّسول حتى قدم على حسّان بالكتاب وفيه كلّ ما يحتاج إليه من خبر الكاهنة، يقول له فيه، إن البربر يعقدون عساكرهم بالنهار ويفترقون بالليل، وليس لهم حزم في الرأي، وإنّما ابتلينا بأمر أراده الله، وأكرم به من أراد منا بدرجة الشهادة، فإذا نظرت في كتابي هذا فاطو (١٧٩) المراحل وجدّ السير فإن الأمر إليك، ولست أسلمك إن شاء الله تعالى، ولا حولا ولا قوة / إلاّ بالله العلي العظيم. ثم إن خالدا كتب بعد ذلك إلى حسّان بخبر الكاهنة، ثم عمد إلى قربوس (١٨٠) فنقره ثم وضع فيه الكتاب وأطبق عليه القربوس وأخفى مكان النقر منه ثم حمل رسولا على دابّة بالكتاب إلى حسّان فلما فصل الرسول بالكتاب خرجت الكاهنة ناشرة شعرها وهي تقول: يا بني قد دنا هلاككم في شيء من نبات الأرض، وهو بين خشبتين، وكانت أعلم أهل زمانها بالكهانة، ومضى الرسول حتى قدم على حسان، فلما بلغ الكاهنة أن حسّانا مقيم بقصره لا يبرح، قالت للروم والبربر: إنما طلب حسان من افريقية المدائن والذّهب والفضّة والشّجر، ونحن نريد المراعي والمزارع، فما نرى لكم إلاّ خراب افريقية، فوجهت البربر يقطعون الشجر ويهدّمون الحصون التي بها، وكانت افريقية ظلا واحدا من طرابلس إلى طنجة (١٨١) [قرى متصلة] (١٨٢) وقد استأصلت ذلك

стр. 220

كله وأخربته الكاهنة، فخرج من النّصارى ثلاثمائة رجل يستغيثون بحسّان مما نزل بهم من الكاهنة (من خراب الحصون وقطع الشجر وكان قد وجه إليه عبد الملك رسولا يأمره بالنهوض إلى افريقية قبل أن تخربها الكاهنة) (١٨٣)، فوافق ذلك وصول الرّوم إليه وقدوم رسول خالد بن يزيد، فرجع بجميع عسكره إلى افريقية، فيقال إنه لما رحل من قصوره بجميع عسكره خرجت الكاهنة ناشرة / شعرها، فقالت يا بني: انظروا ماذا ترون في السماء؟ قالوا: نرى شيئا من سحاب أحمر، فقالت لهم: لا والاهي، إنما هو رهج (١٨٤) خيل العرب أقبلت إليكم، ثم قالت لخالد بن يزيد: إنما تبنيتك لمثل هذا اليوم، أما أنا فمقتولة، ولكن أوصيك بأخويك هذين خيرا - تريد ولديها - فانطلق بهما (١٨٥) إلى العرب فخذ لهما أمانا. فلما وصل حسان قابسا لقيته الكاهنة في جيوش عظيمة، فقاتلهم حسان فهزمهم الله، وهربت الكاهنة منهزمة تريد قلعة بشر (١٨٦) لتتحصن بها، فأصبحت القلعة لاصقة بالأرض فذهبت تريد جبال أوراس ومعها صنم عظيم من خشب كانت تعبده، يحمل بين يديها على جمل، فتبعها حسّان حتى قرب من موضعها فلما كان الليل قالت الكاهنة لابنيها: إني مقتولة وأرى رأسي تركض به الدواب يمضى به إلى المشرق من حيث تطلع الشمس وأراه موضوعا بين يدي ملك العرب الأعظم الذي بعث إلينا بهذا الرجل. فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا كان الأمر هكذا عندك فارحلي وخلي له البلاد، فقالت: وكيف أفرّ وأنا ملكة، والملوك لا تفر من الموت، فأقلّد قومي عارا إلى آخر الدهر؟ فقالوا لها: ألا تخافين على قومك الموت؟ فقالت: إذا أنا متّ فلا أبقى الله أحدا منهم في الدنيا. فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فما نحن صانعون؟ فقالت: / أما أنت يا خالد بن يزيد، فستنال ملكا عظيما [عند الملك الأعظم، وأما أولادي فسيدركون ملكا بإفريقية] (١٨٧) مع الملك الذي يقتلني، ثم قالت لهم: اركبوا واستأمنوا إليه. فركب خالد بن يزيد وولداها بالليل متوجهين إلى حسّان.

стр. 221

فلما أصبح حسّان زحف إلى الكاهنة وأقبلت زاحفة إليه، فلقيت أعنة الخيل خالدا وولديها فسلموا عليهم ومضوا بهم إلى حسّان فدخل خالد بن يزيد على حسّان وأخبره بما قالت الكاهنة وأنها وجهت إليه بولديها فأمر بهما حسان فأدخلهما عسكره ووكّل بهما قوما، وقدّم خالد بن يزيد على أعنّة الخيل، فالتقى القوم ووضعوا السلاح ووقع الصبر حتى ظن المسلمون أنه الفناء، فانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر سماه الناس بئر الكاهنة، فنزل حسّان على الموضع الذي قتلت فيه. وقيل إنها قتلت عند طبرقة فعجب الناس من خلقتها، فكانت الأترجة تجري فيما بين عجيزتها (١٨٨) وأكتافها. ثم إن الروم تحزّبوا على قتال حسّان، واجتمعوا فزحفوا إليه وقاتلوه فهزمهم الله تعالى، فخافه البربر، واستأمنوا إليه، فلم يقبل أمانهم حتى يعطوه من جميع قبائلهم اثنا عشر ألف فارس تكون مع العرب برسم الجهاد، فأجابوه إلى ذلك وأسلموا على يديه، فعقد لولدي الكاهنة بعد اسلامهما لكل واحد منهما ستة آلاف فارس من البربر [وجعله] (١٨٩) واليا عليهم / وأخرجهم مع العرب [يفتتحون افريقية] (١٩٠)، فمن ذلك صارت الخطط بافريقية للبربر، فكان يقسّم الفيء والأراضي بينهم فحسنت طاعتهم له، ودانت له افريقية ودوّن الدّواوين. ثم قدم القيروان فأمر بتجديد بناء الجامع الأعظم (١٩١) فبناه بناء حسنا وجدّده، وذلك في شهر رمضان المعظم سنة أربع وثمانين من الهجرة (١٩٢). قال في «معالم الإيمان»: «ثم رحل يريد قرطاجنة فانتهى إلى طنبذة (١٩٣) فوجّه أبا صالح مولاه إلى قلعة زغوان (١٩٤) فنزل بموضع يسمى (فحص أبي صالح) (١٩٥) فأقام به شهرا، فقاتل أهلها ثلاثة أيام، فلم يقدر عليهم، فخلّى حسّان عسكره بطنبذة، ثم رحل إلى زغوان في خيل

стр. 222

مجردة فافتتحها صلحا وانصرف إلى طنبذة. ثم سار إلى قرطاجنة فنزل بموضع دار الصّناعة، فخرج إلى حسّان أهل قرطاجنة بأجمعهم، فحاربوه حربا شديدة، فهزمهم الله بين يديه، فلما رأى الرّوم (شدة قهره لهم) (١٩٦) وعلموا أنهم لا طاقة لهم به سألوه الصلح وأن يضع لهم الخراج، فأجابهم حسّان إلى ذلك، ووافقهم عليه، فأدخلوا عند ذلك ثقلهم في مراكب كانت معدة عندهم في البحر، وهربوا ليلا بأجمعهم من باب يقال له باب النّساء، وحسان لا علم عنده بما فعلوه من هربهم، وتركوا مدينتهم خاليه لا أحد فيها، ونزلوا بجزيرة صقليّة، ومضى بعضهم إلى بلاد الأندلس، فدخل عند ذلك حسّان إلى المدينة / وبنى بها مسجدا وأخرب بناءها» (١٩٧). وذكر التجاني في «رحلته» أن مرناق كان صاحب قرطاجنة فلما دخل المسلمون لأرض افريقية وكان ملكه للبلاد المسماة بمرناق بخديعة تمّت على حسّان بن النعمان وذلك أن مرناق الملك المذكور نهض له حسّان - رضي الله تعالى عنه - بعد فتح تونس يريد قتاله، فكان يغدو كل يوم له ثم يروح إلى تونس، وكانوا إذا غدوا للقتال، قابلتهم الشمس فآذتهم في أعينهم، فكتبوا بذلك إلى أمير المؤمنين فأمرهم بقتالهم بعد الزّوال، فضاق الروم بها، وكانت لهم سفن بباب النّساء فحملوا فيها نساءهم وأولادهم ليلا، وأسلموا المدينة، ولم يبق بها إلاّ الملك المسمي بمرناق وأهله وولده، فكتب إلى حسّان هل لك أن تعاهدني في أهل لي وولدي، وأشترط لنفسي ما شئته من المنازل، وأسلم لك المدينة ولا علم عند المسلمين بفرار من فر منها؟ فأجابه حسان إلى ذلك، فاشترط الأرض المسماة بمرناق وهي إذ ذاك قرى كثيرة (١٩٨)، ثم أمكنهم من المدينة فلم يجدوا فيها غيره وغير ولده وأهله، فوفّى له حسّان بما أعطاه من العهد، وأقام مرناق مالكا لهذه الأرض» اهـ (١٩٩). ثم «إن حسان بن النّعمان رحل عن قرطاجنّة راجعا إلى مدينة القيروان، فأقام بها وعمّزها المسلمون وبنوا بها المساكن وانتشروا فيها وكثروا وأمنوا من أعدائهم / وقطعوا شوكتهم.

