← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حتى رقّ له وعفا (١٢٨) عنه، فلازم مجلسه إلى أن ردّه لحضرة (١٢٩) مرّاكش، فلمّا وصلها بقي ثمانية أيام وتوفي. ومن نظمه في صيفية باردة ﵀ وسامحه -: / [بسيط] كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تمّوز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى (١٣٠) خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل ومن نظمه يصف خامة الزرع ﵀ وعفا عنه -: [سريع] انظر إلى الزرع وخاماته ... [تحكي] (١٣١) وقد ماست أمام الرياح كئيبة خضراء مهزومة (١٣٢) ... شقائق النّعمان فيها جراح (١٣٣) «ولمّا انتهت أيام عبد المؤمن وكان بمدينة سلا (١٣٤) أصابه بها مرض شديد توفي منه في العشر الأخير من جمادى الأخرى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (١٣٥) فكانت مدّة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا، وكان عند موته شيخا نقي البياض» (١٣٦). أبو يعقوب يوسف: «ثم تولى (١٣٧) بعده ولده محمّد بعهد من أبيه واستخلافه له ونقش الدّنانير باسمه، فحصل منه اشتغال بالرّاحة وانهماك في البطالة فخلعه أخوه أبو يعقوب يوسف (١٣٨) (في

стр. 457

شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة) (١٣٩) وكان له أخ آخر اسمه أبو حفص [عمر] ولاّه جزيرة الأندلس. ولمّا خلع يوسف أخاه محمّد تولى الملك فكان أحق به وأهله اذ هو فقيه حافظ متفنن لأن أباه هذّبه وجال (١٤٠) الحروب والمغازي (١٤١) فنشأ في ظهور الخيل بين أبطال الرّجال، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء، وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جمّاعا منّاعا ضابطا لخراج مملكته عارفا بسياسة رعيّته، وكان يحضر حتى لا يكاد يغيب ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نوّاب وخلفاء وحكّام وقد / فوّض الأمور إليهم لما يعلم من صلاحهم لذلك، والدّنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه. فلمّا تمهّدت له الأمور واستقرّت قواعد ملكه دخل جزيرة الأندلس لكشف أحوال دولته وتفقّد مصالحها، وكان ذلك في سنة ست وستين وخمسمائة (١٤٢) وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحّدين، فنزل باشبيلية، فخافه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش بفتح الميم وسكون [الراء وفتح] الدّال المهملة وكسر النّون وسكون المثناة تحت بعدها شين معجمة وهو بلغة الافرنج اسم العذرة (١٤٣) صاحب شرق الأندلس: مرسية وما انضاف إليها، وحمل على قلبه فمرض مرضا شديدا ومات، وقيل إن أمّه سقته السّم لأنه كان قد أساء على أهله وكبراء دولته وخواصه العشرة، فنصحته أمّه وأغلظت عليه في القول وهددها فخافت بطشه، فعملت عليه وسقته السّم فقتله في رجب سنة سبع وستين وخمسمائة (١٤٤) باشبيلية، ومولده سنة ثمان عشرة وخمسمائة (١٤٥) في قلعة من أعمال طرطوشة يقال لها بنشكلة بضمّ الموحدة والنون وسكون الشّين المعجمة وضمّ الكاف وفتح اللام بعدها هاء تأنيث (١٤٦)، وهي من

стр. 458

الحصون المنيعة. ولمّا مات محمّد بن سعد جاء أولاده، وقيل هم أخوته، إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن وهو باشبيلية فسلّموا له جميع بلاد شرق الأندلس التي كانت / لأبيهم أو أخيهم فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوّج أختهم فأصبحوا عنده في أعز مكان. ثم ان الأمير يوسف شرع في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الافرنج، وكانوا قد استولوا عليها، فاتّسعت مملكته بالأندلس وصارت سراياه تصل (١٤٧) مغيرة إلى باب طليطلة، ثم أنه حاصرها، فاجتمع الافرنج عليه كافة، واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها وعاد إلى مراكش. وفي سنة خمس وسبعين (١٤٨) قصد بلاد افريقية وفتح مدينة قفصة، ثم دخل إلى جزيرة الأندلس في سنة ثمانين ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها فحاصر مدينة شنترين شهرا فأصابه مرض فمات منه في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة (١٤٩) وحمل في تابوت إلى اشبيلية - رحمه الله تعالى -. أبو يوسف يعقوب: وبعد وفاته اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديم ولده (١٥٠) أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن فبايعوه، وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين، ولقّبوه المنصور فقام بالأمر أحسن قيام» (١٥١)، «وكان من أهل العلم، وحسن التوقيع، طلب يوما من قاضيه أن يختار له رجلين لغرضين: من تعليم ولد، وضبط أمر، فعرّفه برجلين، قال في أحدهما: هو برّ في دينه، وقال في الآخر: هو بحر في علمه، فاختبرهما السّلطان بنفسه فقصّرا بين يديه وأكذبا الدعوى (١٥٢)، فكتب على رقعة القاضي التي سيّرها / معهما بتعريفهما: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

стр. 459

﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١٥٣). وهذا من التّوقيع العزيز (١٥٤) في الاجادة والصّنعة» (١٥٥). «وهو (١٥٦) الذي أظهر أبهة الملك، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط أحكام النّاس على حقيقة الشّرع، ونظر في أمر الدّين والورع، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته وأقاربه كما أقامها في سائر النّاس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات، ولمّا مات أبوه كان معه في الصّحبة، فباشر تدبير المملكة هنالك، وأول ما رتّب قواعد الأندلس، فأصلح شأنها ورتّب المقاتلة في مراكزها، ورتب أحوالها في مدة شهرين وأمر بقراءة البسملة في [أول] الفاتحة في الصلاة، وأرسل بذلك إلى سائر بلاد (١٥٧) الاسلام التي في مملكته، فأجابه قوم وامتنع آخرون (لاختلاف الآراء في كونها آية من الفاتحة، وهي مسألة مشهورة محلّها كتب الفروع) (١٥٨). ولمّا رجع إلى مرّاكش كرسي ملكهم خرج عليه علي بن اسحاق» (١٥٩) (وأخوه يحيى أولاد [ابن] غانية بقية الملثّمين كما سيأتي نبؤهم في الباب الثالث) (١٦٠). «وفي سنة واحد وثمانين (١٦١) توفي القاضي الامام الشهير أبو محمد عبد الحق الاشبيلي ببجاية وهو صاحب الأحكام والعاقبة وغيرهما» (١٦٢). «وفي سنة ست وثمانين (١٦٣) بلغه أن الافرنج ملكوا مدينة شلب (١٦٤) وهي في غرب

стр. 460

جزيرة الأندلس، فتجهز إليها بنفسه وحاصرها وأخذها، وأنفذ في الوقت / جيشا من الموحدين ومعهم جماعة من العرب، ففتحوا أربع مدائن من مدن الافرنج كانوا أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة، وخاف صاحب طليطلة وطلب الصّلح، فصالحه خمس سنين وعاد إلى مرّاكش» (١٦٥). «وفي حدود تسعين وخمسمائة (١٦٦) توفي الشيخ الصّالح القطب أبو مدين شعيب بن الحسين (١٦٧) الأندلسي ببلد تلمسان بالموضع المعروف بالعبّاد ودفن هنالك» (١٦٨). «ولما انقضت مدة الهدنة (١٦٩) ولم يبق سوى القليل خرجت طائفة من الافرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسبوا وعاثوا عيثا فظيعا، فانهى الخبر إلى الأمير يعقوب وهو بمراكش، فتجهز لقصدهم [في] جحفل عرمرم من قبائل العرب والموحدين، واحتفل وجاز إلى الأندلس، وذلك في سنة احدى وتسعين، وخمسمائة» (١٧٠)، «فعلم الافرنج به فجمعوا خلقا كثيرا من أقاصي بلادهم» (١٧١) «وقصدوه فبلغ الأمير يعقوب خبر مسيرهم، وكثرة جموعهم، فما هاله ذلك، وجدّ في السّير نحوهم، حتى التقوا في شمال قرطبة على قرب قلعة رباح (١٧٢) في مرج (١٧٣) الحديد وفيه نهر يشقّه وعبروا إلى منزلة الافرنج وصافهم وذلك في يوم الخميس التاسع (١٧٤) من شعبان سنة احدى وتسعين وخمسمائة (١٧٥) واقتفى في ذلك أثر أبيه وجدّه، انهما كانا أكثر ما يصافون يوم الخميس، ومعظم حركاتهم في صفر، ووقع القتال وبرزت الأبطال

стр. 461

وصبرت الرجال، فأمر الأمير يعقوب فرسان / الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا ففعلوا، وانهزم الافرنج وعمل فيهم السّيف فاستأصلهم قتلا، وما نجا (١٧٦) ملكهم الا في نفر يسير، ولولا دخول الليل لم يبق منهم أحد، وغنم المسلمون أموالهم، حتى قيل ان الذي حمل (١٧٧) لبيت المال من دروعهم ستّون ألف درع، وأما الدّواب على اختلاف أنواعها فلم يحص لها عدد، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها (١٧٨). ومن عادة الموحدين أنهم لا يأسرون مشركا محاربا ان ظفروا به ولو كان ملكا عظيما، بل تضرب رقابهم قلّوا أو كثروا، فلما أصبح جيش المسلمين اتبعوهم فألفوهم قد أخلوا (١٧٩) قلعة رباح لما داخلهم من الرّعب، فملكها الأمير يعقوب وجعل فيها واليا وجيشا، ولكثرة ما حصل له من الغنائم لم يمكنه الدّخول إلى بلاد الافرنج في ذلك الوقت، فعاد إلى مدينة طليطلة وحاصرها وقاتلها أشدّ القتال، وقطع أشجارها وشن الغارات على بلادها، وأخذ من أعمالها حصونا كثيرة وقتل رجالها وسبي حريمها وخرّب مبانيها وهدّم أسوارها، وترك الافرنج في أسوء حال، ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة. ثم رجع إلى اشبيلية وأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين (١٨٠)، فعاد إلى بلاد الافرنج مرّة ثالثة، وفعل بها كفعله المتقدم، فلم يبق للافرنج قدرة على لقائه وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأرسلوا إليه يلتمسون الصّلح، فأجابهم إلى ذلك لما اتصل به من أخبار يحيى بن اسحاق (١٨١) / الميورقي ابن غانية لما دخل افريقية عند اشتغال الأمير يعقوب بجهاد الأندلس ثلاث سنين، فأوقع الصلح بينه وبين ملوك الافرنج بالأندلس

