← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

واشتغل الحسن باللهو، وجمع من الملاهي كثيرا، ومن المردان (٤٤٣) أزيد من أربعمائة للفسق بهم، وشقّ ذلك على أهل البلد وطلبوا منه ترك ذلك حتى رموه بالحجارة، فأبى أن يترك فنفرت عنه القلوب، فأرسلوا إلى الرّشيد ليملّكوه فلم يمكن، فذهب الرّشيد إلى خير الدّين باشا صاحب الجزائر، والتجأ إليه، فلما علم ذلك السّلطان الحسن شقّ عليه ذلك، وأرسل إلى السّلطان سليمان يشكو من خير الدّين، فانه آوى أخاه، وأرسل صحبة الرّسول هدايا متحفة، فأجابه السّلطان بأن: طب نفسا فإنّا نأمر خير الدين باستصحاب أخيك معه فإذا حصل عندنا أودعناه عندنا فلا يعود إليك، فلما قدم خير الدّين على السّلطان ومعه الرّشيد، عيّن له السّلطان كل يوم خمسمائة درهم جامكية (٤٤٤)، ومن المأكول ما يكفيه، وكانت عمارة السّلطان مترددة على المغرب لاستنقاذ البلاد من أيدي الكفّار / فعرف خير الدّين السّلطان بأن العمارة لا تطيق أن تخرج من هاهنا وتسير مسافة أشهر، ثم تجتمع بالكفار، فلا بد أن تشتّي (٤٤٥) عمارتكم قرب بلاد الكفار، ثم تسير منه إلى حيث شاءت، وليس ثم موضع تشتّي (٤٤٥) فيه أليق من حلق الوادي بتونس، وكيف ذلك والسّلطان حسن بتونس، فقال: إن أهل تونس متضجّرون منه وهذا الرّشيد عندكم يحبّه أهل تونس، فإن أمر السّلطان سرت بالعمارة، وعرّفتهم بأن الرّشيد معنا فنملك تونس باتفاق من أهلها فتكون البلاد كلها للسّلطان، فوافقه السّلطان على ذلك، فسار خير الدّين بالعمارة، فدخل حلق الوادي، وعرّف أهل تونس بأن معهم الرّشيد ليملّكوه البلاد، فقام أهل البلد قومة واحدة وقالوا: نصر الله الرّشيد، وساروا نحو العمائر، ففرّ الحسن بأهله وماله إلى مشايخ العرب، فاستولى خير الدّين على البلد وقتل مشايخ الحفصيين خفية فتحقّق أهل البلد عدم مجيء الرّشيد، وإنّما هي حيلة من خير الدين، فقاموا عليه وقاتلوه، وقتل من أهل تونس ما يزيد على ثلاثين ألفا بين رجال ونساء، ثم كفّ عنهم وصالحهم، فأغار الحسن على تونس ليلا وقتل أزيد من ألف بقباشي، وسافر لإسبانية، واستمدّ من ملكهم، ولما تمكّن من

стр. 597

البلاد «وردت عليه عمارة (٤٤٦) من النّصارى واستنجدها الحسن من قبل الامبراطور (٤٤٧) فيها مائة ألف مقاتل. ولما نزلت النّصارى تلقّاهم جند خير الدّين / ومن انضاف إليه من أهل تونس، وكانوا نحو ثمانية عشر ألفا، فالتقى الجمعان شرقي تونس (٤٤٨)، وخير الدّين يحرّض المؤمنين على القتال، وظهر منهم في تلك الحرب ثبات وشدّة إقدام وتمكّن في أنواع الحرب، وكاد أن يكون الظّفر له في ذلك اليوم، فبينما هو كذلك اذ ورد الخبر على خير الدّين أن الحسن تملّك بالقصبة، وأن الأعلاج التي بها فتحوا الباب له، ففرّ خير الدّين ومن معه إلى المغرب وتعرّض له العرب بنواحي تبرسق ووقعت بينهم حروب شديدة، وتخلّص منهم إلى أن وصل إلى بلاد العنّاب - بونة - فركب البحر في عشرين غرابا وتوجه لبر الترك» (٤٤٩) فانفتح على تونس باب البلاء وجاءها ما كانت توعد ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٥٠). ونال الحسن الحفصي الاسم القبيح الفعل بهذه الفعلة الشّنيعة ما دعته إليه نفسه القبيحة ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٤٥١) مما حل بالمسلمين. وقيل إن الحسن لما ذهب إلى اسبانية عينوا له كل يوم أربعة آلاف دينار افرنجي لمأكله، وكانت مدة المكث سبعة أيام، ثم سار بعمارة فيها نحو أربعمائة غراب فنازل تونس، فاتّفق أهل تونس مع خير الدّين أن لا يخرج للكفار بل (٤٥٢) يبقى بالقصبة، ويباشرون بأنفسهم قتال الكفار، فاستمر القتال نحو شهر، فاستطال خير الدّين المقاتلة فنزل بنفسه من القصبة، وفوض أمرها إلى قائده جعفر آغة، وكان افرنجيا يبطن الكفر، وكان في البلد جيوش خير الدّين بها نحو أربعين ألفا / فقام جعفر المذكور فأطلقه من الحبس ومكّنه من القصبة وأسوارها ومدافعها، فصار المسلمون بين عدوّين: المدافع من البلد والسّيف أمامهم، فانهزموا أقبح هزيمة، والهاربون هلك أكثرهم من العطش، ودخل طاغية النّصارى، وأجلس السّلطان حسنا على التّخت، وأعطاه الحسن نفائس الأموال، ومن أسارى المسلمين ما يزيد على سبعين ألفا ممن يتهم بموالاة أخيه الرّشيد،

стр. 598

«ثم إن النّاس اطمأنوا فافتتحوا أسواقهم ولزم كل صانع صنعته، فبينما المسلمون في هذه الغفلة اذ دهمهم العدو فجأة ودفعت النّصارى دفعة، والأسواق مفتوحة، فنهبوها سبيا وقتلا، وفرّ المسلمون بعيالهم إلى ناحية زغوان، فبعث طاغية النّصارى إلى العرب، وعيّن لهم جعلا على كل مسلم من الحاضرة أتوه به شيئا معلوما، فخرجت العربان في طلبهم وأخرجوهم من كل شعب وواد، وأتوا بهم إلى النّصارى، فكان طلب العرب أشدّ على المسلمين من طلب النّصارى، وأعطاهم ما شرط لهم، والبعض افتدى من البادية، وبلغت فدية الرّجل الموسر ألف دينار، ومن لم يفد نفسه أرسلوه إلى النّصارى، وكان خطبا على المسلمين جسيما. وهذه هي الواقعة المعروفة بواقعة (٤٥٣) الأربعاء، وأباح الحسن للنّصارى البلاد (٤٥٤) ثلاثة أيام، ويقال في هذه الواقعة أسر الثلث ومات الثلث وهرب الثلث. قال صاحب المؤنس وسمعت من أهل الحضرة من يقول كل ثلث / ستون ألفا وكانت (٤٥٥) هذه الواقعة سنة إحدى وأربعين وتسعمائة (٤٥٦). وعندما استقر الحسن بتونس، تراجع أهل البلد بعد التشتّت والنهب حبّا في الوكر» (٤٥٧) ولما استقر أمر السّلطان حسن بتونس، وأراد طاغية النّصارى السفر التمس السّلطان حسن من الطاغية أن يؤخر عنده قدر أربعة آلاف افرنجي يقيمون عنده بحلق الوادي، ويبنوا هناك معقلا، وذلك سنة إحدى وأربعين وتسعمائة (٤٥٨)، فوافقوه على ذلك، وبنوا مدينة مسوّرة فتضرّر بهم كافة الخلق، فكان الحسن سببا لقرار الكفار هناك. «(٤٥٩) ثم خرج الحسن لافتكاك القيروان من يد الشّابيين قبل قدوم الباشا درغوث، فقاتلوه ليلا بالسّيف، واغتنموا ماله وسلاحه، فأقسم لا يرجع عنها بحال، وعزم على أن يستنجد لها النّصارى ويفتكها بعد اباحتها للنّصارى، وكان ابنه أحمد عاملا ببونة، فلما سمع بتوجه أبيه لبرّ النّصارى لمعاداة القيروان اختلس نفسه خفية، ودخل القصبة

стр. 599

وتملّكها، ففرحت به البلاد، وقال لهم: إنما حملني على أمري هذا حماية الدّين، ورأيت ما حل بكم أولا فقلت: لعلي نتدارك الأمة» (٤٦٠). وقيل إن الحسن لما خرج لقتال القيروان خلّف في تونس ولده أحمد، ويقال له مولاي «حميدة»، فلما أبعد الحسن قام أهل البلد فأتوا حميدة وقالوا: لا يخفى عليك ما حلّ بنا من شؤم أبيك، فإن كان لك حاجة بالملك فقم نبايعك وإلاّ دعونا عمك عبد المؤمن نبايعه، فلما رأى منهم الجدّ، رضي بذلك / فبايعوه وقلّدوه الأمر، ولما بلغ الحسن ذلك الأمر ترك حرب ابن أبي الطّيب (٤٦١) بالقيروان، وركب (٤٦٢) البحر وعاد إلى اسبانية ثانية، وأتى بعمارة عظيمة، فبينما الناس في ما هم فيه اذا بالحسن ورد بالعمارة، ونزل البر، فتوجهوا للجهاد، ونادى منادي الأمير أحمد: إن من يأتيني برأس أو أسير فله مائة دينار، وجلس عند باب القصبة، وأظهر لهم المال، وحرّض المؤمنين على الجهاد، فخرج أهل الربضين والتقوا بالنّصارى، والحسن الذي جاء معهم وهو في وسطهم، وكان الملتقى في محل يعرف بخربة الكلخ، وامتدت العساكر إلى سانية العنّاب، وكان سيدي علي المحجوب من أحفاد سيدي طاهر المزوغي - نفعنا الله بهما - حاضرا واقفا بكدية القيروان، فأخذ قبضة من تراب وقرأ عليها حزب البحر، ورمى بها في وجوه العدو، فانهزم الكفار وأعزّ الله الاسلام بنصره، وفرّ الحسن إلى شكلى (٤٦٣) وهي الجزيرة التي بوسط البحيرة (٤٦٤)، فتبعه أبو الهول - رجل من المسلمين - وأخرجه ملوثا بحمأة (٤٦٥) البحر وكساه برنسا، وجيء به لابنه أحمد فوبّخه وسجنه، وطلب أهل تونس قتله، فأشار بعض أرباب دولة ولده أن يكحّل عيون الحسن بالنّار ليكفّ بصره، ففعل به ذلك، واستأذن ولده في الزّيارة، فكان يخرج أحيانا إلى أن زار قبر الأستاذ سيدي أبي القاسم الجليزي (٤٦٦)،

