← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الكومي، فطرقهم أسطول النّصارى ثانية وهم على غرّة، فاستولى على البلد وقتل من أهله (١٥٦) من قتل وسبى من سبى، وخرّب البلد تخريبا عظيما لأنه لم يبن على الاقامة فيه (١٥٧)، وأسّروا الحافظ المذكور وأهله وولده، وتوجّه بهم إلى صقليّة فأقاموا بها مدّة، ثم افتدوا بعد ذلك، وخرجوا، ومن حينئذ استولى الخراب على مدينة سوسة. وكفى فخرا لسوسة أن المنستير الذي وردت الأحاديث في فضله محرس من محارسها ومنسوب إليها. روى أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم في تأليفه (١٥٨) بسنده إلى سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «من رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنّة» (١٥٩) وبسنده إلى خالد بن معدان عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ «بمدينة يقال لها المنستير باب من أبواب الجنة (١٦٠) / ينقطع الجهاد [في] آخر الزمان من كل موضع فكأني أسمع صرير المحامل من مشارق الأرض ومغاربها إلى ساحل قمونية» (١٦١)، وبسنده عن عبّاد بن كثير، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ «بساحل قمونية باب من أبواب الجنّة يقال له المنستير من دخله فيرحمه الله، ومن خرج عنه فيعفو الله عنه» (١٦٢). وعبّاد (١٦٣) بن كثير الواقع في هذا السند متروك الحديث عندهم، وليث بن سليم (١٦٤)

стр. 492

ضعيف لا يحتج به اهـ (١٦٥) من كتاب أبي العرب. وبسند أبي العرب (١٦٦) إلى عبد الرحمان بن زياد بن أنعم عن مطرّف بن عبد الله قال: المنستير باب من أبواب الجنّة، فبينما هم في الصّلاة اذ سمعوا هاتفا (١٦٧) فبعثوا رسولهم ليأتيهم (١٦٨) بالخبر، فما لبثوا أن انصرف (١٦٩)، فقالوا له ما طرفك (١٧٠) قال (١٧١): سيرت الجبال، فيخرّون سجّدا لله، فيقول الله ﵎ «يا أهل المنستير لولا أن كتبت الموت على خلقي لأدخلتكم الجنة (١٧٢) يعني قبل الموت، فتخرج عليهم ريح صفراء ما بين القبلة والمشرق فتخرج أرواحهم (١٧٣) فتتلقاهم أزواجهم من حور العين وخدمهم». وعبد الرحمان (١٧٤) بن زياد متروك الحديث أيضا ضعفه ابن معين والبهلول ابن راشد. سمعت سفيان بن عيينة يقول: جاءنا عبد الرحمان بن زياد الافريقي بستة أحاديث رفعها إلى النبي ﷺ لم أسمع أحدا من العلماء ذكرها ورفعها. وبسند أبي العرب (١٧٥) إلى سفيان بن عيينة موقوفا عليه قال: الفضل في ثلاثة مواضع / المصّيصة باب من أبواب الجنّة ليحشرن (١٧٦) منها يوم القيامة سبعون ألف شهيد، وعسقلان باب من أبواب الجنّة، وموضع هناك بالمغرب يقال له الياقوتة بالمنستير

стр. 493

داخل في البحر إلى جانب سبخة على جانب (١٧٧) تلك السبخة قنطرة من قناطر (١٧٨) الأولين يحشر منها يوم القيامة سبعون ألف شهيد (١٧٩)، وفي كتاب «الرقيق» قال: يقال إن (١٨٠) بافريقية ساحلا يقال له المنستير هو باب من أبواب الجنّة، وبها جبل يقال له ممطور هو باب من أبواب جهنّم (١٨١)، اهـ كلام الرحلة» (١٨٢) وذكرته لأنه لا يخلو من فائدة وان ضعفت هذه الأحاديث ليعلم الواقف عليها حالها، والله تعالى أعلم (١٨٣).

стр. 494

الباب الثالث في ذكر ثوار افريقية على الموحدين ثورة بني غانية: وهم أولاد غانية (١) أبوهم إسحاق بن حمّو (٢) - بفتح الحاء بعدها ميم مشدّدة مضمومة ثم واو - بن علي الصنهاجي (٣) الملثّمي صاحب ميورقة ومالقة ويابسة، فلمّا توفي اسحاق سنة ثمانين وخمسمائة (٤) خلفه نجباء بنيه وهم أربعة: أبو عبد الله محمّد، وأبو الحسن علي، وأبو زكرياء يحيى، وأبو محمد عبد الله. فأما محمّد فانه توجّه بعد موت أبيه إلى الموحّدين بالأندلس فأعطوه مدينة دانية، وأحسنوا إليه غاية الإحسان، وأما عبد الله وهو أصغرهم فانه تملك ميورقة إلى سنة تسع وتسعين وخمسمائة (٥)، فجهز إليه النّاصر أسطولا في البحر نزل بساحة ميورقة، فبرز إليهم، وكان شجاعا كريما فعثر به فرسه فسقط إلى / الأرض، فقتلوه وعلّقوا جثّته على السّور (٦)، وحملوا رأسه إلى مرّاكش وأخذوا ميورقة، فبقيت بأيديهم إلى أن تغلّب الافرنج عليها في سنة سبع وعشرين وستمائة (٧)، وفعلوا فيها (٨) العظائم من القتل والأسر، وأما علي ويحيى فخرجا إلى افريقية وفعلا الأفعال العجيبة المشهورة بين النّاس من الحروب والعيث في البلاد، وكان خروجهم من ميورقة في شعبان سنة ثمانين وخمسمائة (٩) لما تولّى المنصور، واشتغل بقتال الأندلس ثلاث سنين، فوصلوا لبجاية في اثنتين وثلاثين قطعة على حين غفلة (وأهلها ومن

стр. 495

واليها) (١٠) [أبي الربيع] (١١) بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان (١٢) خارجها في بعض مذاهبه فاستولوا عليها وعلى تونس، وبلغوا إلى بلاد طرابلس - كما يأتي -، ولمّا بلغوا تونس دخلوا على أميرها أبي زيد (١٣) واعتقلوه، وأخربوا البلاد، وأهلكوا العباد، فمن شنائعهم أنهم لما نزلوا منزل باشو (١٤) من جزيرة شريك سألهم (١٥) أهله الأمان فأمّنوهم، ودخل عسكرهم المنزل المذكور فانتهبوا جميع ما فيه، وسلبوا أهله حتى ثيابهم التي تواري عوراتهم، وامتدّت أيدي العبيد، وجفاة (١٦) الأعراب، واضطر أهله إلى الفرار، ففروا بأجمعهم إلى تونس ونزلوا بين سوريها، فدخل عليهم الشتاء هنالك فأهلكهم البرد والماء، فأحصي من مات منهم بتونس فكانوا اثني عشر ألفا، وقيل إن خراب المنزل كان على يد قراقش الأرمني (١٧). فقد نقل التجاني (١٨) في رحلته عن الفاضل بن البيساني (١٩) «ان الأجناد وصلت من الاسكندرية / في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة (٢٠) وأن قراقش الأرمني (٢١) عاث في جزيرة باشو (٢٢) وأفسد قطرها وقطر (٢٣) صفاقس والمهديّة» (٢٤)، والكل صحيح، فان قراقش (٢١) كان صديقا للميورقيين لاجتماعهم على مخالفة

стр. 496

الموحدين، والدّعوى لبني العبّاس، وسعوا جميعا في فساد البلاد، وهلاك العباد، وكانوا يلتقون في كثير من الحروب وبينهم معاونة ومصالحة. وأصل قراقوش (*) هذا وسبب دخوله من المشرق إلى المغرب «أن صلاح الدّين (٢٥) يوسف بن أيوب - المقدّم الذكر - كان حصل بينه وبين نور الدّين بعد تسلطنه بمصر وحشة خاف بسببها أن ينتزعها منه نور الدّين فاحتاط لنفسه وبنى [على] (٢٦) الدفاع لنفسه أمامه ان وصل، وذلك سنة ثمان وستين وخمسمائة (٢٧)، فانقسم أمره بين بلاد اليمن وبلاد المغرب فقال له أخوه تورانشاه (٢٨) بن أيوب: أنا أتوجّه إلى اليمن، [وأستفتحها وأعيدها لك ان احتجت إليها] (٢٩) فتجهز إليها (٣٠) في السنة المذكورة وافتتحها في السنة التي بعدها، وقال له الملك المظفر تقي الدّين ابن أخيه شاهنشاه بن أيّوب: أنا أتوجّه إلى المغرب فأفعل مثل ذلك، فاشتغل تقي الدّين بالنّظر في حركته ثم انه زهد في بلاد المغرب وعرف ما بينه وبين افريقية من العربان والمهالك فاستعفى من ذلك. وقد كان سرى خبر تغريبه إلى جمع من خواصّه وجنده فاستشرفوا (٣١) لذلك وبنوا عليه، فلمّا امتنع (٣٢) تقي الدّين من التغريب فرّ مملوكه شرف الدّين قراقش الأرمني (٣٣) بطائفة من قومه وابراهيم بن قراتكين (٣٤) بطائفة أخرى، وكان سلاح دار (٣٥) الملك المعظّم شمس الدولة أخي صلاح الدّين، الاّ أنه كان في أجناد / تقي الدّين فجاز المذكوران بمن معهما إلى المغرب، ولمّا جازا العقبة رأيا أن يفترقا لينفرد كل واحد بما قدر له من الملك والرئاسة (٣٦)، فأما ابراهيم (٣٧) بن قراتكين فانه سار بجمعه ووقع في

