← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

شادي من بلد دوين وأصلهما من الأكراد الرّوادية، فقدما العراق، وخدما مجاهد الدّين، فتولى شحنة بالعراق من جهة السّلطان مسعود غياث الدّين محمّد بن ملكشاه السلجوقي. فرأى مجاهد الدّين في نجم الدّين عقلا ورأيا حسنا فجعله حافظا على قلعة تكريت، وتبعه أخوه أسد الدّين، ثم أخرجهما مجاهد الدّين من تكريت، فقصدا عماد الدّين زنكي فقبلهما وأحسن إليهما، فلمّا فتح عماد الدّين زنكي بعلبك جعل نجم الدّين حافظا عليها فلمّا قتل زنكي حضر نجم الدّين عسكر دمشق / في بعلبك، فلما خاف طلب الصلح وسلّم القلعة، وخرج بالأمان على اقطاع يأخذها من صاحب دمشق مجير الدّين محمد بن بوري بن الأتابك ظهير الدّين طغتكين (٦٧)، وصار عنده من أكبر الأمراء» (٦٨). «واتصل أخوه أسد الدّين شيركوه بخدمة نور الدّين بعد قتل أبيه زنكي، فقرّبه نور الدّين وأقطعه، وكان يرى منه في الحرب آثارا يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عسكره. ولمّا ملك نور الدّين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق لازم نجم الدّين خدمته ومعه ولده صلاح الدّين، وكانت مخايل السّيادة (٦٩) عليه لائحة، ونور الدّين يرى له ذلك ويؤثره، ومنه تعلّم صلاح الدّين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد. ثم ان شاورا، وزير المعتضد العبيدي صاحب مصر، غلبه على وزارته أبو الأشبال ضرغام (٧٠)، وقتل له ولده علي (٧١) بن شاور، فتوجه إلى نور الدّين بالشّام، مستغيثا به في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (٧٢)، فوجّه معه الأمير أسد الدين شيركوه بن شادي في جماعة من عسكره ومعه ابن أخيه صلاح الدّين في خدمته، وهو كاره للسفر معهم، وكان لنور الدّين في إرسال هذا الجيش غرضان: أحدهما قضاء حق (٧٣) شاور

стр. 387

لكونه استغاث به، والثاني كشف أحوال مصر فانه كان بلغه أنها ضعيفة من جهة الجند، فجعل شيركوه صلاح الدّين مقدم / عسكره، وخرج معهم شاور، فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة (٧٤)، فدخلوا مصر، واستولوا على الأمر في رجب من تلك السنة وقتلوا ضرغاما، وحصل لشاور مقصوده من عدوه لمنصبه، فلمّا تمهّدت قواعده غدر بأسد الدّين شيركوه، واستنجد بالافرنج عليه، وحصروه في بلبيس، وكان أسد الدّين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها، وأنها مملكة بغير رجال، تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام (٧٥) والمحال، فطمع فيها، وعاد إلى الشّام في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين (٧٦)، فأقام بها مدّة مفكّرا في تدبير عوده إلى مصر، محدثا نفسه بالملك لها، مقررا قواعد ذلك مع نور الدّين، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة (٧٧)، وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد، فخاف عوده إليها، وعلم أن أسد الدّين لا بدّ له من قصدها، فكاتب الافرنج وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد ويمكنهم منها تمكينا كلّيا (٧٨) ليعينوه على استئصال أعدائه. وبلغ نور الدّين وأسد الدّين مكاتبة شاور للافرنج وما تقرر بينهم، فخافا على الدّيار المصرية أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد (٧٩)، فتجهز صلاح الدّين في خدمة عمّه أسد الدّين، وكان توجههم من الشّام في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة (٨٠)، فكان وصول أسد الدّين إلى البلاد مقارنا لوصول الافرنج / إليها، واتّفق شاور والمصريّون جميعهم والافرنج على أسد الدّين، فجرت بينهم حروب كثيرة ووقائع شديدة، فانفصل الافرنج عن البلاد وانفصل أسد الدّين أيضا راجعا إلى الشّام، وسبب انفصال الافرنج عن البلاد أن نور الدّين جرّد العساكر إلى بلادهم، وأخذ المنيطرة (٨١)

стр. 388

منهم في رجب من هذه السنة، ولمّا علم الافرنج ذلك خافوا على بلادهم فانصرفوا، وسبب انفصال أسد الدّين ضعف عسكره لتعصّب الافرنج والمصريين، فعاين شدائد وأهوالا لكن ما انفصل حتى صالح الافرنج على أن ينفصلوا كلّهم عن مصر، فعاد إلى الشّام في بقية السنة، وقد انضاف إلى قوة الطمع في الديار المصرية شدّة الخوف عليها من الافرنج لعلمه بأنهم قد كشفوها كشفا وعرفوها كما عرفها هو، فأقام بالشّام على مضض وقلبه قلق، والقضاء يسوقه إلى شيء قدّر لغيره، وهو لا يشعر بذلك، وكان عوده في ذي القعدة من هذه السنة إلى الشّام، وقيل في ثامن عشر (٨٢) شوال. ثم إن الإفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم (٨٣) وخرجوا يريدون الدّيار المصرية ناكثين جميع ما استقرّ مع المصريين وأسد الدّين طمعا في البلاد، فلمّا بلغ ذلك أسد الدّين ونور الدّين لم يسعهما الصّبر دون أن يسارعا إلى قصد البلاد، أما نور الدّين فبالمال والرجال، ولم يمكنه المسير بنفسه خوفا على البلاد من الافرنج، وأما أسد الدّين فسار بنفسه / وماله وإخوته ورجاله، قال السّلطان صلاح الدّين: كنت أكره النّاس للخروج في هذه الوقعة، وما خرجت مع عمّي باختياري، وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٨٤). ثم إن شاور لمّا أحسّ بخروج الافرنج [إلى مصر] على تلك القاعدة أرسل إلى أسد الدّين شيركوه يستصرخه ويستنجده، فخرج مسرعا، وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة (٨٥)، ولمّا علم الافرنج بوصول أسد الدّين إلى مصر باتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين وعلى أعقابهم ناكصين، وأقام أسد الدّين بها يتردد إليه شاور في الأحيان، وكان وعدهم بمال في مقابلة ما خسروه من النّفقة، فلم يوصل إليهم شيئا، وعلقت مخالب أسد الدّين في البلاد، وعلم أنه متى وجد الافرنج رخصة أخذوا البلاد، وأن شاور يلعب به تارة وبالافرنج أخرى، وكان ملوكها على البدعة المشهورة، وتحقّق أسد الدّين أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمع رأيه على القبض عليه اذا خرج إليه، وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدّين

стр. 389

يترددون إلى خدمة شاور، وهو يخرج في الأحيان إلى أسد الدّين فيجتمع به، وكان يركب على عادة وزرائهم بالطّبل والبوق والعلم، ولم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلاّ السّلطان بنفسه، وذلك أنه / لمّا سار إليهم تلقّاه راكبا وسار إلى جانبه وأخذ يحادثه، وأمر العساكر أن يقصدوا أصحابه، ففروا ونهبهم (٨٦) العسكر وأنزل شاور في خيمة منفردة، وفي الحال ورد توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقولون: «لا بدّ من رأسه»، جريا على عادتهم في وزرائهم، فجزّ رأسه وأرسله اليهم، وأرسلوا إلى أسد الدّين خلع الوزارة فلبسها، وسار ودخل القصر وترتب وزيرا، وذلك بسابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة (٨٧) وراح آمرا ناهيا، والسّلطان صلاح الدّين ﵀ يباشر الأمور مقررا لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة (٨٨). فمات أسد الدّين بعلة الخوانيق، ودفن بدار الوزارة ثم نقل إلى المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وكانت مدة وزارته شهرين وخمسة أيام، وقيل إنه سمّ في صكّ الوزارة. فلما مات استقرت الأمور للسّلطان صلاح الدّين، وتمهّدت القواعد، ومشى الحال على أحسن الأوضاع وبذل الأموال، وملك قلوب الرّجال، وهانت عنده الدّنيا فملكها، وكان سنّي المذهب، ممارسا لأهل السّنة مجانبا للبدعة التي عليها ملوك مصر الشّيعة، وقصده النّاس من كلّ صوب فلا يخيّب قاصدا إلى سنة خمس وستين وخمسمائة (٨٩). فلمّا عرف السلطان / نور الدّين استقرار صلاح الدّين بمصر أخذ حمص من نوّاب أسد الدّين شيركوه في رجب سنة أربع وستين (٩٠). ولمّا علم الافرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تمّ للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه يملك بلادهم ويقلع (٩١) آثارهم، لما حدث له من القوة والملك فاجتمع الافرنج والرّوم جميعا وقصدوا الدّيار المصرية، وقصدوا دمياط

стр. 390

ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون إليه من العدد، ولمّا سمع افرنج الشّام ذلك اشتدّ أمرهم، فأخذوا حصن عكا من المسلمين وأسروا صاحبها، وهو مملوك لنور الدين يقال له خطلخ العلم دار، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين (٩٢) ولمّا رأى نور الدّين ظهور الافرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك محاصرا لها في شعبان من السّنة المذكورة، فقصده افرنج السّاحل فرحل عنها وقصدهم، فلم يقفوا له ولمّا بلغ صلاح الدّين قصد الافرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرّجال وجمع الآلات إليها، ووعدهم بالإمداد بالرجال ان نزلوا عليها، وبالغ في العطايا والهبات وكان وزيرا متحكّما لا يرد أمره في شيء، ثم نزل الافرنج عليها، واشتدّ زحفهم وقتالهم عليها، وهو ﵀ يشنّ الغارات من خارج، والعساكر تقاتلهم من داخل، ونصر الله المسلمين به وبحسن تدبيره، / فرحلوا عنها خائبين خائفين (٩٣)، فأحرقت مجانيقهم، ونهبت آلاتهم، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرّت قواعد صلاح الدّين، وأرسل يطلب والده نجم الدّين أيّوب ليتمّ له السرور وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف ﵇ فوصل إليه والده في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين (٩٤)، وسلك معه من الأدب ما جرت به عادته، وألبسه الأمر كلّه، فأبى أن يلبسه، وقال: «يا ولدي ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر الا وأنت كفء له، ولا ينبغي أن يغير موضع السعادة» فحكّمه في الخزائن كلها (٩٥). وثبت قدم صلاح الدّين ورسخ ملكه، وهو نائب عن نور الدّين، والخطبة لنور الدّين في البلاد كلّها، لا يتصرّفون الا عن أمره، وكان نور الدّين يكاتب صلاح الدّين ولا يفرده (٩٦)، بل يكتب للأمير صلاح الدّين وكافة الأمراء بالدّيار المصرية يفعلون كذا وكذا، واستمال صلاح الدّين قلوب النّاس، وبذل الأموال ممّا كان قد جمعه عمّه أسد الدّين، فمال النّاس إليه وأحبوه، وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثّبات فيه، وضعف أمر العاضد العبيدي صاحب مصر ذلك الوقت.

