← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

زيادة الله: فتولّى بعده أخوه زيادة الله [الأول] (١٧) فكان ملكا جليلا على عهد المأمون وابراهيم ابن المهدي القائم على المأمون، وتوفي زيادة الله يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين (١٨). وولي الأمر بعده أخوه أبو عقال الأغلب بن ابراهيم (١٩)، فكان مثله في الخير، وغير حوادث كثيرة. أبو العباس محمد: ثم تولّى بعده ابنه أبو العباس محمد (٢٠) بن أبي عقال الأغلب بن ابراهيم (٢١) فكان جاهلا (٢٢) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢٣). ثم تولّى بعده ولده أبو ابراهيم أحمد، فأحسن السّيرة وأكثر عطاء الجند، وكان مولعا بالعمارة، فبنى بافريقية أكثر من عشرة آلاف حصن بالحجارة والكلس وأبواب الحديد، واتخذ العبيد جندا، وخرج عليه بناحية طرابلس خوارج من البربر فغلبهم عاملها، وهو يومئذ أخوه عبد الله بن محمد بن الأغلب، سرح إليهم أخاهما زيادة الله فحاربهم واستلحمهم وكتب إلى أخيه أبي ابراهيم بالفتح، وفي أيامه افتتح قصر يانة (٢٤)

стр. 317

من مدن صقليّة في شوال سنة أربع وأربعين ومائتين (٢٥)، وبعث بفتحها إلى المتوكل، وأهدى له من سبيها، ثم توفي أبو ابراهيم آخر سنة تسع وأربعين ومائتين (٢٦)، فكانت مدّته ثمان سنين. زيادة الله الأصغر: وتولّى بعده زيادة الله بن أبي ابراهيم بن محمد، ويعرف بزيادة الله الأصغر، فجرى على سنن أسلافه، ولم تطل أيامه فتوفي سنة خمسين ومائتين (٢٧). أبو الغرانيق: فتولّى مكانه / ابن أخيه (٢٨) محمد [الثاني] ويلقّب «بأبي الغرانيق» لشغفه بصيدها، فغلب عليه اللهو والشرب، وكانت أيّامه حروب وفتن، وفتح جزيرة مالطة سنة خمس وخمسين (٢٩)، وتغلّب الرّوم على مواضع من جزيرة صقليّة، وبنى محمد حصونا ومحارس على ساحل البحر بالمغرب على مسيرة خمسة عشر يوما من برقة إلى جهة المغرب وهي الآن معروفة، ثم توفي أبو الغرانيق منتصف احدى وستين (٣٠) لاحدى عشر سنة من ولايته (٣١).

стр. 318

ابراهيم: فتولّى بعده أخوه ابراهيم بن أحمد وكان أبو الغرانيق عهد لابنه أبي عقال، واستحلف أخاه ابراهيم المذكور على أن لا ينازعه ولا يتعرّض له، بل يكون نائبا عنه إلى أن يكبر، فلمّا مات عدا عليه أهل القيروان، وحملوه على الولاية عليهم لحسن سيرته وعدله فامتنع، ثم أجاب وترك وصيّة أبي الغرانيق في ولده أبي عقال، وهو الذي نقل القصور إلى رقّادة خارج القيروان، وقام في أول الأمر أحسن قيام، فكان عادلا حازما قطع أهل البغي والفساد، وجلس لسماع شكوى المتظلّمين فأمنت البلاد، وبنى الحصون والمحارس بسواحل البحر حتى كانت النّار توقد في سواحل سبتة للنذير بالعدو فيتصل ايقادها بالاسكندرية في اللّيلة الواحدة، وفي أيّامه كان مسير العبّاس بن أحمد بن طولون مخالفا على أبيه صاحب مصر سنة خمس وستين ومائتين (٣٢)، فملك برقة من يد محمد بن قهرب (٣٣) قائد ابن الأغلب، ثم ملك لبدة ثم حاصر طرابلس واستمدّ ابن قهرب نفوسة فأمدّوه ولقي العبّاس بن طولون / بقصر حاتم سنة سبع وستين ومائتين (٣٤) فهزمه، ورجع إلى مصر، ثم خالفت هوارة ولواتة وغيرهما وقتل ابن قهرب (٣٣) في حروبهم، فسرح ابراهيم ابنه أبا العباس عبد الله إليهم في العساكر سنة تسع وستين (٣٥)، فأثخن فيهم. وفي سنة ثمانين ومائتين (٣٦) كثر الخوارج وفرّق العساكر إليهم فاستقاموا، واستركب العبيد السّودان واستكثر منهم فبلغوا ثلاثة آلاف. وفي سنة احدى وثمانين ومائتين (٣٧) انتقل إلى سكنى تونس، واتخذ بها القصور ثم تحرك إلى مصر سنة ثلاث وثمانين (٣٨) لمحاربة ابن طولون، فاعترضته نفوسة فهزمهم وأثخن فيهم، ثم انتهى إلى سرت فانفضت عنه الحشود فرجع، وبعث ابنه أبا العباس عبد الله على صقليّة سنة سبع وثمانين ومائتين (٣٩)، فوصل إليها في مائة وستين مركبا وحصر طرابنة (٤٠)، وانتقض عليه بليرم وأهل كبركيت، وكانت بينهم فتنة فأغراه كل [واحد

стр. 319

منهم] بالآخر، ثم اجتمعوا لحربه، وزحف إليه أهل بليرم في البحر فهزمهم واستباحهم (وملك بلدهم) (٤١) وبعث جماعة من وجوهها إلى أبيه، وفرّ آخرون من أعيانهم إلى القسطنطينية وآخرون إلى طرابنة (٤٢) فأتبعهم وعاث في نواحيها، وتجهز سنة ثمان وثمانين ومائتين للغزو فغزا دمقش ثم مسينا فهدم سورها، ثم جاء في البحر إلى ريو (٤٣) ففتحها عنوة، وشحن مراكبه بغنائمها، وجاء مدد القسطنطينية في المراكب فهزمهم، وأخذ لهم ثلاثين مركبا» (٤٤). ثم ان ابراهيم بن أحمد غلب عليه خلط سوداوي فتغيّر وأسرف في القتل، فقتل أصحابه وكفاته وحجّابه، وقتل ثمانية إخوة له صبرا بين يديه، وقتل بناته، ثم أظهر النسك (٤٥) ومات لثمان بقين من شهر ربيع الأول (٤٦) سنة تسع وثمانين ومائتين (٤٧). عبد الله بن ابراهيم: وولي بعده ابنه أبو العبّاس عبد الله بن ابراهيم على عهد المعتصم، فردّ المظالم وتنسّك ولبس الصّوف إلى أن قتل بتدبير ابنه زيادة الله (٤٨)، وكان في سجنه وبادر بقتل من شاركه في دمه، وأظهر التبرّي منه، فعاقبه الله تعالى فلم يتمتّع بالملك، ولم يصف له بل خرج مهزوما ومات طريدا شريدا في البلاد بظهور بني عبيد الشّيعة، فلقيت جيوشه جيوشهم فلم تقم له قائمة ففرّ إلى المشرق (٤٩) وترك البلاد، فاستولى عليها الشّيعة بعدما ملكها بنو الأغلب مائة سنة واثنتي عشرة سنة وعدّتهم أحد عشر سلطانا.

стр. 320

المقالة الرّابعة في ذكر ملوك الشّيعة بالمغرب وكيفيّة انتقالهم لمصر وما يتبع ذلك عبيد الله المهدي وقيام الدّولة الفاطمية: أقول الشّيعة فرقة مبتدعة يرون أفضليّة علي - رضي الله تعالى عنه - على الشّيخين أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - ويرون استحقاق ذرّية علي للخلافة دون بني أميّة والعبّاس، والنّسبة إلى الشّيعة شيعي، وأول من ظهر منهم بالمغرب فادعى الخلافة لنفسه أبو محمد عبيد الله الملقّب «بالمهدي». نقل ابن خلكان (١) عن صاحب «تاريخ القيروان» (٢) أنه عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد / بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - وقيل هو عبيد الله بن التّقي (٣) بن الوفي (٤) بن الرّضي، وهؤلاء الثّلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله، والرّضي المذكور ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر المذكور، واسم التّقي (٥) الحسين، واسم الوفي أحمد، واسم الرّضي عبد الله، وانما استتروا خوفا على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة خلفاء بني العبّاس، لأنهم علموا أن فيهم من يريد الخلافة أسوة بغيرهم من العلويين، ووقائعهم في ذلك مشهورة، وانما تسمّى المهدي عبيد الله تستّرا.

стр. 321

وكانت ولادة عبيد الله سنة تسع وخمسين ومائتين (٦) بالكوفة (٧)، «وكان داعيته ببلاد المغرب أبو عبد الله بن أحمد بن زكرياء المعروف بالشّيعي، سمّي بذلك لأن الشّيعيّ هو المنتسب للشّيعة وهو من صنعاء اليمن، كان من الرّجال الدّهاة الخبيرين بما يصنعون» (٨)، كان تعرّف بالحجاز بجماعة من كتامة وترأّس فيهم رئاسة دينية، وقرر عندهم مذهب الشّيعة، فغرّهم برأيه ومذهبه، ووعدهم الملك بالمغرب فاتّبعوه، فمن ثمّ كان أخصّ النّاس بدولة العبيديين، ثم لمّا تمكن من قلوب أولائك الكتاميين دخل معهم المغرب بلا مال ولا رجال بل بالوعد (٩) والأماني، فلم يزل يسعى بالمغرب حتى استنزل زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب، فهرب - حسبما تقدّم آنفا - ولمّا فرّ زيادة الله ومهّد قواعد البلاد أبو عبد الله الشّيعي أقبل المهدي من المشرق / متوجها إلى سجلماسة (١٠) فأحسّ به اليسع آخر ملوك بني مدرار (١١) فمسكه واعتقله، ومضى إليه أبو عبد الله الشّيعي فأخرجه من الاعتقال، وفوض إليه أمر المملكة، وقيل إن أبا عبد الله الشّيعي لمّا سمع باعتقاله حشد جمعا كثيرا من كتامة وغيرهم وقصد سجلماسة لاستنقاذه، فلمّا سمع اليسع بقدومهم قتل المهدي، فلمّا دخل أبو عبد الله السّجن وجد المهدي مقتولا وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن ينتقض عليه ما دبّره من الأمر ان عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج الرّجل وقال: هذا هو المهدي (١٢). فمن هنا نشأ اختلاف كثير في نسب المهدي، وأهل العلم من المحقّقين ينكرون دعواه في النّسب حتى أن ابن طباطبا لما ملك المعزّ من العبيديين مصر كما يأتي - ان شاء الله - قال له: إلى من ينتسب مولانا؟ فقال: سنعقد مجلسا ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا، فلمّا استقرّ المعزّ بالقصر جمع النّاس في مجلس عام وجلس لهم فقال: هل بقي من

