← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[طويل] عداتي لهم فضل علي ومنّة ... فلا أذهب الرحمان عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وفي شهر ربيع الأول من عام سبعة وأربعين وسبعمائة (٢٠٥) كتب صداق الحرة عزّونة بنت السّلطان أبي بكر على سلطان المغرب أبي الحسن المريني، عوضا عن أختها فاطمة التي كان صاهره عليها وكانت توفّيت في غزوة طريف من بلاد الأندلس التي أشرنا اليها في دولة بني مرين، وكان صداق عزّونة خمسة عشر ألف دينار ذهبا ومائتي خادم، وتوجّهت إلى المغرب في البر في شهر جمادى الثانية من العام المذكور، صحبة أخيها شقيقها الأمير الفضل، وبسبب المصاهرة اعتضد الأمير أبو بكر، وقهر أعداءه من بني زيّان ملوك تلمسان وغيرهم. وفي ليلة الأربعاء الثانية من رجب من سنة سبع وأربعين وسبعمائة (٢٠٦) توفي السّلطان أبو بكر بتونس، فبلغ عمره خمسا وخمسين سنة إلاّ شهرا، ودفن في روضة جدّه الشّيخ أبي محمد عبد الواحد بالقصبة، ومدّة خلافته من حين ولي في المرة الأولى تسع وعشرون سنة وعشرة أشهر وخمسة / وعشرون يوما، وفي أيامه يرحى كل يوم أربعة آلاف قفيز قوت الناس، وهو كناية عن قوة عمارة مدينة تونس وسعة رزقها تلك الأيام (٢٠٧).

стр. 562

أبو حفص عمر بن أبي بكر والتنافس بين الحفصيين: ثم تولى بعده ولده الأمير أبو حفص عمر، بويع له بالخلافة يوم الأربعاء الثاني لرجب الفرد من عام سبعة وأربعين وسبعمائة، وذلك أنه لما مات والده بادر بملك القصر وضبط أبوابه، وبعث للقاضي ابن عبد السلام وقاضي الأنكحة الأجمي (٢٠٨) فقال لهما: تبايعاني؟ فقالا له: نحن شهدنا في بيعة أخيك أحمد صاحب قفصة، فاعطنا شهادتنا نقطعها، فنشهد (٢٠٩) حينئذ في بيعتك، قال الشّيخ ابن عرفة: فخاض بعض الناس في بعض وهم جلوس في القبّة الكبرى، فأمر الشّيخ ابن تافراجين أن لا يخرج أحد من القبة، وفسخ المجلس بقول القاضيين: نحن نمشي نشتغل بمؤونة دفن السّلطان وحينئذ نجتمع، واستدعى وجوه الموحدين وبعض وجوه البلد، وأخرج لهم الأمير عمر، فبايعوه، فما شعر القاضيان ومن معهما حتى سمعوا جلبة الطبول والبوقات، فقيل ما هذا؟ قيل قد بايع الناس الأمير واستدعى القاضيين ومن معهما فرأوا تمام القضية لوقوع البيعة وانعقادها من الجم الغفير فكتبت (٢١٠) وثيقة بعقد البيعة للأمير عمر لاختيار العامّة والخاصّة له عن ولي العهد، وهذا من حسن سياسة ابن تافراجين، وكان الأمير خالد نجل السّلطان / أبي بكر برياض رأس الطّابية، وكان قدم من بلد المهدية زائرا فبلغه الخبر ليلا، فخرج فارّا بنفسه في نفر قليل من خدّامه، فتبعه من العرب أولاد منديل والكعبيون (٢١١) مظهرين أنهم في خدمته، فلما أصبح قبضوا عليه، وجاؤوا به إلى أخيه أبي حفص فاعتقله، واستقام له الملك، وتلقّب بالنّاصر، ولما بلغ الخبر للأمير أبي العباس أحمد صاحب قفصة موت والده وتولية أخيه بادر بمن التفّ عليه من العرب إلى تونس ولقيه أخوه أبو فارس عبد العزيز صاحب عمل سوسة بالقيروان، فأتاه طاعته وصار في جملته، وجمع السّلطان أبو حفص جموعه، وخرج في غرة شعبان بمحلته من تونس ومعه حاجبه الشّيخ أبو محمد بن تافراجين منذر منه بالهلكة، فعمل في أسباب النجاة، ولما تراءى الجمعان رجع الحاجب إلى تونس في بعض الشغل، وركب لاجئا (٢١٢) إلى

стр. 563

المغرب على (٢١٣) قسنطينة، فبلغ أبا حفص خبر سفر الحاجب فاختل مصافه وذهب إلى باجة، وتخلّف عنه العسكر ولحقوا بأخيه أبي العباس (٢١٤). وسار أبو العباس بجيوشه فملك تونس، وبويع بها يوم السبت التاسع لرمضان من السنة، ونزل برياض رأس الطابية، وتلقب «بالمعتمد على الله» وأطلق أخاه خالدا من اعتقاله، ودخل إلى قصره لسبع ليال من ملكه، ثم إن أبا حفص رحل من باجة، وأصبح على تونس (٢١٥) يوم السبت / سادس [عشر] (٢١٦) شهر رمضان، وفرّق خيله ورجله على أبواب المدينة، وكسّرت الأقفال، وفتحت الأبواب، وقامت معه العامة، فلم يحصل وقت الضحى إلاّ وقد استولى على المدينة، وقتل أخاه الأمير أحمد، ونصب رأسه على قناة، وقتل أيضا أخويه خالدا وعبد العزيز بعد أن قطع يديهما، وقتل في ذلك اليوم في المدينة والرّبض نيّفا وثمانين رجلا من العرب الواصلين صحبة أخيه الأمير أحمد، فكانت دولة أخيه أحمد بتونس سبعة أيام، واستوثق الأمر أبو حفص عمر، وملك الحضرة. ثم بلغ الأمير أبا الحسن المريني أن الأمير عمر قتل أخاه أبا العباس أحمد ولي العهد وأخويه، وكان أحمد يستظهر على عهده بكتاب أبيه وما أودعه السّلطان أبو الحسن المريني بطرته من الوفاق على ذلك بخطه لما اقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عبّو في سفارته إليه، فتمغص السّلطان أبو الحسن من ذلك، وامتعض ورأى أن الأمير أبا حفص ارتكب مذهب العقوق في أخوته، فأجمع أبو الحسن الحركة على افريقية، وقوي عزمه على ذلك قدوم الحاجب ابن تافراجين، فلما انقضى عيد الأضحى من سنة سبع وأربعين وسبعمائة عقد لابنه أبي عنان على المغرب الأوسط تلمسان وأحوازها، وتحرّك هو لافريقية - حسبما مر مفصلا - ووفد عليه أبناء حمزة بن عمر بن أبي الليل يستصرخونه بثأر أخيهم أبي الهول الذي قتله أبو حفص فيمن قتل، ونزل عليه أهل القاصية / من افريقية بطاعتهم في وفد واحد، وابن مكّي صاحب قابس، وابن يملول صاحب توزر، وابن العابد صاحب قفصة، والشّيخ مولاهم ابن أبي عنان صاحب الحامة (٢١٧) وابن

стр. 564

الخلف صاحب نفطة، فلقوه بوهران، وأتوه بيعتهم رغبة ورهبة، وأدوا بيعة ابن ثابت صاحب طرابلس، ولم يتخلف عنهم إلاّ لبعد داره، ثم جاء على أثرهم صاحب الزّاب يوسف بن منصور (٢١٨) ومعه مشيخة الذواودة وكبيرهم يعقوب بن علي فلقوه بأرض بجاية، فأوسع لكل تكرمة، وعقد لكل منهم على بلده وعمله، وبعث مع أهل الجريد حاميته للجباية والحماية لنظر مسعود بن ابراهيم (٢١٩) من وزرائه، ولما قدم لبجاية خرج له أميرها عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء، فأتاه طاعته، فصرفه إلى المغرب مع إخوته، وقدم على بجاية، وسار لقسنطينة، فخرج إليه بنو الأمير أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي بكر يقدمهم كبيرهم الأمير أبو زيد، فأتوه طاعتهم، فقبل منهم وصرفهم إلى المغرب وأنزلهم بوجدة وأقطعهم جبايتها، وأنزل قسنطينة أمراءه وعمّاله، وأطلق المعتقلين بها من المغاربة، وورد عليه هنالك بنو حمزة بن عمر ومشايخ قومهم الكعوب وأخبروه بفرار الأمير أبي حفص من تونس مع أولاد مهلهل، واستحثوه لاعتراضهم قبل فوتهم (٢٢٠)، فوجه السّلطان أبو الحسن في طلبه وزيره حمّو (٢٢١) في محلة كبيرة، وبعث [معه] (٢٢٢) أولاد أبي الليل، وسرّح عسكرا إلى تونس لنظر يحيى بن سليمان / من بني عسكر، ومعه أحمد بن مكّي، فسار حمّو ومن معه حتى أدركوا السّلطان أبا حفص ومن معه بأرض الحامّة من جهات قابس بموضع يسمّى المباركة بقرب جبل السّباع فصبحوهم، فدافعوا عن أنفسهم بعض الدّفاع، ثم انفضّوا، فقبض على السّلطان أبي حفص وعلى مولاه ظافر، وسيقا إلى الأمير حمّو، فاعتقلهما إلى الليل، فذبحهما وبعث برأسيهما إلى السّلطان أبي الحسن [المريني] فأدركه بباجة، وخلص الملأ إلى قابس، فقبض عبد الملك بن مكّي كبارا من رجال الدّولة منهم أبو القاسم ابن عبّو وصخر بن موسى وعلي بن منصور وغيرهم، فبعث بهم ابن مكّي إلى السّلطان أبي الحسن، فقطعهم من خلاف. وكان مقتل السّلطان أبي حفص يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة (٢٢٣) فكانت ولايته بتونس عشرة أشهر وخمسة وعشرين يوما، منها سبعة أيام لأخيه أحمد كما تقدم.

стр. 565

عود إلى ذكر تملك أبي الحسن المريني تونس وأعمالها وما وقع له بها: وملك تونس وأعمالها أبو الحسن المريني، ودخل تونس ثامن جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ودخل معه ابن تافراجين، وأعطاه فرسه مسرّجا ملجّما، ودخل معه حجر القصر ومساكن الخلفاء، فطاف عليها، ودخل من القصبة إلى الرياض المتصلة (٢٢٤) برأس الطّابية، فطاف على بستانه، وخرج منه إلى عسكره، وأنزل يحيى ابن سليمان بقصبة تونس بعسكره لحمايتها، ثم صرف للبلاد المغربية ولاتها، ورحل بعد مدة إلى القيروان، فزار من بها من الصّالحين / والعلماء، ثم إلى سوسة والمهدية ووقف على آثار ملوك الشّيعة وصنهاجة، ومرّ بقصر الجم ورباط المنستير، وانكفأ راجعا إلى تونس، فحلّ بها غرة رمضان من العام المذكور، ولما استوثق له ملك افريقية منع العرب من البلاد التي ملكوها بالإقطاعات، فوجسوا لذلك وتربّصوا به الدوائر وأغاروا بعض الأيام في ضواحي تونس، فاستاقوا (٢٢٥) الظهر الذي كان للسّلطان في مراعيها، وتوقّعوا بأسه ووفد عليه أيام الفطر خالد بن حمزة وأخوه أحمد من أولاد أبي اللّيل، وخليفة بن عبد الله بن مسكين، وخليفة بن أبي زيد بن حكيم، وساءت ظنونهم في السّلطان، فداخلوا عبد الواحد بن اللّحياني في الخروج على السّلطان، فقبض أربعتهم لما بلغه الخبر، وأحضرهم مع عبد الواحد فأنكروا وبهتوا، ثم وبّخهم واعتقلهم، فبلغ الخبر إلى أحيائهم وانطلقوا يحزّبون الأحزاب، وينظرون فيمن يقيم الملك، وكان أولاد مهلهل أمثالهم (٢٢٦) وعديلة حملهم، قد أيأسهم السّلطان من القبول لما بالغوا في نصيحة أبي حفص، فلحقوا (٢٢٧) بالقفر، ودخلوا الرّمل، فركب قتيبة (٢٢٨) بن حمزة وأمه ومعهم صغار (٢٢٩) منادين لأولاد مهلهل بالعصبيّة، فأجابوهم، واجتمعوا بقسطيلية (٢٣٠)، وتواهبوا الدماء وتوامروا فيمن ينصبوه للأمر، وكان بتوزر أحمد بن عثمان بن أبي دبّوس آخر خلفاء بني عبد المؤمن وكان خيّاطا، فجاءوا به ونصبوه للأمر، وبايعوه على الموت،

