← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الحسن بن سهل، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قتلته عملت بما عمله الملوك قبلك وإن عفوت عنه عملت ما لم يعمله الملوك قبلك، فعفا عنه ونادمه بعد ذلك، وكان كثير الجهاد، افتتح عدة حصون، وكان كثير العبادة، قيل إنه ختم في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، ولمّا جبر العلماء على القول بخلق القرآن دعوا عليه، فأهلكه الله / وهمّ أوّلا بخلع نفسه من الخلافة ليولّيها لذريّة الإمام علي لكونهم أولى بذلك، فلم يتمّ له ذلك، فجعل وليّ عهده علي بن موسى الكاظم (٨٦) عين أعيان العلويين في ذلك الوقت، فمات ولم يتيسّر له إقامة علوي بعده، فتوفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين (٨٧) بأرض الرّوم غازيا فدفن بطرسوس. المعتصم: فولّي الخلافة أخوه أبو إسحاق محمّد المعتصم، وكان يقال له المثمّن لأنه ثامن الخلفاء، وثامن أولاد الرّشيد، والثامن من ولد العبّاس، واستخلف سنة ثمان عشرة ومائتين، وملك ثمانية أعوام وثمانية أشهر وثمانية أيّام (٨٨)، وكان أمّيّا. وروى الصولي: كان مع المعتصم غلام في المكتب يتعلّم معه القرآن، فمات الغلام، فقال له الرّشيد: يا محمد مات غلامك، قال: نعم يا سيدي، وقد استراح من المكتب، فقال: يا ولدي، إن المكتب يبلغ بك هذا المبلغ!؟ وقال لمعلّمه اتركه لا تعلّمه شيئا، فنشأ عاميّا يكتب كتابة مشوّشة، ويقرأ قراءة ضعيفة. وهو أول من أدخل الأتراك الدّواوين وكان يتشبّه بملوك الأعاجم، وبلغت غلمانه الأتراك ثمانية عشر ألفا، وبعث إلى سمرقند وفرغانة أموالا كثيرة لشراء الأتراك وألبسهم أطواق الذّهب والفضّة والدّيباج (٨٩)، فكانوا يركضون الخيل في بغداد ويؤذون النّاس وضاقت بهم البلاد، فشكاهم أهل بغداد إلى المعتصم واجتمعوا / على بابه وقالوا: لئن لم تخرج جنودك الأتراك عنّا حاربناك، قال: وكيف تحاربوني وأنتم عاجزون عن محاربتي؟

стр. 247

قالوا: نحاربك بسهام الأسحار ونسلّ عليك سيوف الدعاء، فقال: والله لا أطيق ذلك ولكن أنظروني حتى أنظر بلدا أنتقل بهم إليها ولا تتضرّرون بي وكفّوا عني سهام دعائكم، فبنى مدينة سمّاها (سرّ من رآى) (٩٠) بقرب بغداد وانتقل إليها سنة عشر ومائتين (٩١). وللمعتصم عدة غزوات مع الكفّار من أشهرها غزوة عمّورية (٩٢)، ظهرت له فيها اليد البيضاء ونصر فيها الملّة المحمّدية، وملخّصها أن ملك الرّوم إذ ذاك من أكبر ملوك النّصارى أرسل كتابا إلى المعتصم يهدّده، فاستشاط المعتصم غضبا، وأمر بجوابه فكتب له الجواب، فلم ترضه عدّة كتب كتبوها فمزّق الكتاب الذي ورد عليه، وأمر أن يكتب في ظهر قطعة منه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الجواب ما تراه لا ما تقرؤه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٩٣)، وتجهّز من ساعته فمنعه المنجمّون وقالوا له: إنّ الطالع نحس، فقال لهم: هو نحس عليهم لا علينا، وسار يومه وتلاحقته العساكر (٩٤)، ووقع حرب عظيم قتل فيه سبعين ألفا وأسر منهم ستين ألفا، وهرب ملكهم، وتحصّن بحصن عمّورية، فحاصره المعتصم، ونزل به إلى أن فتحها، وأسّر ذلك الملك الكافر وقتله وكان ذلك من أعظم فتوح الإسلام. ولكن شان ملكه بالتعصّب لأخيه في القول بخلق القرآن ولولا سابق القضاء والقدر لما دخل في هذه المضائق / وهو أمّي، ووصلت هذه البدعة حتى لبلاد المغرب، ودافعها رجال السّنة كمحمّد بن سحنون - رضي الله تعالى عنه - وأضرابه، حتى أخمد الله نارها وانقطع شرارها بموت أشرارها، وانطمست آثارها بهلاك فجّارها. ولمّا احتضر قال: اللهم [إنك تعلم] أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي، فيا من لا يزول ملكه، إرحم من زال ملكه، وتوفي ﵀ يوم الخميس لإحدى عشر ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين (٩٥).

стр. 248

الواثق بالله: فولّي بعده ولده أبو جعفر هارون ولقّب بالواثق بالله، واستخلف تركيا اسمه أشناس (٩٦) ولقّبه بالسّلطان، وهو أول خليفة استخلف سلطانا وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا (٩٧) وتبع أباه [في القول] بخلق القرآن، ورجع عنه في آخر أمره، وذلك أنه كان القائم له بهذه البدعة أحمد بن أبي دواد لاستيلائه على الواثق حتى رفع إليه أبو عبد الرحمان [عبد الله بن محمد الأهرمي] (٩٨) بن محمد الأزدي شيخ النسائي، فقال الشّيخ وهو مكبّل بالحديد في مناظرته: أخبروني عن هذا الرّأي الذي دعوتم الناس إليه، هل هو شيء علمه رسول الله ﷺ فلم يدع الناس إليه، أو هو شيء لم يعلمه؟ فقال ابن أبي دواد: بل علمه، فقال: أفكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضا على فمه ودخل بيته ومدّ رجليه وهو يقول / وسع النبيء أن يسكت ونحن لا يسعنا! وأمر أن يعطى الشيخ ثلاثمائة دينار، وأن يردّ إلى بلده، ولم يمتحن بعدها أحدا، وسقط مقام ابن أبي دواد من يومئذ (٩٩). وكان الواثق عالما (١٠٠) شاعرا مات بسرّ من رآى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (١٠١). المتوكل على الله: فولّي بغداد أخوه جعفر المتوكّل على الله، وكان سنّيا كريما، أظهر السّنّة وأكرم علماء الحديث، وأمات البدع، وشنع على الجهمية والمعتزلة (١٠٢)، وأمر نائبه بمصر أن

стр. 249

يحلق لحية قاضي القضاة بمصر أبي بكر محمد بن أبي الليث (١٠٣) ويطاف به الأسواق بمصر على حمار لأنه كان جهميا معتزليا، يقول بالجهة وخلق القرآن، ففعل به ذلك. ولمّا كثرت المماليك الأتراك دخلوا في أمر الملك، واستولوا على المملكة وصار بأيديهم الحلّ والعقد والولاية والعزل، إلى أن حملهم الطغيان أن سطوا على الخليفة المتوكل لما أراد أن يصادر مملوك أبيه وصيفا التّركي لكثرة ماله وخزائنه [وأقطاعها الفتح بن خاقان] (١٠٤) فتعصّب ببغا (١٠٥) التركي وقد انحرف الأتراك عنه، فدخل باغر (١٠٦) عليه ومعه عشرة أتراك وهو في مجلس أنسه وعنده وزيره الفتح بن خاقان بعد أن مضى من الليل ثلاث ساعات فصاح الفتح، وقال: ويلكم هذا سيدكم وابن سيدكم وهرب من كان حوله من الغلمان والنّدماء على وجوههم، وبقي الفتح، وصار المتوكّل غائبا عن حسه من السّكر فضربه باغر (١٠٧) ضربة بالسّيف على عاتقه فقده إلى خاصرته فطرح الفتح نفسه عليه فضربهما باغر / ضربة ثانية فماتا جميعا (١٠٨) فلفّهما معا في بساط، ومضى هو ومن معه ولم ينتطح فيها عنزان، وكان قتله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين (١٠٩) في القصر الجعفري الذي بناه المتوكّل، ولمّا قتلا دفنا فيه وكانت خلافته أربعة عشر عاما [وعشرة أشهر وثلاثة أيام] (١١٠) وعمره إحدى وأربعون سنة (١١١). المنتصر بالله: وولّي بعده [بعهد منه] (١١٢) ولده أبو جعفر محمد المنتصر بالله، فلم يستقل بالملك لاستيلاء المماليك الأتراك على المملكة، ويقال إنه تواطأ مع الأتراك على قتل أبيه ليلي

стр. 250

الخلافة بعده، وكان حذرا من الأتراك يسبّهم ويقول: هؤلاء قتلوا الخلفاء فلم يؤمنوه وأرادوا قتله فما أمكنهم الإقدام على ذلك لشدّة محاذرته، فدسّوا إلى طبيبه ابن طيفور (١١٣) ثلاثين ألف دينار عند توعكه ليسمّه ففصده بمبضع مسموم فأحسّ بذلك وأراد قتله، فقال له إنك تصبح طبيبا وتندم على قتلي، فامهلني إلى الصبح، فأمهله فأصبح ميّتا (١١٤). وحكى إنه بات ليلة في وعكه وانتبه فزعا وهو يبكي، فسألته أمه (١١٥): ما يبكيك؟ فقال: أفسدت ديني ودنياي، رأيت أبي الساعة وهو يقول: قتلتني يا محمد لأجل الخلافة والله لا تتمتّع بها إلاّ أياما قلائل، ثم مصيرك إلى النار (١١٦)، فاستمرّ مهموما من هذا المنام فما عاش بعد ذلك إلاّ أياما قليلة. وذكر علي بن يحيى المنجّم أن المنتصر جلس يوما للهو، وأمر بفرش بساط من ذخائر الخزانة / تداولته الملوك ففرش، فرأى فيه صورة رأس عليه تاج وعليه كتابة بالفارسية، فطلب من يستخرج تلك الكتابة، فأحضر لذلك رجل من الأعاجم فقرأها بلسانه وعبّس عند قراءتها، فسأله المنتصر عنها، فقال: لا معنى لها، فألحّ عليه، فقال: أنا الملك شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أتمتّع بالملك بعده إلاّ ستة أشهر وهي مشهورة، فتغيّر وجه المنتصر لذلك وقام من ذلك المجلس، وترك اللهو الذي أراد، وصار مغتمّا لذلك مهموما، فكانت خلافة المنتصر ستة أشهر (١١٧) كما توهّمه فمات مفصودا، لخمس مضين من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين (١١٨) وكان عمره خمسا وعشرين سنة (١١٩). ثم ولّي بعده عمّه (١٢٠) أبو العباس أحمد المستعين بالله بن المعتصم، وإنّما قدّمه الترك واختاروه على أولاد المتوكل لأنهم كانوا قتلوه فخافوا ان ولّي أحد من أولاده أخذ