стр. 391

قال ابن الاثير (٩٧) «قد اعتبرت التواريخ فرأيت كثيرا من التّواريخ الاسلامية، فرأيت كثيرا ممّن يبتدئ الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه، منهم بنو مروان انتقلت إليهم الدولة من بني عمّهم، ثم بعده السّفاح أول من ملك من بني / العبّاس، انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه المنصور، ثم يعقوب الصّفار هو أول من ملك من أهل بيته، فانتقل الملك عنه [إلى أخيه عمرو وأعقابه ثم عماد الدولة بن بويه أول من ملك من أهل بيته ثم انتقل الملك عنه] (٩٨) إلى أخويه ركن الدّولة ومعزّ الدّولة، ثم السّلجوقية أول من ملك منهم طغرل بك، ثم انتقل الملك إلى أولاد أخيه داود، ثم شيركوه هذا - كما ذكرنا - انتقل الملك عنه إلى ولد أخيه نجم الدّين أيّوب، ولولا خوف الاطالة لذكرنا أكثر من هذا، والذي أظنّه السبب في ذلك أن الذي يكوّن أول دولته يكثر القتل فيأخذ الملك وقلب الذي كان فيه متعلق به، فلهذا يحرم الله تعالى أعقابه ويفعل ذلك عقوبة له لأجلهم». ثم أرسل صلاح الدّين يطلب من نور الدّين إخوته فلم يجبه إلى (٩٩) ذلك، وقال: أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد. ثم ان الافرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر (١٠٠)، فأرسل نور الدّين العساكر وفيهم أخوة صلاح الدّين، منهم شمس الدّولة توران شاه بن أيوب - وهو أكبر من صلاح الدّين - فلمّا أراد المسير قال له نور الدّين: إن كنت تسير إلى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك وأنت قاعد، فلا تسر فإنك تفسد البلاد، وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه وإن كنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني فسر إليه، واشدد أزره / وساعده على ما هو بصدده، قال: أفعل معه من الطاعة والخدمة ما يتصل بك - إن شاء الله تعالى -، فكان معه كما قال.

стр. 392

وفي المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة (١٠١) قطعت خطبة العاضد صاحب مصر، وخطب فيها للامام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وسبب ذلك أن صلاح الدّين لما ثبّت قدمه في مصر وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه نور الدّين يأمره بقطع خطبة العاضد واقامة الخطبة العبّاسية، فاعتذر صلاح الدّين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم عن الاجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين، فلم يصغ نور الدّين إلى قوله وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاما لا فسحة فيه، واتّفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدّين قد عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه كيف الابتداء بالخطبة [العباسية] فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك الا أنه لا يمكنه الا الامتثال لأمر نور الدّين، وكان قد دخل إلى مصر رجل أعجمي (١٠٢)، فلمّا رآى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدئ بها، فلمّا كان أول جمعة من المحرّم صعد المنبر قبل الخطبة، ودعا للامام المستضيء بأمر الله [فلم ينكر أحد ذلك، فلمّا كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدّين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد واقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله] (١٠٣) ففعلوا ذلك، فلم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر البلاد المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، / وقالوا: إن سلم فهو يعلم وان توفي فلا ينبغي أن ننغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء [ولم يعلم]. ولمّا توفي جلس صلاح الدّين للعزاء، واستولى على قصره وجميع ما فيه، وكان قد رتّب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش وهو خصي يحفظه، وحفظ ما فيه حتى تسلّمه السّلطان صلاح الدّين، ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل بحفظهم وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم في ايوان القصر، وجعل عندهم من يحفظهم وأخرج من كان فيه من العبيد، فأعتق البعض، ووهب البعض، وأخلى القصر من ساكنه وأهله، فسبحان من لا يزول ملكه، ولا يغيره الأعصار وممر الليل والنهار، وتقلّبات الفلك الدوّار، واختار من ذخائر القصر ما أراد، ووهب أهله وأمراءه، وباع منه كثيرا، وكان فيه من الجواهر والأعلاق النّفسية ما لم يكن عند ملك من الملوك، قد جمع على طول

стр. 393

السّنين وممرّ الدّهور، فمن ذلك قضيب الزّمرد، طوله نحو قصبة ونصف، والحبل الياقوت وغيرهما، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد. ولمّا خطب للمستضيء بأمر الله بمصر أرسل إليه نور الدّين وعرّفه بذلك، فحل عند المستضيء أعظم محل، وسيّر إليه الخلع الكاملة مع عماد الدّين صندل إكراما له، لأن عماد الدّين كان كبير المحل في الدولة / العبّاسية، وكذلك أيضا سيّر خلعا لصلاح الدّين، الا أنها أقل من خلع نور الدّين، وسيّرت الأعلام [السود] (١٠٤) لتنصب على المنابر، وكانت هذه أعظم أبهة (١٠٥) عباسية دخلت مصر بعد استيلاء العبيديين عليها (١٠٦). وفي سنة ثمان وستين وخمسمائة (١٠٧) أخرج العساكر يريد بلاد الكرك والشّوبك وبدأ بها لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الدّيار المصرية، وكان لا يمكن أن تسير قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبّرها (١٠٨)، فأراد توسيع الطريق وتسهيلها، فحاصرها في هذه السّنة، وجرى بينه وبين الافرنج وقعات، وعاد ولم يظفر منها بشيء، ولمّا عاد بلغه وفاة والده نجم الدّين أيّوب قبل وصوله إليه، ولمّا كانت سنة تسع وستين (١٠٩)، رأى قوة عسكره وكثرة عدده، وكان بلغه باليمن انسان استولى عليها وملك حصونها، يسمى عبد النّبي بن مهدي (١١٠)، فأرسل أخاه توران شاه فقتله، وأخذ البلاد منه، ثم توفي نور الدّين سنة تسع وستين وخمسمائة (١١١) - كما تقدّم -. وبلغ صلاح الدّين أن انسانا يقال له «الكنز» جمع بأسوان خلقا كثيرا من السّودان وزعم أنه يعيد الدّولة المصرية، وكان أهل مصر يؤثرون عودها، فانضافوا إلى «الكنز» المذكور فجهّز إليه صلاح الدّين جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، وساروا

стр. 394

فالتقوا بهم وكسروهم، وذلك سابع صفر سنة سبعين وخمسمائة (١١٢)، واستقرّت له قواعد الملك / واحتوى على الشّام بأسره، وعلى حلب، وعبر الفرات، وملك ما هناك وقهر الملوك، وافتك البلاد من أمرائها ممّن ناوءه وحاربه. ثم بعد تمهيد البلاد، وتطويع العباد رجع إلى مصر لتفقّد أحوالها، وكان مسيره إليها في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة (١١٣) وكان أخوه شمس الدّولة توران قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق ثم تأهب للغزو (١١٤) وخرج يطلب السّاحل حتى وافى الافرنج على الرّملة (١١٥) وذلك في أول (١١٦) جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين (١١٧)، فكانت الوقعة عليه، ولم يحصل له فتح، فرجع إلى مصر، وأقام بها حتى لمّ شعثه وشعث أصحابه (١١٨)، فلمّا كانت سنة ثلاث وثمانين (١١٩) وسط يوم الجمعة كانت وقعة حطّين المباركة على المسلمين، وكان كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصّلاة تبركا بدعاء المسلمين، في الخطب على المنابر، فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له من العساكر الاسلامية، وكانت تفوت العدّ والحصر على تعبئة حسنة وهيئة جميلة، وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدد كثير بمرج صفّوريّة بأرض عكّا عندما بلغهم اجتماع العساكر الاسلامية، فسار ونزل على بحيرة طبريّة على سطح الجبل ينتظر قصد الافرنج له، اذ بلغهم نزوله بذلك الموضع يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر، فلمّا رآهم / لا يتحركون تحرك جريدة