стр. 566

وزحف إليهم السّلطان أبو الحسن، فالتقوا / قرب القيروان، فغلبهم وأجفلوا أمامه، ثم رجعوا مستميتين في ثاني محرم سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٢٣١)، وتواقفوا، واختل مصاف السّلطان، ونهبت محلّته بكل ما فيها، وكان جيشه يزيد على ثلاثين ألف فارس، ونجا السّلطان بنفسه في شرذمة قليلة، فتحصّن بالقيروان، وأخذوا بمخنقه، وكان الشّيخ ابن تافراجين وجد السّلطان أبا الحسن لم يجره على مألوفه كما كان مع السّلطان أبي بكر لقيام هذا على أمره، فكان في قلبه مرض منه، وكان العرب يفاوضونه بذلك (٢٣٢)، فلما أحاط العرب بالسّلطان تحيّل ابن تافراجين في الخروج عليه، فبعثه السّلطان يتحدث مع العرب في الطّاعة، فخرج إليهم فقلدوه حجابة سلطانهم أحمد بن أبي دبّوس ودفعوه لمحاربة من بقصبة تونس ونصب المجانيق عليها فلم تغن شيئا، فجعل يحاول نجاة نفسه لاضطراب الأمور إلى أن بلغه خلوص السّلطان من القيروان إلى سوسة، وكان السّلطان داخل أولاد مهلهل وحكيما في الصّلح على أموال اشترطها لهم، فاختلف رأي العرب لذلك، ودخل إليه قتيبة (٢٣٣) بن حمزة مكانه بالقيروان زعما بالطّاعة فقبله، وأطلق أخويه خالدا وأحمد، ولم يثق بهم، ثم دخل إليه محمّد بن طالب من أولاد مهلهل وجماعته فأسرى معهم إلى سوسة بعسكره فصبحها، وركب منها في البحر لتونس، وسبق الخبر إلى ابن تافراجين فتسلّل عن أصحابه وركب البحر إلى الإسكندرية في ربيع [الآخر] / فأصبحوا وقد فقدوه، فاضطربوا وأجفلوا عن تونس، ولما دخل السّلطان لتونس من البحر في ربيع الآخر أصلح أسوارها وأدار الخندق بها، ولحق أولاد أبي اللّيل وسلطانهم أحمد بن عثمان الدّبوسي بتونس ونازلوها والسّلطان بها، فامتنعت عليهم، وخلص (٢٣٤) للسّلطان أولاد مهلهل، فلما أحس بهم أولاد أبي اللّيل أتوا إليه ودخل عليه كبيرهم عمر وافدا عليه في شعبان من السنة، فحبسه إلى أن يقبضوا على سلطانهم أحمد ابن عثمان الدّبوسي، فقبضوا عليه وقادوه إلى السّلطان أبي الحسن استبلاغا في الطّاعة، فقبل ذلك منهم، وأودع سلطانهم المذكور السّجن إلى أن لحق المغرب، ولحق هو بالأندلس، فأقام السّلطان أبو الحسن بتونس، ووفد عليه أحمد بن مكّي، فعقد

стр. 567

لعبد الواحد اللّحياني على الثغور الشّرقية وطرابلس وقابس وصفاقس وجربة، وسرّحه مع ابن مكي، فهلك عبد الواحد عند وصوله في الطّاعون الجارف، وعقد لابن عبّو على قسطيلية (٢٣٥) وسرّحه إليها، وعقد السّلطان أبو الحسن لابنه أبي الفضل على ابنة عمر بن حمزة. ولما وقع على السّلطان أبي الحسن في (٢٣٦) القيروان ما وقع هرب بنو مرين مشاة بالمرقعات إلى المغرب فقدموا على ولده الأمير أبي عنان، وشاع الخبر أن أباه أبا الحسن توفي على القيروان، وكتب بذلك رسم شهادة (٢٣٧) فيه خلق كثير من الواصلين من بني مرين، فدعا أبو عنان لنفسه فبويع بتلمسان، ثم خرج لفاس / بعد أن استعمل على تلمسان عثمان بن يحيى - كما تقدم - فعند انفصال أبي عنان دعا لنفسه وعاد ملك بني عبد الواد (٢٣٨) لتلمسان، ولما قدمت الطّائفة التي كانت (٢٣٩) مع أبي الحسن بافريقية بعد وقوع الهزيمة عليه قدموا ومعهم عثمان بن عبد الرّحمان بن يحيى بن يغمراسن، وجعلوه خليفة على تلمسان، فاستأمن عند وصولهم عثمان بن يحيى خائفا على نفسه من عثمان بن عبد الرّحمان فأمّنه، ثم أودعه المطبق إلى أن مات، وكان السّلطان أول قدومه من تلمسان أخرج صاحب بجاية وصاحب قسنطينة - حسبما أسلفنا - وصرفهم للمغرب، وأبقى الأمير الفضل ببلدة بونة لما غلب (٢٤٠) على ظنه من عافيته وتقدمت معرفته به بمصاهرته بأخته، فلما وقعت الواقعة على أبي الحسن على القيروان كاتب الأمير الفضل أهل قسنطينة، ثم قدمها وحاصرها، فدخلها صبيحة يوم الجمعة غرّة محرم فاتح سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٢٤١)، وقصد القصبة فأغلقت في وجهه وعمّرت أسوارها، فقصد جامع البلد وصلّى فيه الجمعة، ولم يصل فيه خليفة حفصي قبله، ثم بعث لأهل القصبة بالأمان ففتحوا له فدخلها عصر ذلك اليوم، واحتوى الفضل على أموال كثيرة في القصبة، وهي مما أتت به الوفود من الهدايا لأبي الحسن، وما

стр. 568

كان بالقصبة من المجابي، فأقام بها ثلاثة أشهر (٢٤٢)، ثم تحرّك إلى بجاية فأخذها بقيام أهلها على بني مرين، وارتفع له بذلك صيت، وعزم على الرّحيل / إلى الحضرة والسّلطان أبو الحسن مقيم بها. ولما تبيّن للأمير أبي عنان حياة أبيه خاف من عقوبته فأرسل صاحب بجاية وصاحب قسنطينة لبلديهما ليعظم الأمر على أبيه وليكونوا حائلين بينه وبين بلاده (٢٤٣)، وربط معهم في ذلك ربطا فرجع كل لبلده، ورجعت البلدان لأربابها، وتوجّه الفضل من بجاية لبونة في البحر بعد أن أخذ بيده (٢٤٤) وسيق للأمير أبي عبد الله الداخل عليه ببجاية، فعفا عنه ووجهه إلى بلاده بونة (٢٤٥)، وذلك بشوال من سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٢٤٦)، فوجد بعض قرابته قد ثار ببونة، ولم يتم لهم ذلك، فدخل إلى قصره واستقلت (٢٤٧) الثغور الغربية بأربابها وأمرائها. وفي السنة المذكورة توفي بتونس الشّيخ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عمر المعافري المعروف بابن الحباب، كان ابن عرفة يثني عليه بتحصيل العلم وتحقيقه (٢٤٨) - وهو أحد أشياخه وشيخ ابن عبد السلام أيضا - قال ابن عرفة: ولما مات ابن الحباب حضرت جنازته فكنت سادس ستة، وكان توفي ذلك اليوم السّكوني (٢٤٩) فضاق الفجاج بالازدحام على نعشه لأن منزلة ابن الحباب عند العامّة لا تكون بذلك. وفي سنة خمسين وسبعمائة (٢٥٠)، انتفض (٢٥١) العرب على السّلطان أبي الحسن، واستقدموا السّلطان الفضل ابن السّلطان أبي بكر من بونة لطلب حقّه واسترجاع ملك

стр. 569

آبائه، فأجابهم ووصل إليهم آخر السّنة المذكورة فنازلوا تونس، ثم أفرجوا / عنها آخر الصّيف، واستدعي أبا القاسم بن عبّو صاحب الجريد من توزر فدخل في طاعة الفضل وحمل أهل الجريد على الطّاعة وانتقضت افريقية على السّلطان أبي الحسن من أطرافها، فلما رأى الأحوال تغيّرت بافريقية خرج من تونس في البحر - كما تقدم - في دولة بني مرين. الفضل بن أبي بكر: ولما خرج أبو الحسن (٢٥٢) ولحقه ولده الفضل (٢٥٣) قدم الأمير أبو العباس الفضل بن أبي بكر من الجريد مع العرب وبويع في التاسع والعشرين لذي القعدة (٢٥٤) سنة خمسين وسبعمائة (٢٥٥) واستولى على القصبة يوم منى من الشهر المذكور، وتغلب العرب على دولته، ثم وصل الخبر أن الشّيخ أبا محمد بن تافراجين وعمر بن حمزة اللّيلي قدما من الحج، فخرج السّلطان للقائهما، فأخذ وسلب من معه من أهل تونس، ودخل به ابن تافراجين مأخوذا في الثامن عشر لجمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (٢٥٦) فجميع دولته (٢٥٧) خمسة أشهر وسبعة عشر يوما (٢٥٨). أبو اسحاق ابراهيم بن أبي بكر وابن تافراجين: ولما دخل ابن تافراجين بالفضل (٢٥٩) على تلك الحالة ورأى الأمور اختلت ومات أكثر أولاد السّلطان أبي بكر حدثته نفسه بأن يطلب الملك لنفسه، فمنعه القاضي عمر بن

стр. 570

عبد الرفيع (٢٦٠) فمن ثم طلب المولى ابراهيم ابن السّلطان أبي بكر أخا (٢٦١) الفضل، وبايعه في اليوم المذكور، وكان يوم بيعته صغير السن مناهز البلوغ، فاستخرجه ابن تافراجين من داره بعد أن بذل لأمه من العهود ما أرضاها (٢٦٢)، وجاء به إلى القصر وأقعده على كرسي الخلافة، وهو السّلطان أبو اسحاق ابراهيم ابن السّلطان / أبي بكر، فعقد له البيعة، فبايعه النّاس خاصة وعامة، وكان ذلك في الحادي عشر لجمادى الأولى سنة احدى وخمسين وسبعمائة (٢٦٣)، ودخل بنو كعب فأتوه طاعتهم، وسيق إليه أخوه الفضل فاعتقله، وغطّ ليلا بحبسه حتى فاضت روحه، وخوطب العمال في الجهات، فأخذوا البيعة في قبلهم، ووقف ابن تافراجين بين يدي الأمير المولى السّلطان أبي اسحاق ابراهيم، ومهّد أموره وأحكم دولته، ولقب «بالمستنصر بالله»، وتغلّب ابن تافراجين على دولته مستبدا بتدبير الملك، واستخلص البلاد من أيدي العرب بأحسن الوجوه، فاستجبى المجابي المخزنية. حركة أبي عنان المريني في اتجاه تونس: ولما كان آخر شعبان من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة (٢٦٤) قدم السّلطان أبو عنان فارس المريني وهو يسوق الدّنيا (٢٦٥)، فاستولى على البلاد حتى انتهى إلى قسنطينة، فلما فتحها بعث رسله إلى أبي محمد بن تافراجين في الأخذ بطاعته والنزول عن تونس، وقدم أسطوله في البحر أوائل رمضان (٢٦٦)، فجاهر (٢٦٧) من نزل منهم إلى البر بالمنكر في رمضان وفيما بعده، ولما طلب النزول عن تونس ردّهم ابن تافراجين، وأخرج سلطانه أبا اسحاق