стр. 322

رؤسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق معتبر، فسلّ عند ذلك نصف (١٣) سيفه وقال: هذا نسبي ونثر عليهم ذهبا كثيرا، وقال: حسبي، فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا (١٤). قال ابن خلكان: وفيه دليل على عدم صحة نسبه اذ لو عرفه لذكره (١٥). وقال الجلال السيوطي في «تاريخه» إن الخلفاء العبيديين امامتهم غير صحيحة لأمور منها أنهم غير قرشيين لأن جدّهم مجوسي، وقال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جدّ الخلفاء / المصريين سعيد كان أبوه يهوديا حدّادا بسلميّة (١٦) بفتح السّين المهملة واللاّم وكسر الميم وتشديد الياء المثنّاة تحت وتخفيفها أيضا، بليدة بالشّام، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القدّاح جدّ عبيد الله الذي يسمّى المهدي كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب وادّعى أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النّسب وسمّاهم جهلة النّاس فاطميين (١٧)، وقال الذهبي: [اتفق] المحققون على أن عبيد الله المهدي ليس بعلوي (١٨). ولمّا دخل عبيد الله الشّيعي افريقية، ونزل رقّادة ترك جبلة بن حمّود سكنى الرّباط، ونزل القيروان، فكلّم في ذلك فقال: كنّا نحرس عدوّا بيننا وبينه البحر، والآن حلّ هذا العدو في ساحتنا، وهو أشدّ علينا من ذلك، فكان اذا أصبح وصلّى الصّبح خرج إلى طرف القيروان من ناحية رقّادة معه سيفه وترسه وفرسه وسلاحه، وجلس محاذيا لرقّادة إلى غروب الشّمس ثم يرجع إلى داره ويقول: أحرس عورات

стр. 323

المسلمين منهم. وكان ينكر على من يخرج من القيروان إلى سوسة أو نحوها من الثّغور ويقول: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد أهل الشرك. قال أبو بكر المالكي (١٩) لم يكن في وقته ﵀ أكثر اجتهادا منه في مجاهدة عبيد الله الشّيعي، فسلّمه الله منه قال: واتّصل به أن بعض أهل القيروان خرجوا ليتلقوا عبيد الله الشّيعي تقية من شرّه ومداراة له فقال جبلّة بن حمود: اللهم / لا تسلم من خرج يسلم عليه، واغتمّ لذلك غمّا شديدا فلمّا انتهوا إلى وادي أبي كريب جرّدوا وأخذت ثيابهم، فلمّا عرّفوا جبلة بذلك قال ما غمّني فيهم الا رجل واحد (٢٠) هو حماس بن مروان القاضي. ولمّا دخل عبيد الله القيروان «دعي له بالخلافة على منابر رقّادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين» (٢١) بعد رجوعه من سجلماسة (٢٢) بالسين المهملة وسكون الجيم وفتح اللام والميم وبعد الألف سين مهملة وهاء تأنيث، وتقدم التّعريف بها صدر الكتاب. ثم ان العبيديين لمّا استولوا على افريقية انضاف إليهم طوائف كثيرة من الشيع الغالبة قدموا عليهم من كل بلاد متوسلين إليهم بحب أهل البيت والتعصّب لهم حتى ولّوهم الولايات ورفعوا منازلهم، أظهروا مذهبهم الفاسد في سب الصّحابة ﵃ وتبديل الشرائع والاضرار بأهل السنّة، فمن المتعصّبين محمد بن عمر المروذي (٢٣) القاضي، وعبد الله بن محمد بن أبي خنزير الكتامي وكان محمّد بن عمر المروذي القاضي معتقدا لمذهب الشّيعة معروفا بذلك، فلما دخل الشّيعي بادر إليه، ودخل في دعوته

стр. 324

ولزمه وولاّه قضاء افريقية، فتصلّب وتكبر وتجبر، وكانت أيّامه صعبة جدّا على أهل السّنة، فأخافهم، ولمّا خرج أبو عبد الله الشّيعي / إلى سجلماسة، واستخلف مكانه أخاه أبا العبّاس، أطلق يد المروذي وقوّى أمره، فأخذ أبا العبّاس بطريقة قاضي طرابلس - وكان من الفقهاء العالمين -، وأبا القاسم الطوزي قاضي صقليّة، والمحتسب بمدينة القيروان، فضربهم وقتل ابن هذيل، وابراهيم بن البرذون، وأول ما ولي زاد في الآذان: «حي على خير العمل»، وترك النّاس يصلّون برمضان سنة واحدة، ثم منعهم، وترك أكثر النّاس الصّلاة بالمساجد، وأخذ أموال الأحباس والحصون، وأخذ السّلاح الذي بالحصون التي على البحر، وأمر الفقهاء أن لا يكتبوا وثيقة ولا يفتوا فيمن سرق وكفر، وأمر أن تزال من الحصون والمساجد أسماء الذين بنوها وأمر ببنائها السّلاطين، ويكتب اسم المهدي (٢٤). واختلف في سبب قتل ابن هذيل وابراهيم بن البرذون «فقيل: لمّا وصل عبيد الله إلى رقّادة أرسل إلى القيروان من أتاه بهما، فلمّا وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا، وعن يمينه أبو عبد الله الشّيعي، وعن يساره أخوه أبو العبّاس، فلمّا وقفا بين يديه قال لهما أبو عبد الله وأخوه: اشهدا أن هذا رسول الله، وأشار إلى عبيد الله، فقالا جميعا بلفظ واحد: والله الذي لا إلآه إلاّ هو لو جاءنا هذا والشّمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان أنه رسول ما قلنا أنه رسول الله، فأمر عبيد الله حينئذ بذبحهما جميعا، وأمر بربطهما إلى أذناب البغال، فقيل إن / ابراهيم لمّا جرّ للقتل قال له ابن أبي خنزير عامل القيروان: أترجع عن مذهبك؟ فقال له: أعن الاسلام تستتيبني؟ فقتل. وقال أبو بكر المالكي (٢٥) انه لمّا امتنع هو وصاحبه من ذلك قال لهما: اخرجا إلى النّاس فقولا أنه قد فعلنا ولا تفعلا فأبيا عليه [ذلك] واعتلاّ بأنه يقتدى بهما، وقالا: عذاب الدّنيا أيسر من عذاب الآخرة، فأمر بضربهما بالسّوط حتى ماتا (٢٦) وقيل ضرب أعناقهما وطيف بهما مسحوبين على وجوههما قد ربطا إلى بغل فجرّهما من باب تونس إلى باب أبي الرّبيع فصلبا هنالك. أما ابن البرذون، فنقل عنه أنه قال: كان علي بن أبي

стр. 325

طالب - رضي الله تعالى عنه - يقيم الحدود بين يدي عمر بن الخطاب، أو أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما - ويعينه على أموره، فلو لم يكن عنده امام هدى مستحقا للتقدمة ما فعل، فبلغ قوله إلى أبي العبّاس الشّيعي، فقال: كان يوسف الصّديق من أعوان العزيز في أموره فما كان فيه نقص ليوسف ولا زيادة في مقدار العزيز، وكان قتلهما في سنة تسع وتسعين ومائتين (٢٧) - رحمة الله عليهما - وسعى القاضي المروذي إلى المهدي بأبي جعفر محمد بن محمد بن خيرون المعافري الأندلسي القرطبي، فأمر المهدي عامله ابن أبي خنزير بقتله فعذّبه إلى أن مات. «حكى الشيخ أبو الحسن القابسي - رحمه الله تعالى - قال: أخبرني من أثق به أنه كان جالسا عند ابن أبي خنزير اذ دخل عليه شيخ / ذو هيئة جميلة، وقد علاه اصفرار مع حسن سمت وخشوع، فلمّا رآه ابن خنزير بكى، فقال: ما الذي يبكيك؟ قال: السّلطان - يعني عبيد الله - وجّه إلي يأمرني بدوس هذا الشيخ حتى يموت - يعني ابن خيرون -، ثم أمر به فأدخل إلى مجلس، وبطح على ظهره، وطلع السودان فوق سرير، فقفزوا عليه بأرجلهم حتى مات، وذلك من أجل جهاده على دين الله وبغضه لبني عبيد الله (٢٨). قال أبو بكر المالكي (٢٩): ولمّا مات أخذوه وحملوه على بغل وألقوه في حفير، ونهب ابن أبي خنزير ماله، وأخذ مولدة كانت له، وجعلها مع خدمه (٣٠) «فلم يمر الا شهر حتى أخذ عبيد الله القاضي المروذي فسجنه وعذّبه حتى مات، وسبب أخذه انه لما طال على ابن أبي خنزير كثرة من يأتي به المروذي من العلماء والصلحاء ليقتلهم سعى به عند عبيد الله، ومضى به إلى المهديّة، فقبل عبيد الله قوله، ومكّنه منه فأخذه وألبسه ملبسا، ورماه في اصطبل الدّواب تمشي عليه فركضت في بطنه حتى قتلته، فكانت