стр. 223

وولى حسان على صدقات الناس والسعي عليهم حنش بن عبد الله الصنعاني [التابعي] (٢٠٠) سمّي (٢٠١) صنعانيا لأنه ولد بصنعاء كان من أهل الفضل والدين. يروي عن علي أبي طالب - رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهه - وكذا يروى عن عبد الله بن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، ورويفع بن ثابت الأنصاري - رضي الله تعالى عنهم - وروى عنه خلق شهد غزوة الأندلس مع موسى بن نصير، وله بافريقية آثار محمودة ومقامات، وهو الذي فتح جزيرة بني شريك (٢٠٢) (التي مبدؤها مرناق إلى الحمامات) (٢٠٣)، ثم سكن القيروان، وكانت وفاته بافريقية سنة مائة (٢٠٤) وإنما سميت بجزيرة بني شريك، لأن شريك العبسي كان أحد العاملين عليها، وهو والد قرة بن شريك والي مصر من قبل الوليد بن عبد الملك (٢٠٥). ولما تمهّدت (٢٠٦) (بلاد افريقية وأمن أهلها رحل حسّان بن النعمان عنها بما معه من الغنائم) (٢٠٧) والأموال والناس قاصدا إلى عبد الملك بن مروان، ومعه خمسة وثلاثون ألف فارس من سيي البربر، وكان معه من الذّهب ثمانون ألف دينار جعلها في قرب الماء حياطة عليها. واستقامت افريقية كلها وأمن أهلها وقطع الله منها (ثائرة الكفر) (٢٠٨) من المغرب غير الأندلس في ذلك الوقت. فتح الأندلس: والآن نذكر فتح الأندلس على يد طارق مولى موسى بن نصير اللّخمي بالولاء. كان موسى (٢٠٩) بن نصير من التّابعين - رضي الله تعالى عنهم -.

стр. 224

وروى عن تميم الدّاري: وكان عاقلا كريما شجاعا ورعا تقيا لله تعالى لم يهزم له جيش قط / وكان والده نصير على حرس معاوية بن أبي سفيان، ومنزلته عنده مكينة، ولما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - لم يخرج معه، فقال له [معاوية]: ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها؟ فقال: لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري، فقال: ومن هو؟ قال: الله (٢١٠) فأطرق معاوية مليّا، ثم قال: استغفر ورضي عنه. وكان عبد العزيز بن مروان، واليا على مصر وافريقية، فبعث ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول: أرسل موسى بن نصير إلى افريقية وذلك في سنة تسع وثمانين للهجرة (٢١١). وقال الحافظ أبو عبد الله الحميدي (٢١٢) في كتاب «جذوة المقتبس» (٢١٢): إن موسى بن نصير تولّى افريقية والمغرب سنة سبع وتسعين (٢١٣)، فأرسله إليها، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند، بلغه أنّ بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطّاعة، فوجّه إليهم ولده عبد الله، فأتاه بمائة ألف رأس من السّبايا، ثم وجّه ولده مروان إلى جهة أخرى فأتاه بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: بلغ الخمس ستين ألف رأس. وقال أبو شبيب (٢١٤) الصدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير. ووجد أكثر مدن افريقية خالية لاختلاف أيدي البربر عليها، وكانت / البلاد في قحط شديد فأمر النّاس بالصّوم والصّلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصّحراء ومعه سائر الحيوانات، ففرّق بينها وبين أولادها، ووقع البكاء والضجيج، وأقام على ذلك إلى

стр. 225

منتصف النهار، ثم صلى وخطب بالناس فلم يذكر الوليد بن عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو الأمير المؤمنين؟ فقال: هذا مقام لا يذكر فيه إلاّ الله . فسقوا حتى رووا. ثم خرج موسى غازيا وتتبع البربر، وقتل منهم قتلا ذريعا وسبى سبيا عظيما وسار حتى وصل إلى السوس الأدنى لا يدافعه أحد فلما رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا وبذلوا له الطاعة فقبل منهم، وولى عليهم واليا، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه (طارق بن عبد الله البربري، ويقال ابن زياد، قيل أنه من الصّدف) (٢١٥) فترك عنده تسعة عشرة ألف فارس من البربر بالأسلحة والعدّة الكاملة، وكانوا قد أسلموا وحسن اسلامهم، وترك موسى خلقا يسيرا من العرب لتعليم البربر القرآن وفرائض الاسلام، ورجع إلى افريقية ولم يبق في البلاد من ينازعه من البربر ولا من الرّوم. فلما استقرّت له القواعد كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس في جيش من البربر ليس فيه من العرب إلاّ قدر يسير، فامتثل طارق أمره وركب البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء من بلاد / الأندلس، وصعد إلى جبل يعرف بجبل طارق نسب إليه، وكان صعوده إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين (٢١٦) من الهجرة، في اثني عشر ألف فارس خلا اثني عشر رجلا. وذكر عن طارق أنّه كان نائما في المركب وقت التّعدية، وأنه رأى رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة - رضي الله تعالى عنهم - يمشون على الماء حتى مرّوا به، فبشّره رسول الله ﷺ بالفتح وأمره بالرّفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، ذكر ذلك ابن بشكوال (٢١٧) في «تاريخ الأندلس». وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له لذريق، ولما حلّ طارق بالجبل المذكور كتب إلى موسى بن نصير يقول له: إني فعلت ما أمرتني به، وسهّل الله - سبحانه - في الدّخول، فلما وصل الكتاب إلى موسى؟؟؟ على تأخّره وعلم أنه إن فتح الله تعالى على طارق نسب الفتح إليه دونه، فأخذ في جمع العساكر وولّى على القيروان ولده عبد الله، وتبعه فلم يدركه إلاّ بعد الفتح، وكان لذريق المذكور قد قصد عدوّا له،

стр. 226

واستخلف في المملكة شخصا يقال له تدمير وإلى هذا الشخص تنسب بلاد تدمير بالأندلس (٢١٨)، فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه، كتب تدمير إلى لذريق الملك أنه وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض، فلما بلغ / ذلك لذريق رجع من قصده في سبعين ألف فارس ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين عليه قبة مكلّلة بالدّر والياقوت والزّبرجد، فلما بلغ طارقا دنوه قام في أصحابه فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حثّ المسلمين على الجهاد ورغّبهم في الشهادة، ثم قال: «أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فليس لكم والله إلاّ الصدق والصبر، واعلموا أنّكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم غير سيوفكم، ولا أقوات (٢١٩) لكم إلاّ ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم وإن امتدت بكم الأيام [على افتقاركم] (٢٢٠) ولم تنجزوا لكم أمرا، ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب بروعتها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطّاغية فقد ألقت به إليكم مدينته المحصّنة وأن انتهاز الفرصة (فيه لممكن لكم) (٢٢١) إن سمحتم بأنفسكم للموت ولا أحملكم (٢٢٢) على خطة أرخص متاع فيها النفوس إلاّ أبدأ فيها بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقّ قليلا استمتعتم بالأرفه الألذّ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفر من حظّي وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان / من بنات اليونان الرّافلات في الدرّ والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التّيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا، ثقة منه لارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجادلة الأبطال والفرسان، ليكون حظه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، ويكون مغنمها خالصا لكم من دونه ومن دون المسلمين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذخرا (٢٢٣) في