стр. 600

وورد عليه صهره القليعي (٤٦٧) وهرب به إلى القيروان. ومن ثمّ احتال (٤٦٨) حتى ذهب لبرّ النّصارى ليأتي / بعمارة لأخذ المهديّة. قيل السّبب في جلب العمارة للمهدية أنه لما جاء بالعمارة لتونس، وطلب من المهدية مالا ليدفعه للنّصارى، بعث ولده لهم لذلك، وكانت المهدية أيسر بلاد افريقية، فلمّا وصل الولد للمهدية أنزل بدور بعض كبرائهم، فاجتمع على سيدي علي المحجوب - رحمه الله تعالى - وكان يعرفه فسأله عن السّبب الحامل له على القدوم للمهدية فعرّفه بطلب المعونة ليدفعوا للنّصارى ما عليهم من المال، فقال له الشّيخ: لا تسألهم شيئا فإن النّاس متغيّظون عليكم من أجل استعانتكم بالكفّار، وانج بنفسك قبل أن يسعوا في قتلك، فخرج فارّا وعرّف أباه بحقيقة الحال، فحقد عليهم، وأظهروا له العداوة والعصيان كغيرهم من البلاد، فجاء بالعمارة للمهديّة وقاتلهم، وفي هذه الوقعة قتل سيدي علي المحجوب - رحمه الله تعالى - وكذا الحسن مات بالبحر فأنزل للبر، وجيء به للقيروان فدفن بها، وأنشد بعض أدباء المهديّة قصيدة في مجيء العمارة وأخذهم المهديّة، ولا بدّ من ايرادها وإن كان فيها طول لاشتمالها على بيان القضية وما فيها من الغرائب وهي هذه (٤٦٩): [بسيط] وقفت تنشد رسم الدار محترقا ... على الحبيب فقال الرسم ما الخبر لا علم عندي إلاّ كنت تنصرهم ... بجمع شمل فيأوي ظله البشر كما الملوك فكل الناس يرقبهم ... مثل الهلال هلال الفطر ينتظر نلت السلو عن الأحباب منك جفا ... تنسى عهودهم والحق تذّكّر

стр. 601

ما كان فيك من الغزلان ساكنة ... أهيل حبك في أحشائك اغتمروا (٤٧٠) / أين الظباء التي قد كنت مرتعها ... تسبي العقول ومنها القلب منسحر لها سيوف من الأجفان في مقل ... سفك الدماء بها في الحب مغتفر في لحظ مقلتها سحر به فتنت ... يا ما أميلح ذلك اللحظ والحور غارت عليها خيول البين فانزعجت ... من الديار وما بالربع معتمر بانت سعاد وما بانت لها خرق ... أمست حديثا وفي أثنائها الخبر يا ربّ باكية في ضمن بكيتها ... رثا سعاد به الأحشاء تنحشر أشئم به من نهار البين حين غدت ... ولا وداع لها يطفى به الجمر ألا مجيب فكل نال نائبة ... من العباد عراة السقم والخور خط القضاء خطوط البين ما كتبت ... على الرؤوس فماذا ينفع الحذر فلا محيص لكل الخلق عنه اذا ... حل القضاء وجاء الوقت لا وزر من لي برد وكيف كنت أعهده ... يجلي همومي وهو القصد والوطر صرف (٤٧١) الزمان عراني (٤٧٢) ثم وانبعثت ... طلائع البين والهجران والكدر نآى الحبيب الذي قد كان يلزمني ... أودعته الله حسبي الصبر نصطبر أصبحت تنشد رسم الدار مهتبلا ... كذا الغراب على الأرجاء ينشمر أين استقر أهيل الحي وانتجعوا ... وهل تلاق لذاك الحي ينتظر أكرم به من أهيل كان مفتخري ... به شغفت، وكان الطالع القمر أجابني الربع ما أنسيت عهدهم ... وكيف ننسى وفي عيني هم النظر وترب أرضي حقا كان مسكنهم ... وليس أرض سواي الدهر ما عمروا (٤٧٣) لكن ظننت بأن الدهر خانهم ... أعطى أمانا تلاه الغدر والخفر الله أعلم داء العين حل بهم ... من حاسديهم فبئس الداء محتذر أجلاهم الدهر لا أدري مقرهم ... صوارم الدهر لا تبقي ولا تذر / وسل حمائم تلك الدار تنبيك [عن] ... يوم النوى قد جرى من عينها نهر فهي التي تعرف الأحكام كيف جرت ... وحالها النوح والتغريد والهدر ما طاقت الصّبر يوما لا ولا برحت ... عن رسم مسكنهم بالحب تنتظر

стр. 602

قمرية (٤٧٤) الدار هل عرفت حالهم ... أين استقروا؟ وهل بالوصل تنجبر؟ قلبي حزين على ليلى وما هجعت ... مني العيون ودمع العين منهمر ألا وصال إلى ليلى ألا خبر ... ألا حديث على الأحباب يعتبر معنعن بأداء الصّدق أسنده ... عدل الثقات صحيح المتن مشتهر ولا غريب بنعت الضعف يخبرني ... أين استقروا؟ وهل بالوصل تنجبر؟ بصيغة الجزم والتعليق إن وردت ... أمسى فؤادي عزيز القلب معتمر لا تحسبنّ سعاد نسيها حسن ... إن قيل ذا فشذوذ ما له أثر ليلى مثيلتها حقا بها قرنت ... لها التساوي على الاطلاق ينهزر (٤٧٥) بها الفؤاد فمن لي أن نلاقيها ... لقد تناءت وفي أثنائها الخبر أعر جناحك يا قمريّ (٤٧٤) يحملني ... لكي نعاين أين الحب مستتر ففضل جنسي ذاب القلب منه أسى ... والنوع منه بشخص الهجر ينحصر وكم تغرد طول الليل من أسف ... أجب سؤالي إن القلب منفطر ترجيع نوحك بالأسحار قد عميت ... منه العيون وفي تلحينه خبر أبا لتجاهل قال الأرق تسألني ... أما علمت صروف الدهر تعتور فكم عزيز ضحا (٤٧٦) بالصرف في محن ... وكم ذليل غدا بالعز يفتخر كانوا عزازا وكان العز رقّهم ... أمسوا عبيدا بأرض الكفر يحتقر [وا] (٤٧٧) الله أكبر! يا لهفي صغيرهم ... يبكي عليه غمام السحب والمطر أسير قوم عداة الله حنّ له ... صلد الحديد وقاسي القلب والحجر / فقدت الفي وأهلي والديار ترى ... لا أنس فيها عدا الغربان تنحدر وحق لي أن ننوح الدهر من حرق ... من أجلها زاغت الأبصار والفكر قوم عزاز على مثلي ومثلهم ... يبكي عليه ويبكي الجندل الصخر كانوا فبانوا فيا لله من زمن ... يبدي أمانا (٤٧٨) ونكثا ليس يعتذر عدت عليهم خطوب البين فاندرسوا ... غدوا أسارى فلا علم ولا خبر آه عليهم، وآه من فراقهم ... واحزن نفسي على ذا الحي ما ظهروا

стр. 603

تعمى علي وقد نالتك محنتهم ... وأنت منهم برأى كيف تستتر خبّر بحالك أني عنك ننشد من ... يرد ويصدر حتى الطير نختبر رفقا بنفسك عين منك هاملة ... قد استعارت مجاز الدّمع ينهمر على الحقيقة قد فارقت نهجهم ... كأنها لم تكن بالعزّ تفتخر من أجل فرقتهم قد حل بي وصب ... من لي برؤيتهم نشفى وننجبر من كسر قلبي أنت الرّب يا أملي ... ما خاب عبد دعاك الله معتذر أنا الدّخيل ومن يلجأ بجنبك يغ ... د سالما ومن الآفات ينتصر يا أكرم الرسل خير الخلق أجمعها ... أصل العلوم، وروح الكون مفتخر البدر شق سريعا من جلالته ... حتى تظاهر في الآفاق منشطر وكلمته الظّبا حقا لما نظرت ... من حسن طلعته وانقادت الشجر حتى أقرّت بأن الله أرسله ... للخلق طرّا كذا الأملاك والبشر أمّ الملائك وأمّ الرسل أجمعها ... رقى الطباق بهذا الفخر يفتخر إن قيل موسى كليم الله قل بشر ... تحت اللواء لواء الحمد ينتظر أو قيل عيسى فقل الرّسل أجمعهم ... قالوا الشّفاعة للمختار وافتخروا لولاه حقا لكان الكون منعدما ... لكنه من سناه النور منبهر / سما سموا على الأنباء حين رآى ... وجه الالاه رآه القلب والبصر صلّى عليه الاه العرش تكرمة ... فهو الممجد بالتمجيد مشتهر وقلت للورق تصغي أن نحدثها ... لا بالكناية (٤٧٩) أنّى راعني الأسر حل اجتماعا لنا كالعقد منتظما ... أبقى جواهره في الأرض تنتشر مضت سنون ولا ندري متى ذهبت ... من حسنها كخيال الطيف تفتكر كنا بحصن من الأذكار يذكرنا ... كل الملوك جميع الناس تفتقر عرب وعجم إلى أهليه أن له ... على البلاد جميعا فيه تنعمر قفل السواحل للمهدي نسبته ... صنع الملوك التي بالمجد تشتهر ماذا رآى أهلها من عز حرمتهم ... لم يخشوا البؤس يوما لا ولا ذعروا بكل (٤٨٠) نوع من الإحسان تتحفهم ... هم حارسوه بطول الدهر ما قصروا

стр. 604

قد ضمنوه عظيما من حروبهم ... مدافع وعظيم الدرع والحجر من الحديد مع البارود عدته ... من الألوف كذاك القوس والوتر من النصال سيوف لا نظير لها ... صرح المدائن ذاك الحسن تختبر ما قاسها الدهر افرنجي فقاتلها ... إلاّ غدا بأليم الحرب منكسر كم قاتلوها وراموا ملك قصبتها ... غدوا حيارى بذاك الوقت ما ظفروا وسل رؤسائهم (٤٨١) تعلمك حالهم ... كم أغرقت سفنا بالجيش فانكسر [وا] وكم لعين من الأبطال مات بها ... غيظا وذرعا كذا الفرسان تنصبر وحالة الدهر طول الوقت تغلب من ... قد جاءها بجنود ليس تنحصر حتى مضت مدة التعمير في أول ... مضى الفخار وزال العز والفخر فسبب الله أسباب الهلاك لها ... حل القضاء وحال الحين ما شعر [وا] ألا وجند من الكفار في سفن ... قد أحدقوها جمادى الثاني مشتهر / من عام سبع وخمسين وتسعمائة ... يا ليته لم يكن في الدهر منذكر من الفراقيط (٤٨٢) بالتحقيق نحو مائة ... من الشواطئ مثل العد ينحصر أما الغراب حقيقا كان عدته ... خمسين فردا ونحو العشر ما قصروا فنزلوا الجيش نصف الليل اذ وردوا ... وصابحوا الحصن عند الباب وأنتشر [وا] حازوا المياه وحازوا أرض ملتها (٤٨٣) ... وغلق الباب أهل الحصن وانحصر [وا] لهم بكاء كيوم الحشر تبصرهم ... تبكي عليهم وقلب الخلق منهزر سووا مدافعهم تلقاء قصبتها ... رموا عليها حجار الهد ما قصر [وا] خمسون رطلا وثلثا كان مبلغها ... عشرون وجها (٤٨٤) تلاقي السّور ينفطر منها القلوب ومنها الناس داهشة ... في اليوم ألف فهد السور والقصر فضجت الناس بالتكبير تسأل من ... قضى الأمور بغيث الناس ينتصر رموا عليها حجار الجو تسقط في ... جوف الديار فشاب الرأس والشعر الفرد منها كما القنطار زايدة ... تغلي سماء وفي الأرضين تنفطر فقاتلوها قتال الجد وانتدبوا ... برا وبحرا إلى الهيجاء ما جسر [وا]