стр. 326

مولدة ابن خيرون تأتيه وهو تحت أرجل الدّواب فيقول لها: إنك بسببي صرت عند السّلطان؟ فتقول له: يا شيخ السوء! قتلت سيدي ابن خيرون شيخ القيروان، وأزلتني من عنده، ورددتني عند خنزير ابن خنزير، وتأمر خدمها فيلطمنه ويعضضنه (٣١)، وكانت هي المتوليّة لعذابه حتى هلك. قيل إنه لما ضرب مائة سوط / وعذّب قيل له: هات الأموال التي جمعت، فقال: والله لو أن تحت قدمي جبّا مملوءا بمال الدّنيا كلّها ما أخرجت لكم منه درهما، واني قد عصيت الله تعالى فيكم فسلّطكم علي، فاضربوا ما شئتم وعذّبوا كيف شئتم هذا ما كان من أمر القاضي» (٣٢). وأما أبو عبد الله الشّيعي وأخوه أبو العبّاس - وكان هو الأكبر - فانهما لما اجتمعا بعد تمكين عبيد الله من المملكة لام أبو العبّاس أخاه على ما فعل من تمكينه عبيد الله بالمملكة وقال له: تكون صاحب البلاد والمستقلّ بأمورها وتسلّمها إلى غيرك وتبقى أنت من جملة الأتباع؟ وكرر عليه القول، فندم أبو عبد الله على ما صنع وأضمر الغدر فاستشعر منهما المهدي ذلك، فدسّ عليهما من قتلهما في ساعة واحدة وذلك في منتصف جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين ومائتين (٣٣) بمدينة رقّادة بين القصرين. وأما ابن أبي خنزير، فانه لمّا اطمأن عبيد الله واستقرّت له المملكة بعث على جزيرة صقليّة ابن أبي خنزير، فوصل إلى مازرة سنة سبع وتسعين ومائتين (٣٤)، فولّى أخاه على كبركيت (٣٥) وولّى اسحاق بن المنهال قضاء صقليّة، وشكا أهل صقليّة سوء سيرة ابن أبي خنزير، وثاروا به وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي معتذرين، فقبل عذرهم، وولّى عليهم علي بن عمر البلوي، فقدمها آخر سنة تسع وتسعين ومائتين (٣٦)، وكان شيخا ليّنا فعزلوه، وولّوا عليهم أحمد بن قهرب (٣٧) فدعا النّاس إلى طاعة المقتدر العبّاسي، فأجابوه وقطع خطبة المهدي، وبعث أسطوله إلى افريقية فلقوا أسطول المهدي وقائده ابن أبي خنزير فقتلوه وأحرقوا الأسطول، وسار أسطول ابن قهرب إلى صفاقس فأخربها وجاءت

стр. 327

الخلع والألوية من المقتدر إلى ابن قهرب فاستقل، وانقطعت طاعة المهدي من صقليّة (٣٨) واختلف الأئمة في جواز مقاتلة العبيديين. حركة القيروانيين المضادة للفاطميين: قال في المعالم (٣٩): «كان أبو الفضل عبّاس الممسي ممن خرج لقتال بني عبيد مع أهل القيروان لما كان يعتقد من كفرهم، قال أبو بكر المالكي: رأى أن الخروج مع أبي يزيد الخارجي - الآتي خبره - وقطع دولة بني عبيد فرضا لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم الاسلام ويرثون ويورثون وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين فلا يتوارثون معهم ولا ينسبون إليهم» (٤٠) وقال (٤١): «عوتب ربيع بن القطان في خروجه مع أبي يزيد إلى حرب بني عبيد فقال: وكيف لا أفعل وقد سمعت الكفر بأذني؟ فمن ذلك أني حضرت اشهادا وكان فيه جمع كثير - أهل سنّة ومشارقة - وكان بالقرب مني أبو قضاعة الدّاعي فأتى رجل مشرقي [من أهل الشرق ومن أعظم المشارقة فقام إليه رجل مشرقي] (٤٢) وقال: إلى هاهنا يا سيدي إلى جانب رسول الله ﷺ يعني أبا قضاعة الدّاعي ويشير بيد، إليه، فما أنكر أحد شيئا من ذلك! فكيف ينبغي أن أترك القيام عليهم؟ ووجد بخطه قال: لمّا كان في رجب سنة احدى وثلاثين، قام الصّبي المكوكب يقذف الصّحابة / ويطعن على النّبي ﷺ وعلقت عظام رؤوس أكباش وحمير وغيرها على أبواب الحوانيت والدّروب عليها قراطيس معلّقة فيها أسماء يعنون بها رؤوس الصّحابة - رضوان الله عليهم - فلمّا رأى ربيع ذلك لم يسعه التأخر عن الخروج عليهم - وكذلك كان جميع الشيوخ يتأوّلون أبا اسحاق السبائي وغيره ولما اجتمعوا للخروج عليهم قال ربيع القطّان: أنا أول من يشرع في هذا الأمر ويخرج فيه ويندب المسلمين ويحضهم عليه، وتسارع جميع الفقهاء والعباد لذلك، فلمّا كان بالغد خرج

стр. 328

الربيع وجماعة الفقهاء ووجوه التجّار إلى المصلّى بالسلاح الشاك (٤٣) والعدّة العجيبة التي لم ير مثلها، وضاق بهم الفضاء وتواعد النّاس أن ينظروا في الزّاد وآلة السّفر إلى يوم السبت - وذلك يوم الاثنين - وركب بعض الشيوخ من الموضع إلى الجامع بالسّلاح، وشقّوا السّماط بالقيروان، وزادوا في استنهاض (٤٤) الناس، فلمّا كان يوم الجمعة اجتمعوا في الجامع وركبوا بالسّلاح الكامل وعملوا البنود والطبول» (٤٥). «قال أبو الحسن علي بن سعيد الخرّاط الفقيه: لما بلغني أن الفقهاء قد تجمّعوا في الجامع في تدبير الخروج إلى المهديّة في أيام أبي يزيد بكّرت إلى الجامع فأصبت أبا العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمّام التّميمي، وأبا الفضل عبّاس الممسي، وربيع القطّان، وأبا اسحاق السّبائي، ومروان بن نصر وغيرهم جلوسا عند المنبر فتكلموا / في الخروج على بني عبيد فاختلفوا وتناظروا حتى قال أبو العرب: اسكتوا، فسكت النّاس فقال: حدّثني عيسى بن مسكين عن محمّد بن عبد الله الجرجاني باسناده إلى النّبي ﷺ أنه قال: «يكون في آخر الزمان قوم يقال لهم الرّافضة فاذا أدركتموهم فاقتلوهم فانهم كفّار» (٤٦) فلمّا أتمّ الحديث كبّر النّاس وعلت أصواتهم في الجامع حتى ارتجّ، ثم خرجوا لقتال بني عبيد، وهذا يدلّك على كمال عدالته وصحّة نقله، ولولا ذلك لما اتفقوا بعد الاختلاف على الخروج على من ذكره» (٤٧). ولم يتخلّف من العلماء والفقهاء أحد «وكانت عدة بنودهم سبعة ركّزوها قبالة مسجد الجامع المعروف بالحدّادين، بندا أصفر لربيع القطّان مكتوب عليه البسملة ومعها لا إلآه إلاّ الله محمد رسول الله، وفي الثاني - وهو لربيع أصفر أيضا - نصر من الله وفتح قريب على يد أبي يزيد اللهم انصره على من سبّ نبيك، وفي الثالث - وهو أصفر أيضا لأبي الربيع - بعد البسملة - ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٤٨) وفي الرّابع - وهو أحمر لأبي الفضل عبّاس الممسي - لا إلآه إلاّ الله محمد رسول الله، وفي الخامس - وهو

стр. 329

أخضر لمروان العابد - بعد البسملة - ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩) وفي السادس - وهو أبيض بعد البسملة - لا إلآه إلاّ الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق / عمر الفاروق، وفي السابع - وهو لابراهيم ابن الحبشا (٥٠) - وكان أكبر البنود لونه أبيض، لا إلآه إلاّ الله محمد رسول الله ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ (٥١) الآية، فلمّا اجتمع النّاس وحضرت الجمعة، طلع الامام على المنبر - وهو أحمد بن محمد بن أبي الوليد، وكان أبو الفضل الممسي هو الذي أشار به - وخطب خطبة أبلغ فيها وحرّض النّاس على الجهاد، وأعلمهم بما لهم فيه من الثّواب وتلا ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ﴾ (٥٢) الآية، وقال: يا أيها النّاس، جاهدوا من كفر بالله، وزعم أنه ربّ من دون الله، وغيّر أحكام الله، وسبّ نبيّه وأصحاب نبيّه وأزواج نبيّه، فبكى النّاس بكاء شديدا، وقال في خطبته: اللهم ان هذا القرمطي الكافر الصنعاني المعروف بأبي عبيد الله المدّعي الرّبوبية من دون الله جاحد لنعمك، كافر بربوبيتك، طاعن على أنبيائك ورسلك، مكذّب لمحمّد نبيّك وخيرتك من خلقك، سابّ لأصحاب نبيّك وأزواج أمّهات المؤمنين، سافك لدماء أمّته، هاتك لمحارم أهل ملّته افتراء عليك واغترارا بحلمك، اللهم فالعنه لعنا وبيلا، واخزه خزيا طويلا، واغضب عليه بكرة وأصيلا، واصله في جهنم وساءت مصيرا، بعد أن تجعله في الدّنيا عبرة للسائلين وأحاديث الغابرين، وأهلك اللهم متّبعه وشتّت كلمته وفرّق جماعته واكسر شوكته واشف صدور قوم مؤمنين منه، ونزل، فجمع الجمعة ركعتين وسلّم وقال: إن الخروج غدا يوم السبت / إن شاء الله تعالى، وركب ربيع القطان فرسه وعليه آلة الحرب وفي عنقه المصحف وحوله جماعة من النّاس من أهل القيروان متأهّبون مستعدّون لجهاد أعداء الله عليهم آلة الحرب، فنظر إليهم ربيع القطّان فسرّ بهم، وقال: الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين (٥٣) اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيّك، يا ربّ بأي