стр. 227

الدّارين، واعلموا أني [أول] (٢٢٤) مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وإني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية قومه (٢٢٥) لذريق فقاتله - إن شاء الله تعالى - فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتم (٢٢٦) أمره ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أمركم إليه بعدي وإن هلكت قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزمتي (٢٢٧) هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا (٢٢٨) المهمّ من فتح هذه الجزيرة بقتله فإنهم بعده يخذلون. فلما فرغ طارق من تحريض أصحابه على الصّبر في قتال لذريق وأصحابه وما وعدهم من النّيل الجزيل انبسطت نفوسهم، وتحقّقت آمالهم وهبت ريح النصر عليهم وقالوا له: قد قطعنا الآمال (مما يخالف) (٢٢٩) ما عزمت عليه، فاحضر إليه فإنّا معك وبين يديك، فركب طارق وركبوا وقصدوا مناخ لذريق وكان قد نزل بمتسع / من الأرض، فلما تراءى الجمعان نزل طارق وأصحابه، وباتوا ليلتهم في حرس إلى الصبح. فلما أصبح الفريقان ركبوا وعبّوا كتائبهم وحمل لذريق على سريره، وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظلّه، وهو مقبل في غاية من البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح، وأقبل طارق وأصحابه عليهم الزرود، ومن فوق رؤوسهم العمائم البيض، وبين أيديهم القسي العربية، وقد تقلدوا السيوف، واعتقلوا الرماح، فلما نظر إليهم لذريق قال: أما والله هذه الصور التي رأيت في بيت الحكمة ببلدنا، فداخله منهم رعب» (٢٣٠). بيت الحكمة بالأندلس: فلنتكلّم هنا على بيت الحكمة ما هو، ثم نكمل بعده حديث هذه الواقعة. وأصل (٢٣١) بيت الحكمة أن اليونان كان من تقدم ملوكهم يخشى على جزيرة

стр. 228

الأندلس من البربر والعرب لما بينهم من المنافرة، وتباين الطباع فاتفقوا وعملوا طلسمات في أوقات اختاروها أرصادا، وأودعوا تلك الطلسمات تابوتا من الرّخام وتركوه في بيت بمدينة طليطلة، وركبوا على ذلك البيت بابا وأقفلوه وعهدوا إلى كل ملك منهم بعد صاحبه أن يلقي على ذلك الباب قفلا، تأكيدا لحفظ ذلك البيت فاستمر أمرهم على ذلك. ولما كان وقت انقراض دولة اليونان ودخول العرب والبربر إلى جزيرة الأندلس، وذلك بعد مضي ستة وعشرين ملكا من ملوك اليونان من يوم عملهم / الطّلسمات بمدينة طليطلة وكان الملك لذريق المذكور السابع والعشرين من ملوكهم، فلما جلس في ملكه قال لوزرائه (٢٣٢) وأهل الرّأي من دولته قد وقع في نفسي شيء من أمر هذا البيت الذي عليه ستة وعشرون قفلا، وأريد أن أفتحه لأنظر ما فيه، فإنه لم يعمل عبثا فقالوا: أيّها الملك صدقت، فإنه لم يعمل عبثا ولا أقفل سدى، فالمصلحة أن تلقي أنت أيضا عليه قفلا أسوة بمن تقدمك من الملوك، وكانوا آباءك وأجدادك ولم يهملوا هذا فلا تهمله وسر سيرهم، فقال: إنّ نفسي تنازعني إلى فتحه، ولا بد لي منه، فقالوا: إن كنت تظن فيه مالا فقدره ونحن نجمع ذلك من أموالنا فخذه، ولا تحدث علينا بفتحه حدثا لا نعرف عاقبته فأصرّ على ذلك - وكان رجلا مهيبا - فلم يقدروا على مراجعته، وأمر بفتح الأقفال وكان على كل قفل مفتاحه معلّق فيه، فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئا سوى مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر وعليها مكتوب: هذه مائدة سليمان بن داود ﵉ ورأى في البيت ذلك التّابوت، وعليه قفل ومفتاحه معلّق، ففتحه، فلم يجد فيه سوى رق، وفي جوانب التابوت صور فرسان مصوّرة بأصباغ محكمة التصوير، على أشكال [العرب] (٢٣٣) وعليهم الفراء، وهم معمّمون على ذوائب جعد، ومن تحتهم الخيل / العربية، وبأيديهم القسي العربية، وهم متقلّدون السّيوف المحلاّة، ومعتقلون بالرماح، فأمر بنشر ذلك الرّقّ، فإذا فيه: متى فتح هذا البيت وهذا التّابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التّابوت إلى جزيرة الأندلس، وذهب ملك اليونان من أيديهم، ودرست حكمتهم، فهذا هو بيت الحكمة» (٢٣٤).

стр. 229

تتمة الحديث عن فتح الأندلس: ونعود الآن (٢٣٥) إلى حديث لذريق وجيش طارق بن زياد، فلما رآى طارق لذريق قال لأصحابه: هذا طاغية القوم، فحمل وحمل أصحابه معه، فتفرّقت المقاتلة من بين يدي لذريق، فخلص إليه طارق، وضربه بالسّيف على رأسه فقتله على سريره، فلما رآى أصحابه مصرع ملكهم التحم الجيشان، فكان النّصر للمسلمين ولم تقف هزيمة اليونان على وضع بل كانوا يسلمون بلدا بلدا ومعقلا معقلا. فلما سمع بذلك موسى بن نصير عبر الجزيرة بمن معه، ولحق بمولاه طارق، فقال له: يا طارق، إنه لا يجازيك الوليد بن عبد الملك على بلائك بأكثر من أن يبيحك الأندلس، فاستبحها هنيئا مريئا، فقال طارق: أيها الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا حتى أنتهي إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي، فلم يزل طارق يفتح وموسى معه إلى أن بلغ إلى جلّيقية (٢٣٦) وهي على ساحل البحر المحيط، ثم رجع. وقال الحميدي في «جذوة المقتبس» (٢٣٧): إن موسى نقم على طارق إذ غزا بغير إذنه وسجنه وهم بقتله / ثم ورد عليه كتاب الوليد باطلاقه فأطلقه، وخرج معه إلى الشّام، وكان خروج موسى من الأندلس وافدا على الوليد يخبره بما فتح الله سبحانه على يديه، وما معه من الأموال في سنة أربع وتسعين (٢٣٨) للهجرة، فكانت معه مائدة سليمان بن داود ﵉ التي وجدت في بيت الحكمة على ما حكاه بعض المؤرخين، قال: كان عليها طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرّد، وهي مصنوعة من الذّهب والفضّة، وكانت عظيمة بحيث حملت على بغل فما سار إلاّ قليلا حتى تفشّخت (٢٣٩) قوائمه، وكان معه تيجان الملوك الذين تقدّموا من اليونان، وكلها مكلّلة بالجواهر، واستصحب ثلاثين ألف رأس (٢٤٠) من الرّقيق. ولما وصل موسى بن نصير إلى الشام ومات الوليد بن عبد الملك وقام من بعده أخوه سليمان وحج في سنة سبع وتسعين (٢٤١) للهجرة وقيل سنة تسع وتسعين (٢٤٢)، حج معه

стр. 230

موسى بن نصير ومات في الطريق بوادي القرى، وقيل بمر الظهران، على اختلاف فيه. وكانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -[في سنة تسع عشرة (٢٤٣) للهجرة] (٢٤٤). وفي خريدة العجائب «أن طليطلة من بناء العمالقة إلى أن ذكر بيت الحكمة وأنه مما وجد فيه مائة وسبعون تاجا من الدّر والياقوت والأحجار النفيسة وايوان تلعب فيه الرماح برماحهم قد ملئ بأواني الذّهب والفضّة ما لا يحيط به الوصف وذكر أن المائدة من زمرّد أخضر وأن / هذه المائدة إلى الآن في مدينة رومة باقية وأوانيها من الذهب وصحافها من اليشم والجزع (٢٤٥). (قلت ولعل وصولها إلى رومة كان في مدة استيلاء الروم على الديار الشامية والله أعلم بغيبه) (٢٤٦) قال: «ووجد «الزّبور» بخط يوناني في ورق من الذّهب مفصل بجوهر ووجد مصحفا يحكي فيه منافع الأحجار والنبات والمعادن واللغات والطلاسم، وعلم السّيمياء، وعلم الكيمياء، ووجد كتابا فيه صناعة أصباغ اليواقيت والأحجار وتركيب السّموم والترياقات، وصورة شكل الأرض والبحار والبلدان والمعادن، والمسافات. ووجد قاعدة كبيرة مملوءة من الأكسير يردّ الدرهم منه ألف درهم من الفضة ذهبا ابريزا، ووجد مرآة [مستديرة] (٢٤٧) مدبّرة عجيبة من أخلاط، قد صنعت لسليمان بن داود ﵉ إذا نظر الناظر فيها رآى الأقاليم السبعة عيانا، ووجد مجلسا فيه من الياقوت البهرماني (٢٤٨) وسق بعير فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك» (٢٤٩). ولاية عبد الله بن موسى بن نصير: ولما رجع موسى إلى الشام استخلف ولده عبد الله بن موسى بن نصير. قال في «معالم الإيمان» في مناقب عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني قاضي

