← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

علماء الإسلام، فصارت بهم أم الدّنيا، وإجتمع بها أهل الكمال من كل فن، فصار علماؤها من أعظم علماء الإسلام، وأهل حرفها من أدقّ الفطناء في الأنام، وأرباب دولها (١٦٧) من أهل السّعادة العظام (١٦٨)، وعساكرها وجيوشها من أعظم جيوش الإسلام، ومراكبها (بحرا وبرا) (١٦٩) وآلات حروبها من أعز ما يفتخر وينتصر به الأنام، خلّد الله عزّها، وأيّد الدّين بنصرها، وجعلها مقرّا لعقبه وعترته ما دام الدّين. وكانت (١٧٠) وقائعه - سقى الله ضريحه شئابيب الرّحمة والرضوان - / كثيرة، وغزواته شهيرة، فلا بدّ من الإلماع (١٧١) بطرف من ذلك، وذكر طرف من أخبار القسطنطينية (إتماما للفائدة بقدر الطاقة. نبذة تاريخية عن القسطنطينية قبل الفتح العثماني: فنقول: إن القسطنطينية) (١٧٢) أوّل من بناها من ملوك الرّوم قسطنطين بن قسنطنة (١٧٣)، وقسنطنة هو الذّي بنى قسنطينة ببلاد المغرب لمّا تملّك على بلاد الرّوم وما وراءها من الممالك إلى أفرنجة والمغرب وإفريقية، وسمّاها قسنطينة بإسمه، وإبنه قسطنطين هو أول من تنصّر من ملوك الرّوم، ثم تبعه من تبع (١٧٤) وكان أوّلا على دين الصابئة (١٧٥) يعبدون أصناما على أسماء الكواكب السّبعة، ثم إنه أشير لقسطنطين في المنام (١٧٦) أن يعمر حصنا في غاية الحصانة والإحكام، فاستشار أكابر خواصّه فوقع

стр. 632

اختيارهم على موضع يقابل القسطنطينية ويسمى بقاضي كولي، ويروى أنهم لما شرعوا في البناء في هذا المكان المذكور جاءت حيوانات على صور شتّى كالطيور والوحوش وما شاكلها وجعلت تخطف آلات البنائين ومكاتل (١٧٧) الفعلة ومعاول الحفّارين ودخلوا بها في البحر فاجتازوا إلى الجهة الغربية من البحر ليكشفوا أمر تلك الحيوانات فرأوا مكان القسطنطينية، وهي في غاية اللطافة، وكانت (١٧٨) إذ ذاك جزيرة خاليه مثلّثة الشّكل معروفة عند الأمم القديمة «سبت جبل» لسبع جبال كانت بها، وأوّل ما شرعوا في بناء الغلطة ويقال إن البحر من الجهة الغربية كان متّصلا من قبر أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - إلى المرسى (١٧٩) الجنوبية، وكان موضع / البلد جزيرة مستقلّة تدور المراكب حولها، فاستصوب بعض الملوك ردم الجانب الغربي ليسهل إليها السّلوك فردم، ويقال إن هذه المدينة عمّرت ثلاث مرات وتهلك، أما المرّة الأولى فخلت بالزّلزلة، وأما الثانية فبالطّاعون، وأما الثّالثة فبالتّنين والحيّات (١٨٠) والثّعابين، فاصطنع لها طلسم لدفع ذلك، ولعلّه الموجود الآن من النحاس على شكل ثلاث حيات (١٨٠) بالمكان المعروف بآت ميدان، فزال ضررها، وعمرت في هذه المدّة الرّابعة الباقية إلى الآن، وهي من الإقليم الخامس، بينها وبين مكّة المشرّفة ألف وثلاثمائة ميل (وسبع وثمانون ميلا ونصف ميل) (١٨١)، وبنى بها كنيسة عظيمة وهي التي تعرف الآن أيا صوفيا (١٨٢)، وقيل بنيت في العمارة الثّالثة، ولمّا شرع في بنائها أرسل إلى ملوك الأطراف يجمع (١٨٣) ما يحتاج إليه البناء، وطلب العواميد، (وكان بحرّان العواميد) (١٨٤) وهي قرية من أعمال دمشق كانت بها كنيسة عظيمة الشأن يتعبد بها إبراهيم الخليل ﵇ فهدموها، وأرسلوا منها عشرة أعمدة، قيل إن مقطعها بجبل سرنديب فانقطع من الأرض بعد الطوفان لأن الحجارة قبله كانت كالطين، فقطع ما قطع منه ثم يبس، وبقيّة الأعمدة