стр. 330

عمل وبأي شيء وصلت إلى هذا، ثم أخذ في البكاء حتى جرت دموعه على لحيته ثم قال: والله لو رآكم محمّد ﷺ لسرّ بكم. قال الشّيخ أبو الحسن القابسي: فلمّا تلاقوا للقتال، أقبل ربيع وهو يطعن فيهم ويضرب وهم يتوقفون عن طعنه طمعا أن يأخذوه حيّا، فلمّا أثخنهم بالضّرب والطّعن عمد إليه جماعة منهم فقتلوه، واستشهد معه أئمّة وعبّاد وصلحاء، عدّتهم خمسة وثمانون رجلا. وقال أبو الحسن أيضا عن شيوخه الذين أدركهم: إن الذين ماتوا في دار البحر بالمهديّة من حين دخل عبيد الله إلى الآن أربعة آلاف رجل في العذاب ما بين عالم وعابد ورجل صالح» اهـ. وكان القرويّون (٥٤) غلبوا من كان بالمهديّة، وطمعوا في أخذها فمكر بهم أبو يزيد فقال لجيشه: القرويون اذا حكموا على بني عمّنا واستأصلوهم رجعوا علينا فلا نقدر عليهم، فاذا كان من الغد والتحم النّاس في القتال انهزموا (٥٥) عنهم حتى تقع الكسرة (٥٦) عليهم فترتاحوا من شوكتهم، أو نحو هذا الكلام، ففعلوا ذلك، فوقعت الهزيمة عليهم / لما سبق في سابق علم الله فاستشهد من استشهد كأبي الفضل الممسي (٥٧)، وربيع القطان. قيل إن ربيع القطان قتل قرب المهديّة بالوادي المالح، وقطع رأسه وأتي به إلى أبي القاسم بن عبيد في طشت (٥٨)، فلمّا كشفوا عنه فتح الرأس عينيه وفمه، فقال أبو القاسم: أبعدوه عني، وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة (٥٩). قال أبو محمد التبّان: رأيت ربيعا القطان في المنام بعد أن قتل، فسألته عن حاله،

стр. 331

فقال: تارة يزخرف لنا الجنان، وتارة [تشرف علينا الحور والولدان] (٦٠)، وتارة تبسط (٦١) لنا الحجب، فقلت له: من أعلى درجة أنت أو الممسي؟ فقال جمعنا في حديقة واحدة. قال أبو بكر المالكي (٦٢): وكان يكثر من الاشارة بأنه يستشهد، فكان ذلك في قتال بني عبيد، وكان يقول: والله ليدارنّ بهذا الرأس، فقدّر الله أن أدير برأسه بطرابلس» وهذا كله مبني على القول بكفر بني عبيد (٦٣). أقوال بعضهم في الفاطميين والمجادلة حول رميهم بالكفر والزندقة وتبرئتهم منهما: قال الجلال السّيوطي (٦٤): إن أكثر الخلفاء العبيديين زنادقة خارجون عن الاسلام منهم من أظهر سب (الصّحابة) (٦٥) والأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسّجود له، والخيّر منهم رافضي خبيث لئيم بسبّ الصّحابة، ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصحّ لهم امامة. قال القاضي أبو بكر الباقلاني (٦٦): كان المهدي عبيد الله باطنيا (٦٧) خبيثا حريصا على إزالة ملّة الاسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه أباحوا الخمر والفروج / وأشاعوا الرّفض. وقال الذّهبي: كان القائم بن المهدي أشرّ (٦٨) من أبيه زنديقا ملهونا، أظهر سبّ الأنبياء، وقال: وكان العبيديون على ملّة الاسلام أشرّ (٦٩) من التتر، وقال أبو الحسن

стр. 332

القابسي: إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعبّاد أربعة آلاف رجل ليردّوهم عن الترضي عن الصّحابة، فاختاروا الموت، فيا حبّذا لو كان رافضيا فقط، ولكنه زنديق. وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني والكثير من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد - يعني خلفاء مصر - على الدّخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان [أول دخولهم] (٧٠) قبل أن يعرف أمرهم (٧١) وأما بعد فقد وجب الفرار، فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وانما أقام من الفقهاء مع المباينة لهم (لئلا يخلو بالمسلمين عدوهم فيفتنهم عن دينهم) (٧٢). وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان [على] أن حال بني عبيد حال المرتدّين والزّنادقة، لما أظهروا من خلاف الشّريعة. وقال ابن خلكان (٧٣): قد كانوا يدعون علم المغيبات وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى أن العزيز صعد يوما على المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب: [مخلع البسيط] بالظّلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة إن كنت أعطيت علم غيب (٧٤) ... بيّن لنا كاتب البطاقة وكتبت إليه امرأة رقعة فيها مكتوب بالذي أعز اليهود بمنشأ (٧٥) / والنّصارى بابن نسطور (٧٦) وأذلّ المسلمين بك، الا نظرت في أمري، وكان قد ولي منشأ اليهودي عاملا على الشّام وابن نسطور النّصراني على مصر اهـ (٧٧).

стр. 333

وقيل الأبيات للحاكم بن العزيز المذكور، ففي تاريخ الذّهبي: أن الحاكم ادّعى علم الغيب في وقت، فكان يقول فلان قال في بيته كذا وكذا، وفعل كذا وكذا، وأكل كذا وكذا، وكان ذلك باتفاق اعتمده مع العجائز اللاّتي تدخلن بيوت الأمراء وغيرهم، ويعرّفونه بذلك، فرفعت إليه رقعة فيها بالجور والظّلم قد رضينا (٧٨) إلى آخر البيتين، فحين رآها سكت عن الكلام في المغيبات، وكان هو وأسلافه بمصر يدّعون الشّرف ويقولون: نحن أولاد فاطمة وأبونا علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وكان الحاكم في كل سبعة أيام يقول ذلك على المنبر، وكانت الرّقاع ترفع إليه وهو على المنبر، فرفعت إليه رقعة مكتوب فيها: [رجز] انا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما قلته (٧٩) صادقا ... فانسب لنا نفسك كالطائع (٨٠) أو كان حقّا كلّما تدعي ... فاذكر أبا بعد الأب السابع (٨١) أو لا فدع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع فانّ أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع فرماها من يده ولم ينتسب فيما بعد، وكان الحاكم الخبيث يعمل الحسبة بنفسه فيدور في الأسواق على حمار له فمن وجده غشّ في معيشته أمر عبدا أسواد معه يفعل به الفاحشة العظمى، وهذا أمر منكر لم يسبق إليه اهـ (٨٢). وقال في معالم / الايمان (٨٣): «فان قلت وهل يعذر أحد بالاكراه على الدّخول في

стр. 334

مذهبهم؟ قلت: قال يوسف بن عبد الله الرّعيني في كتابه: قال الشيوخ أبو محمد بن أبي زيد، وأبو القاسم بن شبلون، وأبو الحسن القابسي، وأبو علي بن خلدون، وأبو محمد الضبي (٨٤)، وأبو بكر بن عذرة: لا يعذر أحد في ذلك، لأنه قام بعد علمه بكفرهم - وكفرهم ارتداد وزندقة - بخلاف غيرهم». وقال الشّيخ أبو القاسم بن الدّهّان: لأن كفرهم خالطه سحر، فمن اتصف بهم (٨٥) وخالطهم خالطه السحر، والسحر كفر. ولما حمل اهل طرابلس لبني عبيد أظهروا أن يدخلوا في دينهم عند الاكراه ثم ردّوا من الطريق سالمين، فقال ابن أبي زيد: هم كفّار لاعتقادهم ذلك. قلت: الأقرب أنهم ليسوا بكفار، وانما صرح أبو محمد بما ذكر، مبالغة لتنفير العامة لأن المطلوب سدّ هذا الباب، وأما فيما بينهم وبين الله فما قلنا والله أعلم (٨٦). وقال أيضا: ولم يزل أهل القيروان في جهاد مع الفرق الضالة والفئة المارقة، ولم يزل الشّيخ الأوحد أبو عثمان سعيد بن الحداد، وأبو محمّد عبد الله بن اسحاق التّبان، يناظران على مذهب أهل السّنة ويرون ذلك من أعظم الجهاد حتى أخمد الله نارهم، وقلّ عددهم، وظهر حزب الحقّ وأعلى الله كلمته والحمد لله رب العالمين. قال (٨٧): وكان أبو اسحاق ابراهيم بن حسن بن يحيى المعافري التونسي امتحن بسبب أنه «ورد عليه سؤال من مدينة / باغاية (٨٨) استفتى فيه، وكانت المسألة مسألة طلاق ومراجعة، وذكر السائل أن ولي النّكاح كان من الفرقة المعروفة بافريقية بالمشارقة وهم دعاة بني عبيد - فأجاب الشّيخ أبو اسحاق - رحمه الله تعالى - أن هذه الفرقة على قسمين أحدهما كافر مباح الدّم، والقسم الآخر وهم الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الصّحابة، لا يلزمهم القتل ولا يبطل نكاحهم، وأنكر عليه جميع فقهاء افريقية بالقيروان وغيرها ذلك، واحتجوا عليه بجماعة من أهل الزّهد والعلم والعبادة بالقيروان كانوا أشدّ النّاس مباينة بالعداوة والتكفير لبني عبيد وأتباعهم، منهم أبو اسحاق

стр. 335

السبائي، ومروان العابد، وربيع القطّان وأضرابهم، وأرسلوا إليه أن يعاود النّظر، وأن يرجع عن هذا القول فأبى ذلك، وانتهت القضيّة إلى المعزّ بن باديس (الذي كان سببا في قطع مذهب الشّيعة) (٨٩) فجمع بعض الجمع عنده في المقصورة وناظروه فأظهر الانابة إلى قولهم والرّجوع، ثم خلا بأصحابه فأنكروا عليه رجوعه إلى قولهم وأنه على الحق الذي لا يجب سواه، وكان رأي الفقهاء سدّ هذا الباب للعامّة على هؤلاء الكفرة بني عبيد الزّنادقة، وأن الدّاخل في دعوتهم - وان لم يقل بقولهم - كافر لتوليه الكفر، فأظهر أبو اسحاق التّمادي على قوله وانكار الرجوع عنه، فأطلق الفقهاء الفتيا بسبب مقالته / هذه بالتّضليل والتّبديع، وقال فيها الشّعراء قصائد كثيرة تضمنت التبرّي من أبي اسحاق، وأنشدها الشعراء والطلبة عند الفقهاء في دورهم (وجمعهم) (٩٠)، وأمر السّلطان بسجل في القضيّة من التبري من قوله، وقيل فيه ما يعظم به أجره، وأمر بقراءته يوم الجمعة على المنبر قبل الصّلاة مستهل صفر عام ثمان وثمانين وأربعمائة (٩١)، ثم أمر السّلطان باحضاره بالمقصورة في ذلك اليوم اثر الصّلاة، وأحضر معه الفقهاء: أبا القاسم اللبيدي فقيه مشيخة الفقهاء وكبيرهم، والفقيه أبا الحسن، والقاضي أبا بكر بن أبي محمد بن أبي زيد خاصّة من بين سائر الفقهاء، وكان هذان الفقيهان من أشدّ الناس في ذلك إلى مذهب الجماعة، وحكم في المسألة اللّبيدي، فحكم أن يقرّ بالتّوبة على المنبر بمشهد جميع النّاس وأن يقول: كنت ضالاّ فيما رأيته ورجعت عن ذلك إلى مذهب الجماعة، فاستعظم الأمر على المنبر وقال: ها أنا أقول هذا بينكم، فساعدوه وقنعوا منه بقول ذلك بمحضر السّلطان والجماعة، وأن يقوله بمجلسه ويشيعه عنه، وافترقوا على ذلك، وحصلت على الشّيخ منه غضاضة فخرج في صبيحة يومه متوجّها إلى منستير الرّباط، وهو المراد بقول من قال: خرج إلى قصر الرّباط، ولا يحمل على ظاهره، وهو قصر الرّباط بسوسة (٩٢). [وكان] ذلك يوم السبت الثاني من صفر من السنة المذكورة، / وانما خرج على الفور مسكّنا للقضية ومنسيا لها فتغيب بشخصه ثم عاد إلى القيروان. قال عياض: ولا امتراء عند كلّ منصف أن الحق فيما قاله أبو اسحاق، ولا امتراء أن مخالفته أوّلا لرأي أصحابه في حسم الباب لمصلحة العامة لجاج وأن رأي الجماعة كان

