← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عبد الله أبوه رجلا من مكناسة خدم سابور ببطليوس، وتغلّب عليه ثم ورثه ملكه، ثم أورثه المظفّر أبا بكر، ثم انتهى إلى عمر ولده، وكان من هلاكه وولده صبرا عندما تغلّب الملثمون على رؤساء الطوائف ما هو معروف. وقام بغرناطة حبّوس (٦٧) بن بلكّين (٦٨) بن زيري بن مناد ملك عمّه الحاجب المنصور بن زيري بن مناد كورة إلبيرة (٦٩) وما جاورها نحو سبع سنين، ثم رحل (٧٠) عن الأندلس إلى بلاده عام عشرين وأربعمائة (٧١)، واستخلف ابن أخيه حبّوس بن بلكّين فتوسّع النّظر إلى أن مات، وولي بعده ولده باديس الحيّة الذكر، فضخم ملكه واشتهرت سطوته ودهاؤه. وولي بعده حفيده عبد الله بن بلكّين بن باديس، فخلعه أمير الملثمين سنة ثلاث وأربعمائة (٧٢)، وغربه إلى أغمات. وقام بالجوف (٧٣) / بنو ذي النّون (٧٤)، وأوّل من ثار بطليطلة الحاجب الظّافر اسماعيل بن عبد الرحمان [بن ذي النّون] (٧٥) الملقّب بناصر الدّولة، ثم عهد إلى ابنه يحيى الملقّب بالمأمون ذي المجدين، ثم ملك بعده حفيده أيضا يحيى الملقّب «بالظافر» ومنه انتزع (٧٦) الأدفونش (٧٧) طليطلة. وقام بالمرية النجيب ذو الوزارتين أبو الأحوص [المعتصم] معن بن محمد بن عبد الرحمان بن صمادح [التّجيبي] (٧٨) وكان رجل المشرق رأيا ودهاء ولسانا، وعارضه

стр. 422

ولي المريّة بعد زهير الصقلي، وقد خلفه عليها، فامتنع عنه بها، ثم تصير الأمر بعد إلى إبنه أبي يحيى محمّد، ومات زمن حصار الملثمين له، وفرّ ولده حسام (٧٩) الدولة إلى العدوة الشرقية (٨٠)، فاستقرّ بها في جملته. وقام بنو طاهر بشاطبة وغيرها من شرق الأندلس، وقام طاهر وزعيم بينهم ذو الوزارتين أبو عبد الله ومدّ له في البقاء إلى أن أسّر عند التغلّب على بلنسية. وقام ذو الرئاستين أبو مروان عبد الملك بن رزيق، ويدعى «حسام الدّولة» فاستبدّ بالسعلة - وهي بلد كبير وسط بين الثغر الأعلى منها والأدنى - شهير بالمنع. وقام من الصقالبة عدة كانوا مماليك المنصور بن عامر الذي ولاّهم البلاد، ومنهم خيران ملك المريّة وما يليها، وزهير ومجاهد ملكا مدينة دانية، ومظفّر ومبارك ملكا بلنسية، وملك لبيب ما بعدهما. ولمّا كثرت ملوك الطوائف اختلفت الكلمة، وتباينت الآراء، وانشقّت العصا، فصار أهل الدّين في أيدي عدوهم / قتلا ونهبا وأسرا، فاستولى الأدفونش على طليطلة أصل قاعدة الأندلس سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٨١)، وفي أخذها يقول أبو محمد عبد الله المعروف بابن العسال الطليطلي: [بسيط] حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها الا من الغلط السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثورا من الوسط ومن جاور الشرّ لا يأمن عواقبه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط وصار الخبيث متحكّما على المسلمين، وصاروا يؤدون له الضّرائب، ثم ردّها عليهم طمعا في البلاد الأندلسية بأسرها، فاتّسع الخرق على الرّاقع ولم ينقطع أمل الطّامع إلى أن دخلها يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى.

стр. 423

المقالة السّابعة في ذكر ملوك لمتونة وهم الملثمون بالعدوة والأندلس بداية المرابطين: أصل هذه الطائفة أنهم قبيلة من حمير (١) بن سبأ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاة، يسكنون الصّحارى الجنوبيّة، وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من شعر ووبر، ويسمّون المرابطين لكثرة رباطهم، فكانوا بالصّحراء المجاورة للسودان، وكان الذي جمع أمرهم وقرّر قواعد الاسلام لديهم عبد الله بن ياسين (٢) الفقيه، فهو الذي حرّضهم على القتال (٣) وأطمعهم في البلاد، وقتل في حرب ابن حواط فقام مقامه (٤) وعقد أمرهم يحيى بن عمر بن تلاككين (٥) المدعو «بأمير الجّن».

стр. 424

ثم بعده صار الأمر إلى أخيه أبي بكر بن عمر، «وكان رجلا ساذجا خير الطّباع، مؤثرا لبلاده على بلاد المغرب، غير مائل إلى الرفاهية» (٦). وفي / بعض التّواريخ كان أول مسير لمتونة من اليمن في زمن أبي بكر الصدّيق - رضي الله تعالى عنه - سيّرهم إلى جهة الشّام، ثم انتقلوا إلى مصر، ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وأحبّوا الانفراد فدخلوا إلى الصّحراء واستوطنوها إلى سنة أربعين وأربعمائة (٧). وكان من أمرهم أنهم ينتسبون إلى حمير، فلمّا كانت هذه السّنة توجه رجل منهم اسمه (يحيى بن ابراهيم) (٨) من قبيلة جدالة إلى إفريقية طالبا الحجّ، فلمّا عاد استصحب معه فقيها من القيروان يقال له عبد الله بن ياسين (٩) ليعلّم أهل تلك البلاد دين الاسلام، فانه لم يبق فيهم غير الشّهادتين والصّلاة في بعضهم، فتوجّه عبد الله مع يحيى (٨) حتى أتيا قبيلة لمتونة وهي قبيلة يوسف بن تاشفين، فدعاهم إلى العمل بشرائع الاسلام فأجاب أكثرهم، وامتنع أقلّهم، فقال الفقيه للمجيبين: يجب عليكم قتال المخالفين فأقيموا لكم أميرا: فقالوا: أنت أميرنا، فامتنع الفقيه وقال ليحيى بن ابراهيم (١٠): أنت الأمير، فامتنع أيضا، ثم اتّفقا على يحيى (١١) بن عمر رأس قبيلة لمتونة فعرضا عليه فقبل، وعقدت له البيعة وسمّاه الفقيه «أمير المسلمين» واجتمع إليه خلق كثير، وحرّضهم الفقيه على الجهاد وسمّاهم المرابطين (١٢)، فقتلوا المخالفين. ثم جرى بين المرابطين وبين أهل السوس قتال شديد، قتل فيه الفقيه، وكان برّ العدوة لقبيلة زناتة وكان أمراؤهم ضعافا، فخرج أبو بكر بن عمر من الصّحراء على أهل العدوة / في ثلاثين ألف جمل مسرّج، وكانوا مشهورين بالرّمي والطّعن، فلم تقاومهم زناتة، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط. وكان يوسف

стр. 425

ابن تاشفين مقدّم جيش أبي بكر وكان خروجهم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (١٣)، ففتحوا سجلماسة بعد حصار ومقاتلة شديدة وحروب أجلت عن ظهورهم على زناتة. يوسف ابن تاشفين وحروبه الموفّقة في الأندلس: ثم خرج أبو بكر سنة أربع وخمسين وأربعمائة (١٤) «لأنه سمع أن عجوزا في بلاده ذهبت لها ناقة، فبكت وقالت: ضيّعنا أبو بكر بدخوله إلى بلاد المغرب، فحمله على ذلك أن استخلف على بلاد المغرب يوسف بن تاشفين ورجع هو إلى بلاده الجنوبية» (١٥) ومات في حرب السّودان. «وكان يوسف رجلا شجاعا عادلا مقداما [اختط بالمغرب مدينة مراكش] (١٦). فلمّا تمهّدت له البلاد تاقت نفسه إلى العبور إلى بلاد الأندلس، وكانت محصّنة بالبحر، فأنشأ شواني ومراكب وأراد العبور إليها، فلمّا علم ملوك الأندلس بما يرومه أعدّوا له عدّة من المراكب والمقاتلة وكرهوا إلمامه بجزيرتهم، إلاّ أنهم استهولوا جمعه واستفظعوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين عدوّين: الافرنج من شمالهم، والملثّمون من جنوبهم، وكانت الافرنج تشدّ وطأتها عليهم، إلاّ أن ملوك الأندلس كانت ترهب الافرنج باظهار موالاتهم لملك المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له اسم كبير لنقله دولة زناتة وملك الغرب / إليه في أسرع وقت، وكان قد ظهر لأبطال الملثّمين في المعارك ضربات بالسّيوف تقدّ الفارس وطعنات تنظّم الكلى، فكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم. وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظلّ يوسف بن تاشفين ويحذّرونه على ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلمّا رأوا عزيمته متقدّمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض، وتكاتبوا ليستنجدوا آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لكونه أشجع القوم وأكبرهم مملكة، فوقع اتّفاقهم على مكاتبته [وقد تحققوا أنه يقصدهم] (١٧)