стр. 231

عمر بن عبد العزيز [بالقيروان] (٢٥٠). «سبب ولايته القضاء بالقيروان، أن سليمان بن عبد الملك كان قد وجّه إلى عبد الله بن موسى بن نصير عامل افريقية، أن يوجه إليه ما تحصّل عنده من خراج افريقية صحبة عشرة / من عدول القيروان، يشهدون عنده أن هذا المال أخذه من وجهه، ففعل ذلك، فلما دخلوا على سليمان سألهم عن ذلك، فقالوا: لم يأخذ إلاّ من وجهه - وعبد الله بن المغيرة ساكت لم يتكلّم بشيء - وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا لذلك المجلس، فعلم أنه إنما منعه من الكلام الورع والخوف من الله تعالى ولا يتكلم إلاّ بحق، فسأل عنه عمر بعد انصرافهم فعرّف بدينه وورعه وفضله. فلما أفضت الخلافة إلى عمر ولّى عبد الله قضاء افريقية، وذلك سنة تسع وتسعين (٢٥١)، فاقام بها قاضيا إلى زمن كلثوم بن عياض (٢٥٢)، فاستعفى من القضاء وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائة» (٢٥٣). ولاية علي بن رباح: «وممن ولي افريقية عليّ بن رباح (٢٥٤)، كانت له منزلة من (٢٥٥) عبد العزيز بن مروان فأولاه افريقية، فقدمها مجاهدا في سبيل الله. روى أنه حضر مجلسا مع موسى بن نصير، فقال موسى بن نصير إنّه ورد على بشائر ثلاث، منها كتاب أمير المؤمنين، ومنها كتاب ولدي يخبرني بفتح عظيم بالأندلس، ومنها ما صحبني من الأموال في مقدمي هذا، فهنّأه جميع الناس، وعليّ بن رباح ساكت، فقال له موسى ألاّ تتكلم؟ فقال له أيها الأمير، ما من دار امتلأت حبرة إلاّ امتلأت عبرة، ولا انتهى شيء إلاّ رجع، فارجع قبل أن يرجع بك، فانكسر موسى بعد ذلك ونفعه بموعظته (٢٥٦). مات بافريقية سنة أربع / عشرة ومائة والله أعلم.

стр. 232

المقالة الثّالثة في ذكر خلفاء بني العبّاس وبعض أمرائهم بالعراق وأمرائهم بالمغرب وفيها ثلاثة أبواب الباب الأول في ذكر خلفاء بني العباس قيام الدولة وخلافة أبي العباس السفّاح: قال ابن جرير الطبري (١) كان بدء أمر بني العبّاس أن رسول الله ﷺ أعلم عمّه العبّاس أن الخلافة ترجع (٢) إلى ولده، فلم يزل أولاده يتوقعون ذلك [ويتحدّثون به بينهم] (٣) إلى أن بويع لمحمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، فلما مات محمّد عهد لولده إبراهيم، فسجنه مروان الحمار آخر ملوك بني أمية، وقتله في السجن (٤). فعهد إبراهيم لأخيه عبد الله أبي العباس السّفاح، بويع له في الكوفة في شهر ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين ومائة (٥)، وكان القائم بهذه الدعوة أبو مسلم عبد الرحمان بن

стр. 233

مسلم الخراساني (٦) وذلك أنه كان قائما بخدمة إبراهيم بن محمد - المقدّم الذكر - لما سجنه مروان الحمار بالكوفة. فلما قدم على إبراهيم نقباء أبيه محمد بن علي (٧) سألوه رجلا يقوم بأمر خراسان، فقال: إني جرّبت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم دعا أبا مسلم وقلّده الأمر وأرسله إلى خراسان (٨) فكان أول ظهوره يوم الجمعة لسبع بقين وقيل لخمس من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة (٩). والوالي بخراسان نصر بن سيّار (١٠) الليثي من جهة مروان بن محمد، فكتب نصر إلى مروان يقول: أرى جذعا ان يثن لم يقوريض / ... عليه فبادر قبل أن يثنى الجذع وكان مروان مشغولا عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة وغيرها فلم يجبه عن كتابه، وأبو مسلم إذ ذاك يؤم في خمسين رجلا، فكتب إليه ثانيا: [وافر] أرى بين (١١) الرّماد وميض نار (١٢) ... ويوشك (١٣) أن يكون له ضرام فإن النّار (بالعودين تذكى) (١٤) ... وإن الحرب أوّلها (١٥) كلام (فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام) (١٦) أقول (١٧) من التّعجّب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام (فإن كانوا لحينهم نياما) (١٨) ... (فقل قوموا) (١٩) فقد حان القيام فأبطأ عليه الجواب واشتدّت شوكة أبي مسلم، فهرب نصر بن سيّار من خراسان، وقصد

стр. 234

العراق فمات في الطريق بناحية ساوة في يوم الثّلاثاء لليلتين بقيتا من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٢٠). ووثب أبو مسلم على ابن الكرماني (٢١) بنيسابور فقتله بعد أن قيّده وحبسه وقعد في الدّست وسلّم عليه الامارة وصلّى وخطب ودعا لأبي العبّاس السّفاح بالكوفة وصفت له خراسان وانقطعت منها ولاية بني أمية. فبويع لأبي العباس عبد الله السّفاح بالكوفة في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٢٢). ثم أرسل العساكر لقتال مروان بن محمّد الملقّب بالحمار بعدما ظهر السّفاح بالكوفة، فجهّز القوّاد في تسعة آلاف فارس وأمر عمّه عبد الله بن علي بقتال مروان فاقتتلا بالزّاب وذلك أن عليا لما قدم على / أبي عون تحول له عن سرادقه (٢٣) فنزل بها وجاء مروان ونزل الزّاب فأمر عبد الله بن عتبة فعبر إلى عسكر مروان في خمسة آلاف فاقتتلوا إلى الليل، ورجع عتبة فعبر المخاضة وأصبح مروان عند الجسر، وعبر عبد الله بن علي. فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشّمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها لعيسى ابن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون (٢٤). فقطع عبد الله بن علي الزّاب في أثني عشر ألف وكان مروان في سبعين ألف وكان السّفاح عمل بيتين وقال لرجل إذ التقى الجمعان فاصعد على رأس جبل وأنشدهما وهما: [بسيط] يا آل مروان إن الله مهلككم ... ومبدل ملككم خوفا وتشريدا لا عمّر الله من أولادكم أحدا ... وبثّكم في بلاد الخوف تطريدا فلما سمع ذلك أهل الشام انزعجوا وارتاع مروان وكان سبب خذلانه، فحمل الوليد ابن معاوية بن مروان، فكشف ميمنة عبد الله فانحاز أبو عون إلى عبد الله وصاح عبد الله: الأرض الأرض، فنزلوا وجثوا على الركب ونزعوا الرّماح فانهزم مروان وأهل الشام، ووقف عبد الله على الزاب وقرأ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ الآية (٢٥).

