← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كتفه فأبطلها فازداد كسرا على فقره ولم يملك سوى ثوب قطن فباعه واشترى بثمنه ماعزا وقصد الشيخ شمس الدين الفاخوري بمدينة كش، وقد ربط بطرف حبل عنق الماعز وربط عنقه بالطرف الآخر وجعل يتشحّط على عصا من جريد حتى دخل على الشيخ فصادفه هو والفقراء مشغولين بالذّكر، فلم يزل قائما في صف النّعال حتى فرغوا مما هم فيه، فلمّا وقع نظر الشيخ عليه سارع إلى تقبيل يديه ورجليه فتفكّر الشيخ ساعة؛ ثم قال لتلامذته: هذا الرجل استمدّنا فيما لا يساوي عند الله جناح بعوضة، فنرى أن نمدّه ولا نحرمه، فأمدّوه بالدّعاء فدعوا له، ولمّا قدم خراسان اجتمع بالشيخ أبي بكر الخوافي فأكبّ على رجليه، فوضع الشيخ يديه على ظهره فقال تيمور: لولا أن الشيخ رفع يديه بسرعة لخلت (٣٠٥) أرتض، ولقد تصوّر لي أن السّماء وقعت على الأرض وأنا بينهما رضضت أشدّ رضّ، ثم إنه جلس بين يديه وقال: يا مولانا الشيخ فما تأمرون مملوككم أبا لعدل والإنصاف، وأن لا يميل إلى الجور والإعتساف؟ فقال له الشيخ: أمرناهم بذلك / فلم يأتمروا فسّلطناك عليهم، فخرج من فوره من عند الشيخ وهو يقول: ملكت الدنيا وربّ الكعبة، وكان كثيرا ما يقول بعد ذلك: كلّ ما نلته هو بدعوة الشيخ الفاخوري وهمّة الشيخ الخوّافي والسيد بركة (٣٠٦) فكان من أمره أن له رفقاء يتلصّصون ويقطعون الطريق ببلاد ما وراء النهر حتى شعر بهم السّلطان حسن حاكم هراة فظفر بهم، فبعد ضربه أمر بصلبه، وكان للسّلطان ولد رأيه غير متين يدعى الملك غياث الدين، فشفع فيه فقال له أبوه: هذا حرامي مادّة الفساد، لئن بقي ليخربن البلاد وليهلكنّ العباد، فقال له ابنه: وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدّواهي، فوهبه له، فوكّل به من داواه إلى أن اندمل جرحه، فكان في خدمته، فقرّبه وزوّجه بشقيقته فغاضبها في بعض الأيام فقتلها، فلم يسعه إلاّ الخروج والعصيان والتمرّد والطغيان، فكان من أمره ما كان، فاستصفى ممالك ما وراء النّهر، ثم شرع في استخلاص البلاد من ملوكها واسترقاق العباد، فدبّ في البلاد دبيب السّم في

стр. 282

الأجساد، ومن رأيه أنه صاهر المغول وصافاهم وتزوّج بنت ملكهم (٣٠٧) فأمن شرّهم، ثم أرسل إلى محدومه سلطان هراة الملك غياث الدين فطلب منه الدّخول في طاعته فأرسل غياث الدين يقول صحبة الرسول: أما كنت خادما لي وأحسنت إليك بعد أن نجّيتك من الصّلب فإن لم تكن إنسانا تعرف / الإحسان فكن كلبا، فعبر جيحون وتوجّه إليه فلم يكن لغياث الدين قوة الوقوف له، فحصر نفسه في القلعة، فأمّنه ثم قبض عليه، وكان خلف أن لا يريق له دما، فقتله جوعا في الحبس، ثم عاد إلى خراسان وعمل على الإنتقام من أهل سجستان فوضع السّيف فيهم عن بكرة أبيهم، وأخرب المدينة فما أبقى بها شجرا ولا مدرا، ولا عينا ولا أثرا، فارتحل عنها بعد أن جعلها قاعا صفصفا. ثم بلغه أن فيروز شاه ملك الهند انتقل إلى رحمة الله ولم يكن له ولد يخلفه، فسعى لتولّي تلك الوظيفة، فوصل إليها وقتل أقبالها (٣٠٨)، وقدم عليه المبشر بأن أحمد (٣٠٩) [أمير بغداد والعراق] والملك الظاهر برقوق حاكم مصر والشام انتقلا إلى دار السلام، فسرّ بذلك صدره وفرح. فأقام بالهند نائبا وتوجّه نحو مدينة سيواس (٣١٠)، وكان بعد وفاة واليها استولى عليها الأمير سليمان ابن السّلطان بايزيد يلدرم خان ابن عثمان، فوصل إليها تيمور فقال أنا فاتح هذه المدينة وكانوا قد حصّنوها فأقام في محاصرتها ثمانية عشر يوما، ثم فتحها بعد أن حلف لأهل البلد أن لا يريق دمهم، فلمّا دخل المدينة حفر لهم في الأرض خندقا، وألقى فيه ثلاثة آلاف نفس أحياء وأطبقه عليهم (٣١١)، فكان قبرهم، ثم نهب البلد وسلّط عليها حكم التدمير فصارت خاوية على عروشها.

стр. 283

ثمّ توجّه نحو المماليك الشامية / ففي سنة ثلاث وثمانمائة (٣١٢) أصبح تيمورلنك محيطا بحلب، فتقابل التتار مع أهلها، ثم ان النواب وغالب عسكر المماليك برزت إليهم، فأخذ نائب الشام الميمنة، ونائب حلب الميسرة، وبقية النوّاب بالقلب، وقدّموا العامة بين أيديهم فزحف عليهم تيمور بجيوشه، فما لبثوا غير ساعة ثم ولّوا مدبرين نحو البلد، فاقتحمت عسكر التتار المدينة، فجاسوا خلال الدّيار فالتجأت المخدّرات (٣١٣) إلى المساجد فمالوا عليهن وقرنوهن في الحبال، وشرعوا في قتل الأطفال ونهب الأموال، وتخريب المنازل وافتضاض الأبكار، فاستمرّ الأمر على ذلك من يوم السّبت إلى يوم الثلاثاء، وقد تحصّن بالقلعة النوّاب مع خلق كثير، فتوجّهوا نحوهم بردم الخندق ونقب الأسوار، فنزل دمرداش نائب حلب في طائفة الأمراء من القلعة يطلبون الأمان فأجابهم تيمورلنك وخلع عليهم فاطمأنّت نفوسهم، فنزل بقيّة أصحابهم من القلعة كلّ طائفة مع نائبها فقرنهم في الأصفاد، فأقام بحلب نحو شهر (٣١٤) وأصحابه في نهب وإفساد، وهدّم حلب وقراها وقطع أشجارها وقلع أحجارها وبنى من رؤوس القتلى منارا مرتفعا دوره نيف وعشرون ذراعا وارتفاعه نحو العشرة أذرع، وبنى عدة منائر مثل تلك ثم تركها خاوية على عروشها. وفي اليوم السّادس من جمادى الأولى دخل السلطان فرج بن برقوق صاحب مصر / إلى دمشق، فأقام بها يومين وخرج في اليوم الثالث فخيّم [بساحة قبّة يلبغا] (٣١٥) ثم ظهر في أثناء النّهار بعض جماعة على الخيل مما يلي عقبة دمر من عسكر تيمور مقدار ألف فارس، فخرج إليهم من العسكر دون المائة فارتفعوا معهم، فانكسر أصحاب تيمور (٣١٦) كسرة قوية ثم إنهم مسكوا من عسكر السلطان فرج ثلاثة فرسان وأضرموا تلك الليلة نارا كثيرة، فخيّل للسلطان أن التتار ملأ الأرض بقدر أماكن النار، وأخذ تيمور اثنين من الأسارى وسلخهم وشواهم على النار، وأطلق الثالث فرجع وأخبر السلطان بذلك

стр. 284

فانقطعت قلوب العسكر، ففي تلك الليلة رجع السلطان إلى الدّيار المصرية هاربا (٣١٧) وصحبه الأمراء والخليفة مع كلّ أمير مملوكان أو ثلاثة، وليس معهم خيل ولا قماش، وتشتّت بقية العسكر حفاة عراة، وأما أهل دمشق فلم يشعروا برجوع السّلطان، فأصبحوا ورأيهم جميعا على مناشبة الحرب، فركبوا الأسوار وأعلنوا بالنداء يستحث بعضهم بعضا على الجهاد وتراموا على التتار من فوق الأسوار وقتلوا منهم وغنموا من خيلهم، فكانت بينهم مقاتلة هائلة حتى قتلوا من التتار نحو ألف فارس وآخر النهار حضر اثنان من أصحاب تيمورلنك ينادي أحدهما بطلب الصلح (٣١٨) وأن يحضر أحد ممن يعقل حتى يكلّمه الملك، فوقع الإختيار على إرسال القاضي [برهان الدين] ابن مفلح الحنبلي (٣١٩)، فغاب ثم رجع فأخبر أنه اجتمع بتيمورلنك، وأنه / تلطّف معه وقال له: هذه بلد الأنبياء، وقد أعتقتها صدقة عن أولادي، وأخذ ابن مفلح يحلّ عزائم الناس حتى صاروا فرقتين، فرقة ترى ما يراه القاضي من بذل الطّاعة، وهم الفقهاء، وفرقة باقية على المحاربة وهم سواد الناس (٣٢٠) فباتوا تلك الليلة على حالتهم تلك ثم أصبحوا وقد غلب رأي ابن مفلح، ومن عادة تيمور إذا أخذ بلدا صلحا أن يخرج إليه أهل البلد من كلّ نوع تسعة أشياء ويسمّون ذلك الظفران (٣٢١)، فطلب منهم تجهيز ذلك، وهمّوا بإخراجه من باب النصر، فمنعهم نائب القلعة وهدّدهم بإحراق البلد، فأعرضوا عن ذلك وتدلّوا من أعلى السّور فباتوا في محيّم تيمورلنك، ورجعوا وقد تقرّر منهم قضاة ووزير ومستخرج