стр. 426

يسألونه الاعراض عنهم وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتابا وهو: «أما بعد، فانك إن أعرضت عنّا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا (١٨)، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك (١٩)، فانك بالمحلّ الذي لا يجب (٢٠) أن تسبق فيه إلى مكرمة، وان في استبقائك ذوي البيوتات ما شئت من دوام أمرك وثبوته والسلام». فلمّا جاء ذلك الكتاب مع تحف وهدايا - وكان يوسف لا يعرف اللّسان العربي، لكنّه كان يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغة العربية والمرابطية - فقال له: أيها الملك، هذا كتاب من ملوك الأندلس يعظّمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك [وتحت] طاعتك، ويلتمسون منك / أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي، فانهم مسلمون ومن ذوي البيوتات، فلا تغير لهم، وكفاهم ما وراءهم من الأعداء الكفّار، وبلدهم ضيّق لا يحتمل العساكر، فاعرض عنهم إعراضك عمّن أطاعك من أهل المغرب، فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت؟ فقال: أيّها الملك، اعلم أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يردّ بابه خليق بما حصل في يده من الملك أن يعفو اذا استعفي وأن يهب اذا استوهب، وكلّما وهب جزيلا كان أعظم لقدره، [فاذا عظم قدره] (٢١) تأصل ملكه، واذا تأصّل ملكه تشرّف النّاس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفا جاءه النّاس ولم يقتحم (٢٢) المشقّة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك آخرته، واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء البصراء بطريق تحصيل الملك، قال: من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد، فلمّا ألقى الكاتب هذا الكلام على يوسف بن تاشفين بلغته فهمه وعلم أنّه صحيح، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب (٢٣) في ذلك، واقرأ عليّ كتابك، فكتب الكاتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحيّة من سالمكم (٢٤)، وسلم إليكم، وحكّمه التأييد

стр. 427

والنّصر فيما حكم عليكم، وانكم بما في أيديكم من الملك في أوسع اباحة، مخصصون منّا بأكرم إيثار وسماحة فاستديموا وفاءنا / بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا باصلاح إخائكم، والله تعالى ولي (٢٥) التوفيق لنا ولكم، والسلام». فلمّا فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه، وقرن به يوسف درقا لمطيّة ممّا لا يكون إلاّ في بلاده - واللّمطية بفتح اللام وسكون الميم بعدها طاء مهملة ثم ياء مشددة مثناة من تحت بعدها هاء ساكنة، نسبة إلى لمطة، وهي بليدة بالسوس الأقصى - (٢٦)، وأنفذ ذلك إليهم. فلمّا وصل كتابه أحبوه وعظموه وفرحوا بولايته، وتقوت أنفسهم على دفع الافرنج، وأزمعوا إن رأوا من ملك الافرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين، ويكونوا من أعوانه على ملك الافرنج، فتحصّل ليوسف برأي وزيره ما أراد من محبّة أهل الأندلس له، وكفاه الحرب لهم. ثم ان الادفونش (٢٧) بن فرذلند (٢٨) صاحب طليطلة قاعدة ملك الافرنج، أخذ يجوس خلال الدّيار ويفتتح الأندلس ويشترط على ملوكهم ويطلب البلاد منهم، خصوصا المعتمد بن عبّاد، فانه كان مقصودا، فنظر المعتمد في أمره فرأى أن الادفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين إلى العبور، على ما فيه من الخطر، وعلم أن مجاورة (٢٩) يوسف عين الخسر مؤذنة بالبوار، وكان الافرنج والملثّمون ضدّين له، إلاّ أنه قال: إن دهينا من مداخلة الأضداد فأهون الأمرين أمر الملثّمين، ولئن يرعى أولادنا / جمالهم أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الافرنج، ولم يزل هذا الرّأي نصب عينيه مهما اضطر إليه. وان الادفونش خرج في بعض السّنين يتخلل بعض بلاد الأندلس في جمع كثير من الافرنج فخافه ملوك الأندلس على البلاد، وأجفل أهل القرى والرساتيق من بين يديه ولجأوا إلى المعاقل، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت

стр. 428

مؤثرا للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فاسرع في العبور إليه، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك، وكان يوسف بن تاشفين على أتمّ أهبة. وقيل أن الأدفونش كاتب أيضا يوسف (٣٠) يتهدده، وصورة كتابه (٣١): باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيّد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح، أما بعد فانه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا على ذي عقل لازب، أنك أمير الملّة الحنيفية، كما أني أمير الملّة النّصرانية، وقد علمت ما عليه أمراء الأندلس من التّخاذل والتّواكل واهمال الرّعية، وإخلادهم إلى الرّاحة والامنية (٣٢)، وأنا أسومهم بحكم القهر وجلاء (٣٣) الدّيار، وأسبي الذراري وأمثّل بالرجال، ولا عذر لك في التّخلّف عن نصرهم اذا أمكنتك يد القدرة، وأنتم تزعمون أن الله تعالى فرض عليكم (٣٤) قتال عشرة منّا بواحد منكم، «فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا» (٣٥)، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منّا، لا تستطيعون / دفاعا ولا تملكون امتناعا، وقد حكي [لي] عنك أنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك عاما بعد عام، ثم تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فلا أدري أكان الجبن أبطأ بك أم التّكذيب بما وعدك ربّك، ثم قيل لي انك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا لعلّة لا تسوغ لك التّقحم معها (٣٦)، فأنا أقول لك ما فيه الرّاحة لك، وأعتذر لك وعنك [على] أن تفي (٣٧) بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرّهان (٣٨)، وترسل إليّ جملة من عبيدك

стр. 429

بالمراكب والشواني والطرائد والمسطّحات، وأجوز بجملتي إليك، وأقاتلك في أعزّ الأمكنة لديك (٣٩) فان كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك، وهديّة عظيمة مثلت بين يديك، وان كانت لي كانت يدي العليا عليك، واستحقيت امارة الملّتين والحكم على البرّين، والله يوفق للسعادة ويسهّل (٤٠) الارادة، لا ربّ غيره ولا خير إلاّ خيره. فلمّا وصل كتابه إلى الأمير يوسف (٤١) مزّقه وكتب على ظهر قطعة منه ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٤٢) الجواب ما ترى لا ما تسمع (٤٣). [طويل] ولا كتب الا المشرفية عنده ... ولا رسل الا الخميس العرمرم (٤٤) فلمّا وقف (٤٥) عليه الأذفونش ارتاع لذلك وقال هذا رجل حازم. «فشرع (٤٦) يوسف في إجازة عساكره، فلمّا أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة، اعتدوا أيضا للخروج، فلمّا رأى الأذفونش / اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الافرنجة للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلاّ الله تعالى. ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجالا من الفريقين، كلّ أناس قد التفّوا على ملكهم. فلمّا عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغصّ الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملا (٤٧) قط، ولا كانت خيلهم رأت صورها ولا سمعت أصواتها، فكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأي مصيب، فكان يحدق بها معسكره، وكان يحضرها الحرب، وكانت خيل الافرنج تحجم عنها.

стр. 430

فلمّا تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش وكان نازلا بمكان أفيح من الأرض يسمّى الزلاّقة بالقرب من بطليوس، بين المكانين أربع فراسخ، وقدم يوسف بين يدي حربه للأذفونش كتابا على مقتضى السّنّة يعرض عليه الدّخول في الاسلام أو الحرب أو الجزية، ومن فصول كتابه: وبلغنا يا أذفونش أنّك دعوت إلى الاجتماع بك، وتمنّيت أن يكون لك فلك تعبر البحر عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (٤٨) فلمّا سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش [بحر] غيظه وزاد طغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه. ثم أن يوسف / ومن معه قصدوا الزلاّقة، فلمّا وافاها المسلمون نزلوا تجاه الافرنج بها، فاختار المعتمد بن عباد أن يكون هو المصادم لهم أوّلا، وأن يكون يوسف بن تاشفين اذا انهزم المعتمد بعسكره بين أيديهم وتبعوه، يميل عليهم بعساكره، وتتألّف معه عساكر الأندلس، فلمّا عزموا على ذلك وفعلوه خذل الله الافرنج وخالطتهم عساكر المسلمين واستمرّ القتل فيهم، فلم يفلت منهم غير الأذفونش في دون الثلاثين من أصحابه، فلحق ببلده على أسوء حال، فغنم المسلمون من خيله وأسلحته وأثاثه ما ملأ أيديهم خيرا. وكانت هذه الوقعة يوم الجمعة الخامس عشر من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة (٤٩)، وقيل في شهر رمضان في العشر الأواخر (٥٠) منه من تلك السّنة، ونقل ابن خلكان (٥١) عن البيّاسي أنه قال: كان حلول العساكر الاسلاميّة بالجزيرة الخضراء في المحرم سنة تسع وسبعين وأربعمائة (٥٢) فحكى أن موضع المعترك على اتّساعه ما كان فيه موضع قدم الا على جسد أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم، فلمّا حصلت عفّ يوسف بن تاشفين عنها وآثر بها ملوك الاندلس، وعرّفهم أنه ما كان مقصده الاّ الغزو، لا النّهب، فلمّا رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف بن تاشفين لهم بالغنائم استكرموه وأحبّوه وشكروا له.