стр. 395

على طبريّة، وترك الأطلاب (١٢٠) على حالها قبالة العدو، ونازل طبريّة وهجمها فأخذها في ساعة واحدة، وانتهب النّاس ما بها، وأخذوا في القتل والسبي، وبقيت القلعة محتمية بمن فيها. ولمّا بلغ العدو ما وقع بطبريّة قلقوا ورحلوا نحوها ولحقوا بالعسكر، والتقى بالعدو على سطح جبل طبريّة الغربي منها، وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر، وحال الليل بين العسكرين فناما على مصاف، إلى بكرة يوم الجمعة الثالث (١٢١) والعشرين منه، وركب العسكران وتصادما، والتحم القتال، واشتدّ الأمر، وذلك بأرض قرية ب «لوبين» (١٢٢) وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١٢٣)، وقد أيقنوا بالويل والثبور، وأحست نفوسهم أنهم في غد يومهم من زوار القبور، ولم تزل الحرب تضطرم، والفارس مع قرينه يصطدم، ولم يبق الا الظفر ووقوع الويل والوبال على من كفر، فحال بينهما الليل بظلامه، وبات كل واحد من الفريقين بمقامه، وتحقّق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنهم لا ينجيهم الا الجهاد بالحزم والاجتهاد فحملت أطلاب المسلمين من جميع الجوانب، وحمل القلب، وصاحوا صيحة رجل واحد (١٢٤) فألقى الله الرّعب في قلوب الكافرين، وكان حقا عليه نصر المؤمنين، ولمّا أحس القومص (١٢٥) بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر / وقصد جهة صور، فتبعه جماعة من المسلمين، فنجا منهم، وكفى الله شرّه، وأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا عليهم السّهام، وحكّموا فيهم السّيوف، وسقوهم كأس الحتوف، وانهزمت طائفة منهم بتلّ يقال له تلّ حطين (١٢٦)، وهي قرية عندها قبر النّبي شعيب ﵇ فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النّيران، واشتدّ بهم العطش وضاق بهم الأمر، حتى كانوا يستسلمون

стр. 396

للأمر خوفا من القتل، فأسّر مقدّموهم، وقتل الباقون، وكان ممّن أسّر من مقدّميهم الملك جفري (١٢٧) وأخوه البرنس (١٢٨) أرناط (١٢٩) صاحب الكرك والشّوبك، وابن الهيفري (١٣٠) وابن صاحب طبريّة ومقدم الدّاوية (١٣١)، وصاحب جبيل ومقدّم الاسبتارية (١٣٢) قال ابن شدّاد (١٣٣) «ولقد حكى لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا معه نيّف وثلاثون أسيرا قد ربطهم بطنب خيمة لما وقع عليهم من الخذلان». ثم ان القومص الذي هرب في أول الأمر وصل إلى طرابلس (١٣٤) وأصابه ذات الجنب فهلك منها، وأما مقدم الاسبتارية (١٣٥) والدّاوية فان السّلطان قتلهما، وقتل من بقي من صنفهما حيّا (١٣٦)، وأما البرنس (١٣٧) أرناط فان السّلطان كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله، وذلك لأنه كان قد / عبر به بالشّوبك قوم من الدّيار المصريّة في حال الصّلح فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الصّلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمّن الاستخفاف بالنبي ﷺ وبلغ ذلك السّلطان فحملته حميّة دينيّة على أن نذر دمه. ولما فتح الله عليه بنصره جلس في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد، وعرضت عليه الأسارى، ونصبت له الخيمة فجلس بها شاكرا الله تعالى على ما أنعم عليه، فاستحضر الملك جفري وأخاه والبرنس (١٣٧) أرناط، وناول الملك جفري شربة من

стр. 397

حلاب بثلج فشرب منها، وكان على أشد ما يكون من العطش، ثم ناولها البرنس (١٣٧) وقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته أو أنا الذي سقيته، وكان من عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير اذا أكل وشرب من مال الذي أسّره أمن، فقصد السّلطان بقوله ذلك، ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عيّنه لهم، فأكلوا شيئا ثم عادوا بهم، ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم، وأقعد الملك في دهليز الخيمة، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه بين يديه وقال له: ها أنا أنتصر لمحمّد منك ثم عرض عليه الاسلام فلم يفعل، فسل عليه المنشا (١٣٨) وضربه بها فحلّ كتفه وتمم قتله من حضر، وأخرجت جثّته ورميت على باب الخيمة /. فلما رآه الملك جفري على تلك الحال لم يشكّ أنه يلحقه به، فاستحضره وطيّب قلبه، وقال له: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك، وأما هذا فانه تجاوز الحدّ على الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه - وبات النّاس في تلك الليلة على أتم سرور ترتفع أصواتهم بحمد الله تعالى وشكره وتهليله وتكبيره، حتى طلع الفجر، ثم نزل السلطان على طبريّة يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، وتسلم قلعتها في ذلك النهار، وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء. ثم رحل عنها طالبا عكّا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين (١٣٩) فأخذها واستنقذ من فيها من المسلمين الأسارى، وكانوا أكثر من أربعة آلاف أسير، واستولى على ما فيها من الأموال والذّخائر والبضائع لأنها كانت مظنّة التجّار، وتفرّقت العساكر في بلاد السّاحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفّورية (١٤٠) والنّاصرة (١٤١)، وكان ذلك لخلوّها من الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيرا منهم. ولمّا استقرت قواعد عكّا وقسّم أموالها وأساراها سار يطلب تبنين (١٤٢) فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، وهي قلعة منيعة، فنصب عليها المجانيق وضيّق بالزحف خناق / من بها، وكان فيها أبطال معدودون، وفي دينهم متشددون، فقاتلوا قتالا شديدا، ونصر الله

стр. 398

المسلمين عليهم، فتسلّمها منهم يوم الأحد ثامن عشر [جمادى أولى] عنوة (١٤٣)، وأسر من بقي فيها بعد القتل، ثم رحل عنها إلى صيدا (١٤٤) في يوم الأربعاء، وأقام عليها ريثما قرّر قواعدها، وسار حتى أتى بيروت فنازلها ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركّب عليها المجانيق، وداوم الزحف والقتال حتى أخذها في (يوم الخميس وهو التاسع) (١٤٥) والعشرين من الشهر المذكور وتسلم أصحابه جبيل (١٤٦) وهو على بيروت. ولمّا فرغ؟؟؟ اله من هذا قصد عسقلان، ولم ير (١٤٧) الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها، ثم رأى أن العسكر تفرّق بالساحل، وذهب كلّ واحد منهم يحصل لنفسه (محلا) (١٤٨) وكانوا قد ضجروا من القتال، وملازمة الحرب والنّزال، وكان قد اجتمع في صور من بقي في السّاحل من الافرنج فرأى أن قصده عسقلان أولى لأنها أيسر من صور، فنزل عسقلان يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة من السنة (١٤٩)، وأقام عليها إلى أن تسلّم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال. وكان بين فتح عسقلان وأخذ الافرنج لها من المسلمين خمس وثلاثين سنة، فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادى الآخرة / سنة ثمان وأربعين وخمسمائة (١٥٠). ولمّا تم تسلّم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد في قصد القدس المبارك، واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرّقة في السّاحل فسار (١٥١) نحوه معتمدا على الله تعالى مفوضا أمره إليه تعالى [منتهزا الفرصة] في فتح باب الخير الذي حث عليه ﷺ بقوله «من فتح له باب خير فلينتهزه فانه لا يعلم متى يغلق دونه» (١٥٢) وكان نزوله عليه يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (١٥٣).

стр. 399

وكان نزوله بالجانب الغربي، وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيّالة والرّجالة، وحزر (١٥٤) أهل الخبرة من كان به من المقاتلة فكانوا يزيدون على ستين ألفا غير النّساء والصّبيان، ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشّمالي يوم الجمعة العشرين من رجب، ونصب عليه المجانيق، وضايق البلد بالزّحف والقتال حتى أخذ في نقب السور ممّا يلي وادي جهنم، ولمّا رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم، وظهرت لهم امارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم، وكانوا قد اشتدّ روعهم على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التّخريب والهدم، وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولائك إليه، فاستكانوا وأخلدوا (١٥٥) إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة / من الطائفتين فكان تسليمه (١٥٦) يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، وكانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم، فانظر إلى هذا الاتّفاق العجيب كيف يسّر الله تعالى عوده إلى المسلمين في مثل زمان الاسراء بنبيهم ﷺ وهذه علامة قبول الله تعالى لهذه الطّاعة، وكان فتحا عظيما شهده من أهل العلم [خلق] (١٥٧)، وأرباب الخرق والزهد عالم كبير، وذلك أن الخلق (١٥٨) لمّا بلغهم ما يسّر الله على يد هذا الرجل الصالح من فتوح الساحل وقصده القدس، قصده العلماء من مصر والشّام، بحيث لم يتخلّف أحد منهم، وارتفعت الأصوات بالضّجيج والدّعاء والتّهليل والتكبير، وصليت (١٥٩) فيه الجمعة يوم فتحه - وخطب الخطيب [وقيل إن الخطبة أقيمت يوم الجمعة] (١٦٠) في رابع شعبان، ونكّس الصّليب الذي كان على قبّة الصّخرة، وكان شكلا عظيما، ونصر الله الاسلام، وكان استيلاء الافرنج عليه يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة (١٦١) وقيل في ثاني شعبان وقيل يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر

