← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ابن / عبد الرّحمان بن يحيى بن يغمراسن، وتحرّك إليه أبو سالم إبراهيم بن علي بن عثمان المريني سلطان بني مرين، فأصحروا وتركوا البلاد، ولجؤوا إلى أطرافها، ولم يتّكلوا على ما اتّكل عليه آباؤهم من الرّكون إلى الأسوار فنجوا. وبعد انجلائه عن وطنهم رجعوا لدار ملكهم، ولم يزالوا مع بني مرين في رخاء وشدّة حتى فرغت دولة بني مرين، وبقوا بعدهم لقرب دخول العساكر العثمانية لأرض المغرب واستيلائهم على الجزائر، فاستولوا على تلمسان فهي الآن تحت حكم العساكر العثمانية المقيمين بالجزائر، وبها حافظهم، وسبحان من بيده ملكوت كل شيء واليه رجوع (٦) جميع خلقه لا الاه غيره ولا معبود بحق سواه.

стр. 527

الباب الثالث في ذكر دولة بني نصر بالأندلس قد تقدّم أن من جملة ملوك طوائف الأندلس بعد بني أميّة بنو هود، فلمّا انقضت دولة الملثّمين والموحّدين، واضطرب أمر الأندلس، وضعفت قوتها، وتشاغل بفتن العدوة الغربية أمراؤها ببلد أرجونة، وتكالب عليها النّصارى، وضاق أمر من بها من المسلمين، وكان أمير الوقت محمد بن يوسف آخر بني هود الباقين من ملوك الطّوائف تحت حكم الموحّدين، ثم أنه ملك مرسية، وملك منها الأندلس، وقام بدعوة العباسيين، فاضطربت عليه البلاد، واختلفت الآراء، وعجز عن ضبطها لقلة المساعد، فظهر عند ذلك / ملك بني نصر (١) وأوّل ملوكهم محمّد بن يوسف بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن خميس بن نصر بن قيس الأنصارى الخزرجي بن ولد سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - سيّد أنصار رسول الله ﷺ استقرّ سلفه عند الفتح الأول بقرية من قرى المشرق، وتعرف بقرية الخزرج، فدعا محمّد لنفسه ببلد أرجونة عام تسعة وعشرين وستمائة (٢)، فساعده السّعد، قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -. [رجز] وبان في الأندلس الفساد ... وانتشرت من ضعفها البلاد وأخذت أمانها النّصارى ... فأصبح الناس بها سكارى تراهم من هولها حيارى ... قد أشغل الرّوع بها الأفكارا وانبهم الأمر على ابن هود ... ولم يوافق طالع السعود فحيثما وجّه جيشا هزما ... وحيثما قدّم حكما حكما فجدّد الله رسوم الملّة ... في قطرنا بالأمراء الجلة العظماء سادة الأعلام ... أبناء نصر ناصري الاسلام

стр. 528

أول أملاكهم محمّد ... وهو الأمير الغالب الموحّد (٣) قد لمّ شمل الدّين من شتات ... والرّوم تستولي على الجهات فنعش الدّين به لمّا عثر ... ونظم السلك وقد كان انتشر وثار في أرجونة لنفسه ... وكان شهما غرة في جنسه ودخلت في أمره جيّان ... واغتبطت بقربه الأعيان وأوجبت طاعته الحصون ... فالخوف أمن والحمى مأمون فاطرد السّعد بها واكتملا ... واستوسق الأمر بها وكملا وأحكم السلم سريعا وعقد ... وصارت الذئاب ترعى والنّقد واستكثر العدد فيها والعدد ... وكل من قدم مصياجا وجد وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة التاسع والعشرين لجمادى الثانية من عام أحد وسبعين وستمائة (٤). فتولّى بعده وليّ عهده ولده محمّد، وهو من أعظم الملوك قدرا، وأبعدهم صيتا، وأعلاهم فخرا، وأرسخهم في السياسة قدما، وأسرعهم إلى المكارم تقدما، وهو الذي استصرخ السّلطان أبا يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني لما طغا عليه النّصارى - كما تقدم - ثم خلا له الجوّ، وأنام الأنام في ظلّ الأمان، وأجابته الآمال، حتى حضرت منيته ليلة الأحد ثامن شهر شعبان من عام أحد وسبعمائة (٥) وهو يصلّي - رحمه الله تعالى -. وولي من بعده ولي عهده ولده محمّد، فكان ملكا جليلا، وملك أسطوله سبتة ليلة الخميس السّابع والعشرين من شوال سنة خمس وسبعمائة (٦) وكان كثير الأسقام في جسمه، فاستغلب وزيره، فخلعه أخوه يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة (٧)، وقام بالأمر أخوه الذي خلعه، وهو نصر، فكانت أيّامه أيام نحس مستمر، ووقعت على المسلمين في أيامه وقائع من عدو الدّين، فقام في مالقة ابن عمّه فرج بن اسماعيل بن

стр. 529

يوسف بن نصر، ففسد ما بينهما، ونصب فرج ولده اسماعيل إماما للناس، وأغراه بطلب الأمر إلى أن تحصّل له الأمر بعد حروب وحركات، واستولى / اسماعيل على ملك الحضرة، واستنزل نصرا منها على عهد إلى مدينة وادي آش، فانتظم له ملك الأندلس غلس اليوم السّابع والعشرين لشوال من عام ثلاثة عشر وسبعمائة (٨)، وفي غرة ذي القعدة دخل الحمراء دار الملك، وأقام نصر ﵀ بوادي آش مقيما للرسم بين حرب وسلم، إلى أن توفي سادس ذي القعدة من عام اثنين وعشرين وسبعمائة (٩). واستبدّ بالأمر اسماعيل، وهو السّلطان الكبير الشأن، وفي أيّامه كانت الوقيعة الشهيرة بملكي الرّوم (١٠)، في المرج (١١) بحضرته بعد أن أجليا واستوليا على كثير من البلاد فأتاح الله لهذا السّلطان عليهما وقيعة عظيمة حصدت منهما الشّوكة، وسدلت على المسلمين العصمة وقتل الملكين المذكورين يومئذ، وطارت الأخبار إلى أقاصي بلاد المسلمين، وكانت هذه الوقعة في اليوم الخامس (١٢) لجمادى الأولى من عام تسعة عشر وسبعمائة (١٣)، «وغدر به أقاربه فأوقعوا به جراحات دهش منها، فعاجل بالقتل من غدر به ثم توفي السّلطان إثر ذلك ضحى يوم الاثنين السّابع والعشرين من شهر رجب عام خمسة وعشرين» (١٤). وأخذت البيعة لولده محمّد فتغلّب عليه وزيره، وهكذا تتابع الأمراء بالأندلس دائما في شدّة ورخاء من بعضهم لبعض ومن عدو الدّين، واستمر أمراء بني نصر إلى أن تغلّب عليهم النّصارى فأخذوها وأخرجوا / من بها من المسلمين حسبما تأتي الاشارة إليه إن شاء الله تعالى.

стр. 530

المقالة العاشرة في ذكر دولة بني حفص بأفريقية أبو محمد عبد الواحد أول هذه الدولة الشيخ أبو محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي بن أحمد بن والال (١) بن ادريس بن خالد [بن اليسع] (٢) بن الياس بن عمر بن وافتن (٣) بن محمد بن تحية (٤) بن كعب بن [محمد بن] (٥) سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كذا نسّبه ابن نخيل (٦) وغيره من المؤرخين حكاه ابن خلدون في كتاب (٧) العبر في أخبار العرب والبربر (٨). وقال ابن الخطيب الأندلسي: هو عبد الواحد بن أبي حفص عمر بن عبد الواحد، وأصحاب المهدي قبيلتهم هنتانة، وعدّهم سابق بن سليمان النسّابة من قبائل السّوس من ولد صنهاج بن عاسل، ولما توطأ له الأمر كان عبد الواحد من الثمانية أهل دار

стр. 531

المهدي، ولما خرج النّاصر إلى افريقية في وسط جمادى الآخرة سنة إحدى وستمائة (٩)، وفتح بلادها وهزم الميورقي بها وبلغ غرضه من الحركة اليها ولّى على عمل افريقية أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ ابي حفص عمر بن عبد الواحد في سابع شوال سنة ثلاث وستمائة، وتمادت مدّته بافريقية إلى زمان المأمون اهـ. وكيفية استخلافه أن الناصر لما دخل عليه رمضان وهو بتونس من السنة المذكورة «أشاع (١٠) الحركة إلى المغرب، وتحدّث مع اشياخه ومدبّري دولته فيمن يترك / بافريقية فأجمعوا على الشيخ أبي محمد عبد الواحد المذكور ولم يختلف في ذلك اثنان، وكانوا أرادوا تبعيده عن الخلافة ليجدوا السبيل الى اغراضهم، فأمر النّاصر بعض خدّامه في الحديث معه استحياء من مواجهته به، فامتنع، ولم تسمح نفسه بمفارقته (١١)، وخاطبه النّاصر في ذلك بنفسه فاعتذر له ببعد الشّقة عمن خلفه بمراكش من أهله وولده وبما يلزم ذلك من مفارقة الخليفة والبعد عنه، ونظر النّاصر فلم يجد عوضا عنه، ولم يرد إكراهه على المقام فحكى نبيل مملوك الشّيخ عبد الواحد المذكور قال: بينما أنا جالس على خباء الشّيخ ليلة اذ بضوء قد خرج من مضارب الخليفة فاذا بطائفة من الفتيان قد قصدوا نحو خباء الشّيخ، قال: فعرّفته بذلك، قال: اذا وصلوا فافتح لهم الباب، فلما وصلوا فتحت لهم فدخل ولد الخليفة النّاصر ومعه ولد الشّيخ أبي محمد من ابنة المنصور وهو المعروف بالسيّد أبي الحسن، وكان النّاصر (١٢) خاله قد رباه مع ولده يوسف المستنصر ولي عهده واختصه كولده فوجهه مع ولده ومعهما سالم الفتى مربي النّاصر وفتيان آخرون سواه، فقام الشيخ أبو محمد لولد النّاصر وأجلسه معه وقال له: ما حاجتك أيّها الطّالب ولو كان عندي غير نعمتكم (١٣) لقابلتك به، فقال له الفتيان: كرامته عندك قضاء حاجته، فقال: نعم، حاجته / مقضية، فقال له الولد: إن مولانا وسيّدنا يخصّك بالسلام، ويقول لك هذه البلاد هي من أول هذا الأمر العزيز مع هؤلاء الثوار في شأن عظيم، وتحت ليل بهيم، وقد وصل اليها سيدنا عبد المؤمن وسيدنا أبو يعقوب وسيدنا النّاصر، وما منهم الا وقد أنفق عليها أموالا وأفنى في الحركة إليها رجالا، والشّقة بعيدة،