стр. 285

للأموال، ومعهم فرمان وهو مرسوم (٣٢٢) فيه تسعة أسطر يتضمن الأمان لأهل دمشق خاصّة، فقرئ ذلك على المنبر وفتحوا الباب الصغير، ودخل أمير من أمراء تيمور ثم شرعوا في جباية الأموال التي قرّرها عليهم، وهي ألف ألف دينار، فحملت إليه، فلمّا وضعت بين يديه غضب وأمر بأن يحمل له ألف تومان، والتومان عشرة آلاف دينار، فرجعوا آخذين في جباية الأموال، فتزايد البلاء (٣٢٣). وفي هذه المدة كلّها لم تقم الجمعة إلاّ مرّة واحدة، وفي أثناء الجباية خرّب ما بين الجامع والقلعة بالنار، وذلك نحو ثلث البلد، ثم سلّمت القلعة بعد تسع وعشرين يوما من الإستيلاء على البلد، وجمعت الأموال التي قرّرها ثانيا (٣٢٤)، وأحضرت بين يديه / فقال لابن مفلح وأصحابه: هذه ثلاثة آلاف دينار ببلادنا، وقد بقي عليكم سبعة آلاف دينار (٣٢٥) وأراكم عجزتم عن الإستخلاص ثم طلب منهم ما تركه العسكر من كلّ شيء ثم طلب جميع ما في البلد من الأموال والدواب وكان عدتها نحو الإثني عشر ألفا، ثم جميع ما فيها من السّلاح، فلمّا انقضى ذلك كلّه أمر باستكتاب خطط دمشق، فكتب بها أوراقا وفرّقها في أمرائه فحينئذ طمت الأمواج فنزل كلّ أمير في خط، وطلب سكان ذلك الخط فكان الرجل يطالب بالمال الثّقيل الذي لا يقدر عليه، فإذا امتنع عوقب بأنواع العذاب ثم تخرج نساؤه وبناته فيوطأن بين يديه، فأقاموا على ذلك تسعة عشر يوما حتى علموا أنّهم قد أتوا على مال البلد، فخرجوا منها ثم صحّ فيهم عذاب الله المنزّل، فهجموا عليهم كالجراد (٣٢٦) المنتشر، فنهبوا ما بقي وسبوا النّساء والشباب والرجال، وألقوا

стр. 286

الأطفال، وأطلقوا النار في الجامع والبلد فأحرقت حتى صارت النّار ترمي بشررها، واستمرّ ذلك ثلاثة أيام حتى اندرست رسومها (٣٢٧)، وفي ثالث شعبان ركب تيمورلنك وسار نحو حلب راجعا إلى بلاده، وكانت مدّة إقامته في دمشق أربعة وسبعون يوما، ولم يتوجّه إلى مصر. وكان قبل هذه المدّة في سنة تسع وتسعين وسبعمائة (٣٢٨) في أيّام الملك الظّاهر سيف الدين برقوق الجركسي حضر في ثلاثة عشر / من صفر (٣٢٩) أربعة رسل من تيمورلنك ومعهم كتابه للسلطان المشار إليه، نسخة الكتاب بعد البسملة الشريفة: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ (٣٣٠) ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٣٣١) اعلموا أننا جند الله في أرضه، مخلوقون من سخطه، مسلّطون على من يحلّ به غضبه، لا نرقّ لشاك ولا نرحم عبرة باك، نزع الله الرّحمة من قلوبنا، فالويل كلّ الويل لمن لم يكن من جهتنا، قد حرقنا البلاد ويتّمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، خيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، ملكنا لا يرام، وجارنا لا يظام، من سالمنا سلم، ومن حاربنا ندم، فإن أنتم قبلتم شرطنا واصطلحتم معنا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم وعلى بغيكم تماديتم فلا تلوموا إلاّ أنفسكم، فالحصون لا تمنع والعساكر لا تنفع، ودعاؤكم لا يسمع لأنّكم أكلتم الحرام وضيّعتم الجمع، فابشروا بالمذلّة والهوان ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٣٣٢) فقد غلب عندكم أنّا كفرة، وثبت عندنا أنكم فجرة، وقد سلّطنا عليكم الإلاه بأمور مقدّرة وأحكام مدبّرة، فعزيزكم عندنا ذليل، وكثيركم لدينا قليل، وقد أوضحنا لكم الخطاب فأسرعوا بردّ الجواب قبل

стр. 287

أن ينكشف الغطاء وترمي الحرب نارها (٣٣٣) وتلقي أوزارها، ولم تبق لكم باقية، وينادى عليكم منادي الفناء: ﴿هَلْ تُحِسُّ / مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٣٣٤)، الآن قد أنصفناكم إذ راسلناكم فردّوا رسلنا بجواب هذا الكلام والسلام». فلمّا سمع السّلطان هذا اغتاظ غيظا شديدا وأمر بكتب جوابه فكتب بإنشاء ابن فضل الله (٣٣٥) ﵀ ونسخته: «بعد البعدية والاصدار حصل الوقوف على الكتاب مخبر الحضرة السلطانية ما وقفنا عليه، فقولكم: إنا مخلوقون من سخطه مسلّطون على من يحلّ عليه غضبه، وإنكم لا ترقّون لشاك ولا ترحمون عبرة باك وقد نزع الله الرّحمة من قلوبكم فهذا من أكبر عيوبكم، وهذه صفات الشياطين لا صفات السلاطين ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ (٣٣٦) ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٣٣٧) فأي كتاب كريم ذكرتم، وعلى لسان أي رسول بعثتم، وبكلّ قبيح وصفتم، وعندنا خبركم من حين خلقتم، وزعمتم أنكم كفرة ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٣٣٨) من تمسّك بالأصول لن يبالي بالفروع، نحن المؤمنون حقا، القرآن على نبينا أنزل ﷺ وهو بنا رحيم لم يزل، إنما النّار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت إذا السماء انفطرت، ومن أعجب العجائب تهديد الرّتوت بالتوت، والسّباع بالضباع، والكماة بالكراع، ونحن خيولنا برقية، وسهامنا يمانية وسيوفنا شديدة المضارب، ذكرها في المشارق والمغارب، إن قتلناكم فنعم البضاعة وإن قتلنا بيننا وبين الجنة ساعة، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣٣٩). وقولكم: قلوبنا كالجبال، وعددنا / كالرمال، فالقصّاب لا يبالي بكثرة الغنم وكثير من الحطب يكفيه قليل من الضّرم ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٣٤٠) فالفرار الفرار من المنايا لا

стр. 288

الرزايا، ونحن من الطمأنينة على غاية الأمنية، إن قتلنا فشهداء، وإن عشنا كنا سعداء، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٣٤١)، أبعد أمير المؤمنين وخليفة ربّ العالمين تطلب منا طاعة؟ لا سمع ولا طاعة، وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا قبل أن ينكشف الغطاء، هذا الكلام في نظمه تركيك، وفي سبكه تفكيك، لو كشف لبان بعد البيان، أكفر بعد إيمان أم اتخذتم ربا ثان؟ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ (٣٤٢) ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ (٣٤٣) قل لكاتبك الذي وضع رسالته ووصف مقالته وجعل كتابه كصرير الأبواب أو كطنين الذباب، ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ (٣٤٤). فلمّا وصل إليه الكتاب غضب غضبا شديدا، إلاّ أن الله حال بينه وبين ما أراد من مصر، فلم يتعدّ منهم أحد جسر يعقوب. فرجع بعد الفراغ من الشّام على طريقته العوجاء حتى وصل إلى الموصل وهو يمحو آثار الإسلام، ثم توجّه إلى مدينة بغداد، فلمّا سمع السّلطان أحمد (٣٤٥) ذلك استناب مكانه نائبا، ولحق هو إلى سلطان الرّوم بايزيد فأخذ بغداد عنوة يوم عيد الأضحى (٣٤٦)، فتقرّبوا بزعمهم بأن جعل المسلمين قرابين، ثم أمر عسكره بأن يأتيه كلّ واحد منهم برأسين من أهل بغداد، فأتوا بهم وطرحوا أبدانهم في تلك الميادين، وجمع رؤوسهم فبنى منها / مآذن (٣٤٧)، ومن عجز من الجند عن رؤوس الرجال قطع رؤوس النساء والأطفال، ثم خرّب مدينة بغداد بعد أن أخذ ما بها من الأموال، ثم توجّه ناحية قرى باغ ونوى المسير نحو ممالك الرّوم، فراسل سلطانها بايزيد المجاهد الغازي وجعل السّلطان أحمد حاكم بغداد، وقره يوسف حاكم أذربيجان سببا، وذكر أنهما من سطوات سيوفه هربا، فتوجّه نحوه، فكان لا يدخل قرية إلاّ أفسدها، ولا ينزل على مدينة إلاّ بدّدها، فلمّا بلغ السلطان بايزيد (٣٤٨) مجيئه توجّه إلى ملاقاته، فدخل تيمورلنك حدود الرّوم

стр. 289

أواخر سنة أربع وثمانمائة (٣٤٩) وأرسل إلى الملك بايزيد في الصّلح على عادته من المكر والدّهاء، وقال: إنك رجل مجاهد في سبيل الله، وأنا لا أحبّ قتالك ولكن أنظر إلى البلاد التي معك من أبيك وجدّك فاقنع بها وسلّم لي البلاد التي كانت من إرثنا، فاستشاط بايزيد (٣٤٨) غضبا عندما وقف على كتابه، وكان السّلطان على مدينة القسطنطينية (٣٥٠) محاصرا لها، وقد قارب فتحها ولكن جعل الله الفتح على يد غيره فتركها وتوجّه لقتاله، وخاف من الهجوم على بلاد الرّوم فأجرى من عساكره السّيول، وأخذ بهم على قفار غير عامرة خوفا على رعاياه من وطء عساكره، وكان شفوقا على الضّعفاء والفقراء، وكان غالب عسكره التتار وهم قوم ذووا يمين ويسار، فأرسل تيمور إلى زعمائهم والكبار من رؤسائهم يستميلهم ويذكرهم الجنسية / ويعدهم ويمنّيهم ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (٣٥١)، فوعدوه بالمعاونة وكان تيمور قد نزل أنكورية (٣٥٢) فلم يفق السلطان من رقاده إلاّ وتيمور قد دمّر معظم بلاده، فقامت عليه القيامة وتدانت الجيوش، فلمّا التقى الجمعان (٣٥٣) اندفعت من العساكر العثمانية التتار (٣٥٤) فاتّصلت بعسكر تيمور وكانوا هم صلب العسكر بل كانوا نحوا من جند تيمور، وكان مع السلطان من أولاده أكبرهم، السلطان سليمان، فلمّا رأى ما فعله التتار أخذ باقي العسكر وتقهقر عن ميدان المصاف، فرجع إلى بروسا، فلم يبق مع السّلطان بايزيد إلاّ المشاة وبعض الشّجعان وقليل ما هم، فثبت للمجادلة بمن معه من الرّفاق، فأحاطت به أساورة الجنود، فلمّا عجزوا عن الدّنو منه ألقوا عليه بساطا ومسكوه، وكانت هذه الواقعة على نحو ميل من مدينة أنقرة يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجّة سنة أربع وثمانمائة (٣٥٥)، ولمّا صفا لتيمور الأمر فعل ما سوّلت له نفسه، وأما السّلطان سليمان ابن السلطان بايزيد فوصل إلى بروسا