стр. 400

رمضان من تلك السنة، ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه السّلطان صلاح الدّين في التاريخ المذكور، فتكون مدة بقائه في أيديهم احدى وتسعين سنة. وكانت قاعدة (١٦٢) الصّلح بينهم أنهم قطعوا على أنفسهم عن كلّ رجل عشرين دينار، وعن كل امرأة خمس دنانير صورية / وعلى كلّ صغير ذكرا كان أو أنثى دينارا واحدا، فمن أحضر قطيعته نجا والا أخذ أسيرا، وأفرج عمّن كان بالقدس من أسارى المسلمين، وكانوا خلقا كثيرا، وأقام به يجمع الأموال ويفرّقها على الأمراء والرّجال، ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزّهّاد والوافدين عليه، ويقوم بايصال من قام بقطيعته (١٦٣) إلى مأمنه، وهي مدينة صور، ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جبي له شيء، وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألفا، وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من تلك السنة. ولمّا فتح القدس حسن عنده فتح صور وعلم ان أخّرها ربما عسر عليه فتحها، فسار نحوها حتى أتى عكا (١٦٤) فنزلها ونظر في أمورها، ثم رحل عنها متوجها إلى صور يوم الجمعة خامس شهر رمضان، فنزل قريبا منها، وأرسل لاحضار آلات القتال وضايقها، واستدعى أسطول مصر، فكان يقاتلها في البر والبحر، ثم خرج أسطول صور ليلا فكبس على أسطول المسلمين، فأخذوا المقدم والريّس وخمس قطع للمسلمين، وقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين في السابع والعشرين من الشهر، فعظم ذلك على السّلطان، وكان الشّتاء قد هجم وتراكمت الأمطار، فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بالرّحيل ليستريح الرّجال، ويجتمعوا للقتال / فرحل عنها، وحمل من الآلات المعدّة للحصار ما أمكن حمله، وحرق ما عجز عن حمله لكثرة الوحل والمطر، فرحل يوم الأحد ثاني ذي القعدة من تلك السنة، وتفرّقت العساكر، وأعطى كل طائفة منهم دستورا، وسار كل قوم إلى بلادهم، وأقام هو مع جماعة من خواصّه بمدينة عكّا إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة (١٦٥). ونزل على كوكب (١٦٦) في أوائل محرم من هذه السنة، ولم يبق معه من العساكر إلاّ القليل، وكان حصنا حصينا وفيه من الرّجال والأقوات كثير، فعلم

стр. 401

أنه لا يؤخذ إلاّ بقتال شديد، فرجع إلى دمشق ودخلها سادس [عشر] ربيع الأول من السنة. وبعد خمسة أيام من قدومه بلغه أن الافرنج قصدوا جبيل (١٦٧) واغتالوها، فخرج مسرعا وقد سير من يستدعي العساكر من جميع البلاد، (فلمّا وصل جبيل وعلم الإفرنج بوصوله كفوا عن ذلك) (١٦٨). ثم قدم عليه عماد الدّين صاحب سنجار ومظفر الدّين بن زين الدّين وعسكر الموصل [إلى حلب] طالبين الجهاد، فسار نحو حصن الأكراد. ولمّا كان يوم الجمعة رابع جمادى الأول دخل السلطان بلاد العدو على هيئة صالحة (١٦٩)، ورتّب الأطلاب، وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدّين زنكي والقلب في الوسط، والميسرة في الأخير، ومقدّمها مظفر الدّين بن زين الدّين، فوصل إلى أنطرسوس (١٧٠) [ضحى] نهار الأحد سادس جمادى الأولى، فوقف قبالتها (١٧١) ينظر إليها لأن قصده كان أخذ بلد جبلة / فاستهان بأمرها وعزم على قتالها، فسيّر من رد الميمنة، وأمرها بالنزول على جانب البحر، والميسرة على الجانب الآخر، ونزل هو موضعه، والعساكر محدّقة بها من البحر إلى البحر، وهي مدينة راكبة على البحر ولها برجان كالقلعتين، فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا واشتدّ القتال، وباغتوها، فما استتم نصف النّهار (١٧٢) حتى صعد المسلمون سورها، وأخذوها بالسّيف، وغنم المسلمون جميع ما فيها ومن بها، وأحرقوا البلد، وأقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى، وسلّم أخذ البرجين إلى مظفر الدّين، فما زال يحارب حتى أخذهما، وقدم عليه ولده الملك الظّاهر في عسكر عظيم. ثم سار يريد جبلة فوصلها ثاني عشر جمادي الأولى، فما استتم نزول العسكر عليها حتى أخذ البلد، وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم، وقوتلت القلعة قتالا شديدا، ثم سلمت بالأمان يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة، وأقام عليها إلى الثالث والعشرين منه.

стр. 402

ثم سار عنها إلى اللاذقيّة فنزلها يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وهو بلد مليح (١٧٣) غير مسور، وله ميناء (١٧٤) مشهور وقلعتان متّصلتان على تلّ مشرف على البلد، فاشتدّ القتال إلى آخر النّهار، فأخذ البلد دون القلعتين، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة لأنه كان / بلد التّجار، وجدّوا في أمر القلعتين بالقتال والنقوب حتى بلغ طول النقب ستين ذراعا وعرضه أربعة أذرع، فلمّا رأى أهل القلعتين الغلبة طلبوا الصّلح عشيّة يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر على سلامة أنفسهم وذراريهم وأموالهم ما خلا العين والدّنانير والسّلاح وآلات حرب فأجابهم إلى ذلك، ووقع الصّلح يوم السبت، وأقام عليها إلى يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر. ثم رحل عنها إلى صهيون (١٧٥)، وقاتلهم فأخذ البلد يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة، ثم تقدّموا إلى القلعة، وصدقوا القتال، فلمّا عاينوا الهلاك طلبوا الأمان، فأجابهم إلى ذلك ووقع الصّلح، بحيث يؤخذ من الرّجل عشرة دنانير ومن المرأة خمسة دنانير ومن كلّ صغير ديناران، الذكر والأنثى سواء، وأقام بهذه الجهة حتى أخذ عدة قلاع منها بلاطنس (١٧٦) وغيرها من الحصون المتّصلة بصهيون (١٧٥). ثم رحل عنها وأتى بكاس (١٧٧)، وهي قلعة حصينة، ولها نهر يخرج من تحتها، وذلك يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة، وقاتلوها قتالا شديدا إلى يوم الجمعة تاسع الشهر، ثم يسّر الله فتحها عنوة، فقتل من قتل وأسّر الباقون، وغنم المسلمون جميع ما كان فيها، ولها قليعة (١٧٨) تسمّى الشغر (١٧٩)، وهي في غاية المنعة يعبر إليها منها بجسر وليس عليها طريق فسلطت عليها المجانيق من جميع الجوانب، ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا

стр. 403

الأمان يوم الثلاثاء / ثالث عشر الشهر، ثم سار إلى برزية (١٨٠)، وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة، يضرب بها المثل في بلاد الافرنج، يحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوّها خمسمائة ونيف وسبعون ذراعا على ما ذكره ابن خلكان (١٨١)، ولعلّها كانت على شاهق جبل، وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر، ثم أخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه. ثم سار إلى دربساك (١٨٢) فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب، وهي قلعة منيعة فقاتلها قتالا شديدا وصعد العلم الاسلامي عليها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب، وأعطاها الأمير علم الدّين سليمان بن جندر. وسار عنها بكرة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر، ونزل على بغراس، وهي قلعة حصينة تقرب من انطاكية، فقاتلها قتالا شديدا، وصعد العلم الاسلامي عليها ثاني شعبان وراسله أهل انطاكية في طلب الصّلح، فصالحهم لشدّ ضجر العسكر (١٨٣)، وكان الصّلح معهم على أن يطلقوا كل أسير عندهم، ومدة الصّلح سبعة أشهر، فان جاءهم من نصرهم، والا سلموا البلد. ثم رحل السلطان فسار إلى دمشق (١٨٤) قبل شهر رمضان بأيام يسيرة. ثم سار في أول شهر رمضان يريد صفد فنزل عليها، ووالى عليها القتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال. وفي رمضان سلمت الكرك عن نوّاب صاحبها. ثم سار إلى كوكب / وضايقها بالقتال الشديد، مع شدّة الوحل والمطر وعصف الأرياح، فلمّا تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان فأجابهم، وتسلّمها منهم منتصف ذي القعدة من السنة. ثم نزل إلى الغور، وأقام بالمخيم بقية الشهر، وأعطى الجماعة دستورا، وسار مع

стр. 404

أخيه [الملك] العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه لأنه كان متوجها إلى مصر، فدخل القدس ثامن (١٨٥) ذي الحجة وصلّى به العيد. وتوجه في حادي عشر ذي الحجة إلى عسقلان لينظر في أمورها، ثم مرّ على بلاد الساحل متفقدا أحوالها ثم دخل عكّا، وأقام بها معظم المحرم من سنة خمس وثمانين (١٨٦) يصلح أحوالها، ورتب فيها الأمير بهاء الدّين قراقوش واليا بعمارة سورها. وسار إلى دمشق، ودخلها في مستهلّ صفر من السنة، وأقام بها إلى شهر ربيع الأول من السنة. وخرج إلى شقيف أرنون (١٨٧)، وهو موضع حصين فخيم به في مرج عيون بالقرب من الشقيف (١٨٨) في سابع عشر ربيع الأول، وأقام أيّاما يباشر قتاله كل يوم، والعساكر تتواصل إليه، فلمّا تحقق صاحب شقيف (١٨٨) أن لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلاّ وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه وأكرمه واحترمه، وكان من أكبر الافرنج [وعقلائهم] وكان يعرف بالعربية وعنده اطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأتي لما حضر بين يدي / السّلطان وأكل معه الطّعام، ثم خلا به وذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطي موضعا يسكنه بدمشق لأنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الافرنج، واقطاعا بدمشق يقوم به وبأهله، وشروطا غير ذلك فأجابه إلى ذلك. وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان السّلطان قد أقام عليه جمعا يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفذ زاد من كان به، فسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب الشقيف كان خديعة فرسم عليه. ثم بلغه أن الافرنج قصدوا عكّا، ونزلوا عليها يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة خمس وثمانين وفي ذلك اليوم سيّر صاحب شقيف إلى دمشق بعد الاهانة الشديدة.