стр. 235

وسار عبد الله بن علي يطلب مروان فوصل فلسطين (٢٦)، وسير أخاه صالح بن علي خلف مروان، فسار إلى مصر وتتبّع عبد الله بن علي أولاد خلفاء بني أمية / فأخذ منهم سبعين فقتلهم على الرّملة، وجعل عليهم الموائد وهو يأكل ويسمع أنينهم، ولا يرقّ لهم، والنّاس يبكون (٢٧)، وقطع مروان النيل وأغرق الجسور، فنزل بوصير فجاءه صالح فقتله وبعث برأسه مع ما وجد في خزائنه من بردة رسول الله ﷺ وقضيبه لبني العبّاس: فتوارثوهما إلى خلافة المقتدر فكان آخر العهد بهما. وفرغت بموت مروان بن محمد خلافة بني أمية من المشرق، ولم يفلت منهم إلاّ القليل فصفت الخلافة للسّفاح، وتواطأت له الممالك من المشرق إلى المغرب الأقصى حتى الأندلس وكان كثير التعظيم لأبي مسلم الخراساني لما صنعه ودبّره وكان تولّيه الملك وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وكان كثير سفك الدماء فلذلك لقّب «السّفاح» لأن السّفح هو السّفك، ومنه قوله علت كلمته ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ (٢٨). وجرت عادة الله في الملوك والسلاطين تعجيل هلاك من أسرف في الدماء. وكان بذولا للأموال وما شانه إلاّ سفك الدماء، فتوفي السّفاح بالجدري في ذي الحجّة الحرام سنة ست وثلاثين ومائة (٢٩). فكانت مدة إمارته أربعة أعوام [وثمانية أشهر] (٣٠). أبو جعفر المنصور: وولي بعده الخلافة أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور، وهو أسن من السّفاح. بويع له بعهد من أخيه سنة ست وثلاثين، وكان ظلوما غشوما، وهو أول من أدخل الفتنة بين العباسيين والعلويين / وقتل الأخوين محمدا وإبراهيم ابني محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - وكانا خرجا عليه (٣١) وآذى

стр. 236

بسببهما خلقا كثيرا من العلماء قتلا وضربا ممّن أفتى بجواز الخروج عليهم، منهم الإمام أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأكرهه على القضاء فأبى، فسجنه فمات في السجن (٣٢)، وقيل إنه سمّه في السّجن لكونه أفتى بالخروج عليه، ويسمّى لبخله أبا الدوانيق فيحاسب العمّال والصنّاع على الدّانق (٣٣) والحبّة (٣٤). ومن مساوئه قتل أبي مسلم القائم بدعوتهم لأسباب غيّرت قلبه عليه، ولمّا عزم على قتله تحيّر في الإستبداد برأيه في أمره والإستشارة فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ فقال ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (٣٥). فقال حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذنا واعية. ولم يزل المنصور يخدع أبا مسلم حتى أحضره إليه. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل في بلاد الروم، وكان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى، ولم يخطر ببال أبي مسلم أنّها موضع قتله، بل راح وهمه إلى أنها بلاد الروم، فلمّا دخل على المنصور رحّب به، ثم أمره بالإنصراف إلى مخيّمه، وانتظر المنصور فيه الفرصة والغوائل، ثم إن ابا مسلم ركب إليه مرارا، فأظهر له التّحنّن، ثم جاءه يوما فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة، فقعد / تحت الرّواق ورتّب المنصور جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم، فإذا عاتبه لا يخرجون، فإذا ضرب يدا على يد خرجوا وضربوه بسيوفهم، ثم جلس المنصور ودخل عليه أبو مسلم فسلّم فردّ ﵇ وأمره بالجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت فقال أبو مسلم: ما يقال لي هذا بعد سعيي واجتهادي وما كان مني، فقال: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحضّنا، ولو كانت مكانك سوداء لعملت عملك، ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك قبلي، وعدد عليه أشياء فأخذ أبو مسلم يعرك يده ويفتلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفّق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم فخبطوه بأسيافهم، والمنصور يصيح: إضربوه،

стр. 237

قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوّك قال: لا أبقاني الله أبدا، وأيّ عدوّ أعدى منك! فقتلوه (٣٦). وكانت ولادة أبي مسلم سنة مائة (٣٧) من الهجرة، وقتل يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة (٣٨) وقيل غير ذلك. فكان المنصور أسدا شهما ذا علم وتدبير فارس الدّولة، ولم يبق له ضدّ، وحجّ غير مرّة، فكان يخرج من دار النّدوة إلى الطواف آخر الليل، يطوف ويصلّي على عادته، ويرجع ولا يعلم أحد، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة فيجيء المؤذّنون / ويسلّمون عليه ويؤذّنون للفجر ويقيمون الصلاة فيخرج ويصلّي بالناس، فخرج ذات ليلة بالسحر وشرع يطوف، فبينما هو كذلك إذ سمع رجلا عند الملتزم يقول: اللهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحقّ وأهله من الظّلم والطّمع، فأسرع المنصور في مشيته حتى ملأ مسامعه من كلامه، ثم خرج من الطّواف إلى ناحية من المسجد ثم أرسل إلى ذلك الرجل يطلبه فجاء وصلّى ركعتين وقبل الحجر، وأقبل مع الرسول وسلّم على المنصور فقال له المنصور: ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وأهله من الظّلم والطّمع، فو الله لقد حشوت مسامعي ما أقلقني وأمرضني، وأشغل خاطري، فقال: يا أمير المؤمنين إن أمّنتني على نفسي وأصغيت إليّ بأذن واعية أنبأتك بالأمور من أصلها وإلاّ احتجبت عنك بقدرة الله تعالى فلا تصل إليّ واقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل عن غيري، فقال: أنت آمن على نفسك، فقل: إني ألقي إليك السّمع وأنا شهيد بالقلب، فقال: إن الذي داخله الطّمع حتى حال بينه وبين الحقّ ومنع من إصلاح ما ظهر من الفساد والبغي في الأرض هو أنت، فقال: أيها الرجل كيف يداخلني الطّمع والصّفراء والبيضاء بيدي، والحلو والحامض في قبضتي، ومن يحول بيني وبين ما أريد من ذلك. فقال: هل داخل الطّمع أحدا من الناس ما داخلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله استرعاك أمور المسلمين وأنفسهم / وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجميع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم

стр. 238

حجابا من الحجر والطّين، وأبوابا من الخشب والحديد وحجّابا (٣٩) معهم السّلاح، واتّخذت وزراء فجرة وأعوانا ظلمة، إن نسيت لا يذكّروك، وإن أحسنت لا يعينوك، وقوّيتهم على ظلمهم للناس بالأموال والسلاح والرجال، وأمرت أن لا يدخل عليك غيرهم من الناس، ولم تأمر بايصال المظلوم إليك، ومنعت من إدخال الملهوف عليك، وحجبت الجائع والعاري (٤٠)، وما أحد منهم إلاّ وله حقّ في هذا المال، فما زال هؤلاء النّفر الذين استخلصتهم (٤١) لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت أن لا يحجبوا عنك يقولون في أنفسهم: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه، فاتّفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلاّ ما أرادوه، ولا يخالف أمرهم عامل إلاّ أقصوه (٤٢) عنك وأبعدوه، فلمّا انتشر (٤٣) ذلك عنك وعنهم عظّمهم الناس وهابوهم (٤٤) وأكرموهم وهادوهم، وكان أول من صانعهم وداراهم عمالك بالأموال والهدايا والرشا، فتقووا بها على ظلم رعيتك ليظلموا من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالظّلم والغشم، وزاد بغيهم وطمعهم وكثر فسادهم فصار هؤلاء شركاؤك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاءك متظلّم حيل بينه وبين الوصول إليك، وإن أراد رفع قضيته إليك وصرخ بين يديك ضرب ضربا مبرحا (ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر بعينك ولا ترحم) (٤٥) فإن سألتهم / عنه قالوا: أساء معنا الأدب فأدّبناه، وجهل مقامك فضربناه (فما بقاء بالإسلام) (٤٦) على هذه المظالم والآثام، فإني سافرت لأرض الصّين فقدمتها وقد أصاب ملكهم آفة أذهبت سمعه، فجعل يبكي، فقال له وزراؤه: لم تبكي لا بكت عيناك؟ فقال: أنا لا أبكي على فقد سمعي، ولكن أبكي على المظلوم يصرخ ببابي يطلب رفع ظلامته فلا أسمع صوته وحسّه، وحيث ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، فنادوا في الناس أن لا يلبس الأحمر إلاّ مظلوم لأميّزه بالنظر فأعينه، وكان يركب الفيل كلّ يوم ليرى المظلوم ليستدنيه ويرفع عنه ظلامته، أنظر يا