стр. 336

أسدّ للحال وأولى، وفتواه هذه جرى على العلم وطريق الحكم، ومع هذا فما نقصه هذا عند أهل التّحقيق ولا حط منصبه عند أهل التوفيق. ولما دخل عبيد (٩٣) الله القيروان، وخطب أول جمعة وجبلة بن حمود جالس عند المنبر فلمّا سمع (٩٤) كفرهم قام قائما وكشف عن رأسه حتى رآه النّاس، وخرج يمشي إلى آخر الجامع وهو يقول: قطعوها قطعهم الله، فما حضرها أحد من أهل العلم بعد ذلك. وهو أول من نبّه على هذا (٩٥). ولمّا لعن الشّيخ ابن الدّباغ من ذكر من الشّيعة، ونقل كفرهم ورضيه ولم ينكره حسبما نقل في معالم الايمان، قال الشّيخ ابن ناجي: ما ذكره من لعنه لمن ذكر، ونسبتهم بهذا إلى الكفر والزندقة، قال العواني: أفرط في ذمّهم في هذا الكتاب، ثم أنه في كتابه المسمّى «واسطة النظام في تواريخ ملوك الاسلام» ذكر ضدّ ذلك، ووصفهم بأوصاف من تغيير المنكر والنهي عن شرب الخمر، وبرّأهم من المذام (٩٦) كلّها التي نسبت إليهم ونسبها لبعض دعاتهم، وانهم لما اتصل بهم ما اتصل من بعض دعاتهم عاقبوهم أشد العقوبة / على ذلك وتبرّءوا منهم، وأن المنصور بالله اسماعيل بن القائم بن محمّد بن عبيد الله المهدي كان محسنا لرعيته فصيح اللّسان خطيبا منصفا، ولم يزل على الحالة الحسنة من العدل والعفو والحلم، وأسقط الخراج عن الرّعية حتى صحّت أحوالهم، وكان قاضيه محمد بن أبي المنظور (٩٧) في غاية الدّين والورع والصّلابة في الحق إلى أن مات. فولي بعده عبد الله بن هشام القاضي فكان من أفضل النّاس. ولم يزل المنصور هذا شأنه من حفظ المسلمين وتوليه أهل الورع والدّين ومحبّة (٩٨) الفقهاء والصّالحين. ولمّا سار إلى الساحل مرّ بقرية عيسى بن مسكين القاضي فصلّى في مجلسه ركعتين تبركا به وأوصى العامل بحفظ القرية. هكذا ذكر ابن الدباغ في تأليفه» اهـ.

стр. 337

قلت لا منافاة بين كلامي الشيخ ابن الدباغ ﵀ فان العبيديين كثيرون منهم صريح الفسق، ومنهم صريح الكفر، ومنهم المستور، فان من ثبت عنه سبّ الصّحابة ولم يتب فاسق، ومن ثبت عنه سبّ الأنبياء ولم يتب كافر، ومن سلم من ذلك فهو مستور، صالح في سياسته، فاسق في اعتقاده الا من سلم ظاهرا وباطنا من الكفر والابتداع، وقليل ما هم، وقد تقدّم قول السّيوطي أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الاسلام منهم من أظهر سبّ الصّحابة والأنبياء ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسّجود له، والخيّر منهم رافضي خبيث لئيم يأمر بسبّ / الصّحابة، وأما اظهار العدل والانصاف من بعضهم وتولية قضاة الحق وفصاحة الخطبة فلا يدل على شيء، فان أكثر الكفرة اذا استولوا على الخلق غلبة وأدخلوهم تحت حكمهم أمرا ونهيا فانقادوا لهم يظهرون العدل فيهم والانصاف سياسة لا ديانة وطاعة لله، فكم ظهر من عدل في بعض أحكام فرعون، وبعض الأكاسرة مع انكار الصّانع أو دعوى الرّبوبيّة وقد يكون تمدينا من بعض النصارى مع صريح كفرهم الذي لا شك فيه. تأسيس المهديّة: «وفي سنة ثلاث وثلاثمائة لخمس خلت من ذي القعدة (٩٩) ابتدأ المهدي بناء المهديّة المدينة المشهورة فلذا نسبت إليه، وعندما كمل بناؤها قال: الآن آمنت على الفاطميات» (١٠٠) «قال أبو اسحاق ابراهيم بن القاسم بن الرّقيق في كتابه (١٠١): خرج عبيد الله المهدي بنفسه في سنة ثلاثمائة إلى مدينة تونس فاجتاز على قرطاجنة وغيرها، ومرّ على جميع السّواحل يرتاد موضعا على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة تحصّنه، وتحصّن بنيه من بعده، وقد كان عنده علم (حدثاني بقيام قائم) (١٠٢) على ذرّيته، فأقام يلتمس ذلك مدّة، فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهديّة فبناها هنالك، وجعلها دار مملكته. قال: وكان أول ما ابتنى منها سورها الغربي الذي في أبوابها، وعندما وضع

стр. 338

أوّل حجر منه وهو حاضر أمر ناشبا كان بين / يديه أن يوتر قوسه ويقف على ذلك الحجر ويرمي بسهمه، ففعل الرّامي ذلك، فانتهى السّهم إلى المصلّى، ووقع قائما على نصله (١٠٣)، فقال المهدي: إلى ذلك الموضع ينتهى صاحب الحمار - يعني أبا يزيد - فقد كان وصول أبي يزيد إلى ذلك الموضع ولم يتجاوزه. قال معلم الفتيان (١٠٤) في تاريخه: وأمر المهدي بقياس مسافة هذه الرّمية فكانت مائتي ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا، فقال المهدي: هذا منتهى ما تقيم المهديّة في أيدينا من السنين، قال: ولمّا تم بناء السّور هنّأه أولياؤه (١٠٥) بذلك، فقال لهم: ان جميع ما ترون انما عمل لساعة واحدة يعني ساعة وصول أبي يزيد إلى المهديّة - قال: وكان يقف على فرسه فيأمر الصّناع بما يصنعون، [قال] وأمر بعمل باب الحديد للمدينة فجعل صفائح مصمّتة من غير خشب ثم أثبتت فيها المسامير، فبقيت تتقلقل، فقال للصّناع: ما عندكم في هذا، فقالوا: لا ندري، فأمرهم بتسميرها كذلك، ثم أمر بايقاد النّار تحت الباب كلّه حتى التهبت واتّصلت المسامير بالصفائح فعادت كلها قطعة واحدة. ولمّا تمّ الباب على هذه الصفة أحب اختبار وزنه فكلهم أخبره أن لا سبيل إلى ذلك لفرط ثقله، فأمرهم أن يضعوا أحد مصراعيه على ظهر سفينة ففعلوا ذلك، ونظر إلى منتهى غوص السفينة في الماء، ثم أنزل وشحنت السّفينة بالرّمل والحجارة إلى أن / وصل منها ما وصل أولا، واستخرج الرّمل والحجارة منها فوزنا على كرّات، فكان وزن كل مصراع منهما مائة قنطار، وفي كثير من نسخ المؤرخين ألف قنطار، وكذا حكى أبو عبيد (١٠٦) في «المسالك» (١٠٧) ولمّا علموا قدره وحاولوا تحريكه (١٠٨) صعب عليهم فتحه واغلاقه، فلم تكن المائة من الرجال تستطيع ذلك، فأمر المهدي بأن يكون مداره على الزّجاج، فهان أمره وصار الرجل الواحد يتولّى منه ما كانت المائة تعجز عنه، فعجب من هذا كله ومن فطنة المهدي [ونفوذ فكرته] (١٠٩).