стр. 462

جميعهم على ما اختاره لمدة خمس سنين، ثم عاد إلى مراكش في أواخر سنة ثلاث وتسعين، ولما وصل إليها أمر باتخاذ الأحواض والرّوايا (١٨٢) وآلة السفر للتوجه إلى بلاد افريقية، فاجتمع إليه أشياخ (١٨٣) الموحدين وقالوا له: يا سيدنا قد طالت غيبتنا بالأندلس، فمنا من له خمس سنين ومنا من له ثلاث سنين وغير ذلك، فتنعم علينا بالمهلة هذا العام وتكون الحركة سنة خمس وتسعين، فأجابهم إلى سؤالهم وانتقل إلى مدينة سلا (١٨٤) وشاهد ما فيها من المنتزهات المعدّة له، وكان قد بنى بالقرب منها مدينة عظيمة سمّاها «رباط الفتح» على هيئة الاسكندرية في اتّساع الشّوارع وحسن التّقسيم واتّساع البناء وتحسينه وتحصينه، وبناها على البحر المحيط الذي هناك، وهي على نهر بسلا (١٨٤) مقابلة لها من البرّ (١٨٥)، وطاف تلك البلاد وتنزّه فيها ثم رجع إلى مرّاكش» (١٨٦). ابن خلكان (١٨٧) «ثم بعد هذا اختلفت الروايات في أمره فمن النّاس من يقول إنه ترك ما كان فيه وتجرد وساح في البراري وانتهى إلى بلاد المشرق وهو مستخف لا يعرف، ومات خاملا، ومنهم من يقول أنه رجع إلى مرّاكش كما ذكرنا، وتوفي في غرة جمادى الأولى وقيل في شهر ربيع الآخر سنة / خمس وتسعين وخمسمائة بمرّاكش، ولم ينقل شيء من أحواله بعد ذلك إلى حين وفاته، وكانت ولادته يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وخمسمائة» (١٨٨). وقال ابن الخطيب (١٨٩) «لما تم له ما أراده من تمهيد بلاد افريقية صرف عنانه إلى الجهاد بالأندلس فأجاز البحر، واحتل اشبيلية (١٩٠)، ولحقت به ارسال طاغية الروم،

стр. 463

فصرفهم وعرض الجيش، وأخذ في التقرّب بالقرب إلى الله بين يدي جهاده فاستبرا (١٩١) السّجون وأدرّ الأرزاق، وعيّن الصّدقات، ورحل ونزل الأرك (١٩٢) وقد خيّمت بأحوازها محلاّت العدو يضيق عنها المتسّع (١٩٣)، وقام بعد أن اجتمع النّاس فتحلل من المسلمين، وقال: اغفروا لي فيما عسى أن يكون صدر مني، فبكى النّاس، وقالوا منكم يطلب الرضا والغفران، وخطب الخطباء بين يديه محرّضين، فنشط النّاس، وطابت النّفوس، ومن الغد صدع بالنّداء وأخذ السّلاح والبروز إلى اللقاء، فكانت التعبئة تحت الغلس، وكان اللقاء فسال العدو على المسلمين كالبحر، فزلزل مسيرة المسلمين، وعند ذلك أمر المنصور بالهجوم على العدو، فاختلط الفريقان واعتركا، وصدقت حملات المسلمين، حتى أخلت مراكز العدو، فولوا الأدبار ضحى يوم الأربعاء التاسع من شعبان (١٩٤) عام واحد وتسعين وخمسمائة (١٩٥)، وانتهبت محلات العدو وانجلت المعركة عن حصيد من القتلى لا يحصى عدده، فذكر المقلل / أنه بلغ ثلاثين ألفا، وصرف وجهه عزيزا ظافرا ﵀. وفي الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين توفي (١٩٦) المنصور ودفن بمجلس سكناه من مراكش، وكذب العامة بموته ولوعا وتمسكا به فادعوا أنه ساح في الأرض» اهـ. وكان (١٩٧) ﵀ ملكا جوادا عادلا متمسّكا بالشّرع المطهر، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر من غير محاباة، ويصلّي بالناس الصّلوات الخمس، ويلبس الصّوف ويقف للمرأة والضعيف ويأخذ لهم بالحق، ابن خلكان (١٩٨): أوصى أن يدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه من يمرّ به قال: وسمعت عليه حكاية يليق أن أذكرها هنا، وهي أن الأمير الشيخ عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر والد الأمير أبي زكرياء يحيى [بن عبد الواحد] (١٩٩) صاحب افريقية كان قد تزوج أخت الأمير المذكور،

стр. 464

وأقامت عنده، ثم جرت بينهما مشاجرة (٢٠٠) فجاءت إلى بيت أخيها الأمير يعقوب، فسير الأمير عبد الواحد في طلبها فامتنعت عليه، فشكى الأمير عبد الواحد [ذلك] (٢٠١) إلى قاضي الجماعة بمرّاكش، وهو القاضي [أبو] (٢٠٢) عبد الله محمد بن علي بن مروان، فاجتمع القاضي المذكور بالأمير يعقوب وقال له: ان الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله، فسكت الأمير يعقوب، ومضى على ذلك أيام (٢٠٣) ثم ان (٢٠٤) الشيخ عبد الواحد اجتمع بالقاضي المذكور في قصر الأمير يعقوب بمراكش وقال: أنت قاضي المسلمين، وقد طلبت أهلي فما جاؤوني (٢٠٥) فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب / وقال له: يا أمير المؤمنين، الشيخ عبد الواحد قد طلب أهله مرة وهذه الثانية، فسكت الأمير يعقوب، ثم بعد ذلك بمدة لقي الشيخ عبد الواحد القاضي بالقصر وقد جاء إلى خدمة الأمير يعقوب فقال له: يا قاضي المسلمين، قد قلت لك مرتين وهذه الثالثة: أطلب أهلي وقد منعوني عنهم (٢٠٦)، فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له: يا مولانا قد تكرّر طلبه لأهله، فاما أن تسيّر إليه أهله والا فاعزلني من القضاء، فسكت الأمير يعقوب، وقيل إنه قال له: يا [أبا] عبد الله ما هذا الاّ جدّ كثير (٢٠٧)، ثم استدعى خادما وقال له في السّرّ: تحمل أهل الشيخ عبد الواحد إليه (فحملت إليه) (٢٠٨) في ذلك النهار ولم ينتهر القاضي ولا قال له شيئا يكرهه، وتبع في ذلك حكم الشّرع المطهر وانقاد لأوامره، وهذه حسنة تعدّ له وللقاضي أيضا فانه بالغ في اقامة منار الشّرع والعدل. وكان الأمير يعقوب شدّد في الزام الرعية باقامة الصّلوات الخمس، «وقتل [في] بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمّال الذين تشكوا الرّعايا (٢٠٩) منهم، وأمر برفض فروع الفقه، وأن العلماء لا يفتون الاّ بالكتاب والسّنة (٢١٠)، ولا يقلّدون أحدا من

стр. 465

الأيمة المجتهدين المتقدمين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والسنّة والاجماع والقياس. قال: وقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا الينا إلى البلاد وهم على ذلك الطريق مثل أبي الخطاب بن دحية وأخيه أبي عمر ومحي الدّين ابن العربي (٢١١) / نزيل دمشق وغيرهم. وكان يعاقب على ترك الصّلاة ويأمر بالنّداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها واشتغل بمعيشته يعزره (٢١٢) تعزيرا بليغا. وكان قد عظم ملكه واتّسعت دائرة سلطنته حتى لم يبق بجميع أقطار المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلاّ من هو على طاعته وداخل في ولايته، إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس وكان محسنا محبّا للعلماء مقرّبا للأدباء مصغيا إلى المدح مثيبا عليه. والى الأمير يعقوب تنسب الدّنانير اليعقوبية المغربية. وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيوب رسولا من بني منقذ في سنة سبع وثمانين وخمسمائة (٢١٣) يستنجده على (٢١٤) الافرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين بل خاطبه بأمير المسلمين، فعزّ عليه ذلك، ولم يجبه إلى ما طلبه (٢١٥) منه». «ولما (٢١٦) حضرت الوفاة الأمير يعقوب وقضى نحبه بايع النّاس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب وتلقب «بالنّاصر» (فاستوزر الشّيخ أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص) (٢١٧) واتّصل (٢١٨) به ما فعل الميورقي، فنهض إلى افريقية وهزم الميورقي - كما يأتي ان شاء الله تعالى - ثم تحرّك إلى جزيرة الأندلس (فلم يرزق فتحا بل كانت الهزيمة

стр. 466

عليه) (٢١٩) وتسمى وقعة العقاب (٢٢٠) سنة تسع وستمائة (٢٢١). المنتصر بالله: «ثم ولي بعده ولده أبو يعقوب يوسف بن محمد ابن الأمير يعقوب ويلقب «بالمنتصر بالله» (٢٢٢) ولم يكن في بني عبد المؤمن أحسن منه / وجها، ولا أبلغ في المخاطبة» (٢٢٣) فتولّى وسنه عشرة أعوام (٢٢٤) وغلب عليه وزيره ابن جامع ومشيخة الموحدين فقاموا بأمره وبقي مشغوفا براحته (٢٢٥) فضعفت الدّولة بخروج بني مرين - كما يأتي خبرهم -. ونزل الافرنج (٢٢٦) تونس على عهده فظهر من صبره وشدة جلاده ما طال به الحديث حتى انصرفوا، ومات سنة عشرين وستمائة (٢٢٧)، ولم يخلّف ولدا. العادل: «فاتفق (٢٢٨) أرباب الدّولة على تولية أبي محمد عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن (٢٢٩) لكبر سنه، فلم يحسن التدبير، ولا دارى (٢٣٠) أهل دولته فخلعوه وخنقوه

