← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الألوهية (٢٢١)، وأمر بسبّ الصّحابة، قال ابن الجوزي (٢٢٢): «ادّعى الحاكم المذكور الرّبوبية، وكان قوم من الجاهلين اذا رأوه / قالوا: يا واحد يا أحد، يا محيي يا مميت (٢٢٣)، وصنّف بعض الباطنية (٢٢٤) كتابا ذكر فيه أن روح آدم ﵇ انتقلت إلى علي بن أبي طالب، وأن روح علي انتقلت [إلى أبي الحاكم ثم انتقلت] (٢٢٥) إلى الحاكم، وقرئ هذا الكتاب بجامع القاهرة، فقصد النّاس قتل مؤلفه فصيره الحاكم إلى جبال الشام، فنزل بوادي تيم (٢٢٦) وناحية (٢٢٧) بانياس، فاستمال قلوب النّاس، وأباح لهم الخمر والزنا، وأقام عندهم يدعوهم فأضلّ منهم خلقا كثيرا» (٢٢٨)، وفي وادي التيم (٢٢٦) ونواحي الشّرق إلى يومنا هذا يدعون بالدّروز، يعتقدون خروج الحاكم، ولهم كتب يتدارسونها فيما بينهم، ويعتقدون أنه لا بدّ أن يعود ويمهّد الأرض، وتلك خيالات فاسدة وظنون كاذبة، وكانت له شنائع وقبائح وأفعال منكرة خارجة عن الطّبع والعرف والشرع، فمن ذلك أنه أمر بغلق الأسواق نهارا وفتحها ليلا، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا، حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة بعد العصر فوقف عليه وقال: أما نهيتكم عن هذا؟ فقال يا سيدي: أما كانوا يستهزؤون ويسخرون (٢٢٩) بهذا من ذاك؟ فأعاد النّاس إلى أمرهم الأول، وبالجملة فهو أخبث القوم» (٢٣٠) «وقتل في (٢٣١) سنة احدى عشرة وأربعمائة (٢٣٢).

стр. 352

وقام ابنه الظاهر لاعزاز دين الله علي، ومات سنة سبع وعشرين (٢٣٣). وقام ابنه المستنصر (٢٣٤) معد، ومات سنة سبع (٢٣٥) وثمانين. فأقام في الملك ستين سنة (٢٣٦). قال الذّهبي: ولا أعلم أحدا في الاسلام - لا خليفة ولا سلطانا - / أقام هذه المدة. وقام بعده ابنه المستعلي [بالله] أحمد ومات سنة خمس وتسعين (٢٣٧). وقام [بعده] ابنه الآمر (٢٣٨) بأحكام الله منصور (٢٣٩) وقتل سنة أربع وعشرين وخمسمائة (٢٤٠). وقام ابن عمّه الحافظ لدين الله ثم الظّافر، ثم الفائز، ثم العاضد. (وخلع سنة سبع وستين وخمسمائة، ومات بها») (٢٤١) ثلاثة بالمغرب والباقي بالقاهرة. وانقرضت الدّولة العبيدية، وأقيمت العبّاسية على يد صلاح الدّين باشارة نور الدّين كما يأتي - إن شاء الله تعالى - «قال الذّهبي: كانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا» اهـ (٢٤٢). [قال] ابن خلكان (٢٤٣): آخر العبيديين العاضد، سمعت جماعة من المصريين يقولون: إن هؤلاء القوم في أول دولتهم قالوا لبعض العلماء: تكتب لنا ورقة تذكر فيها

стр. 353

ألقابا تصلح للخلفاء، حتى إذا تولّى واحد لقّبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا كثيرة، وآخر ما كتب في الورقة «العاضد» (٢٤٤) اهـ. ولمّا خشينا الخروج عن المقصود باستقصاء جميع أحوال كل فرد، أعرضنا عمّا زاد عن الغرض المهم وبالله تعالى التوفيق، لا رب غيره ولا معبود سواه.

стр. 354

المقالة الخامسة في ذكر ملوك ضهاجة بالمغرب وصلاح الدّين بمصر وفيها بابان الباب الأول في ذكر ملوك صنهاجة زيري بن مناد: أول (١) من ملك في أيام العبيديين من صنهاجة «زيري بن مناد بن منقوش بن زناك (٢) بن زيد الأصغر [بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي بن سليمان بن الحارث ابن عدي الأصغر] (٣) وهو المثنى (٤)، ابن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث (٥) الأصغر بن سعد وهو / عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد (٦) بن زرعة، وهو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث (٧) بن حيدان (٨) ابن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير [وهو

стр. 355

العرنجج] (٩) بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود ﵇ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇» (١٠) وزيري هذا هو الذي بنى مدينة آشير (١١) «بمدّ الهمزة وكسر الشين المثلثة وسكون الياء المثناة تحت وبعدها راء مهملة، بليدة (١٢) بافريقية بين بجاية وقلعة بني حماد» (١٣) بناها وحصّنها (١٤) في أيّام أبي يزيد الخارجي، لما خرج على القائم بن المهدي وعلى ولده المنصور اسماعيل وملكه اياها وما حولها. وأعطاه المنصور تاهرت وما حولها، وهي بفتح التاء المثناة الفوقية وبعد الألف هاء مفتوحة وراء ساكنة ثم تاء فوقية، مدينة بافريقية، ابن خلكان، وثمّ أيضا أخرى تسمّى باسمها واحداهما تسمّى القديمة، والأخرى الجديدة ولا أدري أي المدينتين ملكها زيري» (١٥) اهـ (١٦)، «وكان زيري حسن السيرة تام السياسة شجاعا صارما (١٧)، وكانت بينه وبين جعفر بن علي الأندلسي ضغائن وأحقاد أفضت إلى الحرب، فلما تصافا انجلى المصاف عن قتل زيري المذكور برمضان سنة ستين وثلاثمائة (١٨)، كبا به فرسه فسقط إلى الأرض فقتل، وكانت مدة ملكه / ستا وعشرين سنة» (١٩). بلكين بن زيري: فملك بعده ولده «بلكّين» (٢٠) بن زيري، ويسمى يوسف، إلاّ أن بلكّين أشهر وهو الذي استخلفه المعزّ العبيدي عند توجّهه إلى مصر، فأمر الناس بالسّمع والطاعة له،

стр. 356

فتسلّم البلاد، وخرجت العمّال وجباة الأموال باسمه، وأوصاه المعزّ بأمور كثيرة، وأكّد عليه في فعلها، ثم قال: إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إيّاك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، والسّيف (٢١) عن البربر، ولا تولّ (٢٢) أحدا من أخوتك وبني عمّك، فانهم يرون أنّهم أحقّ بهذا الأمر منك، وافعل مع أهل الحاضرة خيرا، وفارقه على ذلك، وعاد من وداعه، وتصرّف في الولاية. ولم يزل حسن السيرة، تام النّظر في مصالح دولته ورعيّته إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة (٢٣)، بموضع يقال له: واركلان مجاور افريقية، وهو بفتح الواو وبعد الألف راء مفتوحة أيضا ثم كاف ساكنة وبعد الألف نون كلاهما بعد لام مفتوحة» (٢٤). فولي بعده ولده المنصور. باديس: ثمّ بعد المنصور ولده باديس، وممّا وجد في مناقب العارف بالله تعالى سيدي محرز بن خلف المتوفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة (٢٥) المدفون بباب السويقة من تونس - نفعنا الله به - أنّه أتاه رجل (٢٦) مستجير من مظلمة نالته من قبل باديس بن المنصور فكتب له المؤدب سيدي محرز بعد البسملة والصلاة على النبيء ﷺ : من محرز بن خلف / إلى باديس، أما بعد، فانّ الله حقق الحق في قلوب المؤمنين من عباده، ونقل المذنبين إلى ما افترض عليهم من طاعته، أنا رجل عرف كثير من الناس اسمي، وهذا من البلاء (٢٧)، وأنا أسأل الله أن يتغمّدني برحمته، وربّما أتاني المضطر يسأل الحاجة، فان رددتها خفت، وإن التزمت ذلك كثر عليّ، وقد ورد عليّ رجل يزعم أنه طلب في دراهم

стр. 357

وخاف، وليس عنده شيء، فاعمل على رضى من لا بدّ لك من لقائه، واستحي ممّن بنعمته وجدت لذائذ العيش، ولا يغرّنك حلم الله تعالى عليك، ولا تعاد من أنت محتاج إليه، وحاذر بطانة السّوء فانهم يأكلون مالك ويقرّبون من النار لحمك، وشاور في أمرك من يتّقي الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٢٨) الآية، وخف ممّن لا يحتاج عونا عليك بل لو شاء اتلافك لأخرجك عن نفسك، حتى يكون هلاكك عن يديك، سالم تسلم، فأنت على رحيل، فخذ في الزاد، والسلام» (٢٩). «وممّا (٣٠) وقع في أيام باديس أنه أتاه قوم من بطانته فزعموا أن أهل تونس مبغضون فيه وفي دولته، فبعث نجيبا إلى عامل له كان بتونس وهو يقول: إقبض على من يشار إليه من أهل تونس من العلماء وأهل الدنيا، فخذ أموالهم واضرب رقابهم، وكان بالقيروان رجل من أهل السّنة، محبّا لأهل تونس (وكان صديق الشيخ - رضي الله تعالى عنه - وكان لذلك الرجل القروي صديق بتونس، وكان عند كل من المتصادقين القروي والتّونسي في بلده حمام ضار، فكان كلّما طرأ عند أحدهما / خبر في بلده كاتب به صاحبه وأرسله مع حمامه فيصل الخبر في يومه فالحمامان مقبوضان عند صاحبيهما برسم الارسال بالأخبار، فلمّا سمع القرويّ ما أنفذ به باديس إلى تونس) (٣١) كتب كتابا وعلّقه على الحمام، وبعثه إلى صديقه بتونس، فلمّا وصل الحمام لداره أخذ الكتاب وقرأه ومضى به لأهل العلم وأوقفهم عليه، فلمّا نظروا إليه قال بعضهم لبعض: ما لنا في هذا الأمر إلاّ المؤدّب سيدي محرز بن خلف، فأتوه وقرأوا عليه الكتاب، فلما سمع ما فيه قال: أكتبوا فيه: «قالت طائفة ليست من أهل العلم والكتاب أن أعيان تونس يؤخذون فيطلبون في أموالهم وأرواحهم وعلى السّلطان النظر في ذلك، فاحذر [رأي] وزراء السوء الذين يأكلون مالك، ويقربون لحمك وعظمك إلى النار، وأنت على سفر، فخذ في الزّاد، والسّلام على من اتّبع الهدى».