стр. 633

جيء بها من رومية وبلاد الحبشة، فلما كملت سقط نحو ثلثها ليلة ولادة المصطفى ﷺ وذلك من جهة المحراب، وكان الفراغ من بنائها على ما ذكره أصحاب تاريخ الروم لمضي / خمسة آلاف وثمانمائة وثلاثين (١٨٥) سنة من هبوط آدم ﵇ إلى الأرض، وتداولتها ملوك الرّوم إلى مبعث رسول الله ﷺ وملكها إذ ذاك قيصر (١٨٦) فبعث إليه رسول الله ﷺ كتابه الشريف يدعوه إلى الله ودينه القويم مع سيّدنا دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - فلقيه بحمص وقيصر ماش للقسطنطينية، فلمّا لقيه أعطاه الكتاب ففتحه فإذا فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمّد رسول الله إلى قيصر صاحب الرّوم، السّلام على من إتبع الهدى، أما بعد: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ (١٨٧) الآية، وفيه آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله، ويزهده في ملكه ويرغّبه في الآخرة، ويحذّره بطش الله وبأسه»، فقرأ قيصر الكتاب، وقال: «يا معشر الروم إني لأظن أن هذا هو الّذي بشّر به عيسى بن مريم ﵇ ولو علمت أنه هو لمضيت إليه وخدمته بنفسي لا يسقط ماء وضوئه إلاّ على يدي»، قالوا: «ما كان الله ليجعل ذلك في الأعراب الأمّيّين ويدعنا ونحن أهل الكتاب»، فطلب من العرب من يسأله عن أحوال النبيء ﷺ فأتاه أبو سفيان وأصحابه، فقال: أخبرني يا أبا سفيان عن حال هذا الرجل الذي بعث فيكم، فقال: أيها الملك لا يكبر عليك شأنه، إنا نقول إنه ساحر ونقول هو شاعر ونقول هو كاهن، قال قيصر /: كذلك والّذي نفسي بيده كان يقال للأنبياء قبله كذلك، فما زال قيصر يسأل وهم يجيبونه حتى قال: ما تزيدونني فيه إلاّ بصيرة، والّذي نفسي بيده ليوشك أن يغلب على ما تحت قدمي، يا معشر الرّوم هلمّ نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه، ونسأله الشام أن لا يوطأ، فقالوا له: كيف تسأله ملك الّذي تحت رجليك وهو هنا لك لا يملك من ذلك شيئا، فمن أضعف منك؟ فقال: يا معشر الرّوم أليس تعلمون أن بين عيسى وبين السّاعة نبيء بشّركم به عيسى ﵇ كنتم ترجون أن يجعله الله منكم لا في غيركم وهي رحمة الله يضعها حيث يشاء، فلما رآى ممانعتهم إياه، وخاف

стр. 634

ذهاب ملكه منهم سكت عنهم، ثم قال: يا معشر الرّوم دعاكم ملككم ليرى كيف صلابتكم في دينكم، فدعوا له وخرّوا له سجّدا، فلمّا هلك قيصر ملك بعده ابنه قيصر (١٨٨) وذلك في أيّام أبي بكر الصّديق - رضي الله تعالى عنه - ثم ملك بعده هرقل إبن قيصر (١٨٩) في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه - وهو الّذي حاربه أمراء الإسلام حتّى فتحوا بلاد الشّام مثل أبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهم حتّى أخرجوهم، وكان الملك على الرّوم مورق بن هرقل (١٩٠) (في خلافة عثمان بن عفّان - رضي الله تعالى عنه - وفي خلافة علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وأيام معاوية ثم ملك بعده قليط ابن مورق (١٩١)) (١٩٢) بقيّة أيام معاوية، واستمى أيّام يزيد بن معاوية وأيام مروان، ومددا من أيام عبد الملك بن مروان، ثم ملك أليون (١٩٣) في بقيّة أيّام عبد الملك (وأيّام الوليد وأيّام سليمان بن عبد الملك) (١٩٤) وخلافة عمر بن عبد العزيز، فكان إضطراب أليون المذكور من أمر مسلمة بن عبد الملك وغزو المسلمين برّا وبحرا. وقصّته على ما ذكر الشّيخ الأكبر (١٩٥) - قدّس الله سرّه - في مسامرة الأخيار (١٩٦) إن عبد الملك بن مروان لمّا جهّز إبنه مسلمة إلى القسطنطينية لغزو أليون إنتخب من المسلمين ثمانين ألف رجل من أهل البأس والنجدة وأمّره عليهم، فتوجّهوا نحو بلاد الرّوم، وهم يغزون الكفّار في طريقهم (١٩٧)، ويغنمون الغنائم حتى وصلوا إلى شاطئ بحر