стр. 405

وأتى عكّا (١٨٩) ودخلها بغتة لتقوى قلوب من بها، وسيّر لاستدعاء العساكر من كل ناحية [فجاءته] وكان مقدار العدو ألفي (١٩٠) فارس وثلاثين ألف راجل، ثم تكاثر الافرنج واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكّا، ومنعوا الدّخول إليها والخروج، وذلك يوم الخميس سلخ رجب، فضاق صدر السّلطان لذلك [ثم اجتهد في فتح الطريق] (١٩١) إليها لأجل الميرة والنجدة، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدّة أيام. ثم جاءت أمداد الافرنج من البحر فضايقوا من بها من المسلمين إلى أن غلبوا / عن حفظ البلد، ففي يوم الجمعة السّابع عشر من جمادى الآخرة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة (١٩٢) خرج من عكّا رجل من المسلمين بالعوم، ومعه كتب من المسلمين يذكرون ما هم فيه وتيقّنهم الهلاك، وان أخذوا البلاد عنوة ضربوا أعناقهم، وأنهم صالحوا على تسليم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدّة والسّلاح والمراكب ومائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معيّنين من جهتهم، وصليب الصّلبوت على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصّة بهم وذراريهم ونسائهم، وضمنوا للمركيس (١٩٣) لأنه كان الواسطة في هذا الأمر أربعة آلاف دينار، فلمّا وقف السّلطان على الكتاب أنكر ذلك إنكارا عظيما وعظم عليه هذا الأمر، فجمع أهل الرّأي من أكابر الدّولة وشاورهم فيما يصنع، واضطربت الآراء (١٩٤) وعزم على أن يكتب مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه، فبينما هو يتردد [لم يشعر] الا وأعلام العدوّ وصلبانه [قد ارتفعت] على السّور وذلك ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من السنّة. ثم خرج الافرنج من عكّا لقصد عسقلان إلى أن وصلوا إلى أرسوف، فكان بينهم وبين المسلمين قتال شديد، ثم ساروا على تلك الهيئة تتمّة عشر منازل من مسيرهم من عكّا، فأتى السّلطان الرّملة، وأتاه من أخبره بالقوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرّجال والعدد، فأحضر السّلطان أرباب / مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وهل الصّواب

стр. 406

خرابها أو بقاؤها؟ فاتفقت آراؤهم على أن يبقى الملك العادل قبالة العدو، ويتوجّه السّلطان بنفسه ليخربها خوفا من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة، ويأخذ بها القدس، وتنقطع بها طريق مصر، وامتنع (١٩٥) العساكر من الدّخول، ورأوا أن حفظ القدس أولى، فتعيّن خرابها من عدّة أمور، وكان الاجتماع سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة (١٩٦)، فسار إليها يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر فأخربها وأخرب الرملة وكذلك أخرب النطرون لما في ذلك من إصلاح الحال. ثم ان النصارى طلبوا الصّلح فصالحهم بعد جهد جهيد، وإباء شديد من السّلطان، وكان (١٩٧) يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة (١٩٨) ونادى المنادي بانتظام الصّلح، وأن البلاد الاسلامية والنصرانية [واحدة في] (١٩٩) الأمن والمسالمة (٢٠٠) فمن شاء من كل طائفة أن يتردد إلى بلاد غيره فعل من غير خوف عليه ولا محذور، وكان فيه صلاح للمسلمين لأنه اتفقت وفاة السّلطان مع الصّلح، فلولا انعقاد الصّلح ومات السّلطان أثناء المقاتلة لكان الناس على خطر. ثم أعطى العساكر الواردة عليه من البلاد البعيدة برسم النجدة دستورا فساروا عنه، وتردد المسلمون إلى بلاد النّصارى وجاؤوا هم (٢٠١) إلى بلاد المسلمين، وحملت البضائع / والمتاجر إلى البلاد، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس لاشتراطهم ذلك في عقد الصّلح. وتوجّه السّلطان إلى القدس ليتفقد أحوالها، وأخوه الملك العادل إلى الكرك، وابنه الملك الظّاهر إلى حلب، وابنه الملك الأفضل إلى دمشق، وأقام السّلطان بالقدس يقطع النّاس الإقطاعات ويعطيهم دستورا، ولمّا صحّ عنده أن الانكتار - أكبر ملوك الافرنج الذي وقع الصّلح على يديه - سافر إلى بلاده، قوي عزمه على أن يدخل السّاحل جريدة يتفقد القلاع البحرية، فلمّا فرغ من تفقّد (٢٠٢) أحوال القلاع واصلاح خللها دخل

стр. 407

دمشق بكرة الأربعاء سادس عشر شوال، وفيها أولاده: الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر مظفر الدّين الخضر المعروف بالمشمر، سمي بذلك لأن السلطان لمّا قسّم البلاد بين أولاده الكبار دون المشمر، قال: أنا مشمر، فغلب الاسم عليه، وبها أيضا غيره من أولاده الصّغار. وكان يحب البلد ويؤثره بالاقامة فيه على سائر البلاد، وجلس للناس بكرة يوم الخميس السابع والعشرين من شوال، وحضروا عنده وبلوا شوقهم [منه]، وقصده عامّة النّاس وخاصّتهم، فنشر عليهم جناح العدل والفضل، وكشف سحاب الجور والظلم. ولمّا أصلح الملك العادل أحوال الكرك سار قاصدا (إلى البلاد الفراتية) (٢٠٣) - لأن السّلطان أعطاه إياها، كما أعطى أولاده الكبار البلاد المتقدمة، وأعطاه / أيضا البلاد الساحلية - (٢٠٤) فوصل إلى دمشق يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة (٢٠٥) وخرج السّلطان إلى لقائه، ثم أقام معه أياما يتصيدان مع أولاده، فحصلت له راحة ممّا كان فيه من ملازمة التّعب والسهر. فلمّا كانت ليلة السبت ابتدأه مرض حمى صفراوية، فلمّا كان اليوم العاشر من مرضه يئس الأطبّاء منه فتوفي بعد صلاة الصّبح يوم الأربعاء السابع والعشرين من [صفر] سنة تسع وثمانين وخمسمائة (٢٠٦) ولم يخلّف في خزائنه الا سبعة وأربعين درهما ناصرية وجرما (٢٠٧) واحدا ذهبا صوريا، ولم يخلف على ملكه دارا ولا غقارا، ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة الا الثناء الجميل، ودفن بدمشق في قبّة شمالي جامع دمشق، وكان - رحمه الله تعالى - من محاسن الدّنيا وأصاب المسلمين من موته كآبة وحزن لم يصب المسلمين مثلهما منذ فقد الخلفاء الراشدون - رضي الله تعالى عنهم وعنه - ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة يطول تتبعها» (٢٠٨).

стр. 408

الملك الكامل والحروب الصليبية الخامسة: «ثم ان الافرنج توجهوا لطلب بلاد المسلمين (٢٠٩) بعده في سنة خمس عشرة وستمائة (٢١٠)، فقصدوا أولا لقاء الملك العادل بساحل الشّام، فتوجه أمامهم (٢١١) نحو دمشق يتجهز ويتأهب إلى لقائهم، فلمّا وصل إلى عالقين، بفتح العين المهملة وبعد الألف لام فقاف مكسورين فياء مثناة من أسفل ساكنة فنون، قرية بظاهر دمشق توفي بها، فأعرض جميع الافرنج عن السّلم وقصدوا الدّيار المصرية» (٢١٢) «فنزلوا / على دمياط يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة من السنة. فأخذوها يوم الثلاثاء السابع (٢١٣) والعشرين من شهر شعبان سنة ست عشرة وستمائة» (٢١٤)، «فنزل لمقاتلتهم (٢١٥) أبو المعالي محمد ابن الملك العادل الملقّب «بالملك الكامل» صاحب الديار المصريّة، وأخوه الملك المعظم صاحب الدّيار الشامية، والملك الأشرف صاحب البلاد الشرقية، فبعد تملّك العدو دمياط خرجوا منها قاصدين القاهرة ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها، وكان المسلمون مقابلين لهم في قرية المنصورة، وبحر أشموم (٢١٦) حائل بينهم، فلمّا التقى

стр. 409

الجمعان نصر الله عساكر الاسلام ليلة الجمعة سابع رجب سنة ثمان عشرة وستمائة (٢١٧) وتمّ الصّلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر المذكور، ورحل الافرنج عن البلاد بشعبان من السنة المذكورة، فكانت مدّة اقامتهم ما بين الشّام والدّيار المصرية أربعين شهرا وأربعة عشر يوما» (٢١٨)، واتفق «أن نزولهم على دمياط كان يوم الثلاثاء وكان يوم احاطتهم بها، وكذا يوم أخذها، وقد جاء في الخبر أن الله خلق المكروه يوم الثلاثاء» (٢١٩)، ولمّا «رجع الملك الكامل منصورا ودامت أيامه واتّسعت مملكته الشرقية من آمد، وحصن كيفا، وحرّان، والرّها، ورأس العين، وسروج، وما انضم إلى ذلك، أعطى ولده الملك الصّالح أبا الفتح أيوب الملّقب نجم الدّين البلاد الشرقيّة، وأعطى ولده الأصغر الملك العادل سيف الدّين أبا بكر الدّيار المصريّة، ثم اتسعت / مملكة الملك الكامل حتى خطب الخطيب يوم الجمعة بمكّة المشرفة، ودعا للملك الكامل فقال: صاحب (٢٢٠) مكّة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشّام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، وربّ العلامتين، وخادم الحرمين الشّريفين، الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدّين محمد خليل أمير المؤمنين. ولم يزل على ملكه إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن بدمشق يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة» (٢٢١). الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب والحروب الصليبية السادسة ثم «تقلبت الأحوال بالملك الصّالح نجم الدّين أيوب إلى أن تملك مصر (٢٢٢) سنة سبع وثلاثين وستمائة (٢٢٣)، ثم أخذ دمشق (٢٢٤)، ثم مضى إلى الشّام سنة ست