стр. 358

وبعث الرجل الكتاب مع الحمام إلى القيروان، فلمّا وصل أخذه وقرأه ومضى به إلى القاضي، فقرئ على من حضر المجلس، فاتّفق أهل المجلس على أنهم يكتبون كتابا يمجّدون فيه السّلطان، فلما استوى رأيهم قام رجل من أهل المجلس وقال: يا قوم، لا تغيروا كتاب الرّجل، فالذي كتبه عرف لمن كتب، والذي يصل إليه الكتاب يعلم من كتبه، فحمل الكتاب ولم يغيّر فيه شيء حتى وصل إلى باديس، فلما قرئ عليه الكتاب قال وزيره: لم يزل أبو كسية في بغضه / ونفاقه، فقال له باديس: وبلغ من قدري وقدرك عند الشيخ محرز بن خلف حتى يكتب إلينا، إنّما هي هديّة من الله سبحانه أهداها لنا، ونكّل بالوزير وأمر بقلع أسنانه ثم دعا بعض خدّامه وقال: خذ هذا الكتاب واحمله إلى السّيدة وقل لها: هذا كتاب سيدي محرز بن خلف فاحتفظي به، ولعلّ بركته تعود علينا وعليك، فلمّا وصل الكتاب إلى السيدة طيّبته وخرزت عليه وعلّقته عليها وكانت حاملا، فقالت: لعلّ بركته تعود عليّ، فعادت بركته عليها وولدت المعزّ بن باديس بالمنصوريّة يوم الخميس لخمس مضت من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (٣٢)، ثم قال باديس: سبحان الله، (والذي بعثنا إلى تونس ما وصل إليها) (٣٣) (ثم كتب من ساعته إلى العامل بتونس وأرسل إليه أن لا ينتقم من المسلمين وناول الكتاب للذي ناوله كتاب الشيخ فأخذه وعلّقه على الحمام وبعثه به فوصل الكتاب) (٣٤) إلى تونس قبل وصول الرسول، كل ذلك في يوم واحد، فلما قدم الرسول بعث العامل إلى أهل المدينة ليعلمهم بما أمر به السلطان، فأتوه والكتاب معهم، فلمّا نظر العامل للكتاب سقط في يده وسرح أمورهم ولم يعاقب أحدا (٣٥)، «وتوفي باديس سلخ ذي القعدة سنة ستّ وأربعمائة (٣٦).

стр. 359

المعزّ بن باديس: قطعه الدعوة للفاطميين واجتياح العرب افريقية فتولّى بعده المعزّ بن باديس [وكانوا قد أخفوا موت باديس ورتبوا] (٣٧) عمّه (٣٨) كرامت (٣٩) بن المنصور ظاهرا / حتى وصلوا إلى المعزّ فولّوه، وتمّ أمره بالمحمدية يوم السبت لثلاث مضين من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة (٤٠)، «وكان المعزّ واسطة عقد جماعته، وهو الذي قطع مذاهب الشيعة، واستأصل شأفتها وقطع آثارها بقتل من ينتسب إليها، ابن خلكان» (٤١). ولمّا توجه المعزّ العبيدي إلى مصر استخلف بلكّين بن زيري - حسبما شرحناه - وكانت الخطبة في تلك النواحي جارية على عادتها لهذا البيت إلى أن قطعها المعزّ بن باديس في أيام المستنصر (٤٢) وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (٤٣). وقال في تاريخ القيروان: أن ذلك في سنة خمس وثلاثين (٤٤)، والله أعلم بالصواب» (٤٥). ولمّا قطع خطبته وخلع طاعته، خطب للامام القائم بأمر الله العبّاسي خليفة بغداد فكتب إليه المستنصر (٤٢) يتهدده ويقول له: هلا اقتفيت آثار آبائك في الطاعة والولاء، في كلام طويل، فأجابه المعزّ: إنّ آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن يملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم، ولو أخروهم لتقدّموهم بأسيافهم، واستمر على قطع الخطبة له، ولم يخطب بعد ذلك بافريقية لأحد من المصريين إلى اليوم. وكان مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بافريقية أظهر المذاهب، فحمل المعزّ المذكور جميع أهل المغرب على / التّمسّك بمذهب مالك - رضي الله تعالى عنه -، وحسم مادّة الخلاف في المذهب، قال: واستمرّ الحال في ذلك إلى الآن» (٤٦) اهـ.

стр. 360

قلت هذا في زمانه، وأما الآن فقد رجع مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - إلى المغرب منذ دخلت العساكر العثمانية إلى المغرب، ولكن مذهب الامام مالك - رضي الله تعالى عنه - أشيع. وقال في معالم الايمان: «لمّا قدم المعزّ بن باديس القيروان بعد موت أبيه واستفتاح ولايته، وذلك يوم الجمعة منتصف محرم عام سبعة وأربعمائة (٤٧)، قتلت (٤٨) العامّة الرّافضة بالقيروان أقبح قتل، وحرقوهم، وانتهبوا أموالهم وهدّموا ديارهم، وقتلوا نساءهم وصبيانهم، وجرّوهم بالأرجل، فكانت صيحة من الله سلّطها عليهم، وخرج الأمر من القيروان إلى المهديّة وسائر بلادهم، فقتلوا حيث وجدوا، وأحرقوا بالنار، فلم يترك منهم بمدائن افريقية إلاّ من اختفى ولجأت الرّافضة إلى مساجد المهدية، فقتلوا فيها، وهدّموا دار الامارة، وتعدّت العامّة ذلك إلى جماعة من أهل السّنّة ظنّا أنّهم من غيرهم، فلقد حكي أن العامة جاءت متعلّقة برجل اتّهموه برأيهم فمرّوا به على شيخ من العامّة، فسألهم عن تعلّقهم به فقالوا: نسير به إلى الشيخ أبي علي بن خلدون فننظر ما يأمرنا به، فقال لهم الشيخ العاميّ: لا، اقتلوه الآن فان كان / رافضيا أصبتم، وان كان سنّيا عجّلتم بروحه إلى الجنّة الآن، أو كما قال: فانتقم الله منهم بعامة المسلمين، وقتلوهم كل مقتل، فرعب المعزّ منهم، ورأى كسر شوكتهم، فدبّر قتل زعيم أهل السّنّة وشيخ هذه الدعوة - يعني حسن بن خلدون - فلما كان يوم الخميس ثاني عشر شوال من السنة المذكورة (٤٩)، أتى عامل القيروان مع الشرطة وخيل ورجال إلى مسجد الشّيخ أبي علي بن خلدون البلوي بعد صلاة العصر (٥٠)، فدخلوا المسجد على الشيخ وهو في مسجده ومعه جماعة من الناس فقتلوا أبا محمد الغرياني الفقيه، وآخر بدويا ظانين أنه أبو علي، فلمّا عرفوه مالوا على أبي علي بسكاكينهم وجرّدوا جماعة ممّن كان بالمسجد، فحمل أبو علي إلى داره وقد وقع فيه ثلاث جراحات إحداها في صدغه أخذت إلى قفاه، واثنتان في جانبه الأيسر أنفذتا مقاتله، توفي في داره بعد العشاء.

стр. 361

فلمّا توفي ﵀ إرتجّت المدينة، وثارت الصيحة من نواحي القيروان، فمال أهل المنصورة (٥١) من الرجال والعبيد فنهبوا جميع ما في حوانيتها حتى لم يتركوا حانوتا، وألقيت النار في كبار الأسواق، ونهبت أموال التجار، فذهب الناس واشتغلوا بأنفسهم عن مقتل الشيخ أبي علي وخبره، وأراد عامل القيروان استرضاء الناس فجاء برجلين فقال: إنّهما اللذان / قتلاه فقتلهما. وما تقدم من قوله خرج الأمر من القيروان إلى المهديّة وسائر بلادهم خلاف ما كان يقول شيخنا أبو الفضل أبو القاسم البرزلي (٥٢) أن الوقت الذي قام عليهم فيه أهل القيروان قام فيه كلّ شيخ على من في بلده كالشّيخ محرز على أهل تونس، من غير أن يكون اتفاق منهم على ذلك، بل هي كرامة في حقّ جميعهم» قال: «ولم يبق المعزّ من آثار بني عبيد إلاّ أسماءهم على السّكّة والبنود، فسأله أبو عمران الفاسي عن ذلك، فاعتذر بالخوف على الحجّاج لبيت الله الحرام والمسافرين» (٥٣) اهـ. يعني لو أزال ذلك من السّكّة لأدّى إلى إضرار بني عبيد ملوك مصر بالحجّاج الواردين عليهم من المغرب والمسافرين أما بقتل، أو أخذ مال، أو منع الطريق، أو غير ذلك. وممّا وجد مسطورا في مناقب سيدي محرز بن خلف (٥٤) - نفعنا الله به - قال: «كان السّلاطين يأتونه في كل الأوقات يتبرّكون به ويحضرون مجلسه ويسألونه الدّعاء فلمّا كان سنة ستّ وأربعمائة قتل الناس المشارقة واستأصلوهم فكان يؤتى بالرجل منهم إلى حضرته فيشهد عليه فيقتل بشهادة الشّيخ خاصة لا يحضر غيره من العدول، أو يترك اذا لم يثبت عليه شيء» (٥٥) «قال الشيخ أبو محمد من الله: «كنت عند المؤدب محرز بعد قتله المشارقة بتونس، فقلت له قتلوا المشارقة بتونس ولم يقتلوا عندنا، فقال أرجو أن يقتلوا