стр. 251

بثأر أبيه، فما كان للمستعين إلاّ الإسم، وكانت المماليك الأتراك متولّية على الملك، وكان الأمر كلّه لوصيف التركي وبغا (١٢١) التّركي، فاستمرّ كذلك وهو يترصّد لهما إلى أن ظفر بوصيف التركي فقتله وبقي بغا التركي الذي كان فتك بالمتوكل وسفك دمه، وتنكّرت حالة الأتراك فخاف [المستعين] وخرج من سرّ من رأى إلى بغداد فأرسلوا إليه يعتذرون ويسألونه في العود إلى سرّ من رأى وهو محل الأتراك فامتنع، وكان فاضلا ديّنا، اخباريا مطّلعا على التواريخ / متجمّلا في ملبسه. المعتز بالله: ولما امتنع المستعين من العود إلى سرّ من رأى قصد الأتراك خلعه، فأتوا إلى الجوسق (١٢٢) واستخرجوا منه أبا عبد الله محمد بن المتوكل على الله بن المعتصم، ولقّبوه «المعتز بالله»، وبايعوه وعمره تسعة عشر عاما، ولم يل الخلافة أصغر منه سنا، وخلعوا المستعين بالله في أول سنة إحدى وخمسين ومائتين (١٢٣)، وجيّشوا إلى بغداد جيشا كثيفا على المستعين بالله، وتقاتل معهم شهرا، وكثر القيل والقال، وغلت الأسعار، وعمّ البلاء، وتلاشى أمر المستعين بالله إلى أن خلع نفسه وأشهد العدول والقضاة على نفسه بذلك (١٢٤)، فأخذوه وانحدروا به إلى واسط وحبسوه بها تسعة أشهر، ثم ندب له سعيد الحاجب فذبحه في الحبس في ثالث شوال سنة اثنين وخمسين ومائتين (١٢٥)، وله خمس وثلاثون سنة (١٢٦). واستمرّ المعتز بالله خليفة، وكان جميل الصّورة، مستضعفا مع الأتراك، وكان صالح بن وصيف متواريا على المعتز خائفا منه، فاجتمع الجند عليه وطلبوا أرزاقهم، ووعدوه أنه إذا أنفق عليهم أرزاقهم ركبوا معه على صالح بن وصيف وقتلوه، ويصفو له

стр. 252

الملك، ولم يكن له في خزائنه مال يصرفه عليهم، فطلب من أمّه وكانت تركية اسمها «قبيحة» لفرط جمالها (١٢٧) بين النساء فأبت عليه بالمال وسمحت بولدها وهو خليفة وكان معها مال عظيم، فاتفق الأتراك على خلعه، وركب معهم / صالح بن وصيف، ومحمد ابن بغا (١٢٨) التركي، وأتوا إلى دار الخلافة وهجموا على المعتز، وجرّوه برجله وأوقفوه في الشمس، وعذّبوه حتى خلع نفسه (١٢٩) وأدخلوه الحمّام ومنعوه شرب الماء حتى مات عطشا (١٣٠). المهتدي بالله: وأحضروا (١٣١) أبا عبد الله محمد بن الواثق بن المعتصم، ولقّبوه المهتدي بالله، وبايعوه بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين (١٣٢) وله بضع وثلاثون سنة (١٣٣). وصار صالح بن وصيف إلى قبيحة أمّ المعتز وعذّبها حتى أخذ منها ألف ألف دينار ذهبا، ونصف أردب (١٣٤) لؤلؤ ومثله زمرّد وسدسه ياقوتا أحمر ثم خرجت إلى مكة فأقامت بها إلى أن ماتت (١٣٥) وقلّل الناس الترحّم عليها حيث ظهر عليها هذا المال، وشحّت به على ولدها (١٣٦). وكان المهتدي بالله كثير العبادة، ليس له من الأمر شيء، وكان قد طرّح الملاهي، ومنع الظلمة من الظلم، فاتّفق الأتراك على خلعه، وركبوا إلى داره فخرج

стр. 253

إليهم وقاتلهم بنفسه إلى أن أمسكوه باليد، وعروا عليه بطنه إلى أن مات ﵀ في رجب (١٣٧) سنة ست وخمسين ومائتين (١٣٨) فكانت خلافته سنة إلاّ خمسة عشر يوما. المعتمد وحركة الزنج: ثم ولّي الخلافة بعده ابن عمّه أحمد - الملقّب بالمعتمد - بن أبي جعفر (١٣٩) المتوكّل على الله، أخرجه التّرك من الحبس وبايعوه على الخلافة في رجب من التاريخ السابق، فانهمك في اللهو واللّذات فقدم أخاه طلحة ابن المتوكل على الله، ولقبه الموفّق بالله، وجعله وليّ عهده وولاّه المشرق والحجاز / واليمن وفارس وطبرستان وسجستان والسند، وكان [للمعتمد] ولد صغير اسمه جعفر، لقّبه المفوّض إلى الله (١٤٠) وولاّه المغرب والشام والجزيرة وعقد لهما لوائين أبيض وأسود وعقد لهما البيعة، وشرط على أخيه الموفّق أنه إن حدث به حدث الموت وولده صغير، كان الموفّق وليّ عهده، وكتب له بذلك عدة كتب على كلّ منها خطه، وكتب عليها القضاة والعدول خطوطهم، وأرسلها إلى مكّة لتعلّق في الكعبة، فعلّقت فيها، وما أفاد مع هذه التدابير حذر عن قدر، وما وقع إلاّ ما قدّره الله تعالى، وكان الموفّق عاقلا مدبّرا شجاعا مشتغلا بأمر المملكة ملتفتا لحال الرعيّة، وكان أخوه المعتمد منكبّا على لهوه ولذّاته، مهملا لأحوال رعيّته فكرهه الناس وأحبّوا أخاه الموفّق وظهرت فيه نجابات كثيرة، وكان ميمونا مظفّرا في الحروب فظهر في أيّامه الزّنج فتغلّبوا على المسلمين وكان صاحب الزّنج اسمه يهبود، يدّعي أنه أرسله الله إلى الخلق وادّعى علم المغيّبات فذكر الصّولي: أنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف (١٤١)، وكان يستأسر نساء المسلمين، ويبيعهن بأبخس الأثمان وكان ينادي على العلويّة والشّيعيّة بدرهمين، وكان عند الزنجي الواحد عشرة من العلويّات الأشراف يطؤهن ويخدمن في الخدمة التافهة، وكان ذلك من أعظم مصائب الإسلام. وتملّك هذا الكافر، مدنا كثيرة، أخذها من المسلمين واستأصل أهلها، كواسط

стр. 254

ورام هرمز وما والاهما (١٤٢)، فانتدب لقتاله الموفق (١٤٣)، وجمع العساكر والجنود، وخرج لقتال الزّنج فكانت الواقعة عليهم، فقتل كبيرهم يهبود واستراح منهم العباد واستردّ البلاد التي كانوا استولوا عليها، ورجع الموفّق مؤيدا منصورا ورأس ذلك الكافر ورؤوس كباره على الرّماح، فدعا المسلمون للموفّق وامتدحه الشّعراء، واستمرّ أخوه منهمكا، وجميع الأمور جارية على يد الموفّق بقلب منشرح، ثم وقعت بينهما وحشة، فكاتب المعتمد أحمد بن طولون صاحب مصر يستنجده على قتال الموفّق، فانتدب له وأرسل له العساكر، فجرت بينهم وبين عساكر الموفّق حروب وطالت على ذلك أعوام، وكان للموفّق ولد نجيب اسمه أحمد جعله ولّي عهده، واستعان به في حروبه ثم خشي منه على نفسه لقوة بطش الولد وبسالته، فأودعه بطن الحبس، ووكّل به من يثق به في أموره واستمرّ محبوسا إلى أن حضر أجل الموفّق فلمّا اشتدّ مرضه، وتحقّق غلمانه موته بادروا إلى الحبس وكسروه، وأخرجوا منه ولده أحمد وآووه ونصروه (١٤٤) ولقّبوه المعتضد بالله ، وجاءوا به إلى والده الموفّق، فلمّا رآه أيقن بحلول الأجل وقال له: يا ولدي لهذا اليوم خبّأتك، وفوّض إليه (١٤٥) وأوصاه بعمّه المعتمد وكان قبل الموت بثلاثة أيام، فمات سنة ثمان وسبعين ومائتين (١٤٦) فشمت في موته المعتمد / فما حال عليه الحول إلاّ وقد لحق به ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (١٤٧). المعتضد بالله: فتولّى الملك والخلافة المعتضد، وكان ملكا مهابا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شجاعا يقدم على الأسد وحده، حسن السّياسة قليل الرّحمة، إذا غضب على أحد ألقاه

стр. 255

في حفرة وطمّ عليه التراب وأسقط المكوس في أيّامه، ورفع الظّلم عن رعيّته فجدّد ملك بني العباس بعد ما وهى ووهن وأظهر عزّ الملك، فكان يسمّى السّفاح الثاني حيث جدّد كلّ منهما ملك بني العباس، ومع ذلك كان يتوخّى العدالة، ويظهر أمورا في صورة الجبروت والعنف، وهو في الباطن محقّ فيما يفعله، وهذا هو الرأي السّديد للحاكم الرّشيد لجمعه بين سياسة الدنيا والآخرة بمراعاة ما هو حقّ عند الله تعالى. نقل الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في «تاريخ الخلفاء» عن عبد الله بن حمدون قال (١٤٨): «خرج المعتضد للصّيد يوما وأنا معه فمرّ بمقثأة، فدخلت بعض خيوله فيها، وصاح صاحبها بالمعتضد، فأحضره وسأله عن سبب صياحه، فقال: ثلاثة من غلمانك نزلوا المقثأة فأخربوها، فأمر عبيده بإحضارهم، فضرب أعناقهم ومضى وهو يحدّثني، ثم قال: أصدقني يا عبد الله ما الذي ينكر الناس علي من أحوالي؟ قلت: تسفك الدماء كثيرا، فقال: ما سفكت دما حراما قط منذ ولّيت الخلافة، / فقلت: لم قتلت أحمد بن الطيّب؟ فقال: إنه دعاني إلى الإلحاد، وظهر لي منه الإلحاد فقتلته لنصرة الدّين، قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثاة الآن بم استحللت دماءهم ولأي شيء قتلتهم؟ فقال: والله ما قتلتهم وإنما أحضرت ثلاثة من قطاع الطريق وأوهمت الناس أنهم هم الذين نزلوا المقثأة وأمرت بضرب أعناقهم، (ثم انه أحضر صاحب الشرطة فأمره بإحضار الثلاثة الذين نزلوا المقثأة فأحضرهم بأنفسهم وشاهدتهم، ثم أمر بإعادتهم إلى الحبس) (١٤٩). وهكذا ينبغي تدبير السياسة وإظهار النصفة وتخويف الجند وإرهابهم، وأبطل المواريث مما كانوا يأخذونه ظلما، وكتب به إلى الآفاق لأنه كان لا يصل لصاحب الحقّ إلاّ بعض حقّه وبعض ذلك باق في بعض البلاد خصوصا مصر، وكان من قضاته أبو خارم (١٥٠) بالخاء المعجمة والراء المهملة، وهو من أكابر العلماء وأهل الدّين والتّقوى، فكان من بعض ثباته في الدين أن شخصا انكسر عليه مال كثير وثبت عليه ذلك عند القاضي المذكور، فأمر بتوزيع ماله على الغرماء بالمحاصّة، وكان قد انكسر على ذلك المديون مال للمعتضد أيضا، فأرسل للقاضي يطلب أن يشركه مع الغرماء