стр. 467

بعد تسعة أشهر من ولايته (٢٣١)، وكان يوم ولايته أبو محمد عبد الله ابن الأمير يعقوب المذكور بالأندلس، فامتنع بمرسية، ورأى أنه أولى بالأمر من عبد الواحد، وخرج إلى ما في جهته من بلاد الأندلس فاستولى عليها بغير كلفة وتلقب «بالعادل»، فلما خنق عبد الواحد بمرّاكش، ثارت الافرنج بالأندلس على العادل وتواقفوا (٢٣٢)، فانهزم أصحابه هزيمة شنيعة وهرب هو فركب البحر يريد مرّاكش، وخلف باشبيلية أخاه أبا العلاء (٢٣٣) ادريس ابن الأمير يعقوب، وقاسى (٢٣٤) العادل شدائد في طريقه إلى مرّاكش [من العربان]» (٢٣٥). «ثم (٢٣٦) خلع العادل واقتحم عليه القصر وانتهبوه، وقتل العادل خنقا في الثاني والعشرين من شوال سنة أربع وعشرين وستمائة (٢٣٧) فكانت مدته من حين بويع بمرسية ثلاث سنين وثمانية أشهر وعشرة أيام». المعتصم: «وبويع بعده بمرّاكش أبو زكرياء يحيى بن النّاصر ولقب «المعتصم» (٢٣٨) «وكان اذ ذاك كما بقل (٢٣٩) / وجهه (غير أنه) (٢٤٠) لم يجرّب الأمور، ولم يلبث إلاّ أياما قلائل حتى ورد الخبر من الأندلس أن أبا العلاء (٢٤١) ادريس ابن الأمير يعقوب ادعى الخلافة لنفسه باشبيلية وبايعه أهل الأندلس، ولقب «المأمون»، فآل أمر المعتصم إلى أن حصره العرب بمرّاكش وهزموا عسكره مرة بعد أخرى، حتى ضجر منه أهل مرّاكش وتشاءموا به وأخرجوه، فهرب إلى جبل درن، ثم أرسل في الباطن جماعة من أهل مرّاكش ليعود إليها ويقتل من بها من (العربان) (٢٤٢) أعوان المأمون، فحضر إليها وقتل المذكورين.

стр. 468

المأمون ومن ولي بعده إلى نهاية الدولة الموحدية: وجاء أبو العلاء (*) المأمون من الأندلس، وقد خرج عليه بها الأمير محمد بن يوسف بن هود الجذامي، ودعا بنفسه لبني العبّاس فمال إليه النّاس ورجعوا عن المأمون، فلما انتهى المأمون إلى مرّاكش وجد بها المعتصم، فتواقفا فانهزم المعتصم إلى الجبل فاستولى المأمون على مرّاكش. فجمع (٢٤٣) المعتصم رجالا وقصد المأمون بمرّاكش فهزمه المأمون مرارا وضعفت جماعته، فألجأته الضرورة إلى الاستجارة بقوم في حصن بجهة تلمسان (٢٤٤) وكان لغلام منهم ثأر بأبيه فرصده يوما وهو راكب فطعنه فقتله، واستبد المأمون بالأمور. وكان شجاعا حازما صارما فتاكا (٢٤٥) «استدعى الأشياخ وأهل الرأي من الموحدين واستظهر عليهم بعهودهم التي نبذوها واستفتى من حضر بمشهد منهم فأفتى الفقهاء بحكم الله فحمل عليهم السّيف وأبادهم، وظهر له (٢٤٦) أن يطمس أثر دعوة / المهدي فمحا اسمه من السّكّة، وأعاد شكل الدّرهم إلى معناه، ولعنه فوق المنبر، ولما قفل من حركته التي دوخ بها المغرب إلى مرّاكش بوادي العبيد (٢٤٧) أدركه المرض فأسرعوا به ثم مات المأمون في الغزو حتف أنفه «قيل سنة ثلاثين وستمائة (٢٤٨)، وأخفى ولده موته حتى دبّر أمره وبلغ مأمنه، وهو أبو محمد عبد الواحد بن المأمون، ولقّب الرشيد، فتقدم بعد موت أبيه وغلب على أخيه الأكبر، واستبدّ بالأمر، وأعاد اسم المهدي في الخطبة، فاستمال بذلك قلوب النّاس، فملك المغرب الأقصى، وبعض الأندلس» ثم توفي سنة أربعين وستمائة (٢٤٩) غريقا ببركة من برك القصر وكتم حاجبه أمره حتى تولى بعده أخوه

стр. 469

لأبيه ويلقّب السّعيد وهو أبو الحسن علي بن ادريس (٢٥٠)، ثم خرج إلى ناحية تلمسان، وحاصر قلعة بينها وبين تلمسان مسافة يوم واحد، فقتل هناك على ظهر فرسه في صفر سنة ست وأربعين وستمائة (٢٥١) «- وفي هذه الوقعة ظهرت دولة بني زيّان وقوي أمر بني مرين كما يأتي خبرهما - ان شاء الله تعالى -». وبعد وفاته تولى ابنه المرتضي أبو حفص عمر بن ابراهيم (٢٥٢) بن يوسف في شهر ربيع الآخر من السنة، وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وستمائة (٢٥٣)، دخل الواثق أبو العلاء (٢٥٤) ادريس بن أبي عبد الله يوسف (٢٥٥) بن عبد المؤمن المعروف «بأبي دبوس»، مرّاكش، وهرب المرتضي إلى آزمور، وهي من نواحي مرّاكش، فقبض عليه عامله بها وبعث إلى الواثق بذلك / فأمر الواثق بقتله، فقتله في العشر الأخير من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة (٢٥٦) بموضع يقال له كتامة، يبعد عن مرّاكش ثلاثة أيام. وأقام الواثق ثلاث سنين وقتل في الحرب التي كانت (٢٥٧) بينه وبين بني مرين (٢٥٨)، ومنشأ هذه الحرب (٢٥٩) أن أبا دبّوس لما كان الملك في يد المرتضي (هرب لملك بني مرين، وانتدب إليه في اجتثاث أصل أبي حفص المرتضي) (٢٦٠) وعاهده على تسليم شطر ما يناله، فعقد عليه الجيش، وأصحبه إلى السّلطان المرتضي في آخر عام أربعة وأربعين وستمائة (٢٦١) فتغلّب على الحضرة وفرّ المرتضي، فلما قتل استبدّ أبو دبوس،

стр. 470

وخان عهد بني مرين فحاربوه بوادي اغفو (٢٦٢) ثاني شهر محرم فاتح سنة ثمان وستين وستمائة (٢٦٣). فلما بلغ خبر موته بايع النّاس ولده عبد الواحد وخطب جمعة واحدة من المحرم، فزحف إليه أبو يوسف يعقوب المريني فخرج هاربا هو واخوته وبنو عمه وجميع الموحدين فنهبوا من ساعتهم فقتل وكانت مدته سبعة أيام (٢٦٤)، وانقضت دولة بني عبد المؤمن فكان قتل عبد الواحد في المحرم سنة ثمان وستين وستمائة تحت جبلها. «وأما أبو دبّوس فقتل بموضع بينه وبين مرّاكش مسيرة ثلاثة أيام في جهة الشمال منها» (٢٦٥). واستولى بنو مرين على ملكهم والملك لله الواحد القهّار ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٢٦٦). فكانت دولة عبد المؤمن وبنيه مائة سنة وأربعة وأربعين سنة / وأحد عشر شهرا وثلاثة وعشرين يوما والله أعلم بغيبه.

стр. 471

الباب الثاني في فتح عبد المؤمن للمهدية والبلاد الساحلية بعد استيلاء الافرنج عليها حسبما ذكره ابن الأثير وغيره من أئمة التاريخ أسباب احتلال النرمان للمهديّة: ذكر التجاني في رحلته (١): «ان يحيى بن تميم الصّنهاجي تولّى بعد وفاة أبيه تميم سنة احدى وخمسمائة (٢) فكان مما حدث في أيامه من الأسباب المؤدية إلى تغلب النّصارى على المهديّة التّغلّب الثاني الذي أدّى إلى انقراض دولة صنهاجة منها أن نصرانيا اسمه جرجير الأنطاكي (٣)، كان قد هاجر إلى تميم من المشرق، وكان قد عرف لسان العرب وبرع في الحساب وتهذّب بالشّام بأنطاكية وغيرها، فحكّمه تميم في دخله وخرجه، وجعل مصارف الأموال إلى نظره فصارت أموال المسلمين كلّها في يده وأيدي أقاربه، وكان في غاية الاتّساع من الأموال، فلمّا مات تميم خاف هذا النّصراني من يحيى فكاتب لجار صاحب صقلية، وأعلمه أنه يحبّ الانتقال إليه، (فوجه لجار إليه) (٤) قطعة أظهرت أنها وصلت في رسالة، فخرج هذا النّصراني وأقاربه في يوم جمعة (٥) عند اجتماع النّاس للصلاة، وتزيّوا بزي البحريين، فطلعوا فيها، وتمّ لهم أمرهم، فلم يفطن النّاس لهم الاّ وقد أقلعوا، ولمّا وصلوا إلى صقليّة حكّمهم عبد الرحمان النّصراني صاحب أشغالها (٦) في الجبايات فنصحوا وأظهروا نصحهم، واحتاج لجار أن يوجه رسولا إلى مصر فأشار عليه (٧) عبد الرّحمان النّصراني بجرجير هذا فأرسله ونصح وأقبل بذخائر ملوكية أحظته عند لجار.