стр. 532

والمشقّة شديدة، وما عاد واحد منهم إلى حضرته الا وعاد الويل، وأظلم ذلك الليل، وهذه الدّعوة كما يجب علينا القيام بها والذّب عنها كذلك يجب عليك، وقد طلبنا في جميع اخوانك السّادة وأعيان هذه الجماعة من ينوب عنا في هذه البلاد، فلم نجد عند أحد معوّلا فانحصر الأمر الينا وإليك، فأما أن تطلع الى حضرة مرّاكش فتقوم هناك مقامنا، ونقيم نحن بهذه البلاد، أو نطلع نحن الى حضرتنا وتقيم أنت هنا مقامنا، فقال الشيخ: يا بني أما القسم الأول فهو مما لا يمكن، وأما القسم الثاني فأجبت اليه على شروط، فسرّ الولد بذلك، وقبّل يديه، فقبّل الشيخ أبو محمد رأسه، وانفصلوا فكأنما كان عندهم تلك الليلة فتح جديد بالسّرور الذي عمّهم، والطمأنينة مما كان أهمهم. ثم خلا النّاصر به مستفهما عن شروطه فشرط أن لا يتولى افريقية الا بقدر ما تصلح أحوالها، وينقطع طمع الميورقي عنها، ويرسل النّاصر من يكون عوضا عنه، وجعل النهاية / في ذلك ثلاث سنين، وأنه يعرض عليه الجيش فيبقى معه من يقع اختياره عليه، وأنه إن فعل فعلا أي فعل كان لا يسأل عنه ولا يعاتب فيه، وان من (١٤) بقي بعد انفصال النّاصر واليا على بلد من بلاد افريقية فهو فيه بخير النظرين (١٥): إن شاء أبقاه وإن شاء عزله، وغير (١٦) هذه الشّروط، والنّاصر مقبل عليه قابل لشروطه، وبعد تقرر ذلك خرج النّاصر متوجها الى المغرب وذلك سابع شوال، وصحبه الشيخ أبو محمد ثلاثة أيام رحل معه فيها الى باجة. وكان أهل تونس عند خروج النّاصر قد وقفوا ورفعوا أصواتهم بين يديه مستشفعين (١٧) من الميورقي وخائفين أن يصل اليهم بعد انفصال الخليفة عنهم، فاستدعى النّاصر وجوههم وقربهم منه وكلّمهم بنفسه وقال: إنّا قد اخترنا لكم من يقوم مقامنا فيكم وآثرناكم به على أنفسنا مع شدّة حاجتنا اليه، وهو فلان، فتباشر النّاس بولايته اذ كان لا يسمع له كلام ما دام راكبا إلى أن ينزل، وكان يلقب «بالصّامت» ورجع الشيخ أبو محمد من باجة إلى تونس واليا على جميع بلاد افريقية» (١٨).

стр. 533

«واستكتب (١٩) أبا عبد الله محمد بن أحمد بن نخيل (٢٠) المشهود له بالجود وحسن الوساطة والتدبير واصلاح الأحوال، ورتّب الأجناد، واخترع زمام التضييف للوفود، وكان يجلس كل يوم سبت لمسائل النّاس في القصبة «وأول جلوسه يوم السبت العاشر من شوال سنة ثلاث وستمائة» (٢١). وكان عالما فاضلا شجاعا محسنا ذكيا فطنا. توفي (٢٢) يوم الخميس غرة محرم سنة ثماني عشرة وستمائة (٢٣) بتونس، ودفن بقصبتها (٢٤) بعد صلاة الصبح. أبو العلا ادريس . فتولى بعده السّيد أبو العلا ادريس بن يوسف بن عبد المؤمن من الموحدين، وتوفي بتونس في شهر شعبان من سنة عشرين وستمائة (٢٥)، وكان ابنه السّيد أبو زيد المشمر بالقيروان فلما بلغه مهلك أبيه انكفأ راجعا الى تونس، ولما خرج العادل من الأندلس حين خلع عبد الواحد بن يوسف عبد المؤمن أخا المنصور المخلوع، وعقد البيعة للعادل صاحب مرسية - حسبما مرّ - جاز العادل الى العدوة فلقيه أبو محمد عبد الله المعروف (٢٦) بعبّو ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص الذي استخلفه النّاصر فولاّه افريقية وكتب للسّيد أبي زيد المشمّر ابن عمه أبي العلا ادريس بالقدوم عليه بمراكش، فارتحل ووصل أبو محمد عبّو لتونس، فأبو محمد عبد الله عبو هو ثاني الحفصيين، فقدم لتونس وبين يديه أخوه المولى الأمير أبو زكرياء يحيى يوم السبت سابع عشر ذي القعدة من عام

стр. 534

ثلاثة وعشرين وستمائة (٢٧)، فلمّا استقر بتونس عقد لأخيه المولى أبي زكرياء يحيى المذكور على مدينة قابس وأضاف اليه الحامّة وسائر تلك البلاد، وعقد لأخيه أبي ابراهيم على توزر ونفطة وسائر بلاد قسطيلية (٢٨)، فلم يزل المولى أبو زكرياء وليا على قابس وأعمالها، الى أن وقعت بينه / وبين أخيه أبي محمد عبّو وحشة عزله بسببها عن قابس وأعمالها، وأمر أخاه أبا ابراهيم صاحب قسطيلية (٢٨) بالسّير إلى قابس والقبض عليه، فسار إليه فبلغه في أثناء طريقه أن المولى أبا زكرياء يحيى كتب بيعته للمأمون من بني عبد المؤمن، فنكب أبو ابراهيم عن قابس الى المهدية، وخاطب أخاه أبا محمد عبّو بذلك، فلما قتل الموحدون العادل بمراكش، وبويع بعده للمعتصم، قام أبو العلا ادريس الملقب بالمأمون وهو أخو العادل، وكان باشبيلية فدعا لنفسه باشبيلية - حسبما مرّ - فخلع الموحدون المعتصم، وبايعوا المأمون بفاس وتلمسان، وسبتة، فبعث (٢٩) المأمون لصاحب افريقية أبي محمد عبّو ليأخذ له البيعة، فتوقف وظن أنها مكيدة عليه وقال للرسول: نحن مقيمون على بيعة العادل، فاذا تحققنا موته بايعنا أخاه، فرجع الرّسول بلا بيعة ولا جواب ولا كتاب فلما بلغ الرسول للمأمون بلا كتاب ولا جواب كتب إلى الأمير أبي زكرياء يحيى ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص، وكان اذ ذاك واليا على قابس بالولاية على افريقية، فكان أبو زكرياء يحيى ثالث الحفصيين وأمر المأمون أبا زكرياء بخلع عبّو وعزله لأجل امتناعه من بيعته، فبادر أبو زكرياء يحيى بالبيعة للمأمون، فاتصل ذلك بأخيه أبي محمد عبّو، فخرج من تونس متوجّها اليه فلما وصل القيروان جمع من معه من / أشياخ الموحدين وعرّفهم بما عزم عليه من قتال أخيه فأظهروا الكراهية لذلك لمحبّتهم في المولى أبي زكرياء، واعتذروا له فلم يقبل منهم، وقاموا قيام رجل واحد عليه ورجموه بالحجارة، فقام أولاده دونه يقونه بأنفسهم الى أن دخل فسطاطه، فوجّه النّاس أشياخا منهم إلى المولى أبي زكرياء يحيى يعرّفونه بذلك، ويطلبون منه المبادرة بالوصول، فبادر المولى أبو زكرياء الخروج صحبة أولئك الأشياخ، وتسلّم العسكر من أخيه [وسار] (٣٠) الى تونس وحمل أخاه محتاطا عليه فأدخله ليلا الى القصر المعروف بقصر ابن فاخر فاعتقله به.

стр. 535

أبو زكرياء يحيى: وكان دخول المولى أبي زكرياء يحيى لتونس يوم الأربعاء الرابع والعشرين لرجب من سنة خمس وعشرين وستمائة (٣١) ولم يكن أهم لديه من القبض على أبي عمرو (٣٢) كاتب أخيه فأخذه وبسط عليه العذاب إلى أن مات ورميت جثته، وكان يغري أخاه به، ثم إن الأمير أبا زكرياء وجّه بأخيه أبي محمد عبو إلى المغرب في البحر. ثم إن المأمون بعث عمّالا لتونس، فأنف من ذلك المولى أبو زكرياء يحيى المعتصم ابن النّاصر من بني عبد المؤمن، وهو حينئذ المنازع للمأمون في الخلافة بمراكش، وكتب المولى أبو زكرياء الحفصي إلى جميع بلاد افريقية بخلع أبي العلا المأمون، ثم أسقط المولى أبو زكرياء اسم المعتصم من الخطبة في بلاد افريقية، / واقتصر على الدّعاء للمهدي وللخلفاء الراشدين، وكان ذلك أول درجة في الاستبداد، وذلك أول سنة سبع وعشرين وستمائة (٣٣)، وسمّى نفسه بالأمير وكتبه في صدر كتبه، ولم يتعرّض لذلك في الخطبة سياسة منه واختبارا لأحوال افريقية، ثم أخذ لنفسه البيعة في العام المذكور بتونس وبلادها (٣٤)، وكتب علامته: «الحمد لله والشكر لله» وأبقى اسم المهدي في الخطبة وغيرها، ولم يذكر اسمه هو في الخطبة. وكان فقيها (٣٥) عارفا ظريفا له شعر كثير مدوّن مع الجزالة في الأمر، وصلحت به البلاد، ورخصت الأسعار، وأمنت الطرق، وجمع من الأموال والسلاح ما لا جمعه أحد. وفي السّنة المذكورة بنى المصلّى خارج باب المنارة من تونس، ولما استقل المولى أبو زكرياء بتونس، وخلع بيعة بني عبد المؤمن نهض إلى قسنطينة في سنة ثمان وعشرين

стр. 536

وستمائة (٣٦) فنزل ساحتها وحاصرها أياما، ثم داخله ابن علناس في شأنها، وأمكنه من غرتها، فدخلها وقبض على واليها، وولى عليها ابن النعمان، ورحل إلى بجاية ففتحها، وقبض على واليها وصيّره مع والي قسنطينة إلى المهدية معتقلين، وبعث معهما معتقلا [إلى المهدية] (٣٧) محمد بن جامع وابن أخيه جابر بن عون (٣٨) بن جامع من شيوخ مرداس بن عوف، وابن [أبي] الشيخ ابن عساكر من شيوخ الذواودة فاعتقلوا جميعا / بمطبق (٣٩) المهدية. وكان أبو عبد الله ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص - ويسمّى اللحياني لكبر لحيته - هو صاحب أشغال بجاية، فلما افتتحها أخوه المولى أبو زكرياء صار في جملته فولاّه بعد ذلك الولايات الجليلة، وكان يستخلفه بتونس في مغيبه (٤٠). وفي ليلة الإثنين السادسة عشرة لشعبان من سنة ثمان وعشرين وستمائة (٤١) توفي بتونس الشيخ الصّالح أبو سعيد خلف بن يحيى التّميمي (٤٢) ودفن بجبانته المعروفة في جبل المرسى بمقربة من المنارة، وكان مولده سنة إحدى وخمسين وخمسمائة (٤٣)، فعمره سبع وسبعون سنة. وفي سنة تسع وعشرين وستمائة (٤٤)، ابتدأ السّلطان أبو زكرياء ببنيان جامع القصبة بتونس، وجدّد رسوم القصبة، ولما كملت الصّومعة بالبناء في رمضان سنة ثلاثين وستمائة (٤٥)، صعد إليها ليلا وأذّن فيها بنفسه وفرغ من بنائه مسجد القصبة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (٤٦).