стр. 571

ابراهيم مع أولاد أبي اللّيل بعد أن جهّز له عسكرا وما يحتاجه من آلات الحرب، وأقام هو بتونس، وأجمع أبو عنان على النهوض إليه، ووفد إليه أولاد أبي اللّيل يستحثّونه لذلك، فأرسل إلى تونس مع الأسطول - المقدّم / الذكر - جيشا مع أولاد مهلهل فملكوا البلد المدافعة، فخرج ابن تافراجين إلى المهديّة، واستولت عساكر بني مرين على تونس في شهر رمضان. ومكث السّلطان أبو اسحاق ابراهيم الحفصي بالجريد مع خالد بن حمزة (٢٦٨) وعياله وثقيلته بالمهدية مع الشّيخ ابن تافراجين. ثم ارتحل أبو عنان من قسنطينة لتونس، فلما انتهى إلى فحص تبسّة تحدّث رجال بني مرين في الرّجوع عن سلطانهم أبي عنان، حذرا من أن يصيبهم بإفريقية ما كان أصابهم من قبل مع أبي الحسن والد أبي عنان - مما تقدم - فانفضّوا متسلّلين إلى المغرب ولما خفّ المعسكر من أهله نادى من بقي من الجند: الغرب الغرب، فقال أبو عنان: ما هذا؟ فأخبر بتسلّل الجند، فأمر بالرجوع إلى المغرب، ولما وصل إلى فاس عاقب أكثر المتسللين لامتناعهم من السّير معه لتونس، وثقف نحو مائة شيخ من شيوخهم وقتل وزيره، وكان أبو عنان أرسل مع الجيش المسير لتونس الفقيه المحدّث الخطيب ابن مرزوق برسم خطبة ابنة السّلطان أبي بكر، فوقف الفقيه على والدتها، فقالت له: غدا إن شاء الله يكون الحديث بمحضر القاضي وغيره، فرجع إليها من الغد، فاختفت عنه ولم يجدها، فجدّ السّلطان في طلبها فلم يقف لها على أثر، وإنما امتنعت البنت لأنها قالت: بلغني أن فيه خلقا يمنع عشرته، ولما رجع لفاس / ثقف الفقيه ستة أشهر، وقال: لم قصّرت في خطبتها؟ عود إلى ذكر أبي اسحاق ابراهيم وابن تافراجين: ثم إن ابن تافراجين لما تحقق رجوع أبي عنان إلى المغرب قدم من المهدية، وخرج بنو مرين من تونس، وكانت مدة غيبته سبعين يوما، وأقبل السّلطان ابراهيم من الجريد إلى حضرته فدخل في رابع الحجة من السنة المذكورة.

стр. 572

وفاة ابن تافراجين: وفي هذه السنة (٢٧٧) توفي الشّيخ الحاجب أبو محمد عبد الله بن تافراجين بتونس ودفن بمدرسته (٢٧٨) بقنطرة ابن ساكن (٢٧٩)، داخل باب السويقة، وكان في حياته سار في أهل تونس بالرفق، وساس الأعراب وأعظم جبايته من سفار البحر، وكانت له مواصلة بالمهدية مع السّلطان أبي عنان حتى فسدت بإباية ابنة المولى الخليفة أبي بكر من قبول خطبته - حسبما مر - ولما مات ابن تافراجين استبد السّلطان بملكه وأقام سلطانه لنفسه. وفاة القاضي أبي القاسم بن سلمون البياسي: وفي الثالث عشر لجمادى الأولى سنة سبع وستين وسبعمائة (٢٨٠) توفي قاضي الجماعة بغرناطة الفقيه الموثق أبو القاسم بن سلمون بن علي بن عبد الله الكناني البيّاسي (٢٨١) الأصل، الغرناطي المولد والمنشأ، صاحب التأليف في الأحكام المسمى «بالعقد المنظّم للحكام فيما يجري بين أيديهم من الوثائق والأحكام» (٢٨٢). وفاة أبي اسحاق ابراهيم: وتوفي السّلطان أبو اسحاق ابراهيم ثاني رجب سنة سبعين وسبعمائة (٢٨٣) فجأة بليل بعد أن قضى وطرا من محادثة السّمر وغلبه النّوم من آخر الليل فنام ولما أيقظه الخادم وجده قد مات، فكانت مدّة خلافته بتونس ثمانية عشر عاما وعشرة أشهر ونصف (٢٨٤).

стр. 573

أبو البقاء خالد: فبويع بعده لولده أبي البقاء / خالد بتونس صبيحة موت أبيه، أخذ له البيعة عن الناس مولاه منصور وعتيقه من العلوج وحاجبه أحمد بن ابراهيم المالقي، فاستبد به، فلم يكن له حكم عليهما. وفي رابع ذي الحجة من سنة احدى وسبعين وسبعمائة (٢٨٥)، توفي الشّيخ الشريف أبو عبد الله محمد بن أحمد الحسيني شارح جمل الخونجي بتلمسان، وكان إماما ذا عقل وذهن ثابت ثاقب، قال الشّيخ ابن عرفة: رأيته لما قدم تونس فرأيت منه علما تامّا ومعرفة (٢٨٦). ثم إن ابن المالقي ومنصورا سارا في النّاس سيرة غير مرضية فاختلّت أحوال افريقية، وكان أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله محمّد ابن السّلطان أبي بكر ببجاية، فذهب إليه شيوخ عرب افريقية فحضّوه على الوصول إلى افريقية فسار معهم في جنده حتى وصل تونس فقاتل من بها أيّاما ثم دخل تونس يوم السبت ثاني عشر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٢٨٧)، وخرج خالد فارا من باب الجزيرة في جماعة من خدامه، فأخذوا من يومهم، فكان جميع دولة السّلطان سنة وتسعة أشهر، ثم بعث أبو العباس أحمد خالدا إلى قسنطينة في البحر فغرق (٢٨٨). أبو العباس أحمد ونزول النصارى بالمهدية: وبويع للسّلطان أبي العباس أحمد بتونس يوم السبت الثامن عشر لشهر ربيع الثاني من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٢٨٩)، فسكن ما تزلزل من تونس، وقوّم ما اعوج، وقطع أنواع الفساد على البلاد والعباد. وفي السنة المذكورة / قدّم الشّيخ الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي إماما بجامع الزيتونة، وفي السنة التي بعدها قدّم للفتوى (٢٩٠).

стр. 574

ولما مهّد السّلطان أحمد البلاد، وتمكن ملكه بتونس انتزع ما بأيدي العرب من الأمصار فأهمّهم ذلك، وتنكّر منصور بن حمزة شيخ [بني] (٢٩١) كعب وأولاد أبي اللّيل، فنزع يده من الطّاعة، وتابعه، على الخروج من طاعة السّلطان أبو صعنونة أحمد بن محمد بن عبد الله بن مسكين شيخ حكيم، وارتحل إلى الذواودة صريخا بالأمير أبي يحيى زكرياء ابن المولى السّلطان أبي يحيى، فبايعوه ورحل معهم إلى تونس، ولقي منصور بن حمزة بمن معه فبايعوه، وأوفدوا مشيختهم على يحيى بن يملول يستحثونة للطّاعة فبايعوا له، وبعث السّلطان أخاه زكرياء بعسكر فالتقوا فانهزم عسكره، ونزل العرب على تونس بسلطانهم، ونمي إلى السّلطان أن حاجبه أبا عبد الله محمد بن أبي محمد ابن تافراجين داخل العرب في أخذ تونس، فقبض عليه وأشخصه في البحر إلى قسنطينة، فلم يزل بها معتقلا إلى أن هلك، ثم أن العرب عاودوا الطاعة إلى السّلطان أحمد ونبذوا طاعة سلطانهم. وفي سنة خمس وسبعين وسبعمائة (٢٩٢)، تولى الملك بفاس أبو العباس أحمد ابن الأمير أبي سالم المريني، فقبض على أبي عبد الله ابن الخطيب الأندلسي لما كان أوصاه ابن الأحمر (صاحب الأندلس، فأودعه السجن، ثم قدم رسول (٢٩٣) ابن الأحمر) (٢٩٤) يهنّيه بالملك، فقتل ابن الخطيب / بمحبسه خنقا. وكان ابن الخطيب كاتبا بليغا أديبا مؤرخا جيد النظم عارفا بالنجوم (٢٩٥) وأحكامها، سمعت بعض الشيوخ يحكي أن من نظمه في اليوم الذي قتل فيه: [منسرح] قف كي ترى مغرب شمس الضّحى ... بين صلاة العصر والمغرب واسترحم الله قتيلا بها ... كان وحيد العصر في المغرب وفي سنة احدى وثمانين وسبعمائة (٢٩٦)، تولّى قضاء الجماعة بتونس الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن البلوي القطّان من أهل سوسة بعد ما كان الشّيخ ابن عرفة دلّهم عليه، فقال السّلطان: «ما تأتي بقاض من القرى حتى تكون تونس قد خلت ممّن يصلح»، وولّوا ذلك محمد بن خلف النّفطي، لكن ما قضاه الله يكون. ﴿وَاللهُ﴾

стр. 575

﴿غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٩٧). وفي السنة المذكورة توفي الشّيخ الفقيه الخطيب أبو عبد الله محمد بن أبي أحمد بن مرزوق (٢٩٨) بالقاهرة ودفن بين ابن القاسم وأشهب وقد ناهز السبعين. وفي ثاني عشر صفر من سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة (٢٩٩) توفي الشّيخ الفقيه الحافظ المفتي أبو محمد عبد الله البلوي الشبيبي (٣٠٠) القروي (٣٠١)، ودفن بدار الشّيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بازاء قبره داخل مدينة القيروان. وفي سنة خمس وثمانين وسبعمائة (٣٠٢)، توفي قاضي الجماعة ابن القطان. وفي سنة سبع وثمانين (٣٠٣) تولى أبو مهدي عيسى الغبريني (٣٠٤) تلميذ ابن عرفة قاضي الجماعة بتونس. وفي سنة اثنتين وتسعين (٣٠٥) نزل النصارى (٣٠٦) / - دمّرهم الله - على المهدية في مائة قطعة بين مراكب كبيرة (٣٠٧) وأغربة (٣٠٨)، فوجه السّلطان أبو العباس أحمد محلة نزلت قرب البلد قدم عليها ولده المولى أبا فارس عبد العزيز صحبة أخيه المولى زكرياء، فاتفقت للمولى أبي فارس مع النّصارى وقائع منها في يوم نزولهم وقعت بين الفريقين وقعة عظيمة بحيث أسلم المسلمون المحلّة، فدخلها العدو فلم يجد فيها عينا تطرف غير رجل واحد