стр. 239

مسكين هذا مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على رأفتك بالمسلمين، وأنت تؤمن بالله وابن عمّ نبيه، وإن الأموال لا تجمع إلاّ لأحد أمور، فإن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل، يخرج من بطن أمه عريانا ما له على وجه الأرض مال، وما من مال إلاّ وله يد شحّيحة تحويه وتصونه من كلّ أحد، فما زال الله يلطف بذلك الغلام حتى يسوق إليه ما قدره له من المال فيملكه ويحويه كما حواه غيره، ولست الذي تعطي، بل الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وإن قلت أجمع المال ليشتدّ به سلطاني فقد أراك الله عبرا فيمن كان قبلك، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب / والفضّة وما أعدّوا من السلاح والكراع، وما أضرّك ما كنت فيه، فو الله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلاّ بالعمل الصالح، واعلم انك لا تعاقب أحدا من رعيّتك إذا عصاك بأعظم من القتل، وإن الله يعاقب من عصاه بالعذاب الأليم، وإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فكيف يكون وقوفك غدا (٤٧) بين يدي الله وقد نزع ملك الدّنيا من يدك ودعاك إلى الحساب، هل يغني عنك ما كنت فيه شيئا؟ قال: فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ثم قال: كيف احتيالي فيما خولت، ولم أر من الناس إلاّ خائنا؟ قال: يا أمير المؤمنين عليك بالأعلام الرّاشدين. قال: ومن منهم؟ قال: العلماء العاملون. قال: فإنهم قد فرّوا مني، قال: نعم! فرّوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر لهم من طريقتك، فإذا فتحت الباب وسهّلت الحجاب، ونصرت المظلوم ومنعت الظالم، وظهرت بالعدل ونشرت الفضل، فأنا ضامن لمن هرب منك أن يعود إليك، فجاء حينئذ المؤذّنون وسلّموا عليه، وأذنوا للفجر وأقاموا الصّلاة. فقام المنصور للصّلاة، وصلّى بالناس وإذا بالرجل قد غاب من بين أيديهم، فلمّا فرغ المنصور من الصّلاة سأل عنه فقالوا: ذهب. فقال: إن لم تأتوني به عاقبتكم عقابا شديدا، فذهبوا يلتمسونه فوجدوه في الطّواف، فتقدّم إليه الحرسي فقال له: انطلق معي الآن وإلاّ هلكت وهلك من معي، قال: كلاّ، فلست بذاهب معك، فقال له: يقتلني إن لم / آته بك، قال: كلاّ، لا يقدر عليك، وأخرج من جيبه ورقة وقال: ضعها في جيبك فلا يصيبك منه سوء فإنه دعاء الفرج، وقال: هذا دعاء لا يرزقه الله تعالى إلاّ للسّعداء ومن دعا به صباحا ومساء هدمت ذنوبه، واستجيب دعاؤه، وبسط الله رزقه عليه، وأعطاه أمله، وأعانه على عدوّه، وكتب عند الله

стр. 240

صديقا، فقال: اقرأه لي لآخذه عنك (٤٨)، وأنقله منك، قال: قل: «اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء، وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمت ما تحت أرضك كما علمت ما فوق عرشك، وكان وسواس الصّدور كالعلانية عندك، وعلانية القول كالسّر في علمك، وانقاد كلّ شيء لعظمتك، وخضع كلّ سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كلّه بيدك، اجعل لي من كلّ هم أمسيت فيه فرجا ومخرجا، اللهم إنّ عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي، وسترك عن قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك، فصرت أدعوك آملا وأسألك مستأنسا، وانك المحسن إليّ وأنا المسيء لنفسي فيما بيني وبينك، تتودّد إليّ بالنعم وأبتغض إليك بالمعاصي، ولكن حملني على الجرأة عليك حلمك، فعد إليّ بفضلك وإحسانك، إنك أنت التوّاب الرحيم»، قال: فقرأته وأخذت الورقة في جيبي وإذا بالرسل قد أتت إليّ لتحملني، فأتيته فإذا هو جمر يتلظّى، فلمّا وقع بصره عليّ سكن غضبه (٤٩) وتبسّم وقال لي: ويلك أتحسن السحر؟ فقلت: / لا والله يا أمير المؤمنين، ثم قصصت عليه أمري، ثم قال: هات الورقة! فناولته إياها، فأخذها وصار يبكي إلى أن بلّ لحيته وأمر لي بعشرة آلاف درهم، ثم قال لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا، قال: ذلك الخضر ﵇ اهـ (٥٠). وأن الخليفة المنصور هو الذي بنى مدينة بغداد، ومولده سنة خمس وتسعين (٥١)، ومدّة ملكه اثنان وعشرون سنة إلاّ أربعة أيام (٥٢)، وعاش أربعا وستين سنة (٥٣) وكان رأى مناما يدلّ على قرب أجله فعهد إلى ولده محمد (٥٤) وسار إلى الحجّ في سنة ثمان وخمسين ومائة (٥٥) وكان يريد قتل سفيان الثوري - رضي الله تعالى عنه - فلمّا وصل إلى

стр. 241

بئر ميمون بعث إلى الخشّابين وقال لهم: إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه، فجاؤوا ونصبوا له الخشب وكان جالسا بفناء الكعبة ورأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة، فقيل له: يا أبا عبد الله قم واختف ولا تشمّت بنا الأعداء، فتقدّم إلى أستار الكعبة وأخذها وقال: برئت منه ان دخلها أبو جعفر المنصور، وعاد إلى مكانه فركب أبو جعفر المنصور من بئر ميمون، فلمّا كان بين الحجونين سقط عن فرسه فاندقت عنقه فمات (٥٦) سابع ذي الحجّة (٥٧) من التاريخ المتقدّم، فحفر له مائة قبر ودفنوه في أحدها ليعموا (٥٨) قبره. محمد المهدي: وتولّى بعده ولده أبو موسى محمد المهدي، فكان - لمّا شبّ - أولاه أبوه طبرستان والريّ وما يليهما، فتأدّب وتميّز وجالس العلماء (٥٩) / وكان كريما وسيما شجاعا محبّا للعلماء، وكان يقول: أدخلوا عليّ العلماء والقضاة وأحضروهم عندي، فلو لم يكن من حضورهم إلاّ ردّ المظالم حياء منهم لكان فيه خير كثير وكان يكره الزّنادقة وقتل منهم خلقا كثيرا وأوصى ابنه الهادي (٦٠) بقتلهم حيث وجدهم، وكان مولده في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة (٦١)، ومدّة ملكه عشر سنين وشهرا (٦٢)، وعاش ثلاث وأربعين سنة، ومات لثمان بقين من محرّم سنة تسع وستين ومائة (٦٣).

стр. 242

محمد موسى الهادي: فتولّى بعده ابنه محمد موسى الهادي، ولد بالريّ سنة سبع وأربعين ومائة (٦٤)، وكان حين موت أبيه بجرجان، وقد عهد إليه أبوه بالخلافة، فأخذ له البيعة أخوه هارون الرّشيد لمّا مات أبوه، ولم يل أحد الخلافة قبله في مقدار سنة (٦٥)، وتوفي شابّا عمره أربع وعشرون سنة، منتصف ربيع الأول سنة سبعين ومائة (٦٦). هارون الرشيد: فتولّى بعده أخوه هارون الرّشيد بعهد من أبيه بتاريخه (٦٧)، وكان فصيحا بليغا أديبا، كثير العبادة والحجّ والغزو، يحجّ عاما ويغزو عاما، وقد يجمع بينهما في عام واحد، ويصلّي في خلافته كلّ يوم مائة ركعة لا يتركها إلاّ لعلّة، ويتصدّق كلّ يوم بألف درهم، ويحبّ العلم وأهله، ويعظّم حرمات الإسلام، وبلغه عن بشر المريسي (٦٨) أنه كان يقول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه، وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض / ﵁ ويعظّمه وكان يبكي على نفسه وإسرافه وذنوبه، وكان يعظّم قاضيه أبا يوسف كثيرا ويمتثل أمره. وأراد الرّشيد أن يوصل ما بين بحر الرّوم والقلزم ليتهيأ له أن يغزو الرّوم ببلادهم، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: لو فعلت ذلك وصلت سفن الرّوم أرض العرب واختطفوا المسلمين من المسجد الحرام فتركه. وكان الرشيد قسّم مملكته بين أولاده الأمين والمأمون، والمؤتمن (٦٩) دون بقية