стр. 537

وفي سنة أربع وثلاثين وستمائة (٤٧) ذكر المولى أبو زكرياء نفسه في الخطبة بعد ذكر الإمام المهدي مقتصرا عليه، وبويع البيعة الثانية التّامة التي لم يتخلّف فيها أحد من الناس، ولم يتسم بأمير المؤمنين. وبايعه أهل بلنسية في رابع محرّم فاتح سنة ست وثلاثين وستمائة (٤٨)، ولما وقعت عليهم وقعة كبيرة، وضيّق عليهم / العدو أنشده ابن الأبّار بين يديه قصيدة منها بيتان (٤٩) وهما: [بسيط] أدرك بخيلك أرض الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها اندرسا وهب لها من عزيز النّصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النّصر ملتمسا فعاجلهم المولى أبو زكرياء في الوقت بما أمكنته المبادرة إليه من طعام وإنعام، وكانت قيمته مائة ألف دينار، فأعجل تغلّب الرّوم عليها عن تمام نصرته لهم. وفي العام المذكور تجهّز المولى أبو زكرياء من تونس يؤم بلاد زناتة بالمغرب الأوسط فسار إلى بجاية، ثم ارتحل إلى الجزائر فافتتحها وولى عليها من قبله، ثم نهض إلى بلاد مغراوة، فأطاعه بنو منديل وتجاهر بنو توجين بالخلاف، فأوقع بهم وقبض على رئيسهم عبد القوي بن العباس (٥٠) واعتقله وبعثه إلى تونس، وأقبل راجعا إلى حضرته، وعقد في رجوعه على بجاية لابنه الأمير أبي يحيى وأنزله بها. وفي يوم الخميس الثاني لشهر رجب من سنة ثمان وثلاثين وستمائة (٥١) كتب المولى أبو زكرياء صاحب تونس عهده لولده الأمير أبي يحيى زكرياء صاحب بجاية وخطب له على جميع بلاد افريقية. وفي شهر شوال من سنة تسع وثلاثين وستمائة (٥٢) تحرك الأمير أبو زكرياء صاحب تونس إلى تلمسان في جيش جملته أربعة وستون ألفا من الفرسان فحاربها حتى أخذها

стр. 538

عنوة في شهر ربيع الأول من سنة أربعين (٥٣) من باب كشّوط، ولما رأى صاحبها يغمراسن بن زيان / بن عبد الوادي أنه قد أحيط بالبلد قصد باب القصبة لابسا [سلاحه] (٥٤) في خاصّته فاعترضته عساكر الموحدين فقصد نحوهم وجدل بعض أبطالهم، فأفرجوا له ولحق بالصحراء، وافتتحت جيوش الموحدين تلمسان من كل حدب، وعاثوا فيها، ثم لما تجلّى غشاء تلك الهيعة أعمل المولى أبو زكرياء نظره فيمن يقلّده أمر تلمسان والمغرب الأوسط، وكان يغمراسن قد أرسل للمولى أبي زكرياء راغبا في القيام بدعوته بتلمسان فخاطبه المولى أبو زكرياء بالإسعاف واتّصال اليد على صاحب مراكش، ووفدت أم يغمراسن واسمها «سوط النساء» بالاشتراط والقبول، فأكرم موصلها وأسنى جائزتها، وأحسن وفادتها، ثم ارتحل المولى أبو زكرياء يحيى إلى تونس بعد ردّ يغمراسن إلى بلاده تلمسان، فكانت غيبته تسعة أشهر. وفي سنة ست وأربعين (٥٥) توفي ببجاية الأمير أبو يحيى زكرياء (٥٦) صاحب بجاية، فكتب السلطان العهد لولده المستنصر (٥٧)، عوضا عن أخيه. وفي ليلة الجمعة الثامنة والعشرين لجمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وستمائة (٥٨) توفي المولى أبو زكرياء يحيى صاحب تونس في محلته بظاهر بونة، ودفن غدا بجامعها إلى جانب الشيخ الصّالح أبي مروان، ثم نقل بعد ذلك إلى قسنطينة ودفن بها، وكانت ولادته بمراكش سنة تسع وتسعين وخمسمائة (٥٩)، فكان عمره تسعا وأربعين سنة، وخلافته بتونس عشرون سنة [ونصف السنة] (٦٠).

стр. 539

المستنصر ومن توفي من العلماء في أيامه: وتولّى / بعده بلاد افريقية ولده وولي عهده السّلطان أبو عبد الله محمد - المقدّم الذكر - الملقب «بالمستنصر» (٦١) بويع أولا وهو ببونة بعد وفاة أبيه، وكان الذي أخذ له البيعة من الخاصّة وسائر العسكر عمّه محمّد اللحياني، ثم بويع بعد وصوله من بونة إلى حضرة تونس وذلك ثالث رجب من سنة سبع وأربعين وستمائة (٦٢)، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وتسمى بالأمير (٦٣). وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين لذي الحجة من سنة خمسين وستمائة (٦٤)، رأى أن يتسمّى بأمير المؤمنين (٦٥)، وأن يذكر ذلك في الخطبة، وأن يطبع في الذّهب، واختار للعلامة «الحمد لله والشكر لله» فبايعه النّاس بذلك البيعة التّامة واتبع بذلك ردّ المظالم، واتفق أن كان المطر قد احتبس، ففي ثالث يوم من هذه البيعة نزل المطر فهنّأه الشعراء بذلك، ثم رأى شيخ الدّولة أبو سعيد عثمان المعروف «بالعود الرطب» حين تقرر من أمر العامة ما تقرر أن الأوامر السّلطانية قد تنفذ بأمر حقير لا ينبغي الكتب بمثلها عن الخلافة، فقسم الكتب إلى علامة صغيرة وإلى كبيرة، فالأوامر الكبيرة الصّادرة عن الخلافة تكتب بالعلامة التي وقع / الإختيار عليها، والكتب الصغيرة التي يكبر قدر الخليفة عنها تكتب عمن يعيّنه الخليفة لذلك، وتنفذ بعلامة أخرى تشعر بأن ذلك من أمر الخليفة، فانقسمت العلامة إلى صغرى وكبرى، فالكبرى موضعها في أول الكتاب بعد البسملة، والصغرى معلمة في آخره.

стр. 540

وفي سنة تسع وخمسين (٦٦) وصلت بيعة (٦٧) مكة المشرّفة على يد الشيخ أبي محمد عبد الحق بن سبعين (٦٨)، وكان الواصل بها المحدّث الرّاوية أبو محمد بن برطلة (٦٩)، فأنشد بعض الشعراء: [كامل] اهنأ أمير المؤمنين ببيعة ... وافتك بالاقبال والإسعاد فلقد حباك بملكه ربّ الورى ... فأتى يبشّر (٧٠) بافتتاح بلاد وإذا أتت أمّ القرى منقادة ... فمن المبرّة طاعة الأولاد. وفي السنة المذكورة توفي الفقيه المحدث أبو بكر بن سيد الناس. وفي شهر ربيع الآخر لعشر منه توفي أبو عبد الله محمد بن ابراهيم المهدوي المعروف بابن الخباز (٧١). وفي الرابع لربيع الأول من السنة المذكورة توفي بتونس الفقيه الإمام المصنف عبد العزيز بن ابراهيم القرشي شهر ابن بزيزة (٧٢)، شارح الإرشاد (٧٣). وفي ليلة الأحد الخامسة والعشرين لذي القعدة من سنة تسع وستين (٧٤)، توفي الأستاذ النحوي أبو الحسن علي بن موسى الخضرمي عرف بابن عصفور بتونس، ولد باشبيلية سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٧٥)، وسبب موته فيما نقل عن الشّيخ أحمد القلجاني وغيره أنه / دخل على السّلطان يوما وهو جالس برياض أبي فهر في القبّة التي على الجابية

стр. 541

الكبيرة فقال السّلطان على جهة الفخر بدولته: قد اصبح ملكنا عظيما! (٧٦) فأجابه ابن عصفور بقوله: بنا وبأمثالنا فوجدها المستنصر (٧٧) في نفسه، فلما قام الشيخ ليخرج أمر المستنصر (٧٧) بعض رجاله أن يلقيه بثيابه في الجابية الكبيرة، وكان يوما شديد البرد، وقال له [لا] (٧٨) تتركه يصعد مظهرا اللعب معه، فألقاه من أمر بذلك، فكلما أراد الصعود ردّ، وبعد صعوده أصابه برد وحمّى بقي ثلاثة أيام وقضى نحبه، فدفن بمقبرة ابن مهنا قرب جبّانة الشيخ ابن نفيس شرقي باب ينتجمي أحد ابواب القصبة. وفي يوم الأحد رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وستمائة (٧٩) ابتدأ السلطان المستنصر (٧٧) مرض موته وكان مسافرا فأصابه ذلك بعين أغلان فسيق إلى تونس في محفّة على أعناق الرّجال في كسوف القمر وأدخل القصبة، وكثر إرجاف الناس بموته، فجعل يوم عيد الأضحى في محفة من خشب، وأصعد إلى قبّته ورآه الناس وتجلّد لإظهار حركة علم منها أن فيه بقية رمق، ثم عاد إلى منزله وتوفي من ليلته بعد صلاة العشاء الآخرة ليلة الأحد الحادي عشر لذي الحجة سنة خمس وسبعين وستمائة (٨٠)، فكانت خلافته ثمانية وعشرين عاما وخمسة أشهر واثني عشر يوما / ويقال إن أصل مرضه أنه كان في صيادة فقام بين يديه وحش فطردته (٨١) الجوارح، فدخل مغارة ودخل وراءه الرجال فوجدوا بها رجلا قائما يصلّي، فسلم من صلاته وقال لهم: هذا دخيل الفقراء اتركوه، فذهبوا إلى السّلطان فعرفوه فقال لهم: ايتوني بالصّيد، فرجعوا إلى المرابط فمنعهم منه، فرجعوا إلى السّلطان فقال لهم: إن منعكم أعطوه الرّماح، فرجعوا إلى المرابط وعرفوه، فقال لهم: وأنا أقرع السّلطان بالرّماح، ثم طلبوه فلم يجدوه، وسقط السّلطان من حينه مغشيا عليه ثم أفاق بعد زمان، ولم يزل ذلك المرض يتعهده إلى أن مات (٨٢).