стр. 497

خاطره المهاجرة إلى بني عبد المؤمن والركوب عندهم فصدّه أشياخ العرب المخالفون عليهم عن (٣٨) ذلك وحملوه على الانفراد، وطلب الرئاسة، فساروا معه إلى قفصة واستولوا على جميع منازلها، وأرسل إلى بني الرند (٣٩) رؤساء قفصة فمكنوه من البلاد لانحرافهم عن بني عبد المؤمن وحبهم في الخطبة العباسية التي ألفوها، فدخلها ابراهيم وخطب فيها للخليفة العباسي ثم لصلاح الدّين، وقدر أن كان قتل ابراهيم المذكور وجملة من أصحابه على يد المنصور يعقوب بن يوسف بن؟؟؟ المؤمن بعد ذلك بقفصة. وأما قراقش (٤٠) فسار إلى سنترية (٤١) فافتتحها وخطب فيها للسلطان صلاح الدّين ولأستاذه تقي الدّين بعده وكتب اليهما بذلك وفتح زلة (٤٢) وأوجلة (٤٣) وأزال من بلاد فزّان دولة «بني خطاب» الهواريين وكانت (٤٤) قاعدة ملكهم زويلة وهي المعروفة «بزويلة بني الخطاب» (٤٥) وعذّب ملكها (٤٦) محمد بن خطاب بن عبد الله بن زنفل بن خطاب آخر ملوكهم على المال حتى هلك، وخطب فيها لصلاح الدّين ولتقي الدّين. ولم يزل على هذه الطّريقة يفتح البلاد، ويخطب فيها لمن ذكر إلى أن وصل إلى طرابلس، فاجتمع عليه الدّبّابيون، ونهضوا معه إلى جبل نفوسة / فاستولى عليه، واستخلص منه أموالا عظيمة أرضى بها العرب، وكان الاتفاق أن مسعود بن رمان (٤٧) أمير الرّياحيين خالف في ذلك الزّمن على بني عبد المؤمن، وفرّ أمامهم ووصل إلى هذه البلاد، فكان تارة يكون مع زغب وتارة يكون مع ذبّاب، فلمّا سمع بوصول قراقش ومن عنده من رماة الغزّ سرّ بهم، وتوجّه بمن معه من أبطال الرياحيين إليهم فحاصر قراقش

стр. 498

طرابلس، وصادف بلادا لم تتوقع (٤٨) ثائرا ولا مخالفا فهي خالية من الأجناد ومن العدد والأقوات، فاستولى عليها، فعظم اذ ذاك أمره، وتوقّع من بتونس وغيرها شرّه، ووصلت إليه العربان من كل مكان، فاحتاج إلى تكليف الرّعيّة فوق طاقتهم، فانفض النّاس عنه بعد أن كانت القلوب مالت إليه، وأقبلت عليه، ثم زاد بعد ذلك، ودخل افريقية، وتعاون في حرويه بالميورقيين عند مقاتلة الموحدين ومكث كذلك نحوا من أربعين سنة» (٤٩). ولمّا اتّصل بالخليفة المنصور يعقوب (٥٠) ما نزل بافريقية نهض من مرّاكش سنة ثلاث وثمانين (٥١) لحسم هذه الدّول، فوصل إلى تونس واستراح بها، ثم سرّح مقدمه الشّيخ أبا يوسف يعقوب (٥٢) بن أبي حفص بن عبد المؤمن «فالتقوا قرب قفصة فانهزم الشّيخ يعقوب وجماعته، وأخذت أسلابهم، وتسمى هذه الوقعة وقعة عمرة، قتل فيها أكثر جيش المنصور، وتحامل من سلم من القتل فوصل قفصة فاستدعاهم الميورقي موهما (٥٣) لهم بالأمان، فلمّا اجتمعوا أجال (٥٤) فيهم السّيف، فامتعض المنصور من ذلك، / ونكب عن المشورة، واستبدّ برأيه وتحرّك من تونس واستخلف عليها أخاه السّيد أبا اسحاق ونزل رادس متلوما وقد ظهر تكاسل النّاس، فعاقب أقواما على تأخّرهم، وتوجّه سنة ست وثمانين وخمسمائة (٥٥) فلمّا كان على فرسخين من الحمّة سرّح سريّة إلى منازل العرب الذين مع الميورقيين، فشنّت الغارة عليهم واكتسحت أموالهم، ففلّ ذلك شوكتهم، ثم لبس المنصور لامته وناجزهم الحرب مباشرة بنفسه، فاستؤصلت الميورقية، واتفق أن أصاب علي (٥٦) بن غانية الميورقي سهم في ترقوته فكانت فيه روحه، وأفلت أخوه يحيى وقراقش فتبعهم الموحّدون سالكين سبيلهما حتى أشرفوا على توزر، فوجدوهما

стр. 499

قد توغلا في صحرائها فرجعوا عنهما، وانصرف المنصور لقابس فأحاط بها برا وبحرا إلى أن فتحوا له أبوابها واستسلموا. ثم توجّه المنصور إلى قفصة، فحاصرها حصارا شديدا إلى أن خرج إليه أهلها راغبين في العفو فشارطهم على تأمين أهل البلد في أنفسهم خاصّة وتبقى أملاكهم في أيديهم على حكم المساقاة وجميع ما عندهم من الحشود والغرباء (٥٧) ينزلون على الحكم، فوقع الاتفاق على ذلك، وخرج جميع من في البلد من أهله (٥٨) وغيرهم حتى لم يبق فيه (٥٩) الاّ النّساء فميّز أهل البلد وأمرهم بالرّجوع إلى بلدهم، وبقي من كان به (٦٠) من الغرباء (٥٧)، والحشود والجنود فثقفوا ساعة، ثم جلس المنصور باثر صلاة الظهر بموضع جلوسه وأخذ النّاس مراتبهم، وأمر بأولائك / المثقفين فذبحوا بين يديه أجمعين، ولم يفلت منهم أحد، وأمر المنصور بهدم سور قفصة وفرّق عليه الجند، ففرغوا منه في يومين، وعاد خبرا بعد عين، وكان المنصور آلى على نفسه أيّام حصارها أن يقطع كل يوم ألف نخلة، فقطع أكثر نخيلها» (٦١). فلمّا استعاد المنصور ما كان استولى عليه بنو غانية رجع لتونس، ثم انصرف إلى مرّاكش فأظهر قراقش الإنابة، وهاجر إلى الموحدين، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمائة (٦٢) «فاجتمع (٦٣) قراقش بالسيد زيد ابن السيد [أبي] (٦٤) حفص وهو اذ ذاك الوالي عليها من قبل المنصور، فأقام بها زمانا تحت كرامته، ثم انصرف فارا عنه إلى قابس، وخادع (٦٥) أهلها حتى دخلها فقتل جماعة منهم، وأظهر الرجوع عن الانابة، واستدعى أشياخ العرب الدّبابيين (٦٦) فقتل أعيانهم [بقابس] (٦٧) ومن جملة من قتل منهم

стр. 500

محمود بن طوق بن بقية وإليه تنسب المحاميد، وحميد بن جارية وإليه تنسب الجواري في سبعين من كبارهم، وذلك بداخل قصر العروسين من قابس في موضع منها معلوم، ثم توجّه قراقش بعد فتحها أيضا إلى طرابلس فحصل تحت ولايته قابس وطرابلس، ثم وقع بين يحيى بن غانية الميورقي وقراقش تغير بعد وصول ابن غانية للجريد فسار إليه بطرابلس فخرج قراقش وفرّ إلى الجبال ولم يدخل طرابلس خوفا من الحصار» (٦٨) فرجع ابن غانية لطرابلس وحاصرها حصارا شديدا حتى فتحها بعد مقاساة ومدافعات ووقعات / «ثم أخذ (٦٩) في الحركة إلى قابس، وكان نائب قراقش خرج منها لمّا انهزم قراقش، ووجّه إليها الشّيخ أبو سعيد بن أبي حفص من تونس حافظا من الموحدين يعرف بابن تافراجين، فتحرّك ابن غانية إليها ووصل إلى المنزل المعروف بزريق - بتقديم الزاي على الراء -، وكتب إلى أهل قابس ينذرهم ويحذّرهم بما حاصله (٧٠): «ولمّا عزمنا على قرع بابكم، والحلول بجنابكم، رأينا تقديم الإنذار إليكم، وإيراد النّصيحة عليكم والكفّ عنكم ثلاثة أيّام لا تمدّ لكم فيها يد (٧١)، ولا يتقدم (٧٢) إليكم بالإضرار أحد، لنعلم ما عندكم، ونتبين (٧٣) غيّكم من رشدكم، فان آثرتم الطّاعة، وتبعتم الجماعة، مددنا لكم أكناف العدل، واتّبعنا فيكم كريم القول وصحيح الفعل، وان أبيتم الاّ خلاف ذلك فقد أبلغنا النّفس عذرا، وأتينا بالتبرئ من أمركم برا، ولا تغتروا بأهل طرابلس فلو كان لهم سواد يقطع، أو مياه تصدع (٧٤)، أو مياه تصدع (٧٤) وتمنع، لجروا إلى الطاعة، وحملوا أنفسهم منها فوق الاستطاعة». فلمّا انقضى أجله الذي حدّ، (ولم يبرز إليه منهم أحد) (٧٥)، ولم ير منهم إجابة ولا أنس منهم إنابة، زحف إليها بجموعه فحاصرها حصارا شديدا، وقطع جميع غابتها، فيقال إنه لم يترك منها الاّ نخلة واحدة تركها عبرة لهم، فأنابوا إليه بعد أن اشترطوا عليه

стр. 501

مسالمة واليهم بن تافراجين، وان يتوجّه بماله وأهله في البحر، فاشترط لهم ذلك، ووفّى به، وأغرمهم ستين ألف دينار عقوبة / لهم» (٧٦) وكان ذلك سنة احدى وتسعين وخمسمائة (٧٧). ثورة محمد بن عبد الكريم الرجراجي: «وفي سنة خمس وتسعين (٧٨) ثار بالمهديّة محمد بن عبد الكريم الرجراجي (٧٩) على المنصور فلمّا توفي المنصور ليلة الجمعة ثاني ربيع الأولى من السنة المذكورة وولي ابنه بعده النّاصر واستوزر أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص صاحب عبد المؤمن استبدّ ابن عبد الكريم بنفسه، وقبض على والي المهديّة الشّيخ أبي علي يونس بن الشّيخ أبي حفص ابن عبد المؤمن، وكان محمّد بن عبد الكريم هذا ممن نشأ بالمهديّة وكان أبوه من جندها السّاكنين بها المنظور (٨٠) اليهم فيها، وهو مضاف إلى قبيلة كومية (٨١)، وكانت (٨٢) لمحمد هذا شجاعة وبسالة ظهرت له في مواطن كثيرة مع الأعراب وغيرهم، وكان قد جمع لنفسه خيلا ورجالا من الرّعايا (٨٣) يغزو بهم على الأعراب المفسدين، فيكّف ضررهم واعتداءهم، وقد علم إقدامه وغناؤه فقدّمه الوالي على ذلك وأطلق يده فيمن (٨٤) اعتدى منهم، فكان يقبض عليهم فيقتل (٨٥) منهم من يقتل ولا يطلق من حبسه (٨٦) منهم إلاّ بعد دفع أموال كثيرة واعطاء العهود والمواثيق على الكفّ عن العناد والفساد، فكانت العرب تهابه ولا تنتجع أرضا إلاّ باذنه، فارتفع صيته بذلك وسما ذكره وحصل الأمن به في تلك