стр. 362

عندكم، ثم دعا لنا وقال: غسل الله عنكم العار وألحقكم بالناس، / قال: فوصلت إلى باجة يوم الخميس، وقتل المشارقة يوم الاثنين» (٥٦) وكتب المعزّ ظهيرا للشيخ سيدي محرز صورته: «هذا ظهير كريم من القائم النّاصر لدين الله، المعزّ بن باديس للشّيخ الصالح الكبير القدر محرز بن خلف، لطّف الله به، قصد به وجه الله العظيم، ورجاء ثوابه الجسيم، وما أمر به السّلف المتقدم من إكرام أهل الدّين والعلم، لأن من تبع طريقهم خلص من الشكّ واقتدى، ومن قصد طريقتهم أخرج من الضلالة واهتدى، وأنقذ من الجهالة والردى، فان القصد أن يؤولوا إلى معرفته ويعرفوا اثبات برهانها، ويراقبوا وحدانيته، ويتحقّقوا حقائق ربوبيّته وجبروته، ويحافظوا على أوليائه، وقد ذكر الله العظيم في كتابه وتنزيله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥٧) وقال ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥٨). فقد أعلى درجاتهم وأعز منزلتهم، وأسبغ عليهم نعمه، وضاعف لهم مواهبه، ووعدهم برحمته، فقال وهو أصدق القائلين ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ (٥٩) الآية، فأنتم أفاضل أوليائه وأصفيائه وأتقيائه لأن الله جعل من عرف وتبصّر وفتح على باطنه وقلبه بخصوصيتكم فقد أفلح ونجح، فالله سبحانه يمنّ على من يشاء من عباده، ويختصّ من يشاء بخصوصيته، وقد جعلكم من أهل اختصاصه بالعلم والعبادة، ولحظكم بجميل ملاحظاته، فأنتم أغصان / بسقت وفروع شجرتكم التي غرست في أطيب تربة، ثم سقيت من أعذب الماء، وغذاؤها بالهواء من الأرض إلى السّماء، ثم نقلت إلى الحضرة السعيدة. فاقتضى النّظر بهذا الظهير لجماعتكم بحفظكم ورعايتكم وحمايتكم وحسن معاملتكم، وحفظ الأنصار الصائرة إلى حضرتكم وحسم الأيدي الممتدة إلى اساءتكم وأهلكم وأموالكم ورعاياكم بحضرة تونس وباديتها وشركائكم وأتباعكم، ومن عرف بكم، وانتسب إلى نسبتكم، وأوى إلى جنابكم، ورفع الأيدي عن عشوركم في قرية أو سانية وقرية الفول وطراقش وماينة (٦٠)، ومنزل خارجة، وقرية الحمام، وما أطاف

стр. 363

بمدينة تونس، وحرم دياركم وزاويتكم ورفع الأيدي عن الاعتراض عليكم بدخول النساء بحماماتكم، وحوانيتكم، وأجرائكم ومحلكم، وتسريح أعشاركم، واجرائكم على [فارط] رسمكم (وجري عادتكم) (٦١) طائعين لجميع ما تضمّنه هذا الظهير الكريم، فلا يغيره مغير عليكم، ولا يكدّره مكدر لديكم، ولا يخيل فيه متخيل عليكم، ولا يتطاول فيه متطاول، فمن وقف على هذا الظّهير من العمّال وسائر الولاة أمره بذلك القائم بالله، النّاصر لدين الله، وليعمل به ممتثلا لشروطه، إن شاء الله، واقفا عند حدوده وزواجره، غير عاجل لنفسه بالعقوبة لمخالفته أو مخالفة شيء منه، إن شاء الله - تعالى - بتاريخ عشر بقين من ربيع الآخر عام سبع [عشرة] (٦٢) وأربعمائة» (٦٣). وفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة (٦٤) أخربت الأعراب مدينة القيروان. قال في «معالم الايمان»: وسببه دعاء الشيخ الواعظ عبد الصّمد فانهزم سلطان القيروان - يعني المعزّ - مع كثرة عساكره وقلّة من جاءه، وذلك أنه كان لعبد الصّمد هذا ولد اسمه محمّد، ويكنى أبا الحسن، ورد على القيروان، وكان رجلا صالحا فاضلا واعظا زاهدا صوفيّا عالما عاملا، وكان له مجلس بالجامع الأعظم بالقيروان يجتمع إليه فيه، ويسمع كلامه، وله لسان فصيح، وقلب قريح، كثير الحزن والبكاء، والخوف من أولياء الله تعالى المنقطعين إليه، الخائفين الخاشعين المتبتلين القائمين الصّائمين، قد ركب طريقة القوم من الزّهد والورع والخشية وصدق المقال في الوعظ، لم يسلكها في وقته غيره، فطبق ذكره الآفاق، وكثر ازدحام الناس عليه في مجلسه لاستماع وعظه، ومالت إليه القلوب والأسماع، وكثرت له الأتباع، حتى حذره السلطان، وخاف على نفسه منه، فاستعار السلطان منه بعض كتبه وأظهر أنه أحب مطالعة شيء منها، فأقامت عنده أياما ثم أمر بردّها، فتصفح الواعظ أوراقا منها فوجد فيها ورقة بخط السلطان كأنه نسيها بين أوراق كتابه، فاذا فيها: زعمت ملوك الفرس وحكماء السّير والسّياسة أن أهل التنمس والوعظ وتأليف العامة واقامة المجالس أضرّ الأصناف (٦٥) على الملوك وأفظعهم / أثرا في

стр. 364

الدّول فيجب أن يتدارك أمرهم، ويبادر إلى حسم الأذى منهم، فلمّا قرأ الواعظ أبو الحسن محمد بن عبد الصّمد البطاقة علم أنها أمر (٦٦) استعمل له، وقصد به ونبّه على الرّأي فيه، فاستعمل الحجّ، وخرج معه عامّة وخاصة من أهل القيروان، وأمر له السلطان بزاد فخرج متوجها إلى الحجّ في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة (٦٧)، ومعه رجال وكّلوا به ليصلوا معه إلى مدينة قابس، ونهى أن يشيّعه أحد أو يخاطبه الخطاب، وكان الرفقة الخارجة إلى مصر قد قرب خروجها، فأمر أن ينتظرها بمدينة قابس إلى أن يصحبها وكوتب (٦٨) عامل قابس بأن لا يدخل إليه أحد هناك، ولا يجتمع عنده اثنان، ولا يخرج من المكان الذي ينزل فيه الاّ يوم سفره، فخرج وهو غير آمن على نفسه، وأظهر السّلطان ما كان (٦٩) يخفيه من أمره، وصار من ذكره بخير، أو قال فيه جميلا مبخوسا (٧٠) مذموما حتى صار من كان يفرط في مدحه يظهر الإفراط في ذمّه خوفا على نفسه من السّلطان، فلما فصل عن مدينة قابس قتله رجل من الأعراب في طريقه ذلك، فكثر الظنّ من الناس على السّلطان أنه دس عليه من قتله، واختلف النّاس في ذلك فبعضهم (٧١) يثبت ذلك له وبعضهم ينفيه عنه، فلمّا بلغ الخبر أباه عبد الصّمد، وكان في آخر درس وعظه بمسجد عمرو بن العاص بمصر نعاه له من عرفه بسبب قتله، فخرج من وقته قبل أن يرجع لبيته ملبّيا / فحجّ ذلك العام وجعل يطوف ويتعلّق بأستار الكعبة (٧٢) ويصيح يا ربّ المعزّ عليك بابن باديس، فكانت الهزيمة الواقعة بالقيروان في العام الثاني من حجّه، وذكر عياض (٧٣) أنه حجّ ورجع» اهـ (٧٤). هذا هو السّبب الباطن، وأما السّبب الظاهر فهو ما أشار إليه ابن خلدون في تاريخه بقوله: «كان المعزّ ابن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بافريقية وخطب للقائم

стр. 365

العبّاسي وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة (٧٥)، فكتب إليه المستنصر يتهدده ثم إنّه استوزر أبا محمد الحسن بن علي اليازوري (٧٦) بعد الجرجرائي (٧٧) ولم يكن في رتبته، فخاطبه المعزّ دون ما كان يخاطبه به من قبله، كان يقول في كتابه إليهم «عبده» ويقول في كتاب اليازوري «صنيعته» فحقد ذلك عليه، وأغرى (٧٨) به المستنصر وأصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال، وبعثهم إلى إفريقية وملّكهم كلّ ما يفتحونه، وكتب: [أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا] (٧٩)، فساروا إلى برقة فوجدوها خالية، لأن المعزّ كان أباد أهلها من زناتة، فاستوطن العرب برقة واستحقر المعزّ شأنهم، واشترى العبيد، واستكثر منهم، حتى اجتمع له منهم ثلاثون ألفا، وزحف بنو زغبة إلى طرابلس فملكوها سنة ست وأربعين وأربعمائة (٨٠)، وجازت رياح والأثبج (٨١) وبنو عدي إلى افريقية، فأضرموها نارا / ثم سار أمراؤهم إلى المعزّ وكبيرهم مؤنس بن يحيى من بني مرداس من رياح، فأكرمهم المعزّ وأجزل لهم عطاياه، فلم يغن شيئا، وخرجوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، ونزل بافريقية بلاء لم ينزل مثله بها، فخرج إليهم المعزّ في جموعه من صنهاجة والسّودان نحو من ثلاثين ألف والعرب في ثلاثة آلاف فهزموه وأثخنوا في صنهاجة بالقتل واستباحوهم، ودخل المعزّ القيروان مهزوما ثم وقع القتال بينهم يوم النّحر وهم في صلاتهم فهزموه أعظم من الأولى.