стр. 542

الواثق: فتولى بعده ولده أبو زكرياء يحيى الواثق، ولد سنة سبع وأربعين وستمائة (٨٣)، وبويع له ليلة مات أبوه فأصبح خليفة، وبايعه من بقي صبيحة تلك الليلة وذلك يوم الأحد الحادي عشر لذي الحجة عام خمسة وسبعين وستمائة (٨٤)، فكانت سيرته أحسن سيرة، وأخباره مع أولي الفضل مشهورة، جدّد ما اختل من جامع الزيتونة وغيره من المساجد، وسرّح أهل السجن، وأحرق أزمّة المظالم، وأحسن إلى الأجناد، إلاّ أنه كان لا يحسن القيام بأمر الخلافة، وتغلّب على دولته يحيى بن عبد الملك الغافقي المعروف بابن الحببّر (٨٥)، وكان لا يشتغل بأمر الملك بل بأمور غير مفيدة من البناء وأنواع الملابس واقتناء الأثاث، / فساء تدبيره الملك ولم يحسنه، فتلاشت الدّولة بسبب ذلك. وفي سنة ست وسبعين (٨٦) أخذ سعيد بن يوسف بن أبي الحسين وأخذت منه أموال عظيمة، وكان المتولي تعذيبه خديمه عبد الرّحمان بن أبي الأعلام، فكان اذا اشتد به الألم يقول له: من أعان ظالما سلّطه الله عليه، ولمّا بلغ الخبر الواثق وهو بتونس منتبذ عن الحامية والبطانة (٨٧) وضعف أمر المملكة خلع نفسه وبايع لعمّه أبي اسحاق، وذلك يوم الأحد الثالث لربيع الثاني عام ثمانية وسبعين وستمائة (٨٨)، فكانت خلافته سنتين (٨٩) وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما: وقيل خلع نفسه لعمه يوم الجمعة من ربيع الأول سنة تسع وسبعين وستمائة (٩٠).

стр. 543

أبو اسحاق ابراهيم ابن أبي زكرياء: ولما خلع الواثق نفسه تولى بعده عمه المولى أبو اسحاق ابراهيم ابن المولى الأمير أبي زكرياء ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص، ولد سنة احدى وثلاثين وستمائة (٩١) وصلّى بالمصلى هناك صلاة العيد، ودخل بجاية من يومه، ودخل تونس يوم الثلاثاء الخامس لربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة (٩٢)، وجدّدت له البيعة يوم الأربعاء، وانتقل الواثق المخلوع من القصبة إلى دار الغوري بالكتبيين وسكن بها أياما، ثم إن السّلطان سمع به أنه بعث إلى قائد النّصارى وتكلّم معه أن يثور على عمه بليل، فرفع (٩٣) القصبة / هو وبنوه وكانوا ثلاثة: الفضل والطّاهر والطّيب، فثقفوا بها وذبحوا جميعا في صفر سنة تسع وسبعين وستمائة (٩٤). وفي ثالث يوم من دخول السّلطان أبي اسحاق لتونس أخذ ابن الحببّر (٩٥) رئيس دولة الواثق وقتله تحت العذاب، وكان السّلطان أبو اسحاق فيه غلظة وشدة (٩٦)، ولا ينظر في عواقب الأمور، فكان ولده الأمير أبو زكرياء يردّ عليه أكثر أوامره بالتّلطّف، واستولت العرب في أيامه على القرى، وهو أول من كتب البلاد الغربية بالظهارة للعرب. الدّعي ابن أبي عمارة: وفي الرابع من محرم مفتتح عام واحد وثمانين وستمائة (٩٧) ظهر عند دبّاب رجل ادّعى أنه الفضل بن يحيى الواثق، وادّعى أنه انفلت من السّجن، وسبب وصوله لهذه الدّعوى أن الفضل كان له فتى خصي يربيه، فلما قتل الفضل فرّ الخصي للمغرب، فلقي فتى خياطا من أهل تونس يعرف بابن [أبي] (٩٨) عمارة أشدّ النّاس شبها بالفضل بن

стр. 544

الواثق المقتول معه، فداخله وأطمعه في الأمر وعرفه بتأتي الحيلة، ولقّنه أمور الملك وأسماء القرابة، ثم قصد العرب فعرضه عليهم واغتنم منهم نفرة عن الأمير أبي اسحاق، فلبس عليهم، وجعل الفتى يبكي كلما رآى الدعيّ موهما أنه الفضل، ويقبّل أقدامه، واسم الخصي نصير، فأقبل على أمراء العرب مناديا بالسّرور بابن مولاه حتى خيّل عليهم بأن أخبرهم الدعي بن أبي عمّارة لمحاورات [وقعت] بين العرب وبين الواثق قصّها / عليهم كان عرّفه بها نصير، فلما سمعها الأعراب وقد كانت جرت بينهم وبين الواثق صدّقوه ولم يشكّوا فيه واطمأنوا له، وبايعوه، وألقيت محبته في قلب أبي علي بن مرغم (٩٩) بن صابر شيخ دبّاب، فعضده وجمع عليه العرب ونزل معه طرابلس، وصاحبها حينئذ من قبل السّلطان أبي اسحاق محمد بن عيسى الهنتاتي المعروف بعنق (١٠٠) الفضة فأغلقها (١٠١) ووقع القتال مدّة، ثم رحل عنها وجبى تلك النواحي، ثم رحل إلى قابس وقد ظهر أمره، ولم يشك أهل الأوطان أنه من البيت الحفصي، فخرج اليه عبد الملك بن عثمان بن مكي وفتح له قابسا فدخلها، وبايع له أهلها يوم الأربعاء السّابع عشر لرجب من سنة احدى وثمانين المذكورة (١٠٢)، وجاءته بها بيعة جربة والحامّة ونفزاوة وتوزر وسائر بلاد قسطيلية (١٠٣)، ثم فتحت له قفصة يوم الجمعة فدخلها سابع رمضان من العام المذكور، وأخرج له السّلطان أبو اسحاق من تونس جيشا عظيما أمر عليه ولده الأمير أبا زكرياء يحيى فنزل القيروان، وأغرم أهلها أموالا، ثم توجّه نحو الدعي، فنزل قمّودة، والنّاس يتسللون منه حتى كاد يبقى وحده، فرجع إلى تونس ورحل الدّعي من قفصة إلى القيروان فدخلها وبايعه أهلها وجاءته بيعة المهدية وصفاقس وسوسة، فخرج السّلطان أبو اسحاق من تونس في جيش عظيم، ونزل المحمدية في العشر / الأوسط من شوال من السنة المذكورة، وأخرج من العدد حمل تسعين بغلا، فنهب ذلك كله من منزل المحمديّة، وفرّ كثير من الناس عنه إلى المدّعي، ثم فرّ إلى الدّعي الشيخ أبو عمران موسى بن ياسين في جماعة عظيمة من الموحدين، فالتقى به على مقربة من شاذلة

стр. 545

وبايعه، ورجع السّلطان أبو اسحاق إلى سبخة تونس حتى أخرج نساءه وأولاده، وارتحل من تونس مغربا فلقي شدائد وأهوالا من المطر والثّلج والجوع والخوف، فكان يبذل الأموال للقبائل مصانعة على نفسه وأولاده وأهله حتى وصل إلى قسنطينة فأغلقها صاحبها أبو محمد عبد الله بن توفيان (١٠٤) الهرغي (١٠٥) في وجهه فطلب منه ما يأكل، فأنزل له من أعلى السّور الخبز والتّمر، فأكلوا ورحلوا من يومهم إلى بجاية، فمنعه ولده أبو فارس عبد العزيز الدّخول اليها فأقام بقصر الرّبيع على شاطئ وادي بجاية، وسكن بقصر الكوكب، وكان فراره من تونس ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين لشوال سنة إحدى وثمانين وستمائة (١٠٦)، وكانت خلافته بتونس من حين خلع الواثق نفسه إلى حين فراره ثلاثة أعوام ونصفا واثنين وعشرين يوما. وفي يوم الخميس السابع والعشرين لشوال من سنة إحدى وثمانين (١٠٧) بويع الدّعي بتونس على أنه الفضل بن أبي زكرياء يحيى الواثق، وانما هو أحمد بن مرزوق ابن أبي عمارة المسيلي / أمه فرحة من فران من بلاد الزّاب، مولده بالمسيلة سنة اثنتين وأربعين وستمائة (١٠٨)، وتربيته ببجاية، وخطب له بهذا الإفتراء على جميع منابر افريقية. وكان هذا الدّعي سفّاكا للدماء ظالما يظهر قطع المنكر ويأتيه، ويوم دخوله لتونس عاث العرب في النّاس، فأخذ منهم ثلاثة وضرب أعناقهم وصلبهم، ثم أخرج جيشا وأمر عليه شيخ الموحدين أبا محمد عبد الحق بن تافراجين، وأمره بقتل من ظفر به من العرب، ومات يوم دخوله تونس في زحام باب المنارة ثلاثة عشر رجلا منهم الفقيه القاضي أبو علي حسن بن معمّر الهواري الطرابلسي، وفي الخامس والعشرين من يوم دخوله أخذ أمراء العرب الملاقين له وكانوا نحوا من ثمانين، وفي يوم السبت بعده أخذ الزّناتيين وأخرجهم من القصبة عراة إلى السّجن، وكانوا نحوا من ثلاثمائة (١٠٩)، وفي الثالث والعشرين من ذي الحجة أخرج (١١٠) قرابة السّلطان أبي اسحاق كلّهم وسجنهم، واستأصل أموالهم، وهمّ بقتلهم، فمنعهم الله منه.

стр. 546

وفي يوم السبت الثاني عشر من صفر سنة اثنين وثمانين (١١١) خرج الدعي من تونس يريد بجاية لما أحس بخروج الأمير أبي فارس صاحبها إليه، وقد كان أبو فارس جيّش الجيوش، وجمع الجموع، وخرج قاصدا للقائه، وخرج عمّه الأمير أبو حفص خلفه بتاج على رأسه تعظيما له لأنه جرت عادة ملوك هذه الدّولة الحفصية باستعماله، وإنما ترك من دولة ابن اللّحياني الآتي إلى هلم جرا /، فخرج الدّعي من تونس في عسكر عظيم، والتقى الجمعان بفج الأبيار قريبا من قلعة سنان، وذلك يوم الإثنين الثالث لربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وستمائة (١١٢)، فكان يوما هائلا فظيعا خانت (١١٣) فيه أبا فارس أنصاره عقوبة من الله حين أغلق الباب في وجه أبيه ومنعه من الدخول لبجاية، فأخذ رجال الدّعي أبا فارس وقتلوه وقطعوا رأسه ونهبوا محلته وأخذوا مضاربه وخزائنه وسيق رأسه إلى الدّعي، ثم سيق أخوه عبد الواحد حيا فقتله الدّعي بحربة كانت بيده، ثم سيق أخواه لأبيه عمر وخالد فأمر بهما فقتلا صبرا، ثم سيق محمد بن أخيه عبد الواحد فقتل. وكانت ولاية أبي فارس ببجاية وأحوازها ثلاثة اشهر وثلاثة عشر يوما، وسيقت رؤوس أولاد السلطان وأقاربه إلى تونس فطيف بها على أطراف الرّماح في الأسواق يوم الخميس السادس لشهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين وستمائة (١١٤)، وعلّقت على باب المنارة، ولم ينج منهم أحد إلاّ الأمير أبو حفص ابن الأمير أبي زكرياء فانه فرّ إلى قلعة سنان وهو على رجليه، ولاذ به في ذهابه ثلاثة من صنائعهم: أبو الحسن بن أبي بكر بن سيّد النّاس، والوزير ابن الفزاري، ومحمد بن أبي بكر بن خلدون، وربما كانوا يتناوبونه على ظهورهم اذا أصابه الكلل إلى أن بلغ القلعة فتحصّن بها، وأما الأمير / أبو زكرياء ابن الأمير أبي اسحاق فإنه بقي خائفا ببجاية ومعه الشيخ أبو زيد الفزاري (١١٥)، ولما بلغ خبر الوقعة إلى بجاية اضطرب اضطرابا شديدا، واجتمع الناس في الجامع الأعظم وفيهم القاضي أبو محمد عبد المنعم بن عتيق، ومعه ابنه فتكلم بكلام أغضب به العامّة، فوثبوا على الولد وقتلوه في المحراب، وحملوا القاضي من مجلس حكمه إلى السجن (ثم إلى البحر) (١١٦) وصرفوه إلى بلد الجزائر، وخاف الأمير أبو اسحاق على نفسه فخرج هاربا من