стр. 472

ثم مات يحيى بن تميم بالمهدية سنة تسع وخمسمائة (٨). وولي بعده ابنه علي بن يحيى / فوقعت الوحشة بينه وبين لجار بسبب السّفينة التي أنشأها رافع بن مكي بن كامل بقابس حيث منعه منها علي، فاستنصر رافع بلجار فوقعت المقاتلة بين أسطول علي وأسطول لجار بسببها» (٩). «وأصل (١٠) رافع هذا، أن قابس خالفت على تميم إلى طاعة العرب القادمين من مصر على المعز حين تغلّبوا على بعض البلاد، فوليها منهم مكي بن كامل بن جامع، ثم وليها بعد ابنه رافع بن مكي فتوفي تميم ورافع هذا متولي قابس، ثم ولي يحيى بن تميم فصالحه وداراه طول حياته، ولما توفي يحيى وتولى بعده ابنه علي، أنف من مصالحة رافعا. وكان يحيى يحتمل (١١) لرافع أمورا منها: أن رافعا أنشأ بساحله (١٢) سفينة أعدّها لما يعرض له في البحر من الأمور، فلم يظهر يحيى انكارا لذلك، بل أعانه عليها وأمدّه بما احتاج إليه فيها، فلما ولي أنف من ذلك وكره أن يقاومه أحد من أهل افريقية في اجراء السّفن في البحر، فأنفذ أسطولا إلى قابس يمنع هذه السّفينة من الاقلاع وأخذها ان أقلعت، وعلم بذلك رافع فكتب للجار يسأله الاعانة على علي، ويخبره [أنه] (١٣) انما أنشأ السّفينة لهديّة يحب أن يهديها إليه، فبعث لجار أسطولا ضخما إلى قابس لنصرة رافع، فلما بلغ ذلك عليّا جمع رجال دولته واستشارهم في ذلك فكلهم أشار (١٤) عليه باسترجاع أسطوله والتغاضي عن رافع في هذه المسألة حفظا لما بينه وبين لجار من المصالحة، فرأى علي أن عليه وهنا في ذلك، فأمر بقية أسطوله فأخرج في الحين ووجّهه إلى قابس فوجدوا الروم قد نزلوا / من قطعهم لضيافة أعدّها رافع لهم، فلم يرعهم الاّ وصول الأسطول، فبادروا إلى قطعهم فغلبهم المسلمون على أكثرها وقتلوا منهم جماعة كبيرة (١٥)، ثم ان رافعا خرج إلى القيروان. وملك قابس بعده محمد بن رشيد - مصغر راشد، وهو من بني جامع - وغلب على دولته مولاه يوسف، فاتفق أن خرج محمد من قابس لحرب عدو له وترك أحد بنيه نائبا عنه فطرده يوسف، واستولى على المدينة، وانتسب إلى طاعة لجار، فقام عليه أهل

стр. 473

قابس ودفعوه إلى العرب فعذبوه عذابا شديدا وقطعوا مذاكره لأنهم نسبوه للتعرض لحرم مولاه، وكان ليوسف أخ اسمه عيسى ففرّ إلى صقلية مستنصرا بطاغيتها، وزعم أن أخاه إنما فعل ما فعل لأنه منتسب إلى طاعته، فأخرج لجار أسطوله لحصار قابس فحاصرها مدة ثم رجع» (١٦)، فهذا ما كان من أحد الأسباب الموجبة لوحشة لجار الخبيث مع علي بن يحيى. ثم إنه «وصل (١٧) باثر ذلك رسول لجار إلى علي يقتضي أموالا كثيرة كانت تثقفت له بالمهديّة، وكان علي عند تلك الوحشة أمسك وكلاءه فسرّحهم له علي ووجههم إليه بأمواله، فلما وصلت إليه وجّه رسولا ثانيا بمكاتبة فيها إغلاظ وتهديد وتقصير على العادة وإساءة أدب، فأغضب ذلك عليّا وصرف رسوله دون جواب، وبلغ عليّا أن النّصراني يتهدده ويتوعده فأمر باستجداد الأساطيل والاستعداد لقتاله، / فأنشأ أسطولا قويت الأنفس به، ولم تزل الفتنة متأكدة بينهما إلى أن مات علي وولي بعده ابنه الحسن، فكاتب أمير الملثمين بالمغرب علي بن يوسف بن تاشفين، واتّفق باثر ذلك أن وصل أسطول علي بن يوسف مع قائده علي بن ميمون إلى بلاد لجار، فاستفتح منها حصونا وسبى منها سبايا كثيرة، فلم يشك النّصراني أن الباعث لعلي بن يوسف على ذلك انما هو الحسن، فاستجاش من كان قبله وحشد أجناده ومقاتليه، وبالغ في كتم أمره بمنع السفر إلى سواحل المسلمين، ولم يخف عن الحسن مقصده وخشي أن يطرق بلاده دون تأهّب له فأمرهم باتّخاذ الأسلحة وتشييد الأسوار واستقدام القبائل من العرب وغيرهم للجهاد، فوصلت الحشود إليه من كل جهة ونزلت الأعراب بظاهر المهديّة. احتلال النرمان للمهديّة: فلمّا كان يوم السبت لخمس بقين من جمادى الأولى سنة سبع عشرة وخمسمائة (١٨) وصل أسطول لجار إلى المهديّة فأرسى بالجزيرة المعروفة هناك «بجزيرة

стр. 474

الأحاسي» (١٩) وهي على عشرة أميال من المهديّة، ونزل قائده عبد الرحمان وجرجير إلى الجزيرة، وضربت لهما ولمقدمي الافرنج مضارب هنالك، وكان وصولهم آخر النهار فخرج منهم إلى البر تلك الليلة خلق كثير وانبسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا ثم عادوا إلى الجزيرة، ووصل القائدان في اليوم الثاني في البحر في بعض / قطعهم إلى المهديّة فأطافا بها وانتهيا إلى ساحل زويلة فهالهما (٢٠) ما رأيا بالأسوار والسّواحل من النّاس وانصرفا عائدين إلى الجزيرة، فوجدا طائفة من العرب ومن الأجناد قد دخلوا إليها وكشفوا من كان بها من الرّوم عن مواضعهم، وقتلوا منهم قوما وانتهبوا أسلحتهم. فلمّا كان اليوم الثالث تمكّن النّصارى من القصر المعروف بقصر الدّيماس، وحصل به زهاء (٢١) مائة منهم باعانة بعض الأعراب لهم على ذلك لما مناهم به عبد الرّحمان وصاحبه، وقد كان لجار أمرهما (٢٢) بالنزول بجزيرة الأحاسي والتّحيّل في أخذ قصر الدّيماس بمباطنة العرب ثم الزّحف من هناك في البر بالرّجال والخيل إلى المهديّة. فلمّا كان اليوم الرّابع اجتمع المسلمون وخرجوا من المهديّة وكبّروا تكبيرة واحدة راعت من في الجزيرة، فظنّوا أنهم داخلون إليهم فانهزموا إلى مراكبهم وقتلوا بأيديهم كثيرا من خيلهم، ودخل المسلمون الجزيرة وليس بها أحد منهم فوجدوا فيها خيلا وآلات وأسلحة أعجلهم الهرب عن حملها، وأحاطوا بقصر الدّيماس يقاتلونه والأسطول في البحر يعاين ذلك ولا يستطيع اغاثة من في القصر لكثرة ما اجتمع في البر من عساكر المسلمين، فلمّا علموا أنهم غير قادرين على انقاذ (٢٣) من في القصر أقلعوا عائدين إلى صقليّة، وأقام المسلمون يقاتلون من حصل بقصر الدّيماس منهم إلى أن اشتدّ عليهم الحصار وفني ماؤهم وطعامهم فخرجوا منه ليلة الأربعاء لرابع عشر من جمادى الآخرة، فتخطفتهم سيوف الأعراب / فقتلوا عن آخرهم.

стр. 475

وهنئ الحسن بهذا الفتح، ولم يدر ما تحت طيه من المحنة التي خصته وعمّت المسلمين لسببه. ولما أقلع الأسطول إلى صقلية خائبا خاسرا أغاظ لجار ذلك، ثم اتفق باثره أن وصل أسطول الملثم من المغرب وقائده محمد بن ميمون، فعاث في بلاد لجار وقتل وحمل نساءها سبيا إلى بلاده، وكان لجار كلّما وصله أسطول من المغرب إلى بلاده نسبه إلى الحسن فعزم العزم المصمّم على غزو المهديّة وأنشأ في ظاهر الأمر بينه وبين الحسن صلحا وفي نفسه ما فيها لتتم خديعته ويتمكّن من مراده، وكان بين الحسن وبين ابن عمّه يحيى ابن العزيز بن باديس بن المنصور بن النّاصر بن علناس (٢٤) بن حماد صاحب بجاية من المخالفة ما أوجب أن بعث يحيى في هذه المدّة لمحاصرته (٢٥) بالمهديّة أسطولا في البحر وجيشا في البر، قائده مطرّف بن علي بن حمدون الفقيه، فحصر المهديّة بحرا وبرا ونزل مطرّف بن علي بجيشه بظاهر زويلة فاستمدّ الحسن لجار فأمدّه بأسطول، فعلم مطرّف بذلك فارتحل عن المهديّة مسرعا، وكانت للجار جواسيس بالمهديّة فكتبوا إليه يعلمونه أن بمرساها مراكب قد استوفت وسقها، فأمر جرجير قائد الأسطول المتوجه للنصرة بالهجوم عليها وأخذها ففعل ذلك غدرا وحملها إلى صقلية، ثم هجم بعد ذلك على مرسى المهديّة فأخذ منها مركبا كان الحسن قد احتفل به وشحنه بذخائر ملوكية ليوجه بها إلى الحافظ / العبيدي صاحب مصر وكان ذلك المركب يسمّى «نصف الدنيا». ولم يزل يرسل الغزو عليها بأساطيله والمقدم عليها جرجير المذكور وهو العارف بالمهديّة حاضرة وبادية ويضعفه بذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وأربعين. وقال ابن الأثير (٢٦) ففي سنة احدى وأربعين وخمسمائة (٢٧) سار أهل قابس إلى لجار مستعينين (٢٨) به على ردّ محمد بن رشيد (٢٩) وكان بين لجار وبين الحسن بن علي صاحب

стр. 476

المهديّة صلح وعهود إلى مدّة سنتين فلمّا كانت سنة اثنتين وأربعين (٣٠) زاد ما نزل بالنّاس من شدّة الغلاء الذي ابتدأ جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين، ففارق النّاس البلاد والقرى ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقليّة، وأكل النّاس بعضهم بعضا (٣١)، وكثر الموت في النّاس، وكان لجار يتمنى الاستيلاء والتّغلب على بلاد افريقية (فاغتنم الفرصة وقدر أنه لم يبادر في هذه الشدّة لم يتأت له مطلوب) (٣٢) «زاد غيره فأضعف الغلاء أكثر جند الحسن، وأهلك خيلهم ومع ذلك فكانت بقية العسكر في محاربة ابن خراسان صاحب تونس عضدا لمحرز بن زياد صاحب المعلّقة» (٣٣)، فلمّا كانت سنة ثلاث وأربعين (٣٤) «عمّر (٣٥) أسطولا كبيرا وأكثر من المراكب فبلغ نحوا من مائتين وخمسين شينيا (٣٦) وقيل ثلاثمائة مركب مملوءة رجالا وسلاحا وقوتا (٣٧) وسار الأسطول عن صقليّة فوصل إلى جزيرة قوصرة، فصادفوا بها مركبا وصل من المهديّة فأخذ / أهله وأحضروا بين يدي جرجير (٣٨) فسألهم عن حال افريقية ووجد في المركب قفص حمام فسألهم هل أرسلوا منها شيئا فحلفوا أنهم ما أرسلوا شيئا، فأمر الرّجل الذي كان الحمام صحبته أن يكتب بخطه أنه لما وصلنا إلى جزيرة قوصرة وجدنا بها مراكب من صقليّة فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى جزائر القسطنطينيّة. وأطلق (٣٩) الحمام فوصل إلى المهديّة، فانخدع الأمير حسن والنّاس، وفرحوا بذلك وأراد جرجير بذلك أن يصل بغتة، ثم سار - وقدر وصولهم إلى المهديّة وقت