стр. 431

ثمّ أن يوسف أزمع على الرجوع إلى بلاده، وكان عند قصده ملاقاة الأذفونش تحرّى المسير / بالعراء (٥٣)، من غير أن يمرّ بمدينة أو رستاق حتى نزل الزلاّقة تجاه الأذفونش، وهناك اجتمع بعساكر الأندلس. وذكر أبو الحجاج يوسف بن محمّد البيّاسي في «كتاب تذكير العاقل وتنبيه الغافل» أن إبن تاشفين نزل على أقلّ من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء وكان الموعد في المناجزة يوم السبت الآتي فغدر الأذفونش ومكر، فلمّا كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب من العام، أقبلت طلائع ابن عباد والرّوم في آثارها والنّاس على طمأنينة، فبادر ابن عباد للركوب، وانبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها، ووقع البهت (٥٤) ورجفت الأرض، وصارت النّاس فوضى (٥٥) على غير تعبئة ولا أهبة، ودهمتهم خيول العدو، فغمرت ابن عباد وحطّمت ما تعرض لها، وتركت الأرض حصيدا خلفها، وصرع ابن عباد وأصابه جرح أسوأه وفرّ (٥٦) رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم، وظنّوا أنها وهنة لا ترقع ونازلة لا تدفع، وظنّ الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتّقين، فركب أمير المسلمين وأحدق به أنجاد (٥٧) خيله ورجاله من صنهاجة ورؤساء القبائل، وقصدوا إلى محلّة الأذفونش ودخلوها وقتلوا حاميتها، فضربت الطّبول واهتزّت الأرض وتجاوبت الآفاق وتراجع الرّوم إلى محلاّتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين سالم فقصدوا أمير المسلمين فأفرج لهم عنها، ثم كرّ فأفرجهم منها ثمّ كرّوا عليه / فأفرج لهم عنها، ولم تزل الكرات تتوالى بينهم إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السّودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف، ودخلوا المعترك بدرق اللّمط وسيوف الهند ومزاريق الزان فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها وأجمحت عن أقرانها (٥٨)، وتلاحق الأذفونش بأسود (٥٩) يقذف مزاريقه، فأهوى ليضربه بالسيف، فلصق به الأسود وقبض على أعنته وانتضى خنجرا كان متمنطقا به، فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه وشكّ فخذه مع بداد سرجه، وكان وقت الزّوال من ذلك اليوم، فهبّت ريح النّصر وأنزل الله

стр. 432

سكينته على المسلمين ونصر دينه، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه، وأخرجوهم عن محلّتهم فولوا ظهورهم، وأعطوا أعناقهم، والسيوف تصفعهم إلى أن لحقوا بربوة فلجأوا إليها واعتصموا بها، وأحدقت بهم الخيل، فلمّا أظلم اللّيل انساب الاذفونش وأصحابه من الرّبوة، وأفلتوا بعدما نشبت فيهم أظفار المنيّة، واستولى المسلمون على ما كان في محلّتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة، وأمر ابن عباد بضمّ رؤوس القتلى من الرّوم فنشر منها كالتلّ العظيم» (٦٠). قال ابن أبي الهيجاء: «جمعت رؤوس القتلى فكانت عشرين ألف رأس، فبنوها أربع منائر وأذن المسلمون عليها»، ثم كتب (٦١) ابن عباد إلى ولده الرّشيد كتابا وأطار الحمام به في يوم السبت سادس عشر المحرم يخبره بالنّصر. وقد روي أيضا / أن أمير المسلمين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل إلى المريّة كتابه في هذا المعنى، وذكر فيه أن جماعة أفتوه بجواز طلب ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فقال أهل المريّة لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله بن الفراء (٦٢) أن يكتب جوابه، وكان القاضي من أهل الدّين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: أما بعد ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة [وتأخري عن ذلك] (٦٣) وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر ابن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - اقتضاها، وكان صاحب رسول الله ﷺ وضجيعه في قبره ولا يشكّ في عدله، فليس أمير المسلمين [بصاحب رسول الله ﷺ ولا بضجيعه في قبره ولا] (٦٤) ممّن لا يشكّ في عدله، فان كان الفقهاء والقضاة أنزلوك هذه المنزلة في العدل فالله سائلهم عن تقلّدهم فيك، وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت المال ينفقه عليهم، فلتدخل أنت المسجد الجامع هناك بحضرة أهل العلم (٦٥) وتحلف أن ليس عندك درهم واحد في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام» (٦٦).

стр. 433

ولمّا قضى أمير المسلمين من هذه الوقعة ما قضى أمر أن تشنّ الغارات على بلاد الافرنج، وأمّر عليهم سير (٦٧) بن أبي بكر، وطلب الرجوع في طريقه، فتقدم (٦٨) له ابن عباد / فعرج به إلى بلاده وسأله أن ينزل عنده، فأجابه يوسف إلى ذلك. فلمّا انتهى إلى اشبيلية مدينة المعتمد، وكانت من أجمل المدن منظرا، ونظر إلى موضعها والى نهر عظيم [مستبحر] (٦٩) تجرى فيه السفن بالبضائع جالبة من برّ المغرب وحاملة إليه، في غربيه رستاق عظيم مسيرة عشرين فرسخا يشتمل على آلاف من الضّياع كلّها تين وعنب وزيتون، وهذا الموضع هو المسمّى شرف اشبيلية وتمير بلاد المغرب كلّها من هذه الأصناف، وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء، وفيها أنواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب والملبوس والمفروش وغير ذلك، فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين [في أحدها] (٧٠) ولم يزل أصحابه (٧١) ينبهونه على تأمّل تلك الحال وما هو عليه من النّعمة، ويغرونه (٧٢) باتّخاذ مثلها لنفسه ويقولون [له]: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتّنعّم واللّذة كما هو عليه المعتمد وأصحابه، وكان يوسف بن تاشفين مقتصدا في أموره غير متطاول ولا مبذّر، ولا متنوّق في صنوف (٧٣) الملاذ بالأطعمة وغيرها، وكان قد ذهب صدر عمره في بلاده في شظف العيش، فأنكر على مغريه بذلك الاسراف، وقال: الذي يلوح من أمر هذا الرجل - يعني المعتمد - أنه مضيّع لما في يديه من الملك، لأن هذه الأموال التي تعينه في هذه الأحوال لا بدّ أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل / أبدا فأخذه بالظّلم وأخرجه من هذه النزهات وهذا من أفحش الاستهتار، ومن كانت همّته في هذا الحدّ (من الاسراف فيما لا يغرو إلاّ جوفه) (٧٤) فمتى يستجدّ همة في حفظ بلاده وضبطها وحفظ رعيّته والتوفير على مصالحها.

стр. 434

ثمّ أن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذّاته هل تختلف عمّا هي عليه في بعض الأوقات؟ فقيل له: بل كلّ زمانه هكذا، فقال: أفكلّ (٧٥) أصحابه وأنصاره على أعدائه ومنجديه على الملك ينال حظا من ذلك؟ فقالوا: لا، فقال: فكيف ترون رضاهم عنه؟ قالوا: لا رضا لهم عنه، فأطرق يوسف [وسكت] (٧٦). وأقام على تلك الحال عند المعتمد أيّاما. وفي بعض تلك الأيام استأذن رجل على المعتمد، فدخل وهو ذو هيئة رثة، وكان من أهل البصائر، فلمّا دخل عليه قال [له]: أصلحك الله أيها الملك، إن من أوجب الواجبات شكر النّعمة، وإن من شكر النّعمة اهداء النّصائح، واني رجل من رعيّتك، حالي في دولتك إلى الاختلال أقرب منها إلى الاعتدال، لكنني ملتزم لك من النّصيحة ما يستوجبه الملك على رعيّته، فمن ذلك خبر (٧٧) وقع في أذني من أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين ما يدلّ على أنهم يرون أنفسهم وملكهم أحق بهذه النّعمة منك، وقد رأيت رأيا فان آثرت الاصغاء إليه قلته، قال المعتمد: قله، قال: رأيت أن هذا الرّجل الذي أطلعته على ملكك رجل مستأسد على الملوك، قد حطّم ببر العدوة زناتة /، وأخذ الملك من أيديهم ولم يبق على أحد منهم، ولا يؤمن أن يطمح إلى الطّماعية في ملك جزيرة الأندلس كلّها لما قد عاينه من لذّات عيشك، وانه لمتخيّل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس، وأن له من الولد والأقارب ممّن يؤثر مسرّاتهم ويود له الحلول فيما أنت فيه من خصب الجنات، وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن (٧٨) وبعد فان فات الأمر في الأذفونش فلا بدّ أن تقبل الحزم فيما هو ممكن اليوم، قال المعتمد: وما هو الحزم اليوم؟ قال: أن تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله (٧٩) في قصرك، وتجزم أنك لا تطلقه (٨٠) حتى يأمر كلّ من هو في جزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء حتى لا يبقى منهم في الجزيرة ظفر واحد، ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه بغير

стр. 435

إذن (٨١)، ثمّ بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الأيمان أن لا يضمر في نفسه عودا إلى هذه الجزيرة الاّ باتفاق منكم ومنه، وتأخذ على ذلك رهائن، فانه يعطيك من ذلك ما تشاء، فنفسه أعزّ عليه من جميع ما تلتمس (٨٢) [منه] فعند ذلك يقنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلاّ له، وتكون قد استرحت منه بعد ما استرحت من الأذفونش، وتقيم في موضعك على خير حال، ويرتفع ذكرك عند ملوك الجزيرة، ويتّسع ملكك وتنسب بهذا الاتفاق لسعادة وحزم، / ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في مجاورة (٨٣) من عاملته هذه المعاملة، واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحور الدّم دون حصول مثله. فلمّا سمع المعتمد كلام الرّجل استصوبه وجعل يفكر في انتهاز الفرصة. وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللّذات، فقال أحدهم لهذا الرّجل النّاصح: ما كان المعتمد على الله، وهو إمام [أهل] المكرمات ممّن يعامل بالحيف ويغدر بالضيف، فقال الرّجل: الغدر أخذ الحق من يد صاحبه لا دفع الرجل عن نفسه المحذور اذا ضاق به، فقال ذلك النّديم: لضيم مع وفاء خير من حزم مع جفاء، ثمّ أن ذلك النّاصح استدرك الأمر فتلافاه، فشكر [له] المعتمد ووصله بصلة حسنة، وانصرف. واتّصل الخبر بيوسف فأصبح غاديا، فقدم له المعتمد الهدايا السّنيّة والتحف الفاخرة فقبلها، ثم رحل فعبر من الجزيرة الخضراء إلى سبتة. وأقام عسكره بجزيرة الأندلس ريثما يستريح ثم تتبّع آثار الأذفونش فتوغّل في بلاده، ولمّا رجع الأذفونش إلى موضعه سأل عن أصحابه وشجعانه وأبطال عسكره فوجد أكثرهم قد قتلوا، ولم يسمع إلاّ نوح الثكالى (٨٤) عليهم، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات همّا وغمّا، ولم يخلّف إلاّ بنتا جعل الأمر إليها، فتحصّنت بمدينة طليطلة. وأما عسكر ابن تاشفين فانهم في غاراتهم هذه كسبوا من الغنائم / ما لا يحد ولا يحصى ولا يوصف وأنفذوا ذلك إلى برّ العدوة، واستأذن سير (٨٥) بن أبي بكر الأمير