стр. 576

قتلوه، فبينما هم في سلب الأزواد اذ بالمولى أبي فارس نادى بالمسلمين وجمع القوّاد ومن حضره من الجند وكرّ راجعا تجاه العدو حتى أخذ المحلة من أيديهم قهرا وحميت العرب، وانصرف العدو منهزما، وقتل منهم نحو خمسة وسبعين، وواجه العدو بنفسه، ودفع في صدورهم دفعة شتّتت شملهم، فلم يلتفت إلاّ والعدو قد أحاط به وعلموا أنه ابن الخليفة، ومن عادتهم في الحرب أنّهم اذا أخذوا ملكا أو ابن ملك لا ينزلونه عن فرسه، فمن ثم أخذوا بعنان فرسه وساروا به فألهمه الله تعالى أن خلع عنان فرسه من رأسه وألح الفرس وهمزه فخرج الفرس من بينهم، فرموه بسهام وأسنّة، واتبعوه بخيل وأعنّة وهو لا يلتفت إليهم حتى وصل المسلمين سالما، ثم إن النّصارى اختلفوا فيما بينهم، وأراد الجنوي الغدر بالفرنسيسي، فرحل الفرنسيسي بسفنه، ولما علم الجنوي أنه لا يقدر وحده رحل أيضا، وكفى الله المؤمنين شرهم برد كيدهم / عليهم، فانصرفوا خائبين بعد أن أقاموا (٣٠٩) شهرين ونصف (٣١٠). وفي يوم الأربعاء ثالث شعبان من سنة ست وتسعين وسبعمائة (٣١١)، توفي السّلطان أبو العباس أحمد بتونس ودفن بقصبتها عن سبع وستين سنة، ومدة خلافته بتونس أربعة وعشرين سنة وثلاثة أشهر ونصف (٣١٢). أبو فارس عبد العزيز: فتولى بعده ولده أبو فارس عبد العزيز، بويع بتونس يوم وفاة والده على رضا من النّاس وألّف بين اخوته واعتضدهم في دولته، وكان والده أغمي عليه وأشرف على الهلاك في غرة شعبان، فاجتمع أولاده وتآمروا في كتم حاله ودسّوا إلى عمهم أبي زكرياء يحيى وهو اذ ذاك ساكن بالرياض الذي صار مدرسة بالحلفاوين من باب السويقة من أخبره أن أخاه المولى الخليفة أصبح في عافية، فجاء برسم عيادته على عادته، فلما دخل القصبة وجد أولاد السّلطان بالقصبة، فظنّ أن أخاه قد توفي، فأراد الرّجوع إلى رياضه، فقام

стр. 577

إليه بعضهم وحلف له ومنعه الخروج حتى يدبروا أمرهم، فقبضوا عليه وأدخلوه لداره بالقصبة واعتقلوه بها، فلما سمع أولاده بالقبض على أبيهم خرجوا من حينهم لأخيهم الأمير أبي عبد الله صاحب بونة، فرجع الأمير أبو فارس، فاجتمع باخوته على أكبرهم أبي بكر وهو ولي عهد أبيهم فقال له: ابن عمنا صاحب بونة جالس بمحلّته على الطريق يستمع الأخبار، فان هو سمع بأخذ / أبيه مشي إلى قسنطينة وأخذها فاختر إما أن تجلس هنا بتونس وأمشي أنا أمنعها، وإلاّ فامش أنت إليها وأجلس أنا هنا بتونس، فرأى أبو بكر أنه لا قدرة له على القيام بتونس، فقال: أنا أمشي إلى قسنطينة، فاجتمع أولاد الخليفة أبي العباس أحمد وكتبوا على اسم أبيهم كتابا بولاية قسنطينة للمولى أبي بكر، فخرج يوم الإثنين من غرّة شعبان إلى قسنطينة فوصلها يوم الخميس رابع يوم خروجه، فخرج البوّاب القائد ابراهيم حتى وقف على الكتاب وتردّد في الجواب، ثم لم يسعه إلاّ دخوله واستقل بتونس أبو فارس، فأخذ بالحزم في أموره وأوقف في كل خطة من يصلح لها، فاستقامت الأمور في أيّامه كلّها أحسن استقامة ثم شرع في إحداث الخيرات بتونس وغيرها فمنها بناؤه لزاوية باب البحر بتونس، وكانت بقعة معدة للمعاصي مجباها للمخزن عشرة آلاف دينار ذهبا في كل سنة، ومنها بناؤه للماجل الذي بمصلّى العيدين من تونس (٣١٣)، وهو من الأبنية الضخمة التي قلّ أن يبنى مثلها، ومنها بناؤه للزاوية التي خارج باب أبي سعدون بحومة باردو، وجعلها منهلا للوارد من أي أفق كان، يأوي إليها عشية إلى أن ينشأ (٣١٤) سفره من هناك سحرا، وحبس عليها ما يقوم بها، ومنها بناؤه للزّاوية التي بحومة الدّاموس خارج باب علاوة المعروفة بالشّيخ الصّالح سيدي فتح الله (٣١٥)، جعلها مأوى لمبيت الواردين من تلك الجهة اذا لم يقدر على الوصول / إلى المدينة، ومنها بناؤه محارس جملة تحوط ثغور المسلمين كمحرس آدار والحمامات وأبي الجعد ورفراف وغير ذلك، ومنها اقامة الخزنة بجوف جامع الزّيتونة، وحبّس ما فيها من الكتب الشّرعية والعربيّة واللّغة والطب والحساب والتاريخ والأدب وغير ذلك، ومنها احداث قراءة البخاري في كل يوم بعد صلاة الظهر بجامع الزّيتونة وكتاب «الشفا» و «الترغيب والترهيب» (٣١٦) بعد العصر، وأوقف على ذلك وقفا، ومنها احداث المارستان

стр. 578

بتونس للضعفاء والغرباء وذوي العاهات من المسلمين، وأوقف على ذلك أوقافا كثيرة تقوم به، ومنها ما عيّن لأهل الأندلس اعانة لهم على العدو في كل عام ألفا قفيز طعام من عشر وطن وشتاتة سوى ما يتبعها من ادام (٣١٧) وغير ذلك، ومنها ما ترك من المجابي المخزنية لوجه الله تعالى، فمنها مجبى سوق الرهادرة (٣١٨)، وكان قدرها ثلاثة آلاف دينار ذهبا في كل عام اذ كان كل من اشترى شيئا من انواع الأمتعة واللباس يغرم نصف عشر الدينار، ومجبى رحبة الماشية وقدرها عشرة آلاف دينار ذهبا (ومجبى فندق الخضرة وقدرها ثلاثة آلاف دينار ذهبا) (٣١٩) ومجبى سوق العطارين وقدره مائتان (٣٢٠) وخمسون دينارا ذهبا، ومجبى فندق الملح وقدره ألف دينار ذهبا وخمسمائة دينار، ومجبى فندق البياض (٣٢١) وقدره ألف دينار ذهبا (ومجبى قائد الأشغال وقدره ثلاثة آلاف دينار ذهبا، ومجبى سوق القشّاشين (٣٢٢) وقدره مائة دينار ذهبا) (٣٢٣) ومجبى سوق العزّافين وقدره خمسون دينارا ذهبا، ومجبى الصابون وقدره ستة آلاف، وأبيح عمله للنّاس بعد أن كان عمله محضورا (٣٢٤) / متوعدا فاعله بالعقوبة الماليّة والبدنيّة، وترك ما كان على المنكر من

стр. 579

خراج كالشرطة (٣٢٥)، كان غير واحد من المكاسين (٣٢٦) التزمها بثلاثة دنانير ونصف دينار ذهبا في كل يوم، وكذلك كان على المقامرين (٣٢٧) وظائف قطعها، وقطع موضع اجتماعهم، وكذلك على العزافين (٣٢٨) والمغنيات (٣٢٩)، وكذلك قطع ما كان على المخنثين وأجلاهم من جميع بلاده لما بلغه عنهم من عمل المناكر، فقطع جميع المجابي لوجه الله تعالى. ثم إن المولى أبا بكر لما دخل قسنطينة وبعد عشرة أيام من دخوله، جمع النّاس وطلبهم بيعته لما بلغه وفاة والده فبايعوه، وبعد مبايعته لازم داره في لذّاته مقتصرا على راحته فظهرت كلمة العرب، وفتحوا باب الطّمع والطلب، وزيّن لهم الكاتب أحمد بن الكمّاد كل نوع من أنواع الفساد، ثم توجه أحمد بن الكماد مع بعض الأعراب لصاحب بونة الأمير أبي عبد الله محمد ابن المولى أبي يحيى زكرياء وحضه على المبادرة إلى ملك قسنطينة فجمع الأمير أبو عبد الله أجناده وأهل وطنه ونزل قسنطينة سادس قعدة من سنة ست وتسعين وسبعمائة (٣٣٠)، ومنع الواصل والدّاخل، وقطع الأشجار ورمى بالحجارة، واقتصر أهل البلد على مدافعته من الأسوار، فأقام عليها خمسة وسبعين يوما، ثم ارتحل يئسا منها، وعاد في السّنة الثانية إليها، فخرّب المنازل وأهلك الزّرع والمناهل، فتحرك إليه أبو فارس والتقى الجمعان في رمضان من سنة سبع وتسعين وسبعمائة (٣٣١) /، فهزمه أبو فارس من تبسّة (٣٣٢) [الكائنة] بأرض الحنانشة عند أصل وادي مجردة إلى سيبوس هزيمة شنيعة فرّ فيها الأمير أبو عبد الله بنفسه على فرسه حتى دخل بونة مع من لحقه فظنوا اقامته فارتقب يوم وصوله الظّلام، وركب البحر من غير وداع أهله ولا سلام، وقصد فاس

стр. 580

مستصرخا بصاحبها، ودخل أبو فارس بونة، وأمن أهلها ومن وجد بها عن خدمة الأمير أبي عبد الله وخدمة أبيه، ثم قدم أبو بكر من قسنطينة، فسلّم عليه أبو فارس، ورحّب به، وعند وداعه اعتذر إليه بالعجز فقبل منه، وكتب أبو بكر خلع نفسه بيده في عشرين من رمضان من السنة المذكورة. وفي السنة المذكورة بعث أهل قسنطينة إلى أبي فارس يستغيثونه من أخيه أبي بكر فجيش، وسار إلى صفاقس قاصدا صاحبها أخاه عمر، وكان والده تركه عاملا بها، فنزل بها أبو فارس، وحاصرها إلى أن تحدث معه أهلها، فدخلوا على الأمير عمر الحمّام، فقبضوا عليه وأتوا به إلى السّلطان أبي فارس، فملك البلد، وقدّم عليها عاملا من قبله، وقفل راجعا بمحلته إلى أن قرب من تونس، فجدّد حركة منها إلى قسنطينة، فحين أشرف عليها أظهر أخوه أبو بكر عصيانا وامتناعا من اللقاء مع تيقن الأمان، والمدبّر لذلك كاتبه، فنزلها أبو فارس خامس عشر شعبان من سنة ثمان وتسعين وسبعمائة (٣٣٣)، وقرر ما عنده / من الخير لأخيه وشافهه من شاطئ الهواء (٣٣٤) بكلام دل على تصافيه، ودام الحصار مدة تزيد على عشرين يوما واسم أبي فارس لم يزل يذكر في قسنطينة على المنابر، ولم تتفق هذه القضية لمحاصر قبل هذا، وفعل أبو فارس ما لا يفعله محاصر من حفظ الجنّات والزّروع ودفع المضرّات عن جميع جهات البلد، ولما طال أمر الحصار نادى بعض من في السّور الفرار، وتوجّهت الإغاثة في ذلك، وانتظمت الكلمة من هنالك، ودخل بعض النّاس من سور الحبشية، ودخل السّلطان ومن تبعه من باب الحمّة ليلة الأحد ثامن عشر رمضان سنة ثمانمائة (٣٣٥)، وقبض على أخيه أبي بكر، وقتل كاتبه، وأقام أبو فارس نحو شهر حتى مهّد البلاد ثم رجع إلى تونس آخر شوال ورجع بأخويه أبي بكر وعمر معه. وفي سنة اثنتين وثمانمائة (٣٣٦) خرج السّلطان واسترجع توزر من ابن يملول، ثم استرجع قفصة، وقبض على بني العابد شيوخها، وأمر بتخريب سورها، وعفا عن أهلها. وفي أول سنة ثلاث وثمانمائة (٣٣٧) تحرّك السّلطان إلى طرابلس، فحاصرها طويلا ثم فتحها سادس رجب من السّنة المذكورة (٣٣٨).