стр. 635

القسطنطينية فأقاموا هناك ثمانية أشهر حتّى هيؤوا لهم سفنا فركبوا فيها فقاتلهم أهل المدينة في البحر ثلاثة أيام حتّى وصلوا إلى الجزيرة التّي فيها القسطنطينية، فأقام مسلمة بتلك الجزيرة وبعث إلى أهل عمله من بلاد الرّوم الّتي افتتحها في طريقه وأمرهم أن يبنوا له مدينة فرسخين في فرسخين، فأقاموا فيها، وصارت بلاد الروم كلّها في يد مسلمة ما بين الشام إلى جزيرة القسطنطينية، وجيء إليه بالخراج، وأقاموا يحاصرونها سبع سنين، وسمّى المدينة الّتي بناها مدينة القهر لأنه قهرهم عليها، وهي مدينة الغلطة، ولقد / غرسوا فيها من (١٩٨) أنواع الفواكه فأثمرت، وأقاموا إقامة قوم لا يرجعون إلى بلادهم، وكانوا مع هذا يغزونهم كلّ يوم، وكان أبو محمد البطال معه يقتل من الكفّار ما بين الخمسين إلى المائة حتى قتل منهم في تلك الأيام خلقا كثيرا، فلما اشتدّ الحصار بهم كتب ملك الروم إلى مسلمة يطلب منه الصّلح وأن يعطيه في كلّ سنة عشرة آلاف أوقية فضة (وخمسة آلاف أوقية ذهبا) (١٩٩) وخمسة آلاف رمكة، فلم يرض مسلمة بذلك واستمروا واقفين بباب المدينة سبعة أيام لا يفتر أحد منهم ولا يرجعون إلى مدينتهم، وهم يومئذ ستّون ألف مقاتل، فلمّا نظر أليون إلى ذلك قال لمسلمة: ما الّذي تريده؟ قال له مسلمة: عزمت أن لا أرجع حتى أدخل مدينتك، فقال له أليون: أدخل وحدك ولك الأمان، فقال له مسلمة: نعم على أن آمر البطال وأصحابه يقفون على باب القسطنطينية ولا يغلقون الباب، فقال له: لك ذلك، ففتح الباب، ولم يفتح قبل ذلك سبع سنين إلاّ للقتال، فوقف البطّال داخل عتبة الباب ثابتا لا يزول ولا يتحرك، وقال (٢٠٠) مسلمة: إني داخل، فانتظروني على الباب فإن صلّيتم العصر ولم أخرج فاهجموا بخيلكم على المدينة، واقتلوا من أصبتم والأمير بعدي محمد بن مروان، فركب على فرسه الأشهب، وعليه ثياب بيض وعمامة متقلّد بسيفين وبيده الرّمح، فصفّ له ملك الرّوم عسكره بالخيل يمينا وشمالا من باب أدرنة إلى باب أيا صوفيا وهي كنيستهم العظمى كلّما / مرّ بقوم ساروا خلفه وقد رمقوه بأبصارهم، وهم متعجبون من شجاعته وجرأته وشدته، فلم يزل يتقدم حتى وصل إلى باب الكنيسة (٢٠١) وهو راكب على فرسه، فخرج إليه ملك الرّوم أليون، وقبّل يده،