стр. 256

بالمحاصّة ويقول: اجعلني كأحدهم، فقال: لا أحكم لمدع بدون بينة عادلة، فأرسل وكيلا وبيّنة أرضاها فتكون كأحدهم، فأمر المعتضد شهودا يشهدون عند القاضي وكانوا من أكابر أمرائه فما حضر أحد منهم إلى القاضي / خوفا من ردّ شهادتهم، فلم يحكم القاضي للمعتضد فأعجب من ديانته وعدم ميله (١٥١) وما أحوج زماننا إلى قضاة مثل هذا خصوصا في أطراف البلاد، يقول الحقّ ويثبته ولا يميل لخواطر الخلق. وتوفي المعتضد - رحمه الله تعالى - يوم الإثنين لثمان بقين من ربيع الآخر سنة تسع (١٥٢) وثمانين ومائتين (١٥٣)، فكان مدة ملكه تسع سنين وتسعة أشهر ونصفا (١٥٤). المكتفي بالله وظهور القرامطة: ثم تولّى بعده ولده أبو محمد علي ولقّب المكتفي بالله وأخذت له البيعة قبل موت أبيه بثلاثة أيام، وكان المكتفي غائبا بالرّقة، فقام له بالبيعة الوزير القاسم بن عبيد الله (١٥٥)، وكتب إليه فوصل إلى بغداد من الرقّة لثمان خلون (١٥٦) من جمادى الأولى، وكان حسن السيرة ففرح الناس بخلافته ودعوا له. ومن أعظم الحوادث في أيامه ظهور القرامطة الملحدين (١٥٧)، الكفرة المفسدين، فأول من خرج منهم يحيى [بن زكرويه] (١٥٨) بن مهرويه القرمطي (١٥٩) ومحل ظهورهم ودار ملكهم هجر، وهم طائفة يستحلون دم الحجّاج والمسلمين، يزعمون أن الإمام الحقّ بعد النبيء ﷺ محمد بن الحنفيّة بن علي بن أبي طالب (١٦٠) - رضي الله تعالى عنهما -

стр. 257

فينتسبون إليه بالباطل، وينسبون إليه أقاويل لا أصل لها، ويكفّرون من عاداهم ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ (١٦١)، طغاة بغاة فجرة، ولمّا أظهر يحيى القرمطي الخروج، جهّز المكتفي له جيشا واستمرّ القتال بين الفريقين إلى أن قتل القرمطي، فقام بعده أخوه / الحسين القرمطي، وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته، وظهر ابن عمّه عيسى بن مهرويه وتلقّب بالمدّثر، وزعم أنه المراد في السورة الشريفة القرآنية (١٦٢) ولقّب غلاما له «بالمطوّق بالنّور»، وتسمّى بأمير المؤمنين، وزعم أنه المهدي، ودعا لنفسه على المنابر، وأفسد بالشّام وعاث، فحوربوا وقتل الثلاثة وطيف برؤوسهم في البلاد سنة إحدى وتسعين ومائتين (١٦٣)، وخلف من بعدهم خلف ظهرت منهم مفاسد يأتي تفصيلها إن شاء الله. وكانت مدّة خلافة (١٦٤) المكتفي تسعة أعوام ونصفا (١٦٥)، فلمّا أيقن بالموت سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد فقيل له: قد احتلم، فجعله وليّ عهده ولقّبه «المقتدر» وبويع له على أن يكون الخليفة بعده (١٦٦)، قال الصّولي: «سمعت المكتفي يقول في علّته التي مات فيها: والله ما أسفي إلاّ على سبعمائة ألف دينار صرفتها من بيت مال المسلمين في أبنية وعمارات لا أحتاج إليها» (١٦٧). ومن جملة مخلّفاته مائة ألف ألف دينار عينا، وأمتعة وعقارات وأوان، فمن جملة الأمتعة سبعون ألف ثوب ديباج، وكانت وفاته ليلة الأحد لاثنتي (١٦٨) عشرة ليلة خلت من ذي القعدة الحرام سنة خمس وتسعين ومائتين (١٦٩). المقتدر بالله وقيام أبي طاهر القرمطي: وولّي بعده أخوه أبو الفضل جعفر المقتدر بالله ابن المعتضد باستخلاف أخيه، بايعه الناس وعمره ثلاثة عشر عاما.

стр. 258

وولّي الخلافة ثلاث مرات: هذه الأولى / فتغلّب عليه الجند لصغر سنّه فخلعوه وعقدوا البيعة لأبي العباس عبد الله بن المعتزّ بن المتوكّل بن المعتصم، ولقّبوه «الراضي بالله» (١٧٠) وبايعوه لعشر بقيت من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين (١٧١)، وخلع من يومه فكانت الأولى إسقاطه من الخلفاء ولكن ذكر لفضله، قال المعافى بن زكرياء: لما بويع ابن المعتز دخلت على شيخنا محمد بن جرير الطّبري المحدّث المشهور فقال لي: ما الخبر؟ فقلت له: بويع بالخلافة لعبد الله بن المعتز، قال: فمن رشّح لوزارته؟ قلت: محمد بن داود قال: فمن قاضيه؟ قلت: أبو المثنى، فأطرق قليلا ثم قال: هذا أمر لا يتمّ، قلت ولم؟ قال: كلّ أحد ممّن ذكرت ذو شأن عظيم متقدّم في علمه وفضله، وإن الدّنيا مولّية والزّمان مدبر، ولا مناسبة لأحد ممن ذكرت برئاسة في مثل هذا الزّمان، وما أرى هذا العقد إلاّ إلى الإنحلال، فقدّر الله أنهم خلعوه في ذلك اليوم (١٧٢). فإن عبد الله بن المعتز لمّا عقدت له الخلافة أرسل إلى المقتدر يأمره بإخلاء دار الخلافة (١٧٣)، وأن يذهب إلى دار محمد بن طاهر لينظر في أمره، فلمّا جاء الرسول إلى المقتدر وبلّغه الرّسالة قال: ليس له عندي جواب إلاّ السّيف، ولبس السلاح وركب معه جماعة قليلة من خدمه وهم مستسلمون للقتال في غاية الخوف والرّعب، وهجموا على عبد الله بن المعتز فهاله ذلك وألقى الله في قلبه / الرعب فانهزم هو ووزيره (١٧٤) وقاضيه، وكلّ من في ديوانه ظنا أن خلف هؤلاء أعوانا وأنصارا، وقبض المقتدر على عبد الله بن المعتز (١٧٥) وعلى بعض الأمراء والفقهاء، فقتل منهم من أراد وحبس عبد الله بن المعتزّ ثم أخرج من الحبس ميّتا واستقام الأمر للمقتدر. وهذه ثاني ولايته: فسار أحسن سيرة واستقام أمره بعد الإضمحلال، واستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات (١٧٦) فسار أحسن سيرة، واستقرّ في الخلافة إلى سنة سبع عشرة وثلاثمائة (١٧٧).

стр. 259

فخرج مؤنس الخادم (١٧٨) على المقتدر، فركب ومعه الجيش والأمراء وجاءوا إلى دار الخلافة فهرب خواص المقتدر من داره ونهبوا دار الخلافة، فكان مما نهبوا ستمائة ألف دينار لأم المقتدر فأشهد المقتدر على نفسه بالخلع لأربع عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة سبعة عشر وثلاثمائة (١٧٩) وأحضر أخوه أبو منصور محمد بن المعتضد بن الموفّق بن المتوكّل ابن المعتصم، وبايعه مؤنس والأمراء ولقّبوه «القاهر بالله» وفوّضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة الكاتب المشهور، وجلس القاهر يوم السبت فكتب ابن مقلة (١٨٠) إلى سائر البلاد، وعمل يوم الإثنين الديوان، فجاء الجند يطلبون منه انعام الجلوس، فارتفعت الأصوات، فمنعهم الحاجب من الدخول إلى الخليفة، فقتلوه ومالوا إلى دار مؤنس وأخرجوا المقتدر من الحبس، وحملوه على أعناقهم إلى دار الخلافة، وجلس على السّرير / وأتوا بأخيه محمّد القاهر إليه وهو مقهور يبكي، ويقول: الله الله يا أخي في روحي (١٨١)، فاستدناه المقتدر وقبّله بين عينيه وقال له: يا أخي لا ذنب لك، وأنت مغلوب على أمرك والله لا ينالك مني ما تكره فطب نفسا وقرّ عينا. ولمّا زال روعه آوى إليه أخاه وقال: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٨٢) وبذل المقتدر الأموال للجند واسترضاهم وثبتت له الخلافة. وهذه المرّة الثالثة: وهي الثابتة لآخر عمره، وكان كثير الجود والعطاء في الحجّ وغيره بشيء خارج عن المعتاد، وله أبهة عظيمة، فمن ذلك أنه قدمت عليه رسل ملك الرّوم بهدايا يطلب الهدنة، فعمل المقتدر موكبا عظيما لإرهاب العدو (١٨٣) فأقام مائة وستين ألف مقاتل بالسّلاح الكامل سماطين من باب الشّماسية إلى دار الخلافة بتعداد يمرّ الرسل بينهما في هذه المسافة، وأقام بعدهم الخدّام وهم سبعة آلاف خادم، ثم الحجّاب وهم سبعمائة حاجب، وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانمائة وثمانين ألف ستر من الدّيباج، وكانت البسط التي فرشت على الأرض اثنين وعشرين ألف بساط، وفي الحضرة مائة سبع بسلاسل الذّهب والفضّة ومن ذلك برد فيه شجرة