стр. 477

السحر - ليحيط بها قبل أن يخرج أهلها، فلو تمّ له ذلك لم يفلت من النّاس أحد فقدّر الله عليهم بارسال ريح هائلة عاكستهم (٤٠)، فلم يقدروا على المسير الاّ بالمقاذيف، فطلع النّهار ثاني صفر من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (٤١) قبل وصولهم، فرآهم النّاس، فلما رآهم جرجير (٤٢)، وعلم أن الخديعة فاتته، أرسل إلى الأمير حسن يقول: إنما جئت بهذا (٤٣) الأسطول طالبا ثأر محمد بن رشيد صاحب قابس وردّه إليها، وأما أنت فبيننا وبينك عهد وميثاق إلى مدة، ونريد منك عسكرا يكون معنا. فجمع (٤٤) الحسن النّاس من الفقهاء والأعيان وشاورهم، فقالوا: نقاتل عدونا فان بلدنا حصين، فقال: أخاف أن ينزل إلى البر ويحصرنا برا وبحرا، ويحول بيننا وبين الميرة، وليس عندنا ما يقوتنا شهرا، فنؤخذ قهرا، وأنا أرى سلامة المسلمين من القتل والأسر خيرا / من الملك، وقد طلب مني عسكرا لقابس، فان فعلت فما يحلّ لي معونة الكفّار على المسلمين، وإن امتنعت يقول: انتقض ما بيننا من الصّلح، وليس يريد الاّ أن يثبطنا حتى يحول بيننا وبين البر، وليس لنا بقتاله طاقة، والرأي أن نخرج بالأهل والولد ونترك البلد، فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا، وأمر في الحال بالرّحيل وأخذ معه من حضره [وما] خف حمله، وخرج النّاس على وجوههم بأهاليهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم، ومن النّاس من اختفى عند النّصارى وفي الكنائس، وبقي الأسطول في البحر تمنعه الرّيح من الوصول إلى المهديّة إلى ثلثي النّهار، ولم يبق في البلد ممن عزم على الخروج أحد، فوصل الافرنج ودخلوا البلد من غير مانع ولا مدافع، ودخل جرجير (٤٢) القصر فوجده على حاله لم يأخذ الحسن منه الاّ ما خفّ حمله من ذخائر الملوك وفيه جماعة من حظاياه، ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة وكل شيء غريب قلّ وجود مثله، فختم عليه، وجمع سراري الحسن في قصره (٤٥) فكان ولاية صنهاجة من زيري إلى الحسن (مائة سنة وثمانين سنة من سنة احدى

стр. 478

وستين وثلاثمائة) (٤٦) إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (٤٧)، وكان بعض القواد أرسله الحسن إلى لجار برسالة، فأخذ لنفسه وأهله منه أمانا، فلم يخرج معهم، ولما ملك جرجير المهديّة (٤٨) نهبت مقدار ساعتين، ونودي بالأمان، فخرج من كان مستخفيا، وأصبح جرجير من الغد، فأرسل إلى من قرب من العرب مشاكليه (٤٩) / فدخلوا عليه، فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة (٥٠)، وأرسل من جند المهديّة الذين تخلّفوا بها جماعة، ومعهم أمان لأهل المهديّة الذين خرجوا منها، ودواب يحملون عليها الأطفال والنّساء، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع والعطش والتّعب (٥١)، ولهم بالمهديّة خبايا وودائع، فلما وصل إليهم الأمان رجعوا فلم تمض جمعة الاّ وقد رجع أكثر أهل البلد. هروب الحسن الصنهاجي والتقائه بعبد المؤمن: وأما الأمير الحسن فانه سار بأهله وأولاده، وكانوا اثني عشر ذكرا غير الاناث، وخواص خدّامه، قاصدا إلى محرز بن زياد، وهو بالمعلّقة، فلقيه في طريقه أمير من العرب يسمّى حسن بن ثعلب، فطلب منه مالا انكسر له في ديوانه، فلم يمكن الحسن اخراج مال لئلا يؤخذ، فسلّم إليه ولده يحيى رهينة وسار، فوصل في اليوم الثاني إلى محرز الذي كان أرسل إليه عسكره فوجد عسكره هناك (٥٢)، «ولقيه محرز (٥٣) بالبر والكرامة، وأنزله عنده، وتوجّع لما حلّ به، فأقام عنده أشهرا، والحسن كاره للاقامة لما رأى في عيني محرز من السآمة فأراد المسير إلى مصر وواليها اذ ذاك الحافظ عبد المجيد (٥٤)

стр. 479

ابن محمد المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي، وباسمه كان الحسن يخطب في بلاده، فابتاع من تونس مركبا لسفره فعلم جرجير (٥٥) بذلك فأعد له عشرين قطعة ترقب إقلاعه فتتبّعه، وعلم بذلك الحسن فعدل عن السّفر لمصر، ونظر في التّوجه للخليفة عبد المؤمن بن علي بالمغرب، وأنفذ / كبار أولاده يحيى وتميما وعليا إلى ابن عمه يحيى بن العزيز صاحب بجاية وهو من بني حمّاد وهما أولاد عمّ، وكتب إليه يستأذنه في الوصول إلى حضرته وأن يكون توجهه إلى عبد المؤمن بعد الاجتماع به فتلقى بنيه ميمون بن حمدون وزير يحيى أحسن تلق وكتب على لسان يحيى إلى الحسن بالتوجع على ما جرى عليه والتحريض على الوصول إليه والعدول على ما خطر بخاطره من قصد غيره، فأعلم الحسن محرز بن زياد بما كتب إليه ابن عمه، فأشار عليه بالتنكب عنه، وأن يتوجه حيث شاء فهو خير له منه، فلم يطعه الحسن، وتوجه إلى بجاية، فلما قرب منها ندب يحيى وزيره إلى لقاء الحسن فامتنع من ذلك، فأمر أخاه قائد بن العزيز بالخروج إلى لقائه مع مشيخة البلد وأن يعدلوا به عن بجاية إلى الجزائر فيكون مقامه بها، ففعل أخوه ذلك وأنزله هو وأولاده بمدينة الجزائر في أمكنة لا تليق بهم، وأجرى عليهم جرايات لا تكفيهم، وأمر ميمونا بمراعاة الحسن ومنعه من السّفر والكتب إلى الخليفة عبد المؤمن لما توقعه من استعانة عبد المؤمن به في أخذ بجاية، فبولغ في التّشديد عليه في ذلك، وأقام ساكنا بها إلى أن نزل عبد المؤمن المغرب الأوسط وقد تغلّب على جميع بلاد المغرب الأقصى وجميع جزيرة الأندلس وذلك عام سبعة وأربعين وخمسمائة (٥٦) فتغلّب على مليانة والجزائر، فاجتمع الحسن به هنالك، وقد سار إليه وهو / بمدينة متّيجة فأقبل عبد المؤمن عليه وقرّبه (٥٧) إليه واستصحبه معه وجعل الحسن يغريه بأخذ بجاية حسدا لابن عمّه ورغبة في خروج الملك من يده ليتساويا (٥٨) في ذلك، فنزل عبد المؤمن إلى بجاية والحسن معه فاستولى عليها وعلى جميع أعمالها، وذلك بعد هزيمته لعساكر صنهاجة بجبل زيري وأعان أيضا يحيى على نفسه بانهماكه في لذّاته وإهماله تدبير دولته وتفويض الأمر لغيره.

стр. 480

فلمّا استولى عبد المؤمن على بجاية فرّ يحيى بن العزيز في البحر، وكان مراده التّوجه إلى برقة والنّفوذ من ذلك إلى بغداد لعلمه أن الخليفة العبيدي بمصر ينقم عليه (٥٩) الخلع الأول، فلمّا وصل إلى بونة جعل الحارث يتأفّف منه ويؤنّبه على اهمال الملك فخرج منها يحيى إلى قسنطينة وبها اذ ذاك أخوه الحسن بن العزيز فأكرمه الحسن وتخلّى له عن الأمر فأقام بقسنطينة أياما يعمل رأيه إلى أن أناب الطاعة، ودخل في ولاية الموحدين، ووصل إلى الخليفة فأكرمه وأنزله مع ابن عمّه الحسن بن علي. ثم كانت لعبد المؤمن على العرب الوقيعة المعروفة بوقيعة سطيف (٦٠) هزم فيها طوائفهم، وطلع إلى الحضرة بجميع من حكم عليهم ومن جملتهم الحسن ويحيى فأسكنا في مرّاكش في مساكن حسنة ورفاهية ورزق جار، فلمّا كانت سنة ثمان وأربعين (٦١) وصل الخليفة إلى سلا (٦٢) واستصحب يحيى معه فأسكنه بها / في قصور بني عشرة (٦٣) وأقام بسلا (٦٢) إلى أن مات هنالك ودفن في مقابرها الجوفية مما يلي البحر. وأما الحسن فانه أقام بمرّاكش إلى أن عاد عبد المؤمن إليها وجعل يغريه بالحركة إلى افريقية ويحضه على استنقاذ المهدية من أيدي النّصارى» (٦٤). احتلال النرمان لصفاقس والسّاحل: «ولمّا استقر جرجير (٦٥) بالمهديّة سير أسطولا، بعد أسبوع، إلى مدينة صفاقس (٦٦)، وسيّر أسطولا آخر إلى مدينة سوسة. قال التّجاني (٦٧): «أما سوسة فان أهلها سمعوا خبر المهديّة، وكان واليها علي بن الحسن بن علي الأمير، فخرج إلى أبيه