стр. 339

وأمر المهدي بحفر مرسى المهديّة وكان حجرا صلدا، فنقر نقرا وجعله حصنا لمراكبه الحربية (١١٠)، وأقام على فم هذا المرسى سلسلة من حديد، يرفع أحد طرفيها عند دخول السفن ثم تعاد كما كانت تحصينا للمرسى من طروء (١١١) مراكب النّصارى (١١٢)، وابتنى دار الصّناعة، وهي من عجائب الدّنيا، ثم شرع في حفر الأهراء بداخل المدينة، وبنى الجباب (١١٣) والمصانع، واختزن الأهراء بالطّعام، وملأ الجباب (١١٣) بالماء، ثم أمر بحفظها ولم (١١٤) تفتح إلاّ في أيّام أبي يزيد، ولولا ذلك لما أطاقوا الحصار، وكان اتّساع المهديّة في أول بنائها من الشمال (١١٥) إلى الجنوب (١١٦) قدر غلوة سهم فاستصغرها المهدي عند ذلك فردم من البحر مقدارها وأدخله في المدينة فاتسعت، والجامع الأعظم والدّار المعروفة في القديم بدار المحاسبات من جملة ما ردم من البحر. وأخذ عبيد الله / في بناء قصوره بها فبنى القصر الكبير المعروف الذي كلّله بطيقان الذّهب، وبنى ابنه أبو القاسم بازائه قصره المعروف به [أيضا] وبينهما فسحة، وبشرقي قصر عبيد الله حيث كان هي دار الصّناعة [الآن]. ولمّا كمل سور البلد (١١٧) وقصورها أراد عبيد الله الانتقال إليها فثقل ذلك على أوليائه وجنده، وصعب عليهم استبدالهم بالموضع الذي استوطنوه، فقال لهم: ان صعب عليكم ذلك فنحن ننتقل ونترككم هاهنا ونجري عليكم الأرزاق والصّلات، وعمّا قليل ستنتقلون إلينا مسارعين. قال المؤرخون: فلم يكن بعد ذلك إلاّ زمان يسير حتى أرسل الله السّماء بأمطار غزيرة أخربت مساكن رقّادة وأهدمت دورها وأهلكت خلقا عظيما من

стр. 340

أهلها، فخرج النّاس في الأخبية، وكتبوا إلى المهدي يسألونه الانتقال إلى المهديّة، فأجابهم إلى ذلك، فانتقلوا إليها وتمّت عمارتها. وابتنى لعامّة النّاس مدينة أخرى سمّاها زويلة، وبينهما غلوّة سهم، وجعل بها الأسواق والفنادق وأدار بها خنادق متّسعة تجتمع بها مياه الأمطار، فكانت كالرّبض لمدينة المهديّة، ولمّا جاء المعز (١١٨) بن باديس جعل عليها سورا لما دخل العرب افريقية (١١٩) سنة أربع وأربعين وأربعمائة (١٢٠)، وقد خرّبت هذه المدينة فلا أثر لها الآن، (فهي اسم بلا رسم) (١٢١) وكان بخارجها الحمى المعروف بحمى زويلة كله جنّات وبساتين بسائر الثمار / وأنواع الفواكه فأفسدته العرب. وأقام المهدي ساكنا بالمهديّة بقية عمره حتى مات بها (وقيل برقادة) (١٢٢) سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة (١٢٣). القائم وثورة أبي يزيد: فولي بعده ولده محمّد أبو القاسم ولقّب «القائم» فأخفى موت أبيه سنة (١٢٤) حتى أحكم أمره، وكان شهما ذا بطش، غزا جنوة فافتتحها عنوة (١٢٥)، فكان فتحا جليلا، وفي آخر أيامه ابتلي بأبي يزيد مخلد بن كيداد النّكّاري، كان رجلا من الإباضية يظهر الزّهد والقيام غضبا لله تعالى، ولا يركب غير حمار ولا يلبس غير الصّوف تصنّعا واظهارا للتّنسّك والصّلاح مع تمسّكه بأقبح البدع، وشاع جميع أمره من بلاد افريقية، ولمّا سمع القائم بتوجهه إلى باجة وجّه خادمه بشرى الصقلبي (١٢٦) ليبادره «بدخول (١٢٧) باجة

стр. 341

فيضبطها ويعسكر بها، فما وصل أبو يزيد إلاّ وقد وجد بشرى (*) فاقتتلا فانهزم أبو يزيد هزيمة فاحشة، فلمّا رأى أبو يزيد ما حلّ به نزل عن فرسه وركب حماره الأشهب وقال لمن بقي معه: هذه ليست حال من يريد الهروب بل حال من يطلب الموت [ثم] خالف بشرى (*) إلى أخبيته فجازها، فعلم بشرى بذلك، فأدركه رعب فولى منهزما وتبعه أصحاب أبي يزيد يأسّرون ويقتلون، ووصل بشرى إلى تونس منهزما ودخل أبو يزيد باجة بالسّيف، ثم خرج بشرى من تونس بعد أن ولى عليهم واليا من قبله، وسار حتى وصل سوسة، فلمّا علم القائم بالهزيمة أمدّه بالجيوش والأموال وأمره / أن يستعد (١٢٨) للقاء أبي يزيد ثانية، فكتب أهل تونس لأبي يزيد يلتمسون تأمينه فأمنهم، وخرج بشرى من سوسة فوصل إلى المرصد (١٢٩) [وهي] قرية كانت قرب المنارة، فلمّا علم أبو يزيد وجّه للقائه أيوب (١٣٠) بن خيران، فوصل إلى المرصد فتقهقر بشرى إلى اهريقلية فتحيّز بسور القلعة، ولحقه أيوب فالتقيا فانهزم أيّوب وقتل من أصحابه ألوف وأسّر منهم مئون فوجههم بشرى إلى المهديّة فقتلهم العامة بالعصي والحجارة، وانقلب أيّوب إلى أبي يزيد منهزما فساءه ذلك ورحل بنفسه قاصدا بشرى فوجده انصرف إلى المهديّة، فوقف على المعترك وترحم (١٣١) على قتلاه وأمر بمواراتهم (١٣٢). ثم توجّه إلى القيروان فملكها ووجّه مستوية (١٣٣) النكّارى إلى تونس لما بلغه من مخالفتهم عليه بعدما كانوا دخلوا في طاعته فعلم بذلك القائم فوجّه عمار بن علي بن الحسين ليسبقه إليها فما قرب إليها الاّ وقد علم أن مستوية (١٣٣) قد دخلها وقتل كثيرا من أهلها وأخرب كثيرا من مساجدها فعزم على الرجوع فخرج إليه مستوية (١٣٣) فيمن معه من النكارية فالتقوا بصلتان (١٣٤) قرب سليمان «فانهزم عمار بن علي والكتاميون هزيمة شنيعة، وقتل منهم جماعة، وحال الليل بينهما، فلجأ عمّار إلى جبل الرّصاص،

стр. 342

وامتنع ليلته تلك وأصبح مرتحلا فأتبعه مستوية (*) بجنوده، فالتقوا ثانية فانهزم النكارة / وقتل بشر (١٣٥) كثير منهم وجرح مستوية (١٣٣)». وبلغ ذلك أهل تونس فأخرجوا من كان عندهم من النكارّة، وقتلوا كثيرا منهم، ولم تزل الحرب بين عساكر القائم وأبي يزيد سجالا مرة لهذا وأخرى للاخر (١٣٦)، وآخر الأمر استعلى أبو يزيد على القائم واحتوى على كثير من البلاد، واجتمع عليه أكثر العباد، وقام معه جماعة القيروان فزحف بجنوده نحو المهديّة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة (١٣٧) فعلم (١٣٨) القائم بذلك فأمر بحفر خندق حول المهديّة وزويلة، ووصل أبو يزيد في جيوشه فأحاط بالمهديّة وعسكر بخربة جميل (١٣٩) على أميال قريبة من المهديّة، فكانت خيله تصل إلى أرباضها، فتقتل وتنهب، فلجأ جميع الناس إلى المهديّة، وأخلوا أرباضها. قال الشّيخ أبو الحسن القابسي: «وأبصر القائم ذات يوم غرة من أبي يزيد لتفرق أكثر جيشه للنهب فأخرج طائفة من جيشه الكتاميين وغيرهم فقصدوا أبا يزيد، وسبق الخبر إلى أبي يزيد بذلك، فوافق ذلك وصول ابنه الفضل بجمع عظيم من ضريسة، فأمرهم بلقائهم وأن يكفّ عن قتالهم ما كفوا عنه، فان أبوا الا قتاله وجه إليه من يعلمه بذلك، فالتقوا بسوق الأحد وهو موضع بين سور المهديّة ومعسكر أبي يزيد وسطا، فأبى الكتاميون الا قتال فضل، فوجّه إلى أبيه يعلمه بذلك، فركب أبو يزيد من حينه يجمع من معه فوافاهم وهم يقتتلون وقد هزم ابنه فضل وقتل من أصحابه جماعة، فلمّا / رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال وبحأوا إلى المهديّة فدخلوا إليها. ووصل أبو يزيد في أثرهم إلى أن أشرف على المهدية، فأحب نقل مآربه (١٤٠) إلى موضعه ذلك فأشار عليه أصحابه بالرجوع إلى معسكره وأن تكون اقامته به إلى أن

стр. 343

يستقصي الأمور فرجع إليه وأقام هنالك أياما، ثم انتقل منه وزحف إلى المهديّة فوصل إلى خندقها واقتحم (١٤١) الماء بمن معه، فوصل الماء إلى صدور خيلهم وجيوش القائم في ذلك كلّه متقهقرة عنه، ووصل أبو يزيد بنفسه في تلك الخطرة (١٤٢) إلى مصلّى المهديّة فلم يبق بينه وبين المهديّة إلاّ رمية سهم حسبما أنذر به المهدي عند بناء سورها، فلمّا رأى الناس ذلك لم يشكّوا في تغلّبه على المهديّة فاجتمعوا على القائم وعظموا له (١٤٣) الأمر وسألوه الخروج إلى أبي يزيد فقال لهم: انه قد بلغ إلى أقصى غايته ولن يتجاوزه ولينجزن الله وعده، ثم قال [لبعض] من بين يديه: اصعد إلى السّور فاذا رأيت أبا يزيد انتقل عن مكانه من المصلّى فأشر إلينا باشارة نعرف ذلك بها ففعل الرجل ما أمر به، فقال لهم القائم: أبشروا فلن يعود أبو يزيد إلى مكانه ذلك أبدا، وانتقل أبو يزيد إلى الموضع المعروف «بترنوط» وهو على خمسة أميال من المهديّة، فعسكر هنالك، واتّصل حصاره لها فقتل بين الفريقين في ذلك على توالي الأيام أمم لا تحصى أكثرها من جيوش القائم. وذكر البكري [أن] (١٤٤) في كتاب الحدثان: ويل لأهل السواد (١٤٥)، / من محلة ابن كيداد» ويقال من مخلد بن كيداد (١٤٦). ولمّا طال على جيش (١٤٧) أبي يزيد المقام وسئموا التغرب على بلادهم وتحققوا حصانة المهديّة [وامتناعها] وذلك في شهر صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة (١٤٨) انفصلوا عن أبي يزيد بأجمعهم فلم يبق معه إلاّ طوائف من هوارة وزناتة، فأقلع عن المهديّة، ومات القائم في آخر هذه السنة وأبو يزيد محاصر لسوسة» (١٤٩). وسبب محاصرته لها أنها امتنعت منه سنة (١٥٠) اثنين وثلاثين وثلاثمائة (١٥١) فلم يزل