стр. 547

القصبة يريد تلمسان ومعه ابنه الأمير أبو زكرياء وعامة أهل بجاية يتّبعونه، فخرج أهل بجاية في طلبه فأدركوه في جبل بني غبرين وقد سقط عن فرسه ودقت فخذه، ونجا ابنه الأمير أبو زكرياء إلى تلمسان، وكان له بها أخت في عصمة والي تلمسان عثمان بن يغمراسن بن زيّان، فأكرمه ورحّب به، وأخذ الأمير أبو اسحاق وردّ إلى بجاية فدخلها راكبا على بغل عليه برذعة وألقوه بدار بحومة ساباط الأموي (١١٧) ببجاية إلى أن أرسل الدّعي في قتله محمد بن عيسى بن داود الهنتاتي، فقتله يوم الخميس السابع والعشرين (١١٨) ربيع الأول عام اثنين وثمانين وستمائة (١١٩). ثم رفع رأسه إلى تونس وطيف به (١٢٠) على عصا في الأسواق، والسفهاء يضحكون والنساء تولول، وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار. ويوم الخميس ثاني صفر من السنة المذكورة خرج الدّعي مسافرا يريد قتل الأمير أبي حفص لأنه ظهر عند العرب وعظم سلطانه / في البلاد، واجتمع عليه خلق كثير لكون الدّعي أساء في العرب وقتل منهم، فسمعوا بالأمير أبي حفص في قلعة سنان، فرحلوا اليه وأتوه بيعتهم في ربيع الأول من السنة المذكورة، وجمعوا له شيئا من الآلات والأخبية، وقام بأمره أبو اللّيل بن أحمد شيخهم، وبلغ الخبر الدّعي فخرج من تونس يريد القتال، فأرجف أهل عسكره ومالت نفوسهم إلى الأمير أبي حفص، فلما تبيّن الدّعي ذلك رجع إلى تونس رجوع منهزم، وذلك يوم الخميس الخامس والعشرين من ربيع الأول من سنة ثلاث وثمانين وستمائة (١٢١) وطوى الأمير أبو حفص البلاد إلى أن نزل قريبا من تونس بسبخة سيجوم، فخرج اليه الموحّدون والجند وقاتلوه أياما كثيرة ولم يظفروا منه بشيء، ونهب العرب البلاد إلى أن خرج الدّعي يوم الأحد الثاني والعشرين لربيع الآخر من السنة المذكورة، فأقام برهة بذيل السّبخة، فلما علم بهلاكه فرّ بنفسه رغبة في الحياة، واختفى في دار بمقربة من الصفّارين بتونس عند رجل فرّان أندلسي ليلة الإثنين الثالث والعشرين لربيع الآخر من السنة المذكورة، فكانت دولة الدّعي بتونس سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما، وأقام الدّعي بتلك الدّار سبعة أيام إلى أن دخلت

стр. 548

عليه امرأة فأخذ وأخرج من تلك الدّار وهدّمت لحينها، وحمل إلى الأمير أبي حفص فقرره بحضرة القاضي ابن الغماز (١٢٢) والشهود، / فأقر بأنه أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة المسيلي وأشهد الشهود عليه بذلك، وأمر الأمير أبو حفص بضرب عنقه بعد ضربه مائتي سوط، وأخرج جسمه دون الرأس وطيف به (١٢٣) على حمار أشهب (١٢٤)، وجرّ إلى السّبخة بخارج باب البحر، فرمي بها، ثم طيف برأسه على عصا يوم الثلاثاء الثاني لجمادي الأولى من السنة المذكورة، قيل كان سبب فضيحته على يد امرأة حفصية أراد تزوّجها، وكانت (١٢٥) لا تحل للفضل لأنها من محارمه فامتنعت منه فألحّ في طلبها لما غلب عليه من حبّها وحسنها، وعرّفها بأنه ليس هو الفضل فافتضح مع ما اتفق من قبح السيرة وخبث السريرة (١٢٦). أبو حفص عمر ابن أبي زكرياء: وتولى بتونس الأمير أبو حفص عمر ابن السّلطان أبي زكرياء ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص، ولد بتونس بعد صلاة الجمعة الموفّى ثلاثين من ذي القعدة سنة إثنين وأربعين وستمائة (١٢٧)، وبويع له بها يوم الأربعاء الخامس والعشرين لربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة (١٢٨)، وتلقب «بالمستنصر». وفي السابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة توفي بالمهدية القاضي ابن الغماز. وفي السادس والعشرين لذي الحجة من سنة ثلاث وتسعين (١٢٩) توفي السّلطان أبو

стр. 549

حفص فكانت خلافته أحد عشر عاما وثمانية أشهر إلاّ يومين، وكان عهد لولده عبد الله فتحدّث الموحّدون في صغره وأنه لم يبلغ الحلم، فبعث السّلطان / إلى الشّيخ الصّالح أبي محمد المرجاني وتحدّث معه في ذلك، وكان الواثق بن المستنصر (١٣٠) لما قتل هو وأولاده - حسبما مرّ - فرّت إحدى جواريه حاملا منه إلى زاوية الشّيخ الولي أبي محمد المرجاني، فوضعت الولد في بيته وسمّاه الشّيخ «محمّدا»، وعقّ (١٣١) عليه وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة الحنطة، فلقّب بأبي عصيدة، ثم صار بعد اختفائه إلى قصورهم، ونشأ في ظلّ الخلفاء حتى شبّ، وبقيت له مه مع الشّيخ المرجاني ذمّة، فلما فوضّه السّلطان في شأن العهد، وأخبره بنكير الموحدين لولده أشار عليه الشّيخ بصرف العهد إلى محمّد بن الواثق، فقبل إشارته ووقع الإتفاق على ذلك فأخرجه الشّيخ أبو محمّد المرجاني، وبارك عليه ودعا له، وبويع البيعة الخاصة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لذي الحجة. أبو عصيدة ومن توفي من العلماء في أيامه: ثم لما توفي السّلطان أبو حفص في التاريخ المذكور بويع الأمير أبو عبد الله محمد ابن المولى السّلطان محمد الواثق الملقب «بأبي عصيدة» وافتتح أمره بقتل عبد الله ابن السّلطان أبي حفص لأجل ترشحه للولاية. ثم خرج السّلطان أبو عصيدة من حضرة تونس بمحلّته حتى تجاوز تخوم عمله إلى أعمال قسنطينة، وجفلت قدامه الرّعايا، ثم رجع إلى حضرته. وفي شهر جمادى الأولى سنة تسع وتسعين (١٣٢)، توفي الشّيخ الصّالح المرجاني، ودفن بجبل الزّلاج (١٣٣) وكان صديقا لقاضي الجماعة / بتونس الفقيه أبي يحيى بن أبي بكر الغوري الصفاقسي وكان القاضي مريضا، فكتم أقاربه موت صديقه، فلم يخبروه به، وجعلوا يوصون من يعوده ألاّ يخبره بموته، فأتى الفقيه أبو اسحاق بن عبد الرّفيع لعيادة

стр. 550

القاضي فأوصوه فنسي وأخبره، فازداد مرضه، وتوفي يوم الأحد رابع عشر جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وستمائة (١٣٤). ونقل عن الشّيخ أبي محمد عبد الواحد الغرياني أنه أخبره من يثق به أن عادة الموحدين (١٣٥) قديما بتونس أنهم لا يولّون القضاء أكثر من عامين عملا بما أوصى به عمر ابن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - حين كتب عهده أنه لا يلي عامل أكثر من عامين وأيضا فإنهم يرون أن القاضي اذا طالت مدة قضائه اتخذ الأصحاب والإخوان، واذا تيقّن العزل فلا يغتر، وأيضا فإن الحال اذا كانت هكذا ظهرت مخايل المعرفة بين الأقران، وكثر فيهم القضاة بتدربهم على الوقائع، فيبقى الحال معروفا محفوظا، بخلاف ما اذا استبد الواحد بالعمل لم يقع تناصف ولم يحصل لمن بعده النفوذ لا ياسهم من الولاية إلاّ بعد مشقة. وفي ثاني صفر من سنة سبعمائة (١٣٦) توفي الشّيخ الفقيه النّحوي أبو زكرياء اليفزني (١٣٧) كان تلميذ ابن عصفور وخليفته في فنّه. وفي شهر جمادى الأولى من سنة ست وسبعمائة (١٣٨) سافر شيخ الموحدين أبو يحيى / زكرياء بن أحمد اللحياني بالعساكر إلى جربة برسم خلاصها من أيدي النّصارى، فقاتل القشتيل (١٣٩) شهرين (١٤٠)، ولما عجز عنه رحل إلى قابس (١٤١) وانتهى إلى توزر، وأعانه على الخدمة أحمد بن محمد بن يملول مخدوم التجاني صاحب الرّحلة،

стр. 551

فخلص مجابي الجريد، ورجع إلى قابس، فأنزله عبد الملك بن مكي فصرف العساكر إلى الحضرة، وعمل على السفر إلى الحج، فتولى رئاسة الموحّدين بتونس أبو يعقوب بن يزدوتن، وتحوّل هو عن قابس إلى بعض جبالها خوفا من وخمها، وأقام في انتظار الرّكب. ثم انتقل إلى طرابلس، فأقام بها حولا ونصفا إلى أن وصل وفد التّرك من المغرب في آخر سنة ثمان، كانوا أتوا بهدية من صاحب مصر ليوسف المريني، فخرج معهم حاجا فقضى حجّه. وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر (١٤٢) لربيع الآخر سنة تسع وسبعمائة (١٤٣) توفي الأمير أبو عبد الله محمد أبو عصيدة، فكانت خلافته أربعة عشر عاما وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما (١٤٤) وكان في قائم حياته عقد عهدا مع الأمير أبي البقاء خالد صاحب قسنطينة وبجاية على أن أيّهما توفي قبل صاحبه أخذ صاحبه بلاده. أبو بكر الشهيد: وكان السلطان خالد قد نزع إليه حمزة بن عمر بن أبي الليل يرغّبه في ملك الحضرة (١٤٥) واستنهضه اليها، فلما مرض السّلطان أبو عبد الله، وتحقّق ذلك الأمير خالد وهو ببجاية جدّ في / الحركة على تونس، وأظهر أنها للجزائر، ثم سار إلى قسنطينة وترك بها نائبا (١٤٦)، فلما قرب من تونس ونزل قصر جابر توفي الأمير أبو عبد الله أبو عصيدة فاجتمع الأشياخ وكبار الموحدين وتحدثوا هل يقع الوفاء بالعهد والشّرط المتقدم أو ينظرون من يبايعونه لأنفسهم فاتّفق رأيهم على مبايعة الأمير أبي يحيى أبي بكر المعروف بالشهيد ابن الأمير أبي زيد عبد الرحمان ابن الأمير أبي يحيى بن أبي بكر ابن السّلطان أبي زكرياء، فبويع يوم وفاة أبي عصيدة، وذلك يوم الثلاثاء الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعمائة (١٤٧).