стр. 410

وأربعين (٢٢٥)، فدخل دمشق (٢٢٦) أوائل شعبان من السنة، وسيّر العساكر لحصار حمص (٢٢٧)، ثم رجع أول سنة سبع وأربعين وهو مريض. وقصد الافرنج دمياط (٢٢٨) بعد اجتماعهم بجزيرة قبرس فنزل هو بأشموم ينتظر وصولهم فوصلوا يوم الجمعة العشرين من صفر سنة سبع وأربعين وستمائة (٢٢٩)، وملكوا بر الجزيرة يوم السبت وملكوا دمياط يوم الأحد، ثلاثة أيام متوالية لأن العساكر وجميع أهلها هربوا منها، ثم فكت منهم. نهاية الأيوبيين: وانتقل الملك الصّالح من أشموم إلى المنصورة، ونزل بها وهو في غاية المرض، وأقام بها على تلك الحال إلى أن توفي هناك ليلة الاثنين نصف شعبان من السّنة المذكورة، وحمل إلى القلعة الجديدة في الجزيرة، وترك في مسجدها هنالك، وأخفي موته / مقدار

стр. 411

ثلاثة أشهر، والخطبة باسمه، إلى أن وصل ولده المعظّم توران شاه (٢٣٠) إلى المنصورة، فعند ذلك أظهروا موته، وخطب لولده المذكور، ثم بنى له ولده بالقاهرة إلى جانب مدرسته تربة، ونقل إليها في رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة» (٢٣١). ثم شرع في قتال الكفّار فكسّرهم بدمياط كسرة عظيمة، وقتل منهم ألف نفس وأزيد من ذلك، وأسر ملكهم الفرنسيس (٢٣٢) واعتقله بالمنصورة (٢٣٣)، ثم شرع المعظّم في إبعاد أمراء والده ومماليكه فاتفق الأمراء (٢٣٤) على قتله، فقتل (٢٣٥)، وكانت مدة ملكه أقل من شهر (٢٣٦)، فالسّنة التي تولّى فيها توفي فيها، وكانت وفاة الملك المعظّم بمصر، فولوا بعده في التّاريخ الملك المظفّر موسى، وهو ثامن الأيوبية، فأجلسوه على سرير الملك وهو ابن ست سنين، فتغلّب عليه مماليكهم الأتراك، فانقرضت من مصر الدولة الكردية إلى الدولة التركية. المماليك بمصر: وتسلطن الأتراك بها يوم الأربعاء سابع عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وستمائة (٢٣٧) وفي بعض التواريخ (٢٣٨) أن الأمراء بعد قتل الملك المعظّم اتفقوا على سلطنة شجرة الدر أيبك (٢٣٩) الصالحية (٢٤٠) لمّا علموا أنها كانت أحسن تدبيرا من زوجها الصالح، فكانت تعلّم على المناشير والتواقيع، فمال إليها جميع العسكر وخطب لها (٢٤١)، وضربت

стр. 412

السّكّة باسمها، وولّت وعزلت، وجعلت عزّ الدّين أيبك التركماني نائبا عنها وأتابك العسكر، وذلك بصفر سنة ثمان وأربعين وستمائة (٢٤٢)، / وأطلقت لويس (٢٤٣) ملك الافرنج بعد مراسلات كثيرة، واشترطت عليه أن يسلم دمياط للمسلمين ويحمل أموالا مقرّرة، وتوجّه إلى بلاده بعد أن أقامت دمياط بيد الافرنج أحد عشر شهرا وتسعة أيام، ثم تزوّجت بنائبها الأمير عزّ الدّين أيبك (٢٤٤)، ثم اتفق رأي الأمراء أن يسلطنوا التّاسع من بني أيوب، وهو الملك الأشرف مظفر الدّين موسى ابن الملك الناصر صلاح الدّين، فجلس على سرير الملك يوم الأربعاء ثاني جمادى الأولى عام ثمانية وأربعين وستمائة (٢٤٥)، وأشركوا إسمه مع إسم شجرة الدرّ على السكّة، ويعلّمان معا على المناشير وغيرها. وفي ذلك الوقت عظم أمر المماليك البحرية (٢٤٦) فتسلطوا على المسلمين وكان ألف مملوك تركي بالرّوضة، فكانوا يسبون الحريم، ويأخذون الأموال، وكان كبيرهم الفارس اقطاي الصالحي وكلّما طلب من الأموال أخذ من الخزائن حتى أقطع الاسكندرية بمفرده، وهاداه الأشرف المتقدم الذكر. (وأول الأتراك زوج شجرة الدر أيبك المقدم الذكر) (٢٤٧) وسبب توليه أن الأشرف عجز عن القيام بالملك لصغر سنّه، وبلغ أهل مصر قدوم التتار للبلاد فاتفقت الآراء على اقامة أيبك بمفرده، ولمّا تولى فرّ منه جماعة البحرية إلى الشّام (٢٤٨). ومن أعظم ملوك الأتراك رابعهم (٢٤٩) الملك الظاهر بيبرس (٢٥٠) فتح من بلاد الشّام ما بقي تحت يد الكفّار كقلعة بانياس ويافا وغيرهما نحو الخمسة عشر بلدا، وجميع حصون / الاسماعيلية فكانت فتوحات مشهورة، فلمّا كملت عدة الأتراك أربعا وعشرين في سنة أربع وثمانين وسبعمائة (٢٥١) وكان رابع العشرين الملك الصّالح حجي بن الأشرف

стр. 413

شعبان بن الأمجد حسن بن النّاصر محمد بن قلاوون، وقد كان قلاوون وأولاده استكثروا من شراء المماليك الجراكسة، فاشترى الأتابك يلبغا (٢٥٢) العمري التركي مملوك بني أيوب برقوق، سمي بذلك لجحوظ عينيه فتنقلت به الأحوال إلى أن صار أمير مائة ألف مقدم، فكان أتابك للملك الصّالح (٢٥٣)، فلمّا بلغ الملك الصّالح عشر سنين ليس له من السّلطنة غير الاسم، ألزم الأمير الأتابك يلبغا (٢٥٢) العمري برقوق أن يخلع الملك الصّالح ويتولّى السّلطنة بدله فخلعه يوم الأربعاء سابع (٢٥٤) عشر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة (٢٥٥)، وتولّى السّلطنة بعده، فكان أول الجراكسة (٢٥٦)، السّلطان الملك الظاهر سيف الدّين أبو سعيد برقوق ابن أبيض العثماني الجركسي، جلبه عثمان بن مسافر فنسب إليه فتولّى من الجراكسة اثنان وعشرون ملكا آخرهم الغوري الآتي ذكره، عند ذكر الدّولة العثمانية، وكانت مدة ملكهم مائة وتسعة وثلاثين سنة، فسبحان مفني الأمم ومزيل الدّول (٢٥٧).

стр. 414

المقالة السّادسة في ذكر خلفاء بني أميّة بالأندلس وذكر الطوائف بعدهم بنو أميّة: ولمّا انقرضت دولة بني أميّة من المشرق، وانتقل بعض من أفلت منهم إلى المغرب كان / منهم عبد الرّحمان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ويسمّى صقر (١) بني أميّة، وكانت أمّه بربرية اسمها راح نفزية (٢)، فلحق بأخواله من نفزة (٣) وكتب إلى من بالأندلس من صنائعهم، ثم لحق بهم وملك الأندلس في السّنة الثّامنة أو التّاسعة والثلاثين ومائة (٤)، وأقام بالأندلس ملكا كبيرا له ولعقبه، وتوفي لخمس بقين من ربيع الآخرة في سنة اثنتين وسبعين ومائة (٥). وولي بعده ولده هشام، فكان ملكا جليلا صالحا متقشّفا، وغزا وفتح الكثير، ولم تطل أيامه فهلك في صفر سنة ثمانين ومائة (٦). وولي بعده ولده الحكم ولقب «بالرضي»، وقام عليه أهل الرّبض (٧)، فأظفره

стр. 415

الله بهم، ووضع السيف فيهم ثلاثة أيام، وتوفي لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين (٨). وولي الأمر بعده عبد الرحمان ولده (٩)، وهو أول من فخم الملك بالأندلس، ونوّه الألقاب، واستكثر الوزراء، ثم توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين (١٠). وولي بعده محمّد، فكان ملكا كبيرا شبيها بعبد الملك بن مروان، وكان آية في تحقيق الحساب، آخذا بحظ من الشعر والكتابة، وتوفي في ربيع الأول (١١) سنة ثلاث وسبعين ومائتين (١٢). وولي بعده ولده المنذر، وكان شهما حازما، ومات محاصرا ابن حفصون (١٣). وولي بعده أخوه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان، وكان عفّا فاضلا، وفي أيامه تناهت الفتنة (١٤)، وضاقت عليه الحضرة / واشتدّ عليه كلب ابن حفصون (١٥)، فشمّر وبرز بمن معه ففتح الله عليه، واستوسقت له الطاعة، وابن حفصون هذا هو عمر بن حفصون كان أبوه من مسلمة أهل الذمة، وكان شجاعا ثائرا، اشتهر وضمّ إليه الأشرار، وملك مدينة يشتر (١٦)، وانقادت إليه الجهات، وتمادى الأمر فيه وفي عقبه أزيد من تسعين سنة شقيت بهم المروانية ما شاء الله. ولمّا توفي عبد الله (١٧) تولى الأمر بعده حفيده عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله، النّاصر لدين الله، وكانت الأرض تضطرم نارا وشقاقا، فأخمد نيرانها، وسكّن زلزالها، وتسمّى «بأمير المؤمنين»، وكان كثير الغزو، فأوقع الرّوم عليه هزيمة تسمّى وقعة الخندق، ثم (١٨) أغزى قوّاده، ففتح الله عليه فتوحات كثيرة، وطال عمره، فبنى