стр. 344

معها حتى تغلّب عليها، ففعل بهم الأفعال الشنيعة من قتل الرجال وسبي النساء وقطع الأعضاء وبقر البطون، فلمّا ارتحل عنهم خالفوا عليه ووجّهوا عامله إليه فلمّا يئس من المهديّة رجع (١٥٢) إلى حصار سوسة حصارا شديدا، فكان يقاتلها كل يوم، فيوم له ويوم عليه» (١٥٣). المنصور وفشل ثورة أبي يزيد: فلمّا مات القائم (١٥٤) وولي ابنه اسماعيل الملقب «بالمنصور» بادر بانفاذ جيش بري وجيش بحري إلى أبي يزيد (١٥٥) بعد أن أحبّ النّهوض بنفسه فمنعه أولياؤه [منه] فتوجهت جيوشه إلى سوسة، وكان ما أخذه التحصيل من جند أبي يزيد المحاصرين لها مائة ألف خصّ، يسكن الخص الواحد والاثنان والثلاثة والأربعة فصاعدا، وكان جيش المنصور البري أربعمائة فارس لا تزيد على ذلك، فهجموا على جيش أبي يزيد في معسكره في يوم كثير الغيم، وأطلقوا النّار في مجتمع حطب كان هناك فتطاير شرارها إلى أخصاص (١٥٦) أبي يزيد / فأظلم الجو، وتخاذل البربر، وأسلموا أبا يزيد، فقتل من أتباعه أمم كثيرة، وتوجه أبو يزيد منهزما إلى القيروان فلم يقبلوه، وقتلوا جماعة من أصحابه خارج القيروان، فهرب عنهم. وخرج المنصور من المهديّة في طلبه بشجاعة قوية، قال المؤرخون: فلم يزل يهزمه ويقتفي أثره إلى أن أخذه جريحا في جبل كيّانة (١٥٧) وذلك في شهر محرم سنة ست وثلاثين (١٥٨)، فسلخ (١٥٩) جلده وجعل فيه ما ملأه حتى عاد صورة هائلة فطيف به من

стр. 345

جبال صنهاجة بالمغرب (الأوسط إلى المهديّة) (١٦٠) ثم صلب بها إلى أن مزّقته الرّياح بعد أن مزّق شمل العالم في البلاد، وكان يبيح دم أهل القبلة ويستحل الفروج ويفعل في الاسلام أشدّ مما يفعل في دار الحرب» (١٦١). قال التجاني في رحلته (١٦٢): «ومن قرية الزّارات (١٦٣) كان ابتداء سيرنا بسلوك منازل البربر المستمسكين بمذهب الخوارج المستحلين لدماء المسلمين وأموالهم، وهذا المذهب هو الغالب على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصا أهل السّاحل منهم، فهم بهذا المذهب المذموم يتقربون ببيع (١٦٤) من يمر بهم من المسلمين للروم فتجد النّاس لأجل ذلك يتحامون الانفراد في قراهم ويتجنّبون ايواءهم وقراهم، وهم من بقايا الشّرذمة الضّالة التي قام بها أبو يزيد مخلّد بن كيداد في افريقية، فانه لمّا أظفر الله به وأراح البلاد والعباد منه تفرّقت أتباعه في الأقطار فسكنت هذه الشّرذمة / هذه البقاع، وسكنت طائفة أخرى بجبال بجاية وقسنطينة وما والاها إلى بونة (١٦٥)، ومالت طائفة أخرى إلى بلاد الجريد فاستوطنت نفطة ونفزاوة وما والاها من البلاد» اهـ (١٦٦). قلت: وقد طهر الله من هذا المذهب نفزاوة وكثيرا من البلاد، وربنا يحسن خلاص الباقين من أسر هذه البدعة، وأشد الناس به تعلقا في هذه الأعصار جبل نفّوسة ويسمونه اليوم «فسّاطو» لتعاصيه عن أحكام سلاطين تونس وطرابلس لبعده عنهما وشدة حصانته، وما ذكر من بيع المسلمين للكفار لم يبق ذلك وقطع الله آثار الكفر ولله الحمد، وكذلك استحلال الفروج ودماء المسلمين، وربنا يطهر المسلمين من هذه البدعة وشنائعها. ثم ان المنصور بنى موضع الوقعة مدينة سمّاها المنصورية وهي صبرة التي كانت ملاصقة للقيروان، فاستوطنها وبنى بها قصرا، ثم خرج في شهر رمضان سنة احدى وأربعين من المنصورية إلى جلولا يتنزّه بها ومعه حظية كان مغرما بها، فأمطر الله عليهم

стр. 346

بردا كثيرا وسلّط عليهم ريحا عظيما فأخرج منها إلى المنصورية فاشتد عليهم البرد فأوهى جسمه ومات أكثر من معه ووصل إلى المنصورية فاعتل بها، ومات (١٦٧) يوم الجمعة آخر شوال سنة احدى وأربعين وثلاثمائة (١٦٨)، ودفن بالمهديّة، ومولده بالقيروان سنة اثنتين وثلاثمائة (١٦٩)، فكانت مدة ملكه سبع (١٧٠) / سنين وستة أيام. المعز لدين الله وانتقال الفاطميين إلى مصر . وقام بعده ولده أبو تميم معدّ الملقب «بالمعز لدين الله» وهو واسطة عقدهم. «كان بويع (١٧١) بولاية العهد في حياة أبيه المنصور (١٧٢)، ثم جدّدت له البيعة بعد وفاة أبيه في التّاريخ المذكور لوفاة أبيه، ودبّر الأمور وساسها وأجراها على قانون السّياسة إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة احدى وأربعين وثلاثمائة (١٧٣). فجلس يومئذ على سرير ملكه (١٧٤)، ودخل عليه الخاصّة وكثير من العامّة، وسلّموا عليه بالخلافة، وتسمّى «بالمعزّ» ولم يظهر على أبيه حزنا. ثم خرج إلى بلاد افريقية يطوف فيها، ليمهّد [قواعدها] (١٧٥) ويقرر أسبابها، (فانقاد له جميع العباد، في سائر البلاد) (١٧٦) ودخلوا تحت طاعته (١٧٧)، وعقد لغلمانه

стр. 347

وأتباعه الأعمال واستنوب (١٧٨) لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته، وضمّ إلى كل واحد منهم جمعا كثيرا من الجند وأرباب السّلاح. ثم جهّز أبا الحسن جوهر (١٧٩) القائد، ومعه جيش كثير (١٨٠) لفتح ما استعصى عليه من بلاد المغرب، فسار إلى فاس، ثم منها إلى سجلماسة ففتحها، ثم توجّه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء، وأرسله إلى المعزّ، ثم رجع إلى المعزّ (١٨١) ومعه صاحب فاس [أحمد بن بكر] (١٨٢) وصاحب سجلماسة [ابن واسول] (١٨٣) أسيرين في قفصي (١٨٤) حديد، وما رجع [إلى المعزّ] حتى وطّد له (١٨٥) البلاد (وطوّع العباد من باب المهديّة إلى البحر المحيط، من أقصى المغرب / وإلى أعمال مصر من المشرق) (١٨٦). ولم يبق بلد من هذه البلاد إلاّ وقد أقيمت فيها دعوته (وخطبت في جميعها خطبته) (١٨٧) إلاّ مدينة سبتة، فانها بقيت لبني أميّة أصحاب الأندلس. ولمّا وصل الخبر إلى المعزّ بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر (واشتغال بني العباس بقتال الديلم) (١٨٨) تقدم المعزّ إلى القائد جوهر ليتجهز إلى الخروج إلى مصر، فخرج أولا إلى جهة المغرب لاصلاح أموره (١٨٩)، وكان معه جيش عظيم، وجمع قبائل العرب الذين يتوجّه بهم إلى مصر، وجبى القطائع التي كانت على البربر، فكانت خمسمائة ألف دينار.

стр. 348

وخرج المعزّ بنفسه في الشّتاء إلى المهديّة فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وغيرها، وعاد إلى قصره. ولمّا عاد جوهر بالأموال والرّجال، وكان قدومه على المعزّ يوم الأحد لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة (١٩٠)، أمره المعزّ بالخروج إلى مصر» «فخرج (١٩١) من افريقية يوم السبت رابع عشر ربيع الأول من السنة المذكورة» «ومعه (١٩٢) أصناف القبائل فأنفق المعزّ على هذا العسكر المسيّر صحبته أموالا كثيرة، فأعطى من ألف دينار إلى عشرين دينار وغمر النّاس بالعطاء، وتصرفوا في القيروان في شراء جميع حوائجهم، ورحلوا ومعه ألف حمل من المال والسّلاح، [ومن] الخيل والعدد ما لا يوصف، وكان بمصر في تلك السّنة غلاء عظيم ووباء، حتى مات من مصر وأعمالها / في تلك المدّة ستمائة ألف إنسان على ما قيل. فانتهى جوهر بمن معه إلى مصر» «فتسلمّها (١٩٣) يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان السنة المذكورة (١٩٤)، فصعد المنبر يوم الجمعة ودعا لمولاه المعزّ» (١٩٥) وهو بافريقية، «ولمّا كان (١٩٦) منتصف رمضان من السّنة المذكورة، وصلت البشائر إلى المعزّ بفتح الدّيار المصرية، ودخول عساكره إليها، ثم وصلته النجب بعد ذلك تخبره بصورة الفتح». «فأقام (١٩٧) جوهر بمصر نافذ الأمر، [وسيّر عسكرا إلى دمشق وغزاها فملكها] (١٩٨)، وبنى القاهرة» (١٩٩) باذن سيّده، وانما سمّيت القاهرة لأنه أراد وضع أساسها عند طالع معيّن لتكون لذريّة سيّده لآخر الدّهر، فحفر الأرض لوضع الأساس فعمل أحجار الاساس لجماعة، وجعل لهم حبالا متّصلا بعضها ببعض، دائرة بدور حفر الأساس، وجعل في الحبال أجراسا، وأمر حملة الأحجار برميها اذا سمعوا صوت