стр. 552

فما أتم ثمانية أيام حتى خرج لقتال أبي البقاء خالد فأقام بمحلته تسعة أيام، والتقى أبو البقاء وأبو بكر، فانهزم أبو بكر، ودخل القصبة، ثم لما أصبح أراد الوقوف بالسّبخة مع خاصته، وظن أن من بقي من الأجناد بتونس يقفون معه، فوقف عند الأقواس يسيرا، ثم انصرف فقبض عليه من ساعته وقتل في السابع (١٤٨) والعشرين من الشهر المذكور فكانت دولته ستة عشر يوما. أبو البقاء خالد: وبايع الناس لأبي البقاء خالد يوم الجمعة السابع (١٤٨) والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وسبعمائة، ولقب «بالناصر لدين الله». وفي يوم الخميس التاسع لجمادى الأولى من سنة إحدى عشرة وسبعمائة (١٤٩)، وصل الشّيخ أبو عبد الله المزدوري صحبة العرب إلى تونس نائبا عن الأمير أبي يحيى زكرياء بن أحمد بن محمد اللّحياني، وكان وصل من الحجاز / إلى افريقية، فوجد الأحوال اضطربت ووجد الأعراب غلبت على افريقية، فعزم على الولاية فبويع بطرابلس، فلما دخل المزدوري حكم أبا البقاء خالدا (١٥٠)، فكانت دولته بتونس سنتين وثلاثة عشر يوما وتوفي بتونس قتيلا في سنة إحدى عشرة وسبعمائة (١٥١)، وقيل سنة ثلاثة عشرة. أبو يحيى زكرياء ابن اللحياني: وفي يوم الأحد الثاني من رجب من سنة إحدى عشرة بويع البيعة العامة بمنزل المحمّدية الأمير أبو يحيى زكرياء ابن الشّيخ أبي العبّاس أحمد ابن الشّيخ أبي عبد الله

стр. 553

محمّد اللّحياني ابن الشيخ أبي عبد الواحد، كان ﵀ مشاركا في العلوم والآداب، فلذا كان يألف أهل العلم والأدب، وكان في أول أمره كثير التّمنّع من الأمر، وكان أحب الأمر إليه أن يكون نائبا عن خليفة يكون قابلا لكلامه مؤثرا له عمّا سواه، عاملا بمقتضى السّياسة، فلذا ردّ (١٥٢) أفعال من كان قبله، واسترجع البلاد التي سوغت، وقال: لا يمضي عطاء من لا يعرف قدر ما اعطى، ثم عرض الجيش فأسقط منه من لم يكن له أصل ثابت في القبائل، وسار في النّاس سيرة حسنة، ومكّن (١٥٣) ولده للحكم عند القاضي أبي اسحاق بن عبد الرّفيع في دم ادعي عليه به، وهو كان سبب محنة القاضي المذكور. ثم إن السّلطان أبا يحيى زكرياء بن اللحياني رأى اضطراب الأحوال، وافتتان العربان، وظهر له خروج الأمر من يده، فجمع الأموال وباع / جميع الذّخائر التي كانت في القصبة حتى الكتب التي كان الأمير أبو زكرياء الأكبر جمعها، واستجاد أصولها ودواوينها، أخرجت للكتبيين وبيعت بدكاكينهم، زعموا أنه جمع ما يجاوز عشرين قنطارا من الذّهب، وجولقين من حصى الدّر والياقوت، واستعمل حركة لقابس وخرج اليها في أول عام سبعة عشر وسبعمائة (١٥٤)، بعد أن رتّب بتونس أجنادا يذبّون عنها مع قائد البلد ألف فارس، بعضهم بأنف الجبل الذي بقبلة تونس، وبعضهم بالعلويين، وبعضهم على طريق باجة، وخرج من تونس في قدر ألف فارس، واستخلف بها أبا الحسن بن وانودين، ورحل إلى قابس فسكنها بأهله وولده إلاّ ولده محمد، ويدعى «أبا ضربة» فإنه تركه معتقلا. ولما خرج هو من تونس تحرك السّلطان أبو يحيى أبو بكر، وارتحل (١٥٥) من قسنطينة في جمادى الآخرة من سنة سبع عشرة قاصدا الحضرة فلقيه وفد العرب وانتهى إلى باجة، وانصرفت حاميته لتونس، وكان نوّاب ابن اللحياني كتبوا له بحركة أبي بكر على تونس، فكتب لهم: عندكم الأموال والأجناد، وما فعلتم فقد أمضيته، فوجدوا عندهم من المال المجتمع من حين سافر مائة ألف دينار (١٥٦) وخمسين ألفا، ووجدوا من

стр. 554

الأجناد سبعمائة فارس، فأخرجوا ولده أبا ضربة من الثّقاف، واستنابوا الشّيخ أبا الحسن بن وانودين على تونس، وخرجوا إلى القيروان ومعهم محمّد أبو ضربة راكبا بغلا دون سلاح، وخرج جميع الأشياخ /، وخالفهم الشّيخ مولاهم ابن عمر بن أبي الليل، فذهب إلى أبي بكر لما كان في نفسه من السّلطان ابن اللحياني لكونه كان يؤثر عليه أخاه حمزة، فلقي أبا بكر بمنزلة قشبة (١٥٧) واستحثه لتونس، فوصلها ونزل برياض السّناجرة في شعبان من سنة سبع عشرة (١٥٨). محمد أبو ضربة: وكان أبو ضربة ومن معه من تونس لقيهم حمزة بن عمر بن أبي الليل فقال لهم: إلى أين؟ فقالوا له: إلى القيروان، ومن ثم نكاتب السّلطان بقابس، ونعرّفه أن صاحب قسنطينة قد ملك تونس، فقال لهم: هذا هو السّلطان - يعني أبا ضربة - ونزل فبايعه هو وجميع الناس، واجتمعت عليه كلمة الموحدين والعرب، وذلك أواسط شعبان من عام سبعة عشر، ثم رجعوا بأجمعهم إلى تونس، وكتب حمزة لأخيه مولاهم: ارجع بسلطانك، فرجع خالد ورحل به مولاهم من رياض (١٥٩) السناجرة، بعد أن أقام به سبعة أيام، وعمل المفرّحات هنالك، وسار إلى قسنطينة ورجع عنه مولاهم من تخوم وطنه. وفي وسط شعبان بويع بتونس الأمير أبو عبد الله محمد أبو ضربة، وبقي هو بتونس وأبوه بقابس، والخطبة مشتركة بينهما فيقول الخطيب بعد ذكر الأب: اللهم وارض عن نجلهم (١٦٠) الناشئ عن مقامات شرفهم (١٦١) «المستنصر بالله» أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد، ثم إن حمزة بن عمر بن أبي الليل طلب من أبي ضربة كسوة ألف فارس كل كسوة بثلاثين دينارا وغير ذلك من المطالب حتى ما أبقى شيئا / من المال.

стр. 555

ثم إن الأمير أبا بكر حشد الحشود في صفر من سنة ثمان عشرة وسبعمائة (١٦٢)، وقصد تونس، واستعمل على بجاية أبا عبد الله محمد بن القالون، وسار إلى أن وصل الأربس فوافاه وفد هوارة وكبيرهم سليمان بن جامع، فأخبره أن الأمير أبا ضربة إرتحل عن باجة عازما على اللقاء، فجد أبو بكر ولقيه الشّيخ مولاهم صاحبه وراجع الطّاعة له، وارتحل في طلب أبي ضربة وجموعه، فخرج إلى أبي بكر العمّال والمشيخة وبايعوه، فارتحل راجعا عن طلب أبي ضربة إلى حضرة تونس (١٦٣). ولما ورد (١٦٤) على ابن اللحياني بقابس خبر ما وقع بتونس وأن أبا بكر هزم ولده، ورأى أمورا تفاقمت خرج من قابس إلى طرابلس، وبنى بها موضعا لجلوسه يقال له الطّارمة، بناه بالزّليج والرّخام، وجبى أموال عمل طرابلس، ثم سرّح ذلك الجيش لنصرة ولده صحبة صاحبه أبي زكرياء بن يعقوب ووزيره ابن ياسين (١٦٥) بالأموال ففرقها في العرب، وزحفوا بهم إلى القيروان مع الأمير أبي ضربة فخرج أبو بكر فهزمهم، ونجا أبو ضربة إلى المهدية فامتنع بها، ولحق الحاجب المذكور وبعض الفلّ - أي المنهزمين - بالسّلطان ابن اللحياني بطرابلس، فأرسل إلى النّصارى، وطلب منهم عمارة ستة أجفان، فوردت عليه وطلع بولده وأهله وماله وحاجبه ابن يعقوب، وترك صهره أبا عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي عمران من قرابته / حافظا لطرابلس، وسافر هو في الأجفان إلى الإسكندرية فنزل بها على السّلطان محمد بن قلاوون، فاستقدمه إلى مصر فعظم مقدمه واهتز للقائه، وأسنى جائزته واقطاعه إلى أن هلك سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (١٦٦)، وكانت خلافته بتونس ستة أعوام وأربعة أشهر. ثم إن محمدا أبا ضربة بعد ما حصل بالمهدية أدرك وقتل في ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة وسبعمائة (١٦٧)، فكانت خلافته بتونس تسعة أشهر ونصفا (١٦٨).