стр. 416

مدينة الزّهراء، وله الأثر في مسجد قرطبة وجسرها وغير ذلك (١٩)، وكانت وفاته سنة خمسين وثلاثمائة (٢٠). وولي الأمر بعده ولده الحكم بن عبد الرحمان الملقب «بالمستنصر بالله» أبو العاص، ولي الملك [وهو] ابن خمسين سنة، وبلغ من تناهي الجلالة وحسن السّيرة وبراعة العلم وتخليد الآثار ما لم يبلغه أحد من قومه، ثم توفي سنة ست وستين وثلاثمائة (٢١). وبويع بعده لولده هشام المؤيد وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وعليه انشقت عصا الأمّة، عقد له البيعة أبو عامر محمّد بن أبي عامر المعافري، وجرت عليه / حجابته وحجابة ولديه من بعده إلى أن مضى لسبيله، ولم تتحقق وفاته (٢٢). وهذا محمّد ابن أبي عامر تلقب «بالمنصور» (٢٣)، وكان صاحب السّياسة المشهورة، والغزوات العظيمة التي دوّخ بها البلاد، وروّع الأقطار، وسبى المدن، ذكر أنه انصرف من غزوة سمورة بتسعة آلاف فارس من السبي. ولمّا توفي تولى الحجابة بعده ولده المظفر عبد الملك، فاقتفى سيرة أبيه في الجهاد والفتوحات العظيمة، وتوفي منصرفا من غزوته لشانجة بن غرسية ملك جليقية في صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (٢٤). وتولّى الأمر بعده أخوه عبد الرحمان بن أبي عامر الملقّب «بشنجوال» ثم قتل لما وثب ابن عبد الجبار بالخلافة، وانقضت الدّولة العامرية، وانقضت بقضائها دولة الجماعة. وابن عبد الجبار هذا هو المهدي محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمان النّاصر لدين الله (٢٥)، وكان مقداما جسورا. فلمّا توفي عبد الملك بن أبي عامر - المتقدّم الذكر -، وخرج أخوه عبد الرحمان

стр. 417

إلى غزواته وخلى البلد من الجند، وثب هو (٢٦)، فملك القصر وأخذ بيعة النّاس لنفسه، وبلغ الخبر ابن أبي عامر فقفل ظانّا أن الريح تنشاله، فقتل لمّا خذله النّاس. فلمّا استوسق الأمر للمهدي أظهر جنازة ادّعى أنها جنازة هشام، وخالف أمراء عسكره البربر، فنافروه، وبايعوا سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمان النّاصر [ولقّبوه بالمستعين بالله] (٢٧) واستعان بالجلالقة (٢٨)، / وقصد قرطبة فنالها، ولم يطق المهدي مدافعته فاتّقاه بالانخلاع، وأخفى نفسه إلى أن لحق بطليطلة، فاستجاش أيضا بجمع الرّوم (٢٨) وزحف إلى قرطبة فكان له الظّهور على سليمان، وجمع البربر وأزعجهم، فانتدبوا إلى حوز الخضراء، وخيّموا بوادي جازوت (٢٩) يرومون الجواز إلى بلادهم، وتبعهم عقب الظّهور عليهم المهدي، وناجزهم الحرب فاستماتوا واستبصروا في حربه، فنصرهم الله عليه، وهزموه أقبح هزيمة (٣٠)، وتبعوه إلى قرطبة وحاصروه واختلّت أحواله، وأعملت عليه الحيلة، فقتل. وأخرج هشام المؤيّد للناس فلم يستقم الأمر [وقتل] (٣١). واستولى سليمان بن الحكم أمير البربر على الخضراء فظهر عليه علي بن حمّود بن ميمون بن علي بن عبيد الله بن عمر بن أدريس بن أدريس بن حسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقال إن هشاما المحجوب لمّا شعر بالهلاك خاطب ابن حمّود بسبتة يستنصر به ويقلّده دمه والطّلب بثأره، ويفضي إليه بعهده، فتحرّك سنة خمس وأربعمائة (٣٢) وبرز إليه سليمان بن الحكم فانهزم سليمان وقبض عليه وعلى أخيه وأبيه وسيقوا إلى علي بن حمّود فضرب أعناقهم بيده وفاء لهشام. وتمّت البيعة لعلي بن حمّود، وكان فظّا شديدا، اغتاله صبيته من مماليكه الصقالبة في الحمّام، فقتلوه غرة ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة (٣٣).

стр. 418

وتولّى أمره من بعده أخوه القاسم، ثم نازعه يحيى بن علي بن حمّود / وفرّ من قرطبة وتملّكها منهم طائفة كثيرة، فاجتمع الموالي العامريون بشرق الأندلس على مبايعة عبد الرّحمان بن محمد الملقّب «بالمرتضي» وتحركوا به فنزلوا غرناطة وبها أمير صنهاجة فناجزهم الحرب فهزمهم، وقتل الخليفة المرتضي، ولمّا أعيى الناس نزاع بني حمّود بقرطبة بايعوا من بقايا المروانيّة أبا البقاء عبد الرحمان بن هشام بن عبد الجبّار، وكان ذكيّا أديبا بارعا، ولم يكن له عيب إلاّ أن نقم العامّة عليه لايواء طائفة من البربر، فوثبوا عليه ولم يشعر إلاّ وقد تسوّروا عليه من فوق حيطان القصر، فقتل وبويع لابن عمّه «المستكفي» وهو محمّد بن عبد الرحمان [بن عبيد الله بن] النّاصر، فلم يضطلع بالأمر، وأخلد إلى الرّاحة فضعف أمره، واتّفق الملأ على خلعه فخرج على وجهه مستترا، فهلك بحصن أقليش (٣٤)، وكانت دولته سبعة عشر شهرا (٣٥). فقام [وصار أهل قرطبة إلى طاعة المعتلي، ثم نقضوها وبايعوا] (٣٦) هشام بن محمد من ولد النّاصر أخو المرتضي (٣٧) وكان مقيما بحصن البنت لجأ إلى أميره (٣٨) عند هلاك أخيه المرتضي وبويع (٣٩) له بقرطبة سنة عشرين وأربعمائة (٤٠)، واستدعي من حيث ذكر، وتقلّد الأمر في سنّ الشّيخوخة وقعد على سرير الملك، ثم اجتمع الملأ على خلعه، وهو آخر الأمويين (٤١).

стр. 419

ملوك الطوائف: ولمّا تبدّد شمل الجماعة من بني أميّة جاءت دول (٤٢) الطوائف، فقام بكلّ خطة من بلاد الأندلس ملك، فكان لكلّ ملك ما بيده، فضبط أشراف العملات أزمّة أمورهم، وركبوا ظهور غرورهم، فتنافسوا في انتحال الألقاب السّلطانية، / فأتوا بكلّ شنيعة (٤٣)، فاقتسم أقطار الأندلس الطوائف. فضبط (٤٤) قرطبة بعد خلع المعتز (٤٥) أبو الحزم بن جهور (٤٦) ولتوفّر خصاله اجتمعوا (٤٧) عليه فأعطوا القوس باريها، فحمل أمرهم من السياسة ومسالمة من يجاوره من الملوك، وتوفي أبو الحزم سادس محرّم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (٤٨). وولي مكانه ولده أبو الوليد (٤٩)، فاقتفى سنن أبيه ولمّا أدركه الهرم استناب ولده عبد الملك (٥٠)، فاشتغل باللهو، وطمع ابن ذي النّون في قرطبة، وتحرّك إليها فاستغاث (٥١) بنو جهور (٤٦) بجارهم ابن عبّاد أمير إشبيلية، فوجّه إليهم عددا من جيشه لنظر وزيره فدخلها وحماها من ابن ذي النّون، فلمّا انصرف عنها ثار العبّاديون بعبد الملك بن جهور (٤٦) واستولوا على المدينة في سنة اثنتين (٥٢) وسبعين وأربعمائة (٥٣). وقام في حمص (٥٤) بنو عبّاد وأول من ترأس منهم رئاسة السّيف (٥٥) القاضي

стр. 420

أبو القاسم محمد بن عبّاد (٥٦) بن محمّد بن اسماعيل بن قريش بن عبّاد، وكان رجل المغرب قاطبة، له الاشارة والصّيت، ولمّا انقرضت الدولة [الأموية] أسند إليه أهل قطره النّظر والتسديد، فاستبدّ بالأمر. ولمّا توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة (٥٧) قام بالأمر ولده أبو عمرو عباد [وتلقّب] «المعتضد بالله»، وهو أبعد ثوّار الأندلس همّة، وأشدّهم بأسا، وأفخمهم أثرا، جمع خزانة مملوءة من رؤوس الملوك (٥٨) البائدين بسيفه، وكانت وفاته سنة احدى وستين وأربعمائة (٥٩). وولي بعده ولده محمد «المعتمد على الله»، وعليه انقرض أمرهم / كما يأتي على يد يوسف بن تاشفين. وقام بنو حمّود الادريسيين بقرطبة وسبتة وقد تقدّم خبرهم. وقام بسرقطة [والثغر الأعلى] منذر (٦٠) [بن يحيى التّجيبي] (٦١) وكان كريما وهّابا للقصّاد. وتولّى بعد موته [ابنه يحيى وتلقّب المظفّر، ثم صارت إلى] (٦٢) سليمان بن هود الجذامي (٦٣)، وله أعقاب لهم آثار وأخبار شهيرة، فكان من أعقابه آخرهم (٦٤) محمّد ابن يوسف، فاستولى على مرسية، وملك منها الأندلس، وقام بدعوة العبّاسيين، وعليه كان قيام دولة بني نصر كما يأتي. وقام ببطليوس الحاجب المنصور أبو بكر محمّد بن عبد الله بن مسلمة [التّجيبي] (٦٥) المدعو بابن الأفطس أصله من تجيب (٦٦)، كان أديبا جليلا، وقال ابن حيان: كان