стр. 436

يوسف بن تاشفين في المقام بجزيرة الأندلس وأعلمه أنه قد افتتح معاقل في الثّغور ورتّب فيها مستحفظين ورجالا يسكنون فيها، وأنّه لا يستقيم لهذه الجيوش أن تقيم بهذه الثّغور في ضنك من العيش تصابح العدو وتماسيه، وتحضى ملوك الأندلس من الأرياف برغد العيش فكتب إليه ابن تاشفين [يأمره] باخراج ملوك الأندلس من بلادهم والحاقهم بالعدوة، فمن استعصى عليه منهم قاتله ولم ينفس عليه حتى يخرجه، وليبدأ منهم بمجاوري الثغور، ولا يتعرّض للمعتمد بن عباد ما لم يستول على البلاد، ثم يولي تلك البلاد أمراء عسكره وأكابرهم، فابتدأ سير بن أبي بكر بملوك بني هود من ملوك الأندلس يستنزلهم من معاقلهم وهي روطة بضمّ الراء وسكون الواو ثم طاء مهملة بعدها تأنيث قلعة منيعة من عاصمات الذرى، فلم يقدر عليها فرحل عنها ثم جنّد أجنادا على صور الافرنج وأمرهم أن يقصدوا هذه القلعة مغيرين عليها، ويكمن (٨٦) هو وأصحابه بالقرب منها، ففعلوا ذلك فرآهم صاحب القلعة فاستضعفهم ونزل في طلبهم، فخرج سير بن أبي بكر فقبض عليه وسلّم القلعة، ثم نازل بني صمادح بالمريّة (٨٧)، وكانت قلعتهم حصينة إلاّ أنهم لم يكن عندهم أجناد / من الرجال فزحفوا عليهم (٨٨) وغلبوهم، فلما رأى المعتصم ابن صمادح أنه مغلوب دخل قصره فأدركه أسف فقضي عليه، ومات من ليلته، فاشتغل أهله به، وسلّموا المدينة، ثم نازلوا المتوكّل عمر بن الأفطس ببطليوس، وكان رجلا شجاعا عظيم القدر، كبير البيت، كان أبوه المظفّر بالله أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة التّجيبي من فحول العلماء، وكان ملكا له تصانيف من أعظمها وأشهرها الكتاب المنسوب إليه وهو «المظفري» في علم التاريخ، [وكانت] مدينة بطليوس من أجمل البلاد فلم يذعن ولا أقبل على غير المدافعة والقتال إلى أن خامر (٨٩) عليه أصحابه فقبض عليه باليد وعلى ولدين له، فقتلوهم صبرا، وحمل أولاده الأصاغر إلى مراكش، وسائر ملوك الجزيرة سلموا وتحولوا إلى برّ العدوة إلاّ ما كان من المعتمد بن عباد، فان سير بن أبي بكر لمّا فرغ من ملوك الجزيرة، كتب إلى يوسف بن تاشفين أنه لم يبق بالجزيرة من ملوكها غير المعتمد بن عباد، فارسم في أمره بما تراه، فأمره بقصده وأن يعرض عليه

стр. 437

التّحول إلى برّ العدوة بأهله وماله، فان فعل ونعمت، وان (٩٠) أبى فنازله فلمّا عرض عليه سير (٩١) بن أبي بكر لم يعطه جوابه، فنازله وحاصره أشهرا ثم دخل عليه البلد قهرا واستخرجه من قصره قسرا، فحمل إلى العدوة مقيّدا، فأنزل / بأغمات وأقام بها على أسوإ حال إلى أن مات، ولم يعتقل من ملوك الأندلس سواه، وتسلم سير (٩١) بن أبي بكر الجزيرة كلّها واستحوذ عليها» (٩٢). (وقيل ان الأمير يوسف بن تاشفين عاد إلى الأندلس بعد غزوة الزلاّقة مرة أو مرتين (٩٣)، وأنه أخذ البلدان بنفسه وأن سير (٩١) بن أبي بكر هو الذي استخرج ابن عباد آخر الأمر) (٩٤). وفي سنة [أربع] وستين وأربعمائة (٩٥) نزل يوسف على مدينة فاس، وكانت اذ ذاك من قواعد بلاد المغرب العظام، فضيّق على أهلها ثم أخذها فأقر العامة بها ونفى (٩٦) البربر والجند، بعد أن حبس بعضهم وقتل بعضهم، فعند ذلك قوي شأنه، وتمكّن بالمغرب الأقصى والأدنى سلطانه، مع ما صار بيده من بلاد جزيرة الأندلس. وكان حازما سائسا للأمور ضابطا لمصالح مملكته، مؤثرا لأهل العلم والدّين كثير المشورة لهم، ويحكمهم في بلاده ويصدر عن آرائهم. قيل إن الامام حجّة الاسلام أبا حامد الغزالي - تغمّده الله برحمته - لمّا سمع ما هو عليه من الصّفات الجليلة وميله إلى [أهل] العلم عزم على التّوجه إليه، فوصل الاسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه، فوصله خبر وفاته، فرجع عن ذلك العزم. وكان يحب العفو والصّفح عن الذّنوب العظام، فمن ذلك أن ثلاثة أنفار اجتمعوا، فتمنّى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنّى الثّاني عملا يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنّى الثالث زوجة أمير المسلمين / يوسف وكان لها الحكم في بلاده،

стр. 438

فأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل الثاني، وقال للذي تمنّى زوجته: يا جاهل، ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه؟ ثم أرسله إلى زوجته فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه كلّ يوم طعاما واحدا من جنس واحد، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الثلاثة أيام؟ قال: طعاما واحدا، قالت: كلّ النساء شيء واحد، وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته» (٩٧). «وبنى مدينة مراكش في سنة خمس وستين وأربعمائة (٩٨)، وكان موضعها مزرعة لأهل نفّيس - بفتح النّون وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة - تحت جبل مطل على مرّاكش، وكانت تلك الأرض مأوى اللّصوص فكان المارّون فيها يقولون لرفقائهم مرّاكش، ومعنى هذه الكلمة بلغة المصامدة أمش مسرعا، فعرف الموضع بها. وسميّت المدينة باسم ذلك الموضع، وذلك لأنه لمّا توطنت نفسه على الملك وأطاعته قبائل البربر وذهب من يخالفه من زناتة ولمتونة سمت همّته إلى بناء هذه المدينة، وكان في موضعها قرية صغيرة في غابة من الشّجر، وبها قوم من البربر» (٩٩). «ويقال إن الأرض كانت لعجوز من المصامدة فاختط يوسف هذه المدينة» (١٠٠) «وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة، وهي في مرج فسيح» (١٠١)، وقيل إن شراءها عليه كان بسبعين / ألف درهم، وجعل دورها سبعة أميال، وأن ابنه عليّا هو الذي بنى سورها وسقايتها وجامعها وقصر إمارتها، وأن يوسف كان بنى مسجدها بالطوب. «ويوسف هو أول من تسمّى بأمير المسلمين، ولم يزل على حاله وعزّة سلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من المحرم سنة خمسمائة (١٠٢) وعاش تسعين سنة (١٠٣)، ملك منها مدّة خمسين سنة - رحمه الله تعالى - (١٠٤).

стр. 439

نهاية المرابطين: ثم أفضى (١٠٥) الملك بعده لولده علي بن يوسف، فكان رجلا حليما وقورا منقادا للحق والعلماء، تجبى إليه الأموال من البلاد، لم يزعزعه عن سريره حادث قط، ولا طاف به مكروه، حتى غشيه محمد بن تومرت صاحب عبد المؤمن - الآتي قريبا إن شاء الله خبره - (١٠٦)، وكانت وفاة علي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة (١٠٧)، وكان موته عند خروج عبد المؤمن عليه قاصدا أخذ جهة البلاد المغربية (١٠٨) [ليأخذها] من علي بن يوسف، فكان مسير عبد المؤمن على طريق الجبال، فسير علي في حياته ولده تاشفين ليكون في مقابلة (١٠٩) عبد المؤمن، ومعه جيش فساروا في السهل وأقاموا على هذا مدة، فتوفي علي (بن يوسف) (١١٠) بن تاشفين في أثنائها في التاريخ المذكور آنفا، فقدّم أصحابه ولده اسحاق بن علي بن تاشفين وجعلوه نائبا عن مرّاكش عن أخيه تاشفين، وكان اسحاق صبيّا، فظهر أمر عبد المؤمن ودانت له الجبال / وفيها غمارة وتادلة والمصامدة، وهم أمم لا تحصى، فخاف تاشفين بن علي واستشعر القهر، وتيقن زوال دولتهم، فأتى مدينة وهران، وهي على البحر وقصد أن يجعلها مقره، فان غلب عن (١١١) الأمر ركب منها في البحر إلى برّ الأندلس فيقيم بها كما أقامت بنو أميّة بالأندلس عند انقراض دولتهم بالشّام وبقيّة البلاد، وفي ظاهر وهران ربوة تسمى صلب الكلب، وبأعلاها رباط يأوي إليه المتعبّدون. وفي الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (١١٢)، صعد تاشفين إلى ذلك الرّباط ليحضر الختم في جماعة يسيرة من خواصه، وكان عبد المؤمن بجمعه في تاجرة - وهي قرية صغيرة بساحل البحر من أعمال تلمسان، هي مولد عبد المؤمن، كما هو مقرر في ترجمته، واتّفق أنه أرسل منسرا (١١٣) أي