стр. 290

معقل آل عثمان، فاحتاط على ما فيها من الخزائن والأموال والحريم والأولاد ونفائس الأثقال فاشتغل بنقل ذلك إلى أدرنة (٣٥٦). وكان للسّلطان بايزيد من الأولاد سليمان المذكور وهو أكبرهم وعيسى ومصطفى ومحمد وموسى وهو أصغرهم، وكلّ طلب مهربا لنفسه [إلاّ موسى الذي سقط مع أبيه أسيرا] (٣٥٧) فانحاز إليه من العسكر طائفة نجا بها فكان محمد (٣٥٨) في قلعة أماسية وهي الخرشنة الشّاهقة / القاصية، وأما عيسى فإنه لجأ إلى بعض الحصون، وأما مصطفى فإنه فقد قتل بسببه نحو ثلاثين نفسا. ثم إن تيمور قسّم بلاد الرّوم على زعمه للملوك الذين خلفهم السّعيد بايزيد ما كان لهم (٣٥٩)، وأطلق ابن قرمان من السّجن وسلّم له مقاليد أبيه وفوّض بلاد الأناضول على زعمه إلى موسى وعيسى ابني بايزيد، ثم مضى إلى سبيله بعد ما خان وأهلك العباد، وأخرب البلاد وهتك السّتور وأباح البكور، ولم يسلم من شرّه من رعايا الرّوم الثلث ولا الربع، وصارت جماعاتهم ما بين منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وما أكل السبع، وكان أمر أن يخطب باسمه وكتب أيضا اسمه على السّكة. وحصل جميع مآربه فعند ذلك توجّه إلى بلاده (٣٦٠) [واستقرّ بها مدة، ثم دبّر حملة جديدة انفذها على الصين] (٣٦١) فلمّا وصل إلى مدينة اترار (٣٦٢) لحقه المرض، فأخذ بمبادئ حتفه فاشتدّ به الحال، فجعل يتعلّل بشرب الخمر (٣٦٣) ويتداوى ويتسلّى به وفي ذلك هلاكه فلم يزل به حتى فتّت كبده ولم ينفعه ماله ولا ولده، وصار يتقايأ الدّم فانتقل إلى لعنة الله ليلة الأربعاء سابع

стр. 291

عشر شعبان سنة سبع وثمانمائة (٣٦٤) بنواحي مدينة أترار، ثم نقل إلى مدينة سمرقند وقد جاوز السبعين (٣٦٥) ومدة ملكه واستيلائه مستقلا ست وثلاثون سنة. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٦٦). فتولّى بعده ابنه شاهرخ واستولى على ممالك ما وراء النهر وجميع عراق العجم (٣٦٧) والله أعلم بغيبه وأحكم.

стр. 292

الباب الثاني في ذكر بعض أمراء بني العباس بالمشرق فنقول ذكر البيضاوي في «زبدة التواريخ» أن طوائف السلاطين الذين ظهروا في الدّولة العباسية ثمانية: أولها الصفارية ، ثم السامانية، ثم الغزنوية، ثم الديلمية، ثم السلجوقية، ثم السلقدية، ثم الخوارزمية، ثم المغولية، فكلها في العراق وما وراء النّهر. أما المغولية فقد فرغنا منها الآن، وهي التي كان انقراض الدولة العباسية من بغداد على أيديها. الصفارية: وأما الصفارية فأولهم يعقوب بن الليث وأول ظهوره في سنة خمس وخمسين ومائتين (١) وتهدد (٢) بغداد واستولى على فارس (٣) [ومات تاسع شوال سنة خمس وستين ومائتين وخلفه أخوه عمرو بن الليث] (٤) وهلك [عمرو] في حبس المعتضد (٥) بالله حين أسر على يد اسماعيل الساماني بأمر الخليفة المعتضد وآخر الصفارية طاهر بن محمد.

стр. 293

السامانيون: وأما السّامانيّة فأولهم نصر بن أحمد وآخرهم عبد الملك بن نوح (٦)، ملكوا ديار الترك وفارس والعراق إلى حدود الهند، وكان كرسي مملكتهم بخارى، وعدّتهم عشرة وكانوا في طاعة العبّاسيين (٧). الغزنويون: وأما الغزنوية فهم منسوبون إلى غزنة (مدينة في خراسان) (٨) فأول سلاطينهم السلطان أبو القاسم محمود بن ناصر الدّولة أبي منصور سبكتكين (٩)، الملقّب أوّلا سيف الدّولة، ثم لقّبه الخليفة القادر بالله العباسي لما سلطنه بعد أبيه «يمين (١٠) الدّولة وأمين الأمة» (١١) فهو قائد الجيوش / العبّاسية وناصر دولتهم وفي طاعتهم، «ولما انتظم الأمر للسّلطان محمود، كان في بعض بلاد خراسان نواب لصاحب ما وراء النّهر من ملوك بني سامان، فجرى بين السّلطان محمود وبينهم حروب انتصر فيها عليهم، وملك بلاد خراسان، وانقطعت الدّولة السّامانية منها، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة (١٢)، واستتبّ له الملك، وسيّر له القادر بالله خلعة السّلطنة، وتبوّأ سرير المملكة، وقام بين يديه أمراء خراسان [سماطين مقيمين] (١٣) برسم الخدمة، ملتزمين حكم الهيبة، وأجلسهم بعد الاذن على مجلس الأنس، وأمر لكل واحد منهم ولسائر

стр. 294

غلمانه وخاصّته ووجوه أوليائه وسائر حاشيته من الخلع والصّلات ونفائس الأمتعة بما لم يسمع بمثله. واتّسعت الأمور عن آخرها في كنف ايالته، واستوسقت الأعمال في ضمن كفالته، وفرض على نفسه في كل عام غزو الهند، ثم انه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (١٤)، بدخول قوّادها وسائر ولاتها في طاعته من غير قتال. ولم يزل يفتح في بلاد الهند حتى انتهى إلى ما لم تبلغه في الاسلام راية، ولم تتل به سورة ولا آية، فدحض عنها أرجاس (١٥) الشّرك وبنى بها مساجد وجوامع، وتفصيل ذلك كما قال ابن خلكان يطول. ولما فتح (١٦) بلاد الهند كتب إلى الدّيوان العزيز ببغداد كتابا يذكر فيه ما فتح الله على يديه من بلاد الهند، وأنه كسّر الصّنم المعروف بسومنات (١٧) وذكر في كتابه (١٨) أن هذا الصّنم عند الهنود / يحيي ويميت بزعمهم ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه اذا شاء أبرأ من جميع العلل، وربما كان يتفق لشقوتهم وصول عليل يقصده فيوافقه طيب الهواء وكثرة الحركة فيبرأ، فيزيدون به افتتانا ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالا وركبانا، ومن لم يصادف منهم انتعاشا احتجّ بالذّنب، وقال: انه لم يخلص له الطّاعة، ولم يستحق منه الاجابة، ويزعمون أن الأرواح اذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب التّناسخية، فينشئها فيمن يشاء، وأنّ مدّ البحر وجزره عبادة له وطاعة، وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجّونه من كلّ صقيع بعيد، ويأتونه من كل فجّ عميق ويحبونه (١٩) بكل مال جزيل، ولم يبق في بلاد الهند والسّند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة الا وقد تقرّب لهذا الصّنم بما يعزّ عليه من أمواله وذخائره حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك النّواحي، وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال، وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه ولحاهم عند الورود عليه، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه، ويجري من مال الأوقاف المرصدة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم.

стр. 295

وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصّنم المذكور (٢٠) مفازة موصوفة بقلة المياه وصعوبة المسالك واستيلاء الرمال على طرقها، فسار إليها السّلطان [محمود] في ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من عدد كثير / وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى، فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصنا منيعا، وفتحوها في ثلاثة أيام، ودخلوا بيت الصّنم وحوله من أصنام الذّهب المرصّع بأنواع الجواهر عدد كثير محيطة بعرشه، يزعمون أنها الملائكة، وأحرق المسلمون الصّنم المذكور ووجدوا في أذنيه نيّفا وثلاثين حلقة ذهب، فسألهم السّلطان محمود عن معنى ذلك فقالوا: كل حلقة عبادة ألف سنة، وكانوا يقولون بقدم العالم ويزعمون أن هذا الصّنم يعبد منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، كلّما عبدوه ألف سنة علّقوا في أذنه حلقة» (٢١). والحاصل أن هذا السّلطان من أوتاد الرّجال عند الأولياء، وكان ملوك الدّيلم قد عظم أمرهم وزاد شرّهم في ممالك العراق فأظهر الله هذا السّلطان ومكّنه من رقابهم وسلّط السّيف عليهم وصلب أعيان الشّيعة والزّنادقة والرّافضة وقاتل اليهود والمجوس والصّابئة، وأحرق الأصنام، وقتل ملوك الهند والصّين، ويقال إنه اسكندر هذه الأمة، وظهرت له في تلك الأسفار والغزوات خوارق عادات وكرامات ملأت دفاتر التّواريخ، وأخذ من الغنائم من بيوت الأصنام للمجوس مالا عظيما لا يحصى من الجواهر، فأخذ أربعين قنطارا من الجواهر الألماسية والياقوتية. وقد جمع سيرته أبو النصر (٢٢) محمد بن عبد الجبّار العتبي (٢٣) الفاضل، في كتاب [سمّاه «اليميني»] (٢٤) وذكر في أوّله أن السّلطان المذكور ملك الشّرق بجنبيه، والصّدر من العالم ويديه لانتظام / الأقليم الرابع بما يليه من الثّالث والخامس في حوزة ملكه وحصول ممالكها الفسيحة وولايتها العريضة في قبضته وملكه، ومصير أمرائها وذوي الألقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته وجبايته، واستظلالهم (٢٥) من آفات الزّمان بظلّ ولايته ورعايته، واذعان ملوك الأرض لعزّته، وارتياعهم بفائض هيبته، وقد كان منذ لفظه