стр. 260

صيغت من الذهب والفضّة والجواهر، تشتمل على ثمانية عشر غصنا أوراقها من الذّهب والفضّة وأغصانها تتمايل بحركات مصنوعة، وعلى الأغصان طيور من ذهب وفضة تنفخ فيها الريح، فيسمع لكلّ طير / تغريد وصفير خاص. وفي أيام المقتدر كان ظهور أبي طاهر القرمطي (١٨٤) في عسكر جرّار، فدخلوا بخيلهم وسلاحهم إلى المسجد الحرام، ووضعوا السّيف في الطّائفين والمصلّين والناس مجرّدون محرمون في إحراماتهم، إلى أن قتلوا في المسجد الحرام ومكّة وشعابها ثلاثين ألف إنسان، وركض أبو طاهر بسيفه مشهورا في يده وهو سكران يصفّر بفرسه عند البيت الحرام، فبال وراث والحجّاج يطوفون حول البيت العتيق والسّيوف تنوشهم، فقتل في المطاف الشريف ألف وسبعمائة طائف وطمي بأشلاء الشهداء بئر زمزم (١٨٥) وما بمكة من آبار وحفر قد ملئت بهم، وطلع أبو طاهر إلى الكعبة وقلع بابها وهو يقول: [رمل] أنا بالله وبالله أنا ... نخلق الخلق وأفنيهم أنا وصاح في الحجّاج «يا حمير أنتم تقولون ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ (١٨٦) فأين الأمن؟ وقد فعلنا ما فعلنا» فأخذ شخص بلجام فرسه فقال وقد استسلم للقتل: معنى الآية الشريفة ليس ما ذكرت، وإنما معناها من دخله فأمّنوه، فلوى أبو طاهر عنان فرسه عنه ولم يلتفت إليه وصانه الله تعالى ببركة بذل نفسه في سبيل الله وتوكّله عليه، وأراد قلع الميزاب وكان من ذهب فأطلع قرمطيا ليقلعه (١٨٧) فأصيب بسهم من أبي قبيس فما أخطأ نحره وخرّ ميتا وأمر آخر مكانه فسقط من فوق إلى أسفل على رأسه ميتا، فهاب الثالث الإقدام على القلع / فمضى أبو طاهر وتركه على رغم أنفه، وقال: أتركه حتى يأتي صاحبه، أعني المهدي الذي يزعمون أنه يخرج فيهم، وقتل من فقهاء المذاهب وعلماء الأمة وأعيان الصّوفية ومن الحجّاج الأفاقية: مغاربة وخرسانيين وما بين ذلك، ما لا يحصى ولا يعدّ ولا يستقصى، وسبيت نساؤهم وذراريهم، ونهبت دور أهل مكّة حتى افترقوا بعدها، ولم يقف بالجبل هذه السنة إلاّ نفر يسير فوقفوا بدون إمام، سمحوا بأنفسهم ابتغاء مرضاة الله

стр. 261

فسلّمهم الله حتى أكملوا حجّهم، وأخذ أبو طاهر خزائن الكعبة وما فيها من الذّهب والفضّة وكسوة الكعبة وحليتها مع ما نهبوه من الحجّاج فقسّمه في أصحابه، وأراد أخذ مقام إبراهيم فغيّبه السّدنة في بعض شعاب مكّة فتألّم ودعا جعفر بن أبي سلاح البنّاء وأمره بقلع الحجر الأسود من محلّه فقلعه بعد العصر يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة وصار يتردّد فيه بقوله - قاتله الله -: [طويل] فلو كان هذا البيت لله ربّنا ... لصبّ علينا النار من فوقنا صبّا لأنا حججنا حجّة جاهلية ... محلّلة لم تبق شرقا ولا غربا وإنا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا تبغي سوى ربّها ربّا وقلع ذلك الكافر قبّة زمزم وباب الكعبة وأقام بمكّة أحد عشر يوما وقيل ستة أيام، ثم انصرف إلى بلد هجر وحمل / معه الحجر الأسود (١٨٨) يريد أن يحوّل الحجّ إلى مسجد ضرار الذي سمّاه دار الهجرة وعلّقه في الأسطوانة السّابعة مما يلي حجرة الجامع الغربيّة من المسجد، وبقي موضح الحجر الأسود من البيت الحرام خاليا يضع الناس أيديهم فيه ويلثمونه تبرّكا بمحلّه، وأمر هذا الفاجر أن يكتب لعبيد الله المهدي أول الخلفاء المهديين الفاطميين القائم بالمغرب، - حسبما يأتي إن شاء الله شرح حاله - وكان أول ظهوره، فبلغ ذلك عبيد الله المذكور فكتب إليه: «إن أعجب العجب إرسالك بكتابك إلينا ممتنا بما ارتكبت في بلد الله الأمين من انتهاك حرمة بيت الله الحرام الذي لم يزل محترما جاهلية وإسلاما، وسفكت فيه دماء المسلمين، وفتكت بالحجّاج والمعتمرين، وتجرّأت وتعدّيت على بيت الله الحرام، وقلعت الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده وحملته إلى أرضك، ورجوت أن أشكرك، فلعنك الله ثم أبعدك الله، والسلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده، وقدم في يومه ما ينجو به في غده»، فلمّا وصل كتاب عبيد الله المهدي إلى أبي طاهر القرمطي، وعرف ما فيه انحرف عن طاعته واستمرّ الحجر عندهم أكثر من عشرين سنة (١٨٩)، يستجلبون به الناس طمعا أن يحوّل الحجّ إلى بلدهم، ويأبى الله ذلك، وهذه من أعظم مصائب الإسلام، / واستمرّت حسرتها في

стр. 262

قلوب أهل الإيمان إلى أن دمّر الله تلك الطائفة، وابتلى الله أبا طاهر هذا بأكلة فصار يتناثر لحمه بالدّود ومات أسوا ميتة بعد أن عذّب بأنواع العذاب ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ (١٩٠). ولمّا يئست القرامطة من تحويل الحجّاج حجّهم ردّوا الحجر الأسود إلى محلّه، وورد سنبر بن الحسن القرمطي إلى مكّة يوم النّحر يوم الثلاثاء عاشر ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة (١٩١) ومعه الحجر الأسود (١٩٢)، فلمّا بلغ الكعبة حضر معه أمير مكة أبو جعفر محمد بن الحسن بن عبد العزيز العبّاسي، فأظهر سفطا أخرج منه الحجر الأسود وعليه ضباط من فضّة في طوله وعرضه لضبط شقوق فيه، وأحضر معه جصّا يشدّه به، فوضع حسن بن المزوق البنّاء الحجر في مكانه الذي قلع منه، وقيل وضعه سنبر بيده، وقال: أخذناه بقدرة الله تعالى وأعدناه بمشيئته، وقد أخذناه بأمر ورددناه بأمر، ولمّا أعيد الحجر الأسود إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن، وكان لمّا ذهبوا به مات تحته أربعون جملا، وكانت مدّة استمراره عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلاّ أربعة أيام، وكان المنصور بن القائم بن المهدي العبيدي، أرسل أحمد بن أبي سعيد القرمطي - أخا طاهر - بخمسين ألف دينار ذهبا في الحجر الأسود لردّه فلم يفعل، وكذا بذل بجكم التّركي مدبّر الخلافة خمسين ألف دينار للقرامطة على ردّ الحجر فأبوا، وقالوا: أخذناه بأمر ولا نردّه إلاّ بأمر / حتى أراد الله ردّه فردّ، ثم إن الحجبة خافوا على الحجر الأسود من استطالة يد خائن إليه لعدم استحكام بنائه فقلعوه وجعلوه في البيت العتيق حفظا له، ثم أمروا صانعين فصنعا له طوقا من فضّة وزنه ثلاثة آلاف وسبعة وثلاثون درهما، فطوّقوا به الحجر وشدّوا عليه به وأحكموا بناءه في محلّه كما كان كذلك قديما وكما هو الآن. ثم إن المقتدر وقع بينه وبين مؤنس حرب (١٩٣) فتوغل في المعركة فضربه واحد من البربر من خلفه فسقط إلى الأرض، فقال لضاربه: ويلك أنا الخليفة، فقال: أنت المطلوب، فذبحه بالسّيف سنة عشرين وثلاثمائة (١٩٤) ورفع رأسه على الرمح وسلب ما عليه

стр. 263

وحفر له ودفن وأخفى أثره، فكانت مدة خلافته من أولّها أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وستة عشر يوما (١٩٥). القاهر بالله والراضي بالله: وولّي مكانه أخوه أبو منصور محمد بن المعتضد، ولقّب القاهر بالله، ثم سملوا عينيه (١٩٦). وجاءوا بأبي العباس محمد (١٩٧) بن المقتدر بالله بن المعتضد ولقبه «الراضي بالله»، وبايعوه سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة (١٩٨). المتقي بالله: وبويع لأخيه أبي العباس (١٩٩) إبراهيم بن المقتدر بعده، ولقّب «المتقي بالله» (٢٠٠) [وذلك سنة تسع وعشرين وثلاثمائة] (٢٠١). وقبض عليه توزون التركي، وسمل عينيه في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة (٢٠٢) [وخلعه] (٢٠٣). المستكفي بالله: وبويع بعده لابن عمّه أبي القاسم عبد الله بن المكتفي بالله بن المعتضد بالله، ولقّب «المستكفي بالله» واستمرّ في خلافته سنة واحدة، وقبض عليه معز الدولة بن بويه، وسمل

стр. 264

عينيه [وخلع في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة] (٢٠٤)، وضمّه إلى / المتّقي بالله والقاهر بالله وصاروا ثلاثة أثافي (٢٠٥) في العمي. المطيع لله: وولّي الخلافة أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد، ولقّب «المطيع لله» وبويع له بالخلافة في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان ردّ الحجر الأسود من بلاد هجر إلى الكعبة في أيام المطيع هذا، وتمّ أمره على ضعف الخلافة واستيلاء بني بويه على الملك، وطالت أيّامه إلى أن خلع نفسه [في منتصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين] (٢٠٦). الطائع لله: وبويع لولده أبي الفضل عبد الكريم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة (٢٠٧)، ولقّب «الطائع لله»، وكان مغلوبا عليه من قبل أمرائه، وما كان له من العظمة إلاّ ظاهرا لا غير، بحيث لما ورد في سنة تسع وستين وثلاثمائة (٢٠٨) رسول العزيز بالله بن المعز العبيدي صاحب مصر إلى بغداد، سأل عضد الدولة بن بويه وهو يومئذ ملقّب بالسّلطنة من الطّائع وبيده أمر المملكة أن يزيد في ألقابه، ويقال له «تاج الملّة» ويجدّد له الخلع ويلبسه التاج فأجابه إلى ذلك، فجلس الطّائع على سرير عال، وأوقف حوله مائة سيف مسلول وبين يديه مصحف عثمان - رضي الله تعالى عنه - وعلى كتفه بردة النّبي ﷺ وبيده قضيبه ﷺ متقلّدا سيفه ﷺ وكان جميع ذلك مما يتوارثه الخلفاء ويجعلونه