стр. 366

ثم سار إليهم بعد أن احتشدت زناتة معه فانهزم ثالثة وقتل من عسكره نحو من ثلاثة آلاف، ونزل العرب بمصلّى القيروان، ووالوا عليهم الهزائم وقتلت منهم أمما، ثم أباح لهم المعزّ دخول القيروان للميرة، فاستطالت عليهم العامّة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأدار المعزّ السور على القيروان سنة ست وأربعين وأربعمائة (٨٢)، ثم ملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة في التاريخ المذكور، وأمر المعزّ أهل القيروان بالانتقال إلى المهديّة للتّحصن بها، وولى عليها انه تميما، ثم انتقل إليها سنة تسع وأربعين وأربعمائة (٨٣)، وانطلقت أيدي العرب على القيروان بالنهب والتخريب، وعلى سائر الحصون والقرى» اهـ (٨٤). وقال التجاني في رحلته: أنصف الله من الجرجرائي (٨٥) فهو الذي أمكن العرب - يعني المفسدين - (٨٦) من الدّخول إلى هذه البلاد، وعن مكره (٨٧) / السيء نشأ بافريقية ما نشأ من الفساد، فانهم كانوا قبل ذلك نازلين بصعيد أرض مصر، لا يحدّثون أنفسهم بالجواز إلى هذه الأرض إلى أن ندبهم الجرجرائي (٨٥) إلى ذلك وأفرج لهم عن طريقهم (٨٨)، فأغص منهم أهل هذه البلاد بريقهم (٨٩) لحاجة كانت في نفسه من افساد هذه البلاد تعجل قضاءها، ووجد عند (٩٠) الله بما لقيه من جزائها. قال ابن بسّام في «الذخيرة»: لمّا تغلّب بنو عبيد الناجمون بافريقية على مصر فخلص لهم صميمها، وتمّ لهم ملكها ونعيمها، وأراد معدّ بن اسماعيل بن محمد بن عبيد الله المتلقّب (٩١) بالمعزّ لدين الله اقتعاد صهوتها (٩٢) واثبات قدمه على ذروتها (٩٣) دعا

стр. 367

زيري بن مناد وهو يومئذ من صنهاجة بمكان السّنام من الغارب، وبمنزلة الوجدان من نفس الطّالب، وكان له عشر من الولد آساد شرى وأقمار سرى فقال له: ادع لي بنيك، فقد عملت رأيي فيهم وفيك، وكان أصغرهم سنّا، وأهونهم شأنا، يوسف بن زيري فدعا ولده ما عداه، والمعزّ ما يريد سواه، وكان عند المعزّ إثارة من علم الحدثان، وقد عرف بها مصاير أحواله، وأهل الغناء (٩٤) من أعيان رجاله، وكانت عنده لخليفته على افريقية (٩٥) إذا صار إليه ملك مصر علامة (٩٦) يأنس بها أنس الكبير بذكر شبابه، ويعرفها عرف العاشق بدار / أحبابه، فنظر في وجوه بني زيري فأنكرها حين تفقد تلك العلامة، فلم يرها فقال لزيري: هل غادرت من أبنائك أحدا، فلست أرى لمن هاهنا منهم أيدا [ولا يدا] (٩٧) فقال له: لا الا غلاما [وطفق] (٩٨) يصغّر شأنه، والمقدار قد عناه وأعانه، ويطوي أخباره والاختيار يدير عليه مداره، فقال له المعزّ: لا أراك حتى أراه، فلست أريد سواه، فلمّا رآه عرفه، وفوّض إليه من حينه واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور، وزاحمت مهابته الأهواء في الصّدور، وبعدت أسفاره، واشتهرت أخباره، واشتمل على طرف الليالي والأيام إيراده وإصداره، فبلغ بغزواته سبتة، ثم أجاب صوت مناديه، وخلع الامارة على أعطاف بنيه، حتى انتهت منهم إلى المعزّ بن باديس شرف (٩٩) العشيرة، وآخر ملوكهم المشهورة، فأول ما افتتح به شأنه وأثبت به - فيما زعم (١٠٠) - سلطانه، قتل الرّافضة ومراسلة أمير المؤمنين ببغداد، فكتب إليه بعهده، وجاءت الخلعة (١٠١) واللّقب من عنده، واتّصل ذلك بالجرجرائي وهو المتحكّم في الدّولة العبيدية، فاضطغنها عليه، وفوّق سهام مكروهه إليه (١٠٢)، وكان بطون من بني عامر بن صعصعة زغبة، والأثبج (١٠٣)، وعدي، ورياح، وغيرهم تنزل بالصّعيد لا يباح لها

стр. 368

بالرّحيل، ولا يخلّى بينها وبين إجازة النّيل، فأفرج لهم الجرجرائي عن السّبيل، وأذن لهم في المعزّ أمنية طالما سرت إليها أطماعهم، فغشيه / منهم سيل العرم، ورماه منهم بدؤلول (١٠٤) وابنة الرّقم (١٠٥) وتهاون المعزّ بهم أولا فشغلهم بخدمته، وأثقلهم بأعباء نعمته، وهم في خلال ذلك يتحرسون لحياته (١٠٦)، ويدبون إلى أنصاره وحماته، ويطلعون على مقاتله وعوراته، حتى بان لهم شأنه وهان (١٠٧) عليهم سلطانه، فجاهروه بالعداوة، وأرادوه على الإتاوة (١٠٨)، وجرت بينهم أثناء ذلك حروب كان من أفراها لأديمه، وألصقها بصميمه وقعة «حيدران» (١٠٩) سنة أربع وأربعين وأربعمائة (١١٠) فانها أوهنت بطشه، وثلّت عرشه، وأحاط الأعراب بالقيروان وانبسطوا في البلاد يخطفون حريمها، ويتعرّضون راحلها ومقيمها، إلى أن أعطاهم الدّية (١١١) وناشدهم التقيّة، واشترط المهديّة، وقد كان نظر في ماله وفكر (فيمن بازائه من أقياله) (١١٢) فزف إلى زعمائهم بنات كنّ نجوم اللّيالي، وأماني المغالي فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا، ثم استجاش من قبله، واحتمل حرمه وثقله وترك الملك لمن حماه وحمله (١١٣)، وجاء بأنصاره فكانوا بحيث يسمعون نئيمه (١١٤) ويمنعونه ممّن عساه أن يكيده أو يضيمه، حتى بلغ المهديّة أسقط من الشمس في الميزان (وأوهن من الفقر عند العيان) (١١٥). قوله في هذا الفصل فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به - فيما زعم (١١٦) - سلطانه، قتل الرافضة، كان المعزّ لا يزال يتحامل على بني عبيد، ويلعنهم خفية، / ويؤذي

стр. 369

أشياعهم حتى آل الأمر به إلى التصريح بلعنهم على المنابر (جهرة) (١١٧) وقتل أشياعهم المرة بعد المرة، وتتبعهم في الأقطار بالقتل، وكان قبل ذلك يكاتب الوزير الجرجرائي مستميلا له ومعرضا بالتّحزّب معه على بني عبيد، وإنّما يفعل ذلك رمزا وتعريضا له [لعله] (١١٨) يرى منه قبولا له فيجد في السعي معه على القوم، وكتب إلى الجرجرائي مرّة بخطّه قطعة تمثّل بها منها: [بسيط] وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري أنّهم خلقوا يشير إلى بني عبيد الله، ويزعم أنه إنّما أبقى عليهم بعض الابقاء من أجل حبّه فيه، فلمّا وقف الجرجرائي عليها قال: ألا تعجبون من أمر (١١٩) صبي مغربي بربري يحبّ أن يخدع شيخا بغداديّا عربيّا، وإنما اتّهمه بأنه فعل ذلك ليوقع بين القوم ووزيرهم إن عثروا على هذه الرّموز، ثم قال الجرجرائي: والله لا جيّشت له جيشا ولا تحمّلت فيه نصبا، وكلّف العرب العبور بمجاوزة النّيل، ولم يأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصاية، وكتب إليه معهم: «أما بعد فقد أرسلت إليك خيلا (١٢٠) فحولا، وحملنا (١٢١) عليها رجالا كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا» (١٢٢)، وقد كان كتب إليه قبل ذلك كتاب تهديد ووعيد وقال فيه: إن لم ترجع عن رأيك أتتك الجيوش موصلة بسنابك خيلها، ناسخة بنقعها ووميضها (١٢٣) حكم نهارها وليلها. وقوله: فأفرج لهم عن السبيل أمنية طالما سرت إليها أطماعهم، ليس كذلك، فالمنقول أنه لما كلّفهم العبور امتنعوا، / فجعل لكلّ عابر فروا ودينارا فحينئذ جازوا، ثم لمّا وصلوا إلى بلاد افريقية واستطابوها كتبوا لاخوانهم في اللحاق بهم فلم يتركهم الجرجرائي أو يؤدي كلّ عابر فروا ودينارا، فأخذ بذلك أكثر ممّا أعطى، وقوله: وكانت

стр. 370

من أفراها لأديمه وقعة «حيدران» (١٢٤) - حيدران - (١٢٤) اسم جبل معروف بمقربة من القيروان، كانت الوقيعة به وكان جيش المعزّ ثلاثين ألفا ومبلغ جيش الأعراب ثلاثة آلاف، فهزم جيش المعزّ ومن سلم منهم من القتل لم يسلم من النّهب، وفي ذلك يقول علي بن رزق (١٢٥) الرّياحي أحد أولائك الأعراب من قصيدة (١٢٦). [طويل] ثلاثة آلاف لنا غلبت له ... ثلاثين ألفا انّ ذا لنكال (١٢٧) واسم الجرجرائي أحمد بن علي، ويكنّى بأبي القاسم، كان أحد رجال الدّنيا سياسة ودهاء وبعد غور ونفوذ فكرة، ووزّر للظاهر العبيدي بمصر ثم لابنه المستنصر، وعتب عليه الظّاهر في أمر فقطع يديه معا فقطعتا فخرج من فوره وجلس بدسته لخدمته (١٢٨) على عادته، وقال: إن الخليفة إنما أمر بقطع يدي عقوبة لي ولم يعزلني، فاستعظم له الظّاهر ذلك وشرف لديه، وكان ذلك سببا لارتقائه إلى الوزارة، وكان كثير المصادرة للعمّال وربما صرّح لهم بقوله: أبيتم الا الخيانة، فقال فيه أبو طالب محمد بن عبد الله الأنصارى: [مجزوء الكامل] إغمد لسانك والتزم ... طرق السّلامة (١٢٩) والصّيانة / كم ذا تقول أبيتم ... إلاّ الجناية (١٣٠) والخيانة أتراهم قطعوا يديك على النّزاهة والأمانة