стр. 581

ترجمة الشّيخ ابن عرفة: وفي الرابع والعشرين لجمادى الآخرة من السنة المذكورة (٣٣٩) توفي الشّيخ الحجة ابن عرفة، ودفن بجبل الزّلاّج (٣٤٠) وجملة عمره سبعة وثمانون عاما وأشهر، ولذا قال في أبيات له خمّسها في حياته تلميذه الإمام الأبي (٣٤١). / [متقارب] علمت العلوم وعلّمتها ... ونلت الرئاسة بل حزتها وهاك سنيني عددتها (٣٤٢) ... بلغت الثمانين بل جزتها فهان على النفس صعب الحمام فلم يبق لي في البقاء (٣٤٣) رغبة ... ولا في العلا والنّهى بغية وكيف أرجّى (٣٤٤) [ولو] (٣٤٥) لحظة ... وآحاد عصري مضوا جملة وعادوا خيالا كطيف المنام ونادى الردى بي ولا لي مغيث ... وحثّ المطية كلّ الحثيث وإني لراج وحبي أثيث ... وأرجو بها نيل صدق الحديث بحب اللقاء وكره المقام فيا رب حقّق رجاء الذليل ... ليحضى بدارك عما قليل فيمسي رجائي بموتي كفيل ... وكانت حياتي بلطف جميل لسبق دعاء أبي في المقام وكان - رحمه الله تعالى - إماما في العلوم العقليّة والنقليّة، صنّف في أكثرها، والغالب على كلامه شدة الإيجاز حتى التحق بالألغاز، واشتغل آخر عمره بالفقه على مذهب مالك، وكان كثير الإعتناء بالمدوّنة ملازما لنظرها محتجبا بها، قرأ القرآن العظيم

стр. 582

في صغره على ابن سلامة من طريق الدّاني وابن شريح، وقرأ أصول الفقه على ابن علوان (٣٤٦)، وأصول الدّين على ابن سلامة وابن عبد السلام، والمعقول على الشّيخ الآبلي، وكان يثني عليه بخير هو والشريف التلمساني، وكان مجدا في الأمور الدّينية / والدنيوية، ولي امامة جامع الزيتونة، وابتدأ تصنيف المختصر الفقهي سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٣٤٧)، وكمّله سنة ست وثمانين (٣٤٨)، ومختصره المنطقي آية كبرى لم يتصد لشرحه ابتكارا غير الإمام أبي عبد الله سيدي محمد السنوسي التلمساني ﵀ وحج سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة (٣٤٩)، وكان كثير الصّوم والتّلاوة لكتاب الله، وكان مسعودا حتى في دنياه، موسعا عليه فيها مالا وجاها ونفوذ كلمة لمصادقة هذا السّلطان السعيد أبي فارس وأبيه - رحمهما الله تعالى -، ولما توفي تولى بعده الصّلاة بالجامع والخطبة والامامة والفتيا به بعد صلاة الجمعة نائبه الفقيه القاضي الغبريني (٣٥٠). حركة أبي فارس عبد العزيز داخل افريقية والمغرب: وفي سنة أربع وثمانمائة (٣٥١) تحرّك السّلطان إلى بسكرة، فأقام ببئر الكاهنة مدّة حتى دبّر أمره، ثم ارتحل اليها وضاق أمر شيخها أحمد بن يوسف [ابن] (٣٥٢) مزني، ولم يبق غير الفرار والتّسليم، فدخل السّلطان بسكرة يوم السبت سابع جمادى الآخرة من السّنة المذكورة، فأقام بها مدّة وانصرف إلى حضرته، ورفع معه أحمد بن يوسف، وقدم على البلد قائدا من قوّاده بعد أن مضت لبني مزني بها المشيخة المستقلة نحو مائة وأربعين سنة، منها لأحمد هذا أربعون سنة (٣٥٣). وفي سنة سبع وثمانمائة (٣٥٤) تحرّك السّلطان من تونس إلى غدامس.

стр. 583

وفي السّنة المذكورة توفي ببونة الفقيه الشهير / أبو عبد الله محمد المرّاكشي (٣٥٥) المشهور بالضّرير، كان جيّد النّظم والنّثر. وفي سنة ثمان وثمانمائة (٣٥٦) توفي أبو زيد عبد الرحمان بن محمّد بن محمّد الشّهير «بابن خلدون» عن تسع وسبعين سنة دون شهر، وهو أستاذ العلاّمة بدر الدين الدماميني. وفي ليلة الجمعة الثاني عشر لربيع الأول سنة تسع وثمانمائة (٣٥٧) توفي قاضي قسنطينة أبو العباس أحمد بن الخطيب (٣٥٨) شارح رسالة ابن أبي زيد وجمل الخونجي وغيرهما. وفي سنة عشر وثمانمائة (٣٥٩) خرج السّلطان أبو فارس من تونس بمحلّته للقاء الأمير أبي عبد الله محمّد ابن عمه المولى أبي يحيى زكرياء، وذلك أنه لما هزم الهزيمة الشنعاء سنة سبع وتسعين وسبعمائة (٣٦٠) - حسبما مر تفصيلها - ركب - كما تقدم - من بونة بلده وقصد فاس مستصرخا صاحبها على السّلطان أبي فارس، فلما وقع على السّلطان وقعة عين الغدر (٣٦١) بين الحامّة ونفزاوة، فكاد السّلطان يتلف فيها لولا أن الله سلّم، وذلك كله من العرب (٣٦٢) حكيم ومن شايعهم، فثبّته الله بعد الإشراف على السّقوط، وراجع فيها المرابط بن أبي صعنونة الأعراب للطاعة، وهربت منهم طائفة إلى صاحب فاس مستصرخين على أبي فارس، فبعث معهم الأمير أبا عبد الله محمّد (٣٦٣) - المقدم الذكر - في جيش عظيم من جيوش بني مرين، وأمرهم أن لا يرجعوا إلى بلادهم إلاّ باذن أبي عبد الله محمّد حين لا تبقى له بهم حاجة. / فجاؤوا معه إلى أن وصلوا إلى اطراف عمالة بجاية، فوفد على الأمير أبي عبد الله هنالك عرب افريقية وأتوه طاعتهم، ووفد عليه شيخ حكيم، وهوّن عليه أمر افريقية، فلما رأى الأمير أبو عبد الله وفود العرب عليه وكثرتهم، أمر جيش بني مرين بالإنصراف فانصرفوا، وسار مع العرب فلقيه القائد

стр. 584

أبو النّصر ظافر بمحلّته، لأن السّلطان أبا فارس لما بلغه مجيء هذه الجيوش مع الأمير أبي عبد الله خشي على بجاية، فعقد عليها لأخيه زكرياء صاحب بونة فصرفه إليها، وصرف عنها القائد ظافر - المقدّم الذكر - فأمره بالخروج بالمحلّة للقاء الأمير أبي عبد الله محمّد، فالتقى الجمعان، فهزم أبو عبد الله محمّد القائد ظافرا وأخذ محلّته بجميع ما فيها، ثم سار الأمير أبو عبد الله لبجاية، فقام أهلها على الأمير زكرياء وأخرجوه منها، ففرّ في البحر، وملك الأمير أبو عبد الله بجاية، وعقد عليها لولده محمّد المنصور، وسار للقاء السّلطان أبي فارس، وسار أبو فارس بمن معه من العرب فمر ببجاية فأخذها بمداخلة بعض أهلها بعد أن قاتلها أيّاما وانبعثت أيدي العيث في ديار أهلها فانتهبت، وقبض أبو فارس على الأمير محمد المنصور وعلى كبار البلد كالاشبيليين، فبعث بهم إلى الحضرة فاعتقلوا بها، وعقد على بجاية لصاحبها، كان المولى أبي العباس أحمد ابن أخيه (٣٦٤) المولى / أبي عبد الله خرج من بجاية للقاء أبي عبد الله محمّد، فلما التقى الجمعان تحوّل شيخ العرب المرابط ابن أبي صعنونة شيخ حكيم عن الأمير أبي عبد الله محمّد وتركه لعهد كان بينه وبين السّلطان على ذلك، فانهزم من كان مع الأمير أبي عبد الله محمّد، وفرّ هو بنفسه طالبا نجاته فلحقه خيل السّلطان بموضع يقال له بتيتة (٣٦٥) جوفي بلد تامغزة فقتلوه ودفنت جثته هنالك، واحتزّ رأسه وأتي به إلى السّلطان أبي فارس، فبعث به رجلا من رجال الطّريق إلى مدينة فاس فعلّقه ليلا بباب المحروق بها فأصبح أهل فاس يتوارونه، وكان قتله أول محرم سنة اثنتي عشرة وثمانمائة (٣٦٦). وفي سنة ثلاث عشرة (٣٦٧) أخذ السّلطان الجزائر صلحا من أهلها. وفي يوم السبت السابع والعشرين لربيع الثاني من السنة المذكورة (٣٦٨) توفي قاضي الجماعة الخطيب المدرس عيسى الغبريني، ودفن بالزلاج، وقدّم عوضه أبو يوسف يعقوب الزّغبي وقدّم لامامة الجامع والفتوى به الحافظ أبو القاسم البرزلي. وفي سنة سبع عشرة وثمانمائة (٣٦٩) توفي أبو عبد الله محمّد بن خلف (٣٧٠) ألأبي بضم

стр. 585

الهمزة نسبة لأبّة (٣٧١) قرية من قرى تونس مؤلف «اكمال المعلم في شرح مسلم» (٣٧٢) في ثلاث (٣٧٣) مجلدات ضخمة، وشرح المدوّنة، سكن تونس، وتوفي بها - رحمه الله تعالى -. وفي عام سبعة وعشرين وثمانمائة (٣٧٤) / افتتح السّلطان أبو فارس تلمسان المرّة الأولى من يد صاحبها عبد الواحد بن حمّو الزّياني لما بلغه أن سيرته غير مرضيّة، ونهاه فلم ينته وفرّ هاربا بعد كسر ولده عند خروجه بمحلة لملاقاة السّلطان أبي فارس، ودخل أبو فارس تلمسان، واستقر بها في قصبتها، واستولى على جميع ما فيها ثالث عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة (٣٧٥)، ثم قلدها الأمير محمد ابن السّلطان أبي تاشفين بن أبي حمّو الزّياني، فعقد له عليها، ثم ارتحل قاصدا مدينة فاس حتى لم يبق بينه وبينها إلاّ مسيرة يومين، فوجّه له صاحبها أن البلاد بلدكم والسّلطنة لكم وجميع ما تأمرنا به نمتثله، فقبل أبو فارس كلامه ووجّه له هديّة عظيمة، فكافأه عليها بأكثر منها وقفل راجعا إلى تونس غانما منصورا ولحقته بيعة فاس ثم صاحب الأندلس، فصارت افريقية والغرب الأقصى والأوسط كلها تحت نظره وفي ملكه. نزول النصارى بقرقنة: وفي سنة سبع وعشرين المذكورة بعث سلطان النّصارى القطلاني (٣٧٦) رسولا من قبله إلى حضرة تونس برسم التحدّث في الصّلح، فوجد الرسول السّلطان أبا فارس بالمغرب، فبعث له الغراب وقال: «ارجع فورا، فرجع في الغراب، فوجه عمارة عددها خمسون جفنا (٣٧٧)، وقصدوا قرقنة ونزلوها ليلا على حين غفلة من أهلها والنّصارى نحو عشرة آلاف مقاتل / والمسلمون نحو الألفين ما بين رجال ونساء وأولاد، ولا