стр. 265

لمواكبهم العامة، واحتجب بستارة عالية حتى لا يقع عليه نظر الجند قبل رفع الستارة، وحضر الجند من الأتراك والدّيلم، ووقف / أرباب المراتب صفين، ثم أذن لعضد الدولة فدخل، ثم رفعت الستارة وقبّل الأرض، ودخل رسول العزيز صاحب مصر فهاله ما رأى وارتاع وقال لعضد الدولة: هذا (٢٠٩) هو الله؟ فقال له: بل هو خليفة الله في أرضه ثم استمرّ عضد الدولة يمشي ويقبّل الأرض سبعا، فالتفت الطائع إلى خادمه المقرّب منه واسمه خالص وقال له: استدنه وقرّبه، فصعد عضد الدولة وقبّل الأرض دفعتين وقال له الطائع: أدن إلي، فدنا وقبّل رجله، فثنى الطائع يمينه عليه وأمره فجلس على كرسي وضع له قريبا من السّرير، فاستعفى عضد الدولة من ذلك، فأقسم عليه فجلس وقبّل الكرسي لمّا جلس عليه، فلمّا استقرّ جالسا قال له الطائع: قد فوّضت إليك ما وكّل الله إليّ من أمور الرعية في مشرق الأرض ومغربها فقال: يعينني الله على طاعة أمير المؤمنين وقبّل الأرض فأمر أن يفاض عليه سبع خلع فأفيضت عليه وهو يقبّل الأرض في كلّ واحدة، وانصرف فانصرف الناس خلفه وقد هالهم ما رأوه واستعظموا ما شاهدوه، وما كانت هذه العظمة إلاّ صورة صناعية لا حقيقة لها. فإن السّلطنة لمّا آلت إلى أبي نصر (٢١٠)، ركب الطائع إليه وخلع عليه سبع خلع فأفيضت عليه، وطوّقه بطوق مجوهر وسوّره بسوارين ولقّبه «بهاء الدولة» و «ضياء الدولة» (٢١١) في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة (٢١٢). [وفي محرّم سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة] (٢١٣) جاء بهاء الدولة إلى الطائع / وقبّل الأرض بين يديه، وأمر خدّامه من الدّيلم فجذبوا الطائع من سريره ولفّوه في كساء وأمره بهاء الدولة أن يخلع نفسه ففعل.

стр. 266

القادر بالله: وأتي بأبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر، ولقبه «القادر بالله» (٢١٤) وبويع له بالخلافة لعشر مضين من رمضان (٢١٥) من ذلك العام، وكان على غاية من العبادة والدّيانة والصّيانة والفضل، صنّف كتابا في الردّ على القائلين بخلق القرآن، وأمر أن يقرأ في كلّ جمعة في حلق أصحاب الحديث [بجامع المهدي] (٢١٦) بحضرة الناس، وعدّه ابن الصلاح في كبار الشافعية وذكره في طبقاته، وطالت مدة خلافته حتى نيفت على إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر [وعشرون يوما] (٢١٧) وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (٢١٨). القائم بأمر الله: وولّي بعده بعهد منه ولده أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، ولقّب «القائم بأمر الله» وكان خيّرا ديّنا، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بحضرة الإمام الكبير الولي الشهير، أبي إسحاق الشيرازي أحد أئمّة الشّافعية، وكان خير خلفاء بني العباس وصالحهم، ومن جملة صلاحه وبركته أن السّلطان ملك شاه من آل سبكتكين قصد أن يتحكّم عليه ويظهر له الحيف والخلف على الخليفة المذكور، فأرسل إليه وهو يقول: لا بدّ أن تترك لي بغداد، وتذهب إلى أيّ بلد شئت، فأرسل الخليفة إليه يتلطّف له في ذلك، فأبى إلاّ شدّة وغلظة، فقال لرسوله: اسأله / المهلة لي ولو شهرا، فأبى وقال: ولا ساعة، فأرسل إلى وزيره فاستمهله عشرة أيام فأمهله، فصار الخليفة يصوم النهار ويقوم الليل، ويتضرّع إلى الله ، ويضع خدّه على التّراب ويناجي ربّ الأرباب، ويدعو على ملك شاه، فنفذ دعاؤه فهلك السلطان ملك شاه قبل مضي العشرة أيام، وكانت وفاة الخليفة القائم بأمر الله في [الثالث عشر من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة (٢١٩) وولّي

стр. 267

بعده ابنه المقتدي بأمر الله، عبد الله بن محمّد وتوفي في خامس عشر المحرّم] (٢٢٠) سنة سبع وثمانين وأربعمائة (٢٢١). المستظهر بالله: وولّي بعده ولده أبو العباس أحمد ولقّب «المستظهر بالله» بويع له بالخلافة يوم موت أبيه (٢٢٢)، وكان كريم الأخلاق حافظا للقرآن، عالما فاضلا، وكان قد غلب عليه سلاطين آل سلجوق، ومدّة خلافته أربع وعشرون سنة وثلاثة أشهر، وتوفي يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الآخر (٢٢٣) سنة اثنتي عشرة وخمسمائة (٢٢٤). المسترشد بالله: وولّي بعده ولده أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله، ولقّب «المسترشد بالله»، وبويع له بالخلافة يوم مات والده، وكان شجاعا ديّنا مشغولا بالعبادة، حفظ القرآن والحديث (٢٢٥) وخرج لقتال مسعود بن محمد (٢٢٦) بن ملك شاه السّلجوقي، فلم يقاتله معه أحد (٢٢٧) إلى أن قتل في ذي القعدة الحرام سنة تسع وعشرين وخمسمائة (٢٢٨).

стр. 268

الراشد بالله: وولّي بعده ولده أبو جعفر المنصور ولقّب «الراشد بالله»، بويع به بالخلافة يوم قتل أبيه، ولم تطل مدّته بل قبض عليه السّلطان مسعود بن محمد (٢٢٦ /، وخلعه من الخلافة يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة الحرام (٢٢٩) سنة ثلاثين وخمسمائة (٢٣٠) (وخلعه، وقتل فيما بعد) (٢٣١). المقتفي لأمر الله: وولّي عمّه أبا عبد الله محمّد بن المستظهر بالله، ولقبه «المقتفي لأمر الله» بويع له يوم خلع ابن أخيه، وكان عالما فاضلا حسن السيرة والأخلاق، شجاعا، توفي يوم الأحد لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة (٢٣٢). المستنجد بالله: وولّي بعده ولده المظفّر يوسف ابن المقتفي ولقّب «المستنجد بالله»، بويع له يوم وفاة أبيه، وتوفي ﵀ يوم تاسع ربيع الثاني (٢٣٣) سنة ست وستين وخمسمائة (٢٣٤).

стр. 269

المستضيء بالله: وولّي بعده ولده أبو محمد الحسن بن المستنجد، ولقّب «المستضيء بالله»، بويع له يوم وفاة أبيه، وكان حسن السّيرة كريم النفس، أسقط المكوس في أيامه في جميع مملكته، وكثر الثناء عليه، وتوفي مستهلّ (٢٣٥) ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٢٣٦). الناصر لدين الله: وولّي بعده ولده أبو العباس أحمد ولقّب «الناصر لدين الله»، بويع له بالخلافة [إثر] (٢٣٧) موت أبيه، وفي أيامه [زادت قوة] (٢٣٨) السلطان صلاح الدّين بن أيّوب المستخلص لبيت المقدّس من أيدي الإفرنج، المستولي على مصر والشام، المزيل للدولة الفاطمية (٢٣٩) المعيد للخطبة بمصر للدولة العباسية، فخطب بها للناصر (٢٤٠) /، وطالت مدة الناصر العباسي (٢٤١)، وكان قبيح السيرة في رعيته، (فأحيى رسوم الخلافة،

стр. 270

وامتلأت الأرض من هيبته، وكان ذا فكرة صائبة، وكانت أيامه من غرر الزمان) (٢٤٢)، وكانت وفاته سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة (٢٤٣). وولّي بعده ولده محمد بن الناصر ولقّب الظاهر [بأمر] الله، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بعهد منه إليه، فأظهر العدل والإحسان، وأبطل المكوس، وكان العمّال يكيلون بكيل زائد للديوان على ما يكيلون به للناس، فأبطل الظاهر ذلك، وكتب إلى وزيره ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٢٤٤) ﴿الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (٢٤٥) إلى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٤٦) فقال الوزير إن تفاوت الكيل يتوفر عليه ثلاثون ألف دينار، فأعاد الجواب إليه أنه يبطل ولو بلغ ثلاثمائة ألف دينار، وفرّق ليلة عيد النحر على الفقراء مائة ألف دينار، فلامه الوزير على ذلك، وقال: اتركني أفعل الخير فإني لا أدري كم أعيش فلم يلبث أن توفاه الله في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة (٢٤٧). المستنصر بالله: وولّي بعده ولده أبو جعفر المنصور بن الظّاهر، ولقّب «المستنصر بالله» (٢٤٨) بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فنشر العدل وقرّب أهل العلم، وبنى المساجد والربط والمارستانات والمدارس، وهو الذي بنى المدرسة المستنصرية (٢٤٩) ببغداد التي لم يبن مثلها

стр. 271

في مدائن الإسلام، ولم يوجد في المدارس أكثر كتبا منها ولا أكثر أوقافا عليها، وكان لهذه المدرسة / أربعة مدرّسين يدرّسون فيها المذاهب الأربعة، ورتّب فيها الخبز واللّحم والفاكهة وكسوة الشتاء والصيف، وأوقف على ذلك ضياعا وقرى كثيرة، وجعل عليها ثلاثين قيّما وكانت مدارس بغداد يضرب بها الأمثال في ارتفاع العماد وسعة الطّعام والشّراب، وقد حكي أن أول مدرسة بنيت في الدنيا مدرسة نظام الملك في بغداد، فبلغ علماء ماوراء النهر هذا الخبر، فاتّخذ العلماء مأتما وحزنوا على سقوط حرمة العلم، فسئلوا عن ذلك فقالوا: إن العلم ملكة شريفة وحلية لطيفة، لا تطلبه إلاّ النّفوس الفاضلة الشّريفة لمادة الشّرف الذّاتي والمناسبة الطبيعية، ولما جعل عليه أجرة، طلبته النفوس الرّذيلة وجعلته مكسبا لحطام الدّنيا، وتزاحمت عليه لا لتحصيل شرف العلم، بل لتحصيل المناصب الدّنيوية الفانية، فرذل العلم برذالتهم، ولم يشرفوا بشرفه، أنظر إلى علم الطبّ فإنه مع كونه علما شريفا، طلبه أرذال اليهود فرذل برذالتهم، ولم يشرف أرذال اليهود بشرف علم الطبّ، وهذا حال أكثر طلبة العلم في هذه الأعصار الفاسدة، وهذا شأن طلاّب هذه العلوم المتداخلة في هذا السّوق الكاسد الخاسر تجارّه، فإنك ترى أكثرهم مع دأبه في الطّلب وانكبابه على فنون العلم والأدب يزداد كلّ وقت / عجبا وكبرا، ويتعاظم على كلّ أحد بهاء وفخرا، ولم ينتقل عن الأخلاق الرذيلة ولو اكتسب من العلم ما اكتسب من الفضيلة، وقلّما يتحلّى أحد منهم بحلي الأخلاق الحسنة الجميلة والمزايا الجليلة، وما ثمرة كسب العلوم غير التّخلق بحسن الأخلاق، والعمل بطيب الأصول والأعراق. وهذا المستنصر (*) هو الذي دعا له (٢٥٠) بالأندلس الأمير أبو عبد الله محمد بن هود (٢٥١) ووصلت إليه من قبله الخلعة والرّاية وغير ذلك من طرائف العراق، وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة (٢٥٢).