стр. 296

المهد وجفاه الرضاع، وانحلت عن لسانه عقدة الكلام، واستغنى عن الاشارة بالافهام، مشغول اللّسان بالذكر والقرآن، مشغوف النّفس بالسّيف والسّنان، ممدود (٢٦) الهمّة إلى معالي الأمور، معقود الأمنية بسياسة الجمهور (٢٧) اهـ. مولده ليلة عاشوراء سنة احدى وعشرين وثلاثمائة (٢٨) وتوفي سنة احدى وعشرين وأربعمائة (٢٩) بغزنة - رحمه الله تعالى -. وتولى بعده مسعود (٣٠) وجرى له مع بني سلجوق خطوب يطول شرحها، وقتل سنة ثلاثين وأربعمائة (٣١)، واستولى على المملكة بنو سلجوق لكن بقيت للغزنوية بقية ملوك إلى سنة خمس وخمسين وخمسمائة (٣٢) ومن بقيتهم خسرو شاه بن بهرام شاه (٣٣)، وابتداء سلطنة السلطان محمود من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة (٣٤). السلاجقة: وأما السلجوقية فأولها أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق (٣٥)، الملقّب ركن الدّين طغرلبك كان هؤلاء القوم قبل استيلائهم على الممالك [يسكنون] فيما وراء النهر بموضع بينه وبين بخارى مسيرة عشرين فرسخا، وكانوا عددا يحل عن الحصر والاحصاء وكانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان، واذا قصدهم / جمع ما لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز وتحصّنوا بالرّمال، فلمّا عبر السّلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي - المقدّم

стр. 297

الذكر - إلى ما وراء النهر وكان سلطان خراسان وغزنة وتلك النواحي وجد زعيم بني سلجوق قوي الشّوكة كثير العدّة، يتصرّف في أمره بالمخاتلة والمراوغة (٣٦) وينتقل من أرض إلى غيرها، ويغير في أثناء ذلك على بعض البلاد، فاستماله وجذبه ولم يزل يخدعه حتى أقدمه إليه، فأمسكه وحمله إلى بعض القلاع [واعتقله] (٣٧) وشرع في اعمال الحيلة في تدبير [أمر] (٣٧) أصحابه، واستشار أعيان دولته في شأنهم، فمنهم من أشار باغراقهم في نهر جيحون، ومنهم من أشار بقطع إبهام كل رجل منهم ليتعذّر عليه الرّمي والعمل بالسّلاح، واختلفت الآراء في ذلك، وآخر ما وقع الاتّفاق عليه أن يعبر بهم جيحون إلى أرض خراسان ويفرّقهم في النّواحي، ويضع عليهم الخراج، ففعل ذلك، ودخلوا في الطّاعة واستقاموا، وأقاموا على ذلك مدّة، فطمع فيهم العمّال وظلموهم وامتدّت إليهم أيدي النّاس وتهضموا جانبهم، وأخذوا من أموالهم ومواشيهم، فانفصل منهم ألفا بيت ومضوا إلى بلاد كرمان (٣٨) وملكها يومئذ الأمير أبو الفوارس ابن بهاء الدّولة ولد عضد الدّولة بن بويه، فأقبل عليهم وخلع على وجوههم، وعزم على استخدامهم فلم يستتمّوا عشرة أيّام حتى مات أبو الفوارس، وخافوا من الدّيلم، وهم أهل ذلك الاقليم، فبادروا / إلى أصبهان ونزلوا بظاهرها، وصاحبها علاء الدّولة أبو جعفر بن كاكويه (٣٩) فرغب في استخدامهم، فكتب إليه السّلطان محمود يأمره بالايقاع بهم، فتواقفوا وقتل من الطّائفتين جماعة، وقصد الباقون أذربيجان، وانحاز الذين بخراسان إلى جبل قريب من خوارزم، فجرّد السّلطان محمود جيشا وأرسله في طلبهم، فتبعوهم في تلك المفاوز مقدار سنتين، ثم قصدهم محمود بنفسه ولم يزل في أثرهم حتى شرّدهم وشتتهم. ثم توفّي محمود عقب ذلك في تاريخ وفاته المتقدم، فلمّا قام بعده ولده مسعود احتاج إلى الاستظهار بالجيوش، فكتب إلى الطائفة التي بأذربيجان لتتوجه إليه، فجاءه منهم ألف فارس، فاستخدمهم ومضى بهم إلى خراسان، فسألوه في أمر الباقين الذين شتتهم والده محمود، فراسلهم وشرط عليهم لزوم الطّاعة، فأجابوه لذلك وأمنهم، وحضروا لديه ورتبهم على ما كان والده قد رتبهم أولا، ثم دخل مسعود بلاد الهند لاضطراب أحوالها عليه، فخلت لهم البلاد وعادوا إلى الفساد.

стр. 298

هذا كلّه والسّلطان طغرلبك المذكور وأخوه داود ليسا معهم، بل كانا في موضعهم من نواحي ما وراء النهر، وجرت بينهما وبين ملك شاه صاحب بخارى وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من أصحابهما، ودعت حاجتهما إلى اللّحوق بأصحابهما الذين بخراسان فكاتبوا مسعودا وبذلوا له الطّاعة وضمنوا له أخذ خوارزم من صاحبها، فطيب قلوبهم وأفرج عن الرسل الواصلين من جهة ما وراء النّهر وسألوه / أن يفرج عن زعيمهم الذي اعتقله أبوه محمود في أول الأمر، فأجابهم إلى سؤالهم وأنزله من تلك القلعة، وحمله إلى بلخ مقيدا واستأذن مسعودا في مراسلة ابني أخيه طغرلبك وداود (٤٠) المقدم ذكرهما فأذن له، فراسلهما. وحاصل الأمر أنهما وصلا إلى خراسان ومعهما جيش كبير، فاجتمع الجميع، وجرت لهما مع ولات (٤١) خراسان ونواب مسعود في البلاد أسباب وخلاصة الأمر أنهم استظهروا عليهم وظفروا بهم، وأول شيء ملكوه من البلاد طوس، وقيل الري، وكان تملكهم في سنة تسع وعشرين وأربعمائة (٤٢)، ثم بعد ذلك بقليل ملكوا نيسابور، احدى قواعد خراسان في شهر رمضان (٤٣) من السنة المذكورة، وكان السّلطان طغرلبك كبيرهم، واليه الأمر والنّهي في السّلطنة، وأخذ أخوه داود (٤٠) مدينة بلخ، وهو والد ألب أرسلان، واتّسع لهم الملك [واقتسموا البلاد] (٤٤) وانحاز مسعود إلى غزنة وتلك النواحي، وكانوا يخطبون له في أول الأمر، ثم عظم شأنهم إلى أن بعث لهم الامام القائم بأمر الله رسولا وهو القاضي أبا الحسين علي بن محمد بن حبيب الماوردي (٤٥)، وأوصاهم بتقوى الله العظيم، والعدل في الرعية والرفق بهم وبث الاحسان إلى النّاس. وكان طغرلبك حليما كريما محافظا على الصلوات الخمس في أقاتها جماعة، ويصوم الخميس والاثنين ويكثر الصدقات ويبني المساجد، ويقول: أستحي من الله أن أبني لي دارا ولا أبني إلى جانبها مسجدا.

стр. 299

ولمّا تمهّدت له البلاد وملك العراق / وبغداد، سيّر إلى الامام القائم يخطب ابنته، فشق ذلك على القائم واستعفى منه، وتردّدت الرسل بينهما سنة ثلاث وخمسين [وأربعمائة] (٤٦)، فلم يجد من ذلك بدّا فزوجه بها، وعقد العقد بظاهر مدينة تبريز، ثم توجّه إلى بغداد سنة خمس وخمسين وأربعمائة (٤٧) ولمّا دخلها طلب الزّفاف وحمل مائة ألف دينار برسم حمل القماش فزفّت إليه ليلة الاثنين خامس عشر صفر (٤٨) بدار المملكة، وجلست على سرير ملبّس بالذّهب، ودخل السّلطان إليها وقبل الأرض بين يديها ولم يكشف البرقع عن وجهها وقدم لها تحفا يقصر الوصف عن ضبطها، وقبل الأرض وخدم وانصرف وظهر عليه سرور عظيم. ابن خلكان (٤٩). وبالجملة فأخبار الدّولة السلجوقية كثيرة، وقد اعتنى بها جماعة من المؤرخين فألفوا فيها تآليف كثيرة اشتملت على تفاصيل أمرهم وما قصدت (٥٠) من الاتيان بهذه النبذة الا التنبيه على مبدإ حالهم، ليكشف جلية ذلك من يروم الوقوف عليه. وتوفي طغرلبك يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة (٤٧) بالرّي، وعمره سبعون سنة، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أخيه داود وقيل غير ذلك (٥١). ولمّا حضرته الوفاة قال: انّما مثلي مثل شاة شدّت قوائمها لجزّ الصّوف، فتظنّ أنها تذبح فتضطرب حتى اذا أطلقت فرحت، ثم تشدّ للذبح فتظنّ أنه لجزّ الصوف فتسكن فتذبح وهذا المرض الذي أنا فيه هو شدّ القوائم للذبح، فمات منه ﵀ ولم تقم بنت الامام القائم في صحبته / الا قدر ستة أشهر، ولم يخلّف ولدا ذكرا بل انتقل ملكه لابن أخيه ألب أرسلان، وماتت زوجته بنت الامام القائم في سنة ست وتسعين وأربعمائة (٥٢) سادس محرم. وطغرلبك: بضم الطاء المهملة وسكون العين المعجمة وضم الراء وسكون اللام وفتح