стр. 481

وخرج النّاس لخروجه، فدخلها الافرنج في [ثاني] (٦٨) عشر صفر بلا قتال، وأما صفاقس فان أهلها أتاهم (٦٩) كثير من العرب فامتنعوا بهم، فقاتلهم الافرنج، وخرجوا لظاهر البلد، فأظهر الافرنج الهزيمة، وتبعهم النّاس حتى أبعدوا عن البلد، ثم عطفوا عليهم، فانهزم قوم إلى البلد وقوم إلى البرية، وقتل منهم جماعة، ودخل الافرنج البلد فملكوه بعد قتال شديد وقتلى كثيرة، وأسّر من بقي من الرجال وسبي الحريم، وذلك في الثالث والعشرين من صفر من السّنة المذكورة (٧٠) لتملك الافرنج المهديّة، ثم نودي بالأمان، فعاد أهلها إليها، وافتكوا حريمهم وأولادهم (وسكن بالبلد طائفة من النّصارى الذين افتكوها فأمنوهم) (٧١) ورفقوا بهم وبأهل سوسة والمهديّة، وبعد ذلك وصلت كتب من لجار، (عليه غضب الجبار) (٧٢) لجميع أهل افريقية بالأمان / والمواعيد الحسنة (طمعا في بقاء المسلمين تحت حكمه) ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (٧٣) ولمّا استقرت أحوال الساحل سار جرجير (٧٤) - اللعين - (٧٥) في أسطول إلى قلعة اقليبية، وهي قلعة حصينة، فلمّا وصل إليها سمعت العرب فاجتمعوا إليه، ونزل إليهم الافرنج فاقتتلوا فانهزم الافرنج، وقتل منهم خلق كثير، فرجعوا خاسرين إلى المهديّة، وصار للافرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس» (٧٦). وفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة (٧٧) مات الخبيث لجار (٧٨) - فعجل الله به إلى سخطه وعذاب النّار وبئس القرار -، وملك بعده ابنه اللعين غليالم (٧٩) فكان فاسد الدّين والتدبير خرج عن حكمه عدة من حصون صقليّة.

стр. 482

انتفاض صفاقس وغيرها من المدن على النرمان: فلمّا كانت سنة احدى وخمسين وخمسمائة (٨٠) يسّر تعالى خلاص معظم البلاد، فأول ما أنقذ من بلاد افريقية صفاقس (٨١)، فأظهروا مخالفة الكفار، وتبعهم النّاس، وخالفت جربة وقرقنة وطرابلس وقابس وغيرها، وكيفية اظهار صفاقس الخلاف أن لجار - لعنه الله - لمّا تغلّب على البلاد طلب الرّهائن من البلدان فمن جملة رهائن صفاقس الشّيخ الولي الصالح العالم سيدي أبو (٨٢) الحسن علي الفرياني، بعد ما طلبوه أن يكون هو مقدم البلاد، فادّعى العجز، وأقيم ولده الشيخ سيدي عمر ﵀ فجعل مقدما، «ولمّا أرادوا الخروج لصقليّة قال الشيخ أبو الحسن (٨٣) لولده: «يا بني أنا كبير السنّ / وقد قرب (٨٤) أجلي، فمتى أمكنتك الفرصة في الخلاف على العدو فافعل ولا تراقبهم ولا تنظر الي فاني أقتل، وأحسب أني قد متّ. فلمّا وجد الشّيخ عمر فرصة دعا أهل المدينة إلى مخالفة الافرنج وجميع النّصارى، وقال: ليطلع منكم جماعة إلى السّور، وجماعة إلى مساكن الافرنج والنّصارى، جميعهم وليقتلوهم، فقالوا له: إن الشيخ والدك نخاف عليه، فقال: هو أمرني بهذا، واذا قتل بالشيخ ألوف من الأعداء فما مات، فلم تطلع الشّمس حتى قتل الافرنج عن آخرهم، وكان ذلك أول السّنة المذكورة، (وذلك أوائل يناير) (٨٥) (وما قاموا عليهم حتى جعلوا صهريجا تحت الأرض شرقي المسجد الأعظم (٨٦) في صورة مخزن للماء، وصاروا كل ليلة ينزلون إليه لعمل السّلاح، والى الآن يسمّونه ماجل الصّاغة، وكان بابه مكشوفا، فلمّا أحدثوا السّاباط الشّرقي (٨٧) من المسجد للموازين، وجعلوا هناك حانوتا صار بجانبه، وهو تحت الطّريق

стр. 483

من جهة شرق المسجد، ولما جاءن ليلة يناير عيد النصارى (٨٨)، أظهروا معهم الفرج بموسم النصارى، وأمروا بطبخ الفول في كلّ دار، وجعلوا جماعة يدورون على الدّور في صورة شحّاتين يشحتون الفول، وأمر كل صاحب دار أن يخرج من الفول بقدر ما عنده من الرّجال، فجمعوا ما تحصّل وعدّوه وعرفوا ما عندهم، وأعطوا كل أحد من السّلاح بقدر ما أعطاهم من الفول (٨٩)، وأحدثوا لعبا سموه لعب ضرب النّار (٩٠) والى الآن يلعبن به الأصاغر ولما أتقنوا / وجه الحيلة مالوا على الكفرة ليلا، فلم تطلع الشمس حتى قتل الكفار عن آخرهم كما تقدم) (٩١) «وتبعهم أبو يحيى بن مطروح (٩٢) بطرابلس ثم محمد بن رشيد بقابس، (ولم يبق تحت حكم الكفار غير المهديّة وزويلة) (٩٣) فأرسل الشيخ سيدي عمر بن علي الفرياني إلى زويلة يحرّضهم على الوثوب على من معهم فيها من النّصارى، ففعلوا ذلك، وقدم عرب البلاد إلى زويلة، فأعانوا أهلها على من بالمهديّة من الافرنج، وقطعوا الميرة على المهديّة، فلما اتّصل الخبر بغليالم أحضر الشّيخ أبا الحسن، وعرّفه بما فعل ولده، وأمره أن يكتب إليه ينهاه عن ذلك، ويأمره بالعود إلى طاعته، ويخوّفه عاقبة فعله، فقال له الشّيخ: من أقدم على هذا لا يرجع بكتاب، فأرسل غليالم

стр. 484

اللعين رسولا يتهدد الشّيخ عمر ويأمره بترك ما ارتكبه، فلم يمكنه الشّيخ عمر من دخول البلد يومه ذلك، فلمّا كان الغد خرج أهل البلد جميعهم ومعهم جنازة والرسول يشاهدهم فدفنوها» (٩٤) «قال الرسول (٩٥): وصلت صفاقس فلم أمكن من النّزول إلى البرّ، ولمّا كان من الغد سمعت في البلد ضجّة، ثم فتح باب البحر، وخرج النّاس يكبّرون ويهلّلون ومعهم نعش قد رفعوه على رؤوسهم فحطوه، ثم تقدّم عمر فصلّى عليه ودفنه وعزاه النّاس وانفصلوا، قال: فاستدعيت الجواب فقيل لي: إن الشّيخ مشغول بالعزاء في والده الذي بصقليّة والنعش الذي رأيت نعشه، وقد عزم على موته والسلو عنه، وليس له / جواب الاّ ما رأيت، فلمّا بلغ ذلك طاغية صقليّة أمر بالشيخ أبي الحسن علي فسحب إلى المشنقة بوادي عبّاس فشنق وهو يتلو كتاب الله إلى أن فاضت نفسه ﵀» (ورحمنا به ونفعنا به وبأمثاله) (٩٦). قال التجاني (٩٧): وكان انتقاض صفاقس على النّصارى سببا في انتقاض سائر بلاد السواحل وزوالها من أيديهم، وأقام عمر يدبّر أمر البلد إلى أن قدم عبد المؤمن. «وأما أهل زويلة فانهم كثر جمعهم بالعرب وأهل صفاقس وغيرهم، فحصروا المهديّة وضيّقوا عليها، وكانت الأقوات بالمهديّة قليلة، فسيّر إليهم غليالم (٩٨) عشرين شينيا فيها الرّجال والطعام والسلاح، فدخلوا إلى البلد، وأرسلوا إلى العرب مالا لينهزموا ثم خرجوا من الغد فاقتتلوا هم وأهل زويلة فانهزم العرب، وبقي أهل زويلة وصفاقس يقاتلون الافرنج بظاهر البلد، فأحاط بهم الافرنج (٩٩) فركب أهل صفاقس مراكبهم في البحر لما تكاثر عليهم العدو (١٠٠)، وذهب أهل زويلة لبلدهم فرأوا أبوابها مغلقة، فلحقهم العدو فقاتلوا تحت السور وصبروا حتى قتل أكثرهم ولم ينج منهم الاّ القليل فتفرقوا، ومضى بعضهم لعبد المؤمن، ومن ثم فتحت أبواب زويلة وخرج من كان بداخلها من غير المقاتلة فمن له قدرة على الفرار فرّ بنفسه ومن عجز أسر ونهبت الأموال واستقرّ الافرنج بالمهديّة». (١٠١)