стр. 605

رموا عليها من الأحجار ما عظمت ... عن الحساب فكل النّاس قد حذر [وا] نحو الثلاثين ألفا كلها وصلت ... سورا لحصن تكاد الأرض تنفجر من الحجار حجار لا فتور لها ... يقاتلون بها بالليل ما فتر [وا] يا ما تقاسي نساء الحي من نصب ... فضحن وجها وليس البكر تتزر يندبن غيظا سبقن الرجل من حنق ... عن اللقاء وفي الميدان ما ستر [وا] تلك الرجال أسود الحرب تحسبها ... كما الصواعق ما ردوا ولا قهروا وقامت الحرب في سوق النزال على ... ساق القتال وأهل الحصن قد نفر [وا] كما الليوث جبالا في لقائهم ... مقاتلين ونوم العين قد هجر [وا] / وخربوا السور من تلقا محلّتهم ... كروا وفروا أرادوا الصدم ما قدر [وا] ففي المساء كثير البطل قد تركوا ... هذا قتيل وذا ملقى وذا صبر تلك الرجال رجال الله قد نشرت ... قواضب العزم جيش الكفر قد نهر [وا] فسرمد الحرب ليلا والنهار فلا ... يمضي زمان خلي الرمي بل عمر [وا] وكلت الناس واحتاجوا لقوتهم ... وطال حصرهم والجهد (٤٨٥) والسهر وحرموا النوم طول الليل أن قدموا ... ذاك الحفير مع نسوانهم حفر [وا] كما البدور يذوب القلب من أسف ... لما رأى قد بدا من حسنها الشعر طال القتال، وطال الحصر مدته ... نحو الثلاثة أشهر كلها ضرر واستنفروا جنوة مع نابل وردت ... تلك الجيوش بذلك الرمل تنحشر والرمي يخدم (٤٨٦) من كل الجهات فلم ... يفتر فريق ولم يهجع له بصر فكم جريح من الاسلام قد كسرت ... رجلاه برمي النار ما جبر [وا] وكم قتيلا غدا بالنار محترقا ... استشهدوا ولهم في قتلهم أجر وخربوا السور رميا ثم وانفتحت ... أماكن وتلاشى الحال واحتقر [وا] أما العباد فداس (٤٨٧) الحسن أجمعهم ... برا وبحرا وماج الناس وافتكر [وا] فضل الجهاد وفضل الصبر فيه لذا ... قد قاتلوا قتلوا لكنهم ظفر [وا] فشاركوا الناس في جوف الحصون لذا ... مات الكثير وباقي القوم قد كسر [وا] يا لو ترى من بنات الناس كيف جرت ... منها الدموع على الخدين تنهمر

стр. 606

من كل فاخرة بالمجد شامخة ... يغضى حياء لها من حسنها القمر كما الغزال (٤٨٨) من الأشراف يملكها ... كمن كان عبد لها كالكلب يحتقر أشؤم به من نهار البين حين بدا ... أخذ الخليفة شر فيه مزدجر هذا الزمان الذي كنا نحذّره ... يا ليته ما بدا أو كان مندثر / إسمع كلامي فعل الله قد حكمت ... به المقادير إن الله مقتدر واستفرغ الدمع يا قمري منتحبا ... وقل قفا نبك هذا الدمع منهمر إني غريب وحالي صرت تعرفه ... ومن تغرب عن أهليه يحتقر وصرت تكره من نفسي تلاقيها ... أهل الصدور تخاف المل أن نظر [وا] ثم الصلاة على المختار سيدنا ... مدى الزمان بلا عد ولا حصر وارض عن الآل والأصحاب كلهم ... يا ربنا يا الاه العرش يا وتر درغوث باشا: وفي سنة ثمان وخمسين وتسعمائة (٤٨٩) كان فتح (٤٩٠) درغوث باشا (٤٩١) لمدينة طرابلس فمما نقل من رحلة العياشي (٤٩٢) ما نصه: «ومما أفادنيه بعض فضلاء طرابلس من تاريخها أن العدو - دمره الله -، استولى عليها الإستيلاء الأخير سنة ست عشرة وتسعمائة بستة عشر من محرم (٤٩٣)، وافتكت منهم سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، وتاريخه نقط قولك: «جاء الترك بس» (٤٩٤)، وافتكها منهم درغوث باشا وكان بجربة،

стр. 607

ومراد باشا وكان بمسلاّتة (٤٩٥)، وبقي بها درغوث إلى أن توفي، وقبره الآن مزار وعليه بناء عظيم». وسبب أخذها من العدو أن مراكب المسلمين جاءت من اسلامبول (٤٩٦) مددا للعمارة المحاصرة لحلق الوادي بتونس - يعني بعد قدوم خير الدّين أولا، وكان باشا العمارة سنان باشا، أخا الوزير الأعظم رستم باشا وزير المرحوم السّلطان سليمان خان - (٤٩٧) فمرت بسواحل طرابلس فكلمهم أهل السواحل في اعانتهم على النّصارى فقالوا انا لم نؤمر بذلك من السّلطان، فقال لهم الباشا مراد أعينوني في هذا الأمر فإن / كانت عقوبة فأنا المؤاخذ بها دونكم، فحاصروها برّا وبحرا إلى أن أخذوها فذهب معهم مراد باشا إلى السّلطان، وقال له: إن كانت عقوبة فأنا المؤاخذ بها دون هؤلاء الأمراء، فرضي السّلطان عنه وعنهم وأكرمهم (٤٩٨). وأما أخذ النّصارى لها فذكروا لذلك قصّة غريبة، وهي أن أهل هذه المدينة فيما مضى كانوا أهل دنيا عريضة (٤٩٩) فيما يقال، وليس فيهم عناء ولا لهم بالحرب خبرة، فبينما هم كذلك اذ قدمت سفن للنّصارى تجّارا بها سلع كثيرة فنزلت بالمرسى، فخرج إليهم رجلا من التجار فاشترى منهم جميع ما بأيديهم من السلع ونقد لهم ثمنها، ثم استضافهم رجل آخر فصنع لهم طعاما فاخرا، فلما قرب لهم الطعام أخذ ياقوتة ثمينة ودقّها دقّا ناعما وذرها على الطعام فبهتوا من ذلك، فلما فرغ قدم لهم دلاعا (٥٠٠) فطلبوا سكينا لقطعها فلم توجد في داره سكين (٥٠١) ولا عند جاره إلى أن خرجوا للسوق فأتوا

стр. 608

بسكين، فلما رجعوا إلى بلدهم سألهم ملكهم عن حال البلدة التي قدموا منها فقالوا له: ما رأينا بلدا أكثر منها مالا وأقل سلاحا وأعجز أهل عن مدافعة عدو فحكوا له الحكايتين، فتأهّب ملكهم لدخولها في مراكب البحر فدخلها في ليلة واحدة بلا كبير مشقّة، واستولى عليها، ولم ينج من أهلها إلاّ من كان تسوّر ليلا، وانحاز المسلمون إلى تاجوراء، وجبال غريان ومسلاتة، وصارت المدينة للنّصارى / إلى أن كان من أمرها ما كان» (٥٠٢) اهـ. ومما وقع في أيّام الحسن لما أدخل النّصارى لتونس انهم تمكنّوا من بناء حصار حلق الوادي (٥٠٣)، وشاركوه في تصرّفاته في الأحكام، فأقاموا منهم كبيرا اسمه جوان بن جاكمو (٥٠٤) في القصبة مشاركا للحسن في أحكامه وتصرّفاته، وصار معه كالمتمكّن على حلقومه بمدية أن قال لأقطعه. أحمد الحفصي واستمرار التصارع العثماني الإسباني: ثم إن أحمد الحفصي لما استقلّ بالأمر بعد أبيه التفت بما يقوم به في مصالح البلاد «وجد (٥٠٥) الخزائن خالية لأن أباه أتلفها، وغلب النّصارى على أكثرها، وشرع أولاد سعيد في النهب على جاري عوائدهم، وكانوا يجاهرون بشن الغارات إلى أن آل بهم الحال ووصلوا إلى الجبل الأخضر (٥٠٦) وساقوا (٥٠٧) مواشي الأمير أحمد الحفصي، فخرج لهم بنفسه وأدركهم بسيجوم، وطعن شجاعا من شجعانهم، وركب ثلاثة آلاف فارس سمّاهم زمازمية وكانوا قبلا يسمون موحدية (٥٠٨)، واستفتى أرباب الأحكام الشرعية في شأنهم» (٥٠٩)، فأجابوا بأن ابن يونس المالكي لما سئل عن حكم أموال المفسدين القاطعين للطّرق المغيرين على المسلمين ويسفكون الدّماء وينهبون الأموال كبوادي الغرب وشبههم،