стр. 636

فدخل الكنيسة راكبا على فرسه فجزعت الرّوم من ذلك جزعا شديدا، فلمّا دخل الكنيسة نظر إلى صليبهم الأعظم، وهو موضوع على كرسي من ذهب وعيناه ياقوتتان وأنفه زبرجدة خضراء، فلمّا نظر مسلمة إلى الصّليب أخذه فوضعه على قربوس (٢٠٢) سرجه، فقالت الرهبان لأليون: لا تدعه يأخذه، فقال له أليون: إن الرّوم لا ترضى بهذا، فحلف أن لا يخرج حتى يأخذه معه، فقال أليون للرّوم: دعوه يخرج به ولكم علي مثله، وإن لا دخل عليكم البطّال إن استبطأه فأخذه وخرج وهو راكب وأليون ماش في خدمته، فخرج والصّليب على رأس رمحه (بعد العصر) (٢٠٣) وكان القوم قد همّوا بالدّخول، فلمّا نظروا إليه كبّروا تكبيرة واحدة فكادت الأرض تمور بهم وسرّوا بخروج مسلمة سرورا عظيما، فأرسل أليون المال الّذي عهد إليه به، وبه تاج مرصّع فباعوا (٢٠٤) التّاج من بطارقة الرّوم بمائة ألف دينار، ثم عرض النّاس فكانوا يومئذ أربعة وأربعين ألفا قد أصابهم الجهد، فقسّم المال عليهم، ثم قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم صلّى على النبيء ﷺ / ثم قال: أيّها الناس إني في غمرات الموت منذ سبع سنين لم أحب أن أخبركم وكرهت أن أفشلكم عن قتال عدوّكم، وقد توفّي خليفتكم عبد الملك، وولي إبنه الوليد فمات، وولي أخوه سليمان بن عبد الملك فبايعوا له، فأقاموا بعد ذلك ثلاثة أشهر بالمدينة حتى أصلحوا سفنهم، ثم أمر أبا محمّد البطّال أن يحمل المسلمين في السفن، فلم يزل ذلك دأبه حتى عدّى الناس كلّهم، وبقي مسلمة، فقبل أليون رجله وودعه، وعبر السفينة هو ومائة فارس، ولم يتخلف بالجزيرة منهم أحد، وتوجّهوا نحو بلادهم، ففي أثناء الطريق أتاه كتاب عمر بن عبد العزيز بموت سليمان بن عبد الملك وبخلافته، وأن يقدم بمن معه جميعا، فقدموا دمشق في ثلاثين ألف. وذكر المولى جنابي في تاريخه أنّ الذي اشتهر عند البطّال الغازي (٢٠٥) هو أبو محمد جعفر ابن السّلطان حسين بن ربيع بن علي بن عبّاس سكن بقرية الشّيحة (٢٠٦) المرسومة (٢٠٧) بمدينة السيد غازي وبها قبره يزار، زوّج أخته لعمر بن زياد بن عمرو بن

стр. 637

معد فولد له بنت اسمها «نظير الجمال» زوّجها لعلي بن مضراب أمير التّركمان بالدّيار الرّومية، فولد منها ولدا سماه أحمد ولقبه دان شمند الغازي، وهو أوّل من ملك من (٢٠٨) الطّائفة الشّمندية، وكان عالما فاضلا كاملا، وعاش السّلطان طورسان بن علي ابن بنت جعفر البطّال بمدينة ملطية (٢٠٩)، وسار سيرة جدّه البطّال (٢١٠) من الجهاد في / سبيل الله، وطلبا من الخليفة الإذن في الجهاد، فأذن لهما وولاّهما على البلاد الّتي تفتح لهما، فجمعا من العساكر نحو أربعين ألفا وتوجّها بنية الجهاد في شهر رجب سنة ستين وستمائة (٢١١) من مدينة ملطية، فغزا السّلطان طورسان بنصف العسكر على ساحل البحر الأسود وهو بحر الكفّار إلى أن وصل إلى (٢١٢) قرب قسطنطينية، فبنى بالجبل المرسوم بعلم طاغي قلعة عالية، ولم يزل يحارب الكفّار ولم ينجده أحد من المسلمين إلى أن قتل هو ومن معه، فلم يبق منهم أحد، يقال إن الدّعاء هناك مستجاب. وأما الملك دان شمند فإنه سار بمن معه من العسكر حتّى وصل إلى مدينة سيواس فبناها وجعلها مقرّ سلطنته، وكان جعفر البطّال إستخلص سيواس (٢١٣) من يد الكفّار، وجعلها دارا للإسلام (٢١٤)، وكان الأمير عثمان جد العثمانية (٢١٥) أوّل من (٢١٦) وصل من بلاد المشرق بتلك الأماكن مع والده أرطغرل (٢١٧) علاء الدين (٢١٨) السلجوقي، فأرسله السّلطان دان شمند ومعه خمسة آلاف رجل ففتح قسطموني (٢١٩)، واستولى على معدن الفضّة وضرب الدّراهم بإسم دان شمند، وعزم دان شمند لفتح نكسار فاستشهد، فتولّى مكانه ولده الغازي محمّد، وكان مجاهدا.