стр. 502

الجهات، فكان يدعى له في المساجد وعقب الصلوات. فاتفق أن قدم الشيخ أبو سعيد ابن الشّيخ أبي حفص على افريقية / من قبل المنصور فولى أبو سعيد على المهديّة أخاه أبا علي يونس بن أبي حفص، فلمّا وصل إليها واطلع على حال ابن عبد الكريم بها طالبه باسهامه فيما يناله من أموال الأعراب المفسدين، فامتنع ابن عبد الكريم من ذلك وطلب من الشّيخ أبي علي أن يجريه على ما أجراه عليه الولاة من قبله، فقبض الشّيخ أبو علي عليه وأهانه وامتحنه، فبعث ابن عبد الكريم إلى أخيه الشّيخ أبي سعيد يستشفع به فأعرض الشّيخ أبو سعيد عنه، واتّفق باثر ذلك أن عظم فساد العرب في الساحل وكثر التشكّي منهم، فألح النّاس على الشّيخ أبي علي في اطلاق ابن عبد الكريم وكادت (٨٧) تقوم بسبب ذلك فتنة فاضطر إلى اطلاقه ورد إليه جنده الذين كانوا متميزين بصحبته، وأمره بالخروج لكف أولائك العربان عن الفساد، فاغتنم ابن عبد الكريم ذلك وخرج عن المهديّة مبادرا وضرب أخبيته بظاهرها، وأقام هنالك يومين إلى أن اجتمع إليه النّاس، فشكا إليهم ما فعل الشيخ أبو علي به وعرفهم أنه عازم على الغدر به إن وقعت منهم موافقة له، فأجابوه إلى ذلك وصوّبوا له رأيه، فنهض بهم في ثلث الليل الأخير إلى المهديّة، فلما فتح بابها دخل إليها بمن أحبّ من جنده وأمر باغلاق الباب، ثم بادر إلى قصر الشّيخ أبي علي وكان ابن عبد الكريم متلثما فأنكره البواب وأغلق باب القصر / فحسر عن وجهه فعرفه ففتح له وهرب فدخل ابن عبد الكريم وجماعته إلى القصر، وسمع الشّيخ أبو علي أصواتهم فخرج إلى رحبة القصر عزلا (٨٨) من السلاح، فقبض ابن عبد الكريم عليه وأحب قتله فشفع فيه بعض أصحابه فاستحياه (٨٩) وثقفه في موضع من القصر، وذلك في شهر شعبان من سنة خمس وتسعين (٩٠) المذكورة آنفا، فلم يزل هنالك إلى أن وصل فداؤه من قبل أخيه أبي سعيد ابن أبي حفص على يدي محمد بن عبد السلام الكومي [وذلك] خمسمائة دينار ذهبا، فأطلقه ابن عبد السلام المذكور وكان صهرا لابن عبد الكريم.

стр. 503

ووصل الشّيخ أبو علي لأخيه الشّيخ أبي سعيد بتونس فزجره وهجره ولم يزل غاضبا (٩١) عليه مدّة من الدّهر، واستبدّ ابن عبد الكريم بحصن المهديّة وتسمى من الأسماء السلطانية «بالمتوكل على الله» وكانت الكتب تنفذ عنه بذلك وقوي أمره، ووصل إلى تونس والسيد أبو زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن واليا عليها، فعزم ابن عبد الكريم على محاصرته فحشد جموعه ووصل إلى تونس في شهر المحرم سنة ست وتسعين (٩٢)، وكان الشّيخ أبو سعيد اذ ذاك معزولا فدار ابن عبد الكريم بعسكره إلى قرطاجنة فضرب أخبيته وخيامه عند مدخل البحر (٩٣) وهو حلق الوادي، فأمر السيّد أبو زيد عند ذلك بتسيير (٩٤) القطع في البحر وخروج العسكر في البر، وكان ابن عبد الكريم قد أكمن للجيش كمينا في بعض المواضع، فلمّا وصل عسكر تونس / ووقع القتل بينه وبين ابن عبد الكريم خرج ذلك الكمين فولى العسكر منهزما وقتل منه مقتلة عظيمة، ولم ينج منه إلاّ القليل، وترامى منه جماعة في البحر فقتلوا هنالك، وانبسطت جموع ابن عبد الكريم في تلك الجهات فأخذوا من المرسى المعروفة بمرسى البرج أموالا كانت للنّاس هنالك وأمتعة، وانتهبوا من تلك القرى ما قدروا عليه. وبعث السيّد أبو زيد والشّيخ أبو سعيد إلى ابن عبد الكريم أشياخا من الموحدين يعيبون عليه فعله ويذكرون انتماءه للموحدين ويسألونه الرّجوع عنهم، فأجاب إلى ذلك، ورجع إلى المهديّة فأقام بها أشهرا، ثم حدثته نفسه بحصار يحيى بن اسحاق الميورقي وهو اذ ذاك بقابس، وقد حدثت بينهما وحشة ومنافرة، فخلف على المهديّة ابنه عبد الله، وتوجّه إلى قابس، فلمّا أشرف عليها هاله أمرها وعلم أن لا طاقة له بها فارتحل عنها إلى قفصة وحكم عليها، وعند استقراره بها وصل إليه الخبر أن الميورقي خرج إليه من قابس في اتباعه فخرج ابن عبد الكريم بجيوشه من قفصة ونزل بقصور لالة، ووصل إليه الميورقي فالتقيا هنالك فكانت (٩٥) الهزيمة على ابن عبد الكريم وولى هاربا لا يلوي على شيء إلى أن حصل بالمهديّة، وتسرب إليه من سلم من جنده فحصلوا بها واحتوى

стр. 504

الميورقي (٩٦) على أخبيته وجميع أمواله وأتبعه إلى المهديّة فنزل عليها / محاصرا لها أول سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٩٧). يحيى الميورقي يستولي على المهديّة وتونس وغيرهما: وكان من دهاء الميورقي أن بعث إلى السيّد أبي زيد بتونس يسأله السلم ويطلبه في أثناء كتابه الاعانة بقطع في البحر يتمكن بها من ابن عبد الكريم، وكان السيّد أبو زيد حقد على ابن عبد الكريم، فأجابه إلى ذلك وبعث إليه قطعتين، فلمّا رآهما ابن عبد الكريم سقط في يديه فأجمع على توجيه ابنه عبد الله إلى الميورقي ليصالحه على تسليم المهديّة إليه ويشترط المسالمة في نفسه وأهله وماله، فأجابه إلى ذلك، ورجع عبد الله فأخرج أباه من المهديّة وتوجها إلى يحيى للسلام عليه، فلمّا وقعت عينه عليهما أمر بهما فصرفا إلى خيمتين ثقفا بهما مفترقين، ودخل يحيى لحصن المهديّة، واستولى على ما كان لابن عبد الكريم بها من الذخائر السنية، ثم أدخله هو وولده المهديّة فثقفهما ببعض سجونها فلمّا كان بعد أيام يسيرة أخرج الأب من السّجن ميتا لا أثر به فسلّم إلى أهله فدفنوه بقصر قراضة، وبقي ابنه عبد الله يتوقع الموت كل ساعة إلى أن أخرجه يحيى وأظهر نفيه إلى جزيرة ميورقة ليكون هناك تحت نظر أخيه فعمر له قطعة توجّه فيها، فلمّا حاذى أرباب السّفينة به القلّ بمقربة من قسنطينة ألقوه بقيوده في البحر، فانقضى أمر ابن عبد الكريم وولده (٩٨). وحصلت المهديّة للميورقي ولم يبق له بافريقية منازع وحصلت تحت بيعته / طرابلس، وقابس، وصفاقس، وبلاد الجريد كلّها، والقيروان، وتبسة، ووصلت بيعته بونة فبنى على محاصرة تونس، فنزل عليها يوم السّبت من محرّم السّنة المذكورة، فنزل بالجبل الأحمر (٩٩) جوفيها، وأقام هنالك أياما ثم انتقل منه فنزل بابي السويقة وقرطاجنة ونزل أخوه الغازي على الموضع المعروف بحلق الوادي فردمه حتى عاد أرضا يبسا

стр. 505

وقطع تصرّف القوارب الداخلة إليه والخارجة عنه، وترك عليه من يحرسه، وتوجّه فنزل بقبلي المدينة بمقربة من باب الجزيرة وردم الخندق الذي هنالك ونصب أمام البلد مجانيق وآلات الحرب وأقام محاصرا لها كذلك أكثر من أربعة أشهر. فلمّا كان يوم السّبت السابع من شهر ربيع الآخر (١٠٠) استولى على البلد وقبض على السيّد أبي زيد (١٠١) وولديه وجماعته من الموحدين فثقفوا بدار بنيت لهم داخل القصبة وجعل عليهم من يحرسهم، وأمّن أهل تونس في أنفسهم ورباعهم، وأغرمهم مائة ألف دينار، ذكر أنها هي التي لزمته في النفقة عليها، قسّطها أهل تونس على أنفسهم بحسب أحوالهم وسعة أموالهم. وجعل القابض لها أبا بكر بن عبد العزيز بن السكّاك من أهلها، ولحقهم في استخلاصها من العنف والشدّة على يدي ابن عصفور - ثقة الميورقي وكاتبه - مما أدى إلى قتل جماعة منهم أنفسهم ورأوا أن ذلك أروح لهم، ومن جملتهم ابن عبد الرفيع المقدم على قبض مال المخزن وغيره / من النّاس، ولمّا علم الميورقي بذلك أمر برفع الطّلب عن أهل تونس فيما بقي قبلهم (١٠٢) من مال المغرم وذلك خمسة عشر ألف دينار، وعامل النّاس بالإحسان، ونادى فيهم بالأمان. وفي أثناء ذلك بلغه عن أهل جبل نفوّسة توقّف عن أداء مغرمهم، فخرج بنفسه إليهم واستصحب معه السيّد أبا زيد وولديه يرحلون برحيله وينزلون بنزوله إلى أن استوفى من أهل نفوسة مغرمهم وعاد إلى تونس، واستقرّ بقصبتها، فاتّصل (١٠٣) بالنّاصر ما دهم أهل افريقية منه ومن ابن عبد الكريم وقراقش فامتعض (١٠٤) لذلك وأخذ في الحركة إليها، وكانت الأخبار تأتي على الميورقي بحركته فيدفعها إلى أن وصل رجاله فأخبروه بوصول النّاصر إلى بجاية، فوجّه حينئذ ذخيرته (١٠٥) وأمواله إلى المهديّة لتكون تحت احاطة (١٠٦) ابن عمّه علي بن الغازي، وخرج من تونس فوصل إلى القيروان وأقام بها أيّاما ثم انتقل إلى قفصة، فاجتمع بالعربان هنالك، وأخذ مواثيقهم ورهائنهم على الخدمة معه.