стр. 609

قال: قال سحنون لمالك - رضي الله تعالى عنهما -: أتكون دماؤهم وأموالهم هدرا؟ قال: نعم. قال ابن القاسم: وإن كان فيهم ركن من أركان الاسلام / مثل الذين يصلّون ويصومون شهر رمضان ويقولون لا إلاه إلاّ الله، محمد رسول الله ﷺ فقال مالك - رحمه الله تعالى -: لو كانوا مسلمين ما ضرّوا باخوانهم المسلمين، وإن الجهاد فيهم فريضة، وقال مالك أيضا: جهادهم أحبّ إليّ من جهاد الرّوم، قال سحنون بن سعيد: مالهم سائغ حلال لمن أخذه كان بالوجفة (٥١٠) أو بغير الوجفة أو بسبب من الأسباب، صح من الأحكام، نقله ابن يونس من المدوّنة، ونقل عن الرّصاع مثل ذلك، وفي ابن ناجي تحريم مبايعتهم السّلاح حتى الأخفاف والرواحي. وكان المولى أبو عمرو عثمان الحفصي أجلاهم عن الوطن، وحددّ لهم السّكنى من وادران إلى القبلة لا يتعدونه (٥١١). ثم إن أحمد الحفصي اتخّذ عسكرا من السّود لما كان يتوقّع من تملّك البلاد لقوم لغتهم العربية، فاتخذ لذلك الجيش السّوداني، ورفع منزلتهم رجاء أن يكونوا أولائك المرموز إليهم - حسبما وقع عليه في الأجفار أو أخبره به منجّموه - وكان له اهتمام بهذا الفن ودار على آذانه كثيرا أن الحكم ينتقل عنهم إلى رجل اسمه علي من غير جنس العرب، ويكون انقراض ملكهم على يديه، فأقام مملوكا من أعلاجه سمّاه عليا، وأجلسه مجلسه، وفوّض له الأمر (٥١٢)، ويأبي الله أن يكون إلاّ ما أراده وقدره ولا ينفع حذر مع قدر. هذا وإن النّصارى / الذين تخلفوا من نجدة الحسن - المتقدم الذكر - في غاية الاهتمام والإعتناء بانشاء الحصارات التي بحلق الوادي واحداث ما لم يسبق لحدوثه من قبل، وضايقوا الحضرة غاية الضّيق إلى أن صاروا يرمون الصّوف والجير على أهل تونس فإن أتوا به فذلك مرادهم، وإلاّ أغاروا عليهم برّا وبحرا وبارت (٥١٣) الحيلة في مدافعتهم فمن أعظم بناءاتهم حصار حلق الوادي والبرج المقارب له، والثّالث البستيون خارج باب البحر، أما الحصار فهو بناء عظيم كالمدينة مربّع، وعلى أركانه (٥١٤) الأربع أربعة ابراج في غاية الضخامة على كل ركن برج، والبحر من جنوبيها والبحيرة من الغرب، وحفروا

стр. 610

حفيرا عميق الماء بينهما حتى أحاط الماء من جميع الجهات، وعند مجتمع البحر والبحيرة البرج، وتدخل سفنهم على هذا الحصن الأعظم، فترسي عند بابه، وعمق الخليج ستّون ذراعا، وقعره متّصل بالبحر، وخارج الحصن دور يسكنها المنافقون، وقدرها أزيد من مائتي دار والخندق والبحر محيط بالجميع، ونقبوا تحت الأرض نقبا طويلا يتّصل إلى البرج الخارج عن الحصن، وبين الحصن والدّور سور يمنع من يريدهم بسوء وعرض سور الحصن يسير عليه سبعة من الخيل من غير مضايقة ولا مزاحمة، وهو ذو وجهين خارج وداخل بحجارة ضخمة اقتطعوها / من الحنايا التي مرّ وصفها، وما بين وجهي السّور حشو الجير افراغا مع دقيق الحصباء كي يعسر نقبه، ولا تعمل فيه الآلات من البونبات والألغام والمدافع، وجعلوا كنيستهم وسطه ودواميس المياه المحكمة بأتقن الصّنع، وأقاموا في بنائه ثلاثا وأربعين سنة لم يخل يوم فيها من التّحصين، وأما البستيون فكان خارج باب البحر قرب كنيسة النّصارى، وكان أشد ضررا على أهل تونس من غيره لأنهم أرادوا أن يبنوا فيه حصارا ومدينة وقد ابتدؤوها، وفصّلوا (٥١٥) شوارعها وأسواقها، وكادت أن تسكن لولا لطف الله ومعالجة العساكر العثمانية، والذي تمّ لهم منه قلعة واحدة، فكانت الحرب عليها لما دخلت العساكر العثمانية كما يأتي إن شاء الله تعالى. ولما اشتدت أذيّة الكفّار للمسلمين وعجزوا عن مدافعتهم جعل الأمير أحمد حيلة فأظهر سفرا لافريقية (٥١٦) على جاري عادته وصحب في محلّته ألف فارس، وأردف كل فارس رجلا وسار إلى أن بلغ ماطرا، ورجع منعطفا وقصد الغزو إلى أهل حلق الوادي، ولكن خاف من جواسيس المنافقين من الأعراب الذين تزندقوا، فأخفى أمره ورجع على ناحية المعلّقة، وكمن هنالك وأرسل طائفة يسيرة من الخيل نحو الحصار، فتبعهم النّصارى ففر المسلمون أمامهم راجعين لتونس، فلما تباعدوا عن الحصار خرج الكمين لنحو / الحصار، فهرب من كان باقيا فيه من النّصارى، ودخلوا الحصار، وذهلوا من شدّة الفزع عن غلق الباب، ووصل المسلمون إلى الباب، فلم يقدروا على الدّخول لظنهم أن النّصارى أبقوه مفتوحا مكيدة، فرجع المسلمون فالتقوا بالنّصارى الذين كانوا تابعين للفارّين لتونس، فاقتتل الفريقان، فوقعت هناك مقتلة عظيمة بين الفريقين، وأكثر ما لاقى المسلمون من الأذى إنما كان من الزّنادقة المرتدّين من الأعراب، ثم إن الأمير

стр. 611

أحمد جعل يكاتب باشاوات العساكر العثمانية بطرابلس والجزائر، وهادنهم وطمع في اعانتهم، فكانوا عليه لا له. فبعث أولا محمد القصبي في أيام الحسن بن خير الدّين، وجاء معه إلى الجزائر لاحسانه إليه، وبعث بعد ذلك أبا الطّيب تاجا الخضار للباشا علي وهو بمدينة طرابلس، وعاد مع الباشا علي إلى الجزائر، وكاتب حاكم قسنطينة، وجعل مع درغوث باشا صحبة أكيدة، ولما نزل درغوث باشا على جربة ليفتكها من أيدي النّصارى أرسل له الأمير أحمد مددا من العساكر والمؤونة (٥١٧) وافتكها على يد علي باشا الذي كان على طرابلس، وكان مكث جربة في أيدي النّصارى ستة أشهر. ثم إن الأمير أحمد خاف من علي باشا أن ينتزع منه تونس فطرقه همّ أشد من همّ النّصارى، وصار حائرا في أمره فدخل عليه أبو الطّيب الخضار فوجده / مطرقا إلى الأرض مطيل الفكرة، فسأله عن ذلك فقال له: «خوفا يفاجئني علي باشا ولا طاقة لي (٥١٨) به»، وكان الخضّار يود دخول العساكر العثمانية لفساد الحفصية من أجل أن أحمد الحفصي بعد أن استقامت أحواله رجع بالفساد وظلم العباد، ومدّ النظر إلى حريم النّاس، على عكس ما كان عليه أبوه من النّظر إلى أطفال المسلمين، فاجتمع عند أحمد أكثر من ثلاثمائة امرأة من بنات النّاس، فامتدت أيّامه حتى بلغ خمسا وعشرين وثلاثة أشهر ونصف. فخرج أحمد الحفصي من تونس إلى قتال بعض أحياء العرب، فلما بعد عن البلد اتفق الخضّار مع أهل البلد باستدعاء علي باشا من الجزائر لاستنقاذ البلاد من أيدي الحفصيين لفساد نظام ملكهم وغلبة الفساد عليهم، فراسل علي باشا وحرّضه على القدوم واغتنام الفرصة، فخرج من الجزائر في عساكر عظيمة، وانضاف إليه طوائف من الأعراب كمغراوة وسويد وغيرهم نحو سبعة آلاف، وأقبل يجرّ ذيل عسكره لتونس، فلما سمع الأمير أحمد تلقّاهم بما التأم (٥١٩) عليه من العساكر ليدافع عن نفسه، وكان الملتقى على باجة، ولم يكن معه سوى الزمازمية (٥٢٠) مع ما انضاف إليه وهو ألف وستمائة رجل، فلم يغن عنه ذلك شيئا فانهزم عند الملتقى، وأخذت محلته، ووصلت عساكر علي باشا / إلى مجردة، وكان زائدا، فعسر عليهم مجاوزته، فأرسلوا إلى بنزرت فجاءت الأخشاب

стр. 612

والألواح فصنعوا جسرا عبرت عليه العساكر، فالتقى معهم ثانيا فهزم، ثم ثالثا فهزم، وتلاشت جموعه، فدخل تونس وجمع مهمّاته وذخائره وخرج خفية ليلا، فتبعه الأعراب ونهبوا ما قدروا عليه من ورائه وسار على طريق رادس، وقطع إلى حلق الوادي، فدقّ باب الحصار ليلا فلما عرفه النّصارى قبلوه وفتح أهل تونس لعلي باشا والمنادي ينادي بالأمان، ودخل القصبة، وفرح النّاس، وقبل البيعة للسّلطان سليمان خان - رحمه الله تعالى - ليلة النّصف من شعبان سنة سبع وسبعين أو ثمان وسبعين وتسعمائة (٥٢١)، وخطب بتونس وبجميع بلاد افريقية باسم السّلطان سليمان خان الثاني - رحم الله جميعهم - ثم إن علي باشا أقام رجلا مكانه باشا، وسار حتى لحق بعمارة السّلطان في البحر، وكانوا عازمين على ملاقاة الكفار، ثم إن الأمير أحمد أخذ يسعى في استجلاب عمارة من برّ النّصارى حتى وصلت لحلق الوادي فأخرج كبير النّصارى مكتوبا لأحمد فاذا فيه مقاسمة البلاد مالا وحكما بينهم وبين الأمير أحمد، فقال أحمد: إنما شارطتكم على المال لا على مشاركة الحكم، فقال النصراني: إن قبلت وإلاّ فعندي تحت يدي من يقبل المشروط وهو أخوك محمد، فرفع الأمير أحمد يده عن ذلك وذهب إلى بليرمو / من بلاد صقلية، فأقام بها إلى أن مات، وأتي به ليدفن في الزلاج، فبعد ثلاثة أيام دفن بسيدي قاسم الجليزي (٥٢٢). محمد الحفصي: نهاية الدولة الحفصية والاستقرار العثماني بتونس: وأما محمد الحفصي فانه تقدم، وتحمل الشروط، ولما تحقق أهل تونس تولية محمد تذكروا وقعة الأربعاء التي كانت في أيام أبيه الحسن، ففروا إلى ناحية جبل الرّصاص وجعلوا لهم دواميس يستقرّون بها، فصدم النّصارى تونس وعجز عن مدافعتهم وصار في أهل تونس ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٥٢٣) ما تقشعرّ منه الجلود، حتى إن الذين فرّوا صنعوا نوالات (٥٢٤) في الغابة، وتسولوا على بيوت الأعراب، ونالهم من الخوف والجوع