стр. 638

ففي سنة ثمان وعشرين وستمائة (٢٢٠) هجم الإفرنج على الشّام وأخربوا غالبه، فوصل إليهم الغازي محمّد فأبادهم / بالقتل والسّبي. وفي سنة سبع وثلاثين وستمائة (٢٢١) توفي فولي بعده ولده نظام الدّين أبو المظفّر باغي يوصان، فتوفي سنة إثنتين وستين وستمائة (٢٢٢)، وتولّى بعده المجاهد جمال الدّين فتوفّي سريعا، فتولّى عمّه ابراهيم، فتولّى بعد ابراهيم ولده اسماعيل، فتولّى بعده ذو النّون بن محمّد وهو آخر الدّانشمندية، فاستولى بعدهم السّلجوقية، ثم بعدهم العثمانية. فتح محمّد خان للقسطنطينية وغيرها: ولمّا أفضى الملك لآل عثمان، واستولوا على أكثر ممالك الرّوم، ولم يبق لهم إسم من فتح القسطنطينية تأهّبوا لفتحها، فلمّا أفضت السّلطنة إلى السّلطان محمد خان - رحمه الله تعالى - شرع في مهمات فتحها ومقدماته، وهي من أعظم البلدان وأكثرها أهلا وأمنعها حصنا لإحاطة البحر بها من كلّ جانب إلاّ الطّرف الغربي، وهو طرف يسير، حصّنوه بثلاثة أسوار وعدة خنادق يجري فيها ماء البحر مع ما فيها من المكاحل والمدافع فأظهر السّلطان مسالمة صاحب قسطنطينية، وذلك في سنة ست وخمسين وثمانمائة (٢٢٣)، ثمّ طلب من طرف بلاده أرضا مقدار جلد ثور عيّنها له فاستقلّ ذلك صاحب قسطنطينية، وقال: سبحان الله وما يفعل به. فهو له! فأرسل السّلطان محمّد - رحمه الله تعالى - البنّائين والصّناع فاجتازوا الخليج فقدوا جلد الثّور (٢٢٤) قدّا رقيقا على صورة الخيط وبسطوه على الأرض على أضيق محل من فم الخليج فبنوا على المقدار (٢٢٥) الّذي أحاط به ذلك الجلد / سورا منيعا شامخا، وحصنا رفيعا باذخا (٢٢٦)، فركّب فيه المدافع ثم بنى في مقابلة ذلك الحصن في بر أناظولي حصنا آخر وهو طرف