стр. 506

يحيى الميورقي يستمر في ثورته ويصده عنها النّاصر الموحدي ويفتكّ منه افريقية: وبلغه في خلال ذلك أيضا عن أهل طرّة من بلاد نفزاوة ما أوجب أن ارتحل إليها، فأطلق أيدي الجند عليها فقتلوا كثيرا من أهلها وانتهبوا أموالهم، وأطلقوا النّار في بعض دورهم (١٠٧)، ثم انتقل إلى حامّة مطماطة، ووصله الخبر أن النّاصر نكب عن طريق تونس وأخذ على طريق قفصة في أتباعه، فانتقل إلى جبل دمّر متحصنا به، ووصل النّاصر إلى قفصة / فأقام بها أيّاما ثم توجّه إلى قابس مستفهما عن أخبار يحيى فعرف بانتقاله إلى جبل دمّر فولى على قابس بعض ولاته وتوجّه إلى المهديّة، (وكان الوالي عليها علي بن الغازي ابن عم يحيى) (١٠٨) فنزل عليها بجموعه ونصب عليها الآلات الحربيّة، وقدم في أثناء ذلك الشّيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص لقتال الميورقي، فتوجّه الشّيخ أبو محمد بجيش ضخم إليه فأحب يحيى الفرار من الجبل إلى الصّحراء فشجعه أصحابه وحرّضوه على الثّبوت له فالتقيا، فكانت للشيخ أبي محمد الوقعة المعروفة بوقعة «تاجرا» (جبل قرب قابس) (١٠٩) فاستأصل فيها أكثر أجناد يحيى، وأجلت الحرب عن قتل أخيه جبارة، وكاتبه علي بن اللمطي، وعامل له يقال له «الفتح بن محمد» وفرّ يحيى في شرذمة قليلة، وكان قد قدم عياله وأهله على نحو خمسة فراسخ من المعركة فلمّا فرّ أخذهم بين يديه ولولا ذلك لسبوا، واستنقذ الشّيخ أبو محمد من يده السّيد أبا زيد حيا بعد أن ضربه الموكل به بسيفه ضربات قصد بها قتله فأعجل عن الاجهاز عليه، واستنقذ أيضا جماعة من الموحّدين سواه كانوا في يده وأخذ رايته السوداء، وأحاط الموحّدون بجميع ما في العسكر من الأموال والابل فانتهبوها، ورجع الشيخ أبو محمد بجميع ذلك إلى النّاصر وهو محاصر للمهديّة، وأركب الأمين الوكيل بثقاف الشّيخ أبي زيد على جمل سام شهرة له وبيده الرّاية السّوداء فطيف به (١١٠) على المهديّة، وكانت الهزيمة ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة / اثنتين وستمائة (١١١)، ووضع (١١٢)

стр. 507

حمادى (١١٣) المالقي المشهور بالابداع في قطع الكاغذ هذين البيتين مقطوعتين [في الكاغذ] (١١٤) [وافر] رأى (١١٥) يحيى امام الحق (١١٦) يأتي ... ففرّ (١١٧) أمام من وافى اليه فشبهت الشقي بياء يرمى (١١٨) ... ولام الأمر قد دخلت عليه وكمل (١١٩) التبريز بالغنائم على ملاحظة من المحصورين بالمهديّة وهم مع ذلك مكذبون بهزيمة يحيى مفحشون في السّب، فألحّ النّاصر في قتالهم، وجمع المجانيق على جهة واحدة من السّور، حتى كثر الموت والجراحات فيهم وتحققوا انهزام يحيى فسقط في أيديهم وطلبوا الأمان فاستعفوا به ونزل علي بن الغازي وشيعته على أن يخلي سبيلهم ويسلموا البلد ويكونوا في أمان الموحّدين إلى أن يصلوا إلى يحيى حيث كان، وكان ذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى، فكان بين هزيمة «تاجرا» وفتح المهديّة أربعة وسبعون يوما. وخرج علي بن الغازي من المهديّة بجملته وحاشيته فضرب أخبيته بقصر قراضة فبات هنالك تلك الليلة ثم دعته نفسه للدخول تحت طاعة الموحّدين، فبعث إلى النّاصر يعرفه بذلك ويقول الآن أطعت بعد أن صرت في حكم نفسي فاستحسن النّاصر ذلك منه واستدعاه وأحسن إليه وأنزله عنده، ووافق ذلك وصول [مملوك النّاصر] (١٢٠) ناصح صاحب ديوان سبتة بالهدايا العظيمة التي جمعها في المدّة الطّويلة، وكان فيها ثوبان قد نسجا بأنواع الجواهر وجعلت فيهما أعلام من الياقوت والأحجار النفيسة (١٢١) / فأمر النّاصر بحمل جميع تلك الهديّة إلى علي بن الغازي فمات ناصح (١٢٢) بأثر ذلك كمدا،

стр. 508

وترك ابنين كالبدرين (١٢٣) قال فيهما أبو الحسن علي بن محمد الاشبيلي (١٢٤). [رمل] ناصح قد كان عبدا (١٢٥) ناصحا ... في جميع الأمر (١٢٦) حتى [في] البنين لم يلد الا هلالا نيّرا ... فاتنا حيث بدا للناظرين وأقام علي بن الغازي مع النّاصر إلى أن توجّه إلى تونس فتوجّه صحبته ثم طلع معه إلى مرّاكش، وتحرك الموحدون إلى غزو جزيرة الأندلس فتحرّك معهم واستشهد بها مع من استشهد من الموحّدين ﵏ ونفعنا بهم -. وعفا النّاصر على جميع من كان بالمهديّة من المقاتلين وغيرهم واشتغل برم سورها، وترتيب أمورها، ثم ترك الشّيخ أبا عبد الله محمد بن يغمور الهنتاتي واليا عليها من قبله، وكان انتقاله عنها موفى عشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستمائة (١٢٧). ونفذت كتب الفتح إلى المغرب والأندلس واستقرّ بتونس بغرّة رجب فأقام بها بقية العام المذكور وأكثر عام ثلاثة وستمائة» (١٢٨). نهاية قراقوش ويحيى الميورقي بن غانية: «وسرح (١٢٩) أثناء ذلك أخاه السّيد أبا اسحاق ليتتبّع المفسدين فسار إلى أن دوّخ ما وراء طرابلس، وشارف أرض سرت وبرقة، وانتهى إلى سويقة ابن مذكور، وفرّ ابن غانية إلى صحراء برقة وانقطع خبره، وانكفأ السّيد أبو يوسف راجعا إلى تونس، وعزم

стр. 509

النّاصر على الرحيل للمغرب» (١٣٠) «فنظر فيمن يوليه افريقية فوقع اختياره على الشّيخ أبي محمد عبد الواحد ابن الشّيخ أبي حفص، / فعقد له على ذلك، وسار إلى المغرب سنة ثلاث وستمائة» (١٣١)، فلمّا استقر بها وسافر النّاصر «جمع (١٣٢) الميورقي بن غانية العرب من الذواودة وغيرهم، فجاء بهم إلى قتال الموحّدين بتونس، فخرج إليه الشّيخ أبو محمد عبد الواحد مع بني عوف من سليم فالتقوا بنواحي تبسة (١٣٣) سنة أربع وستمائة (١٣٤) فانهزم الميورقي (١٣٥) ولجأ إلى جهة طرابلس» (١٣٦) وكان يحيى بن غانية اذا رأى أحوال افريقية وما آل إليه الأمر يتمثل بقول القائل في الحجاج: [وافر] وقد كان العراق له اضطراب ... فثقّف أمره بأخي ثقيف «وفي هذه المدّة (١٣٧) استقر قراقش بودّان بعدما كسره يحيى بن غانية على طرابلس - كما تقدّم - فتوجّه الميورقي إليه بمن استصحب معه من العرب الدّبابيين الموتورين من قبل قراقش فحصره بها إلى أن فني طعامه وأعطى بيده سلما، واشترط على العرب أن يقتلوه قبل قتل ولده، وكان شديد المحبة له، فلمّا خرج هو وولده اليهم قال له الولد: يا أبت إلى أين يروحون (١٣٨) بنا؟ فقال له: إلى حيث رحنا بآبائهم فقتلوه ثم قتلوا ولده بعده وصلبه الميورقي بظاهر ودّان سنة تسع وستمائة (١٣٩). «(وفي سنة عشر توفي النّاصر، وقام بالخلافة بعده ابنه يوسف المستنصر) (١٤٠)

стр. 510

وترك قراقش ولدا آخر وكان شجاعا كريما حسن الصّورة جدا تميل العيون إلى شخصه والأسماع إلى ذكره فرتّبه المستنصر بالحضرة في أجناده وقدّمه على طائفة منهم فحدّثته نفسه بالثيارة وأراد النّسج على منوال أبيه فأشعل تلك البلاد (١٤١) نارا / فأنفذ إليه من (١٤٢) قتله وأراح تلك البلاد من فتنته وحمل رأسه إلى بلاده فطيف به (١٤٣) فيها» (١٤٤). وفي يوم الخميس أول محرم فاتح سنة ثمان عشرة وستمائة (١٤٥) توفي الشّيخ أبو محمد فتولى بعده السّيد أبو العلاء (١٤٦) ادريس بن يوسف بن عبد المؤمن فقام الميورقي وأشهر نعاقة فخرج إليه أبو زيد وتزاحفوا (١٤٧) بظاهر تونس أوائل سنة احدى وعشرين (١٤٨)، فانهزم ابن غانية (وجموعه وامتلأت أيدي الموحّدين من الغنائم (١٤٩)، ولم يزل ابن غانية) (١٥٠) في شيل وحط بافساد وهزيمة عليه حتى مات بالبريّة من قصر تلمسان (١٥١) أواخر شوال من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (١٥٢) فكانت مدته من خروجه من ميورقة إلى موته ثلاثا وخمسين سنة والبقاء لله وحده والله أعلم (١٥٣).