стр. 613

ما يدهش الألباب، وبعد مدّة أظهر النّصارى الأمان واسترجعوا المسلمين لديارهم على شرط أن من وجد داره غير معمورة بالنّصارى سكنها، ومن وجد بها كافرا فوّض أمره إلى الله. وقسّمت المدينة بين المسلمين والنّصارى، فاختلط النّصارى بالمسلمين، وأهين المسجد الأعظم، ونهبت خزائن الكتب التي كانت به، وداستها الكفرة بالأرجل، وألقيت تصانيف الدّين بالأزقّة تدوسها حوافر خيل الكفّار، حتى قيل إن أزقة الطيبيين بجانب جامع الزيتونة كانت كلها مجلدات ملقاة تحت الأرجل، وضربت النواقيس، وربطوا الخيل بالجامع الأعظم ونبش قبر سيدي محرز بن خلف، فلم يجدوا به إلاّ الرمل وفعلوا بالمسلمين ما يفعل العدو بعدوه / وكل دار مسلم مجاورة لدار نصراني، وكبير النّصارى ساكن بالقصبة مع محمّد الحفصي يجلسان معا بالقصبة للحكم، واستعمل النّصراني سياسة الرّفق بالنّاس ورفع الجور في الحكم، هذا كله وقع لأهل المدينة والربض القبلي (٥٢٥)، لانهم تحت رمية المدفع، فلم يجدوا بدّا من المساعدة، وأما ربض باب السويقة فإنهم (٥٢٦) انحازوا إلى ناحية، ومنعوا أنفسهم من الإهانة. وفي هذه المدّة كان شروعهم في مدينة البستيون (٥٢٧) - المقدمة الذكر - فلاقى أهل تونس من الكفار سوء العذاب. وأما الباشا الذي بتونس وجنوده فانهم لما دهمتهم النّصارى ورأوا أمرا لا طاقة لهم به خرجوا لناحية الحمّامات، فامتنعوا (٥٢٨) من فتح الأبواب، فذهبوا للقيروان، وكان بها حيدر باشا الذي ضرب الحيدري (٥٢٩)، وقيل إن الباشا الذي كان بتونس هو حيدر المذكور وإنه لما أحس بغلبة الكفّار خرج هو وأهل البلد جميعا إلى جهة القيروان، فجاء عسكر الكفّار واستولى على تونس. فلما خرج حيدر بمن معه أتبعهم في ذهابهم النّصارى فاقتتلوا فانهزم النّصارى، وبعث من رؤوسهم أحمالا للقيروان، ورجعوا للحمّامات محاصرين لهم ففتحوها عنوة، فقتلوا الرّجال وسبوا النّساء والأطفال، ونهبوا / الأموال وافتكّ الشّيخ الجديدي [منهم]

стр. 614

النساء والأطفال ثم التحق العسكر وحيدر باشا بالقيروان، فأقاموا بها عشرة أيام وتقوّت شوكة النّصارى بتونس، وضاق الأمر على من بالقيروان حتى أراد حيدر باشا الفرار من القيروان، وكان يتردد على الشّيخ الصالح سيدي أحمد الرّنان (٥٣٠) ﵀ يصبّره ويعده النصر فيقف الباشا عند اشارته، ثم تحرّك حيدر باشا بمن معه من العساكر لتونس فنازلوها، وأقاموا عليها، فعجزوا عن فتحها حتى فرغت أزوادهم لأن الكفار أبقوا بتونس لمقاتلة المسلمين الواردين عليهم ثمانية آلاف مقاتل، فعجز حيدر باشا ومن معه عن الفتح وهموا بالإنصراف عنها، فبينما هم كذلك اذ قدمت العساكر العثمانية في المراكب لتونس (٥٣١)، وفتحوها حسبما يأتي - إن شاء الله تعالى -. وكان بذلك انقراض دولة الكفّار ودولة بني حفص، وكان ابتداء دولة بني حفص سنة ثلاث وستمائة (٥٣٢) من أول ما تولّى أبو محمد عبد الواحد، وإن دخل في ذلك غيرهم حسبما مرّ تفصيله وانقرضت سنة احدى وثمانين وتسعمائة (٥٣٣) فكانت المدة من أولها إلى آخرها ثمانية وسبعين وثلاثمائة سنة. ولنرجع الآن إلى ذكر أصل الدولة السعيدة دولة / آل عثمان - أبقاها الله ببقاء الزمان وجعلها دولة مباركة - ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (٥٣٤) ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ (٥٣٥) وهي خاتمة الدول وختامه مسك. تتمة من الناسخ: كمل الجزء الأول من نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، ويتلوه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني، مبدؤه المقالة الحادية عشر في ذكر دولة آل عثمان تأليف الشّيخ الإمام وقدوة الأنام، ومجلي الظلام علامة زمانه، وفريد دهره وأوانه، حامل قول التحقيق، ومالك أزمة التوفيق، قدوة الأفاضل ومجلي المعاطل، بقية السلف، وعمدة

стр. 615

الخلف، شيخنا وشيخ شيوخنا الحاج الناسك الأبر أبو الثناء محمود بن سعيد مقديش الصفاقسي أصلا ووطنا وقرارا المالكي مذهبا، الأشعري اعتقادا، أسبل الله علينا وعليه جلابيب ستره بجاه سيدنا محمد نبيه وعبده، ونسأل الله المنان بفضله أن ينفع به من تسبب فيه، ومن كتبه وقرأه، وأن يجعلنا من حزبه، وأن ينفعنا به وبأمثاله، ورحم الله عبدا قرأه ورآى فيه نقصا أو تحريفا أو زيادة أو تقديما أو تأخيرا أو غلطا فقل أن ينجو من ذلك لأن الناسخ لا يخلو من النقص والغلط كتابه فأصلحه ليحصل الثواب للجميع، و ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٥٣٦)، ونعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي المصطفى الكريم وعلى آله وأصحابه الطاهرين الطيبين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، ووافق الفراغ من نسخه من الأصل بخط المؤلف ﵁ ونفعنا به ضحوة يوم الثلاثاء المبارك السابع من شهر جمادى الثانية سنة ثمان وثلاثين ومائتين بعد الألف (٥٣٧) من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 616

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار تأليف محمود مقديش تحقيق علي الزواري - محمد محفوظ «الجزء الثاني»

стр. 617

المقالة الحادية عشرة في ذكر دولة آل عثمان وفيها ثلاثة أبواب الباب الأول في ذكر سلاطينهم لوقت التاريخ بداية الدولة العثمانية: وأصلهم من التراكمة (١) الرحالة النزالة (٢) (وهم طائفة من التتار) (٣) وأوّل من تولّى منهم السّلطنة (٤) في بلاد الرّوم ونسبوا إليه السّلطان عثمان - رحمه الله تعالى - ابن أرطغرل (٥)، إبن سليمان شاه، ويتصل نسبه إلى يافث إبن نوح ﵇ وهو تمام [الجد] (٦) الأربعين لحضرة سلطاننا (٧) السّلطان سليم خان (الذي فتح مصر من يد

стр. 618

الغوري) (٨)، وكان (٩) توليه السلطنة (١٠) في بلاد الروم سنة تسع وتسعين وستّمائة (١١)، وإنما لم نذكر أسماء أجداده لأنها أسماء غير عربية يعسر ضبطها، فلذا قال الأزرقي (١٢): «لما كانت أسماؤهم بلغة الترك القديمة لم نذكرها لعسر ضبطها، وهي مذكورة في التواريخ التركية، وكان سليمان شاه سلطانا في المشرق ببلاد ماهان (١٣) قرب بلخ، فلما ظهر جنكز (١٤) خان - المقدم الذكر - في آخر دولة بني العباس أخرب (١٥) بلاد بلخ، وأخرج منها السّلطان علاء الدين (١٦) خوارزم شاه، وتفرقت (١٧) أهل تلك الممالك، وخرج / سليمان شاه من بلاد ماهان (١٣) بمن معه من التركمان إلى أرض الروم ومرّ بحلب، وعبر من (١٨) بحر الفرات، فغرق بفرسه في الفرات (١٩) وسار إلى عفو الله تعالى ﵀

стр. 619

وتفرق من معه من التركمان في تلك البلاد، وذراريهم باقون رحالون نزالون إلى الآن، وكان لسليمان شاه أربعة أولاد اثنان منهم توجها لبلاد العجم [وهما] سنقر (٢٠) وديندار (٢١)، وتوجه (٢٢) الباقيان وهما أرطغرل (٢٣) وكون دوغدي (٢٤) إلى بلاد الرّوم، فقدما على السّلطان علاء الدّين السّلجوقي، وكان إذ ذاك سلطان قرمان، وتحت ملكه قونية، فأكرم نزلهما (٢٥) وأذن لهما بالإقامة في أرضه فاستأذناه في جهاد الكفار، واجتمع عليهما من التراكمة طائفة من الغزاة (٢٦)، فصار دأبهم الجهاد في سبيل الله، وكان مقرّهم ما بين قره (٢٧) حصار وبليجك (٢٨) في محل يقال له سكوتجك (٢٩) صيّروه ملتقى لهم (وجبل أيلاتيج (٣٠) جعلوه ملتقى لهم أيضا) (٣١) فسكنوهما مع مواصلة الجهاد والغزو حول (٣٢) تلك البلاد إلى أن توفي أرطغرل في سنة تسع وثمانين وستمائة (٣٣). وخلّف أولادا أنجادا أشدّهم وأقواهم جأشا وبأسا السّلطان عثمان. وكان مولده سنة ست وخمسين (٣٤) وستمائة، دأب مع والده في الجهاد في سبيل الله، فاستمرّ بعده على قتال الكفار، فرآى السّلطان علاء (٣٥) الدّين / (٣٦) [جدّه وجهده في الجهاد وعلم قابليته ونجابته في فتح

стр. 620

أطراف تلك البلاد، فأكرمه وأعزّه وأمدّه بأنواع الإعانة والإمداد، وأرسل إليه الرّاية السّلطانيّة، والطّبل والزمر ووسمه بإسم السّلطنة تقوية ليده وشدّا لعضده، فلمّا وصل الطّبل والزّمر إليه عملوا نوبة بين يديه، فعند أول سماعه صوت الطّبل والزّمر قام على قدميه تعظيما لذلك، فصار ذلك قانونا لآل عثمان باقيا مستمرّا إلى الآن، فإنهم يقومون على أقدامهم عند ضرب النوبة على أبوابهم] (٣٧). السّلطان أورخان: [ثم ولي بعده إبنه السّلطان أورخان الغازي في سنة ٧٢٦ (٣٨)، وكان السّلطان أورخان فاق والده في الجهاد، وكان له ولد نجيب إستأذن من والده أن يعدى إلى روميلي ويقاتل الكفّار مع خدّامه، فعدوا إلى روميلي] (٣٩) فصادفوا الكفّار في غفلة، وهم يريدون العبور إلى جهة أناضول (٤٠)، فوقع حرب عظيم قتل فيه من الكفّار ما لا يعدّ ولا يحصى، وانهزم الباقون إلى القلاع والحصون، وتبعهم المسلمون يأسرون ويقتلون، فنصر الله الإسلام، وهزم الكفّار، وفتح المسلمون عدة قلاع وحصون، ورجع سليمان بك إلى والده مؤيّدا منصورا، وتوفي السّلطان أورخان سنة إحدى وستين وسبعمائة (٤١) وعمره ثلاث وثمانون سنة. السّلطان مراد خان الغازي: ثم ولي بعده السّلطان مراد الغازي، مولده سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وجلوسه على التخت في بروسا (٤٢) سنة إحدى وستين وسبعمائة، وافتتح كثيرا من البلاد منها