стр. 371

وتوفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة (١٣١). ومن النّاس من نسب إجازة العرب لغير الجرجرائي واستدلّ على ذلك بما ذكر من تاريخ موت الجرجرائي، وإنما كان جواز العرب بعد ذلك بأعوام، وقال: إن المجيز لهم أبو محمد الحسن بن علي اليازوري، وقد كانت وزارته بعد الجرجرائي، ولا يبعد أن يكون هذا هو الصحيح» (١٣٢). فلمّا رأى (١٣٣) المعزّ اختلال الأحوال، وتغلّب الأعراب على البلاد علم أن صبرة لا تحصّنه منهم، فبنى على الانتقال إلى المهديّة، فولّى ابنه تميما عليها، وذلك في سنة خمس وأربعين وأربعمائة (١٣٤)، وجعل ينقل إليها أهله وذخائره شيئا فشيئا، وكان رجاله وخاصّته حذروه من تولية ابنه تميما، وخوّفوه أن يستبدّ بنفسه ويمتنع بالمهديّة من أبيه، فلم يسمع منهم، ووصل تميم إلى المهديّة فوجد بها عبيدا لأبيه كان قد أعدّهم هنالك لضبطها، قد قويت شوكتهم، وكثر ملأهم (١٣٥)، فوقعت بين عبيده وبينهم فتنة ومنازعة، فأطلق عليهم أيدي العامّة فقتلوا أكثرهم، وفرّ من بقي منهم إلى المعزّ بصبرة، فأتبعهم تميم طائفة من الأعراب لحقوهم قبل وصولهم إلى صبرة فقتلوهم أجمعين، وبلغ المعزّ ذلك فقوي (١٣٦) في نفسه ما كان يذكر له عن تميم من الإستبداد والاستئثار / بما حصل لديه من الذّخائر ولكنّه لم يجد بدّا من مداراته، والاغضاء له عن فعلته. فلما كانت سنة تسع وأربعين وأربعمائة (١٣٧) توجّه إلى المهديّة في خفارة رجلين من العرب قد كان صاهرهما ببنتيه يعرف أحدهما الفضل بن أبي علي وهو مرداسي، ويعرف الآخر بفارس بن أبي الغيث توجها إليه فاستخرجاه من صبرة سرّا، وأحس باقي الأعراب بخروجه فلحقوه في أثناء الطّريق فواقفهم (١٣٨) فارس بن أبي الغيث في جماعة من قومه، وجعل يؤنّبهم على الاستخفاف بخفارته، فقالوا له: إنك قد أعظمت التّحامل علينا في خفارة مثل المعزّ، وتركنا له عظيم، والفائدة في أخذه كبيرة فلا

стр. 372

تمنعنا منه، فلم يزل يواقفهم (١٣٨) ويراجعهم إلى أن خلص المعزّ وصاحبه الفضل بن أبي علي ودخل المهديّة، ويقال أنه قد كان أخرج بعض قطعه البحرية وسيّرها في البحر محاذية له خوفا ممّا عساه أن يعرض له في طريقه، فلمّا لحقه الأعراب ناداه أرباب القطع بالبدار إليهم ليعتصم بالبحر من أولائك الأعراب فلجّ في السّير وأبى من الدخول إليهم (وأنفت منه نفسه) (١٣٩)، إلى أن خلص، فدخل المهديّة وهو خائف من ولده تميم أن يقبض عليه، فخرج تميم للقائه، وترجّل وقبّل الأرض بين يديه، ومشى أمامه، ولم يزل في خدمته وبره إلى وفاته» (١٤٠). «وكان (١٤١) / أهل سوسة خالفوا على المعزّ سنة خمس وأربعين وأربعمائة (١٤٢) ومنعوه ما كانوا يحملون إليه من المال وقالوا: نحن أولى به لنذبّ عن بلدنا، وتوفّت أخت المعزّ عندهم فضمّوا أموالها، وأبوا توجيهها إليه، فبعث إليهم المعزّ في ذلك، فقالوا لرسوله: كيف ندفع له أموالا نتقوى بها نحن عن مدافعته وحربه، وبعث إليهم المعزّ من المهديّة أسطولا ضخما فأصبح بمرسى سوسة، فأحرق ما فيه من المراكب، وكانت نيّفا وستّين مركبا أكثرها لأهل سوسة، فعمد أهل سوسة إلى من كان عندهم من أهل القيروان فأخذوا أموالهم، وأهانوهم أشدّ الإهانة، فوجّه إليهم المعزّ جيشا فيه مائة فارس وأمرهم أن يتظافروا مع الأسطول على حصار سوسة ليأخذوا بمخنقها برّا وبحرا، فكان من قدر الله الغريب الاتفاق أن اجتاز على سوسة يوم خروج هذا الجيش أسطول من قبل صاحب صقليّة فتهيّبه (١٤٣) أسطول المعزّ، فانصرف راجعا إلى المهديّة ولا علم عند المعزّ بذلك، فوصل جيش المعزّ إلى سوسة فسألوا عن الأسطول فأخبروا باقلاعه، فسقط في أيديهم، فخرج أهل سوسة ومن حف بها من الأعراب فأدخلوهم إلى المهديّة وأعلوا (١٤٤) السّيف على جميعهم ونصبوا روؤسهم على السّور، قال ابن شرف: أخبرني من شاهدها أن عدتها نيّف وخمسون رأسا، وإنّما سلم من سلم من

стр. 373

الجيش لضعف في دوابّهم منعهم / من اللّحاق باخوانهم، فلمّا تحقّقوا الخبر ولّوا راجعين فسلموا بذلك، فمات (١٤٥) المعزّ وسوسة مخالفة [عليه]. تميم بن المعز: فلمّا ولي ابنه تميم أنابوا له فعفا عنهم وتغمّد ذنوبهم وذلك سنة ست وخمسين وأربعمائة (١٤٦) «[وتوفي المعزّ] بضعف الكبد (١٤٧) وكان موته بالقيروان ولم تطل مدّة أحد من أهل بيته في الولاية كمدّته» (١٤٨). ولمّا تولّى تميم استبدّ بالملك (١٤٩) «ولمّا (١٥٠) كانت سنة ثمانين وأربعمائة (١٥١) وقع ما وقع من (استيلاء الافرنج) (١٥٢) على المهديّة وزويلة وأسّروا (١٥٣) أهلها وقتلوا من شاؤوا منهم وأحرقوه بالنّار، وكانت عدّة القطع التي نزلوا بها عليها ثلاثمائة قطعة تشتمل على ثلاثين (١٥٤) ألف مقاتل، قال أبو الصّلت: وكسفت الشّمس في هذا العام ببرج الأسد طالع تخطيط المهديّة كسوفا كلّيا مزج بهذا الواقع (١٥٥) بأثر ذلك، قال: وكان من أعظم الأسباب [فيه]- مع قضاء الله تعالى الذي لا يرد - غيبة عسكر السّلطان عن المهديّة ومفاجأة الرّوم دون استعداد لهم وأخذ أهبة للقائهم وخلوّ كافّة النّاس عن السّلاح والعدد وقصر الأسوار وتهدّمها وتكذيب تميم بما يرد عليه من أخبار النّصارى وسوء رأي فلان (١٥٦) متولّي البلاد ومدبّرها اذ ذاك في المنع من الخروج إليهم ولقائهم في الماء فتركوا إلى أن نزلوا

стр. 374

في البرّ، وكان من تغلبهم على المهديتين (١٥٧) وعيثهم فيهما ما هو مشهور»، قال التجاني: «ولجأ تميم إلى قصره المعروف / بقصر المهدي وهو قصر حصين، فأقام به إلى أن وقع الصّلح بينه وبينهم على مائة ألف دينار تدفع لهم ويقلعون بما حصل في أيديهم من المسلمين، فدفعت لهم وأقلعوا بأموال المسلمين ونسائهم وأبنائهم، وفي ذلك يقول أبو الحسن [علي] بن محمّد بن الحدّاد في قصيدة طويلة. [منسرح] غزا حمانا العدو في عدد ... هم الدّبا (١٥٨) كثرة أو النغف (١٥٩) عشرون ألفا ونصفها ائتلفوا (١٦٠) ... من كل أوب (١٦١) لبئسما (١٦٢) ائتلفوا جاؤوا على غرة إلى نفر ... قد جهلوا في الحرب ما عرفوا وأقام تميم بعد ذلك بالمهديّة (١٦٣)». قال في «معالم الايمان»: «إن الشيخ عبد الحميد الصايغ قيرواني سكن سوسة، وأن المعزّ صاحب المهديّة لمّا أراد تولية أبي الفضل بن شعلان قضاء المهديّة شرط ابن شعلان أن لا يتقلد ذلك إلاّ باستجلاب عبد الحميد إلى المهديّة ليقوم بفتواها - اذ لا يرى استفتاء أحد من فقهائها لأمور - فجلب له ولزم المهديّة ودارت عليه فتواها، فلمّا (تغير أهل) (١٦٤) سوسة على تميم قبض على جماعة فيها ابن عبد الحميد، فضربه وغرمه خمسمائة دينار، فباع فيها عبد الحميد كتبه، فكانت سبب انقباض عبد الحميد عن الفتيا، فلقيه بعد ذلك تميم واعتذر إليه، فلم ينفعه، ولزم الانقباض ولزم داره ولم يفت في شيء، وجعل لا يجالس أحدا وتحيّل في الخروج إلى سوسة بعلّة المداواة لحسن هوائها، فبقي على حالته تلك ستة أعوام إلى أن دخل / الافرنج المهديّة واستباحوا أهلها