стр. 300

الباء الموحدة وبعدها كاف، وهو اسم علم تركي مركب من طغرل وهو اسم علم بلغة الترك لطائر معروف عندهم، وبه سمي الرجل، وبك معناه الأمير. وسلجوق بفتح السّين المهملة. وجيحون بفتح الجيم وسكون الياء المثناة تحت وضمّ الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون، وهو النّهر العظيم الفاصل ما بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بخارى وسمرقند وتلك البلاد، وكل ما كان من تلك النّاحية فهو ما وراء النّهر، والمراد من النّهر هو النّهر المذكور، وهو أحد أنهار الجنة التي جاء ذكره في الحديث «أنه يخرج من الجنّة أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فالظاهران النيل والفرات، والباطنان سيحون وجيحون» (٥٣). وسيحون بضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون، وهو وراء جيحون فيما يلي بلاد التّرك وبينهما مسافة خمس وعشرين يوما، وهذان النّهران مع عظمهما يجمدان في زمن الشّتاء، وتعبر القوافل عليهما بدوابّهم وأثقالهم ويقيمان كذلك مدة ثلاثة أشهر (٥٤). وكان ألب أرسلان (٥٥) بعد عمّه (٥٦) استولى على الممالك، فعظمت مملكته ورهبت سطوته، وفتح من البلاد ما لم يكن لعمّه طغرلبك / مع سعة ملكه، وقصد بلاد الشّام وانتهى إلى مدينة حلب وضاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، فحاصره مدة ثم جرت المصالحة [بينهما]، فقال ألب أرسلان: لا بد له من (٥٧) بساطي، فخرج إليه محمود ليلا ومعه أمّه، فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما وأعادهما إلى البلد ورحل عنها.

стр. 301

قيل (٥٨) إنه لم يعبر الفرات في قديم الزّمان ولا حديثه في الاسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان، فانه أوّل من عبره من ملوك التّرك، ثم رجع من بلاد التّرك وقد كمل عسكره مائتي ألف فارس أو يزيدون فمدّ على جيحون جسرا، وأقام العسكر يعبر عليه شهرا، وعبر هو بنفسه ومدّ السّماط في بليدة يقال لها «فربر»، وبتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون، في السادس من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وأربعمائة (٥٩)، فأحضر إليه أصحابه مستحفظ الحصن يقال له «يوسف الخوارزمي» [وكان] قد ارتكب جريمة في أمر الجيوش، فحمل إليه مقيّدا، فلمّا قرب منه أمر بضرب أربعة أوتاد وتشدّ أطرافه الأربعة إليها ويعذّب ثم يقتل، فقال يوسف المذكور: ومثلي يفعل به مثل هذه المثلة؟ فغضب ألب أرسلان، وأخذ قوسه، وجعل فيه سهما، وأمر بحلّ قيده ورماه فأخطأه وكان مدلا برميه، وكان جالسا على سريره، فنزل عنه فعثر ووقع على وجهه فبادر يوسف المذكور وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، فوثب عليه فراش أرمني فضربه / في رأسه بمرزبة فقتله، فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحا، وأحضر وزيره نظام الملك أبا [علي] الحسن، وأوصى إليه، وجعل ولده ملك شاه وليّ عهده، وتوفي يوم السبت عاشر الشهر (٦٠)، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة (٦١)، ومدة ملكه تسع سنين وأشهرا. فتولّى بعده ملكشاه أبو الفتح بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب «جلال الدّولة» (٦٢). ولمّا توفي والده ألب أرسلان - في التاريخ المذكور - كان ملكشاه في صحبته، ولم يصحبه قبلها في سفر غير هذه السّفرة، فولي الأمر من بعده بوصيته وتحليف الأمراء والأجناد على طاعته، وأوصى وزيره نظام الملك على تفرقة البلاد بين أولاده، ويكون مرجعهم لملكشاه، ففعل ذلك وعبر [بهم] نهر جيحون راجعا إلى البلاد. فلمّا وصل إلى البلاد وجد بعض أعمامه [وهو قاروت بك] (٦٣) قد خرج عليه. فعاجله وتصافا بالقرب من همذان، فنصره الله على عمّه، فتبعه بعض جند ملكشاه

стр. 302

فأسّره وحملوه إلى ملكشاه، فبذل التّوبة ورضي بالاعتقال وأن لا يقتل، فلم يجبه ملكشاه فأنفذ له خريطة مملوءة من كتب أمرائه وأنهم حملوه على الخروج عليه وعن طاعته وحسّنوا له ذلك، فدعا السّلطان بالوزير نظام الملك وأعطاه الخريطة ليفتحها ويقرأ ما فيها، فلم يفتحها / وكان هناك كانون نار فرمى الخريطة فيه فاحترقت الكتب، فسكنت قلوب العساكر [وأمنوا] (٦٤) ووطنوا أنفسهم على الخدمة، بعد أن كانوا خائفين من الخريطة لأن أكثرهم [كان قد] (٦٤) كاتبه، وكان ذلك سبب [ثبات] (٦٤) قدم ملكشاه وكانت هذه معدودة في جميل آراء نظام الملك. ومن جميل آرائه ما ذكره صاحب كتاب «فضل الحبيب والنديم اللّبيب» أن نظام الملك (٦٥) لما استوزره بالعراق السّلطان أبو الفتح السّلجوقي قام بالدّولة أحسن قيام، فشيّد أركانها وأسّس بنيانها، ووالى الأولياء واستمال الأعداء، وعمّ احسانه الولي والصّديق والقريب والبعيد، وكان أقبل اقبالا عظيما على العلماء والصّالحين والفقهاء، وبنى المدارس العظيمة والخانات العالية، وأجرى الخيرات الكثيرة والكساوي الجليلة الفاخرة لطبقات طلبة العلم والمشايخ الصّوفية وغيرهم ممّن يتوهّم فيهم الدّين والصلاح، وعمّ بذلك سائر الأقطار من بلاد العراقيين إلى الحرمين الشريفين، بحيث كان يخرج من خاصة الخالصة السّلطانية والخزائن الدّيوانية في هذه الوجوه ما ينيف على ستمائة ألف مثقال ذهبا غير الذي ينفقه من خاصة أمواله ومحصلات غلاته وما كان يدخل عليه من الهدايا وغيرها، ولعلّه كان يفوق القدر الذي يخرج من مال السّلطنة، فطار بذلك صيته في الآفاق، وكثر حسّاده ولا يخلو السّعداء من الحسّاد في كلّ زمان كما هو مشاهد بالعيان، وما وجدوا للطّعن على نظام الملك / طريقا غير اجحافه في الاخراج من الأموال السّلطانية من هذه الوجوه فوشوا إلى السّلطان أبي الفتح السّلجوقي من طرق شتّى، وكرّروا في سمعه أن نظام الملك أضر ببيت المال، والأولى أن يصرف في جمع جيش كثيف تركز رايته في سور القسطنطينية (٦٦) وكان ذلك قبل أن يفتحها السّلطان المرحوم برحمة الحي

стр. 303

القيوم محمد خان (٦٧) - أعاد الله علينا من سحائب بركاته - فلمّا تكرر ذلك الوشي في آذان السّلطان أبي الفتح أثر كلامهم في قلبه واعتقد نصحهم فطلب نظام الملك وقال له: يا أبي - وكان يخاطبه بذلك تعظيما له لكبر سنّه وعقله - بلغني أنك تخرج من بيت المال في كل سنة ستمائة ألف دينار إلى من لا ينفعنا ولا يغني عنّا، فبكى نظام الملك وقال: يا بني أنا شيخ عجمي لو نودي عليّ في السّوق ما سويت خمسة دنانير (٦٨)، وأنت شاب تركي (٦٩) لو نودي عليك عساك تساوي ثلاثين دينارا، وقد اختارنا الله تعالى وفوّض أمور بلاده وعباده الينا فلم نقابله بالشّكر، ولا عرفنا قدر نعم الله تعالى، فاستمريت أنا في كتابتي وضبطي، وأنت منهمك في لذّاتك ولهوك، وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصينا دون طاعتنا وشكرنا، ويوشك الذين أعددتهم للنوائب اذا حشروا يوما كافحوا عنك بسيف طوله ذراعين وسهم لا يبعد مرماه، وهم مع ذلك منهمكون في المعاصي والخمور والملاهي، وهم أحرى بنزول القهر من نزول الفتح / والنّصر فاتّخذت لك جيشا كثيفا وعسكرا منيفا يسمّى جيش الليل وعسكر السّحر، اذا نامت جيوشك ليلا قامت هذه الجيوش على أقدامها صفوفا بين يدي ربّهم، وأرسلوا دموعهم، وأطلقوا بالدّعاء ألسنتهم، ومدّوا إلى الله أكفّهم فرموا سهاما تخترق الأرضين، وسلّوا سيوفا يعمل في كل حين طوالا، تبلغ إلى الصّين، فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون، وببركاتهم تمطرون وبدعائهم تنصرون، فبكى السّلطان أبو الفتح بكاء شديدا وقال: شاباشر - أي يا أبي - استكثر لنا من هذا الجيش، فانه هو الذي لا بد لنا منه (٧٠)، ولمّا كانت هذه النّفوس لها قابلية الخير لم يؤثر فيها كلام الحسّاد الا قليلا زال [ما بها] في الحال، وعادت إلى حبّ الخير الذي جبلت عليه، فرحم الله تلك الأرواح الطّاهرة، فلقد زالوا وما زالت أخبارهم تروى، وأحاديثهم تنشر على ألسنة الرّواة ولا تطوى. ثم إن ملكشاه (٧١) أمر بقتل عمّه الذي قام عليه وطلب الاعتقال دون الموت فخنق