стр. 639

بلاده، وشحنهما بالآلات النّارية حتى ضبط فم الخليج، فلم يقدر يسلكه شيء بعد من مراكب بحر نيطس (٢٢٧) إلى القسطنطينية وإلى بحر الرّوم، ثمّ ثنى عزمه إلى مدينة أدرنة، فأمر بإنشاء دار السّعادة الجديدة، فشرعوا في بنائها، ثم أمر بسبك المدافع الكبار وعمل (٢٢٨) المكاحل لأجل فتح القسطنطينية، فأكثروا منها، ثمّ لمّا تكاملت الآلات والأسباب المتعلّقة بالقتال نهض للفتح، وكان قد أنشأ أربعمائة غراب هو وأبوه من قبله فأرساها عند الحصن الّذي ابتناه على قدر الجلد الموسومة ببقركس، فأمر بتلك الأغربة فسحبت إلى البر بعد أن جعلت تحتها دواليب تجري عليها كالعجلة، وشحنها بالرّجال (٢٢٩) والأبطال، ثم أمر بنشر أقلعتها فنشرت في ريح شديدة موافقة، فساروا في البرّ على هذه الهيئة حتى انصبّوا إلى الخليج الواقع شمال البلد من طرف مدينة غلطة، فامتلأ الخليج من تلك الأغربة، ثم قربوا بعضها من بعض، ثم ربطوها بالسّلاسل فصارت جسرا ممدودا ومعبرا لطيفا للمسلمين، وكان أهل البلد آمنين من هذه الجهة فلم يحصّنوها وإنّما كان خوفهم من جهة البرّ والبحر فكانوا حصّنوها (٢٣٠) وغفلوا عن هذه / الجهة لأمر دبّره الله تعالى، فشرع المسلمون في القتال والحصار من جهة البرّ والبحر، وكان أهل البلد لمّا سمعوا بقصد المسلمين عليهم إستمدوا من الإفرنج فأمدّوهم بجيش عظيم وعدد فتقووا بذلك فأعيى المسلمسن أمرها، وكان السّلطان محمّد أرسل وزيره أحمد باشا ابن ولي الدّين قبل هذا التاريخ إلى خدمة العارف بالله الشّيخ شمس الدّين آق (٢٣١) وإلى خدمة الشيخ آق بيق يدعوهما إلى الجهاد وإلى الحضور معه في فتح القسطنطينية (فحضرا وبشّر الشيخ شمس الدّين الوزير المذكور بالنّصر وقال: ستفتح القسطنطينية) (٢٣٢) إن شاء الله تعالى على يد المسلمين في هذا العام، وسيدخلونها من الموضع الفلاني في اليوم الفلاني في هذا العام وقت الضّحوة الكبرى، وأنت تكون واقفا

стр. 640

حينئذ عند السّلطان محمد، فبشّر الوزير السّلطان بما بشّر به الشّيخ من خبر الفتح، فلما صار ذلك الوقت الموعود ولم تفتح القلعة حصل للوزير خوف شديد من جهة السّلطان فذهب إلى الشّيخ فمنعوه من الدّخول عليه لأنه أوصى جماعته أن لا يدخلوا عليه أحدا، فرفع الوزير أطناب الخيمة فنظر فإذا الشّيخ ساجد على التّراب ورأسه مكشوف وهو يتضرع ويبكي، فما رفع الوزير رأسه إلاّ وقد رفع (٢٣٣) الشّيخ رأسه وقام على رجليه وكبّر وقال: الحمد لله الّذي منحنا فتح هذه المدينة، قال الوزير: / فنظرت إلى جانب المدينة فإذا العسكر قد دخل بأجمعه ففتح الله ببركة دعائه في ذلك الوقت، وكانت دعوته تخرق السّبع الطّباق، فلمّا دخل السّلطان محمد خان المدينة نظر إلى جانبه فإذا وزيره إبن ولي الدّين واقف عنده فقال: هذا ما أخبر به الشيخ الأجل، وقال: ما فرحت بهذا الفتح، وإنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زماني (٢٣٤)، وقد كان طبيب الأشباح والأرواح، فكانت الأعشاب إذا مرّ بها تناديه وتقول: أنا أنفع للمرض (٢٣٥) الفلاني، وكان في أيام المحاصرة لمّا حصل الإعياء (٢٣٦) والفتور من الجند أمر أن ينادى في الناس أن الغنائم كلّها والأموال والدّواب لهم، ويكفيني فتح المدينة، فنشط الناس وذهب كللهم وإعياؤهم، وهذا الفتح من أعظم فتوح الإسلام الجليلة، وكم رامه من الخلفاء والملوك وصرفوا هممهم وبذلوا أموالهم، وأفنوا أعمارهم وعساكرهم فما نالوه، وحبى الله به هذا السّلطان، وضمّن بعضهم تاريخ الفتح في قوله: [الرمل] رام أمر الفتح قوم أوّلون ... حازه بالنّصر قوم آخرون (٢٣٧) فوقع لفظ آخرون تاريخ فتح المدينة بعدد حساب الحروف، وقيل في تاريخها أيضا «بلدة طيبة»، ولمّا دخل السّلطان المدينة سارع بالتّوجّه إلى كنيستها وجعلها مسجدا جامعا للمسلمين، ثم إلتمس من الشيخ شمس الدّين / أن يريه (٢٣٨) موضع قبر أبي أيوب الأنصاري (٢٣٩) - رضي الله تعالى عنه - فقال الشيخ إني شاهدت في موضع نورا لعلّ