стр. 375

ودخلوا قصر صاحبها (١٦٥) فانكسر بعد ذلك تميم ودائرته وهان على النّاس، فظهر (١٦٦) عبد الحميد ورجع إلى حالته الأولى وأفتى ودرس وانتفع به إلى أن مات - رحمه الله تعالى» اهـ (١٦٧). وكانت ولادة تميم بالمنصوريّة (١٦٨) يوم الاثنين ثالث عشر (١٦٩) رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (١٧٠)، وتوفي ليلة السّبت منتصف رجب سنة إحدى وخمسمائة (١٧١)، ودفن في قصره، ثم نقل إلى قصر السّيدة بالمنستير، وخلف من البنين أكثر من مائة» (١٧٢). أبو زكرياء يحيى: فتولّى بعده ولده أبو زكرياء يحيى بالمهديّة. كان تولّى عن أبيه يوم الجمعة لأربع بقين من ذي الحجّة سنة سبع وتسعين وأربعمائة (١٧٣) والطّالع الدّرجة السّابعة من الجدي، واستقلّ بالأمر يوم وفاة أبيه، وكان عمره يوم استقلاله ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يوما. ونقل ابن خلكان عن «أخبار الجمع والبيان في أخبار القيروان» (١٧٤) أن الأمير تميما قبل وفاته بمدّة يسيرة دعا ولده يحيى المذكور، وكان في دار الامارة مع خاصّته وجلسائه فمضى يحيى ومن معه إليه فوجدوا تميما في بيت المال، فأمرهم بالجلوس، ثم قال

стр. 376

لأحدهم: قم وادخل ذلك البيت وخذ منه الكتاب الذي صفته كذا في مكان كذا، فقام وأتى به، واذا هو كتاب ملحمة، فقال له: عدّ من أوله كذا وكذا ورقة، واقرأ الصفحة التي تنتهي / إليها، [فقرأها] (١٧٥) فاذا فيها «الملك المغدور وهو الطويل القامة الذي بوركه الأيسر خال وفي جنبه (١٧٦) الأيسر شامة» فقال له الأمير تميم: «أمّا العلامتان فقد رأيتهما، وقد بقيت عليّ الثالثة، قم أنت يا شريف وأنت يا فلان حتى تحقّقا (١٧٧) عندي خبر العلامة الثّالثة، فقاموا وقام يحيى معهم إلى موضع مستور عن تميم، وكشف لهم عن جسمه، فرأوا على جنبه الأيسر [شامة] هلالية الشّكل، فأتوا تميما فعرفوه، فقال: لم أعطه أنا شيئا، الله الذي أعطاه» اهـ (١٧٨). ولما (١٧٩) جلس في الملك قام بالأمر وعدل في الرّعية وفتح قلاعا لم يتمكّن أبوه من فتحها. وفي سنة سبع وخمسمائة (١٨٠) أتى إلى المهديّة قوم (١٨١) غرباء قصدوا يحيى بمطالعة زعموا فيها أنهم من أهل الصّناعة الكبرى (١٨٢) الواصلين إلى نهايتها، فأذن لهم في الدّخول عليه (فلمّا مثلوا بين يديه طالبهم بأن يظهروا له من الصّناعة ما يقف عليه) (١٨٣) فقالوا: (ندبّر القصدير) (١٨٤) حتى يرجع لا فرق بينه وبين الفضّة ولمولانا من السّروج (١٨٥) والقضب والبنود والقباب (١٨٦) والأواني قناطير من الفضّة يجعل عوضها [منها] ما تريد وتستعمل جميع ذلك في مهمّاتك، وسألوه أن يكون ذلك في خلوة، فأجابهم وأحضرهم للعمل، ولم يكن عند الأمير يحيى سوى الشريف أبي الحسن علي والقائد إبراهيم قائد

стр. 377

الأعنة. وكانوا هم ثلاثة، وكانت بينهم امارة، فأمكنتهم الفرصة، فقال أحدهم: دارت البوتقة فتواثبوا (١٨٧) وقصد (١٨٨) كلّ واحد منهم واحدا بسكاكينهم، / فأمّا الذي قصد الأمير يحيى فقال: أنا سرّاج، وكان يحيى جالسا على مصطبة فضربه فجاءت على رأسه (١٨٩)، فقطعت طاقات من العمامة، فلم تؤثّر في رأسه، وانجرت (١٩٠) يده بالسّكين على صدره فخدشته، وضربه يحيى برجله، فألقاه على ظهره (١٩١) فسمع الخدم الجلبة ففتحوا باب القصر من عندهم، فدخل يحيى وأغلق الباب دونهم، وكان زيّهم زيّ أهل الأندلس، فقتلوا وقتل في البلد جماعة ممّن كان على زيّهم، وخرج الأمير يحيى في الحال، وركب في البلد، وسكّن الفتنة، وتحقق نعته في كتاب الملاحم بالمغدور في هذه الواقعة. وكان عادلا في دولته ضابطا لأمر رعيّته عارفا بدخله وخرجه، مدبّرا في جميع ذلك على ما يوجبه النّظر العقلي، وكان كثير المطالعة لكتب الأخبار والسّير عارفا بها، رحيما للضعفاء شفيقا على الفقراء يطعمهم في الشّدائد ويرفق بهم، ويقرّب أهل العلم والفضل من نفسه، وساس العرب في بلاده فهابوه وانفكّت (١٩٢) أطماعهم، وكان له نظر حسن في صناعة النّجوم والأحكام، وتوفي يوم الأربعاء عيد النحر سنة تسع وخمسمائة (١٩٣) فجأة وكان ولده علي نائبا على صفاقس [فأحضر] وعقدت له الولاية، ودفن يحيى بالقصر على ما جرت به العادة، ثم نقل بعد سنة لقصر السّيدة بالمنستير، وخلّف ثلاثين ولدا ذكورا. علي بن يحيى وابنه الحسن: وكانت ولادة علي بالمهديّة / صبيحة يوم (١٩٤) الأحد لخمس عشرة ليلة خلت من صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة (١٩٥)، وكان أبوه قد ولاّه صفاقس، فلمّا مات أبوه

стр. 378

إجتمع أعيان دولته على كتاب كتبوه إليه عن أبيه يأمره بالوصول إليه مسرعا، فوصل الكتاب ليلا، فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب، وجدّ في السّير، فوصل الظّهر يوم الخميس الثّاني من يوم العيد، ودخل القصر ولم يقدم شيئا على تجهيز أبيه والصّلاة عليه، ودفنه صبيحة يوم الجمعة ثالث عشر ذي الحجة، ولم يزل علي على أمور جارية على السّداد إلى أن توفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الآخر سنة خمس عشرة وخمسمائة (١٩٦) ودفن بالقصر بعد أن فوّض الأمر من بعده إلى ولده الحسن بن علي، المولود بسوسة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة (١٩٧)، وتولى وعمره اثني عشرة سنة وتسعة أشهر، وعليه خرج لجار الكافر اللّعين من صقليّة» (١٩٨) وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله - في المقالة الثامنة في ذكر دولة الموحّدين، والله أعلم.

стр. 379

الباب الثاني في ذكر دولة نور الدين وصلاح الدين القاطعين لمذهب الشّيعة الفاطميين من مصر والشام نور الدين: أمّا نور الدّين فهو أبو القاسم محمود بن عماد الدّين زنكي بن آق (١) سنقر (٢) «بن عبد الله، وهو وأبوه وجده كلهم ملوك». «أما آق سنقر فانه كان مملوك السلطان ملك شاه / بن ألب أرسلان السلجوقي - المتقدّم الذكر - فكان آق سنقر نائبا في حلب عن تتش السّلجوقي، ثم عصى عليه فقتله في محارباته» (٣). وأما زنكي فانه كان صاحب الموصل وما والاها فتوجّه إلى قلعة جعبر (٤)، ومالكها يومئذ سيف الدولة أبو الحسن بن ملك شاه (٥)، فحاصرها وأشرف على أخذها، فأصبح يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة (٦) مقتولا، قتله خادمه وهو راقد على فراشه، وكان نور الدين محمود في خدمته (٧) فملك هو بعد أبيه مدينة حلب، وحماة، وحمص، ومنبج (٨) وحرّان في ذلك التاريخ، وملك أخوه سيف الدين غازي مدينة الموصل وما والاها من تلك النواحي. ثم ان محمود نور الدين ملك دمشق سنة تسع وأربعين وخمسمائة تاسع صفر (٩)، ثم

стр. 380

استولى على بقية بلاد الشّام كبعلبك، وهو الذي بنى سورها، وغيرها من البلاد، وافتتح من بلاد الروم عدّة حصون منها مرعش وبهسنا سنة ثمان وستين وخمسمائة (١٠) بذي القعدة وذي الحجة، وتلك الأطراف، وفتح أيضا من بلاد الافرنج حارم أواخر شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة (١١) وفتح بانياس وغير ذلك ممّا تزيد عدته على خمسين حصنا (١٢). ثم سيّر الأمير شيركوه إلى مصر - كما يأتي قريبا إن شاء الله - (١٣). وكان نور الدين عادلا زاهدا عابدا ورعا، مستمسكا بالشّريعة مائلا إلى أهل الخير / مجاهدا في سبيل الله تعالى، كثير الصّدقات، بنى المدارس بجميع بلاد الشّام الكبار (١٤) مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرّحبة، وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي وجامع الرّها وجامع منبج، وبيمارستان دمشق، ودار الحديث بها، وله من المناقب والمآثر والمفاخر ما يستغرق الوصف. وكانت ولادته يوم الأحد عند طلوع الشّمس سابع شهر شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة (١٥)، وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة (١٦)، بدمشق بعلة الخوانيق - ابن خلكان - (١٧). وسمعت من جماعة من أهل دمشق يقولون أن الدّعاء عند قبره مستجاب ولقد جرّبت ذلك فصح» (١٨).