стр. 511

المقالة التّاسعة في ذكر دولة بني مرين وبني زيان وبني نصر وفيها ثلاثة أبواب الباب الأول في ذكر دولة بني مرين بالعدوة عبد الحق بن محيو ومن ولي بعده: لمّا كانت أيام المنتصر (١) خامس الموحّدين المتولي سنة عشرة وستمائة (٢) كان ابتداء بني مرين ملوك الغرب الأقصى (٣)، وكان أولهم عبد الحق بن محيو بن [أبي] بكر بن حمامة بن محمد بن ورزين بن فكوس (٤) بن كرماط بن مرين، يكنّى أبا محمد ظهر بالمغرب الأقصى في جماعته وكانوا نحو أربعمائة فاستخلص الملك بسيفه حين ضعفت دولة بني عبد المؤمن، وذلك باقبال المنتصر على لذّاته - حسما مرت الإشارة / إليه - وكان عبد الحق رأى في منامه كأن شعلا أربعا من نار خرجت منه فعلت في جو المغرب ثم احتوت على جميع أقطاره، فكان تأويل رؤياه تملك أربع من بنيه بعده، وكان

стр. 512

لعبد الحق من الولد ادريس وعثمان وعبد الله ومحمد وأبو يحيى [أبو بكر] (٥) ويعقوب، فلمّا توفي عبد الحق تولى بعده ابنه عثمان ثم بعده محمد، ثم بعده أبو يحيى [أبو بكر] فمات حتف أنفه (٦) بفاس في رجب سنة ست وخمسين وستمائة (٧). أبو يوسف يعقوب: وولي بعده رابع الأخوة أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق، وهو الذي استخلص جميع ملك بني عبد المؤمن من المغرب الأقصى، وسبب ذلك ما تقدمت الاشارة إليه أنه لمّا تولى المرتضي من بني عبد المؤمن في آخر دولتهم كانت بينه وبين بني مرين وقائع وحروب فالتحق أبو دبوس آخر بني عبد المؤمن بسلطان المرينيين وانتدبه إلى اجتثاث المرتضي وعاهده على تسليم شطر ما يناله، فعقد له الجيوش وتحرك إلى آخر ما تقدم في انقراض دولة بني عبد المؤمن (٨). ولمّا تملّك أبو يوسف يعقوب المريني بمرّاكش (٩) وجميع أملاك بني عبد المؤمن شاع صيته في الأقطار، وكان المسلمون بالأندلس في تلك المدّة عظمت فيهم نكاية عدو الدّين، وكان ملك الأندلس اذ ذاك محمد بن محمد بن نصر فاشتد عليه الالتحاق وذهبت عنه أوجه الحيل، فاستصرخ أبا يوسف يعقوب المريني المترجم، فأجاب / الدّاعي وابتدر الجهاد في أوائل عام اثنين وسبعين وستمائة (١٠)، فعبر البحر إلى جزيرة طريف، وعجّل السير إلى الوادي الكبير من قبل أن يسبق للروم التدبير، فقتل الكفّار في بطاحها، وعجل محمد بن نصر المسير إليه، وكان زعيم النّصارى ذا النّون (١١) فاستعد

стр. 513

للقائهم وقد جمع من الجموع ما لا يعد، وكانت الوقعة على الرّوم بظاهر إستجة (١٢)، فاستأصل من الرّوم ما يفوق ثمانية آلاف، منهم زعيمهم ذا النّون، فقتل وطيف برأسه على البلاد، ثم قسّمت الغنائم في عساكر المسلمين، ثم توجّه إلى جهاد حمص (١٣) ثم إلى شريش ثم نزلوا بأعلى قرطبة فدوّخوا وأحرقوا وقطعوا آثار الكفر حيث وجد، ثم عبروا إلى الزهراء ثم نزلوا على جيّان ولمّا طوّع البلاد، ومهّد الأطواد، دخل بين أبي يوسف المريني وبين محمد بن نصر جماعة بالفساد، وذلك أن بني اشقيلولة (١٤) الرؤساء بمالقة ووادي آش وقراش كانوا قد خرجوا عن طاعة محمد بن نصر (١٥)، فلمّا جاز الأمير أبو يوسف إلى الأندلس لحقوا به ونصحوا له وأغروه بابن نصر سلطانهم فأفسدوا ما بين أبي يوسف، وابن نصر، وكان آخر أمرهم أن خرجوا له عن مدينة مالقة (١٦) فملّكوها السّلطان أبا يوسف، فولى عليها عاملا من قبله فضاق ذرع ابن نصر بذلك، وأعمل الحيلة في استنزال عامل (١٧) أبي يوسف بمال بذله وعوّضه عن مالقة بحصن شلوبانية (١٨)، ثم تدارك الله أمر المسلمين بصلاح ذات بينهم / واتصال أيديهم، ولولا فضل الله ورحمته لحلّ بابن نصر (١٩) ما حلّ بابن عبّاد من يوسف بن تاشفين، وتوفي السّلطان أبو يوسف المريني بالجزيرة الخضراء سنة خمس وثمانين وستمائة (٢٠).

стр. 514

أبو يعقوب يوسف: فتولى بعده ولده أبو يعقوب يوسف فكان ملكا جليلا، فبدأ أمره أولا بالجواز للأندلس، فجاهد أعداء الدّين، وأفنى جموعهم، وثلّ عروشهم وبادر سلطانها ابن نصر للقائه فجدّد معه الودّ (٢١) ثم رجع إلى محاصرة تلمسان وصيّرها دار ملكه (٢٢) وأناخ عليها بكلكله وابتنى بها القصور والرّباع والمساجد (٢٣) ولازم المدينة بالحصار سبع سنين حتى ذهبت الأوماق وعجزت الحيل، ونفذت الأقوات، فبينما السّلطان مبتذل بين نسائه اذ دخل عليه عبد من أخابث الخصيان القصر وبيده مدية فضربه ضربة مزّقت معدته، وولى هاربا، فكاد يفلت ويدخل البلد المحصور لولا أنه عوجل، وعاش السّلطان بقية يومه ثم مات (٢٤). أبو ثابت عامر: فتولى بعده حفيده ولد ابنه أبو ثابت عامر ابن عبد الله بن يوسف بعد أن فتك بعمّه أبي يحيى، وشرع في الارتحال من تلمسان إلى مدينة فاس، وبادر إلى معاضدة المحصور موسى بن زيّان بتلمسان والافراج عنه، فأتاهم (٢٥) الفرج من حيث لم يحتسبوا وكتبوا على سكتهم بعدها: ما أقرب فرج الله. وكان أبو ثابت هذا جريئا سفّاكا للدماء (٢٦)، فعاجله الحمام على عادة الله في (٢٧) كل من يعتدي في الدّماء فقصرت مدته (٢٨). /

стр. 515

أبو الربيع سليمان: وتولّى الأمر أخوه السّلطان أبو الربيع سليمان، فاستقرّ حاله وصارت إليه سبتة وما يليها مما كان تغلب عليه الأندلسيون، في صفر عام تسعة وسبعمائة (٢٩)، وتوفي بتازا في جمادى الآخرة من عام عشرة وسبعمائة (٣٠). أبو سعيد عثمان: ثم تولى بعده أخو جده أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، بويع بعده، فكانت أيّامه أعيادا ومواسم، وصرفت إليه الجزيرة ورندة ومربلة من بلاد الأندلس لما استصرخ لنصرها، فأجاز إليها الحصص وكان تصييرها إليها منتصف ذي الحجة من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، وكان قد أطلق يد ولده عمر في الملك، واتّبعه النّاس فرجع في بعض حركاته إلى مدينة أبيه فملكها عليه، وناهضه وخرج إلى لقائه، فكان اللقاء بالقرمدة من أحواز تازا، فانهزم السّلطان فدخل تازا جريحا مفلولا وحاصره ابنه، ثم أقلع عن مهادنته وأصابه مرض اختلّ به أمره، فنازل عليه البلد الجديد أشهرا، ثم خرج عن عهده وسار إلى سجلماسة معوضا بها (فأقام بها) (٣١) إلى أن توفي أواخر ذي القعدة سنة احدى وثلاثين وسبعمائة (٣٢). أبو الحسن المريني ودخوله إلى تونس: وقد عهد لولده غير عمر، وهو الأمير أبو الحسن علي بن عثمان، فبادر إلى منازلة أخيه عمر فظفر به وقتله وبعث الجيوش إلى جبل الفتح فنازله حتى فتحه، ونال الفخر والأجر وكان نسيج (٣٣) وحده في العزّ والجلالة وبعد الصيت وفخامة (٣٤) / الآثار، فمهّد الملك وأسدى المنن، وبنى المدارس الظريفة، والمباني الشّريفة، وقطع دهره في الجدّ فلا يرى إلاّ في مجلس معظّم إمّا لتدبير أو علم يدرس أو لحراسة بلد أو نسخ قرآن أو عرض حزب أو اصلاح عدة معدّة لحرب، ولما نازل أبو تاشفين أمير بني زيّان مدينة بجاية،