стр. 440

جمعا - إلى وهران، فوصلوها في السادس (١١٤) والعشرين من شهر رمضان، ومقدمهم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى صاحب المهدي، فكمنوا (١١٥) عشيّة وأعلموا بانفراد تاشفين في ذلك الرّباط، فقصدوه وأحاطوا به، وأحرقوا بابه، فأيقن الذين فيه بالهلاك، فخرج تاشفين راكبا فرسه، وشدّ الركض عليه ليثب الفرس فوق النّار وينجو، فترامى الفرس بالرّوعة، ولم يملكه اللّجام حتى تردّى في جرف هناك إلى جهة البحر على حجارة في وعر، فتكسر / تاشفين وهلك في الوقت، وقتل الخواص الذين كانوا معه، وكان عسكره في ناحية أخرى ولا علم بما جرى في الليل. وجاء الخبر بذلك لعبد المؤمن، فوصل إلى وهران، وسمّي ذلك الموضع الذي فيه الرّباط «صلب الفتح»، من ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل إلى السّهل، ثم توجّه إلى تلمسان، ثم توجّه إلى فاس فحاصرها، وأخذها في سنة أربعين وخمسمائة (١١٦)، ثم قصد مرّاكش في سنة إحدى وأربعين (١١٧) فحاصرها أحد عشر شهرا، وفيها اسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين، فأخذها، وقد بلغ القحط من أهلها الجهد، وأخرج إليه اسحاق بن علي ومعه سير بن الحاج (١١٨)، وكان من الشجعان وخواص دولتهم، وكانا مكتوفين، واسحاق دون البلوغ، فعزم عبد المؤمن أن يعفو عن اسحاق لصغر سنّه فلم يوافقه خواصه، وكان لا يخالفهم، فخلى بينهم وبينهما فقتلوهما، ثم نزل عبد المؤمن في القصر، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة (١١٩)، وانقرضت من العدوة دولة بني تاشفين ملوك لمتونة الملثمين» (١٢٠). «وانما (١٢١) سمّوا ملثّمين لأنهم قوم يتلثّمون ولا يكشفون وجوههم، وذلك سنّة لهم يتوارثونها خلفا عن سلف، وقيل سمّوا ملثّمين لأن حمير الذين هم أصلهم، كانت تتلثّم

стр. 441

لشدّة الحرّ والبرد يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك فيهم حتى صار يفعله عامتهم، وقيل سبب ذلك أن قوما من أعدائهم / كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النّساء في زيّ الرّجال، وأن يقعدوا هم في البيوت متلثّمين في زيّ النّساء، فاذا أتاهم العدوّ ظنوهم نساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسّيوف فقتلوهم، فمن ثمّ لازموا اللّثام»، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم لمراده، لا اله غيره، وقد يسمّون بالمرابطين لكثرة غزوهم ورباطهم.

стр. 442

المقالة الثّامنة في ذكر دولة الموحّدين وأمرائهم بالعدوة والأندلس وافريقية وفيها ثلاثة أبواب الباب الأول في أول ملوكها ومن بعده من الملوك المهدي بن تومرت: أقول: إن أول من قام بهذه الدّولة وثبّت هذه الدعوة محمد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن سفيان (١) بن صفوان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن [بن الحسن] (٢) بن علي بن أبي طالب (٣)، «وقيل إنه محمد بن عبد الله بن تومرت» (٤) وبقية النسبان

стр. 443

الحسن، وهو المنعوت بالمهدي، مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة (٥)، وقيامه بالدّعوة سنة خمس عشرة وخمسمائة (٦)، وساح بالمشرق مدّة ولقي أبا حامد الغزالي وأخذ عنه، وذكروا أن أبا حامد كان يتفرّس فيه، ومولده «عند ابن خلكان سنة أربع وثمانين (٧)، وعند الغرناطي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، / وقرأ بقرطبة على القاضي ابن حمدون، ثم ارتحل إلى المهديّة فأخذ عن الامام المازري، ثم انتقل إلى الاسكندرية وهو ابن ثماني عشرة سنة فأخذ عن الامام أبي بكر الطرطوشي، ثم انتقل إلى بغداد فأخذ عن الامام الغزالي، ولمّا وصل كتاب الأحياء إلى المغرب أشار من أشار على الملك المتولي على لمتونة بتمزيقه فبلغ ذلك الغزالي فقال: اللهم مزّق ملكهم، فقال له [المهدي] على يدي يا سيدي؟ فقال له على يدك (٨) فأكّدت هذه الدّعوة ما في علم المهدي من ذلك، فتوجه المهدي إلى المغرب بعد أن قام (٩) بالمشرق خمسة أعوام» (١٠). وقال ابن خلكان (١١): «وهو من جبال السّوس من أقصى بلاد المغرب، ونشأ هنالك، ثم رحل إلى المشرق طالبا للعلم، فانتهى إلى العراق، واجتمع بأبي حامد الغزالي، والكيا الهرّاسي (١٢)، والطّرطوشي وغيرهم، وحجّ وأقام بمكّة مدّة (١٣) وحصل طرفا صالحا من علم الشّريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدّين. وكان ورعا ناسكا متقشفا كثير الإطراق بسّاما في وجوه النّاس، مقبلا على العبادة، لا يصحبه من متاع الدّنيا إلاّ عصا وركوة، وكان شجاعا فصيحا (١٤) لا يتتعتع

стр. 444

في الشّرع (١٥) ولا يقنع في أمر الله بغير اظهاره. وكان مطبوعا على الالتذاذ بذلك محتملا للأذى من الناس بسببه، وناله بمكّة شيء من المكروه بسبب ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الانكار، فزيد (١٦) في أذاه، وطردته الدّولة، وكان إذا خاف من البطش وايقاع الفعل [به] خلط في كلامه فينسب إلى الجنون / فخرج من مصر إلى الاسكندرية، وركب البحر متوجّها إلى بلاده، وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد المشرق كأنه شرب البحر جميعه كرّتين، فلمّا ركب في السّفينة شرع في تغيير المنكر على أهل السّفينة، وألزمهم باقامة الصّلاة وقراءة أحزاب من القرآن، ولم يزل كذلك حتى انتهى إلى المهدية (١٧)، فنزل بمسجد معلّق على الطريق (١٨) فجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارّة فلا يرى منكرا من آلة الملاهي أو أواني الخمور إلاّ نزل عليها وكسّرها، فتسامع النّاس به في البلد، فجاءوا إليه، وقرأوا عليه كتبا من أصول الدّين، وبلغ خبره الأمير يحيى (بن تميم بن المعز بن باديس) (١٩) فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلمّا رأى سيمته وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلحك الله لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلاّ أياما يسيرة، وقيل كان دخوله المهدية في مدة علي بن يحيى بن تميم بن المعز، ثم انتقل إلى بجاية فأقام بها مدة وهو على حاله بالانكار، فأخرج منها إلى بعض قراها واسمها ملاّلة، فوجد بها عبد المؤمن (٢٠). وفي «كتاب المعرب (٢١) عن سيرة [ملوك] المغرب» أن محمد بن تومرت كان قد اطّلع على كتاب علوم يسمّى «الجفر» (المأثور عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -) (٢٢) وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى ببلاد السوس (وهي بلاد المترجم) (٢٣) من ذريّة رسول الله ﷺ ، / يدعو إلى الله تعالى، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمّى باسم هجاء حروفه (ت ي ن م ل) (وذلك لأن هذا الموضع بين

стр. 445

قريتين اسم احداهما مل، واسم الثانية تين - الذي هو اسم الفاكهة) (٢٤) ورأى فيه أيضا أن استقامة ذلك الأمر وتمكّنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه (ع ب د م وم ن) ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأوّل الأمر، وأن أوانه قد أزف، فكان محمد لا يمرّ بموضع إلاّ سأل عنه، ولا رأى أحدا إلاّ أخذ اسمه وتفقّد حليته، وكانت حلية عبد المؤمن معه، فبينما هو في الطريق رأى شابّا قد بلغ أشدّه على الصّفة التي معه، فقال له محمد بن تومرت: ما اسمك؟ فقال: عبد المؤمن، فرجع إليه بعد ما كان جاوزه وقال: الله أكبر، أنت بغيتي، فنظر في حليته فوافقت ما عنده، فقال له: من أين أنت؟ قال: من كومية، فقال: أين قصدك؟ قال: المشرق، فقال له: ما تبغي؟ قال: أطلب علما (٢٥)، قال: وجدت علما وشرفا وذكرا، اصحبني تنله فوافقه على ذلك، فألقى إليه ابن تومرت أمره وأودعه سرّه» (٢٦). قال ابن الخطيب (٢٧) الأندلسي: وقالوا كان يزعم أنه مأمور بنوع من الوحي الالهامي، وينكر كتب الرأي والتقليد، وله باع في علم الكلام، وجرت عليه نزعة خارجية وكان ينتحل القضايا الاستقبالية، ويشير إلى الكوائن الآتية، ورتّب قومه ترتيبا غريبا فمنهم أهل الدّار، وأهل الجماعة، وأهل خمسين، وأهل سبعين، والطّلبة، والحفّاظ، وأهل / السّاقة، وأهل القبائل. فأهل الدّار للامتهان والخدمة، وأهل الجماعة للتفاوض والمشورة والمباهاة، وأهل خمسين وسبعين والطّلبة (٢٨) لحمل العلم والتلقي، وسائر القبائل لمدافعة العدو، وكان يعلّمهم أوجه العادات (٢٩)، وكان يأمرهم باتخاذ مرابط الخيل التي ينالون من فئ عدوّهم (٣٠)، وأنه يعطي الرجل على قدر ما أعد من مرابطه (٣١) فكان ذلك (٣٢)، ووافقت أيامه أيام المسترشد بن المستظهر بن القائم بن العادل» اهـ.