стр. 421

عبد الله أبوه رجلا من مكناسة خدم سابور ببطليوس، وتغلّب عليه ثم ورثه ملكه، ثم أورثه المظفّر أبا بكر، ثم انتهى إلى عمر ولده، وكان من هلاكه وولده صبرا عندما تغلّب الملثمون على رؤساء الطوائف ما هو معروف. وقام بغرناطة حبّوس (٦٧) بن بلكّين (٦٨) بن زيري بن مناد ملك عمّه الحاجب المنصور بن زيري بن مناد كورة إلبيرة (٦٩) وما جاورها نحو سبع سنين، ثم رحل (٧٠) عن الأندلس إلى بلاده عام عشرين وأربعمائة (٧١)، واستخلف ابن أخيه حبّوس بن بلكّين فتوسّع النّظر إلى أن مات، وولي بعده ولده باديس الحيّة الذكر، فضخم ملكه واشتهرت سطوته ودهاؤه. وولي بعده حفيده عبد الله بن بلكّين بن باديس، فخلعه أمير الملثمين سنة ثلاث وأربعمائة (٧٢)، وغربه إلى أغمات. وقام بالجوف (٧٣) / بنو ذي النّون (٧٤)، وأوّل من ثار بطليطلة الحاجب الظّافر اسماعيل بن عبد الرحمان [بن ذي النّون] (٧٥) الملقّب بناصر الدّولة، ثم عهد إلى ابنه يحيى الملقّب بالمأمون ذي المجدين، ثم ملك بعده حفيده أيضا يحيى الملقّب «بالظافر» ومنه انتزع (٧٦) الأدفونش (٧٧) طليطلة. وقام بالمرية النجيب ذو الوزارتين أبو الأحوص [المعتصم] معن بن محمد بن عبد الرحمان بن صمادح [التّجيبي] (٧٨) وكان رجل المشرق رأيا ودهاء ولسانا، وعارضه

стр. 422

ولي المريّة بعد زهير الصقلي، وقد خلفه عليها، فامتنع عنه بها، ثم تصير الأمر بعد إلى إبنه أبي يحيى محمّد، ومات زمن حصار الملثمين له، وفرّ ولده حسام (٧٩) الدولة إلى العدوة الشرقية (٨٠)، فاستقرّ بها في جملته. وقام بنو طاهر بشاطبة وغيرها من شرق الأندلس، وقام طاهر وزعيم بينهم ذو الوزارتين أبو عبد الله ومدّ له في البقاء إلى أن أسّر عند التغلّب على بلنسية. وقام ذو الرئاستين أبو مروان عبد الملك بن رزيق، ويدعى «حسام الدّولة» فاستبدّ بالسعلة - وهي بلد كبير وسط بين الثغر الأعلى منها والأدنى - شهير بالمنع. وقام من الصقالبة عدة كانوا مماليك المنصور بن عامر الذي ولاّهم البلاد، ومنهم خيران ملك المريّة وما يليها، وزهير ومجاهد ملكا مدينة دانية، ومظفّر ومبارك ملكا بلنسية، وملك لبيب ما بعدهما. ولمّا كثرت ملوك الطوائف اختلفت الكلمة، وتباينت الآراء، وانشقّت العصا، فصار أهل الدّين في أيدي عدوهم / قتلا ونهبا وأسرا، فاستولى الأدفونش على طليطلة أصل قاعدة الأندلس سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٨١)، وفي أخذها يقول أبو محمد عبد الله المعروف بابن العسال الطليطلي: [بسيط] حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها الا من الغلط السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثورا من الوسط ومن جاور الشرّ لا يأمن عواقبه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط وصار الخبيث متحكّما على المسلمين، وصاروا يؤدون له الضّرائب، ثم ردّها عليهم طمعا في البلاد الأندلسية بأسرها، فاتّسع الخرق على الرّاقع ولم ينقطع أمل الطّامع إلى أن دخلها يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى.

стр. 423

المقالة السّابعة في ذكر ملوك لمتونة وهم الملثمون بالعدوة والأندلس بداية المرابطين: أصل هذه الطائفة أنهم قبيلة من حمير (١) بن سبأ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاة، يسكنون الصّحارى الجنوبيّة، وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من شعر ووبر، ويسمّون المرابطين لكثرة رباطهم، فكانوا بالصّحراء المجاورة للسودان، وكان الذي جمع أمرهم وقرّر قواعد الاسلام لديهم عبد الله بن ياسين (٢) الفقيه، فهو الذي حرّضهم على القتال (٣) وأطمعهم في البلاد، وقتل في حرب ابن حواط فقام مقامه (٤) وعقد أمرهم يحيى بن عمر بن تلاككين (٥) المدعو «بأمير الجّن».

стр. 424

ثم بعده صار الأمر إلى أخيه أبي بكر بن عمر، «وكان رجلا ساذجا خير الطّباع، مؤثرا لبلاده على بلاد المغرب، غير مائل إلى الرفاهية» (٦). وفي / بعض التّواريخ كان أول مسير لمتونة من اليمن في زمن أبي بكر الصدّيق - رضي الله تعالى عنه - سيّرهم إلى جهة الشّام، ثم انتقلوا إلى مصر، ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وأحبّوا الانفراد فدخلوا إلى الصّحراء واستوطنوها إلى سنة أربعين وأربعمائة (٧). وكان من أمرهم أنهم ينتسبون إلى حمير، فلمّا كانت هذه السّنة توجه رجل منهم اسمه (يحيى بن ابراهيم) (٨) من قبيلة جدالة إلى إفريقية طالبا الحجّ، فلمّا عاد استصحب معه فقيها من القيروان يقال له عبد الله بن ياسين (٩) ليعلّم أهل تلك البلاد دين الاسلام، فانه لم يبق فيهم غير الشّهادتين والصّلاة في بعضهم، فتوجّه عبد الله مع يحيى (٨) حتى أتيا قبيلة لمتونة وهي قبيلة يوسف بن تاشفين، فدعاهم إلى العمل بشرائع الاسلام فأجاب أكثرهم، وامتنع أقلّهم، فقال الفقيه للمجيبين: يجب عليكم قتال المخالفين فأقيموا لكم أميرا: فقالوا: أنت أميرنا، فامتنع الفقيه وقال ليحيى بن ابراهيم (١٠): أنت الأمير، فامتنع أيضا، ثم اتّفقا على يحيى (١١) بن عمر رأس قبيلة لمتونة فعرضا عليه فقبل، وعقدت له البيعة وسمّاه الفقيه «أمير المسلمين» واجتمع إليه خلق كثير، وحرّضهم الفقيه على الجهاد وسمّاهم المرابطين (١٢)، فقتلوا المخالفين. ثم جرى بين المرابطين وبين أهل السوس قتال شديد، قتل فيه الفقيه، وكان برّ العدوة لقبيلة زناتة وكان أمراؤهم ضعافا، فخرج أبو بكر بن عمر من الصّحراء على أهل العدوة / في ثلاثين ألف جمل مسرّج، وكانوا مشهورين بالرّمي والطّعن، فلم تقاومهم زناتة، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط. وكان يوسف

стр. 425

ابن تاشفين مقدّم جيش أبي بكر وكان خروجهم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (١٣)، ففتحوا سجلماسة بعد حصار ومقاتلة شديدة وحروب أجلت عن ظهورهم على زناتة. يوسف ابن تاشفين وحروبه الموفّقة في الأندلس: ثم خرج أبو بكر سنة أربع وخمسين وأربعمائة (١٤) «لأنه سمع أن عجوزا في بلاده ذهبت لها ناقة، فبكت وقالت: ضيّعنا أبو بكر بدخوله إلى بلاد المغرب، فحمله على ذلك أن استخلف على بلاد المغرب يوسف بن تاشفين ورجع هو إلى بلاده الجنوبية» (١٥) ومات في حرب السّودان. «وكان يوسف رجلا شجاعا عادلا مقداما [اختط بالمغرب مدينة مراكش] (١٦). فلمّا تمهّدت له البلاد تاقت نفسه إلى العبور إلى بلاد الأندلس، وكانت محصّنة بالبحر، فأنشأ شواني ومراكب وأراد العبور إليها، فلمّا علم ملوك الأندلس بما يرومه أعدّوا له عدّة من المراكب والمقاتلة وكرهوا إلمامه بجزيرتهم، إلاّ أنهم استهولوا جمعه واستفظعوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين عدوّين: الافرنج من شمالهم، والملثّمون من جنوبهم، وكانت الافرنج تشدّ وطأتها عليهم، إلاّ أن ملوك الأندلس كانت ترهب الافرنج باظهار موالاتهم لملك المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له اسم كبير لنقله دولة زناتة وملك الغرب / إليه في أسرع وقت، وكان قد ظهر لأبطال الملثّمين في المعارك ضربات بالسّيوف تقدّ الفارس وطعنات تنظّم الكلى، فكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم. وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظلّ يوسف بن تاشفين ويحذّرونه على ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلمّا رأوا عزيمته متقدّمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض، وتكاتبوا ليستنجدوا آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لكونه أشجع القوم وأكبرهم مملكة، فوقع اتّفاقهم على مكاتبته [وقد تحققوا أنه يقصدهم] (١٧)
следующие страницы →