стр. 516

وضايق ملوكها الحفصيين استجاروا به وصاهروه، فكتب إلى أبي تاشفين في الأفراج عن بلادهم والاقصار عن مضايقتهم، فلجّ بما كان داعية لإعمال الحركة الثقيلة إليه ومنازلته ثلاث سنين على تلمسان، لم يغن عن أبي تاشفين مع الحزم والمضايقة ما أعدّه ولا نفعه ما ادّخره حتى دخلها عنوة، ولمّا فرغ ﵀ من أمر تلمسان واستضاف بلادها إلى إيالته شرع في الاجازة إلى الأندلس، وشمّر للجهاد، فأوقع بعدوّ البحر وأساطيل الرّوم الوقيعة المشهورة يوم السّبت سادس شوال من سنة أربعين وسبعمائة (٣٥) وعبر إلى جبل الفتح (٣٦) ونازل طريف (٣٧) ثالث محرم، وتمادى حصاره اياها فأعيته، وخرج ملكها المحصور يستمدّ العساكر من سلطان البرتغال (٣٨) وسواه، فأسرع السّلطان أبو الحجاج بن نصر سلطان الأندلس اللحاق به ممدّا اياه، فكان اللقاء بين الطائفتين بظاهر طريف (٣٩) وساء التّدبير فاختل مصاف المسلمين، وأضاعوا الحزم فانهزموا، ولم يحصل فتح لهم، وكان ذلك ضحوة يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة من عام واحد وأربعين وسبعمائة (٤٠)، وفي ليلة اليوم بعده لحق بسبتة، ثم لحق بمرّاكش آخذا بالجدّ في تفقّد بلاده والاستعداد لطلب ثأره وجبر انكساره، فرتّب الأمور، واستطلع الأحوال، ثم توجّه إلى بلاده القبلية فاتّصل به ما كان من وفاة أبي بكر ملك تونس (٤١)، واختلاف أولاده وتوثب ولده عمر (٤٢) وسطوته في النّاس، ولحق به وجوه الدّولة من الشّيخ محمد ابن تافراجين (٤٣) وأشباهه فأطمعوا السّلطان في تملكها وتوسع نظره فيها، وأوجبوا عليه

стр. 517

النّظر للمسلمين بها لأمر قدره الله عليه، ولو تمّ (٤٤) في إقباله (٤٥) على الجهاد لكان أوفق به، ولكن ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ (٤٦) وتحرك إلى تونس في صفر سنة ثمان وأربعين وسبعمائة (٤٧)، واستولى على مدينة بجاية، ثم قسنطينة، وقد ظفر بعض حصصه بعمر (٤٨) صاحب الأمر بتونس فارا عنها فقتل (٤٩)، واهتزّت الأرض لطاعة السّلطان من العرب والبلدان، وحذر الملوك بمصر ما شاع من بسطته وانفساح إيالته وشهرة ذكره. ودخل تونس في حفل لم يسمع بمثله في الثامن من جمادى الآخرة من عام ثمانية وأربعين وسبعمائة (٥٠)، ولمّا رأى سكانها من العرب المعودين هضم الدّولة ما حلّ بهم من العزّ الذي غمر بأوهم وقصر خطوهم وكسح آمالهم، نفروا منه بواحدة وشرعوا في إزالة الشّحناء واعتضدوا وصاروا نفسا واحدة على تباين أغراضهم وفساد ذات بينهم ونابذوه وجهروا / بخلافه وقد نهك محاله طول الثوى، وغلاء الأسعار فناوشوه الحرب، فبرز عليهم واتبع آثارهم، ولمّا بلغ ظاهر القيروان اشتدّ كلبهم عليه، وقد نصبوا لاقامة أمرهم أحمد بن عثمان بن أبي دبّوس، وخذل النّاس، وفرّ من أرباب الأمر إليهم كثير، وانهزم السّلطان هزيمة شنيعة تخلف لها المضارب والعدد والآلات، ولجأ بنفسه إلى القيروان، فاستجار بها، ودافع عنه أهلها، وكانت الهزيمة يوم الاثنين سابع محرم من عام تسعة وأربعين وسبعمائة (٥١)، وأخذت العرب بمخنقة ويئس من النّجاة وتوجّه أميرهم إلى منازلة من بقصبة تونس من خواص السّلطان والأمناء على بيت ماله وعياله، وقد أخذوا أهبتهم، فكانوا أملك بها إلى أن أزمع السّلطان على الفرار ليلا من القيروان لسوسة، فخرج والعربان تطارد أذياله، وحرابها تنوشه إلى أن أمن على نفسه، وقد أخذ من معه النهب، ومنها توصّل في البحر إلى تونس، فاستقرّ بها، ونازلته العرب فأبلى أهلها في الذّب عنه، وصابرهم بمن خلص معه من ثقاته وحصّن المدينة، ثم اتّصل به الخبر الكاسر في عضده من استبداد ولده أبي عنان فارس بالأمر، وامتساك حفيده بدار ملكه

стр. 518

فاس مودع ماله، فجعل يشكو منهما إلى غير منصت، وطال به الأمر، وأعيى من لديه الصّبر، فحملوه على الرّحيل عن افريقية واللحاق ببلاده يحسبون أن جبر حاله موصول بالوصول إليها، ولم يعلموا أن كلام النّاس معه / وسيوفهم عليه، وقد كان ولده سلك سبيلا من البذل والاستيلاء لم يسبق إليه، ورحل إلى تلك الحضرة وسلم في تلمسان لعدوّه ليكون من بها سدّا بينه وبين أبيه، فركب البحر في الفصل المحذور والوقت المشؤوم، وعقد لابنه أبي الفضل على تونس خوفا من الغوغاء ومعرات هيعتهم (٥٢)، فأقامه لنظر من خلص له من أهل الوطن وذلك بشوال من عام خمسين وسبعمائة (٥٣). ولمّا فصل عن تونس طرق الأسطول الهول ففرّقه شذر مذر وتكسر الجفن المختص بركوبه (٥٤) ببعض السّواحل من مدينة بجاية، وقد صارت إلى عدّوه، ونجا بعد الغرق فتعلق بحجر قريب من البرّ عاري الجسد مباشرا للموت، وهلك من كان معه من الفقهاء والعلماء والكتّاب والأشراف والخاصّة، وهو يشاهد مصارعهم، وينظر اختطاف البحر إياهم من فوق الصّخور التي تعلّق بها في البحر، وعدوه بالساحل (متهيء لقتاله وقد كان منعهم أهل بجاية من الماء وبعث إلى السّواحل أن) (٥٥) يمنعوهم، فاستقوا بعد قتال، ثم ان الله تعالى تداركه بجميل لطفه بإقبال جفن من بقية أسطوله حائر الوجه، رفعه وقد سكن الهول فاستصحبه لمدينة الجزائر وقد تمسكت بطاعته - فاستنشق (٥٦) بها ريح الحياة وأقام الرسم. ولمّا اتّصل الخبر بأبي العبّاس الفضل الحفصي وهو بالجريد خبر السّلطان أبي الحسن وخروجه في البحر أجدّ السير إلى تونس، ونزل عليها محاصرا لابن السّلطان أبي الحسن وهو أبو الفضل الذي كان السّلطان عقد له على تونس، فغلبه ومن كان / معه بعدما أحاط الحفصي وأهل تونس بالقصبة، فاستنزلوا الأمير أبا الفضل ابن السّلطان أبي الحسن على الأمان من القصبة، وخرج إلى بيت أبي الليل بن حمزة، وأنفذ معه من بلّغه مأمنه فلحق بأبيه بالجزائر.

стр. 519

وقدم السّلطان أبو الحسن بالجزائر عاملا، وخرج إلى المغرب بعد اقامة الرّسم بالجزائر، واستلحق واستركب والتف (٥٧) عليه بعض العرب من أحوازها وأوباش من قبائلها، ورحل إلى الجهات التلمسانية وقد برز من بها إلى قتاله، فكان لهم الظفر وهزموه هزيمة شنيعه استؤصل بها فلّه، والبقية التي خلصت له، وأصيب ولده النّاصر، وظهر يومئذ من بسالته وصدق دفاعه وشدة حملاته (٥٨) حتى ارتكب ظاعنوه (٥٩)، وخلص ناجيا، واحتمل ولده النّاصر جريحا وتوفي فواراه وأخفى مدفنه، واتّصل بمدينة مرّاكش فدخلها وارتاش بما علله به ولاته والمتوثقون بعهده وغّرته العرب والأطماع، فتحرّك وقد أسرع إليه ولده في العساكر النقاوة (٦٠) المختارة، وكان اللقاء بجهة الغرب من ضفتي وادي أم الرّبيع في العام المذكور، ولمّا التقى الجمعان وقعت الهزيمة على السّلطان، وأجاز الوادي «ولحق به أبطال بني مرين، فرجعوا حياء منه وهيبة له، وكبا به فرسه فسقط إلى الأرض والفرس تحوم حوله، واعترض دونه الشّيخ أبو دينار شيخ الذواودة فدافع عنه حتى ركب، وخلص إلى جند هنتاتة ومعه كبيرهم عبد العزيز / بن محمد بن علي، فنزل عليه وأجاره واجتمع عليه الملأ من هنتاتة وبايعوه على الموت، وجاء الأمير أبو عنان على أثره ونزل بعسكره على جبل هنتاتة، وطلب السّلطان أبو الحسن من ابنه أبي عنان الابقاء وأن يبعث له حاجبه محمّد بن أبي عمر، فبعثه فحضر عنده واعتذر له على الأمير أبي عنان وطلب له الرّضا، فرضي عنه بولاية عهده واعتلّ السّلطان أبو الحسن خلال ذلك فمرّضه أولياؤه وخاصّته وافتصد لاخراج الدّم ثم باشر الماء بعضده للطّهارة فتورّم وهلك لليالي قريبة لثلاث وعشرين من ربيع الثاني من سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة (٦١)، وبعث أولياؤه بالخبر إلى أبي عنان ابنه بساحة مرّاكش ورفعوه على أعواد إليه فتلقاه حافيا حاسرا وقبل أعواده وبكى واسترجع ورضي عمن كان معه وأكرمهم ودفنه بمرّاكش إلى أن نقله إلى مقبرة سلفهم بشالة في طريقه إلى فاس» (٦٢).