стр. 621

أدرنة (٤٣) في السنة المذكورة، وهو أول من اتّخذ المماليك وسمّاهم يكيجري (٤٤) أي العسكر الجديد وكساهم اللّباد البيض (٤٥) المثني إلى خلف، ويسمى بركا (٤٦)، بضم الباء الموحدة وسكون الراء آخره كاف. وكانت له ﵀ صولة عظيمة على الكفّار، واجتمعت النّصارى على سلطانهم أسبوت (٤٧)، فقاتلهم السّلطان مراد قتالا شديدا، قتل سلطانهم وانهزموا، فأظهر واحد من ملوكهم الطّاعة إسمه يلواش (٤٨) فتقدّم لتقبيل يد السّلطان، فلما قرب منه أخرج خنجرا كان أعدّه في كمّه فضرب السّلطان مراد فاستشهد - رحمه الله تعالى - سنة اثنين وتسعين وسبعمائة (٤٩)، فصار القانون العثماني من ذلك اليوم أن لا يدخل على السّلطان أيلجي ولا غيره بسلاح، وأن تفتّش ثيابه وأن لا يدخل / على السّلطان إلاّ بين رجلين يكتنفانه (٥٠)، فكانت مدة سلطنته إحدى وثلاثين سنة (٥١). السّلطان با يزيد خان الأول: وولي السّلطنة بعده السعيد يلدرم (٥٢) با يزيد (٥٣)، مولده سنة ثمان وخمسين وسبعمائة (٥٤) وولي السّلطنة وعمره اثنتان (٥٥) وأربعون سنة، واستولى ﵀ على

стр. 622

كثير من قلاع النّصارى وبلادهم وأراضيهم، فصارت النّصارى تلتمس إلى بعض ملوك الطّوائف في بلاد الرّوم الإستعانة (٥٦) على السّلطان يلدرم (٥٢) فلزمه - رحمه الله تعالى - أن يستولي على ملوك الطّوائف، وضيّق على جماعة منهم مثل إبن كرميان (٥٧) أخذه وحبسه مع أحد وزرائه، فهرب مع وزيره من الحبس إلى تيمور لنك، وهرب أيضا إبن منتشا (٥٨) منه وحلق لحيته وحواجبه وصار في صورة قلندري (٥٩) وهرب إلى تيمور لنك وكذلك ابن أيدين (٦٠) هرب (٦١) في صورة سقطي بياع (٦٢) الخرزات (٦٣)، وكذا إبن أسفنديار (٦٤) وغيرهم من أمراء تلك الدّيار وملوكها، فملك جميع بلادهم، فوصلوا (٦٥) إلى تيمور لنك وشكوا من (٦٦) السّلطان با يزيد (٦٧) خان، وحسّنوا له أن يصل إلى بلاد الرّوم، فوصل إلى البلاد الشّامية والحلبية (٦٨)، وقتل فيها وسفك الدّماء، وعاث في الأرض، وأخذ تلك البلاد، وأسّر أهلها ونهب المسلمين، وشرح ذلك يطول حسبما أشرنا إليه في ترجمة تيمور لنك، واستمرّ تيمور على الفساد (٦٩) إلى أن وصل إلى أذربيجان (٧٠)، فخرج با يزيد ﵀ إلى قتاله، فلما التقى الجمعان قرب أنقره (٧١) هرب من عساكر السّلطان با يزيد (٦٧) طائفة التّتار / وعسكر منتشا وعسكر

стр. 623

كرميان، وتركوا السّلطان با يزيد (٦٧) خان وذهبوا إلى تيمور لنك، واشتدّ الحرب وقتل من أولاد السّلطان با يزيد (٦٧) مصطفى، فشرع عسكره في الرجوع إلى خلف، وثبت السّلطان با يزيد (٦٧) وقليل ممّن معه واستمرّ يقاتل إلى أن وصل إلى تيمور بسيفه فقاتل بنفسه وقد عجزوا عنه فرموا عليه (٧٢) بساطا وأمسكوه (٧٣) فحبسوه (٧٤) حسبما أسلفنا (٧٥). فقبضوا عليه وحملوه عند إنصرافهم من بلاد الرّوم، فلم يزل معهم إلى أن وصلوا إلى حدود تبريز، وكان قصد تيمور أن يطلقه إذا وصلها لكن أخذه - رحمه الله تعالى - مرض الخناق وضيق النّفس فلم ينفع (٧٦) فيه الدّواء، ولمّا تحقّق - رحمه الله تعالى - فراغ العمر المعلوم، وحلول الأجل المحتوم، أوصى تيمور لنك (٧٧) وقال له: لي إليك (٧٨) ثلاث نصائح: أولاهن أن لا تقتل رجال الأروام فإنهم رداء الإسلام، وأنت أولى بنصرة الدّين لأنك تزعم أنك من المسلمين، ثانيهن أن لا تترك التّتار بهذه الدّيار فإنك إن تذرهم يملؤوها من قبائلهم نارا وهم على المسلمين أضرّ من النّصارى، ثالثهن أن لا تدير (٧٩) التخريب في قلاع المسلمين وحصونهم، ولا تجلهم عن مواطنهم وحركتهم وسكونهم، فإنها معاقل الدّين وملجأ الغزاة (٨٠) والمجاهدين، وهذه أمانة حمّلتكها، وولاية قلّدتكها، فقبلها بأحسن قبول وحمل الأمانة ذلك / الجهول ولمّا قضى نحبه - رحمه الله تعالى - تأسّف وحزن وبكى ودفن بتبريز، ثم نقله ولده موسى جلبي (٨١) بمعرفة (٨٢) تيمور إلى تربته بمدينة بروسا (٨٣) فتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثمانمائة (٨٤).

стр. 624

السّلطان محمّد خان: وخلف بعده أولاده (٨٥) وهم: موسى وعيسى وسليمان وقاسم ومحمد، فاستقل (٨٦) بالسّلطنة السّلطان محمد خان إبن السّلطان يلدرم بايزيد خان سنة ستّ عشرة وثمانمائة (٨٧)، ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة (٨٨)، وإستقلّ بالملك وعمره تسع وثلاثون سنة، فمكث في السّلطنة تسع سنين، وعاش ثمان وأربعين سنة، وكان شجاعا مقداما مجاهدا، إفتتح عدة قلاع وبلاد، فمن ذلك قلعة قسطمونية وقلعة أسكب (٨٩) وقلعة صامسون (٩٠) وأقشهر (٩١) وغيرها، ثمّ انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة خمس وعشرين وثمانمائة (٩٢). السّلطان مراد خان الثاني: ثمّ ولي بعده السّلطان مراد خان الثّاني ابن محمد خان بن يلدرم خان بايزيد، مولده سنة ست وثمانمائة (٩٣). جلس على تخت السّلطنة وعمره ثمانية عشر عاما، ومدة سلطنته إحدى وثلاثون سنة، وكان ملكا مطاعا مقداما، فتح الفتوحات كبلاد سمندرة وقلعة مورة (٩٤) وغير ذلك، وقاتل قرال أنكروس (٩٥) وهزمه وأسّر منه خلقا كثيرا، واستمرّ يجاهد الكفار إلى أن انتشا (٩٦) له ولده السّلطان محمّد فرآى أهليته لسرير السّلطنة فنزع عن الملك لولده (٩٧) وتوفّي وسنه تسع وأربعون سنة.

стр. 625

السّلطان محمّد الثاني: فتولّى ولده السّلطان محمّد بن مراد خان سنة ست وخمسين وثمانمائة (٩٨)، فجلس على التّخت / وقد استكمل عشرين سنة، وكانت مدة سلطنته إحدى وثلاثين سنة كأبيه (وكان من أعظم سلاطين آل عثمان، وهو الملك الأصيل، الفاضل النّبيل، الطاهر الجليل) (٩٩) أعظم السّلاطين جهادا، وأقواهم إقداما واجتهادا، وأشدّهم بأسا، وأقواهم على الحرب إيرادا، وأكثرهم على الله توكّلا واعتمادا، وهو الذّي دعّم ملك بني عثمان، وشدّ أركانه وأعلى مناره، وشدّ (١٠٠) بنيانه، قنّن لهم قوانين صارت كالأطواق في جيد الزّمان، وله مناقب جميلة، ومزايا فاضلة جليلة، وآثار (١٠١) باقية على صفحات اللّيالي والأيام، ومآثر لا يمحوها تعاقب السّنين والأعوام، وغزوات كسّر بها أصلاب (١٠٢) الصّلبان والأصنام، ورغم أنوف الكفرة اللئام، فمن أعظم غزواته، ولو لم يكن له سواها لكفت في علوّ شأنه وعزّة سلطانه، الغزوة العظمى التي فتح بها القسطنطينية الّتي كان بها افتخار الكفرة على الإسلام، ففتحها وبدّلها الله من رجس الكفر بطهارة الإسلام، فلما أراد غزوها ﵀ ساق إليها السّفن بحرا تجري رخاء وسيرا، وجهّز إليها العساكر برّا، وهجم عليها بجنوده، فالتقى الجمعان على أمر قد قدّر وأقدم عليها بخيله ورجله (١٠٣) فكان على الكافرين يوم نحس مستمرّ وعلى المسلمين يوم ظفر ونصر، فحاصرها ستّين (١٠٤) يوما أشدّ حصار، حتّى أتاه الله بالفتح المبين، ونزلت بنصره جنود النّصر والتّمكين / ففتحها في اليوم الواحد (١٠٥) والسّتين من أيّام محاصرتها وهو يوم الأربعاء تمام العشرين من جمادى الآخرة من شهور سنة سبع وخمسين (١٠٦) أو ست وخمسين