стр. 304

بوتر قوسه واستقرّت القواعد للسلطان ملكشاه، وفتح البلاد واتّسعت [عليه] المملكة، وملك ما لم يملكه أحد من ملوك الاسلام بعد الخلفاء المتقدّمين، فانه ملك من كاشغر بفتح الكاف وبعد الألف شين معجّمة ساكنة وغين معجّمة مفتوحة بعدها راء - وهي مدينة (٧٢) في أقصى بلاد الترك - إلى بيت المقدس طولا، ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر [وبحر الهند] عرضا. وكان من أحسن الملوك سيرة حتى لقّب «بالسّلطان العادل» / وكان منصورا في الحروب، ومغرما بالعمائر، فحفر كثيرا من الأنهار، وعمّر كثيرا من البلدان بالأسوار، وأنشأ في المفاوز رباطات وقناطر، وهو الذي بنى جامع السّلطان ببغداد سنة خمس وثمانين وأربعمائة (٧٣)، وبنى له نظام الملك المدرسة المشهورة ببغداد، وهي أول مدرسة بنيت - كما تقدّم - وزاد في دار السّلطنة بهاء ووضع في طريق مكّة مصانع، وبذل فيها أموالا كثيرة خارجة عن الحصر، وأبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد. وكان لهجا بالصّيد حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف، فتصدّق بعشرة آلاف دينار بعد أن نسي كثيرا منه، وقال: إنني خائف من الله تعالى من أجل ازهاق أرواح لغير مأكلها (٧٤)، وصار (٧٥) بعد ذلك كلّما قتل صيدا تصدّق بدينار. وخرج من الكوفة لتوديع الحاج، فجاوز العذيب وشيّعهم بالقرب من الواقصة، وصاد في طريقه وحشا كثيرا فبنى هنالك منارة من حوافر حمر الوحش وقرون الظّباء التي صادها في ذلك الطريق وكانت تعرف بمنارة القرون، وذلك سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٧٦). وكانت السبل في أيامه سالكة والمخاوف آمنة، تسير القوافل من ما وراء النّهر إلى أقصى الشّام وليس معها خفير، يسافر الواحد والاثنان من غير خوف ولا رهبة.

стр. 305

ولمّا توجّه إلى حرب [أخيه] تتش (٧٧) اجتاز بقبر (٧٨) علي بن موسى الرضا - رضي الله تعالى عنهما -[بطوس] فدخل المشهد مع نظام الملك فصليا فيه / وأطالا الدّعاء، ثم قال لنظام الملك: بأي شيء دعوت؟ فقال: دعوت الله أن ينصرك وأن يظفرك بأخيك قال: أما أنا فقلت «اللهم أنصر أصلحنا للمسلمين وأنفعنا للرعية». وحكي أن واعظا دخل عليه ووعظه، فكان من جملة ما حكى له أن بعض الأكاسرة اجتاز منفردا عن عسكره على باب بستان، فتقدّم إلى الباب وطلب ماء يشربه، فأخرجت له صبية اناء فيه ماء قصب السّكر والثلج، فشربه واستطابه، فقال: كيف يعمل هذا الماء؟ [فقالت: ان قصب السّكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء] (٧٩) فقال: ارجعي واحضري شيئا آخر، وكانت الصّبية غير عارفة به، فذهبت فقال في نفسه: الصّواب أن أعوّضهم عن هذا المكان وأصطفيه لنفسي، فما كان بأسرع من خروجها باكية، وقالت: إن نيّة السّلطان قد تغيّرت، فقال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد من غير تعسّف، والآن قد اجهدت في عصر القصب فلم يسمح ببعض ما كان يأتي، فعلم صدقها، ثم رجع عن تلك النيّة، ثم قال: ارجعي الآن فانك تبلغين الغرض، وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه، فخرجت [الصبية] بما شاءت من [ماء] قصبّ السّكر وهي مستبشرة، فقال السّلطان للواعظ: ولم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للنّاظر: ناولني عنقودا من الحصرم، فقال له: ما يمكنني ذلك، فان السّلطان ما أخذ حقّه ولا تجوز لي خيانته، فعجب الحاضرون من مقابلته للحكاية بمثلها، ومعارضته بما أوجب الحق له لما أوجب الحق عليه. ولقيه سوادي وهو يبكي، فسأله / السّلطان عن سبب بكائه فقال: ابتعت بطّيخا بدريهمات لا أملك غيرها، فلقيني ثلاثة غلمان أتراك فأخذوه مني، وما لي حيلة سواه، فقال: أمسك، واستدعى فرّاشا، وكان ذلك عند باكورة البطّيخ، وقال له: ان نفسي قد تاقت إلى البطّيخ، فطف في العسكر وانظر من عنده شيء فأحضره، فعاد ومعه

стр. 306

بطّيخ، فقال: عند من لقيته؟ قال: عند الأمير فلان، فأحضره وقال: من أين لك هذا؟ قال: جاء به الغلمان، فقال: أريدهم الساعة، فمضى وقد عرف نيّة السّلطان فيهم، فهرّبهم وعاد وقال: لم أجدهم، فالتفت إلى السوادي وقال: هذا مملوكي وقد وهبته لك حين لم يحضر الغلمان الذين أخذوا متاعك، والله لئن خليته لأضربنّ عنقك، فأخذ السّوادي بيده وأخرجه من بين يدي السّلطان [فاشترى الأمير نفسه بثلاثمائة دينار] (٨٠) ثم رجع السّوادي وقال: يا سلطان قد بعت المملوك بثلاثمائة دينار. فقال: أو قد رضيت؟ قال: نعم، قال: امض مصاحبا. وكانت البركة واليمن مقرونين بناصيته، فكان اذا دخل أصبهان وبغداد وأي بلد من البلاد دخل معه عدد لا يحصى لكثرته فيرخص السعر وتنحط أثمان الأشياء عمّا كانت عليه قبل، ويكتسب المتعيّشون مع عسكره الكسب الكثير. وأحضرت إليه مغنية وهو بالري، فأعجب بها واستطاب غناءها، فهمّ بها فقالت: يا سلطان، اني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذّب بالنار، وان الحلال أيسر، وبينه وبين الحرام كلمة، فقال: صدقت / ودعا القاضي فتزوجّها وابتنى بها وتوفي عنها. وتزوج الامام المقتدي (٨١) بأمر الله أمير المؤمنين ابنة السّلطان، وكان السّفير بالخطبة الشّيخ أبا اسحاق الشيرازي - رحمه الله تعالى - أنفذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب، لكون السّلطان كان هناك، فلمّا وصل إليه أدّى الرّسالة ونجّز الشغل. ولمّا أراد الانصراف من نيسابور، خرج امام الحرمين لوداعه، وقد كان ناظره فأخذ بركابه حتى ركب أبو اسحاق، وظهر له في خراسان منزلة عظيمة، حتى كانوا يأخذون التراب الذي بطؤه نعلاه (٨٢) فيتبركون به. وكان زفاف ابنة السّلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربعمائة (٨٣)، وفي صبيحة دخوله عليها أحضر الخليفة عسكر السّلطان على سماط صنعه لهم كان فيه أربعون ألف منّا من السّكر، وفي بقية هذه السّنة ولد له ولد من ابنة السّلطان سمّاه أبا الفضل جعفر، وزيّنت بغداد لأجله.

стр. 307

وكان السّلطان قد دخل بغداد دفعتين، وهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته، وليس للخليفة فيها سوى الاسم، فلمّا عاد إليها في الدّفعة الثّالثة أول شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة (٨٤)، وخرج من فوره إلى ناحية دجيل (٨٥) لأجل الصّيد، فاصطاد وحشا وأكل من لحمه فابتدأت به العلّة، فافتصد، ولم يكثر من اخراج الدّم، فعاد إلى بغداد مريضا، ولم يصل إليه أحد من خاصّته، فلما دخلها توفّي بها ثاني يوم دخوله، وهو السّادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة (٨٦) ولمّا مات / لم تشهد له جنازة ولا صلّى عليه أحد في الصّورة الظّاهرة، ولا جلسوا للعزاء، ولا حلق (٨٧) عليه ذنب فرس كعادة أمثاله بل كأنه اختلس من العالم. وحمل تابوته إلى اصبهان ودفن بها في مدرسته العظيمة الموقوفة على طلبة الشّافعية والحنفية، وانما أخمد ذكره عند موته عقوبة من الله، وذلك أنه لما دخل بغداد في هذه المرّة وكان للخليفة [المقتدى] (٨٨) ولدان أحدهما الامام المستظهر بالله والآخر أبو الفضل جعفر ابن بنت السّلطان، وكان الخليفة قد بايع لولده المستظهر بولاية العهد من بعده، فألزمه السّلطان أن يخلعه وأن يبايع لابن ابنته، ويسلّم بغداد إليه، ويخرج الخليفة إلى البصرة، فشقّ ذلك على الخليفة، وبالغ في استنزال السّلطان عن هذا الرأي فلم يفعل، فسأله المهلة عشرة أيام ليتجهز فأمهله، فقيل إن الخليفة في تلك الأيام جعل يصوم ويصلّي (٨٩) واذا أفطر جلس على الرّماد للافطار، وهو يدعو الله على السّلطان، فمرض [السّلطان] في تلك الأيام ومات، وكفى الله الخليفة أمره، وتزوج الامام المستظهر ابنة السّلطان واسمها خاتون [العصمة] (٩٠) في سنة اثنتين وخمسمائة (٩١). وقد خلف ملكشاه ثلاثة أولاد اقتسموا مملكته، بركياروق، وسنجر، ومحمّد، ولم يكن لسنجر ومحمّد الشقيقان حديث ولا ذكر مع وجود بركياروق، لأنه كان هو

стр. 308

السّلطان المشار إليه وهما كالأتباع له، ثم اختلف محمّد وبركياروق، فدخل محمّد وأخوه سنجر إلى بغداد / وخلع عليهما الامام المستظهر بالله، وكان [محمّد] قد التمس من أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر، فجلس لهما في قبّة التّاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم، وجلس الخليفة على سدّته، ووقف سيف الدّولة [صدقة] (٩٢) بن مزيد صاحب الحلّة عن يمين السّدة، وعلى كتفه بردة النبيء ﷺ وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب، وأفيض على محمّد الخلع السّبع التي جرت عادة السّلاطين بها، وألبس الطوق والتّاج والسّوارين، وعقد له الخليفة اللّواء بيده وقلّده سيفين، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمّد بالسّلطنة في جامع بغداد على جاري عادتهم [في] ذلك الزمان، وتركوا الخطبة لبركياروق، كان ذلك سنة خمس وتسعين وأربعمائة (٩٣)، وقيل سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة (٩٤). واستمرّت السّلطنة فيهم إلى أن كملت عدّة السلاطين السّلجوقية أربعة عشر سلطانا وآخرهم السّلطان مغيث الدّين طغرل بن أرسلان بن طغرل بك (٩٥) وظهورهم وعلوّ شأنهم في خلال خمسين وأربعمائة (٩٦). وأما السّلجوقية ببلاد الرّوم فأوّلهم قتلمش (٩٧) فقد ذكر صاحب الدّول الإسلامية (٩٧) إن السلجوقية لمّا انتشروا في البلاد طالبين الملك دخل منهم قتلمش (٩٨) ابن اسرائيل إلى بلاد الرّوم وملك مدينة قونية وأقصرا (٩٩) ونواحيهما، ثم توجّه إلى بلاد الري ليأخذها فانهزم جيشه ووجد هو بين القتلى (١٠٠).