стр. 243

أولاده، فجعل الأمين وليّ عهده بعده، ثم المأمون، ثم المؤتمن (٧٠)، وطوى الرّشيد الملك عن ولده الرابع وهو المعتصم لكونه أمّيا، فأراد الله خلاف ما أراده الرّشيد لكون الخلافة صارت بعد المأمون للمعتصم، وصار الخلفاء بعده كلّهم من نسله، ولمّا كمل عهد أولاده الثلاثة جمع الجموع وأمرهم بمبايعة أولاده المذكورين، فبايعوهم وعاهدوهم، وكتب بذلك عهدا محكما وكتبا مبرما، ووضع الأعيان خطوطهم عليه، وبعد ذلك جهّزه إلى بيت الله تعالى وأمر بتعليقه في وسط الكعبة المشرّفة ليشتدّ الوثوق به ولا يقع في ذلك خلاف (٧١)، ولم يغن التدبير عمّا سطّره قلم التدبير في لوح المقادير. ثم إن الرّشيد رأى في منامه أنه يموت بطوس فلمّا وصل إلى طوس غلب عليه الوعد، وعرف أنه ميّت بكى واختار لنفسه مدفنا بطوس، فمات بها (٧٢) وصلّى عليه ولده صالح (٧٣) لثلاث مضين من جمادى / الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة (٧٤). فكانت مدة ملكه ثلاثا وعشرين سنة وشهرين ونصف (٧٥). محمد الأمين: فتولّى الخلافة بعده ولده محمد الأمين، فكان وسيما سيء التّدبير كثير التّبذير، ضعيف الرّأي فاتّخذ الخمور واللهو ديدنا، واشترى مغنّية بمائة ألف دينار، وعزل أخاه المؤتمن، وأخاه المأمون، وأرسل إلى الكعبة المعظّمة من جاءه بصحيفة عهد والده لإخوته فمزّقها، وعهد إلى ولد له رضيع سمّاه الناطق بالحق، ودعا له على المنابر فنصحه ومنعه

стр. 244

عن هذا الغدر والنكث خزيمة بن خازم (٧٦) فقال له: يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذّبك، ولن يغشّك من صدقك، وإني أنصحك: لا تجر القوّاد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد، فينكثوا عهدك، وإن الغدر شؤم والناكث منكوث مغلوب، وصاحب الحق مظلوم، وجرت عادة الله بنصر المظلوم، وتوجّه القلوب إليه ورقّة النفوس عليه، ولذلك تأثير في الظاهر والباطن! فأبى الأمين ذلك منه، ونبذ كلامه وعمل بسقيم رأيه، وأرسل جيشا مع علي بن عيسى إلى أخيه المأمون عدّتهم أربعون ألفا، وأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين ومعه أربعة آلاف، فانهزم علي بن عيسى وقتل وذبح وشتّتت عساكره، وجاء طاهر بن الحسين برأسه إلى المأمون (٧٧) ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ (٧٨). فقوي قلب المأمون بذلك وكثر أتباعه، / ومال النّاس إليه، فجمع الجموع وسار إلى بغداد لقتال الأمين، ولا زال أمر المأمون يزيد لحسن تدبيره وانتقال الناس إليه، وأمر الأمين يضعف لكثرة لهوه وتقصيره ونفور القلوب عنه إلى أن حوصر في بغداد، وتفرّقت عنه جنوده وهربوا منه إلى المأمون، كلّ ذلك والأمين في لهوه وغفلته ولعبه مع جواريه واحتجابه عن أهل دولته (٧٩) إلى أن هجم طاهر بن الحسين، ودخل بغداد فجاء مسرور الخادم إلى الأمين وهو في جنب حوض ماء مع جواريه يصيد معهن السّمك في ذلك الحوض، وكان وضع في أنف كلّ سمكة درّة نفيسة شبّكها بقضبان الذهب، فكلّ من صادت من جواريه سمكة كانت الدّرّة التي في أنفها لها، فرفع الأمين رأسه إلى مسرور فقال له: إن طاهر بن الحسين دخل بعسكره إلى بغداد، فقال له: دعني فإن الجارية فلانة صادت الآن سمكتين (٨٠) وأنا ما صدت شيئا، فرجع مسرور باهتا، وإذا بالجند قد

стр. 245

أحاطوا بدار الخلافة ونهبوها ومسك طاهر بن الحسين الأمين بيده وحبسه، فلمّا شاهد الأمين هذا الحال قال لطاهر بن الحسين: يا طاهر اعلم أنه ما قام لنا قائم قطّ فكان جزاؤه عندنا إلاّ السيف، فانظر لنفسك أو دع يلوّح بأبي مسلم الخراساني وأمثاله الّذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في قيام الدّول، فكان مآلهم القتل، وهذه عادة الله في مقيمي الدّول، كعمر بن سعيد أقام دولة عبد الملك بن مروان فقتله، ووقع بعد ذلك / لأبي عبد الله الشّيعي حيث قام بدعوة عبيد الله المهدي، فلمّا تمّت قتله (حسبما يأتي تفصيله) (٨١) فأثّرت هذه الكلمة في قلب طاهر، وصار يحذر منها إلى أن قتله المأمون (٨٢). ثم أن طاهر بن الحسين لما رأى أن الفتنة لم تسكن بالإستيلاء على الأمين وحبسه أدخل أعجاما لا يعرفون اللسان على الأمين، وأمرهم بقتله فقتلوه وأخذ رأسه فطيف به في مدينة بغداد، ونودي عليه: هذا رأس المخلوع (٨٣) إلى أن سكنت الفتنة، وكان ذلك في المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة (٨٤). المأمون وقضية خلق القرآن: فآل الأمر إلى أخيه عبد الله المأمون، فكان من أجلّ بني العباس حزما وعلما وفراسة وفروسية وأقواهم ذكاء وفهما، سمع الحديث على جماعة، وتأدّب وتفقّه وبرع في فنون التاريخ والأدب، ولمّا كبر اعتنى بالفلسفة وعلوم الأوائل، فضلّ وأضلّ، وامتحن الناس بالقول بخلق القرآن، ولولا ذلك لعدّ من الخلفاء الرّاشدين، وكان يضرب المثل بحلمه، فمن حلمه أنه خرج لبعض حروبه وخلّف عنه خليفة، فثار عليه إبراهيم بن محمد ابن طباطبا (٨٥)، دعا لنفسه ببغداد ثم أظفره الله به، ووقف بين يديه، واستشار في أمره

стр. 246

الحسن بن سهل، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قتلته عملت بما عمله الملوك قبلك وإن عفوت عنه عملت ما لم يعمله الملوك قبلك، فعفا عنه ونادمه بعد ذلك، وكان كثير الجهاد، افتتح عدة حصون، وكان كثير العبادة، قيل إنه ختم في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، ولمّا جبر العلماء على القول بخلق القرآن دعوا عليه، فأهلكه الله / وهمّ أوّلا بخلع نفسه من الخلافة ليولّيها لذريّة الإمام علي لكونهم أولى بذلك، فلم يتمّ له ذلك، فجعل وليّ عهده علي بن موسى الكاظم (٨٦) عين أعيان العلويين في ذلك الوقت، فمات ولم يتيسّر له إقامة علوي بعده، فتوفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين (٨٧) بأرض الرّوم غازيا فدفن بطرسوس. المعتصم: فولّي الخلافة أخوه أبو إسحاق محمّد المعتصم، وكان يقال له المثمّن لأنه ثامن الخلفاء، وثامن أولاد الرّشيد، والثامن من ولد العبّاس، واستخلف سنة ثمان عشرة ومائتين، وملك ثمانية أعوام وثمانية أشهر وثمانية أيّام (٨٨)، وكان أمّيّا. وروى الصولي: كان مع المعتصم غلام في المكتب يتعلّم معه القرآن، فمات الغلام، فقال له الرّشيد: يا محمد مات غلامك، قال: نعم يا سيدي، وقد استراح من المكتب، فقال: يا ولدي، إن المكتب يبلغ بك هذا المبلغ!؟ وقال لمعلّمه اتركه لا تعلّمه شيئا، فنشأ عاميّا يكتب كتابة مشوّشة، ويقرأ قراءة ضعيفة. وهو أول من أدخل الأتراك الدّواوين وكان يتشبّه بملوك الأعاجم، وبلغت غلمانه الأتراك ثمانية عشر ألفا، وبعث إلى سمرقند وفرغانة أموالا كثيرة لشراء الأتراك وألبسهم أطواق الذّهب والفضّة والدّيباج (٨٩)، فكانوا يركضون الخيل في بغداد ويؤذون النّاس وضاقت بهم البلاد، فشكاهم أهل بغداد إلى المعتصم واجتمعوا / على بابه وقالوا: لئن لم تخرج جنودك الأتراك عنّا حاربناك، قال: وكيف تحاربوني وأنتم عاجزون عن محاربتي؟