стр. 586

حصن بالجزيرة يتحصّنون به، فوقفوا وقاتلوا عن (٣٧٨) أنفسهم وحريمهم، فقتلوا من النّصارى نحو أربعمائة، واستشهد من المسلمين نحو المائتين، وأسّر باقيهم، واستولى العدو على ما في الجزيرة، وكان السّلطان قد انصرف إلى المغرب، فلما وصل إلى قفصة بلغه خبر العمارة، فجدّ في السّير إلى أن اتفق وصوله ووصول النّصارى لصفاقس فطلبوا من السّلطان الأمان لينزلوا ويتحدّثوا في فدية المسلمين، فأعطاهم الأمان ونزل منهم نحو ستمائة نفس من كبارهم، فأعطاهم السّلطان خمسين ألف دينار فدية فأبوا، فأتى المرابط بن أبي صعنونة للسّلطان وقال له: «النّصارى خانوك فانهم بعثوا رسلهم للصّلح، وفعلوا ما فعلوا وليس لخائن أمان، فالرأي الصّواب عندي القبض على هؤلاء حتى يردوا المسلمين فأبى ذلك، وقال: لا، [لئلا] (٣٧٩) يتحدث الناس (٣٨٠) أني خائن نعطي الأمان ونخون نعوذ بالله من ذلك، فقال له المرابط: إذا لم تفعلها أنت نفعلها أنا، تمشي أنت تتصيد وأنا نأخذهم في غيبتك، فنهاه وطلعوا لأجفانهم على الأمان، وسافروا بالمسلمين لبلدهم، ولكن بعد ذلك افتداهم كما افتدى أكثر أسارى المسلمين من أيدي الكافرين لأنه التزم فداء جميع من يرد لمرسى تونس من الأسارى من بيت المال مدّة حياته، وأوصى تجّار النّصارى من جميع أجناسهم / أن يأتوه بكل من يقدرون عليه من أسارى المسلمين، وعيّن لهم في كل شاب منهم من ستين دينارا إلى سبعين، وفي كل شيخ وكهل من الأربعين إلى الخمسين، فما مضت مدّة يسيرة حتى جاء تجّارهم بعدد كثير من الأسارى ففداهم جميعا من بيت المال، وما زال يفعل ذلك مدّة حياته، ثم أوقف أوقافا كثيرة معتبرة، وحفظ مجابيها، وكلّما يتحصل من المجابي يشتري بها ربعا برّانيا ودخلانيا بحضرة تونس أعدّه لفداء الأسارى بعد وفاته». حركة أبي فارس عبد العزيز بمالطة والمغرب الأوسط: وفي سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة (٣٨١) عمّر من تونس أسطولا كبيرا وبعث معه مملوكه القائد رضوان أميرا عليه، وأمره أن يسافر به إلى جزيرة مالطة - دمّرها الله - وينازلها ثلاثة أيام فإن تيسر أخذها وإلاّ رحل عنها، فلما وصلها ضيّق عليها أشدّ الحصار، ثم أقلع عنها بعد أن أشرف على أخذها.

стр. 587

وفي حدود السنة المذكورة بعث السّلطان أبو فارس عسكرا صحبة قائد قسنطينة القائد «جاء الخير» إلى تلمسان لما بلغه عن صاحبها الأمير محمد ابن السّلطان أبي تاشفين من العتو والإستبداد، وقطع اسم السّلطان من الكتب والخطبة، وبعث معه السّلطان أبو محمد عبد الواحد الذي كان صاحبها، وكان قدم تونس بعد فراره بين يديه حين ملك تلمسان، فلما وصلوا وخرج الأمير محمد بجيشه، والتقى الجمعان فهزمهم، فسار أبو محمد عبد الواحد إلى الجبال، واستصرخ أعداءها، فأتى بها إلى تلمسان فملكها. / وبعث بيعتها للسّلطان بتونس وخرج ابن أبي تاشفين فارا بنفسه إلى الجبال. ثم رجع (٣٨٢) ودخل على [عمه] (٣٨٣) أبي محمّد عبد الواحد فقتله وملك تلمسان، فسار السّلطان أبو فارس بعساكره حتى نزل على تلمسان وأخذ بمخنقها محاصرا لها أشدّ الحصار فلما علم ابن تاشفين أن لا قدرة له على القيام في البلد واشتدّ عليه الحصار خرج ليلا هاربا إلى جبل بني يزناسن (٣٨٤) وأصبح أهل البلد فاتحين الأبواب، فدخل السّلطان بمن معه وبعث القائد نبيل بن أبي قطاية في عسكر إلى الجبل وحاصره إلى أن طلبوا منه الأمان على أن يمكّنوه من الأمير محمّد، فأنزلوه إلى أبي فارس، فقبض عليه وقلّد البلد للأمير أحمد ابن السّلطان أبي حمّو موسى بن يوسف الزّياني، ورجع في عام خمسة وثلاثين وثمانمائة (٣٨٥) واعتقل ابن أبي تاشفين بقصبة تونس إلى أن هلك سنة أربعين (٣٨٦). نزول النصارى بجربة ومواجهة أبي فارس لهم: وفي عام خمسة وثلاثين وثمانمائة (٣٨٧) في العشر الأول من ذي الحجة نزل (طاغية النصارى ملك أرغون) (٣٨٨) القطلاني على جزيرة جربة في أمم لا تحصى، وكان أبو

стр. 588

فارس نازلا بعمرة بمحلته، فلما بلغه الخبر ارتحل حالا وجدّ السير، فلما وصل وجد النّصارى قطعوا القنطرة فنزل السّلطان بمحلته خارج الجزيرة مما يلي القنطرة، وكان قد بعث قبل العدو عسكرا صحبة قائد من قوّاده لحفظ الجزيرة من العدو، فمنعوا العدو من نزول الجزيرة، فكان أبو فارس بمن معه / خارج الجزيرة والعسكر السّابق داخلها والعدو في البحر على طرف القنطرة، وقد جعل بينه وبين المسلمين سورا من الخشب، وكان المولى أبو فارس يجلس كل يوم بطرف القنطرة مع أصحابه ويجلس بين يديه القائد نبيل بجيش معه للقتال، فأخبر العدو بذلك، وبأن أصحابه ينصرفون عنه لمأربهم في وقت القائلة، فلما صار وقت القائلة ولم يبق إلاّ الخواص بعث النّصراني سفنا عدة فأحاطت بالقنطرة وأرادوا القبض على السّلطان ومن معه، فركب السّلطان وسلّمه الله من كيدهم، واستشهد بعض من كان معه، وأحاط العدو بالميدان وما فيه فأخذوه في رابع محرم من سنة ست وثلاثين وثمانمائة (٣٨٩)، ثم إن بعض أهل جربة قصدوا إلى أبي فارس وأخبروه بأن للجزيرة طريقا غير القنطرة في البحر فبعث معهم عسكرا فأدخلوه الجزيرة فلما رآى العدو العسكر دخل الجزيرة من غير القنطرة أيقن بالخيبة، وأقلع بأساطيله خائبا وكانت اقامة العدو عليها سبعة وعشرين يوما، وأصلح السّلطان القنطرة. حركة أخرى بالمغرب الأوسط لأبي فارس ووفاته: وارتحل سالما، وأعطى للجند عطياتهم، وجدّد (٣٩٠) حركته وسار متوجها إلى تلمسان لما بلغه عن صاحبها أحمد بن أبي حمو الزّياني من التحدّث بالإستقلال كعادة أسلافه فلما بلغ ولجة السدرة - موضع قرب جبل ونشريس - من عمل تلمسان وبه عين تسمى عين الزال (٣٩١)، وكان يوم الأضحى من سنة سبع وثلاثين وثمانمائة (٣٩٢) تطهر وجلس ينتظر صلاة العيد / فحضرته وفاته - رحمه الله تعالى - فجأة قبل الوصول إلى تلمسان، فكانت مدّة خلافته بتونس إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام.

стр. 589

مزايا أبي فارس: وما مات - رحمه الله تعالى - حتى حصل له من الفتوحات كل عظيم، وطوّع العصاة والبغاة وفتح المدائن، ومهّد السّبل، وفي أوّل أيّامه أغزى أسطوله مدينة طرقونة بجزيرة صقليّة فافتتحها عنوة، وهدّم سورها وأتى منها بالغنائم الكثيرة والسّبي الكثير، وصار ملكه من طرابلس لأقصى المغرب، وأذلّ الله بعزه كل جبّار من العرب والبربر، وقد كان عرب افريقية قبله بالاختيار على ملوكها ويحاصرون المدائن، ويشاركون السّلطنة في مجابيها وله مع الأعراب وقائع شهيرة - مما أشرنا لبعضها - فقهرهم الله جلت قدرته بهذا السّلطان المؤيّد فصار يقودهم معه أجنادا في أعراض أسفاره شرقا وغربا بعد أن أباد أكثر أعيانهم ورؤوس مشايخهم، وصار يبعث قوّاده يتّبعون نجوع العرب لاستيفاء زكاة مواشيهم وهم صاغرون تحت السّمع والطّاعة مذعنون، فهو واسطة عقد بني حفص، ولقد ألّف مآثره صاحب كتاب «تحفة الأريب» (٣٩٣) فذكر منها كل غريب، فهو - رحمه الله تعالى - واسطة عقد بني حفص، واليه انتهى شرفهم، فهو غاية ارتفاع قوس شمس عزهم، ونهاية أوج ملك فخرهم، فمنه أخذ قوس شمس عزهم في الإنحطاط / حتى بلغ حضيض الاهانة والخسران في أيام الحسن وأولاده كما - يأتي إن شاء الله - وإنما أطلنا وأكثرنا بذكر مآثره لأنّها جميلة، والله يحب الجميل، فلذا استتبّعنا ما قدرنا عليه، ومن ثم وجب امساك عنان القلم عما بعده إلاّ بذكر أسمائهم إلاّ ما لا بد منه من أحوال الحسن وأبنائه لمسيس الحاجة الأكيدة إليه مما ستقف عليه - إن شاء الله تعالى -. أبو عبد الله محمد المنتصر: وبعد وفاته (٣٩٤) - رحمه الله تعالى - قام بالأمر بعده حفيده ولد ولده وولي عهده أبو عبد الله محمّد المنتصر، ابن أبي عبد الله محمّد ابن السّلطان أبي فارس، بويع له بالخلافة في التّاريخ، ورحل بالمحلة بعد غسل جده وتكفينه، وبعث به إلى حضرة تونس

стр. 590

فدفن بها بازاء قبر والده بالتّربة المجاورة لسيدي محرز بن خلف، وجدّدت له البيعة بتونس يوم عاشوراء من محرّم سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة (٣٩٥)، ولأول ولايته أمر ببناء المدرسة بسوق الفلقة من تونس، وبه تسمّى المنتصرية، وبناء السّقاية بداخل باب أبي سعدون من تونس، وفي ليلة الجمعة ثاني عشر من صفر سنة تسع وثلاثين وثمانمائة (٣٩٦)، توفي بسانية باردو، فدفن مع آبائه، فكانت خلافته سنة واحدة وشهرين واثني عشر يوما. أبو عمرو عثمان ومن توفي في أيامه من المشايخ: وبويع صبيحة يوم (٣٩٧) موت شقيقه السّلطان أبو عمرو عثمان بن محمد ابن السّلطان أبي فارس فكان ﵀ قائما على طريقة جده سائرا / في ظل سطوته، وكان عالما فاضلا مشهورا، طالت مدّته حتى أربت على مدّة جدّه، وكان قاهرا للعرب وله معهم وقائع مشهورة، ومساعي محمودة مأثورة، تتبّعها يخرج بنا عن صواب الإختصار. وفي أيّامه توفي بتونس أبو القاسم البرزلي (٣٩٨) خامس القعدة من سنة احدى وأربعين وثمانمائة (٣٩٩). وفي سنة اثنتين وأربعين عصر يوم الخميس رابع عشر شعبان (٤٠٠) توفي بتلمسان الشّيخ الفقيه العلاّمة أبو عبد الله محمد بن مرزوق (٤٠١). وفي السنة التي قبلها سنة احدى وأربعين، توفّي العباس أحمد بن عبد الرّحمان