стр. 272

المستعصم بالله: وولّي (٢٥٣) بعده ابنه أبو فهر (٢٥٤) عبد الله بن المستنصر ولقّب «المستعصم بالله»، فكانت أيامه خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما، وهو آخر الخلفاء العباسية ببغداد (٢٥٥). فعدة الخلفاء العباسية بعد انقراض بني أمية ثمان وثلاثون وإن ضمّ إليهم محمد وإبراهيم الأولان كانوا أربعين. التتار: وفي سنة ست وخمسين وستمائة تحرك خاقان التتار (٢٥٦) لأخذ بغداد من يد المستعصم بالله، وسبب ذلك أن محمد بن محمد بن عبد الملك العلقمي صار وزيرا للمستعصم، وكان رافضيا سبابا للشيخين، مستوليا على المستعصم عدوا له ولأهل السنة، يوافقهم في الظاهر وينافقهم في الباطن، وكان قصد بتدبيره إزالة خلافة بني العباس وجعل الخلافة في الشيعة، فطمس آثار أهل السنة وأطفأ نورهم، ورفع منار البدعة، فجعل يسعى في توقيف أمرائها وتعمير ديارها وذلك بمكاتبة / هولاكو خان آخر السلاطين المغولية وأولهم جنكز خان (٢٥٧)، كان خروجه سنة تسع وتسعين وخمسمائة (٢٥٨). وأصل هذا الجنس أنهم ترك رحالة يسكنون الخيام من اللبود لشدّة برد بلادهم،

стр. 273

واكثر دوابهم الخيل قوتهم الأرز ولحوم الخيل وألبانها، وكلّ من ملكهم يسمّى خان، وهم من بقايا ياجوج وماجوج، سمّوا تركا لأن الإسكندر تركهم خارجين عن سدّ ياجوج وماجوج، قيل مسيرة مساكنهم ثمانية أشهر طولا في مثلها عرضا، متهارجون كالحيوان الهاملة لا يجمعهم دين ولا حاكم، وهم طوائف يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا، يعبدون الأوثان والشمس والنجوم والجن، لباسهم جلود الكلاب، فأول ملوكهم الأخباث، رأس الخبث جنكز خان، اسم قبيلته قتاة. وفي مسالك الأبصار (٢٥٩) أن جدّة جنكز امرأة اسمها مودنجة (٢٦٠) مات زوجها فحملت بعده، فأنكروا عليها، فقالت: كنت ذات يوم فرأيت نورا دخل في فرجي ثلاث مرات، وان في بطني ثلاثة ذكور، فوضعت ثلاثة كما قالت، فصدّقوها، أحد الثلاثة اسمه برقد (٢٦١)، والثاني قونا (٢٦٢)، والثالث نجعو (٢٦٣) وهو جدّ جنكز خان (٢٦٤)، وابتداء أمره أنه خدم عند ملوك الخطأ المسمّى أزبك خان (٢٦٥)، فقرّبه وأدناه فحسده الوزراء حتى أثّر كلامهم فيه، فتبعه حتى كبر أزبك خان فقتله واحتوى على جميع كنوزه سنة تسع وتسعين وخمسمائة (٢٦٦)، ثم تقوّى فقصد ملك الصين بعدد كالرمال، فقبض عليه سنة / إحدى وستمائة (٢٦٧)، وكان أمّيا لا يقرأ ولا يكتب، فأسّس قواعد سياسته يذعن لها العقلاء، ثم قهر ملوك الأرض قياصرة وأكاسرة، وعسكره من كلّ

стр. 274

ملّة، وكان يعظّم علماء كلّ ملّة مسلمين ويهود ونصارى ومجوس، فلم يتعرّض لأحد في دينه، ولم يكن لقومه ملّة ولا كتاب، فأمر أكابره فوضعوا له قلما يسمّى «قلم العقل»، وجعلوا له كتابا يسمّى «إلياسي الكبير»، فجعل له ملّة على ما خيّل له شيطانه، فمن أحكامه صلب السّارق وخنق الزاني، وان شهد عليه واحد، وان السابق بالشكوى على الحق مطلقا، واستعباد الأحرار، وعدم العدة، ونكاح الرجل ما شاء فلا ينحصر في أربع، والأخذ بقول الجواري والصبيان، وغير ذلك من الأوهام، وكرسي مملكته قراقروم، ولمّا استقرّ أمره توجّه لمحاربة السّلطان خوارزم شاه (٢٦٨) من سلاطين الخلفاء العباسية، وقاتله مرارا حتى غلبه وقتله (٢٦٩)، ثم خرج بعساكره المختلطة من كلّ الأديان واستولوا على ما توجّهوا إليه من بلاد الإسلام حتى انتهوا إلى بخارى سنة سبع عشرة وستمائة (٢٧٠)، فجمع العلماء والعباد والصّلحاء والزهاد، ودخل جنكز خان المدينة حتى انتهى إلى باب الجامع فقال: هذا بيت السّلطان لما رأى من حسنه، فقالوا: بل بيت الرّحمان فنزل عن دابّته وكذلك جماعته، واستدعى الخمور والطّبول والمزامير، فجلس مع كفّاره في مجالس العلم والعلماء واستمرّوا على شرب الخمور، والعلماء حاضرون مقهورون، ثم أدخلوا الخيل / إلى المسجد الجامع وربطوا لها مرابط وبقيت الكتب والمصاحف تحت أرجل الخيل والحمير والبغال، ثم استخلص مال الناس وأمر بقتلهم وأسّر النساء والأطفال، ثم أمر بالنهب وهدّم البلاد، ثم توّجهوا لسمرقند وفعلوا بها كذلك، ثم استمرّ على عراق العجم فأهلكوا أمّهات الأمصار فضلا عن القرى ثم مات جنكز الخبيث بعد ما أهلك الأرض سنة أربع وعشرين وستمائة (٢٧١)، ومدّة ملكه ثلاثة وعشرون سنة. وخلّف عدة أولاد فرّق بينهم البلاد، وأوصى بالتخت لولده الصغير تولي خان (٢٧٢)، فقام أبناؤه الخباث على ما كان عليه أبوهم من التخريب والإفساد.

стр. 275

هولاكو وسقوط بغداد وانقراض الدولة العباسية: فلمّا مات طولي خان قام مقامه ولده هولاكو خان (٢٧٣)، وكان هولاكو أحد الدّجّالين الموعودين في الأخبار النبويّة، وكان كبار المغولية من المجوس أضلّوه وأعادوه بعد الإسلام إلى الملّة المجوسية فمال إليهم وأراد قلب الملّة الإسلامية إلى المجوسية، - ملّة أجداده والعياذ بالله -، فأراد الخروج على جميع البلاد الإسلامية، وسلّ السّيف على جميعها، فلمّا جلس على سرير الملك، قصد بغداد، وتواترت عليه الرسل من العلقمي ويطمعه في ملك بغداد، ويطالعه بأخبارها، ويعرّفه بصورة أخذها (٢٧٤) وضعف الخليفة وانحلال العسكر، وصار يحسن للمستعصم توفير الخزانة وعدم الصّرف على العسكر والإذن لهم بالتفرّق والذهاب أين شاؤوا / ويقطع أرزاقهم ويشتّت شملهم، بحيث أذن مرّة لعشرين ألف مقاتل أن يذهبوا أين أرادوا، ووفّر علوفاتهم للخزانة، وأظهر للمستعصم أنه وفّر من علوفاتهم خزائن أموال عظيمة توفّرت في بيت المال، فأعجب المستعصم رأيه وتوفيره وكان يحبّ المال ويجمعه وما علم أنه يجمعه لعدوّه فزحف هولاكو على بلاد الإسلام بعسكر جرّار، لا يعلم عدده إلاّ الله، وكان أقوى سلاطين الإسلام أولاد السلطان علاء الدين خوارزم شاه، وكان أبوهم يملك من العراق إلى بلاد المشرق، وكانت له قوّة وشوكة وعسكر وافر وجند متكاثر، فقاتلهم هولاكو مرارا وهو يكسّرهم إلى أن قتلهم هولاكو وبدّد ومزّق جنودهم (٢٧٥) وخيولهم قتلا وأسرا، واستباح كثيرا من بلاد الإسلام، وأهلك من فيها بالقتل العام، وصار هولاكو يجول (٢٧٦) الدّيار والمستعصم ومن معه في غفلة عنه لإخفاء ابن العلقمي عنه سائر الأخبار إلى أن وصل هولاكو إلى بلاد العراق، واستأصل من بها قتلا وأسرا، وتوجّه إلى بغداد، وأرسل إلى الخليفة يطلبه إليه، فاستيقظ الخليفة من نوم الغرور (٢٧٧) وندم على غفلته حيث لا ينفعه الندم،

стр. 276

وجمع من قدر عليه، وبرز إلى قتال هولاكو، فجمع من أهل بغداد وخاصة عبيده وخدّامه ما يقارب أربعين ألفا، لكنّهم مرفهون بلين الأنهار، ساكنون على شطّ بغداد في ظلّ ظليل، وماء معين / وفاكهة وشراب واجتماع أحباب وأصحاب، ما كابدوا حربا ولا دافعوا طعنا ولا ضربا، وعساكر التتار ينيفون على مائتي ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وسالب وباسل وفاتك وقاتل يثبون وثوب القردة، ويتشكّلون بأشكال المردة، يقطعون المسافات الطويلة في ساعات قليلة، ويخوضون الأوحال ويتعلّقون بالجبال، ويصبرون على العطش والجوع، ويهجرون الغمض والهجوع، ولا يبالون بالحرّ والبرد، والسّهل والوعر، والبرّ والبحر، طعامهم كفّ من شعير وشربهم (٢٧٨) حما البير، يكاد أحدهم يتقوّت بطرف أذن فرسه يقصّها ويأكلها نيّة ويصبر على ذلك أياما عديدة، ويكتفي هو وفرسه بحشيش الأرض مدة مديدة، فوقع المصاف والتحم القتال، وأوقد نار الحرب والنزال، وزحف الجيش للجيش في يوم الخميس عاشر محرّم الحرام سنة نيف (٢٧٩) وخمسين وستمائة، وثبت أهل بغداد مع ترفهم على حدّ السيوف، وصبروا على حرّ الحتوف، واستمرّوا كذلك من قبل الفجر إلى ادبار النهار، فعجزوا وفرغ الاصطبار فانكسروا شرّ انكسار، وولّوا الأدبار، وغرق كثير منهم في دجلة وقتل أكثرهم أفظع قتلة وأعقبهم التتار بالسّيف والنّار، ونهبوا الخزائن والأموال، فأخذ هولاكو بغداد (٢٨٠) واحتوى على ذخائرها فاستصفى النّقد، وأمر بإحراق الباقي، ورموا كتب مدارس بغداد في بحر الدجلة، فكانت لكثرتها / جسرا، يمرّون عليها ركبانا ومشاة، وتغيّر لون الماء بمداد الكتابة إلى السواد، وكانت هذه الفتنة من أعظم مصائب الإسلام، وسيق المستعصم هو وأولاده وأمراؤه إلى هولاكو أسارى ذليلين، فقرأ: فسبحان المعزّ المذلّ القادر القاهر تعالى شأنه وعزّ سلطانه، فاستبقى هولاكو الخليفة أيّاما إلى أن استصفى أمواله وخزائنه وذخائره