стр. 349

الأجراس وقعد (٢٠٠) يرصد استحقاق الرّمي ليحرّك لهم الأجراس ليرموا الحجارة، فخطر غراب على تلك الحبال فتحركت الحبال بالأجراس فصوّتت، فسمعها حملة الأحجار فحسبوا أن الذي يرصد الطّالع هو الذي حرّكها فرموا [الأحجار] (٢٠١) قبل [ظهور] (٢٠١) الطّالع المقصود، وكان الطّالع وقت رمي الأساس (٢٠٢) نجم يسمّى القاهر فسميت القاهرة، فهي إلى الآن تقهر المعتدين والجبابرة ولو ساعدتهم بعض الأيام فلا بد من دائرة السوء عليهم. ثم صارت / كتبه ترد (٢٠٣) إلى المعزّ باستدعائه إلى مصر، ثم أخبره بانتظام الحال بمصر والشّام (٢٠٤) والحجاز، واقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسرّ المعزّ بذلك سرورا عظيما، ولمّا تقرّرت قواعده بالدّيار المصرية استخلف على افريقية بلكّين بن زيري بن مناد الصّنهاجي (٢٠٥)، وخرج المعزّ متوجّها إلى مصر بأموال جليلة المقدار، ورجال عظيمة الأخطار، وكان خروجه من المنصوريّة - دار ملكه اذ ذاك - يوم الاثنين، لثمان بقين من شوال سنة احدى وستين وثلاثمائة (٢٠٦)، ولم يزل في طريقه يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياما، ويجدّ السّير في بعضها، وكان اجتيازه على برقة، ودخل الاسكندرية لست بقين من شعبان (٢٠٧)، فدخل الحمام وقدم عليه بها قاضي مصر أبو طاهر محمّد بن أحمد، وأعيان أهل البلاد، وسلّموا عليه وجلس لهم عند المنارة، وخاطبهم بخطاب طويل يخبرهم فيه أنه لم يرد دخول مصر زيادة في ملكه ولا لمال، وانما أراد اقامة الحق والحج والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصّالحة، ويعمل بما أمره به جدّه ﷺ ووعظهم وأطال حتى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وبعض الجماعة، وحملهم وودّعوه وانصرفوا، ثم رحل من الاسكندرية أواخر شعبان. ونزل يوم السبت ثاني شهر رمضان بالجيزة بساحل النيل مقابل مصر (٢٠٨)، فخرج إليه القائد جوهر، وترجّل عند لقائه وقبّل الأرض بين يديه، وبالجيزة / اجتمع به الوزير

стр. 350

أبو الفضل جعفر بن الفرات، وأقام المعزّ هناك ثلاثة أيام، وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر العتيق - وكانت قد زيّنت له - وظنّوا أنه يدخلها، وأهل القاهرة لم يستعدّوا للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر (٢٠٩) أولا، ولمّا دخل القاهرة، ودخل القصر ودخل مجلسا منه خرّ ساجدا لله تعالى، ثم صلّى فيه ركعتين، وانصرف النّاس عنه. وفي يوم الجمعة لثالث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع وستين (٢١٠) عزل المعزّ قائده جوهرا عن دواوين مصر وجباية أموالها والنّظر في سائر أمورها. وكانت ولادة المعزّ بالمهديّة (٢١١)، ووفاته بمصر يوم الجمعة (٢١٢) حادي عشر شهر ربيع الآخر (٢١٣) وقيل الثالث عشر منه سنة خمس وستين وثلاثمائة (٢١٤) ولم يقم المعزّ بمصر القاهرة إلاّ سنتين ونصفا وكانت مدة ملكه بالمغرب والقاهرة ثلاثا وعشرين سنة ونصفا» (٢١٥). الفاطميون بمصر: واستمرت ولاية العبيديين بمصر إلى أن بلغوا أربعة عشر خليفة (٢١٦) حسبما نقل السيوطي عن الذهبي. وذكر منهم عدة فقال: «قام (٢١٧) بعد المعزّ ابنه العزيز نزار ومات سنة ست وثمانين (٢١٨)، وقام ابنه الحاكم بأمر الله المنصور» (٢١٩) «وكان شيطانا مريدا سيء الاعتقاد سفّاكا للدماء، قتل خلقا كثيرا بغير ذنب» (٢٢٠) وادعى

стр. 351

الألوهية (٢٢١)، وأمر بسبّ الصّحابة، قال ابن الجوزي (٢٢٢): «ادّعى الحاكم المذكور الرّبوبية، وكان قوم من الجاهلين اذا رأوه / قالوا: يا واحد يا أحد، يا محيي يا مميت (٢٢٣)، وصنّف بعض الباطنية (٢٢٤) كتابا ذكر فيه أن روح آدم ﵇ انتقلت إلى علي بن أبي طالب، وأن روح علي انتقلت [إلى أبي الحاكم ثم انتقلت] (٢٢٥) إلى الحاكم، وقرئ هذا الكتاب بجامع القاهرة، فقصد النّاس قتل مؤلفه فصيره الحاكم إلى جبال الشام، فنزل بوادي تيم (٢٢٦) وناحية (٢٢٧) بانياس، فاستمال قلوب النّاس، وأباح لهم الخمر والزنا، وأقام عندهم يدعوهم فأضلّ منهم خلقا كثيرا» (٢٢٨)، وفي وادي التيم (٢٢٦) ونواحي الشّرق إلى يومنا هذا يدعون بالدّروز، يعتقدون خروج الحاكم، ولهم كتب يتدارسونها فيما بينهم، ويعتقدون أنه لا بدّ أن يعود ويمهّد الأرض، وتلك خيالات فاسدة وظنون كاذبة، وكانت له شنائع وقبائح وأفعال منكرة خارجة عن الطّبع والعرف والشرع، فمن ذلك أنه أمر بغلق الأسواق نهارا وفتحها ليلا، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا، حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة بعد العصر فوقف عليه وقال: أما نهيتكم عن هذا؟ فقال يا سيدي: أما كانوا يستهزؤون ويسخرون (٢٢٩) بهذا من ذاك؟ فأعاد النّاس إلى أمرهم الأول، وبالجملة فهو أخبث القوم» (٢٣٠) «وقتل في (٢٣١) سنة احدى عشرة وأربعمائة (٢٣٢).

стр. 352

وقام ابنه الظاهر لاعزاز دين الله علي، ومات سنة سبع وعشرين (٢٣٣). وقام ابنه المستنصر (٢٣٤) معد، ومات سنة سبع (٢٣٥) وثمانين. فأقام في الملك ستين سنة (٢٣٦). قال الذّهبي: ولا أعلم أحدا في الاسلام - لا خليفة ولا سلطانا - / أقام هذه المدة. وقام بعده ابنه المستعلي [بالله] أحمد ومات سنة خمس وتسعين (٢٣٧). وقام [بعده] ابنه الآمر (٢٣٨) بأحكام الله منصور (٢٣٩) وقتل سنة أربع وعشرين وخمسمائة (٢٤٠). وقام ابن عمّه الحافظ لدين الله ثم الظّافر، ثم الفائز، ثم العاضد. (وخلع سنة سبع وستين وخمسمائة، ومات بها») (٢٤١) ثلاثة بالمغرب والباقي بالقاهرة. وانقرضت الدّولة العبيدية، وأقيمت العبّاسية على يد صلاح الدّين باشارة نور الدّين كما يأتي - إن شاء الله تعالى - «قال الذّهبي: كانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا» اهـ (٢٤٢). [قال] ابن خلكان (٢٤٣): آخر العبيديين العاضد، سمعت جماعة من المصريين يقولون: إن هؤلاء القوم في أول دولتهم قالوا لبعض العلماء: تكتب لنا ورقة تذكر فيها

стр. 353

ألقابا تصلح للخلفاء، حتى إذا تولّى واحد لقّبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا كثيرة، وآخر ما كتب في الورقة «العاضد» (٢٤٤) اهـ. ولمّا خشينا الخروج عن المقصود باستقصاء جميع أحوال كل فرد، أعرضنا عمّا زاد عن الغرض المهم وبالله تعالى التوفيق، لا رب غيره ولا معبود سواه.

стр. 354

المقالة الخامسة في ذكر ملوك ضهاجة بالمغرب وصلاح الدّين بمصر وفيها بابان الباب الأول في ذكر ملوك صنهاجة زيري بن مناد: أول (١) من ملك في أيام العبيديين من صنهاجة «زيري بن مناد بن منقوش بن زناك (٢) بن زيد الأصغر [بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي بن سليمان بن الحارث ابن عدي الأصغر] (٣) وهو المثنى (٤)، ابن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث (٥) الأصغر بن سعد وهو / عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد (٦) بن زرعة، وهو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث (٧) بن حيدان (٨) ابن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير [وهو

стр. 355

العرنجج] (٩) بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود ﵇ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇» (١٠) وزيري هذا هو الذي بنى مدينة آشير (١١) «بمدّ الهمزة وكسر الشين المثلثة وسكون الياء المثناة تحت وبعدها راء مهملة، بليدة (١٢) بافريقية بين بجاية وقلعة بني حماد» (١٣) بناها وحصّنها (١٤) في أيّام أبي يزيد الخارجي، لما خرج على القائم بن المهدي وعلى ولده المنصور اسماعيل وملكه اياها وما حولها. وأعطاه المنصور تاهرت وما حولها، وهي بفتح التاء المثناة الفوقية وبعد الألف هاء مفتوحة وراء ساكنة ثم تاء فوقية، مدينة بافريقية، ابن خلكان، وثمّ أيضا أخرى تسمّى باسمها واحداهما تسمّى القديمة، والأخرى الجديدة ولا أدري أي المدينتين ملكها زيري» (١٥) اهـ (١٦)، «وكان زيري حسن السيرة تام السياسة شجاعا صارما (١٧)، وكانت بينه وبين جعفر بن علي الأندلسي ضغائن وأحقاد أفضت إلى الحرب، فلما تصافا انجلى المصاف عن قتل زيري المذكور برمضان سنة ستين وثلاثمائة (١٨)، كبا به فرسه فسقط إلى الأرض فقتل، وكانت مدة ملكه / ستا وعشرين سنة» (١٩). بلكين بن زيري: فملك بعده ولده «بلكّين» (٢٠) بن زيري، ويسمى يوسف، إلاّ أن بلكّين أشهر وهو الذي استخلفه المعزّ العبيدي عند توجّهه إلى مصر، فأمر الناس بالسّمع والطاعة له،
следующие страницы →