стр. 381

عماد الدّين اسماعيل: وكان قد عهد بالملك إلى ولده الصّالح [عماد الدّين] إسماعيل فقام [بالأمر] من بعده، ولمّا خرج صلاح الدين إلى الشّام، لم يبق له إلاّ حلب، فلم يزل بها حسن السّيرة إلى أن توفي في الخامس والعشرين من رجب (١٩) سنة سبع وسبعين وخمسمائة (٢٠) - رحمة الله عليه -. عود إلى ذكر نور الدين: وفي تاريخ ابن أبي الهيجاء قال: «إن نور الدين كان يخيط الكوافي، ويعمل سكاكير الأبواب، وله عجائز يبيعنّها ولا يدري بهن أحد، فكان يصوم ويفطر على أثمانها وخرج يتصيّد فاذا بأعجمي قد أقبل من ناحية دمشق، وكان صاحبا لنور الدين فقدم بخيل ومماليك، وفيهم مملوك مستحسن جدا، فقبله وردّ الباقي، وكان له خادم أبيض اسمه سهيل، فقال له: خذ هذا المملوك / وادفع لصاحبه خمسمائة دينار وخلعة وبغلة، فقال سهيل في نفسه: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٢١)، هذا ما اشترى مملوكا قط بخمسين دينارا ففعلت ما أمرني (٢٢)، وتركني أياما وقال: احضر المملوك مع المماليك كل يوم يقف في الخدمة، قال: فأحضرته، فلمّا كان بعد أيام قال لي: احضره وقت العشاء الآخرة إلى الخيمة، وقم أنت وهو على باب البرج، فقال الخادم: هذا الشّيخ في أيّام شبابه ما ارتكب معصية، فلما كبر يقع فيها، والله لأقتلنه، - يعني المملوك - قبل أن يقع في معصيته، وجئته بالمملوك إلى الخيمة فسهرت أكثر الليل، ونور الدين في البرج، فلما كان السّحر نمت ثم انقلبت فوقعت يدي على جسد المملوك فاذا به مثل الجمرة قد أخذته حمّى، فلمّا أصبحت أحضرت الطبيب فرآه وقال: هذا مرضه سماوي، فلمّا كان وقت الظهر مات، فدعاني نور الدّين وقال: يا سهيل ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٢٣)، فاستحييت، فقال نور الدّين: والله لمّا رأيت الغلام وقع في قلبي منه

стр. 382

مثل النار، فقلت لك: اشتره لعلّ يذهب ما في قلبي فلم يذهب، فقالت لي نفسي: أريد أن أراه كل يوم، فأمرتك باحضاره، فلمّا كان تلك الليلة ما تركتني أنام وبقيت أنا واياها في حرب إلى وقت السّحر، فهممت أن أفتح باب البرج وأصعده فكشفت رأسي وقلت: إلاّ هي! محمود عبدك يختم أعماله بمثل هذا، فسمعت هاتفا يقول: قد كفيناك / أمره فعلمت أنه قد حدث عليه حادث، ثم قدم سهيلا وأحسن إليه» اهـ. الحملات الصليبية الأولى واستقرار الافرنج بالشام: «واعلم أن العبيديين الشّيعة ملوك مصر لما أفضت دولتهم إلى أبي العباس أحمد المنعوت «بالمستعلي» بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعزّ» (٢٤) - الذي كان انتقل من المغرب إلى مصر - «وكان المستعلي ولي الأمر بعد أبيه بالدّيار المصرية والشامية [وفي أيامه] (٢٥) اختلت أحوالهم، وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشّام دعوتهم، وانقسمت البلاد الشّامية بين الأتراك والافرنج - خذلهم الله تعالى - فانهم دخلوا الشّام ونزلوا على انطاكية في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة (٢٦). ثم تسلّموها في سادس عشر من رجب سنة احدى وتسعين وأربعمائة (٢٧)، وأخذوا بيت المقدس سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة (٢٨) وأخذوا معرّة النّعمان في السّنة المذكورة وكان الافرنج أقاموا على بيت المقدس نيّفا وأربعين يوما [قبل أخذه وكان] (٢٩) أخذهم لها ضحوة يوم الجمعة،

стр. 383

وقتل فيها من المسلمين خلق كثير في مدّة أسبوع، وقتل في الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، وأخذوا من عند الصّخرة من أواني الذّهب والفضّة ما لا يضبطه الوصف، وانزعج المسلمون في جميع بلاد الاسلام (٣٠) بسبب أخذه غاية الانزعاج، وكان الأفضل [شاهنشاه] (٣١) ابن «أمير الجيوش» (٣٢) (وزير المستعلي) (٣٣) قد تسلّمه من سقمان (٣٤) بن أرتق يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين (٣٥) وكان أحفظ لها لولا سابق قضاء الله، فولى ابن أمير الجيوش / في القدس من قبله من لم تكن له طاقة بالافرنج فتسلّموه منه، ثم استولى الافرنج على كثير من البلاد السّاحلية في أيامه، فملكوا حيفا (٣٦) في شوال سنة ثلاث وتسعين (٣٧)، وقيسارية سنة أربع وتسعين (٣٨)، فلمّا مات المستعلي سنة خمس وتسعين وأربعمائة (٣٩) كان ولده الأمير أبو علي المنصور ويلقب «بالآمر (٤٠) بأحكام الله صغير السنّ، ابن خمس سنين (٤١) فأقاموه مقام أبيه، واستمر الأفضل ابن أمير الجيوش وزيرا مدبّرا للملك» (٤٢)، «وكان المنصور سيء التدبير، مقبلا على لهوه وشهواته، فنهاه الأفضل عن ذلك، فحقد عليه ولم يمتثل للحق، فلما قوي جأشه قتل الأفضل» (٤٣)، فخرب الملك بمزّة (٤٤) وغلب على أمره، وأخذ أمر (٤٥) الفاطميين في الهلاك، «وأخذ الافرنج في أيّامه عكا في شعبان سنة سبع وتسعين

стр. 384

وأربعمائة (٤٦)، وأخذوا طرابلس الشّام بالسّيف يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة (٤٧)، ونهبوا ما فيها، وأسّروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها وكتب دار علمها وما كان في خزائن أربابها ما لا يحدّ عدده ولا يحصى، وعوقب كثير (٤٨) من أهلها، واستصفيت أموالهم، وهو في ذلك كله مقبل على لهوه ولذّاته، وبعد ما فات الأمر وصلتها نجدته (٤٩)، وفي هذه السّنة ملكوا عرقة (٥٠)، وكان نزولهم عليها أوّل شعبان، وكذا بانياس وجبيل (٥١) بالأمان وأخذوا صيدا لأربع / وخمسمائة (٥٢) وكذا قلعة تبنين (٥٣) يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة (٥٤)، وتسلّموا مدينة صور يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وخمسمائة (٥٥)، وأخذوا ببيروت يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوّال سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة (٥٦) بالسّيف. وفي أيام الآمر المذكور سنة أربع وخمسمائة (٥٧)، وقيل سنة احدى عشرة وخمسمائة (٥٨)، قصد بلدوين الافرنجي الدّيار المصرية ليأخذها، فانتهى إلى الفرما فدخلها وأحرقها وأحرق جامعها ومساجدها، ورحل عنها (وقد نفذ فيه وعد الله بهلاكه) (٥٩) فهلك في الطّريق قبل وصوله إلى العريش، وكان بلدوين هذا اللّعين هو المستولي على بيت المقدس وعكا ويافا

стр. 385

وعدّة بلاد من ساحل الشّام لأنه الذي أخذها من المسلمين» (٦٠) حتى قيض الله لنصرة هذا الدين وإعزازه وتطهير هذه الأرض المقدّسة من هذا الرجس على يد الرجلين الصالحين نور الدين المذكور (٦١) وصلاح الدّين، فانهما استنقذا هذه البلاد من أيدي الكفرة اللئام وطهّر بهما أرض مصر والشّام من بدعة الشّيعة وردّاها للاسلام على طريق السّنة فكانا نورا على نور، وصلاحا على صلاح لإذهابهما فساد ظلمة الكفر وظلمة البدعة، ونشرا نور الدين والسّنة والحق، فهما نور الدين وصلاحه، فطابق اسماهما مسماهما. صلاح الدين وحروبه مع الصليبيين: ولما بيّنا نور الدين وجب علينا / أن نذكر صلاح الدين وكيفية إماتته البدعة، وفتح بلاد الشّام من أيدي الكفرة اللئام، فنقول (٦٢): «إن صلاح الدّين هو السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بن شادي، عزّ الدولة الأيوبية الكردية، وصاحب الدّيار المصرية والبلاد الشّامية والعراقية (٦٣) واليمنية، وهو من بيت كلهم ملوك، أولاده وأخوه الملك العادل، وعمّه أسد الدين شيركوه، ووالده. واتفق أهل التّاريخ على أن أباه وأهله من دوين بضم الدّال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة تحت وبعدها نون، وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج وأنهم من روّاد (٦٤) بطن من الأكراد، فولد شادي أسد الدين شيركوه ونجم الدّين أيوب، وخرج بهما إلى بغداد» (٦٥). قال ابن الأثير (٦٦) «كان أسد الدّين شيركوه ونجم الدّين أيّوب، وهو الأكبر، ابنا