стр. 309

فقام بعده ولده سليمان (١٠١) فسار لحرب حلب فهزم وطعن نفسه بخنجر. فملك بعده ابنه قلج أرسلان (١٠٢) فملك زيادة على ما خلفه أبوه الموصل وديار بكر وأعمالهما فسار لقتال جاولي (١٠٣) فقتل قلج أرسلان. فملك بعده ولده مسعود فتوفّي [سنة احدى وخمسين وخمسمائة] (١٠٤). فملك ولده قلج أرسلان بن مسعود فقسّم ممالكه بين أولاده السّبعة وابن أخيه (١٠٥). وملك بعد وفاته ولده غياث الدّين كيخسرو (١٠٦) فعظم شأنه وقتله أشكر (١٠٧) صاحب قسطنطينية في حروبه معه سنة سبع وستمائة (١٠٨). فملك بعده ولده كيكاوس (١٠٩) فقاتل عمّه طغرل شاه فقتله سنة عشرة وستمائة (١١٠). فتولّى بعده أخوه السّلطان المجاهد علاء الدّين كيقباد، وكان محبّا للغزو فاتّسعت رقعة ملكه ببلاد الرّوم، ومدّ يده إلى ما يجاوره من البلاد وخدم عنده عسكر جلال الدّين خوارزم شاه بعد مهلكه، توفّي سنة أربع وثلاثين وستمائة (١١١) ومدّة ملكه أربع وعشرون. ثم ملك بعده ابنه غياث الدّين فمات سنة أربع وخمسين وستمائة (١١٢). فملك بعده ابنه علاء الدّين كيقباد، وكان ولي عهده، وكان اذ ذاك هلك جنكز خان، وولي مكانه ابنه تولي خان (١١٣)، فملك أكثر بلاد الرّوم، وكان ملوك الرّوم تحت حكم التتار.

стр. 310

وآخر من تولّى الملك من السّلجوقية بالدّيار الرّومية مسعود بن كيكاوس في سنة ثمان عشرة وسبعمائة (١١٤) فاضمحل أمره، وبقي الملك بها للتتار. ثم فشل أمرهم فاستولى على غالب بلادهم بنو عثمان، ثم استولوا عليها جميعا / - رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم -. وعلاء الدّين الثاني هو صاحب السّلطان عثمان جدّ آل عثمان، وتوفّي علاء الدّين المذكور سنة سبعمائة (١١٥). الديلمية: وأما الدّيلميّة فأول ملوكهم عماد الدّولة أبو الحسن علي بن بويه بن فناخسرو (١١٦) والديلمية (١١٧) بن تمام بن (كوهي بن شيرزيك الأصغر بن شيركوه بن شيرزيك الأكبر ابن سران شاه بن سيرقند بن سيسانشاه) (١١٨). فعماد الدّولة صاحب بلاد فارس، وكان أبوه صيادا وليست له معيشة إلاّ من صيد السّمك، وكان أحد ثلاثة أخوة، فهو أكبرهم، ثم ركن الدّولة الحسن والد عضد الدّولة، ثم معز الدّولة أحمد، والجميع ملكوا، وسبب سعادتهم عماد الدّولة وبه انتشار صيتهم، فاستولوا على البلاد، وملكوا العراقين والأهواز وفارس، وساسوا أمور الرّعية أحسن سياسة، وشاركوا الخليفة العبّاسي في الخطبة ببغداد لنصرتهم وطاعتهم للخليفة، وكانت وفاة عماد الدّولة يوم الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين (١١٩) بشيراز، وأقام في المملكة ست عشرة سنة، وعاش سبعا وخمسين سنة، ولم يعقّب.

стр. 311

وأما أحمد معزّ الدّولة فكان وصوله إلى بغداد من جهة الأهواز، فدخلها متملكا يوم السّبت لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة (١٢٠) في خلافة المستكفي، وملكها بلا كلفة. وذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه «شذور العقود» / أن معزّ الدّولة أحمد كان في أول أمره يحمل الحطب على رأسه، ثم ملك البلاد هو وأخوه، وكانت مدّة ملكه بالعراق احدى وعشرين سنة واحد عشر شهرا، وتوفي يوم الاثنين سابع عشر (١٢١) ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة (١٢٢) ببغداد، ولمّا توفّي تولّى موضعه ولده عزّ الدّولة أبو منصور بختيار، وتزوّج الطائع لله ابنته سارة ريّان على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة (١٢٣)، وكان بين عزّ الدولة [بختيار] وابن عمّه عضد الدّولة منافسات في الممالك أدّت إلى التّنازع والتّصاف والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة (١٢٤) فقتل عزّ الدّولة، وكان عمره ستّا وثلاثين سنة، وحمل رأسه في طشت ووضع بين يدي عضد الدّولة، فلمّا رآه وضع يديه على وجهه وبكى. وكان عدّتهم ستّة عشر سلطانا آخرهم أبو علي بن عزّ الملوك. السلقدية: وأما السلقدية فآخرهم أثابك (١٢٥) معظم بن سعد بن أبي بكر سنقر بن زنكي ممدوح ذكره الشّيخ السّعدي في كتابه الشهير «بكلستان»، وهو أكرم السّلقدية، ذكره البيضاوي وغيره.

стр. 312

الخوارزمية: وأما الخوارزمية فأولهم خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين (١٢٦)، وآخرهم السّلطان غياث الدّين محمود خوارزم شاه، وهم ثمانية نفر، خرج من طاعة المقتدر بالله وأرسل إليه يقول: اخرج من بغداد إلى أي مكان تريد، فأرسل إليه المقتدر يقول: أصبر عشرة أيام، فلبس / المقتدر جبّة من الصّوف وكان مجاب الدّعوة، فدعا عليه فمات خوارزم شاه في اليوم العاشر فجأة، وفي رواية: حين رجع من بغداد قامت عليه صواعق بسبب دعوة الشّيخ غضبان عليه، فقامت قيامة الصّواعق عليهم وقلعت الرّياح خيامهم.

стр. 313

الباب الثالث في مشاهير أمراء بني العبّاس بالمغرب يزيد بن حاتم: فمنهم أبو خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدى. قال ابن خلكان: (١) قال أبو سعيد [بن يونس] في تاريخه: ولي يزيد بن حاتم مصر سنة أربع وأربعين ومائة (٢) زاد غيره في منتصف ذي القعدة (٢). ثم إن المنصور خرج إلى الشّام في زيارة بيت المقدس في سنة أربع وخمسين (٣)، ومن هناك سيّر يزيد بن حاتم إلى افريقية لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر بن حفص، وجهّز معه خمسين ألف مقاتل، واستقرّ يزيد المذكور واليا بافريقية من يومئذ، وكان وصوله إليها واستظهاره على الخوارج في سنة خمس وخمسين (٤)، ودخل القيروان في هذا التاريخ. وكان جوادا سريا مقصودا ممدوحا، قصده جماعة من الشّعراء فأحسن جوائزهم، وقال الطرطوشي في كتاب «سراج الملوك» قال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم حكيما يقول: والله ما هبت شئيا قط هيبتي لرجل ظلمته وأنا أعلم انه لا ناصر له الا الله تعالى، فيقول: حسبك الله، الله بيني وبينك. وذكر أبو سعد السمعاني في كتاب «الأنساب» (٥) أن المشهر التميمي الشاعر / وفد على يزيد بن حاتم بافريقية فأنشده:

стр. 314

[طويل] إليك قصرنا النصف من صلواتنا ... مسيرة شهر ثم شهر نواصله فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... لديك ولكن أهنأ (٦) البرّ عاجله فأمر يزيد بوضع العطاء في جنده وكان معه خمسون ألف مرتزق، فقال: من أحب أن يسرّني فليضع لزائري هذا من عطائه درهمين، فاجتمع له مائة ألف درهم، وضم يزيد لذلك مائة ألف درهم أخرى ودفعها إليه (٧). ولمّا قدم عليه ابن المولى أنشده وهو أمير مصر: [مجزوء الكامل] يا واحد العرب الذي ... أضحى وليس له نظير لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير فدعا يزيد بخازنه وقال: كم في بيت مالي؟ قال: فيه من العين والورق عشرون ألف دينار، فقال: ادفعها إليه، ثم قال: يا أخي، المعذرة إلى الله ثم إليك، [والله] لو كان في ملكي غيرها ما ادخرتها عنك. ولم يزل يزيد واليا بافريقية إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة سبعين ومائة (٨)، ودفن بباب سلم، واستحلف على افريقية [ولده] داود بن يزيد (ابن زائدة وهو ابن أخي معزّ بن زائدة) (٩). هرثمة بن أعين: وتولّى هرثمة ابن أعين الهاشمي عن هارون الرّشيد، فقدم على افريقية يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة (١٠). (فبنى القصر الكبير) (١١) في سنة ثمانين ومائة (١٢).