стр. 485

عبد المؤمن يسير نحو افريقية ويخلصها من النرمان وتمتثل لطاعته: ولمّا (١٠٢) وصل من ذهب لعبد المؤمن من أهل زويلة إلى مرّاكش ودخلوا على عبد المؤمن أخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس في ملوك / الاسلام من يقصد سواه، ولا يكشف هذا الكرب غيره مع ما كان يغريه الحسن على غزو افريقية وافتكاك المهديّة، فأثّر فيه كلامهم تأثيرا عظيما حتى دمعت عيناه، وأطرق مليا وأخذته غيرة الدّين وعصبيّة الاسلام وعزّة الملك فرفع رأسه وقال: أبشروا لأنصرنّكم ان شاء الله ولو بعد حين، وأكرم نزلهم وأطلق لهم ألفي دينار، ثم أمر بعمل الروايا (١٠٣) والقرب والحياض وما يحتاج إليه العساكر من آلة السفر، وكتب إلى جميع نوّابه بالمغرب، وكان قد ملك إلى قرب تونس يأمرهم بحفظ جميع ما يحصل من الغلات، وأن يترك في سنبله ويخزن في مواضعه، وأن يحفروا الآبار في الطّريق، ففعلوا جميع ما أمرهم به فجمعوا غلاّت ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل، وطينوا (١٠٤) عليها فصارت كالتلال. فلمّا كان صفر من سنة أربع وخمسين وخمسمائة (١٠٥) سار عن مرّاكش، وكان أكثر أسفاره في صفر، فسار يطلب افريقية، واجتمع معه من العساكر مائة ألف مقاتل، ومن الأتباع والسّوقة مثلهم (١٠٦)، (وقيل الخيل مائة ألف وأما الرجالة فلا يحصون كثرة) (١٠٧) وبلغ من حفظه لعساكره أنهم كانوا يمشون بين الزّرع فلا تتأذى بهم سنبلة، واذا نزلوا صلوا جميعهم مع امام واحد بتكبيرة واحدة لا يتخلف منهم أحد كائنا من (١٠٨) كان. وقدم بين يديه الحسن بن علي صاحب المهديّة» (١٠٩) «(١١٠) ومن تاريخ ابن شدّاد أن عبد المؤمن لمّا سار إلى تونس بالجموع العظيمة / كانوا يمرّون بالمزارع في الطّريق الضيّقة فلا يؤذون شيئا منها، وكانت هذه العساكر تمتدّ أميالا وكلّهم يصلّي الصّلوات

стр. 486

الخمس وراء إمام واحد بتكبيرة واحدة، وكانت مقدّمة هذا العسكر اثني عشر ألفا قد كلّفوا بحفر الآبار واستخراج المياه، فكانوا يمتدون قبله بيومين، فلا يأتي الاّ وقد هيّئت الغلاّت وملئت الأحواض بالمياه، ولولا هذا التّدبير لم يقدر على قطع هذه المسافة البعيدة بهذه الجيوش العظيمة، وكان كلّما مرّ بأرض فيها عرب بادروا إليه فاستصحب أعيانهم معه، وقد كانت وقعة سطيف أذلّتهم، وكان أسطوله في البحر سبعين مركبا قوّادها محمد ابن عبد العزيز بن ميمون من البيت المشهور (١١١) في قيادة البحر وابن الخرّاط (١١٢) وأبو الحسن الشاطبي، وغير هؤلاء ممّن هو مثلهم في المعرفة والشهرة. ولمّا (١١٣) وصل إلى باجة أقام بها ووجّه إلى أهل تونس بالتأمين التام والعفو، فما ازدادوا الاّ عصيانا، وقد كانوا قاتلوا ولده عبد الله قبل ذلك ومزقوا جيشه وفعلوا به الأفاعيل لمّا وصل إلى محاصرتهم سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة (١١٤) وانفصل عنهم أسوأ انفصال، فارتحل عبد المؤمن من باجة ونزل على طبريّة (١١٥) وأعاد إليهم التّرغيب في الطّاعة والتّرهيب من المخالفة فلم يقبلوا، فارتحل إلى تونس، وكان نزوله عليها يوم السبت العاشر من جمادى الأولى، وقيل في الرّابع والعشرين من جمادى الأخيرة من السّنة المذكورة، واتصلت الأخبية من الحنايا / إلى حلق الوادي فعاين أهل تونس أمرا عظيما، وأقام العسكر ثلاثة أيام لا يقاتلون، فنزل إلى عبد المؤمن أشياخ [لطلب] (١١٦) السّلم من أهل تونس منهم بنو عبد السّيد: عمر ومعاوية وعبد السّيد، ومنهم أبناء منصور اسماعيل وابن عمّه عتيق وغيرهم تمام الاثني عشر، وقيل سبعة عشر، فوصلوا إلى عبد المؤمن وطلبوا العفو فاستعفوا به بعد مكابدة شديدة، فأمّنهم في أنفسهم وأهاليهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطّاعة وأما من عداهم من أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم وأهاليهم ويقاسمهم في أموالهم وأملاكهم نصفين وأن يخرج صاحب البلد وهو أحمد بن خراسان هو وأهله إلى بجاية، فاستقر ذلك (١١٧) لأهل تونس، وأما غير أهل تونس من قراها وسائر بلادهم

стр. 487

فانهم يشاطرون في أموالهم، وتسلّم عبد المؤمن تونس، وأخرج ابن خراسان من يومه فمات في الطريق» (١١٨). «ثم ان (١١٩) عبد الله بن عبد المؤمن لما فعل به أهل تونس ما فعلوا حين نزل عليهم قبل هذا حلف أن يدخلها بالسّيف، ويقتل جميع من تقع عينه عليه من أهلها فأمر النّاس في هذه الخطرة أن يدخلوا دورهم ولا يخرج أحد حتى يسمع النّداء فدخل عبد الله البلد وسيفه في يده فلم يلق الاّ شيخا قتله وانصرف وقد برت يمينه (١٢٠) ومنع العسكر من الدّخول. وأقام (١٢١) عليها ثلاثة أيّام، وعرض (١٢٢) الاسلام على من بها من اليهود والنّصارى فمن أسلم / سلم، ومن امتنع قتل. ثم ارتحل (١٢٣) إلى المهديّة وخلّف بتونس أبا محمد عبد السلام الكومي ومعه أشياخ من الموحّدين لاستخلاص الأموال من أهل تونس فوقع البحث عن أموالهم ودخلت دورهم فحمل جميع ما فيها وبيع ما أمكن بيعه من رباعهم وأملاكهم وخرج الأمناء إلى سائر بلاد افريقية لمشاطرة الرّعيّة في جميع ما بأيديهم حتى لم يبق من افريقية بقعة الاّ عمّها ذلك» (١٢٤) (وقيل أقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ من نصف مساكنهم) (١٢٥) «وسار عبد المؤمن (١٢٦) منها إلى المهديّة والأسطول يحاذيه في البحر فوصل إليها ثاني عشر رجب ضحوة يوم الأربعاء وكان حينئذ بالمهديّة أولاد (١٢٧) ملوك الافرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا زويلة، فدخل عبد المؤمن زويله وامتلأت بالعساكر والسّوقة، فصارت مدينة معمورة في ساعة واحدة، ومن لم يكن له موضع من العسكر نزل بظاهرها، (وانضاف إليهم من

стр. 488

صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الاحصاء) (١٢٨) فأقبلوا يقاتلون المهديّة مع الأيام (١٢٩) فلا يؤثر (١٣٠) فيها لحصانتها وقوّة سورها وضيق موضع القتال منها لأن البحر دائر بأكثرها وكأنها كفّ في البحر وزندها متّصل بالبر، فكانت الافرنج تخرج شجعانها إلى أطراف العسكر فتنال منه وتعود سريعا، فأمر عبد المؤمن أن يبني سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج، وأحاط بها الأسطول في البحر، وركب عبد المؤمن في شيني ومعه / الحسن بن علي الذي كان صاحبها فطاف بها في البحر، فهاله ما رأى من حصانتها، وعلم أنها لا تفتح بقتال برا ولا بحرا، وليس لها الاّ المطاولة، وقال للحسن: كيف نزلت من مثل هذا الحصن؟ فقال: لقلة من يوثق (١٣١) به وعدم القوت وحكم القدر، قال: صدقت (فعاد من البحر، وأمر بجمع الغلاّت والأقوات وترك القتال فلم يمض غير قليل حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنطة والشّعير، فكان من يصل إلى العسكر من بعيد يقول: متى حدثت هذه الجبال ههنا؟ فيقال لهم: هي حنطة وشعير، فيعجبون من ذلك فتمادى الحصار)» (١٣٢). وكان لمّا وصل إلى المهديّة عبد المؤمن «وصل إليه الشّيخ عمر الفرياني مع جماعة من مشايخ صفاقس فأذعنوا له بالطّاعة، وعيّن لهم عبد المؤمن حافظا من الموحّدين، وأمر عمر بالرجوع إلى بلده وأن تكون الأشغال المخزنية تتصرف على يديه، فأقام على ذلك إلى أن توفي» (١٣٣)، و «في (١٣٤) تلك المدّة أطاع أهل طرابلس وجبال نفوسة وقصور افريقية وما والاها، وفتح مدينة قابس بالسيف، وسير ابنه أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلادا، ثم أن أهل قفصة لمّا رأوا تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته، وتسليم المدينة إليه فتوجه صاحبها يحيى بن تميم بن المعتز (١٣٥)، ومعه جماعة من أعيانها وقصدوا عبد المؤمن، فلمّا أعلمه حاجبه بهم قال له عبد المؤمن: قد اشتبه عليك، ليس هؤلاء أهل قفصة، فقال له: ما اشتبه علي /، فقال عبد المؤمن: كيف

стр. 489

يكون ذلك والمهدي يقول ان أصحابنا (١٣٦) يقطعون أشجارها ويهدّمون أسوارها، ومع هذا فنقبل (١٣٧) منهم ونكف عنهم ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ (١٣٨) فلمّا دخلوا عليه أنشده شاعرهم (١٣٩) أبو محمد عبد الله بن أبي العبّاس التيفاشي قصيدة امتدحه بها أولها: [بسيط] ما هزّ عطفية بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي فوصله بألف دينار، (وأشار إليه عند ذكر هذه البيت أن اقتصر) (١٤٠). ولمّا كان الثاني والعشرين من شعبان من السنة جاء أسطول صاحب صقليّة في مائة وخمسين شينيا غير الطّرائد وكان قدومهم من جزيرة يابسة (١٤١)، وقد سبى أهلها وأسّرهم وحملهم معه، فأرسل إليهم طاغية الافرنج يأمرهم بالمسير إلى المهديّة، فقدموا في التاريخ، فلمّا قاربوا المهديّة حلوا (١٤٢) قلوعهم ليدخلوا الميناء، فخرج أسطول عبد المؤمن، وركب جميع العسكر ووقفوا [على] جانب البحر، فاستعظم الافرنج ما رأوا من كثرة العساكر، ودخل الرّعب في قلوبهم، وبقي عبد المؤمن يمرّغ وجهه على الأرض ويبكي ويدعو للمسلمين بالنّصر، واقتتلوا في البحر فانهزمت (١٤٣) شواني الافرنج، وأعادوا القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا منهم سبع شواني، ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرهم، وكان أمرا عجيبا وفتحا غريبا (١٤٤)، وعاد أسطول المسلمين مظفرا منصورا، وفرق عبد المؤمن فيهم الأموال فيئس (١٤٥) أهل المهديّة من النجدة وصبروا على هذا الحصار ستة أشهر إلى آخر ذي / الحجّة من السنّة، فنزل من فرسان الافرنج إلى عبد المؤمن عشرة وسألوه الأمان لمن فيها من الافرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم، وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل، فعرض عليهم الاسلام ودعاهم إليه فلم يجيبوا، فما زالوا يتردّدون إليه ويستعطفونه بالكلام اللين، حتى أجابهم