стр. 277

ودفائنه، ثم رمى رقاب أولاده دونه، وأمر أن يوضع الخليفة في غرارة وترفس إلى أن يموت، ففعل ذلك واستشهد ﵀ يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة ست وخمسين وستمائة (٢٨١)، وكانت القتلى من أهل بغداد ما ينيف على ألفي ألف وثلاثمائة ألف وثلاثين ألفا (٢٨٢) ممن قدّر الله له الشهادة من المؤمنين منهم ثلاثة عشر ألف فقيه وأقام القتل والنهب ببغداد نحو من ثمانين يوما، ثم أحضر هولاكو الوزير العلقمي وعاتبه وقال: يا خائن خنت أستاذك، لا يرجى منك صلاح، فقتله شرّ قتلة (٢٨٣). ثم ان هولاكو أراد قلب الملّة الإسلامية إلى المجوسية، فتدارك الله عباده بلطفه، قال البيضاوي في «تاريخه» إن الله منّ على عباده المؤمنين ببركة سيد المرسلين، فألهم بعض أوليائه بفيض فضله أن يظهر من كرامات الأمة المحمدية عند هولاكو، منهم أبو يعقوب، ومحمد خوجة، ورنبدي (٢٨٤) - قدّس الله سرّهم - فوصلوا / حضرة هولاكو ودخلوا النّار وشربوا السّموم والنحاس المذاب، فلمّا عاين هولاكو الأمر كذلك رجع عن مذهب الكفر والزّندقة، وخاف من الأولياء وعظّم الملّة الإسلامية وأهلها وهلك من الكفرة المضلّة عند هولاكو من رهابين المجوس جماعة، لما دخلوا النار بأمر هولاكو فاحترقوا، وشربوا السموم فتمزّقوا، وهلك هولاكو بعلّة الصرع، فكان يعتريه في اليوم الواحد مرارا، فمرض ولم يزل ضعيفا نحو شهرين، وكانت وفاته في سابع ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وستمائة (٢٨٥) ببلد مراغة، وكان عمره نحو ستين سنة. وخلّف من الأولاد سبعة عشر ذكورا، وتولّى الملك بعده ولده أبغا، وقيل أخوه قبلاي (٢٨٦) فامتدّت أيامه (٢٨٧) إلى أن توفي سنة خمس وتسعين وستمائة (٢٨٨)، وكان كرسيّ مملكته مدينة ماليق أم بلاد الخطأ، وكانت مدة ملك قبلاي اثنين وثلاثين سنة.

стр. 278

واتفق المؤرّخون على أنه لم يبق من بني هولاكو من يتحقّق نسبه لكثرة ما وقع فيهم من القتل غيرة على الملك ومن بقي طلب الإختفاء بنفسه، ولمّا توفي قبلاي ملك ابنه أرغون، وبعده ابنه قازان (٢٨٩). وستأتي بقية أخبارهم قريبا إن شاء الله تعالى. والمقصود هنا بيان انقراض الدولة العبّاسية من بغداد على يد هذه الطائفة الخبيثة على أفظع الأحوال ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢٩٠) ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٢٩١). وهذه الواقعة من أعظم / معجزات رسول الله ﷺ قال في «شرح الصحائف» وروى أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - أن النبيء ﷺ قال: «ينزل أناس من أمتي بغائط يسمّونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه جسر، يكثر أهلها ويكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزّمن جاء بنو قنطورا، عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شطّ النهر، فيتفرّق أهلها ثلاثا، فرقة يأخذون أذناب البقر بالبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وهلكوا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء» (٢٩٢) قال: وهذه صفة بغداد فإنها على شطّ دجلة وعليه الجسر، وتسمّى تلك النواحي غائط البصرة، وهي ما كانت زمان النبيء ﷺ بناها خلفاء بني العباس - رضي الله تعالى عنهم - وجاءهم من المشرق هولاكو بن تولي بن جنكز خان سنة ست وخمسين وستمائة هجرية (٢٩٣)، وعسكره على الوصف الذي وصفه النبيء ﷺ وتفرّق أهل بغداد ثلاث فرق كما قال ﷺ وهذا من أبين المعجزات اهـ. العباسيون بمصر: وكانت مدة ملك بني العبّاس خمسمائة سنة وأربعة وعشرون سنة غير أربعة وثلاثين يوما، ولم ينج من بني العباس في هذه الوقعة إلاّ الفرد النادر منهم، أبو العباس أحمد بن

стр. 279

الظاهر بن الناصر بن المستضيء / بن المستنجد بن المقتفي بالله ويلقّب «بالمستنصر بالله» فوصل إلى مصر وافدا على سلطانها الملك الظاهر بيبرس (٢٩٤) في سنة تسع وخمسين وستمائة (٢٩٥)، فأكرمه وأثبت نسبه، وجهّز له جيشا توجّه به إلى بغداد فقتل، ثم توجّه من بغداد إلى مصر من بني العباس أحمد ولقّب «بالحاكم بأمر الله» (٢٩٦) فأكرمه الملك الظّاهر أيضا، بعد إثبات نسبه، وأجرى عليه نفقة وسكن مصر، وليس له من الأمر شيء، وإنما اسمه الخليفة وأولاده من بعده على هذا المنوال ليس لهم إلاّ اسم الخلافة فيأتون به إلى السلطان الذي يريدون توليته يبايعه ويقول: ولّيتك السّلطنة، وهكذا كانوا يلقّبون بألقاب الخلافة واحدا بعد واحد، فكانت سلاطين الأقاليم يتبرّكون بهم ويراسلونهم أحيانا يطلبون منهم تفويض السّلطنة باللّسان، فيكتبون لمن راسلهم تقليدا، ويعهدون إليه بالسلطنة عهدا، ويولونه سلطنة الجهة التي هو فيها، فيتبرّك بهذا التقليد، ولا يخفى أن هؤلاء ليس لهم من الخلافة إلاّ الصّورة كما كان لآخر الخلفاء العباسيين ببغداد، واستمرّ أمرهم هكذا إلى دخول السلطان سليم خان ﵀ إلى مصر فاستصحب معه أبا عبد الله محمد بن يعقوب الملقّب «بالمتوكل على الله» ثم رجع بعد وفاة السلطان سليم من القسطنطينية إلى مصر، وبقيت ذريته بمصر إلى أن تقلّبت الأحوال. وذكر السيوطي: أن الخلافة استمرّت بمصر إلى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة (٢٩٧) ففي السابع والعشرين من رجب انقطعت (بتنازل) (٢٩٨) المتوكل على الله (عنها لسليم الأول) (٢٩٨).

стр. 280

تيمورلنك: ولنرجع إلى الكلام على بقية أخبار المغولية الذين عمّت بهم البلية فإنهم استمرّت منهم بحار الفتن تمور إلى أن نبع الأعرج تيمور (٢٩٩)، فأهلك الحرث والنسل، وأفسد في الأرض، ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (٣٠٠)، فهو أحد الدجّالين. ذكر صاحب المنتخب أن له نسبا يصل به إلى جنكز خان من جهة النساء، فهو فرع خبيث نشأ عن أصل خبيث، وكان رجلا له قامة شاهقة كأنه من بقايا العمالقة، عظيم الجبهة والهامة، شديد القوّة والبأس، قيل إن طول قامته تسعة وعشرون ذراعا (٣٠١) وكان من أبهته أن ملوك الأطراف مع استقلالهم بالخطبة والسكة كانوا إذا قدموا عليه بهدياتهم يجلسون على أعتاب العبودية نحوا من مدّ البصر من سرادقته، وإذا أراد منهم واحدا أرسل من الخدمة نحوه قاصدا، فيدعون ذلك الواحد باسمه فيغدو نحوه. وكان بدء خروجه في حدود الستين والسبعمائة (٣٠٢)، وهو من قرية تسمّى خواجا أبغار من أعمال كش (٣٠٣) وهي مدينة من مدن ما وراء النهر، ذكر أنه لمّا ولد سقط على الأرض فرفع فإذا كفّاه مملوءتان من الدم العبيط، فقال بعضهم، يكون شرطيّا، وقال بعضهم ينشأ لصا حراميا، وقال قوم يكون قصّابا سفّاكا / وقالوا: بل يصير جلاّدا وكان أبوه فقيرا إسكافيا (٣٠٤) فنشأ هو شابّا جلدا لكنه من القلّة يتلصّص، ففي بعض الليالي سرق غنما فشعر به الرّاعي فضربه بسهمين أصاب بأحدها فخذه فأخطأها وبالآخر

стр. 281

كتفه فأبطلها فازداد كسرا على فقره ولم يملك سوى ثوب قطن فباعه واشترى بثمنه ماعزا وقصد الشيخ شمس الدين الفاخوري بمدينة كش، وقد ربط بطرف حبل عنق الماعز وربط عنقه بالطرف الآخر وجعل يتشحّط على عصا من جريد حتى دخل على الشيخ فصادفه هو والفقراء مشغولين بالذّكر، فلم يزل قائما في صف النّعال حتى فرغوا مما هم فيه، فلمّا وقع نظر الشيخ عليه سارع إلى تقبيل يديه ورجليه فتفكّر الشيخ ساعة؛ ثم قال لتلامذته: هذا الرجل استمدّنا فيما لا يساوي عند الله جناح بعوضة، فنرى أن نمدّه ولا نحرمه، فأمدّوه بالدّعاء فدعوا له، ولمّا قدم خراسان اجتمع بالشيخ أبي بكر الخوافي فأكبّ على رجليه، فوضع الشيخ يديه على ظهره فقال تيمور: لولا أن الشيخ رفع يديه بسرعة لخلت (٣٠٥) أرتض، ولقد تصوّر لي أن السّماء وقعت على الأرض وأنا بينهما رضضت أشدّ رضّ، ثم إنه جلس بين يديه وقال: يا مولانا الشيخ فما تأمرون مملوككم أبا لعدل والإنصاف، وأن لا يميل إلى الجور والإعتساف؟ فقال له الشيخ: أمرناهم بذلك / فلم يأتمروا فسّلطناك عليهم، فخرج من فوره من عند الشيخ وهو يقول: ملكت الدنيا وربّ الكعبة، وكان كثيرا ما يقول بعد ذلك: كلّ ما نلته هو بدعوة الشيخ الفاخوري وهمّة الشيخ الخوّافي والسيد بركة (٣٠٦) فكان من أمره أن له رفقاء يتلصّصون ويقطعون الطريق ببلاد ما وراء النهر حتى شعر بهم السّلطان حسن حاكم هراة فظفر بهم، فبعد ضربه أمر بصلبه، وكان للسّلطان ولد رأيه غير متين يدعى الملك غياث الدين، فشفع فيه فقال له أبوه: هذا حرامي مادّة الفساد، لئن بقي ليخربن البلاد وليهلكنّ العباد، فقال له ابنه: وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدّواهي، فوهبه له، فوكّل به من داواه إلى أن اندمل جرحه، فكان في خدمته، فقرّبه وزوّجه بشقيقته فغاضبها في بعض الأيام فقتلها، فلم يسعه إلاّ الخروج والعصيان والتمرّد والطغيان، فكان من أمره ما كان، فاستصفى ممالك ما وراء النّهر، ثم شرع في استخلاص البلاد من ملوكها واسترقاق العباد، فدبّ في البلاد دبيب السّم في