стр. 591

الزليطني عرف حلولو (٤٠٢) أخذ عن البرزلي، ولي قضاء طرابلس، ورجع إلى تونس وشرح «جمع الجوامع» لابن السبكي، و «مختصر خليل»، و «تنقيح القرافي»، و «اشارات الباجي»، و «عقيدة الرسالة». وفي سنة احدى وخمسين وثمانمائة (٤٠٣)، قدم الفقيه القاضي أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر الونشريسي (٤٠٤) للامامة والخطبة بجامع الزّيتونة ثالث محرم، وتوفي في عصر يوم الأربعاء خامس ربيع الثاني من سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة (٤٠٥). وفي سنة خمس وخمسين وثمانمائة (٤٠٦) توفي بتلمسان الشّيخ المفتي العلاّمة أبو القاسم العقباني (٤٠٧). وفي أواخر شهر رمضان سنة سبع وستين وثمانمائة (٤٠٨)، توفي مفتي بجاية وعالمها الشّيخ الفقيه أبو عبد الله محمد المشذّالي (٤٠٩)، بفتح الميم (٤١٠) وشين معجمة ثم ذال معجمة مفتوحة بأشباع مشددة ثم لام، نسبة لقبيلة / من زواوة، كان إماما كبيرا مقدما على أهل عصره في الفقه وغيره، ذا وجاهة عند صاحب تونس المترجم أبي عمرو عثمان، قيل كان يضرب به المثل، فيقال أتريد أن تكون مثل أبي عبد الله المشذالي؟. وفي ثاني عشر من محرم سنة ثمان وستين وثمانمائة (٤١١)، توفي بتونس الشّيخ الولي

стр. 592

الصّالح أبو العباس سيدي أحمد بن عروس، ودفن بزاويته المشهورة به قرب جامع الزّيتونة. وفي ثاني عشر صفر من سنة تسع وستين وثمانمائة (٤١٢)، توفي الشّيخ الصّالح أبو العباس أحمد ابن الشّيخ الصّالح محمد بن زيد بالمنستير ودفن بها. وفي خامس جمادى الأولى توفي قاضي الأنكحة الفقيه محمد الزّنديوي سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة (٤١٣). وفي يوم الجمعة سابع جمادى الأولى سنة تسع وسبعين (٤١٤)، توفي بتونس الشّيخ الفقيه العالم الكبير أبو اسحاق ابراهيم الأخذري (٤١٥). وفي أواسط محرم سنة اثنتين [وثمانين] (٤١٦) وثمانمائة (٤١٧). ورد على السّلطان أبي عمرو عثمان نصر بن صولة شيخ الذواودة طالبا عفوه فعفا عنه وأكرم نزله (٤١٨). وفي سنة احدى وتسعين وثمانمائة (٤١٩) توفي بباجة افريقية الشّيخ أبو الحسن علي بن محمّد بن محمّد بن علي القرشي القلصادي، أصله من بسطة (٤٢٠) بالأندلس، وبها تفقّه على الشّيخ أبي الحسن علي بن موسى القرباقي (٤٢١)، ومن تأليفه «تاج أشرف المسالك إلى مذهب مالك» و «شرح مختصر الشّيخ خليل» و «شرح الرسالة»، و «شرح التلقين»، و «هداية الأنام في شرح مختصر قواعد الإسلام»، و «شرح رجز القرطبي» / و «تنبيه الإنسان إلى علم الميزان»، و «شرح أيساغوجي»، وله «شرح على الأنوار السنية» وعلى «حكم ابن عطاء الله» و «على رجز قاضي الجماعة بن منظور في أسماء النبي ﷺ »، وعلى «البردة» وعلى «رجز أبي مقرّع»، و «هداية النظار في الأحكام» و «كشف الأستار

стр. 593

عن علم الغبار» والتبصرة»، و «كشف الجلباب عن علوم الحساب» و «شرح تلخيص ابن البناء بكبير وصغير»، و «شرح (٤٢٢) ابن الياسمين في الجبر والمقابلة»، وغير ذلك (٤٢٣) مما يطول تعداده - رحمه الله تعالى -. أبو زكرياء يحيى بن مسعود وعبد المؤمن بن ابراهيم: ولما انقضت (٤٢٤) مدة أبي عمرو عثمان الحفصي - رحمه الله تعالى - تولّى بعده [أبو زكرياء] (٤٢٥) حفيده يحيى بن مسعود، فسار سيرة جدّه أبي فارس إلاّ أنه كان بخيلا فمال الجند عنه إلى عبد المؤمن بن ابراهيم بن عثمان، فاستولى على الملك. ثم أبو زكرياء من جديد (٤٢٦). وفي سنة تسع وتسعين وثمانمائة (٤٢٧) وقع فناء عظيم فمات أبو زكرياء. محمد بن الحسن وتغلب النصارى على مواقع من افريقية: فتولّى السّلطان محمّد بن الحسن، فاشتغل بالخمر واللهو، وفي أيامه سنة ثلاث عشرة وتسعمائة (٤٢٨) تغلّب النّصارى (٤٢٩) على كثير من البلاد إلاّ أن الله تعالى لطف بالعباد.

стр. 594

ذكر الشّيخ عبد اللّطيف بن بركات العربي في «الذخيرة السّنية» أنه اتفق عندنا بافريقية تغلب العدو - دمره الله تعالى - على حصن وهران فأخذه عام ثلاثة عشر وتسعمائة (٤٣٠)، ثم تغلّب أيضا على بجاية فأخذت في عام خمسة عشر وتسعمائة (٤٣١)، ثم تغلّب على طرابلس عام ستة عشر وتسعمائة (٤٣٢)، وتكالب العدو - دمّره الله / تعالى - على البلاد والعباد وعاث وأظهر الفساد، واغتر بقوته وصولته، واعتزّ بحوله وقوّته، ونزلوا جربة وبها شيخها الشّيخ يحيى بن سمومن (٤٣٣) الوهبي، وكان صاحب يقظة وحزم ونباهة وعزم، فهيّأ لهم الرّجال من الفرسان الأبطال، فلما حصل جميعهم بالجزيرة وانتشروا ورأوا أنها لهم كغيرها واغترّوا، أيد الله المسلمين بالنّصر والظّفر، ورزقهم الصّبر، فقتلوهم بكل بقعة وهزموهم هزيمة شنيعة، وعن اثني عشر ألف قتيل غير ما رمى البحر من فرائسهم ببلاد السّواحل، انجلت الوقيعة فحصل للمسلمين بالجزيرة من سلاحهم وأسلابهم عدد كثير، ومال غزير ﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٤٣٤)، والعجب أنه مات من المسلمين ثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر. وكذلك اتّفق للعدو - دمّره الله - بجزيرة قرقنة من بلاد السّاحل فانهم نزلوا بها مطمئنين وأرادوا أن يبنوا البناءات والحصون للقرار والسكنى، فكمن لهم المسلمون وصابحوهم فلا يرى منهم إلاّ صريع طريح، أو أسير جريح، أو قتيل تنسفه الريح. ثم مات محمّد بن الحسن بعد أن ملك أزيد من ثلاثين سنة، فكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة (٤٣٥). الحسن بن محمد والتصارع العثماني الاسباني بافريقية: وتولّى بعده ولده الحسن بن محمد بن الحسن، بويع بعد موت أبيه بالتّاريخ المذكور ولما تولى رفع المكوس على الناس وأجرى عوائد جميلة وسار سيرة مرضيّة، ثم انقلبت أحواله فاضطربت عليه / البلاد، وخرجت عليه الحامّة، وخرجت عليه صفاقس فقام بها المكّني - كما يأتي إن شاء الله - وخرجت عليه سوسة، قام بها صهره

стр. 595

القليعي (٤٣٦) وقام عليه بالقيروان الشّيخ عرفة من أولاد الشّيخ نعمون (٤٣٧)، وهو جد الشّابيين، فبايع لرجل من لمتونة اسمه يحيى مدّعيا أنه حفصي ورد من المغرب، ثم فر يحيى المذكور، ودخل تونس متنكرا، فمسك وقطع رأسه. ولما مات الشّيخ عرفة صاحب القيروان قام بالأمر بعده محمد بن أبي الطيب وهو ابن أخيه (٤٣٨)، وفي آخر أيام الحسن استنجد أهل القيروان بدرغوث باشا وكان بطرابلس لما قاسوا من جور ابن أبي الطيب، ودخلت صفاقس في طاعة درغوث باشا. وفي أيّام الأمير الحسن انقلبت قسنطينة على يد التّرك أيضا، وتغلبت الأعراب بالفساد، وكانت الشّوكة في أولاد سعيد إلى أن هادنهم السّلطان حسن بستين ألفا عن الوطن. وفي أيامه جاءت عمارة من بر التّرك لأخذ تونس أرسلها ابراهيم باشا، وكان وزيرا للسّلطان سليمان ابن السّلطان سليم - رحمهما الله تعالى - وكان ابراهيم باشا ضرب الدّنانير باسمه، وهو أول وزير تولّى الوزارة من أولاد السّراية (٤٣٩) - كما قيل - ومات سنة احدى وأربعين وتسعمائة (٤٤٠)، فأرسل خير الدّين إلى تونس عن غير اذن السّلطان سليمان، فنازل تونس وأخذها، وفرّ عنها الحسن، ودخلها خير الدّين، او استقل (٤٤١) بقصبتها. وقام ربض / باب السويقة على خير الدين وكانت بينهم مقتلة عظيمة مات فيها خلق كثير من الفريقين، وكان محل القتل من باب القصبة إلى باب البنات وحومة العلوج، ونادى المنادي بالأمان من قبل خير الدّين وكف الفريقين (٤٤٢). وخير الدين هذا هو الذي ابتدأ بدخول العساكر العثمانية لتونس. وقيل إن محمد بن الحسن خلف خمسا وأربعين ولدا ذكرا وضع فيهم الحسن السّيف ولم يفلت منهم إلاّ أخواه الرّشيد وعبد المؤمن كانا غائبين فلحقا ببعض أحياء العرب.