стр. 556

أبو يحيى أبو بكر: وتولّى بعده السّلطان أمير المؤمنين أبو يحيى أبو بكر بن أبي زكرياء يحيى [ابن المولى السّلطان أبي اسحاق ابراهيم ابن الأمير أبي زكرياء يحيى] (١٦٩) ابن الشّيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص في تاريخه، وقد تحرّك لتونس كرات متعددة أولها وهو أمير المؤمنين بقسنطينة في عام ستة عشر (١٧٠) فوصل إلى عين تبرسق وهي أصل وادي مجردة، ورجع إلى المغرب، ثم تحرك الحركة الثانية وصل فيها إلى سيجوم، وملك تونس، ولم يدخلها، وبويع له برياض السناجرة في ثامن شعبان عام سبعة عشر وسبعمائة (١٧١)، ثم رجع إلى المغرب ثم تحرّك الحركة الثالثة بجيوش وافرة من قسنطينة، فوصل تونس في الثامن لشهر ربيع الأول عام ثمانية عشر وسبعمائة (١٧٢)، ثم انصرف من تونس، وتحرك إليها رابعة فوصل إليها، وكتب له البيعة بها في غرة صفر عام ثلاثة وعشرين (١٧٣)، ثم انصرف عنها ووصل مرّة خامسة في سابع شهر رمضان عام خمسة وعشرين (١٧٤) ثم / انصرف عنها ووصل المرّة السّادسة في صفر عام ثلاثين وسبعمائة (١٧٥)، وفي أثناء انصرافه عن تونس ملكها ابن أبي عمران الحفصي كرّتين نحو ثمانية أشهر، ونزل الأعراب تونس في أثناء الكرّتين المذكورتين بالأمير ابراهيم ابن الشّهيد، ونزلوا أيضا كدية أبي علي الأمير عبد الواحد بن اللحياني عام إثنتين وثلاثين (١٧٦)، وهو عبد الواحد ابن السّلطان أبي يحيى زكرياء بن اللحياني أخو أبي ضربة، فوصل إلى تونس بعد قدومه إثر موت أبيه بالمشرق مع دبّاب وابن مكي، وتسامع به الناس وافريقية خالية من حاميتها لنهوضهم لبجاية، فاغتنم (١٧٧) حمزة بن عمر الفرصة فاستقدمه وبايعه، ودخل الأمير عبد الواحد وحاجبه ابن مكي وأقام بها إلى أن بلغ الخبر إلى السّلطان بمقربة من المسيلة بعد هدمه حصن بني عبد الواحد المحدث على بجاية، فقفل إلى الحضرة، وبعث في مقدمته محمد البطرني مع

стр. 557

بطانته في عسكر اختارهم لذلك، فأجفل ابن اللحياني وجموعه عن تونس لخمس عشرة ليلة من نزولهم، ودخل البطرني اليها، وجاء السّلطان على أثره أيام عيد الفطر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وجددت له البيعة بتونس، وهي المرة السابعة له كما قيل. [طويل] فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وفاة القاضي ابن قدّاح: وفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة (١٧٨)، توفي القاضي ابن قدّاح، قال ابن عرفة (١٧٩): حدثني من أثق به قال: لما مات القاضي ابن قدّاح بتونس / قال أهل مجلس السّلطان أبي بكر في ولاية قاض فذكر بعض أهل المجلس الشّيخ ابن عبد السلام، فقال بعض أهل المجلس الكبار: إنه شديد الأمر ولا تطيقونه، فقال بعضهم: نستخبره، فدسّوا عليه رجلا من الموحدين كان جارا له يعرف «بابن ابراهيم» فقال له: هؤلاء امتنعوا من ولايتك لأنك شديد في الحكم، فقال: أنا أعرف الفوائد وأمشّيها، فحينئذ ولوه من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة (١٨٠) إلى أن توفي عام تسعة وأربعين (١٨١). قال الشّيخ البرزلي في «تأليفه»: لعلّه إنما ذكر ذلك لأنه خاف أن يتولى من لا يصلح بوجه [فكان] (١٨٢) كلامه مانعا. وكان الشّيخ ابن عبد السلام عالما سيدا ساد بالعلم ورأس، واقتبس من الحضرة ما اقتبس، له التأليف المشهور الذي شرح به ابن الحاجب، وجمع بين القضاء والخطابة والتّدريس والفتوى، وكان يدرّس بمدرسة الشّماعين، ولما بنت أخت السّلطان مدرسة عنق الجمل طلبت من أخيها السّلطان أبي بكر أن يكون قاضي الجماعة ابن عبد السلام يدرّس بمدرستها فأسعفها بذلك، فكان يقسم الجمعة بين المدرستين، ثم إنها عزلته من مدرستها ونسبته إلى التفريط وقدمت عوضه أبا عبد الله بن سلامة (١٨٣).

стр. 558

وفاة الفقيه محمد بن عبد الله بن راشد القفصي: وفي الليلة الموفية (١٨٤) عشرين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وسبعمائة (١٨٥)، توفي الشّيخ الفقيه الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن راشد القفصي البكري بمدينة تونس شارح ابن الحاجب، أصله / من قفصة ونشأ بها وقرأ، ثم انتقل إلى تونس، وأخذ عن ابن الغمّاز ثم انتقل للمشرق، فلقي أعلاما كناصر الدّين بن المنيّر والأبياري، وشهاب الدين القرافي، وتقي الدين بن دقيق العيد، وشمس الدين الأصفهاني وغيرهم، وأتقن قراءة المعقولات وحج وزار، ولما عاد من المشرق وقدم لقضاء بلده قفصة حسد وسلق بألسنة حداد، وطرأت (١٨٦) عليه غصائص وقدّم لقضاء الجزيرة القبلية، ثم عزل وأخمل ذكره وناوأه القاضي أبو اسحاق بن عبد الرفيع فلم يتركه يخرج رأسه طرفة عين حتى لقد منعه الجلوس للوعظ بجامع القصر الأعلى وقال له: إن دخلته كسرت رجليك، فكان ابن راشد يقول: أتمنى أن أجلس أنا وهو للمناظرة حتى يظهر الحق ومن هو المقدم في العلم، وله تصانيف منها «تلخيص المحصول» و «نخبة الراحل في شرح الحاصل» و «الفائق في الأحكام والوثائق» في ثمانية أجزاء و «الشهاب الثاقب في شرح ابن الحاجب» في ثمانية أجزاء و «المذهب في ضبط مسائل المذهب» في ستة أسفار و «تحفة اللبيب في اختصار ابن الخطيب» في أربعة أسفار و «المذاهب السّنية في علم العربية» و «المرتبة العليا في تعبير الرؤيا». قال الشّيخ ابن عرفة: حضرت جنازته بعد أن جلس الفقيه [ابن] (١٨٧) الحباب بالجبانة مستندا إلى حائط في جبانة أخرى، وكان بالأخرى مستندا إلى ذلك الحائط الشّيخان القاضي ابن عبد السلام والمفتي / ابن هارون، فأخذ [ابن] الحباب في الثناء على ابن راشد، وذكر من فضائله وعلمه ما دعاه الحال إلى أن قال: ويكفي من فضله أنه أول من شرح «جامع الأمهات» (١٨٨) لابن الحاجب، وجاء هؤلاء السرّاق - وأشار إلى

стр. 559

الجالسين خلفه - فعمد كل واحد إلى أن وضع شرحا عليه، وأخذ من كلامه ما لولاه لما علم أين يمور (١٨٩) ولا أين يجيء. وفاة الفقيه عبد الله ابن البراء التنوخي: وفي التاسع (١٩٠) والعشرين لجمادى الأخيرة من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة (١٩١) توفي بتونس الفقيه المؤرخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن البراء التّنّوخي، كان اماما بجامع الزّيتونة، وخطيبا بجامع القصبة، عدلا ذا سمت حسن، له عناية بالتّاريخ والرّواية، اختصر «ذيل (١٩٢) السمعاني»، واقتضب «تاريخ الغرناطي» (١٩٣)، وألف تاريخه على طريقة الطّبري مرتبا على السبق من سيد البعثة المحمّدية إلى زمنه، أجاد فيه، وتجزئته في ستة أسفار (١٩٤). وفي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة (١٩٥) فتح القائد ابن الكماد قشتيل جربة واستخلصه من أيدي النّصارى بعد أن حاصره أعظم محاصرة. وفاة الشّيخ علي بن منتصر الصدفي: وفي ليلة الخميس الخامس لجمادى الأولى من سنة اثنتين وأربعين (١٩٦)، توفي الشّيخ الصّالح الإمام أبو الحسن علي بن منتصر الصّدفي، ودفن بجبل الزلاج (١٩٧)، كان من أهل العلم والصّلاح لا يبالي بذي سلطان لسلطانه، ولا تأخذه في الحق لومة لائم، كتب للقاضي ابن عبد السلام: يا محمد ليت أمك لم تلدك، وليت اذ ولدتك لم تتكلم،

стр. 560

وليت اذ تكلمت لم تتعلم، ورأى يوما / مكسا فأخذ قرطاسا وكتب فيه: من أكل طعاما من مكس ينظر عاقبة أمره، وطوى الكتاب ووجهه إلى الخليفة، فلما نظر فيه قال: ما هذا؟ فأخبر، فقطعه (١٩٨)، وكذلك أخبر بامرأة رومية وقعت في الجانب العلي، ورام بعض الأمراء عصمتها فكتب للخليفة: أخبروني فإن أردتم عز الاسلام فأعزوه، وإلاّ ارتحلنا من بينكم، فإن مثل هذا الواقع وحماية من فعله ردّة، قال الشّيخ البطرني: فوجه الخليفة للقاضي ابن عبد السلام وقال له: ما قمت ولا قعدت لو أنك نفذت الحكم الشرعي ما سمعت أنا مثل هذا، ثم أمر بالمرأة فرفعت للقاضي، وتمّ الحكم عليها، وقدمه ابن عبد الرفيع للشهادة عدلا بتونس، فكان لا يأخذ أجرا على شهادته، ويأخذ الصّدقة والزكاة، وحكى الشّيخ ابن عرفة عنه أنه قال: يجلس كل يوم الخضر ﵇ بالمقصورة الشرقية من جامع الزّيتونة من أوّل آذان الظهر إلى أن يكثر الناس فيخرج يشير إلى أنه رأى الخضر مرارا. وفاة الشّيخ أبي حيان: وفي شهر صفر من السنة المذكورة (١٩٩) توفي بالقاهرة الشّيخ الإمام الحافظ النحوي المفسر أثير الدين أبو حيّان (٢٠٠) محمد بن يوسف بن علي بن حيّان الأندلسي، كان إماما عارفا بالتفسير والعربية، انتقل من الأندلس لمصر واستوطنها، وأخذ الناس عنه فأفاد واستفاد، وتمذهب بمذهب (٢٠١) الشّافعي، وصنّف تصانيف في علوم شتى أربت على خمسين / تصنيفا (٢٠٢)، منها «البحر المحيط» (٢٠٣) في تفسير القرآن الذي اختصر الصفاقسي والسمين اعرابه (٢٠٤) وكان جيد الشعر والنثر فمن شعره:

стр. 561

[طويل] عداتي لهم فضل علي ومنّة ... فلا أذهب الرحمان عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وفي شهر ربيع الأول من عام سبعة وأربعين وسبعمائة (٢٠٥) كتب صداق الحرة عزّونة بنت السّلطان أبي بكر على سلطان المغرب أبي الحسن المريني، عوضا عن أختها فاطمة التي كان صاهره عليها وكانت توفّيت في غزوة طريف من بلاد الأندلس التي أشرنا اليها في دولة بني مرين، وكان صداق عزّونة خمسة عشر ألف دينار ذهبا ومائتي خادم، وتوجّهت إلى المغرب في البر في شهر جمادى الثانية من العام المذكور، صحبة أخيها شقيقها الأمير الفضل، وبسبب المصاهرة اعتضد الأمير أبو بكر، وقهر أعداءه من بني زيّان ملوك تلمسان وغيرهم. وفي ليلة الأربعاء الثانية من رجب من سنة سبع وأربعين وسبعمائة (٢٠٦) توفي السّلطان أبو بكر بتونس، فبلغ عمره خمسا وخمسين سنة إلاّ شهرا، ودفن في روضة جدّه الشّيخ أبي محمد عبد الواحد بالقصبة، ومدّة خلافته من حين ولي في المرة الأولى تسع وعشرون سنة وعشرة أشهر وخمسة / وعشرون يوما، وفي أيامه يرحى كل يوم أربعة آلاف قفيز قوت الناس، وهو كناية عن قوة عمارة مدينة تونس وسعة رزقها تلك الأيام (٢٠٧).