стр. 446

وكان حين خرج من ملالة ومعه عبد المؤمن لحق بونشريس (٣٣) - بفتح الواو وسكون النون وفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون المثناة التحتية ثم سين (٣٤) معجمة - بليدة من أعمال بجاية، فصحبه من برابرها جملة هم أجلة أصحابه، ثم لحق بتلمسان وقد تسامع النّاس بخبره فرحل إلى فاس، ثم إلى مكناسة، ونهى فيها عن المنكر، فأوجعه الأشرار ضربا. ابن خلكان: (٣٥) «كان ابن تومرت قد صحبه رجل يسمّى عبد الله الونشريسي (٣٦) ففاوضه فيما عزم عليه من القيام، فوافقه على ذلك أتمّ موافقة، وكان الونشريسي (٣٦) ممّن تهذّب وقرأ على الفقهاء، وكان جميلا فصيحا في لغة العرب وأهل المغرب، فتحدثا يوما في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال ابن تومرت لعبد الله: أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن النّاس وتظهر العيّ (٣٧) واللّكن والحصر والتّعريّ عن الفصاحة (٣٨) ما تشتهر به عند الناس، ليظهر ما أنت عليه دفعة واحدة / وقت الحاجة إليه، فيكون كالمعجزة والكرامة فتصدّق بما تقوله، ففعل ذلك عبد الله. ثم ان محمد استدنى أشخاصا من أهل المغرب أجلادا في القوى الجسمانية أغمارا، وكان إلى الأغمار أميل من أولي الفطن والاستبصار، فاجتمع له منهم ستة سوى عبد الله الونشريسي (٣٩) فتوجّهوا إلى مرّاكش وملكها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين، - المقدم الذكر - ملك الملثّمين، وكان علي ملكا عظيما حليما ورعا عادلا متواضعا وكان بحضرته رجل يقال له مالك بن وهيب (٤٠) الأندلسي، قاضي مرّاكش، فشرع ابن تومرت في الإنكار على عادته، حتى أنكر على الملك وعلى أهل بيته (٤١). فبلغ ذلك الملك وأنه تحدث في تغيير الدّولة، فقال مالك بن وهيب للملك: نخاف من فتح باب يعسر علينا سدّه، والرأي أن تحضر هذا الشخص وأصحابه لتسمع كلامهم

стр. 447

بحضور جماعة من العلماء، فأجاب الملك إلى ذلك، وكان ابن تومرت وأصحابه مقيمين بمسجد خراب خارج البلد، فطلبهم، فلمّا ضمّهم المجلس قال الملك لعلماء بلده اسألوا هذا الرجل ما يبغي منّا، فانتدب إليه قاضي المريّة محمد بن أسود فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق المؤثر طاعة الله على هواه؟ فقال له ابن تومرت: ما نقل عنّي فقد قلته ولي من ورائه أقوال، وأما قولك انه يؤثر طاعة الله / على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار صحة هذا القول [عنه] ليعلم بتعريّه عن (٤٢) هذه الصّفة أنه مغرور بما تقولون له، مع علمكم (٤٣) أن الحجة عليكم (٤٤) فهل بلغك يا قاضي أن الخمر يباع جهارا، وتمشي الخنازير بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ وعدّد من ذلك شيئا كثيرا. فلمّا سمع الملك ذلك ذرفت عيناه وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة، ولمّا رأوا سكوت الملك وانخداعه لكلامه لم يتكلّم أحد منهم، فقال مالك بن وهيب، وكان كثير الاجتراء على الملك مخاطبا له فيما بينه وبينه: إن عندي لنصيحة إن فعلتها حمدت عاقبتها، فقال الملك: وما هي؟ فقال: إني خائف عليك من هذا الرّجل، (فاني أظنه صاحب الدرهم المربع - لأنه كان ينظر في علم النجوم -) (٤٥) ثم قال له: أرى أن تعتقله وأصحابه وتنفق عليه كلّ يوم دينارا لتكفي شرّه وان لم تفعل ذلك لتنفقن عليه خزائنك، ثم لا ينفعك ذلك فوافقه الملك، ثم قال له (٤٦): يقبح عليك أن تبكي من موعظة هذا الرّجل ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه مع عظم ملكك، وهو رجل فقير لا يملك سدّ جوعته، فلمّا سمع الملك كلامه أخذته عزّة النفس واستهون أمره وصرفه وسأله الدعاء. ولمّا خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجه؟؟؟ الملك إلى أن فارقه / فقيل له: نراك قد تأدّبت مع الملك إذ لم توله ظهرك، فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلمّا خرج ابن تومرت وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا بمرّاكش مع

стр. 448

وجود مالك بن وهيب، فما نأمن أن يعاود الملك (٤٧) في أمرنا فينالنا منه مكروه، وإن لنا بأغمات أخا في الله، فنقصد المرور به فلا نعدم منه رأيا ودعاء صالحا، واسم هذا الرّجل عبد الحق بن ابراهيم، وهو من فقهاء المصامدة (ولمّا مرّ بهنتاتة لقيه من أشياخهم الشّيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي) (٤٨) ولمّا وصل للشيخ عبد الحق خرج إليه مع جماعة المصامدة وأنزلوه، فأخبره ابن تومرت خبره، وأطلعهم على مقصوده، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وان أحسن المواضع المجاورة لهذا البلد تين مل (٤٩) وبيننا وبينها مسيرة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما يتناسى (٥٠) ذكركم، فلمّا سمع ابن تومرت بهذا الاسم تجدد له اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصّورة فعلموا أنهم من طلاّب العلم، فقاموا إليهم وأكرموهم وتلقوهم بالتّرحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم، وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه فقيل له: إنّهم سافروا فسّره ذلك، وقال: تخلّصنا من الاثم بحبسهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول ابن تومرت / إليهم، وقد كان شاع ذلك فيهم، فجاؤوه من كلّ فجّ عميق وتبرّكوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فان أجابه أضافه إلى خواصّه، وان خالفه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الضراوة (٥١)، وكان أولوا العلم والعقل من أهاليهم ينهونهم ويحذّرونهم من أتباعه ويخوّفونهم من سطوة الملك، ولمّا لم يتمّ لابن تومرت مع ذلك حال، وطالت المدّة، وخاف من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليه والتّخلي عنه (٥٢)، شرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شقرا زرق العيون، وألوان آبائهم السّمرة والكحل، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه، فألزمهم بالإجابة فقالوا: نحن من رعيّة هذا الملك وله علينا خراج، وفي كلّ

стр. 449

سنة تصعد مماليكه إلينا ينزلون بيوتنا ويخلون بمن فيها من النساء، فيأتي الأولاد على تلك الصفة، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنّا، فقال ابن تومرت: والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم هذا وأنتم أضرب خلق الله بالسّيف وأطعنهم بالحربة؟ فقالوا: بالرغم لا بالرضا قال: أرأيتم لو أن ناصرا نصركم على أعدائكم ما كنتم تصنعون؟ قالوا: نقدم أنفسنا بين يديه للموت، فمن هو؟ قال: ضيفكم - يعني نفسه - قالوا: السّمع والطاعة، / وكانوا يغالون في تعظيمه، فأخذ عليهم العهود والمواثيق واطمأن قلبه» (٥٣) «قيل (٥٤) إن المصامدة بايعوه يوم الجمعة الرابع عشر لشهر رمضان من عام خمس عشرة وخمسمائة (٥٥)، فأول من بايعه أصحابه العشرة تحت شجرة خرنوب وهم عبد المؤمن بن علي، وعمر أصناك (٥٦) الصنهاجي، والشيخ أبو حفص عمر الهنتاتي واسماعيل بن مخلوف وابراهيم [بن اسماعيل] (٥٧) واسماعيل بن موسى، وأبو يحيى بن مكيث (٥٨)، ومحمد بن سليمان، وأبو محمد (٥٩) عبد الله بن ملويات (٦٠) وعبد الله بن عبد الواحد المكنّى بالبشير، والعاشر (٦١) الشّيخ عبد الواحد بن أبي حفص، ثم بايعه من هنتاتة يوسف بن وانودين، وابن يغمور (٦٢) وابن ياسين، (ومن ينتمي إلى) (٦٣) عمر بن تافراجين وجميع قبيلة هرغة، ولمّا كملت بيعته لقّبوه بالمهدي، وكان لقبه قبل «الامام» وانتقل بعد بيعته بثلاث سنين إلى جبل تينمل (٦٤) فأوطنه وبنى داره ومسجده بينهم، وقاتل من تخلف عن بيعته من المصامدة حتى استقاموا له» (٦٥).