стр. 626

وثمانمائة، وصلّى في أكبر كنائسها صلاة الجمعة بعد جعلها مسجدا وهي المسماة أيا صوفيا (١٠٧)، فأبدلها الله من من الظّلمات بالنّور، ولا زالت محلاّ للعبادة وسببا للحسنى وزيادة، ومقرّ عزّ وسعادة، وما أحسن ما أنشده (١٠٨) الإمام البقاعي ﵀ في صورة هذا الفتح العظيم (١٠٩)، طالعها: سؤال جرى على لسان مراقب أمسى يخاطب بعض من سهرت عيناه يحرس في سبيل الله، وهي قصيدة من ثالث ضروب البحر الطويل وهو الضرب المحذوف والقافية متواترة (١١٠) مطلقة (١١١) مردف فقال (١١٢): [الطويل] أمن ذكر من تهوى اعتراك سهود (١١٣) ... أم القلب فيه للجحيم وقود أراك لا تزال موكّلا ... برعي الفيافي والأنام رقود كأنك مهجور (١١٤) وعدت (١١٥) بزورة ... فما يطرق العينين منك (١١٦) هجود تجيء وتمضي في السّلاح مسربلا ... كأنك ليث للظباء (١١٧) يصيد أما تختشي أن الحبيب يروعه ... لقاك فما ينفكّ (١١٨) منه صدود فضع عنك (١١٩) هذا الزي والقه سالما ... يذيقك طيبا للقاء وعود لقد ضل عن قصدي (١٢٠) الرقيب ولم يقع ... على حادث أمضي له وأعود

стр. 627

وسفّه في رأي رماني (١٢١) برجمه ... فما لي شغل عنه ثمّ سديد (١٢٢) ألم يدر هذا العمر أنّي إنّما ... أنافس في العلياء وهي جدود / وإنّي لعمري لا أحبّ سوى (١٢٣) اللّقا ... بجيش العدا لا ضمّ منه عديد أردّهم بالسّيف ضربا وإنهم ... ليقتل منهم بالزّحام جنود كأنهم هيم وسيفي بأثرهم ... بروق وزجري في القلوب رعود (ولم لا وقد سنّ النبيء محمد ... جهاد الأعادي فالجهاد حميد وسار ابن عثمان المليك محمد ... بذا العصر هذا السير فهو فريد) (١٢٤) ليهنك يا نجل الأكابر ما يرى ... من الشّرف الأعلى لأنت سعيد قصدت لأسطنبول وهي شهيرة ... فحقّق أن الرأي منك سديد بنيت عليها وهي بكر فأصبحت ... ووطؤك فيها للبرية عيد (١٢٥) أقمت عليها نحو ستّين ليلة ... وطير المنايا ما لهن ركود نصبت لرفع الدين أعلام جرهم ... فكم خرّ جزما في الهياج عمود وكم أغرقت روحا عيون دمائهم ... وحرّق من شهب السّهام مريد وكم مرّ من عيش حلي بربعها ... لهم وتغنت في المحافل غيد وكم أرشفتهم قهوة في كنيسة (١٢٦) ... مزخرفة (١٢٧) حسنا (١٢٨) الشمائل رود وكم ضحكت فيها كواعب (١٢٩) كنّس ... وطاب لتلك الغانيات نشيد فبدل (١٣٠) ذاك الضحك همّا وحسرة ... وضرّج فيها بالبكاء خدود

стр. 628

وعادت على تلك الوجوه كباوة ... وحلّ بها بعد الرّفاهة دود وكم قهروا من لوذعي سميدع ... وساعدهم دهر هناك مديد لقيتهم يوم الثلاثاء بكرة ... وقد قارئتكم للإله سعود وخضت إليهم غمرة البحر في الضّحى ... بحرب له شمّ (١٣١) الجبال تميد وجللت وجه البر بالخيل فوقها ... ليوث ترى (١٣٢) منها الليوث تحيد وكنت أشد الناس حزما (١٣٣) وجرأة ... وكم لك في حوض الحروب ورود / أتوا وكأنّ اللّيل أكناف جيشهم (١٣٤) ... دروعهم مثل البصائر سود فكنت إليهم أوّل الناس راقيا (١٣٥) ... وجرّدت (١٣٦) سيفا والصّقال جديد فكان كنجم والمحارب قادر (١٣٧) ... عنيد إليه بالنّكال يريد وثبّت (١٣٨) ذاك الجيش رجلا تجلّدا ... فطارت بريش النّبل منه (١٣٩) جلود بعثت إليهم عسكر الموت أسهما ... فأمسى به للعاويات (١٤٠) يجود وعادوا كلمح الطرف جلدا ممزّقا ... وما منهم إلاّ لديك (١٤١) حصيد ولم تغن شيئا كثرة الجمع عنهم ... وزاد نوح منهم وعديد ولما تولّوا مدبرين وللضنا ... انبساط إلى تلك الظّهور مديد أقمت عليهم قائم السيف حاكما ... فكلّ قضاء جار فيه سديد فصيرتهم قسمين وهو بوسطهم ... يقول: هم قتلى لكم وعبيد فدونكم أبناءهم ونساءهم ... وأموالهم ما دون ذاك عنيد ولمّا اصطففتم والخيول صواهل ... ترجّع في نغماتها فتجيد وعنفت سيفا قط لم يأل فاعتدى ... وحمرة خديه لديك تزيد فحكّمته فيهم وكان مطاوعا ... فقدّت رؤوس منهم وقدود رآى البيض من فوق الرّؤوس فظنّها ... لآلي تهويها (١٤٢) وحقك غيد

стр. 629

فصيرها منشورة (١٤٣) في جيوشكم ... تنظم منها في الجبال (١٤٤) عقود وكانوا على خيل يروع ضجيجها (١٤٥) ... فأضحوا وهم فوق التراب همود وكانوا وقوفا للضروب (١٤٦) فأصبحوا ... وهم في الرّبى لا للصّلاة سجود وقتّل أبطال جلاد وفرّقت ... جموع وكم جزّت هنا لك جيد وقدّت قلوب (١٤٧) بالمظالم أظلمت ... وطارت بماضي الشفرتين زنود وحلّق من فوق الرؤوس سلاسل ... ودارت على سوق الرّجال قيود / وكنتم ضحى تحت العجاج كأنكم ... ليوث عرين في الغمام ترود يحامون للشيطان (١٤٨) وهو عدوّهم ... وتحمي حمى الرّحمان وهو ودود وغودر منكم فتية (١٤٩) أحمدية ... تداعوا إلى دار السلام فنودوا فشتّان ما بين الفريقين حيّهم ... جحد (١٥٠) وأمّا ميتكم (١٥١) فشهيد وأحياؤكم خير العباد وميتهم ... له في لظى بعد الممات خلود وعدت وسيف الدّين قد طال متنه ... وجلّد (١٥٢) حدّ الكفر وهو حديد كذاك سميّ (١٥٣) المصطفى كان بطشه ... فلله بطش منه لهو شديد علا في مراقي العز حقا بحزمه ... وعزم له فوق النّجوم صعود حليم بصير بالأمور مجرّب ... صبور على ريب الزمان جليد لقد سار في الآفاق سؤدد مجده ... وطارت له في الخافقين بنود له عزمات ترعب البحر عند ما ... يصول ألم تنظر إليه يميد تقصّر عاد عن علاها وتنثني ... لها خضّعا من بعد ذاك ثمود وحزم توقّيه كيدها ... وتدفع عن أنصاره وتذود يحيّر من أحكامه كل معجب (١٥٤) ... وتبهر يونان (١٥٥) له وهنود هو المتّقي (١٥٦) بأس الإلاه وبأسه ... لكم ذاب منه جلمد وحديد

стр. 630

يجود ليحمي (١٥٧) بيضة الدين إن رآى ... وبالسيف للباغي تقام حدود فلا زال هذا الملك معتليا به ... يجدد أركان الهدى ويشيد ويصقل سيف الغزو في كل حجة ... فيبدئ نهج المصطفى ويعيد ويورثه ذرّية دام سعدها ... تبيد العدا بالقهر وهي تزيد وتعزى إلى عثمان جدّا وجدّها ... له دائما في العالمين جدود وتبقى على كرّ الدّهور يزينها ... عفاف وعدل في البلاد وجود / وتحفظ للمهدي الهدى فإذا أتى ... تؤدي إليه أمره فتسود. ولمّا تمكّن - رحمه الله تعالى - من القسطنطينية (١٥٨)، وتمّ أمر فتحها أسّس بها قواعد العدل والإحسان والخيرات، فمن جملة ذلك تأسيس العلم فيها بقدم راسخ لا يخشى عليه فيها الأفول، وبنى بها سنة خمس وستين وثمانمائة (١٥٩) وفرغ سنة خمس وسبعين وثمانمائة (١٦٠) جامعا معروفا الآن باسمه ومدرسة (١٦١) كالجنان لها ثمانية أبواب، وقنّن بها قوانين تطابق المعقول والمنقول، وترغب في طلب العلم الشّريف، وتكسو (١٦٢) للطالبين حلل (١٦٣) القبول، فجزاه الله خيرا عن المسلمين، وذلك أنه جعل لطلبة العلم أيام الطلب ما يسدّ فاقتهم قوتا ولباسا، وجعل لهم بعد ذلك مراقي (١٦٤) يرقون إليها إلى أن يصلوا إلى سعادة الدّنيا ويتوصلون بها إلى سعادة العقبى إن وفّق الله بفضله، وإنه - رحمه الله تعالى - إستجلب العلماء الأكابر من أقاصي البلاد، وأنعم عليهم، كالعلاّمة مولانا علي قوشجي (١٦٥) والفاضل الطوسي (١٦٦) والعلاّمة الكوراني وغيرهم من

стр. 631

علماء الإسلام، فصارت بهم أم الدّنيا، وإجتمع بها أهل الكمال من كل فن، فصار علماؤها من أعظم علماء الإسلام، وأهل حرفها من أدقّ الفطناء في الأنام، وأرباب دولها (١٦٧) من أهل السّعادة العظام (١٦٨)، وعساكرها وجيوشها من أعظم جيوش الإسلام، ومراكبها (بحرا وبرا) (١٦٩) وآلات حروبها من أعز ما يفتخر وينتصر به الأنام، خلّد الله عزّها، وأيّد الدّين بنصرها، وجعلها مقرّا لعقبه وعترته ما دام الدّين. وكانت (١٧٠) وقائعه - سقى الله ضريحه شئابيب الرّحمة والرضوان - / كثيرة، وغزواته شهيرة، فلا بدّ من الإلماع (١٧١) بطرف من ذلك، وذكر طرف من أخبار القسطنطينية (إتماما للفائدة بقدر الطاقة. نبذة تاريخية عن القسطنطينية قبل الفتح العثماني: فنقول: إن القسطنطينية) (١٧٢) أوّل من بناها من ملوك الرّوم قسطنطين بن قسنطنة (١٧٣)، وقسنطنة هو الذّي بنى قسنطينة ببلاد المغرب لمّا تملّك على بلاد الرّوم وما وراءها من الممالك إلى أفرنجة والمغرب وإفريقية، وسمّاها قسنطينة بإسمه، وإبنه قسطنطين هو أول من تنصّر من ملوك الرّوم، ثم تبعه من تبع (١٧٤) وكان أوّلا على دين الصابئة (١٧٥) يعبدون أصناما على أسماء الكواكب السّبعة، ثم إنه أشير لقسطنطين في المنام (١٧٦) أن يعمر حصنا في غاية الحصانة والإحكام، فاستشار أكابر خواصّه فوقع