стр. 596

واشتغل الحسن باللهو، وجمع من الملاهي كثيرا، ومن المردان (٤٤٣) أزيد من أربعمائة للفسق بهم، وشقّ ذلك على أهل البلد وطلبوا منه ترك ذلك حتى رموه بالحجارة، فأبى أن يترك فنفرت عنه القلوب، فأرسلوا إلى الرّشيد ليملّكوه فلم يمكن، فذهب الرّشيد إلى خير الدّين باشا صاحب الجزائر، والتجأ إليه، فلما علم ذلك السّلطان الحسن شقّ عليه ذلك، وأرسل إلى السّلطان سليمان يشكو من خير الدّين، فانه آوى أخاه، وأرسل صحبة الرّسول هدايا متحفة، فأجابه السّلطان بأن: طب نفسا فإنّا نأمر خير الدين باستصحاب أخيك معه فإذا حصل عندنا أودعناه عندنا فلا يعود إليك، فلما قدم خير الدّين على السّلطان ومعه الرّشيد، عيّن له السّلطان كل يوم خمسمائة درهم جامكية (٤٤٤)، ومن المأكول ما يكفيه، وكانت عمارة السّلطان مترددة على المغرب لاستنقاذ البلاد من أيدي الكفّار / فعرف خير الدّين السّلطان بأن العمارة لا تطيق أن تخرج من هاهنا وتسير مسافة أشهر، ثم تجتمع بالكفار، فلا بد أن تشتّي (٤٤٥) عمارتكم قرب بلاد الكفار، ثم تسير منه إلى حيث شاءت، وليس ثم موضع تشتّي (٤٤٥) فيه أليق من حلق الوادي بتونس، وكيف ذلك والسّلطان حسن بتونس، فقال: إن أهل تونس متضجّرون منه وهذا الرّشيد عندكم يحبّه أهل تونس، فإن أمر السّلطان سرت بالعمارة، وعرّفتهم بأن الرّشيد معنا فنملك تونس باتفاق من أهلها فتكون البلاد كلها للسّلطان، فوافقه السّلطان على ذلك، فسار خير الدّين بالعمارة، فدخل حلق الوادي، وعرّف أهل تونس بأن معهم الرّشيد ليملّكوه البلاد، فقام أهل البلد قومة واحدة وقالوا: نصر الله الرّشيد، وساروا نحو العمائر، ففرّ الحسن بأهله وماله إلى مشايخ العرب، فاستولى خير الدّين على البلد وقتل مشايخ الحفصيين خفية فتحقّق أهل البلد عدم مجيء الرّشيد، وإنّما هي حيلة من خير الدين، فقاموا عليه وقاتلوه، وقتل من أهل تونس ما يزيد على ثلاثين ألفا بين رجال ونساء، ثم كفّ عنهم وصالحهم، فأغار الحسن على تونس ليلا وقتل أزيد من ألف بقباشي، وسافر لإسبانية، واستمدّ من ملكهم، ولما تمكّن من

стр. 597

البلاد «وردت عليه عمارة (٤٤٦) من النّصارى واستنجدها الحسن من قبل الامبراطور (٤٤٧) فيها مائة ألف مقاتل. ولما نزلت النّصارى تلقّاهم جند خير الدّين / ومن انضاف إليه من أهل تونس، وكانوا نحو ثمانية عشر ألفا، فالتقى الجمعان شرقي تونس (٤٤٨)، وخير الدّين يحرّض المؤمنين على القتال، وظهر منهم في تلك الحرب ثبات وشدّة إقدام وتمكّن في أنواع الحرب، وكاد أن يكون الظّفر له في ذلك اليوم، فبينما هو كذلك اذ ورد الخبر على خير الدّين أن الحسن تملّك بالقصبة، وأن الأعلاج التي بها فتحوا الباب له، ففرّ خير الدّين ومن معه إلى المغرب وتعرّض له العرب بنواحي تبرسق ووقعت بينهم حروب شديدة، وتخلّص منهم إلى أن وصل إلى بلاد العنّاب - بونة - فركب البحر في عشرين غرابا وتوجه لبر الترك» (٤٤٩) فانفتح على تونس باب البلاء وجاءها ما كانت توعد ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٥٠). ونال الحسن الحفصي الاسم القبيح الفعل بهذه الفعلة الشّنيعة ما دعته إليه نفسه القبيحة ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٤٥١) مما حل بالمسلمين. وقيل إن الحسن لما ذهب إلى اسبانية عينوا له كل يوم أربعة آلاف دينار افرنجي لمأكله، وكانت مدة المكث سبعة أيام، ثم سار بعمارة فيها نحو أربعمائة غراب فنازل تونس، فاتّفق أهل تونس مع خير الدّين أن لا يخرج للكفار بل (٤٥٢) يبقى بالقصبة، ويباشرون بأنفسهم قتال الكفار، فاستمر القتال نحو شهر، فاستطال خير الدّين المقاتلة فنزل بنفسه من القصبة، وفوض أمرها إلى قائده جعفر آغة، وكان افرنجيا يبطن الكفر، وكان في البلد جيوش خير الدّين بها نحو أربعين ألفا / فقام جعفر المذكور فأطلقه من الحبس ومكّنه من القصبة وأسوارها ومدافعها، فصار المسلمون بين عدوّين: المدافع من البلد والسّيف أمامهم، فانهزموا أقبح هزيمة، والهاربون هلك أكثرهم من العطش، ودخل طاغية النّصارى، وأجلس السّلطان حسنا على التّخت، وأعطاه الحسن نفائس الأموال، ومن أسارى المسلمين ما يزيد على سبعين ألفا ممن يتهم بموالاة أخيه الرّشيد،

стр. 598

«ثم إن النّاس اطمأنوا فافتتحوا أسواقهم ولزم كل صانع صنعته، فبينما المسلمون في هذه الغفلة اذ دهمهم العدو فجأة ودفعت النّصارى دفعة، والأسواق مفتوحة، فنهبوها سبيا وقتلا، وفرّ المسلمون بعيالهم إلى ناحية زغوان، فبعث طاغية النّصارى إلى العرب، وعيّن لهم جعلا على كل مسلم من الحاضرة أتوه به شيئا معلوما، فخرجت العربان في طلبهم وأخرجوهم من كل شعب وواد، وأتوا بهم إلى النّصارى، فكان طلب العرب أشدّ على المسلمين من طلب النّصارى، وأعطاهم ما شرط لهم، والبعض افتدى من البادية، وبلغت فدية الرّجل الموسر ألف دينار، ومن لم يفد نفسه أرسلوه إلى النّصارى، وكان خطبا على المسلمين جسيما. وهذه هي الواقعة المعروفة بواقعة (٤٥٣) الأربعاء، وأباح الحسن للنّصارى البلاد (٤٥٤) ثلاثة أيام، ويقال في هذه الواقعة أسر الثلث ومات الثلث وهرب الثلث. قال صاحب المؤنس وسمعت من أهل الحضرة من يقول كل ثلث / ستون ألفا وكانت (٤٥٥) هذه الواقعة سنة إحدى وأربعين وتسعمائة (٤٥٦). وعندما استقر الحسن بتونس، تراجع أهل البلد بعد التشتّت والنهب حبّا في الوكر» (٤٥٧) ولما استقر أمر السّلطان حسن بتونس، وأراد طاغية النّصارى السفر التمس السّلطان حسن من الطاغية أن يؤخر عنده قدر أربعة آلاف افرنجي يقيمون عنده بحلق الوادي، ويبنوا هناك معقلا، وذلك سنة إحدى وأربعين وتسعمائة (٤٥٨)، فوافقوه على ذلك، وبنوا مدينة مسوّرة فتضرّر بهم كافة الخلق، فكان الحسن سببا لقرار الكفار هناك. «(٤٥٩) ثم خرج الحسن لافتكاك القيروان من يد الشّابيين قبل قدوم الباشا درغوث، فقاتلوه ليلا بالسّيف، واغتنموا ماله وسلاحه، فأقسم لا يرجع عنها بحال، وعزم على أن يستنجد لها النّصارى ويفتكها بعد اباحتها للنّصارى، وكان ابنه أحمد عاملا ببونة، فلما سمع بتوجه أبيه لبرّ النّصارى لمعاداة القيروان اختلس نفسه خفية، ودخل القصبة

стр. 599

وتملّكها، ففرحت به البلاد، وقال لهم: إنما حملني على أمري هذا حماية الدّين، ورأيت ما حل بكم أولا فقلت: لعلي نتدارك الأمة» (٤٦٠). وقيل إن الحسن لما خرج لقتال القيروان خلّف في تونس ولده أحمد، ويقال له مولاي «حميدة»، فلما أبعد الحسن قام أهل البلد فأتوا حميدة وقالوا: لا يخفى عليك ما حلّ بنا من شؤم أبيك، فإن كان لك حاجة بالملك فقم نبايعك وإلاّ دعونا عمك عبد المؤمن نبايعه، فلما رأى منهم الجدّ، رضي بذلك / فبايعوه وقلّدوه الأمر، ولما بلغ الحسن ذلك الأمر ترك حرب ابن أبي الطّيب (٤٦١) بالقيروان، وركب (٤٦٢) البحر وعاد إلى اسبانية ثانية، وأتى بعمارة عظيمة، فبينما الناس في ما هم فيه اذا بالحسن ورد بالعمارة، ونزل البر، فتوجهوا للجهاد، ونادى منادي الأمير أحمد: إن من يأتيني برأس أو أسير فله مائة دينار، وجلس عند باب القصبة، وأظهر لهم المال، وحرّض المؤمنين على الجهاد، فخرج أهل الربضين والتقوا بالنّصارى، والحسن الذي جاء معهم وهو في وسطهم، وكان الملتقى في محل يعرف بخربة الكلخ، وامتدت العساكر إلى سانية العنّاب، وكان سيدي علي المحجوب من أحفاد سيدي طاهر المزوغي - نفعنا الله بهما - حاضرا واقفا بكدية القيروان، فأخذ قبضة من تراب وقرأ عليها حزب البحر، ورمى بها في وجوه العدو، فانهزم الكفار وأعزّ الله الاسلام بنصره، وفرّ الحسن إلى شكلى (٤٦٣) وهي الجزيرة التي بوسط البحيرة (٤٦٤)، فتبعه أبو الهول - رجل من المسلمين - وأخرجه ملوثا بحمأة (٤٦٥) البحر وكساه برنسا، وجيء به لابنه أحمد فوبّخه وسجنه، وطلب أهل تونس قتله، فأشار بعض أرباب دولة ولده أن يكحّل عيون الحسن بالنّار ليكفّ بصره، ففعل به ذلك، واستأذن ولده في الزّيارة، فكان يخرج أحيانا إلى أن زار قبر الأستاذ سيدي أبي القاسم الجليزي (٤٦٦)،

стр. 600

وورد عليه صهره القليعي (٤٦٧) وهرب به إلى القيروان. ومن ثمّ احتال (٤٦٨) حتى ذهب لبرّ النّصارى ليأتي / بعمارة لأخذ المهديّة. قيل السّبب في جلب العمارة للمهدية أنه لما جاء بالعمارة لتونس، وطلب من المهدية مالا ليدفعه للنّصارى، بعث ولده لهم لذلك، وكانت المهدية أيسر بلاد افريقية، فلمّا وصل الولد للمهدية أنزل بدور بعض كبرائهم، فاجتمع على سيدي علي المحجوب - رحمه الله تعالى - وكان يعرفه فسأله عن السّبب الحامل له على القدوم للمهدية فعرّفه بطلب المعونة ليدفعوا للنّصارى ما عليهم من المال، فقال له الشّيخ: لا تسألهم شيئا فإن النّاس متغيّظون عليكم من أجل استعانتكم بالكفّار، وانج بنفسك قبل أن يسعوا في قتلك، فخرج فارّا وعرّف أباه بحقيقة الحال، فحقد عليهم، وأظهروا له العداوة والعصيان كغيرهم من البلاد، فجاء بالعمارة للمهديّة وقاتلهم، وفي هذه الوقعة قتل سيدي علي المحجوب - رحمه الله تعالى - وكذا الحسن مات بالبحر فأنزل للبر، وجيء به للقيروان فدفن بها، وأنشد بعض أدباء المهديّة قصيدة في مجيء العمارة وأخذهم المهديّة، ولا بدّ من ايرادها وإن كان فيها طول لاشتمالها على بيان القضية وما فيها من الغرائب وهي هذه (٤٦٩): [بسيط] وقفت تنشد رسم الدار محترقا ... على الحبيب فقال الرسم ما الخبر لا علم عندي إلاّ كنت تنصرهم ... بجمع شمل فيأوي ظله البشر كما الملوك فكل الناس يرقبهم ... مثل الهلال هلال الفطر ينتظر نلت السلو عن الأحباب منك جفا ... تنسى عهودهم والحق تذّكّر
следующие страницы →