стр. 490

إلى ذلك، وأمّنهم وأعطاهم سفنا فركبوا فيها، وكان الزّمان شتاء فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقليّة الاّ النّفر اليسير. وكان صاحب صقليّة قال: ان قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهديّة قتلنا المسلمين الذين عندنا بجزيرة صقليّة، وأخذنا حريمهم وأموالهم، فأهلك الله الافرنج غرقا وكان مدّة ملكهم للمهديّة اثنتي عشرة سنة. ودخل عبد المؤمن المهديّة بكرة عاشوراء من المحرّم سنة خمس وخمسين وخمسمائة (١٤٦)، فسمّاها عبد المؤمن سنة الأخماس، وأقام بالمهديّة عشرين يوما فرتب أحوالها، وأصلح ما ثلم من سورها، ونقل إليها الذخائر من الأقوات والرجال والعدد، وولى عليها أبا عبد الله محمد بن فرج الكومي (١٤٧)، وأسكن الحسن زويلة، وأمر الكومي أن يقتدى به في أقواله وأفعاله وأقطع الحسن اقطاعا، وأعطاه دورا نفيسة يسكنها، وكذا فعل بأولاده، ورحل عن المهديّة أول صفر من السّنة المذكورة إلى بلاد المغرب» (١٤٨). «وأقام (١٤٩) الحسن وبنوه بعد عبد المؤمن عشر سنين على ما هم عليه إلى أن توفي عبد المؤمن / وولي ابنه أبو يعقوب فوصل أمره بطلوع الحسن إلى المغرب، فطلع بأهله وولده وحاشيته سنة ست وستين وخمسمائة (١٥٠)، فلمّا وصل إلى الموضع المسمى بتامسنا (١٥١) توفي هنالك (١٥٢) وبه قبره، وكانت وفاته في شهر رجب من العام المذكور. وذكر التجاني (١٥٣) في «رحلته» ان عبد المؤمن لمّا وصل إلى افريقية واستنقذ المهديّة من أيدي النّصارى، وقام (١٥٤) أهل كل بلد على من عندهم امتثل أهل سوسة ذلك، ورحل (١٥٥) أشياخهم إلى عبد المؤمن، ووصل إليه أيضا جبارة بن كامل الذي كان مستوليا عليها، فقدم على سوسة حافظا من الموحدين يعرف بعبد الحق بن علناس

стр. 491

الكومي، فطرقهم أسطول النّصارى ثانية وهم على غرّة، فاستولى على البلد وقتل من أهله (١٥٦) من قتل وسبى من سبى، وخرّب البلد تخريبا عظيما لأنه لم يبن على الاقامة فيه (١٥٧)، وأسّروا الحافظ المذكور وأهله وولده، وتوجّه بهم إلى صقليّة فأقاموا بها مدّة، ثم افتدوا بعد ذلك، وخرجوا، ومن حينئذ استولى الخراب على مدينة سوسة. وكفى فخرا لسوسة أن المنستير الذي وردت الأحاديث في فضله محرس من محارسها ومنسوب إليها. روى أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم في تأليفه (١٥٨) بسنده إلى سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «من رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنّة» (١٥٩) وبسنده إلى خالد بن معدان عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ «بمدينة يقال لها المنستير باب من أبواب الجنة (١٦٠) / ينقطع الجهاد [في] آخر الزمان من كل موضع فكأني أسمع صرير المحامل من مشارق الأرض ومغاربها إلى ساحل قمونية» (١٦١)، وبسنده عن عبّاد بن كثير، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ «بساحل قمونية باب من أبواب الجنّة يقال له المنستير من دخله فيرحمه الله، ومن خرج عنه فيعفو الله عنه» (١٦٢). وعبّاد (١٦٣) بن كثير الواقع في هذا السند متروك الحديث عندهم، وليث بن سليم (١٦٤)

стр. 492

ضعيف لا يحتج به اهـ (١٦٥) من كتاب أبي العرب. وبسند أبي العرب (١٦٦) إلى عبد الرحمان بن زياد بن أنعم عن مطرّف بن عبد الله قال: المنستير باب من أبواب الجنّة، فبينما هم في الصّلاة اذ سمعوا هاتفا (١٦٧) فبعثوا رسولهم ليأتيهم (١٦٨) بالخبر، فما لبثوا أن انصرف (١٦٩)، فقالوا له ما طرفك (١٧٠) قال (١٧١): سيرت الجبال، فيخرّون سجّدا لله، فيقول الله ﵎ «يا أهل المنستير لولا أن كتبت الموت على خلقي لأدخلتكم الجنة (١٧٢) يعني قبل الموت، فتخرج عليهم ريح صفراء ما بين القبلة والمشرق فتخرج أرواحهم (١٧٣) فتتلقاهم أزواجهم من حور العين وخدمهم». وعبد الرحمان (١٧٤) بن زياد متروك الحديث أيضا ضعفه ابن معين والبهلول ابن راشد. سمعت سفيان بن عيينة يقول: جاءنا عبد الرحمان بن زياد الافريقي بستة أحاديث رفعها إلى النبي ﷺ لم أسمع أحدا من العلماء ذكرها ورفعها. وبسند أبي العرب (١٧٥) إلى سفيان بن عيينة موقوفا عليه قال: الفضل في ثلاثة مواضع / المصّيصة باب من أبواب الجنّة ليحشرن (١٧٦) منها يوم القيامة سبعون ألف شهيد، وعسقلان باب من أبواب الجنّة، وموضع هناك بالمغرب يقال له الياقوتة بالمنستير

стр. 493

داخل في البحر إلى جانب سبخة على جانب (١٧٧) تلك السبخة قنطرة من قناطر (١٧٨) الأولين يحشر منها يوم القيامة سبعون ألف شهيد (١٧٩)، وفي كتاب «الرقيق» قال: يقال إن (١٨٠) بافريقية ساحلا يقال له المنستير هو باب من أبواب الجنّة، وبها جبل يقال له ممطور هو باب من أبواب جهنّم (١٨١)، اهـ كلام الرحلة» (١٨٢) وذكرته لأنه لا يخلو من فائدة وان ضعفت هذه الأحاديث ليعلم الواقف عليها حالها، والله تعالى أعلم (١٨٣).

стр. 494

الباب الثالث في ذكر ثوار افريقية على الموحدين ثورة بني غانية: وهم أولاد غانية (١) أبوهم إسحاق بن حمّو (٢) - بفتح الحاء بعدها ميم مشدّدة مضمومة ثم واو - بن علي الصنهاجي (٣) الملثّمي صاحب ميورقة ومالقة ويابسة، فلمّا توفي اسحاق سنة ثمانين وخمسمائة (٤) خلفه نجباء بنيه وهم أربعة: أبو عبد الله محمّد، وأبو الحسن علي، وأبو زكرياء يحيى، وأبو محمد عبد الله. فأما محمّد فانه توجّه بعد موت أبيه إلى الموحّدين بالأندلس فأعطوه مدينة دانية، وأحسنوا إليه غاية الإحسان، وأما عبد الله وهو أصغرهم فانه تملك ميورقة إلى سنة تسع وتسعين وخمسمائة (٥)، فجهز إليه النّاصر أسطولا في البحر نزل بساحة ميورقة، فبرز إليهم، وكان شجاعا كريما فعثر به فرسه فسقط إلى / الأرض، فقتلوه وعلّقوا جثّته على السّور (٦)، وحملوا رأسه إلى مرّاكش وأخذوا ميورقة، فبقيت بأيديهم إلى أن تغلّب الافرنج عليها في سنة سبع وعشرين وستمائة (٧)، وفعلوا فيها (٨) العظائم من القتل والأسر، وأما علي ويحيى فخرجا إلى افريقية وفعلا الأفعال العجيبة المشهورة بين النّاس من الحروب والعيث في البلاد، وكان خروجهم من ميورقة في شعبان سنة ثمانين وخمسمائة (٩) لما تولّى المنصور، واشتغل بقتال الأندلس ثلاث سنين، فوصلوا لبجاية في اثنتين وثلاثين قطعة على حين غفلة (وأهلها ومن

стр. 495

واليها) (١٠) [أبي الربيع] (١١) بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان (١٢) خارجها في بعض مذاهبه فاستولوا عليها وعلى تونس، وبلغوا إلى بلاد طرابلس - كما يأتي -، ولمّا بلغوا تونس دخلوا على أميرها أبي زيد (١٣) واعتقلوه، وأخربوا البلاد، وأهلكوا العباد، فمن شنائعهم أنهم لما نزلوا منزل باشو (١٤) من جزيرة شريك سألهم (١٥) أهله الأمان فأمّنوهم، ودخل عسكرهم المنزل المذكور فانتهبوا جميع ما فيه، وسلبوا أهله حتى ثيابهم التي تواري عوراتهم، وامتدّت أيدي العبيد، وجفاة (١٦) الأعراب، واضطر أهله إلى الفرار، ففروا بأجمعهم إلى تونس ونزلوا بين سوريها، فدخل عليهم الشتاء هنالك فأهلكهم البرد والماء، فأحصي من مات منهم بتونس فكانوا اثني عشر ألفا، وقيل إن خراب المنزل كان على يد قراقش الأرمني (١٧). فقد نقل التجاني (١٨) في رحلته عن الفاضل بن البيساني (١٩) «ان الأجناد وصلت من الاسكندرية / في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة (٢٠) وأن قراقش الأرمني (٢١) عاث في جزيرة باشو (٢٢) وأفسد قطرها وقطر (٢٣) صفاقس والمهديّة» (٢٤)، والكل صحيح، فان قراقش (٢١) كان صديقا للميورقيين لاجتماعهم على مخالفة
следующие страницы →