стр. 247

قالوا: نحاربك بسهام الأسحار ونسلّ عليك سيوف الدعاء، فقال: والله لا أطيق ذلك ولكن أنظروني حتى أنظر بلدا أنتقل بهم إليها ولا تتضرّرون بي وكفّوا عني سهام دعائكم، فبنى مدينة سمّاها (سرّ من رآى) (٩٠) بقرب بغداد وانتقل إليها سنة عشر ومائتين (٩١). وللمعتصم عدة غزوات مع الكفّار من أشهرها غزوة عمّورية (٩٢)، ظهرت له فيها اليد البيضاء ونصر فيها الملّة المحمّدية، وملخّصها أن ملك الرّوم إذ ذاك من أكبر ملوك النّصارى أرسل كتابا إلى المعتصم يهدّده، فاستشاط المعتصم غضبا، وأمر بجوابه فكتب له الجواب، فلم ترضه عدّة كتب كتبوها فمزّق الكتاب الذي ورد عليه، وأمر أن يكتب في ظهر قطعة منه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الجواب ما تراه لا ما تقرؤه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٩٣)، وتجهّز من ساعته فمنعه المنجمّون وقالوا له: إنّ الطالع نحس، فقال لهم: هو نحس عليهم لا علينا، وسار يومه وتلاحقته العساكر (٩٤)، ووقع حرب عظيم قتل فيه سبعين ألفا وأسر منهم ستين ألفا، وهرب ملكهم، وتحصّن بحصن عمّورية، فحاصره المعتصم، ونزل به إلى أن فتحها، وأسّر ذلك الملك الكافر وقتله وكان ذلك من أعظم فتوح الإسلام. ولكن شان ملكه بالتعصّب لأخيه في القول بخلق القرآن ولولا سابق القضاء والقدر لما دخل في هذه المضائق / وهو أمّي، ووصلت هذه البدعة حتى لبلاد المغرب، ودافعها رجال السّنة كمحمّد بن سحنون - رضي الله تعالى عنه - وأضرابه، حتى أخمد الله نارها وانقطع شرارها بموت أشرارها، وانطمست آثارها بهلاك فجّارها. ولمّا احتضر قال: اللهم [إنك تعلم] أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي، فيا من لا يزول ملكه، إرحم من زال ملكه، وتوفي ﵀ يوم الخميس لإحدى عشر ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين (٩٥).

стр. 248

الواثق بالله: فولّي بعده ولده أبو جعفر هارون ولقّب بالواثق بالله، واستخلف تركيا اسمه أشناس (٩٦) ولقّبه بالسّلطان، وهو أول خليفة استخلف سلطانا وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا (٩٧) وتبع أباه [في القول] بخلق القرآن، ورجع عنه في آخر أمره، وذلك أنه كان القائم له بهذه البدعة أحمد بن أبي دواد لاستيلائه على الواثق حتى رفع إليه أبو عبد الرحمان [عبد الله بن محمد الأهرمي] (٩٨) بن محمد الأزدي شيخ النسائي، فقال الشّيخ وهو مكبّل بالحديد في مناظرته: أخبروني عن هذا الرّأي الذي دعوتم الناس إليه، هل هو شيء علمه رسول الله ﷺ فلم يدع الناس إليه، أو هو شيء لم يعلمه؟ فقال ابن أبي دواد: بل علمه، فقال: أفكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضا على فمه ودخل بيته ومدّ رجليه وهو يقول / وسع النبيء أن يسكت ونحن لا يسعنا! وأمر أن يعطى الشيخ ثلاثمائة دينار، وأن يردّ إلى بلده، ولم يمتحن بعدها أحدا، وسقط مقام ابن أبي دواد من يومئذ (٩٩). وكان الواثق عالما (١٠٠) شاعرا مات بسرّ من رآى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (١٠١). المتوكل على الله: فولّي بغداد أخوه جعفر المتوكّل على الله، وكان سنّيا كريما، أظهر السّنّة وأكرم علماء الحديث، وأمات البدع، وشنع على الجهمية والمعتزلة (١٠٢)، وأمر نائبه بمصر أن

стр. 249

يحلق لحية قاضي القضاة بمصر أبي بكر محمد بن أبي الليث (١٠٣) ويطاف به الأسواق بمصر على حمار لأنه كان جهميا معتزليا، يقول بالجهة وخلق القرآن، ففعل به ذلك. ولمّا كثرت المماليك الأتراك دخلوا في أمر الملك، واستولوا على المملكة وصار بأيديهم الحلّ والعقد والولاية والعزل، إلى أن حملهم الطغيان أن سطوا على الخليفة المتوكل لما أراد أن يصادر مملوك أبيه وصيفا التّركي لكثرة ماله وخزائنه [وأقطاعها الفتح بن خاقان] (١٠٤) فتعصّب ببغا (١٠٥) التركي وقد انحرف الأتراك عنه، فدخل باغر (١٠٦) عليه ومعه عشرة أتراك وهو في مجلس أنسه وعنده وزيره الفتح بن خاقان بعد أن مضى من الليل ثلاث ساعات فصاح الفتح، وقال: ويلكم هذا سيدكم وابن سيدكم وهرب من كان حوله من الغلمان والنّدماء على وجوههم، وبقي الفتح، وصار المتوكّل غائبا عن حسه من السّكر فضربه باغر (١٠٧) ضربة بالسّيف على عاتقه فقده إلى خاصرته فطرح الفتح نفسه عليه فضربهما باغر / ضربة ثانية فماتا جميعا (١٠٨) فلفّهما معا في بساط، ومضى هو ومن معه ولم ينتطح فيها عنزان، وكان قتله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين (١٠٩) في القصر الجعفري الذي بناه المتوكّل، ولمّا قتلا دفنا فيه وكانت خلافته أربعة عشر عاما [وعشرة أشهر وثلاثة أيام] (١١٠) وعمره إحدى وأربعون سنة (١١١). المنتصر بالله: وولّي بعده [بعهد منه] (١١٢) ولده أبو جعفر محمد المنتصر بالله، فلم يستقل بالملك لاستيلاء المماليك الأتراك على المملكة، ويقال إنه تواطأ مع الأتراك على قتل أبيه ليلي

стр. 250

الخلافة بعده، وكان حذرا من الأتراك يسبّهم ويقول: هؤلاء قتلوا الخلفاء فلم يؤمنوه وأرادوا قتله فما أمكنهم الإقدام على ذلك لشدّة محاذرته، فدسّوا إلى طبيبه ابن طيفور (١١٣) ثلاثين ألف دينار عند توعكه ليسمّه ففصده بمبضع مسموم فأحسّ بذلك وأراد قتله، فقال له إنك تصبح طبيبا وتندم على قتلي، فامهلني إلى الصبح، فأمهله فأصبح ميّتا (١١٤). وحكى إنه بات ليلة في وعكه وانتبه فزعا وهو يبكي، فسألته أمه (١١٥): ما يبكيك؟ فقال: أفسدت ديني ودنياي، رأيت أبي الساعة وهو يقول: قتلتني يا محمد لأجل الخلافة والله لا تتمتّع بها إلاّ أياما قلائل، ثم مصيرك إلى النار (١١٦)، فاستمرّ مهموما من هذا المنام فما عاش بعد ذلك إلاّ أياما قليلة. وذكر علي بن يحيى المنجّم أن المنتصر جلس يوما للهو، وأمر بفرش بساط من ذخائر الخزانة / تداولته الملوك ففرش، فرأى فيه صورة رأس عليه تاج وعليه كتابة بالفارسية، فطلب من يستخرج تلك الكتابة، فأحضر لذلك رجل من الأعاجم فقرأها بلسانه وعبّس عند قراءتها، فسأله المنتصر عنها، فقال: لا معنى لها، فألحّ عليه، فقال: أنا الملك شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أتمتّع بالملك بعده إلاّ ستة أشهر وهي مشهورة، فتغيّر وجه المنتصر لذلك وقام من ذلك المجلس، وترك اللهو الذي أراد، وصار مغتمّا لذلك مهموما، فكانت خلافة المنتصر ستة أشهر (١١٧) كما توهّمه فمات مفصودا، لخمس مضين من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين (١١٨) وكان عمره خمسا وعشرين سنة (١١٩). ثم ولّي بعده عمّه (١٢٠) أبو العباس أحمد المستعين بالله بن المعتصم، وإنّما قدّمه الترك واختاروه على أولاد المتوكل لأنهم كانوا قتلوه فخافوا ان ولّي أحد من أولاده أخذ
следующие страницы →