стр. 386

شادي من بلد دوين وأصلهما من الأكراد الرّوادية، فقدما العراق، وخدما مجاهد الدّين، فتولى شحنة بالعراق من جهة السّلطان مسعود غياث الدّين محمّد بن ملكشاه السلجوقي. فرأى مجاهد الدّين في نجم الدّين عقلا ورأيا حسنا فجعله حافظا على قلعة تكريت، وتبعه أخوه أسد الدّين، ثم أخرجهما مجاهد الدّين من تكريت، فقصدا عماد الدّين زنكي فقبلهما وأحسن إليهما، فلمّا فتح عماد الدّين زنكي بعلبك جعل نجم الدّين حافظا عليها فلمّا قتل زنكي حضر نجم الدّين عسكر دمشق / في بعلبك، فلما خاف طلب الصلح وسلّم القلعة، وخرج بالأمان على اقطاع يأخذها من صاحب دمشق مجير الدّين محمد بن بوري بن الأتابك ظهير الدّين طغتكين (٦٧)، وصار عنده من أكبر الأمراء» (٦٨). «واتصل أخوه أسد الدّين شيركوه بخدمة نور الدّين بعد قتل أبيه زنكي، فقرّبه نور الدّين وأقطعه، وكان يرى منه في الحرب آثارا يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عسكره. ولمّا ملك نور الدّين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق لازم نجم الدّين خدمته ومعه ولده صلاح الدّين، وكانت مخايل السّيادة (٦٩) عليه لائحة، ونور الدّين يرى له ذلك ويؤثره، ومنه تعلّم صلاح الدّين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد. ثم ان شاورا، وزير المعتضد العبيدي صاحب مصر، غلبه على وزارته أبو الأشبال ضرغام (٧٠)، وقتل له ولده علي (٧١) بن شاور، فتوجه إلى نور الدّين بالشّام، مستغيثا به في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (٧٢)، فوجّه معه الأمير أسد الدين شيركوه بن شادي في جماعة من عسكره ومعه ابن أخيه صلاح الدّين في خدمته، وهو كاره للسفر معهم، وكان لنور الدّين في إرسال هذا الجيش غرضان: أحدهما قضاء حق (٧٣) شاور

стр. 387

لكونه استغاث به، والثاني كشف أحوال مصر فانه كان بلغه أنها ضعيفة من جهة الجند، فجعل شيركوه صلاح الدّين مقدم / عسكره، وخرج معهم شاور، فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة (٧٤)، فدخلوا مصر، واستولوا على الأمر في رجب من تلك السنة وقتلوا ضرغاما، وحصل لشاور مقصوده من عدوه لمنصبه، فلمّا تمهّدت قواعده غدر بأسد الدّين شيركوه، واستنجد بالافرنج عليه، وحصروه في بلبيس، وكان أسد الدّين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها، وأنها مملكة بغير رجال، تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام (٧٥) والمحال، فطمع فيها، وعاد إلى الشّام في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين (٧٦)، فأقام بها مدّة مفكّرا في تدبير عوده إلى مصر، محدثا نفسه بالملك لها، مقررا قواعد ذلك مع نور الدّين، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة (٧٧)، وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد، فخاف عوده إليها، وعلم أن أسد الدّين لا بدّ له من قصدها، فكاتب الافرنج وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد ويمكنهم منها تمكينا كلّيا (٧٨) ليعينوه على استئصال أعدائه. وبلغ نور الدّين وأسد الدّين مكاتبة شاور للافرنج وما تقرر بينهم، فخافا على الدّيار المصرية أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد (٧٩)، فتجهز صلاح الدّين في خدمة عمّه أسد الدّين، وكان توجههم من الشّام في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة (٨٠)، فكان وصول أسد الدّين إلى البلاد مقارنا لوصول الافرنج / إليها، واتّفق شاور والمصريّون جميعهم والافرنج على أسد الدّين، فجرت بينهم حروب كثيرة ووقائع شديدة، فانفصل الافرنج عن البلاد وانفصل أسد الدّين أيضا راجعا إلى الشّام، وسبب انفصال الافرنج عن البلاد أن نور الدّين جرّد العساكر إلى بلادهم، وأخذ المنيطرة (٨١)

стр. 388

منهم في رجب من هذه السنة، ولمّا علم الافرنج ذلك خافوا على بلادهم فانصرفوا، وسبب انفصال أسد الدّين ضعف عسكره لتعصّب الافرنج والمصريين، فعاين شدائد وأهوالا لكن ما انفصل حتى صالح الافرنج على أن ينفصلوا كلّهم عن مصر، فعاد إلى الشّام في بقية السنة، وقد انضاف إلى قوة الطمع في الديار المصرية شدّة الخوف عليها من الافرنج لعلمه بأنهم قد كشفوها كشفا وعرفوها كما عرفها هو، فأقام بالشّام على مضض وقلبه قلق، والقضاء يسوقه إلى شيء قدّر لغيره، وهو لا يشعر بذلك، وكان عوده في ذي القعدة من هذه السنة إلى الشّام، وقيل في ثامن عشر (٨٢) شوال. ثم إن الإفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم (٨٣) وخرجوا يريدون الدّيار المصرية ناكثين جميع ما استقرّ مع المصريين وأسد الدّين طمعا في البلاد، فلمّا بلغ ذلك أسد الدّين ونور الدّين لم يسعهما الصّبر دون أن يسارعا إلى قصد البلاد، أما نور الدّين فبالمال والرجال، ولم يمكنه المسير بنفسه خوفا على البلاد من الافرنج، وأما أسد الدّين فسار بنفسه / وماله وإخوته ورجاله، قال السّلطان صلاح الدّين: كنت أكره النّاس للخروج في هذه الوقعة، وما خرجت مع عمّي باختياري، وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٨٤). ثم إن شاور لمّا أحسّ بخروج الافرنج [إلى مصر] على تلك القاعدة أرسل إلى أسد الدّين شيركوه يستصرخه ويستنجده، فخرج مسرعا، وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة (٨٥)، ولمّا علم الافرنج بوصول أسد الدّين إلى مصر باتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين وعلى أعقابهم ناكصين، وأقام أسد الدّين بها يتردد إليه شاور في الأحيان، وكان وعدهم بمال في مقابلة ما خسروه من النّفقة، فلم يوصل إليهم شيئا، وعلقت مخالب أسد الدّين في البلاد، وعلم أنه متى وجد الافرنج رخصة أخذوا البلاد، وأن شاور يلعب به تارة وبالافرنج أخرى، وكان ملوكها على البدعة المشهورة، وتحقّق أسد الدّين أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمع رأيه على القبض عليه اذا خرج إليه، وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدّين

стр. 389

يترددون إلى خدمة شاور، وهو يخرج في الأحيان إلى أسد الدّين فيجتمع به، وكان يركب على عادة وزرائهم بالطّبل والبوق والعلم، ولم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلاّ السّلطان بنفسه، وذلك أنه / لمّا سار إليهم تلقّاه راكبا وسار إلى جانبه وأخذ يحادثه، وأمر العساكر أن يقصدوا أصحابه، ففروا ونهبهم (٨٦) العسكر وأنزل شاور في خيمة منفردة، وفي الحال ورد توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقولون: «لا بدّ من رأسه»، جريا على عادتهم في وزرائهم، فجزّ رأسه وأرسله اليهم، وأرسلوا إلى أسد الدّين خلع الوزارة فلبسها، وسار ودخل القصر وترتب وزيرا، وذلك بسابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة (٨٧) وراح آمرا ناهيا، والسّلطان صلاح الدّين ﵀ يباشر الأمور مقررا لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة (٨٨). فمات أسد الدّين بعلة الخوانيق، ودفن بدار الوزارة ثم نقل إلى المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وكانت مدة وزارته شهرين وخمسة أيام، وقيل إنه سمّ في صكّ الوزارة. فلما مات استقرت الأمور للسّلطان صلاح الدّين، وتمهّدت القواعد، ومشى الحال على أحسن الأوضاع وبذل الأموال، وملك قلوب الرّجال، وهانت عنده الدّنيا فملكها، وكان سنّي المذهب، ممارسا لأهل السّنة مجانبا للبدعة التي عليها ملوك مصر الشّيعة، وقصده النّاس من كلّ صوب فلا يخيّب قاصدا إلى سنة خمس وستين وخمسمائة (٨٩). فلمّا عرف السلطان / نور الدّين استقرار صلاح الدّين بمصر أخذ حمص من نوّاب أسد الدّين شيركوه في رجب سنة أربع وستين (٩٠). ولمّا علم الافرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تمّ للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه يملك بلادهم ويقلع (٩١) آثارهم، لما حدث له من القوة والملك فاجتمع الافرنج والرّوم جميعا وقصدوا الدّيار المصرية، وقصدوا دمياط

стр. 390

ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون إليه من العدد، ولمّا سمع افرنج الشّام ذلك اشتدّ أمرهم، فأخذوا حصن عكا من المسلمين وأسروا صاحبها، وهو مملوك لنور الدين يقال له خطلخ العلم دار، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين (٩٢) ولمّا رأى نور الدّين ظهور الافرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك محاصرا لها في شعبان من السّنة المذكورة، فقصده افرنج السّاحل فرحل عنها وقصدهم، فلم يقفوا له ولمّا بلغ صلاح الدّين قصد الافرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرّجال وجمع الآلات إليها، ووعدهم بالإمداد بالرجال ان نزلوا عليها، وبالغ في العطايا والهبات وكان وزيرا متحكّما لا يرد أمره في شيء، ثم نزل الافرنج عليها، واشتدّ زحفهم وقتالهم عليها، وهو ﵀ يشنّ الغارات من خارج، والعساكر تقاتلهم من داخل، ونصر الله المسلمين به وبحسن تدبيره، / فرحلوا عنها خائبين خائفين (٩٣)، فأحرقت مجانيقهم، ونهبت آلاتهم، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرّت قواعد صلاح الدّين، وأرسل يطلب والده نجم الدّين أيّوب ليتمّ له السرور وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف ﵇ فوصل إليه والده في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين (٩٤)، وسلك معه من الأدب ما جرت به عادته، وألبسه الأمر كلّه، فأبى أن يلبسه، وقال: «يا ولدي ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر الا وأنت كفء له، ولا ينبغي أن يغير موضع السعادة» فحكّمه في الخزائن كلها (٩٥). وثبت قدم صلاح الدّين ورسخ ملكه، وهو نائب عن نور الدّين، والخطبة لنور الدّين في البلاد كلّها، لا يتصرّفون الا عن أمره، وكان نور الدّين يكاتب صلاح الدّين ولا يفرده (٩٦)، بل يكتب للأمير صلاح الدّين وكافة الأمراء بالدّيار المصرية يفعلون كذا وكذا، واستمال صلاح الدّين قلوب النّاس، وبذل الأموال ممّا كان قد جمعه عمّه أسد الدّين، فمال النّاس إليه وأحبوه، وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثّبات فيه، وضعف أمر العاضد العبيدي صاحب مصر ذلك الوقت.
следующие страницы →