стр. 632

اختيارهم على موضع يقابل القسطنطينية ويسمى بقاضي كولي، ويروى أنهم لما شرعوا في البناء في هذا المكان المذكور جاءت حيوانات على صور شتّى كالطيور والوحوش وما شاكلها وجعلت تخطف آلات البنائين ومكاتل (١٧٧) الفعلة ومعاول الحفّارين ودخلوا بها في البحر فاجتازوا إلى الجهة الغربية من البحر ليكشفوا أمر تلك الحيوانات فرأوا مكان القسطنطينية، وهي في غاية اللطافة، وكانت (١٧٨) إذ ذاك جزيرة خاليه مثلّثة الشّكل معروفة عند الأمم القديمة «سبت جبل» لسبع جبال كانت بها، وأوّل ما شرعوا في بناء الغلطة ويقال إن البحر من الجهة الغربية كان متّصلا من قبر أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - إلى المرسى (١٧٩) الجنوبية، وكان موضع / البلد جزيرة مستقلّة تدور المراكب حولها، فاستصوب بعض الملوك ردم الجانب الغربي ليسهل إليها السّلوك فردم، ويقال إن هذه المدينة عمّرت ثلاث مرات وتهلك، أما المرّة الأولى فخلت بالزّلزلة، وأما الثانية فبالطّاعون، وأما الثّالثة فبالتّنين والحيّات (١٨٠) والثّعابين، فاصطنع لها طلسم لدفع ذلك، ولعلّه الموجود الآن من النحاس على شكل ثلاث حيات (١٨٠) بالمكان المعروف بآت ميدان، فزال ضررها، وعمرت في هذه المدّة الرّابعة الباقية إلى الآن، وهي من الإقليم الخامس، بينها وبين مكّة المشرّفة ألف وثلاثمائة ميل (وسبع وثمانون ميلا ونصف ميل) (١٨١)، وبنى بها كنيسة عظيمة وهي التي تعرف الآن أيا صوفيا (١٨٢)، وقيل بنيت في العمارة الثّالثة، ولمّا شرع في بنائها أرسل إلى ملوك الأطراف يجمع (١٨٣) ما يحتاج إليه البناء، وطلب العواميد، (وكان بحرّان العواميد) (١٨٤) وهي قرية من أعمال دمشق كانت بها كنيسة عظيمة الشأن يتعبد بها إبراهيم الخليل ﵇ فهدموها، وأرسلوا منها عشرة أعمدة، قيل إن مقطعها بجبل سرنديب فانقطع من الأرض بعد الطوفان لأن الحجارة قبله كانت كالطين، فقطع ما قطع منه ثم يبس، وبقيّة الأعمدة

стр. 633

جيء بها من رومية وبلاد الحبشة، فلما كملت سقط نحو ثلثها ليلة ولادة المصطفى ﷺ وذلك من جهة المحراب، وكان الفراغ من بنائها على ما ذكره أصحاب تاريخ الروم لمضي / خمسة آلاف وثمانمائة وثلاثين (١٨٥) سنة من هبوط آدم ﵇ إلى الأرض، وتداولتها ملوك الرّوم إلى مبعث رسول الله ﷺ وملكها إذ ذاك قيصر (١٨٦) فبعث إليه رسول الله ﷺ كتابه الشريف يدعوه إلى الله ودينه القويم مع سيّدنا دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - فلقيه بحمص وقيصر ماش للقسطنطينية، فلمّا لقيه أعطاه الكتاب ففتحه فإذا فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمّد رسول الله إلى قيصر صاحب الرّوم، السّلام على من إتبع الهدى، أما بعد: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ (١٨٧) الآية، وفيه آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله، ويزهده في ملكه ويرغّبه في الآخرة، ويحذّره بطش الله وبأسه»، فقرأ قيصر الكتاب، وقال: «يا معشر الروم إني لأظن أن هذا هو الّذي بشّر به عيسى بن مريم ﵇ ولو علمت أنه هو لمضيت إليه وخدمته بنفسي لا يسقط ماء وضوئه إلاّ على يدي»، قالوا: «ما كان الله ليجعل ذلك في الأعراب الأمّيّين ويدعنا ونحن أهل الكتاب»، فطلب من العرب من يسأله عن أحوال النبيء ﷺ فأتاه أبو سفيان وأصحابه، فقال: أخبرني يا أبا سفيان عن حال هذا الرجل الذي بعث فيكم، فقال: أيها الملك لا يكبر عليك شأنه، إنا نقول إنه ساحر ونقول هو شاعر ونقول هو كاهن، قال قيصر /: كذلك والّذي نفسي بيده كان يقال للأنبياء قبله كذلك، فما زال قيصر يسأل وهم يجيبونه حتى قال: ما تزيدونني فيه إلاّ بصيرة، والّذي نفسي بيده ليوشك أن يغلب على ما تحت قدمي، يا معشر الرّوم هلمّ نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه، ونسأله الشام أن لا يوطأ، فقالوا له: كيف تسأله ملك الّذي تحت رجليك وهو هنا لك لا يملك من ذلك شيئا، فمن أضعف منك؟ فقال: يا معشر الرّوم أليس تعلمون أن بين عيسى وبين السّاعة نبيء بشّركم به عيسى ﵇ كنتم ترجون أن يجعله الله منكم لا في غيركم وهي رحمة الله يضعها حيث يشاء، فلما رآى ممانعتهم إياه، وخاف

стр. 634

ذهاب ملكه منهم سكت عنهم، ثم قال: يا معشر الرّوم دعاكم ملككم ليرى كيف صلابتكم في دينكم، فدعوا له وخرّوا له سجّدا، فلمّا هلك قيصر ملك بعده ابنه قيصر (١٨٨) وذلك في أيّام أبي بكر الصّديق - رضي الله تعالى عنه - ثم ملك بعده هرقل إبن قيصر (١٨٩) في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه - وهو الّذي حاربه أمراء الإسلام حتّى فتحوا بلاد الشّام مثل أبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهم حتّى أخرجوهم، وكان الملك على الرّوم مورق بن هرقل (١٩٠) (في خلافة عثمان بن عفّان - رضي الله تعالى عنه - وفي خلافة علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وأيام معاوية ثم ملك بعده قليط ابن مورق (١٩١)) (١٩٢) بقيّة أيام معاوية، واستمى أيّام يزيد بن معاوية وأيام مروان، ومددا من أيام عبد الملك بن مروان، ثم ملك أليون (١٩٣) في بقيّة أيّام عبد الملك (وأيّام الوليد وأيّام سليمان بن عبد الملك) (١٩٤) وخلافة عمر بن عبد العزيز، فكان إضطراب أليون المذكور من أمر مسلمة بن عبد الملك وغزو المسلمين برّا وبحرا. وقصّته على ما ذكر الشّيخ الأكبر (١٩٥) - قدّس الله سرّه - في مسامرة الأخيار (١٩٦) إن عبد الملك بن مروان لمّا جهّز إبنه مسلمة إلى القسطنطينية لغزو أليون إنتخب من المسلمين ثمانين ألف رجل من أهل البأس والنجدة وأمّره عليهم، فتوجّهوا نحو بلاد الرّوم، وهم يغزون الكفّار في طريقهم (١٩٧)، ويغنمون الغنائم حتى وصلوا إلى شاطئ بحر

стр. 635

القسطنطينية فأقاموا هناك ثمانية أشهر حتّى هيؤوا لهم سفنا فركبوا فيها فقاتلهم أهل المدينة في البحر ثلاثة أيام حتّى وصلوا إلى الجزيرة التّي فيها القسطنطينية، فأقام مسلمة بتلك الجزيرة وبعث إلى أهل عمله من بلاد الرّوم الّتي افتتحها في طريقه وأمرهم أن يبنوا له مدينة فرسخين في فرسخين، فأقاموا فيها، وصارت بلاد الروم كلّها في يد مسلمة ما بين الشام إلى جزيرة القسطنطينية، وجيء إليه بالخراج، وأقاموا يحاصرونها سبع سنين، وسمّى المدينة الّتي بناها مدينة القهر لأنه قهرهم عليها، وهي مدينة الغلطة، ولقد / غرسوا فيها من (١٩٨) أنواع الفواكه فأثمرت، وأقاموا إقامة قوم لا يرجعون إلى بلادهم، وكانوا مع هذا يغزونهم كلّ يوم، وكان أبو محمد البطال معه يقتل من الكفّار ما بين الخمسين إلى المائة حتى قتل منهم في تلك الأيام خلقا كثيرا، فلما اشتدّ الحصار بهم كتب ملك الروم إلى مسلمة يطلب منه الصّلح وأن يعطيه في كلّ سنة عشرة آلاف أوقية فضة (وخمسة آلاف أوقية ذهبا) (١٩٩) وخمسة آلاف رمكة، فلم يرض مسلمة بذلك واستمروا واقفين بباب المدينة سبعة أيام لا يفتر أحد منهم ولا يرجعون إلى مدينتهم، وهم يومئذ ستّون ألف مقاتل، فلمّا نظر أليون إلى ذلك قال لمسلمة: ما الّذي تريده؟ قال له مسلمة: عزمت أن لا أرجع حتى أدخل مدينتك، فقال له أليون: أدخل وحدك ولك الأمان، فقال له مسلمة: نعم على أن آمر البطال وأصحابه يقفون على باب القسطنطينية ولا يغلقون الباب، فقال له: لك ذلك، ففتح الباب، ولم يفتح قبل ذلك سبع سنين إلاّ للقتال، فوقف البطّال داخل عتبة الباب ثابتا لا يزول ولا يتحرك، وقال (٢٠٠) مسلمة: إني داخل، فانتظروني على الباب فإن صلّيتم العصر ولم أخرج فاهجموا بخيلكم على المدينة، واقتلوا من أصبتم والأمير بعدي محمد بن مروان، فركب على فرسه الأشهب، وعليه ثياب بيض وعمامة متقلّد بسيفين وبيده الرّمح، فصفّ له ملك الرّوم عسكره بالخيل يمينا وشمالا من باب أدرنة إلى باب أيا صوفيا وهي كنيستهم العظمى كلّما / مرّ بقوم ساروا خلفه وقد رمقوه بأبصارهم، وهم متعجبون من شجاعته وجرأته وشدته، فلم يزل يتقدم حتى وصل إلى باب الكنيسة (٢٠١) وهو راكب على فرسه، فخرج إليه ملك الرّوم أليون، وقبّل يده،
следующие страницы →