стр. 450

ثم قال لهم (٦٦): استعدّوا لحضور مماليك السّلطان بالسّلاح فاذا جاؤوكم فأجروهم على العادة وخلّوا بينهم وبين النّساء وميلوا عليهم بالخمور، فاذا سكروا فأذنوني بهم، فلمّا حضر (٦٧) المماليك فعل أهل الجبل ما أشار به ابن تومرت، وكان ليلا، وأعلموه بذلك، فأمر (٦٨) بقتلهم، فلم يمض من الليل ساعة حتى أتوا على آخرهم، فلم يفلت منهم إلاّ مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة له، فسمع التّكبير عليهم / والوقع بهم فهرب عن غير الطريق حتى خلص من الجبل ولحق بمرّاكش فأخبر الملك بما جرى، فندم على فوات ابن تومرت من يده، وعلم أن الحزم كان مع مالك بن وهيب (٦٩) فيما أشار به، فجهّز من وقته خيلا بمقدار ما يسع وادي تين مل (٧٠) لأنه ضيّق المسلك، وعلم ابن تومرت أنه لا بدّ من وصول عسكر إليهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ومراصده، واستنجد لهم بعض المجاورين فلمّا وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي مثل المطر، وكان ذلك من أوّل النّهار إلى آخره، وحال بينهم الليل فرجع العسكر إلى الملك، وأخبروه بما تمّ لهم، فعلم أن لا طاقة له (٧١) بأهل الجبل، فأعرض عنهم. وتحقّق ابن تومرت ذلك منه، وصفت (٧٢) له مودّة أهل الجبل، فعند (٧٣) ذلك استدعى الونشريسي (٧٤) وقال له: هذا أوان فصاحتك (٧٥) دفعة واحدة، تقوم لك مقام المعجزة لنستميل بك قلوب (٧٦) من لا يدخل تحت الطّاعة، ثم اتّفقا على أنه يصلّي الصّبح ويقول بلسان فصيح - بعد استعمال العجمة واللكنة [في] تلك المدّة -: إنّي رأيت البارحة في منامي أنّه قد نزل ملكان من السماء وشقّا فؤادي وغسلاه وحشياه علما

стр. 451

وحكمة وقرآنا، فلمّا أصبح فعل ذلك، فانقاد له كلّ صعب القياد، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النّوم، فقال له ابن تومرت: فعجّل لنا البشرى في أنفسنا وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء؟ فقال له: أما أنت فانك المهدي القائم بأمر الله / فمن تبعك سعد ومن خالفك هلك، ثم قال: اعرض عليّ أصحابك حتّى أميّز أهل الجنّة من أهل النّار، وعمل في ذلك حيلة فقتل بها من خالف ابن تومرت، وأبقى من أطاعه، قال ابن خلكان (٧٧): وشرح ذلك يطول، وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لابن تومرت، فلمّا قتل من خالفه علم ابن تومرت أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا وأنه لا تطيب قلوبهم بذلك، فجمعهم وبشّرهم بانتقال ملك مرّاكش إليهم، واغتنامهم أموالهم، فسرّهم ذلك وسلاّهم عن أهلهم، (وقد تقدم ما أمرهم به من اتّخاذ مرابط للخيل التي يغنموها، وكلّ ينال بقدر ما أعد) (٧٨). ولم يزل ابن تومرت حتى جهّز جيشا عدد رجاله عشرة آلاف ما بين فارس وراجل، (وقيل عدة الأفراس أربعين، وقيل أربعمائة) (٧٩) وفيهم عبد المؤمن والونشريسي (٧٤) وأصحابه كلّهم، وأقام هو بالجبل، فنزل القوم لحصار مرّاكش، وأقاموا عليها شهرا، (ثمّ خرج إليهم الملك بمن معه وصابرهم الحرب خارج الحصن) (٨٠) فكسّرهم كسرة فاحشة وقتل الونشريسي (٨١)، ونجا عبد المؤمن ورجعوا إلى الجبل وقد بلغ خبرهم لابن تومرت وحضرته الوفاة قبل وصولهم إليه، فأوصى من حضر أن يبلّغ الغائبين أن النّصر لهم، وأن العاقبة حميدة، فلا يضجروا وليعاودوا القتال، وأن الله تعالى سيفتح على أيديهم، والحرب سجال، وأنكم ستقوون وتعلون وتكثرون، وأنتم في مبدإ أمر وهم في آخره» (٨٢). وكان يقول: «إن مثل هذا الأمر كالفجر يتقدمه / الفجر الكاذب وبعده ينبلج الصّبح ويستعلي الضوء» (٨٣) وهذه الوقعة أتت على معظم أصحابه، وكادت تمحو أثره إلاّ أن لله مشيئته هو منفذها ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨٤).

стр. 452

وتوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة (٨٥)، «ودفن في الجبل، وقبره هناك مشهور يزار» (٨٦)، «وكانت مدّته (٨٧) من حين بويع تسع سنين» (٨٨) وكان «حصورا لا يأتي النّساء» (٨٩) ومات ولم يبلغ أربعين سنة. قال في حقّه صاحب «المعرب في أحوال المغرب» (٩٠): [وافر] آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنّك بالعيان تراه قدم في الثّرى وهمّة في الثّريا، ونفس ترى (٩١) إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا، وكان قوته كلّ يوم رغيفا من غزل أخته بقليل زيت أو سمن، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدّنيا، ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه، فأمر بضمّ ذلك جميعه وأحرقه وقال: من كان يبتغي الدّنيا فما له عندي إلاّ ما رأى، ومن يبتغي (٩٢) الآخرة فجزاؤه على الله تعالى. وكان مع خمول زيّه وبسطة [مهيبا] (٩٣) وجهه منيع الحجاب [الا] (٩٤) عند المظلمة (٩٥) وكان يتمثّل بقول المتنبي: [وافر] إذا غامرت في شرف (٩٦) مروم ... فلا تقنع بما دون النّجوم فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم (٩٧)

стр. 453

وبقوله أيضا: وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام. ولم يفتح شيئا من البلاد، وانما قرّر القواعد ل عبد المؤمن ، فكانت الفتوحات له». «ولمّا مات ابن تومرت كتم أصحابه موته وبايعوا (٩٨) / الشّيخ أبا علي عمر الصّنهاجي عرف أصناك (٩٩) ثم قال لهم بعد أيام: هذا هو الذي عهد إليه الامام - يعني عبد المؤمن بن علي -» (١٠٠). عبد المؤمن: «وهو عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى (١٠١) بن مروان بن نصر بن علي بن عامر بن الأمير بن (١٠٢) موسى بن عبد الله بن يحيى بن ورنيغ (١٠٣) بن صطفور (١٠٤) بن نفور (١٠٥) بن مطماط بن هودج بن قيس عيلان بن مضر» (١٠٦)، ويقال له الكومي نسبة لقريته الكومية (١٠٧)، والقيسي نسبة لقيس عيلان (١٠٨). كان والده وسطا في قومه، وكان صانعا في عمل الطين، يعمل منه الآنية، فيبيعها، وكان عاقلا من الرجال وقورا، ابن خلكان (١٠٩): «يحكى أن عبد المؤمن في صباه كان نائما وأبوه مشتغل بعمل الطين، فسمع

стр. 454

أبوه دويّا من السماء، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من نحل قد هوت مطبقة على الدّار، فنزلت كلّها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم، فغطّته ولم يظهر من تحتها ولا استيقظ، فرأته أمّه على تلك الحالة فصاحت خوفا على ولدها، فسكتها أبوه فقالت له: أخاف عليه، فقال: لا بأس عليه، بل إني متعجّب ممّا يدل عليه ذلك، ثم غسل يديه من الطّين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من أمر النّحل، فطار عليه بأجمعه، فاستيقظ الصّبي وما به من ألم، فتفقّدت أمه جسده فلم تر به أثرا، ولم يشك لها ألما، وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزّجر، فمضى أبوه إليه فأخبره بما رآه من النّحل مع ولده، فقال الزّاجر: يوشك أن يكون له شأن / يجتمع على طاعته أهل المغرب، فكان من أمره ما اشتهر» (١١٠) اهـ يعني من فتح البلاد، وتطويع العباد بأرض المغرب، وقد تقدّم كيفية انقراض دولة الملثّمين على يديه، وفتح البلاد من وهران لمرّاكش، وأخذه لمرّاكش أوائل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة (١١١)، «وكانت هذه الغزوة المشتملة على هذه الفتوح من أربع وثلاثين إلى إحدى وأربعين (١١٢)، واستوثق له الأمر وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وكثير من بلاد الأندلس» (١١٣). ومن أعظم فتوحاته فتح المهدية والبلاد الساحلية من أيدي الكفّار حسبما يأتي تفصيل ذلك في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى. «وقدم على (١١٤) عبد المؤمن بمرّاكش وفد اشبيلية يقدمهم القاضي أبو بكر بن العربي - بعد قتل ولده عبد الله في فتح اشبيلية - فقبل طاعتهم وانصرفوا بالجوائز والاقطاعات لجميع (١١٥) الوفد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة (١١٦)، وتوفي القاضي أبو بكر في طريقه في جمادى الآخرة من سنة اثنتين وأربعين (١١٧)، عند وصوله إلى مدينة فاس فدفن بروضة الجياني (١١٨) بفاس وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل توفي في سابع ربيع