стр. 520

أبو عنان وأعماله بافريقية: ثم استبدّ أبو عنان فارس بن علي بالأمر، فكان سلطانا عالما، عليّ الهمّة، متراقيا إلى الغاية، جدّد الملك، وعدّد الألقاب، وصيّر الايالة في أضيق من خرت، وبنى المدارس والزّوايا، واستجلب الأعمال، وتحرّك إلى تلمسان فهزم قبيلها، وأعمل السّيف فيهم، وتقبض على سلطانها عثمان وأخيه أبي ثابت فقتلهما، واستضاف الايالة الزيّانية على ما كانت عليه أيام أبيه، وللحين هدّ / أسوارها كي لا تكون محلّ امتناع على قبيله (٦٣) ولا دار ملك لعدوّه. «وفي سنة خمس وخمسين وسبعمائة عاشر ربيع الأول (٦٤) أخذ النّصارى مدينة طرابلس غدرا - أظهروا أنهم تجّار فصدّقهم صاحبها ابن ثابت - فلمّا كان عند الصّباح نصبوا السلالم وركبوا الأسوار واستولوا عليها، وفرّ صاحبها فحصل في أيدي العرب وقتلوه وأخاه لدم كان أصابهما (٦٥) منهم، وأسر [النّصارى] (٦٦) جميع [أهل] (٦٦) البلد، ومكث النّصارى فيها نحوا من أربعة أشهر، وكان خروجهم منها ثاني عشر شعبان (٦٧) من العام بعد أن نقلوا جميع ما فيها لبلدهم جنوة وتركوها خالية (٦٨)، والعرب أثناء ذلك يردون من أراد قتالهم من المسلمين، إلى أن داخلهم ابن مكي صاحب قابس في فدائها فاشترطوا عليه خمسين ألفا من الذّهب العين، فبعث فيها للسّلطان أبي عنان المترجم بطرفه بمثوبتها (٦٩)، ثم تعجّلوا عليه فجمع ما عنده واستوهب ما بقي من أهل قابس والحامّة وبلاد الجريد فوهبوه له رغبة في الخير، ومكنه (٧٠) النّصارى من طرابلس فملكها، وبعث السّلطان أبو عنان إليه بالمال صحبة الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق وأن

стр. 521

يردّ على النّاس ما أخذ منهم وأن ينفرد هو بمثوبتها فامتنع، وعقد السّلطان أبو عنان على طرابلس لأحمد بن مكي وعلى قابس وجربة (٧١) لأخيه عبد الملك» (٧٢). وتحرك لافريقية ففتح قسنطينة بعد أن تملك على بجاية، ودخل أسطوله تونس فملكها ثقاته في رمضان / من عام ثمانية وخمسين وسبعمائة (٧٣) واستقرّت دعوته بها إلى ذي القعدة من العام (٧٤). وفي الرابع والعشرين من ذي الحجّة من عام تسعة وخمسين وسبعمائة (٧٥) كانت وفاة السّلطان أبي عنان وسنه ثلاثون سنة، ومدته عشر سنين. نهاية المرينيين: فولي بعده ولده السّعيد، ومن بعده غيره إلى أن أفضت الدّولة إلى عبد الحق ابن السّلطان أبي سعيد المريني، «ففي سبع وعشرين من رمضان من سنة سبع وستين وثمانمائة (٧٦) قام بمدينة فاس مزوار (٧٧) الشّرفاء بها محمد بن علي بن عمران الادريسي على السّلطان عبد الحق، وملك البلاد، وذلك أن السّلطان كان بمحلته خارج البلد، فلمّا سمع فرّ عنه أصحابه، ورجع هو إلى البلد في أناس قليلين فقبض عليه وقتل صبرا (٧٨)، وقتل معه رئيس دولته هارون اليهودي، وسبب ذلك أنه كان في أيدي بني وطّاس كالمحجور عليه وهم المتولّون أمر المملكة سنين كثيرة، ثم أراد الاستقلال دون بني وطّاس فأخذهم، وأخذ أموالهم ولا نجا من فرّ، واستقلّ بأمور مملكته، فباشر الأمور بنفسه، وصار يسافر بمحاله، وأوقف بين يديه في ذلك هارون اليهودي يتولى أمور المسلمين بفاس هو وجماعته، فصاروا يحكمون في المسلمين، بل ويهينونهم، فوقع ذلك في النّاس موقعا عظيما إلى أن خرج السّلطان بمحلته ليهدن أوطانه، وليضايق بني وطّاس الذين أخذوا له

стр. 522

طنجة وتازا وغيرهما، / فتحدّث النّاس مع مزوار الشّرفاء وقاموا على من بفاس من اليهود فقتلوهم، وتخوّفوا من السّلطان عبد الحق ومن هارون اليهودي، فضبطوا البلاد إلى أن قدم عبد الحق عقب تلك الهيعة، فقتل هو واليهودي هارون صبرا، وبويع الشّريف على رضا من النّاس، واستقلّ بالخلافة وعادت الخلافة في فاس ادريسية كما كانت. وانقضت دولة بني مرين» (٧٩). السلطة بالمغرب الأقصى في عصر المؤلف: وفي هذه الأعصار صارت في أيدي ذرية مولانا اسماعيل (٨٠) الشّريف - أبقاها الله فيهم - وأجرى الصّالحات على أيديهم، فاتّفق منهم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله بن اسماعيل مع جميع أصناف الكفر على استخلاص أسرى المسلمين بأي بلد من بلدانهم، وبذل لهم الأموال الخارجة عن ميزان الأنظار، فبلغت الأسارى الذين استنقذهم من بلاد الكفرة وقاربت عشرين ألفا، وبذلك لهم فيهم على أقدارهم من قنطار فضة على ما قيل إلى مائة دينار ذهبا، واستمر فداؤه إلى أن حضرت وفاته في حدود ست ومائتين وألف (٨١) - رحمه الله تعالى - وهذا شيء لم يتّفق لغيره من سلاطين الاسلام واستفتح بلادا في بر العدوة كان استولى عليها الكفّار وبنى مدينة جديدة سمّاها صويرة (٨٢) عظيمة الشأن، وكان عالما فاضلا خيرا عفيفا نزيها في غاية الكمال حتى قيل إنه المهدي المنتظر، لأن اسمه على اسم النبيء ﷺ واسم أبيه عبد الله كاسم أبي / النبيء ﷺ رحمه الله تعالى وأحسن مثوبته وتقبّل عمله.

стр. 523

الباب الثاني في ذكر بني زيّان ملوك تلمسان يغمراسن: أول ملوكهم يغمراسن ويكنّى أبا يحيى، وقد يسمّى يغمور؟؟؟، وهو ابن زيّان، بن ثابت بن محمد [بن زكدان] (١) بن تيدوكين (٢) بن طاع الله بن علي بن يمل بن فزقين بن القاسم. وأول من عمل الحيلة في استخلاص تلمسان جابر بن يوسف بن محمد من هؤلاء، وكان أمرها إلى صنهاجة ملوك الجهة الشّرقية منها، فتصيّرت بعدهم إلى يغمور، ثم لمّا كانت سنة ست وأربعين وستمائة (٣) خرج السعيد أبو الحسن علي بن أدريس خليفة الموحّدين - المقدّم الذكر - في ذلك التاريخ وتوجّه إلى محاربة يغمور فاستجمع إلى حربه، والتقى الجمعان بظاره تلمسان، فكانت الهزيمة على الخليفة السّعيد، فقتل هو وولده يوم الثلاثاء سلخ صفر من السّنة وانتهبت محلّته، واحتوى عليها بنو عبد الوادي، واختص يغمراسن سلطان بني زيّان بفسطاط السّعيد، وما فيه من الذّخائر ومن جملتها مصحف عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - أحد المصاحف العثمانية، فكان في خزائن قرطبة عند بني أميّة ملوك الأندلس فانتقل للملثمين ثم للموحّدين ثم إلى بني زيّان، لكن لما تغلب عليهم المرينيون أخذوه منهم. فمن وقعة السعيد مع يغمراسن تأثّلت بنو زيّان بما احتووا عليه من الذّخائر والعدد والآلات. وكان يغمراسن هذا ملك / بني زيّان آية من الآيات في رجوليته وجرأته وجزالته ودهائه، ومواقفه لأعدائه شهيرة، وكانت بينه وبين الأمراء على عهده من بني مرين وقائع حتى هلك.

стр. 524

عثمان ومن ولي بعده: وتولّى بعده ولده عثمان إلى أن تحرك السّلطان أبو يعقوب المريني الذي استخلص جميع ملك الموحّدين من الغرب الأقصى، فتوجّه إلى منازلة تلمسان فشدّ حصارها - حسما مر - وابتنى قصور الملك بخارجها، وتوفي عثمان أثناء الحصار على انقضاء خمس سنين من منازلته. فقام بالأمر بعده أبو زيّان محمّد، ولم يلبث أيضا أن هلك أثناء الحصار لعام فما دونه. أبو تاشفين عبد الرحمان ودخوله تونس: وقام بالأمر أخوه أبو حمّو موسى بن عثمان، وصنع الله له في التّفريج وحلّ الأزمة وهلاك عدوه - ما تقدمت الاشارة إليه - فأقلعت عنه الجيوش عن عهد توثقه وشرط أخذه، فاستمرّ حال أبي حمّو على وتيرة من استقبال السّعد وتمهيد القطر، ثم فتك به ولده عبد الرحمان المكنّى بأبي تاشفين، فاستقام له الأمر، وتمهّد له القطر، وأمكنته من نواصيها الآمال، وبلغ من تشييد القصور والمتنزهات الغاية البعيدة، وخلا له الجو بمسالمة ملك المغرب على عهده أبي سعيد، فهفا به الطمع إلى تملّك بجاية، وأقحم افريقية الجيوش، فدخل جيشه تونس فعقد بها لأمير حفصي تحت طاعته، ثم تطارح أربابها على السّلطان أبي الحسن المريني - كما تقدم - وظاهروه فطالب بني زيّان بالافراج عن بلدهم فأبوا، فتوجّه / إليهم وحصرهم ثلاث سنين هلك بها من الأمم ما لا يحصى، وعظم أمر المجانيق فيما حواه السور من القصور العظيمة والقباب الرفيعة، وباشر العمل بنفسه فألصق البناء بالأرض، وفي ليلة سبع وعشرين لرمضان (٤) اقتحم الملعب المتّخذ أمام البلد، وفي عشرين من شوال تملّك البلد عنوة، فأقام أميرها عبد الرّحمان وولده بازاء القصر مدافعين عن أنفسهما، وقاما مقام الصبر، وصدقا في الدّفاع عن أنفسهما إلى أن كوثرا وأعجلتهما ميتة العزّ عن شدّة الوثاق وامكان الشمات.