стр. 562

أبو حفص عمر بن أبي بكر والتنافس بين الحفصيين: ثم تولى بعده ولده الأمير أبو حفص عمر، بويع له بالخلافة يوم الأربعاء الثاني لرجب الفرد من عام سبعة وأربعين وسبعمائة، وذلك أنه لما مات والده بادر بملك القصر وضبط أبوابه، وبعث للقاضي ابن عبد السلام وقاضي الأنكحة الأجمي (٢٠٨) فقال لهما: تبايعاني؟ فقالا له: نحن شهدنا في بيعة أخيك أحمد صاحب قفصة، فاعطنا شهادتنا نقطعها، فنشهد (٢٠٩) حينئذ في بيعتك، قال الشّيخ ابن عرفة: فخاض بعض الناس في بعض وهم جلوس في القبّة الكبرى، فأمر الشّيخ ابن تافراجين أن لا يخرج أحد من القبة، وفسخ المجلس بقول القاضيين: نحن نمشي نشتغل بمؤونة دفن السّلطان وحينئذ نجتمع، واستدعى وجوه الموحدين وبعض وجوه البلد، وأخرج لهم الأمير عمر، فبايعوه، فما شعر القاضيان ومن معهما حتى سمعوا جلبة الطبول والبوقات، فقيل ما هذا؟ قيل قد بايع الناس الأمير واستدعى القاضيين ومن معهما فرأوا تمام القضية لوقوع البيعة وانعقادها من الجم الغفير فكتبت (٢١٠) وثيقة بعقد البيعة للأمير عمر لاختيار العامّة والخاصّة له عن ولي العهد، وهذا من حسن سياسة ابن تافراجين، وكان الأمير خالد نجل السّلطان / أبي بكر برياض رأس الطّابية، وكان قدم من بلد المهدية زائرا فبلغه الخبر ليلا، فخرج فارّا بنفسه في نفر قليل من خدّامه، فتبعه من العرب أولاد منديل والكعبيون (٢١١) مظهرين أنهم في خدمته، فلما أصبح قبضوا عليه، وجاؤوا به إلى أخيه أبي حفص فاعتقله، واستقام له الملك، وتلقّب بالنّاصر، ولما بلغ الخبر للأمير أبي العباس أحمد صاحب قفصة موت والده وتولية أخيه بادر بمن التفّ عليه من العرب إلى تونس ولقيه أخوه أبو فارس عبد العزيز صاحب عمل سوسة بالقيروان، فأتاه طاعته وصار في جملته، وجمع السّلطان أبو حفص جموعه، وخرج في غرة شعبان بمحلته من تونس ومعه حاجبه الشّيخ أبو محمد بن تافراجين منذر منه بالهلكة، فعمل في أسباب النجاة، ولما تراءى الجمعان رجع الحاجب إلى تونس في بعض الشغل، وركب لاجئا (٢١٢) إلى

стр. 563

المغرب على (٢١٣) قسنطينة، فبلغ أبا حفص خبر سفر الحاجب فاختل مصافه وذهب إلى باجة، وتخلّف عنه العسكر ولحقوا بأخيه أبي العباس (٢١٤). وسار أبو العباس بجيوشه فملك تونس، وبويع بها يوم السبت التاسع لرمضان من السنة، ونزل برياض رأس الطابية، وتلقب «بالمعتمد على الله» وأطلق أخاه خالدا من اعتقاله، ودخل إلى قصره لسبع ليال من ملكه، ثم إن أبا حفص رحل من باجة، وأصبح على تونس (٢١٥) يوم السبت / سادس [عشر] (٢١٦) شهر رمضان، وفرّق خيله ورجله على أبواب المدينة، وكسّرت الأقفال، وفتحت الأبواب، وقامت معه العامة، فلم يحصل وقت الضحى إلاّ وقد استولى على المدينة، وقتل أخاه الأمير أحمد، ونصب رأسه على قناة، وقتل أيضا أخويه خالدا وعبد العزيز بعد أن قطع يديهما، وقتل في ذلك اليوم في المدينة والرّبض نيّفا وثمانين رجلا من العرب الواصلين صحبة أخيه الأمير أحمد، فكانت دولة أخيه أحمد بتونس سبعة أيام، واستوثق الأمر أبو حفص عمر، وملك الحضرة. ثم بلغ الأمير أبا الحسن المريني أن الأمير عمر قتل أخاه أبا العباس أحمد ولي العهد وأخويه، وكان أحمد يستظهر على عهده بكتاب أبيه وما أودعه السّلطان أبو الحسن المريني بطرته من الوفاق على ذلك بخطه لما اقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عبّو في سفارته إليه، فتمغص السّلطان أبو الحسن من ذلك، وامتعض ورأى أن الأمير أبا حفص ارتكب مذهب العقوق في أخوته، فأجمع أبو الحسن الحركة على افريقية، وقوي عزمه على ذلك قدوم الحاجب ابن تافراجين، فلما انقضى عيد الأضحى من سنة سبع وأربعين وسبعمائة عقد لابنه أبي عنان على المغرب الأوسط تلمسان وأحوازها، وتحرّك هو لافريقية - حسبما مر مفصلا - ووفد عليه أبناء حمزة بن عمر بن أبي الليل يستصرخونه بثأر أخيهم أبي الهول الذي قتله أبو حفص فيمن قتل، ونزل عليه أهل القاصية / من افريقية بطاعتهم في وفد واحد، وابن مكّي صاحب قابس، وابن يملول صاحب توزر، وابن العابد صاحب قفصة، والشّيخ مولاهم ابن أبي عنان صاحب الحامة (٢١٧) وابن

стр. 564

الخلف صاحب نفطة، فلقوه بوهران، وأتوه بيعتهم رغبة ورهبة، وأدوا بيعة ابن ثابت صاحب طرابلس، ولم يتخلف عنهم إلاّ لبعد داره، ثم جاء على أثرهم صاحب الزّاب يوسف بن منصور (٢١٨) ومعه مشيخة الذواودة وكبيرهم يعقوب بن علي فلقوه بأرض بجاية، فأوسع لكل تكرمة، وعقد لكل منهم على بلده وعمله، وبعث مع أهل الجريد حاميته للجباية والحماية لنظر مسعود بن ابراهيم (٢١٩) من وزرائه، ولما قدم لبجاية خرج له أميرها عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء، فأتاه طاعته، فصرفه إلى المغرب مع إخوته، وقدم على بجاية، وسار لقسنطينة، فخرج إليه بنو الأمير أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي بكر يقدمهم كبيرهم الأمير أبو زيد، فأتوه طاعتهم، فقبل منهم وصرفهم إلى المغرب وأنزلهم بوجدة وأقطعهم جبايتها، وأنزل قسنطينة أمراءه وعمّاله، وأطلق المعتقلين بها من المغاربة، وورد عليه هنالك بنو حمزة بن عمر ومشايخ قومهم الكعوب وأخبروه بفرار الأمير أبي حفص من تونس مع أولاد مهلهل، واستحثوه لاعتراضهم قبل فوتهم (٢٢٠)، فوجه السّلطان أبو الحسن في طلبه وزيره حمّو (٢٢١) في محلة كبيرة، وبعث [معه] (٢٢٢) أولاد أبي الليل، وسرّح عسكرا إلى تونس لنظر يحيى بن سليمان / من بني عسكر، ومعه أحمد بن مكّي، فسار حمّو ومن معه حتى أدركوا السّلطان أبا حفص ومن معه بأرض الحامّة من جهات قابس بموضع يسمّى المباركة بقرب جبل السّباع فصبحوهم، فدافعوا عن أنفسهم بعض الدّفاع، ثم انفضّوا، فقبض على السّلطان أبي حفص وعلى مولاه ظافر، وسيقا إلى الأمير حمّو، فاعتقلهما إلى الليل، فذبحهما وبعث برأسيهما إلى السّلطان أبي الحسن [المريني] فأدركه بباجة، وخلص الملأ إلى قابس، فقبض عبد الملك بن مكّي كبارا من رجال الدّولة منهم أبو القاسم ابن عبّو وصخر بن موسى وعلي بن منصور وغيرهم، فبعث بهم ابن مكّي إلى السّلطان أبي الحسن، فقطعهم من خلاف. وكان مقتل السّلطان أبي حفص يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة (٢٢٣) فكانت ولايته بتونس عشرة أشهر وخمسة وعشرين يوما، منها سبعة أيام لأخيه أحمد كما تقدم.

стр. 565

عود إلى ذكر تملك أبي الحسن المريني تونس وأعمالها وما وقع له بها: وملك تونس وأعمالها أبو الحسن المريني، ودخل تونس ثامن جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ودخل معه ابن تافراجين، وأعطاه فرسه مسرّجا ملجّما، ودخل معه حجر القصر ومساكن الخلفاء، فطاف عليها، ودخل من القصبة إلى الرياض المتصلة (٢٢٤) برأس الطّابية، فطاف على بستانه، وخرج منه إلى عسكره، وأنزل يحيى ابن سليمان بقصبة تونس بعسكره لحمايتها، ثم صرف للبلاد المغربية ولاتها، ورحل بعد مدة إلى القيروان، فزار من بها من الصّالحين / والعلماء، ثم إلى سوسة والمهدية ووقف على آثار ملوك الشّيعة وصنهاجة، ومرّ بقصر الجم ورباط المنستير، وانكفأ راجعا إلى تونس، فحلّ بها غرة رمضان من العام المذكور، ولما استوثق له ملك افريقية منع العرب من البلاد التي ملكوها بالإقطاعات، فوجسوا لذلك وتربّصوا به الدوائر وأغاروا بعض الأيام في ضواحي تونس، فاستاقوا (٢٢٥) الظهر الذي كان للسّلطان في مراعيها، وتوقّعوا بأسه ووفد عليه أيام الفطر خالد بن حمزة وأخوه أحمد من أولاد أبي اللّيل، وخليفة بن عبد الله بن مسكين، وخليفة بن أبي زيد بن حكيم، وساءت ظنونهم في السّلطان، فداخلوا عبد الواحد بن اللّحياني في الخروج على السّلطان، فقبض أربعتهم لما بلغه الخبر، وأحضرهم مع عبد الواحد فأنكروا وبهتوا، ثم وبّخهم واعتقلهم، فبلغ الخبر إلى أحيائهم وانطلقوا يحزّبون الأحزاب، وينظرون فيمن يقيم الملك، وكان أولاد مهلهل أمثالهم (٢٢٦) وعديلة حملهم، قد أيأسهم السّلطان من القبول لما بالغوا في نصيحة أبي حفص، فلحقوا (٢٢٧) بالقفر، ودخلوا الرّمل، فركب قتيبة (٢٢٨) بن حمزة وأمه ومعهم صغار (٢٢٩) منادين لأولاد مهلهل بالعصبيّة، فأجابوهم، واجتمعوا بقسطيلية (٢٣٠)، وتواهبوا الدماء وتوامروا فيمن ينصبوه للأمر، وكان بتوزر أحمد بن عثمان بن أبي دبّوس آخر خلفاء بني عبد المؤمن وكان خيّاطا، فجاءوا به ونصبوه للأمر، وبايعوه على الموت،
следующие страницы →