стр. 455

الأول، وقيل في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين، وقيل إنه سمّ ما بين فاس وسبتة، قال ابن الدباغ: بقي يفتي أربعين سنة. وفي سنة إثنتين وأربعين المذكورة توفي القاضي الامام / أبو محمد عبد الحق بن غالب المعروف بابن عطيّة مفسر القرآن العظيم، وقال الغبريني في «عنوانه» إنه توفي سنة إحدى وأربعين، قال الشّيخ القاضي المفتي أحمد بن محمد القلجاني (١١٩) إن بعض الأدباء دخل محلة عبد المؤمن فوجد أهل المرية يشكون قاضيهم الامام أبا محمد عبد الحق ابن غالب وينسبونه إلى الزندقة فأنشد: [بسيط] قالوا تزندق عبد الحق قلت لهم ... والله ما كان عبد الحق زنديقا أهل المرية قوم لا خلاق لهم ... يفسّقون قضاة الحق (١٢٠) تفسيقا وفي ليلة الجمعة سابع جمادى الآخرة من سنة أربع وأربعين وخمسمائة (١٢١)، توفي القاضي أبو الفضل عياض بمرّاكش، وقيل في شهر رمضان، وقيل سنة اثنتين وأربعين، ومولده بسبتة منتصف شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة (١٢٢)، وقيل سنة خمس (١٢٣)، وولي قضاء سبتة سنة خمس وعشرين وخمسمائة (١٢٤)، ثم انتقل لقضاء غرناطة في صفر سنة إحدى وثلاثين، وصرف عنها في رمضان من عام ثلاث (١٢٥) وثلاثين، وأعيد لقضاء سبتة سنة تسع وثلاثين (١٢٦)، وقيل إنه لمّا ولي قضاء قرطبة ولم يطل مقامه بها، ثم أعيد لها، ثم أعيد لبلده. ولمّا اجتمع بالخليفة عبد المؤمن وجده (١٢٧) تغير عليه، فاستعطفه بالمنظوم والمنثور

стр. 456

حتى رقّ له وعفا (١٢٨) عنه، فلازم مجلسه إلى أن ردّه لحضرة (١٢٩) مرّاكش، فلمّا وصلها بقي ثمانية أيام وتوفي. ومن نظمه في صيفية باردة ﵀ وسامحه -: / [بسيط] كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تمّوز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى (١٣٠) خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل ومن نظمه يصف خامة الزرع ﵀ وعفا عنه -: [سريع] انظر إلى الزرع وخاماته ... [تحكي] (١٣١) وقد ماست أمام الرياح كئيبة خضراء مهزومة (١٣٢) ... شقائق النّعمان فيها جراح (١٣٣) «ولمّا انتهت أيام عبد المؤمن وكان بمدينة سلا (١٣٤) أصابه بها مرض شديد توفي منه في العشر الأخير من جمادى الأخرى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (١٣٥) فكانت مدّة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا، وكان عند موته شيخا نقي البياض» (١٣٦). أبو يعقوب يوسف: «ثم تولى (١٣٧) بعده ولده محمّد بعهد من أبيه واستخلافه له ونقش الدّنانير باسمه، فحصل منه اشتغال بالرّاحة وانهماك في البطالة فخلعه أخوه أبو يعقوب يوسف (١٣٨) (في

стр. 457

شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة) (١٣٩) وكان له أخ آخر اسمه أبو حفص [عمر] ولاّه جزيرة الأندلس. ولمّا خلع يوسف أخاه محمّد تولى الملك فكان أحق به وأهله اذ هو فقيه حافظ متفنن لأن أباه هذّبه وجال (١٤٠) الحروب والمغازي (١٤١) فنشأ في ظهور الخيل بين أبطال الرّجال، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء، وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جمّاعا منّاعا ضابطا لخراج مملكته عارفا بسياسة رعيّته، وكان يحضر حتى لا يكاد يغيب ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نوّاب وخلفاء وحكّام وقد / فوّض الأمور إليهم لما يعلم من صلاحهم لذلك، والدّنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه. فلمّا تمهّدت له الأمور واستقرّت قواعد ملكه دخل جزيرة الأندلس لكشف أحوال دولته وتفقّد مصالحها، وكان ذلك في سنة ست وستين وخمسمائة (١٤٢) وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحّدين، فنزل باشبيلية، فخافه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش بفتح الميم وسكون [الراء وفتح] الدّال المهملة وكسر النّون وسكون المثناة تحت بعدها شين معجمة وهو بلغة الافرنج اسم العذرة (١٤٣) صاحب شرق الأندلس: مرسية وما انضاف إليها، وحمل على قلبه فمرض مرضا شديدا ومات، وقيل إن أمّه سقته السّم لأنه كان قد أساء على أهله وكبراء دولته وخواصه العشرة، فنصحته أمّه وأغلظت عليه في القول وهددها فخافت بطشه، فعملت عليه وسقته السّم فقتله في رجب سنة سبع وستين وخمسمائة (١٤٤) باشبيلية، ومولده سنة ثمان عشرة وخمسمائة (١٤٥) في قلعة من أعمال طرطوشة يقال لها بنشكلة بضمّ الموحدة والنون وسكون الشّين المعجمة وضمّ الكاف وفتح اللام بعدها هاء تأنيث (١٤٦)، وهي من

стр. 458

الحصون المنيعة. ولمّا مات محمّد بن سعد جاء أولاده، وقيل هم أخوته، إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن وهو باشبيلية فسلّموا له جميع بلاد شرق الأندلس التي كانت / لأبيهم أو أخيهم فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوّج أختهم فأصبحوا عنده في أعز مكان. ثم ان الأمير يوسف شرع في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الافرنج، وكانوا قد استولوا عليها، فاتّسعت مملكته بالأندلس وصارت سراياه تصل (١٤٧) مغيرة إلى باب طليطلة، ثم أنه حاصرها، فاجتمع الافرنج عليه كافة، واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها وعاد إلى مراكش. وفي سنة خمس وسبعين (١٤٨) قصد بلاد افريقية وفتح مدينة قفصة، ثم دخل إلى جزيرة الأندلس في سنة ثمانين ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها فحاصر مدينة شنترين شهرا فأصابه مرض فمات منه في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة (١٤٩) وحمل في تابوت إلى اشبيلية - رحمه الله تعالى -. أبو يوسف يعقوب: وبعد وفاته اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديم ولده (١٥٠) أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن فبايعوه، وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين، ولقّبوه المنصور فقام بالأمر أحسن قيام» (١٥١)، «وكان من أهل العلم، وحسن التوقيع، طلب يوما من قاضيه أن يختار له رجلين لغرضين: من تعليم ولد، وضبط أمر، فعرّفه برجلين، قال في أحدهما: هو برّ في دينه، وقال في الآخر: هو بحر في علمه، فاختبرهما السّلطان بنفسه فقصّرا بين يديه وأكذبا الدعوى (١٥٢)، فكتب على رقعة القاضي التي سيّرها / معهما بتعريفهما: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

стр. 459

﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١٥٣). وهذا من التّوقيع العزيز (١٥٤) في الاجادة والصّنعة» (١٥٥). «وهو (١٥٦) الذي أظهر أبهة الملك، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط أحكام النّاس على حقيقة الشّرع، ونظر في أمر الدّين والورع، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته وأقاربه كما أقامها في سائر النّاس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات، ولمّا مات أبوه كان معه في الصّحبة، فباشر تدبير المملكة هنالك، وأول ما رتّب قواعد الأندلس، فأصلح شأنها ورتّب المقاتلة في مراكزها، ورتب أحوالها في مدة شهرين وأمر بقراءة البسملة في [أول] الفاتحة في الصلاة، وأرسل بذلك إلى سائر بلاد (١٥٧) الاسلام التي في مملكته، فأجابه قوم وامتنع آخرون (لاختلاف الآراء في كونها آية من الفاتحة، وهي مسألة مشهورة محلّها كتب الفروع) (١٥٨). ولمّا رجع إلى مرّاكش كرسي ملكهم خرج عليه علي بن اسحاق» (١٥٩) (وأخوه يحيى أولاد [ابن] غانية بقية الملثّمين كما سيأتي نبؤهم في الباب الثالث) (١٦٠). «وفي سنة واحد وثمانين (١٦١) توفي القاضي الامام الشهير أبو محمد عبد الحق الاشبيلي ببجاية وهو صاحب الأحكام والعاقبة وغيرهما» (١٦٢). «وفي سنة ست وثمانين (١٦٣) بلغه أن الافرنج ملكوا مدينة شلب (١٦٤) وهي في غرب

стр. 460

جزيرة الأندلس، فتجهز إليها بنفسه وحاصرها وأخذها، وأنفذ في الوقت / جيشا من الموحدين ومعهم جماعة من العرب، ففتحوا أربع مدائن من مدن الافرنج كانوا أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة، وخاف صاحب طليطلة وطلب الصّلح، فصالحه خمس سنين وعاد إلى مرّاكش» (١٦٥). «وفي حدود تسعين وخمسمائة (١٦٦) توفي الشيخ الصّالح القطب أبو مدين شعيب بن الحسين (١٦٧) الأندلسي ببلد تلمسان بالموضع المعروف بالعبّاد ودفن هنالك» (١٦٨). «ولما انقضت مدة الهدنة (١٦٩) ولم يبق سوى القليل خرجت طائفة من الافرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسبوا وعاثوا عيثا فظيعا، فانهى الخبر إلى الأمير يعقوب وهو بمراكش، فتجهز لقصدهم [في] جحفل عرمرم من قبائل العرب والموحدين، واحتفل وجاز إلى الأندلس، وذلك في سنة احدى وتسعين، وخمسمائة» (١٧٠)، «فعلم الافرنج به فجمعوا خلقا كثيرا من أقاصي بلادهم» (١٧١) «وقصدوه فبلغ الأمير يعقوب خبر مسيرهم، وكثرة جموعهم، فما هاله ذلك، وجدّ في السّير نحوهم، حتى التقوا في شمال قرطبة على قرب قلعة رباح (١٧٢) في مرج (١٧٣) الحديد وفيه نهر يشقّه وعبروا إلى منزلة الافرنج وصافهم وذلك في يوم الخميس التاسع (١٧٤) من شعبان سنة احدى وتسعين وخمسمائة (١٧٥) واقتفى في ذلك أثر أبيه وجدّه، انهما كانا أكثر ما يصافون يوم الخميس، ومعظم حركاتهم في صفر، ووقع القتال وبرزت الأبطال
следующие страницы →