стр. 282

الأجساد، ومن رأيه أنه صاهر المغول وصافاهم وتزوّج بنت ملكهم (٣٠٧) فأمن شرّهم، ثم أرسل إلى محدومه سلطان هراة الملك غياث الدين فطلب منه الدّخول في طاعته فأرسل غياث الدين يقول صحبة الرسول: أما كنت خادما لي وأحسنت إليك بعد أن نجّيتك من الصّلب فإن لم تكن إنسانا تعرف / الإحسان فكن كلبا، فعبر جيحون وتوجّه إليه فلم يكن لغياث الدين قوة الوقوف له، فحصر نفسه في القلعة، فأمّنه ثم قبض عليه، وكان خلف أن لا يريق له دما، فقتله جوعا في الحبس، ثم عاد إلى خراسان وعمل على الإنتقام من أهل سجستان فوضع السّيف فيهم عن بكرة أبيهم، وأخرب المدينة فما أبقى بها شجرا ولا مدرا، ولا عينا ولا أثرا، فارتحل عنها بعد أن جعلها قاعا صفصفا. ثم بلغه أن فيروز شاه ملك الهند انتقل إلى رحمة الله ولم يكن له ولد يخلفه، فسعى لتولّي تلك الوظيفة، فوصل إليها وقتل أقبالها (٣٠٨)، وقدم عليه المبشر بأن أحمد (٣٠٩) [أمير بغداد والعراق] والملك الظاهر برقوق حاكم مصر والشام انتقلا إلى دار السلام، فسرّ بذلك صدره وفرح. فأقام بالهند نائبا وتوجّه نحو مدينة سيواس (٣١٠)، وكان بعد وفاة واليها استولى عليها الأمير سليمان ابن السّلطان بايزيد يلدرم خان ابن عثمان، فوصل إليها تيمور فقال أنا فاتح هذه المدينة وكانوا قد حصّنوها فأقام في محاصرتها ثمانية عشر يوما، ثم فتحها بعد أن حلف لأهل البلد أن لا يريق دمهم، فلمّا دخل المدينة حفر لهم في الأرض خندقا، وألقى فيه ثلاثة آلاف نفس أحياء وأطبقه عليهم (٣١١)، فكان قبرهم، ثم نهب البلد وسلّط عليها حكم التدمير فصارت خاوية على عروشها.

стр. 283

ثمّ توجّه نحو المماليك الشامية / ففي سنة ثلاث وثمانمائة (٣١٢) أصبح تيمورلنك محيطا بحلب، فتقابل التتار مع أهلها، ثم ان النواب وغالب عسكر المماليك برزت إليهم، فأخذ نائب الشام الميمنة، ونائب حلب الميسرة، وبقية النوّاب بالقلب، وقدّموا العامة بين أيديهم فزحف عليهم تيمور بجيوشه، فما لبثوا غير ساعة ثم ولّوا مدبرين نحو البلد، فاقتحمت عسكر التتار المدينة، فجاسوا خلال الدّيار فالتجأت المخدّرات (٣١٣) إلى المساجد فمالوا عليهن وقرنوهن في الحبال، وشرعوا في قتل الأطفال ونهب الأموال، وتخريب المنازل وافتضاض الأبكار، فاستمرّ الأمر على ذلك من يوم السّبت إلى يوم الثلاثاء، وقد تحصّن بالقلعة النوّاب مع خلق كثير، فتوجّهوا نحوهم بردم الخندق ونقب الأسوار، فنزل دمرداش نائب حلب في طائفة الأمراء من القلعة يطلبون الأمان فأجابهم تيمورلنك وخلع عليهم فاطمأنّت نفوسهم، فنزل بقيّة أصحابهم من القلعة كلّ طائفة مع نائبها فقرنهم في الأصفاد، فأقام بحلب نحو شهر (٣١٤) وأصحابه في نهب وإفساد، وهدّم حلب وقراها وقطع أشجارها وقلع أحجارها وبنى من رؤوس القتلى منارا مرتفعا دوره نيف وعشرون ذراعا وارتفاعه نحو العشرة أذرع، وبنى عدة منائر مثل تلك ثم تركها خاوية على عروشها. وفي اليوم السّادس من جمادى الأولى دخل السلطان فرج بن برقوق صاحب مصر / إلى دمشق، فأقام بها يومين وخرج في اليوم الثالث فخيّم [بساحة قبّة يلبغا] (٣١٥) ثم ظهر في أثناء النّهار بعض جماعة على الخيل مما يلي عقبة دمر من عسكر تيمور مقدار ألف فارس، فخرج إليهم من العسكر دون المائة فارتفعوا معهم، فانكسر أصحاب تيمور (٣١٦) كسرة قوية ثم إنهم مسكوا من عسكر السلطان فرج ثلاثة فرسان وأضرموا تلك الليلة نارا كثيرة، فخيّل للسلطان أن التتار ملأ الأرض بقدر أماكن النار، وأخذ تيمور اثنين من الأسارى وسلخهم وشواهم على النار، وأطلق الثالث فرجع وأخبر السلطان بذلك

стр. 284

فانقطعت قلوب العسكر، ففي تلك الليلة رجع السلطان إلى الدّيار المصرية هاربا (٣١٧) وصحبه الأمراء والخليفة مع كلّ أمير مملوكان أو ثلاثة، وليس معهم خيل ولا قماش، وتشتّت بقية العسكر حفاة عراة، وأما أهل دمشق فلم يشعروا برجوع السّلطان، فأصبحوا ورأيهم جميعا على مناشبة الحرب، فركبوا الأسوار وأعلنوا بالنداء يستحث بعضهم بعضا على الجهاد وتراموا على التتار من فوق الأسوار وقتلوا منهم وغنموا من خيلهم، فكانت بينهم مقاتلة هائلة حتى قتلوا من التتار نحو ألف فارس وآخر النهار حضر اثنان من أصحاب تيمورلنك ينادي أحدهما بطلب الصلح (٣١٨) وأن يحضر أحد ممن يعقل حتى يكلّمه الملك، فوقع الإختيار على إرسال القاضي [برهان الدين] ابن مفلح الحنبلي (٣١٩)، فغاب ثم رجع فأخبر أنه اجتمع بتيمورلنك، وأنه / تلطّف معه وقال له: هذه بلد الأنبياء، وقد أعتقتها صدقة عن أولادي، وأخذ ابن مفلح يحلّ عزائم الناس حتى صاروا فرقتين، فرقة ترى ما يراه القاضي من بذل الطّاعة، وهم الفقهاء، وفرقة باقية على المحاربة وهم سواد الناس (٣٢٠) فباتوا تلك الليلة على حالتهم تلك ثم أصبحوا وقد غلب رأي ابن مفلح، ومن عادة تيمور إذا أخذ بلدا صلحا أن يخرج إليه أهل البلد من كلّ نوع تسعة أشياء ويسمّون ذلك الظفران (٣٢١)، فطلب منهم تجهيز ذلك، وهمّوا بإخراجه من باب النصر، فمنعهم نائب القلعة وهدّدهم بإحراق البلد، فأعرضوا عن ذلك وتدلّوا من أعلى السّور فباتوا في محيّم تيمورلنك، ورجعوا وقد تقرّر منهم قضاة ووزير ومستخرج

стр. 285

للأموال، ومعهم فرمان وهو مرسوم (٣٢٢) فيه تسعة أسطر يتضمن الأمان لأهل دمشق خاصّة، فقرئ ذلك على المنبر وفتحوا الباب الصغير، ودخل أمير من أمراء تيمور ثم شرعوا في جباية الأموال التي قرّرها عليهم، وهي ألف ألف دينار، فحملت إليه، فلمّا وضعت بين يديه غضب وأمر بأن يحمل له ألف تومان، والتومان عشرة آلاف دينار، فرجعوا آخذين في جباية الأموال، فتزايد البلاء (٣٢٣). وفي هذه المدة كلّها لم تقم الجمعة إلاّ مرّة واحدة، وفي أثناء الجباية خرّب ما بين الجامع والقلعة بالنار، وذلك نحو ثلث البلد، ثم سلّمت القلعة بعد تسع وعشرين يوما من الإستيلاء على البلد، وجمعت الأموال التي قرّرها ثانيا (٣٢٤)، وأحضرت بين يديه / فقال لابن مفلح وأصحابه: هذه ثلاثة آلاف دينار ببلادنا، وقد بقي عليكم سبعة آلاف دينار (٣٢٥) وأراكم عجزتم عن الإستخلاص ثم طلب منهم ما تركه العسكر من كلّ شيء ثم طلب جميع ما في البلد من الأموال والدواب وكان عدتها نحو الإثني عشر ألفا، ثم جميع ما فيها من السّلاح، فلمّا انقضى ذلك كلّه أمر باستكتاب خطط دمشق، فكتب بها أوراقا وفرّقها في أمرائه فحينئذ طمت الأمواج فنزل كلّ أمير في خط، وطلب سكان ذلك الخط فكان الرجل يطالب بالمال الثّقيل الذي لا يقدر عليه، فإذا امتنع عوقب بأنواع العذاب ثم تخرج نساؤه وبناته فيوطأن بين يديه، فأقاموا على ذلك تسعة عشر يوما حتى علموا أنّهم قد أتوا على مال البلد، فخرجوا منها ثم صحّ فيهم عذاب الله المنزّل، فهجموا عليهم كالجراد (٣٢٦) المنتشر، فنهبوا ما بقي وسبوا النّساء والشباب والرجال، وألقوا
следующие страницы →