стр. 525

نهاية بني زيّان: واستولى أبو الحسن المريني على تلك الايالة المؤثلة بما اشتملت عليه من نفيس الحلي وثمين الذخيرة وخطير العدّة وبديع الآنية وفاخر المتاع وصامت المال وضروب الرّقيق، وانقضى تلك الساعة ملك بني زيّان. ولمّا توجّه أبو الحسن المريني لافريقية واستبدّ أبو عنان بالأمر بعده، ورحل قاصدا دار ملكه، وترك بتلمسان من يقوم له ببعض رسمه، وجرت على أبي الحسن المريني الحوادث المتقدّمة صرف القبيل الزيّاني وجوههم في جملة المنهزمين عن أبي الحسن، وربما جروا عليه الهزيمة ولحقوا بوطنهم وهو شوكة، وقدّموا عليهم عثمان بن عبد الرحمان ابن يحيى بن يغمراسن شيخا قد جرّب الأمور، ومارس الدّهور، شهير الذكر، متحليّا بالانقباض، جانحا للنسك، مشمّرا للتسديد، مستعينا على أمره بأخيه أبي / ثابت، وهو مشار إليه بالبسالة والفتوة، فاستقام الأمر، وأعاد الدّولة، وأقامهم السّلطان أبو عنان سدّا بينه وبين أبيه، ولمّا قدم أبو الحسن المريني الجزائر - حسبما مر - وتوجّه نحو المغرب ناجزوه الحرب، فأوقعوا به، وأثكلوه ولده النّاصر، ونجا منهم وبلغ البلاد المراكشية، فتشاغل أبو عنان بما دهمه من جوار أبيه، فتملّى بنو زيّان الحظ أياما يسيرة ارتاشوا فيها، واكتسبوا (٥) الخيول والظهر والعدة ثم خلص أبو عنان بوفاة أبيه فصرف وجهه إليهم، وتحرّك في الجيش الذي يجرّ الشّجر، وحملتهم ضرامة نفوسهم على مناجزته فخالطوا محلته على حين غفلة فكسروا قوتها، وأوهموا هزيمتها، فثبت أبو عنان بأهل الحفيظة وذوي الصّدق، فحمل عليهم غير مبال بهيض جناحيه، فنصر عليهم، فكانت القاضية، وأتى بعثمان وقد أخفى نفسه، وغير زيّه، واتّبع من أفلت منهم مع أخيه وهم شوكة حادثة، فجرّت الهزيمة عليهم ذيلها، وقبض عليه مع أشراف من قومه وأهل بيته، فثقفوا جميعا وقتلوا صبرا، واستولى أبو عنان على الوطن ثانية، وأخذ وجوه ذلك القبيل وأعيانه التشتيت والتمزيق. فلمّا توفي السّلطان أبو عنان، وولي الأمر ولده الصّبي المسمّى بالسّعيد، واضطرب الأمر، تغلّب جل هؤلاء الزّيانين على الوطن، فدخلوا مدينة تلمسان، وأجفل من كان بها إلى مقرّ ملكهم، فعادت دولتهم، مجتمعين على سلطانهم أبي حمّو موسى بن يوسف

стр. 526

ابن / عبد الرّحمان بن يحيى بن يغمراسن، وتحرّك إليه أبو سالم إبراهيم بن علي بن عثمان المريني سلطان بني مرين، فأصحروا وتركوا البلاد، ولجؤوا إلى أطرافها، ولم يتّكلوا على ما اتّكل عليه آباؤهم من الرّكون إلى الأسوار فنجوا. وبعد انجلائه عن وطنهم رجعوا لدار ملكهم، ولم يزالوا مع بني مرين في رخاء وشدّة حتى فرغت دولة بني مرين، وبقوا بعدهم لقرب دخول العساكر العثمانية لأرض المغرب واستيلائهم على الجزائر، فاستولوا على تلمسان فهي الآن تحت حكم العساكر العثمانية المقيمين بالجزائر، وبها حافظهم، وسبحان من بيده ملكوت كل شيء واليه رجوع (٦) جميع خلقه لا الاه غيره ولا معبود بحق سواه.

стр. 527

الباب الثالث في ذكر دولة بني نصر بالأندلس قد تقدّم أن من جملة ملوك طوائف الأندلس بعد بني أميّة بنو هود، فلمّا انقضت دولة الملثّمين والموحّدين، واضطرب أمر الأندلس، وضعفت قوتها، وتشاغل بفتن العدوة الغربية أمراؤها ببلد أرجونة، وتكالب عليها النّصارى، وضاق أمر من بها من المسلمين، وكان أمير الوقت محمد بن يوسف آخر بني هود الباقين من ملوك الطّوائف تحت حكم الموحّدين، ثم أنه ملك مرسية، وملك منها الأندلس، وقام بدعوة العباسيين، فاضطربت عليه البلاد، واختلفت الآراء، وعجز عن ضبطها لقلة المساعد، فظهر عند ذلك / ملك بني نصر (١) وأوّل ملوكهم محمّد بن يوسف بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن خميس بن نصر بن قيس الأنصارى الخزرجي بن ولد سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - سيّد أنصار رسول الله ﷺ استقرّ سلفه عند الفتح الأول بقرية من قرى المشرق، وتعرف بقرية الخزرج، فدعا محمّد لنفسه ببلد أرجونة عام تسعة وعشرين وستمائة (٢)، فساعده السّعد، قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -. [رجز] وبان في الأندلس الفساد ... وانتشرت من ضعفها البلاد وأخذت أمانها النّصارى ... فأصبح الناس بها سكارى تراهم من هولها حيارى ... قد أشغل الرّوع بها الأفكارا وانبهم الأمر على ابن هود ... ولم يوافق طالع السعود فحيثما وجّه جيشا هزما ... وحيثما قدّم حكما حكما فجدّد الله رسوم الملّة ... في قطرنا بالأمراء الجلة العظماء سادة الأعلام ... أبناء نصر ناصري الاسلام

стр. 528

أول أملاكهم محمّد ... وهو الأمير الغالب الموحّد (٣) قد لمّ شمل الدّين من شتات ... والرّوم تستولي على الجهات فنعش الدّين به لمّا عثر ... ونظم السلك وقد كان انتشر وثار في أرجونة لنفسه ... وكان شهما غرة في جنسه ودخلت في أمره جيّان ... واغتبطت بقربه الأعيان وأوجبت طاعته الحصون ... فالخوف أمن والحمى مأمون فاطرد السّعد بها واكتملا ... واستوسق الأمر بها وكملا وأحكم السلم سريعا وعقد ... وصارت الذئاب ترعى والنّقد واستكثر العدد فيها والعدد ... وكل من قدم مصياجا وجد وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة التاسع والعشرين لجمادى الثانية من عام أحد وسبعين وستمائة (٤). فتولّى بعده وليّ عهده ولده محمّد، وهو من أعظم الملوك قدرا، وأبعدهم صيتا، وأعلاهم فخرا، وأرسخهم في السياسة قدما، وأسرعهم إلى المكارم تقدما، وهو الذي استصرخ السّلطان أبا يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني لما طغا عليه النّصارى - كما تقدم - ثم خلا له الجوّ، وأنام الأنام في ظلّ الأمان، وأجابته الآمال، حتى حضرت منيته ليلة الأحد ثامن شهر شعبان من عام أحد وسبعمائة (٥) وهو يصلّي - رحمه الله تعالى -. وولي من بعده ولي عهده ولده محمّد، فكان ملكا جليلا، وملك أسطوله سبتة ليلة الخميس السّابع والعشرين من شوال سنة خمس وسبعمائة (٦) وكان كثير الأسقام في جسمه، فاستغلب وزيره، فخلعه أخوه يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة (٧)، وقام بالأمر أخوه الذي خلعه، وهو نصر، فكانت أيّامه أيام نحس مستمر، ووقعت على المسلمين في أيامه وقائع من عدو الدّين، فقام في مالقة ابن عمّه فرج بن اسماعيل بن

стр. 529

يوسف بن نصر، ففسد ما بينهما، ونصب فرج ولده اسماعيل إماما للناس، وأغراه بطلب الأمر إلى أن تحصّل له الأمر بعد حروب وحركات، واستولى / اسماعيل على ملك الحضرة، واستنزل نصرا منها على عهد إلى مدينة وادي آش، فانتظم له ملك الأندلس غلس اليوم السّابع والعشرين لشوال من عام ثلاثة عشر وسبعمائة (٨)، وفي غرة ذي القعدة دخل الحمراء دار الملك، وأقام نصر ﵀ بوادي آش مقيما للرسم بين حرب وسلم، إلى أن توفي سادس ذي القعدة من عام اثنين وعشرين وسبعمائة (٩). واستبدّ بالأمر اسماعيل، وهو السّلطان الكبير الشأن، وفي أيّامه كانت الوقيعة الشهيرة بملكي الرّوم (١٠)، في المرج (١١) بحضرته بعد أن أجليا واستوليا على كثير من البلاد فأتاح الله لهذا السّلطان عليهما وقيعة عظيمة حصدت منهما الشّوكة، وسدلت على المسلمين العصمة وقتل الملكين المذكورين يومئذ، وطارت الأخبار إلى أقاصي بلاد المسلمين، وكانت هذه الوقعة في اليوم الخامس (١٢) لجمادى الأولى من عام تسعة عشر وسبعمائة (١٣)، «وغدر به أقاربه فأوقعوا به جراحات دهش منها، فعاجل بالقتل من غدر به ثم توفي السّلطان إثر ذلك ضحى يوم الاثنين السّابع والعشرين من شهر رجب عام خمسة وعشرين» (١٤). وأخذت البيعة لولده محمّد فتغلّب عليه وزيره، وهكذا تتابع الأمراء بالأندلس دائما في شدّة ورخاء من بعضهم لبعض ومن عدو الدّين، واستمر أمراء بني نصر إلى أن تغلّب عليهم النّصارى فأخذوها وأخرجوا / من بها من المسلمين حسبما تأتي الاشارة إليه إن شاء الله تعالى.

стр. 530

المقالة العاشرة في ذكر دولة بني حفص بأفريقية أبو محمد عبد الواحد أول هذه الدولة الشيخ أبو محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي بن أحمد بن والال (١) بن ادريس بن خالد [بن اليسع] (٢) بن الياس بن عمر بن وافتن (٣) بن محمد بن تحية (٤) بن كعب بن [محمد بن] (٥) سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كذا نسّبه ابن نخيل (٦) وغيره من المؤرخين حكاه ابن خلدون في كتاب (٧) العبر في أخبار العرب والبربر (٨). وقال ابن الخطيب الأندلسي: هو عبد الواحد بن أبي حفص عمر بن عبد الواحد، وأصحاب المهدي قبيلتهم هنتانة، وعدّهم سابق بن سليمان النسّابة من قبائل السّوس من ولد صنهاج بن عاسل، ولما توطأ له الأمر كان عبد الواحد من الثمانية أهل دار
следующие страницы →