стр. 315

بداية بني الأغلب: ومن أشهر أمراء بني العباس بالمغرب بنو الأغلب وهم عدة / سلاطين وجدّهم الذي ينتمون إليه هو الأغلب [ابن ابراهيم] بن سالم، وأوّلهم ابراهيم، كان رئيسا شريف النّفس فاضلا نبيلا عالما فصيحا حسن السّيرة ولاه افريقية هارون الرّشيد ليضايق على مولاي ادريس جد أشراف المغرب، وهو ادريس ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - فاحتال عليه ابراهيم في خبر طويل. أبو العباس عبد الله: ولمّا فرغت مدّة ابراهيم تولّى بعده ابنه أبو العباس عبد الله (١٣) [في سنة ١٩٧] (١٤) نقل التجاني «أنه أراد أن يحدث على النّاس مظالم من جملتها أن يرفع على النّاس طلب العشر ويضع على كل زوج ثمانية دنانير أصابوا أو لم يصيبوا، فاشتدّ ذلك على النّاس، وقدم حفص بن حميد (١٥) الجزري ومعه قوم صالحون من أهل جزيرة شريك وغيرها، فاستأذنوا عليه - وكان من أجمل الناس - فكلّمه حفص وقال له: اتّق الله أيها الأمير، وارحم جمالك وشبابك فان النّار أمامك، فلم يجبه لشيء ممّا أراد، وأظهر الاستخفاف به وبمن معه، فخرج حفص وأصحابه فلمّا صاروا ببعض الطريق قال لهم: انا يئسنا من الخلق ولن نيأس من الخالق، فما فتح باب الدعاء حتى فتح باب الاجابة، فنزلوا وأسبغوا الوضوء، فصلّى بهم حفص ركعتين ودعوا على ابن الأغلب أن يمنعه الله ممّا أراد من أذيّة المسلمين، ويكفّ عنهم جوره، فبعد خمسة أيام خرجت له قرحة تحت أذنه فقتلته في اليوم السابع من دعائهم، [قال]: فحكى المتولي غسله أنه كشف عنه ثوبه فوجده أسود كأنه / زنجي بعد ذلك الجمال العظيم» (١٦).

стр. 316

زيادة الله: فتولّى بعده أخوه زيادة الله [الأول] (١٧) فكان ملكا جليلا على عهد المأمون وابراهيم ابن المهدي القائم على المأمون، وتوفي زيادة الله يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين (١٨). وولي الأمر بعده أخوه أبو عقال الأغلب بن ابراهيم (١٩)، فكان مثله في الخير، وغير حوادث كثيرة. أبو العباس محمد: ثم تولّى بعده ابنه أبو العباس محمد (٢٠) بن أبي عقال الأغلب بن ابراهيم (٢١) فكان جاهلا (٢٢) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢٣). ثم تولّى بعده ولده أبو ابراهيم أحمد، فأحسن السّيرة وأكثر عطاء الجند، وكان مولعا بالعمارة، فبنى بافريقية أكثر من عشرة آلاف حصن بالحجارة والكلس وأبواب الحديد، واتخذ العبيد جندا، وخرج عليه بناحية طرابلس خوارج من البربر فغلبهم عاملها، وهو يومئذ أخوه عبد الله بن محمد بن الأغلب، سرح إليهم أخاهما زيادة الله فحاربهم واستلحمهم وكتب إلى أخيه أبي ابراهيم بالفتح، وفي أيامه افتتح قصر يانة (٢٤)

стр. 317

من مدن صقليّة في شوال سنة أربع وأربعين ومائتين (٢٥)، وبعث بفتحها إلى المتوكل، وأهدى له من سبيها، ثم توفي أبو ابراهيم آخر سنة تسع وأربعين ومائتين (٢٦)، فكانت مدّته ثمان سنين. زيادة الله الأصغر: وتولّى بعده زيادة الله بن أبي ابراهيم بن محمد، ويعرف بزيادة الله الأصغر، فجرى على سنن أسلافه، ولم تطل أيامه فتوفي سنة خمسين ومائتين (٢٧). أبو الغرانيق: فتولّى مكانه / ابن أخيه (٢٨) محمد [الثاني] ويلقّب «بأبي الغرانيق» لشغفه بصيدها، فغلب عليه اللهو والشرب، وكانت أيّامه حروب وفتن، وفتح جزيرة مالطة سنة خمس وخمسين (٢٩)، وتغلّب الرّوم على مواضع من جزيرة صقليّة، وبنى محمد حصونا ومحارس على ساحل البحر بالمغرب على مسيرة خمسة عشر يوما من برقة إلى جهة المغرب وهي الآن معروفة، ثم توفي أبو الغرانيق منتصف احدى وستين (٣٠) لاحدى عشر سنة من ولايته (٣١).

стр. 318

ابراهيم: فتولّى بعده أخوه ابراهيم بن أحمد وكان أبو الغرانيق عهد لابنه أبي عقال، واستحلف أخاه ابراهيم المذكور على أن لا ينازعه ولا يتعرّض له، بل يكون نائبا عنه إلى أن يكبر، فلمّا مات عدا عليه أهل القيروان، وحملوه على الولاية عليهم لحسن سيرته وعدله فامتنع، ثم أجاب وترك وصيّة أبي الغرانيق في ولده أبي عقال، وهو الذي نقل القصور إلى رقّادة خارج القيروان، وقام في أول الأمر أحسن قيام، فكان عادلا حازما قطع أهل البغي والفساد، وجلس لسماع شكوى المتظلّمين فأمنت البلاد، وبنى الحصون والمحارس بسواحل البحر حتى كانت النّار توقد في سواحل سبتة للنذير بالعدو فيتصل ايقادها بالاسكندرية في اللّيلة الواحدة، وفي أيّامه كان مسير العبّاس بن أحمد بن طولون مخالفا على أبيه صاحب مصر سنة خمس وستين ومائتين (٣٢)، فملك برقة من يد محمد بن قهرب (٣٣) قائد ابن الأغلب، ثم ملك لبدة ثم حاصر طرابلس واستمدّ ابن قهرب نفوسة فأمدّوه ولقي العبّاس بن طولون / بقصر حاتم سنة سبع وستين ومائتين (٣٤) فهزمه، ورجع إلى مصر، ثم خالفت هوارة ولواتة وغيرهما وقتل ابن قهرب (٣٣) في حروبهم، فسرح ابراهيم ابنه أبا العباس عبد الله إليهم في العساكر سنة تسع وستين (٣٥)، فأثخن فيهم. وفي سنة ثمانين ومائتين (٣٦) كثر الخوارج وفرّق العساكر إليهم فاستقاموا، واستركب العبيد السّودان واستكثر منهم فبلغوا ثلاثة آلاف. وفي سنة احدى وثمانين ومائتين (٣٧) انتقل إلى سكنى تونس، واتخذ بها القصور ثم تحرك إلى مصر سنة ثلاث وثمانين (٣٨) لمحاربة ابن طولون، فاعترضته نفوسة فهزمهم وأثخن فيهم، ثم انتهى إلى سرت فانفضت عنه الحشود فرجع، وبعث ابنه أبا العباس عبد الله على صقليّة سنة سبع وثمانين ومائتين (٣٩)، فوصل إليها في مائة وستين مركبا وحصر طرابنة (٤٠)، وانتقض عليه بليرم وأهل كبركيت، وكانت بينهم فتنة فأغراه كل [واحد

стр. 319

منهم] بالآخر، ثم اجتمعوا لحربه، وزحف إليه أهل بليرم في البحر فهزمهم واستباحهم (وملك بلدهم) (٤١) وبعث جماعة من وجوهها إلى أبيه، وفرّ آخرون من أعيانهم إلى القسطنطينية وآخرون إلى طرابنة (٤٢) فأتبعهم وعاث في نواحيها، وتجهز سنة ثمان وثمانين ومائتين للغزو فغزا دمقش ثم مسينا فهدم سورها، ثم جاء في البحر إلى ريو (٤٣) ففتحها عنوة، وشحن مراكبه بغنائمها، وجاء مدد القسطنطينية في المراكب فهزمهم، وأخذ لهم ثلاثين مركبا» (٤٤). ثم ان ابراهيم بن أحمد غلب عليه خلط سوداوي فتغيّر وأسرف في القتل، فقتل أصحابه وكفاته وحجّابه، وقتل ثمانية إخوة له صبرا بين يديه، وقتل بناته، ثم أظهر النسك (٤٥) ومات لثمان بقين من شهر ربيع الأول (٤٦) سنة تسع وثمانين ومائتين (٤٧). عبد الله بن ابراهيم: وولي بعده ابنه أبو العبّاس عبد الله بن ابراهيم على عهد المعتصم، فردّ المظالم وتنسّك ولبس الصّوف إلى أن قتل بتدبير ابنه زيادة الله (٤٨)، وكان في سجنه وبادر بقتل من شاركه في دمه، وأظهر التبرّي منه، فعاقبه الله تعالى فلم يتمتّع بالملك، ولم يصف له بل خرج مهزوما ومات طريدا شريدا في البلاد بظهور بني عبيد الشّيعة، فلقيت جيوشه جيوشهم فلم تقم له قائمة ففرّ إلى المشرق (٤٩) وترك البلاد، فاستولى عليها الشّيعة بعدما ملكها بنو الأغلب مائة سنة واثنتي عشرة سنة وعدّتهم أحد عشر سلطانا.

стр. 320

المقالة الرّابعة في ذكر ملوك الشّيعة بالمغرب وكيفيّة انتقالهم لمصر وما يتبع ذلك عبيد الله المهدي وقيام الدّولة الفاطمية: أقول الشّيعة فرقة مبتدعة يرون أفضليّة علي - رضي الله تعالى عنه - على الشّيخين أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - ويرون استحقاق ذرّية علي للخلافة دون بني أميّة والعبّاس، والنّسبة إلى الشّيعة شيعي، وأول من ظهر منهم بالمغرب فادعى الخلافة لنفسه أبو محمد عبيد الله الملقّب «بالمهدي». نقل ابن خلكان (١) عن صاحب «تاريخ القيروان» (٢) أنه عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد / بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - وقيل هو عبيد الله بن التّقي (٣) بن الوفي (٤) بن الرّضي، وهؤلاء الثّلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله، والرّضي المذكور ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر المذكور، واسم التّقي (٥) الحسين، واسم الوفي أحمد، واسم الرّضي عبد الله، وانما استتروا خوفا على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة خلفاء بني العبّاس، لأنهم علموا أن فيهم من يريد الخلافة أسوة بغيرهم من العلويين، ووقائعهم في ذلك مشهورة، وانما تسمّى المهدي عبيد الله تستّرا.
следующие страницы →