стр. 641

قبره (٢٤٠) هناك، فجاء إليه وتوجّه زمانا ثم قال: إجتمعت مع روحه فهنّاني بهذا الفتح، وقال: شكر الله سعيكم خلّصتموني من ظلمة الكفر، فأخبر السّلطان بذلك فحضر بنفسه إلى هنا لك، فقال: ألتمس منك يا مولانا الشيخ أن تريني علامة أراها بعيني ويطمئن بذلك قلبي، فتوجه الشيخ (٢٤١) ساعة ثم قال (٢٤٢): أحفروا هنا (٢٤٣) في هذا الموضع، وهو من جانب الرّأس من القبر مقدار ذراعين يظهر لكم رخام عليه خطّ عبراني، فلمّا حفروا ظهر رخام عليه خطّ فقرأه من يعرفه وفسّره، فإذا هو: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري، فتحير السّلطان محمد، وغلب عليه الحال حتى كاد أن يسقط لولا أن أمسكوه (٢٤٤)، ثم أمر ببناء القبّة عليه (٢٤٥) وأمر ببناء الجامع والحجرات (٢٤٦)، والتمس من الشيخ شمس الدّين آق أن يجلس في ذلك المكان مع توابعه فامتنع واستأذن في الرجوع إلى وطنه «قصبة كونيك» فأذن له السّلطان تطييبا لقلبه، ولمّا دخل المسلمون القسطنطينية أرسل صاحب الغلطة مفاتيح قلعتها ففتحت ودخل المسلمون وسارعوا إلى مسجدها القديم الّذي كان بناه مسلمة بن عبد الملك يوم حصارها وكان الكفّار صيّروه / كنيسة لهم، وفي هذه السنة بعث أهل سلوري وهي من أمنع الحصون وأحسنها موقعا بمفتاح (٢٤٧) قلعتها، وكذلك بمفتاح (٢٤٧) قلعة برغوس بقرب أدرنة، وسلك هذا المسلك كثير من أهل القلاع بعد ما بلغهم فتح القسطنطينية. وفي سنة ستين وثمانمائة (٢٤٨) غزا السّلطان محمد خان بلاد أنكروس، وإنتصر عليهم وجرح كبيرهم ثم مات، ثم نازل (٢٤٩) مدينة بلغراد مدّة ثم ارتحل عنها لمصادفة الشّتاء.

стр. 642

وفي سنة ثمان وخمسين وثمانمائة (٢٥٠) أمر السّلطان بتجديد دار السّعادة العتيقة بقرب الجامع الّذي أنشأه السّلطان بايزيد (٢٥١) خان، وهي أول دار أنشأت الملوك العثمانية في مدينة القسطنطينية. وفي سنة إحدى وستّين وثمانمائة (٢٥٢) غزا السّلطان محمّد بلاد مورة فافتتحها وأسكن فيها طائفة من العرب، ثم غلب عليها الروم فتنصر جماعة منهم ورحل جماعة أخرى، ثم عاد السّلطان لما بلغه ذلك وافتتحها، وإفتتح نحو ستين قلعة لم يدخلها مسلم قط، وبالجملة لم يبق في بلاد مورة حصن إلاّ فتحه (٢٥٣). وفي هذه السّنة خاف على نفسه السّلطان محمّد، صاحب سناب الأمير قزل (٢٥٤) (أحمد بن السفنديار بن بايزيد) (٢٥٥) ولحق إلى سلطان العجم حسن بيك الطّويل لينجده ويحرّكه على المسير إلى السّلطان محمّد /، فلمّا بلغ السّلطان ذلك سار إلى بلد (٢٥٦) السّفنديار (٢٥٧) واستولى على مدينة قسطموني وعلى سناب وعلى قلعة قطرة بوزون (٢٥٨) ثم توجّه إلى بلاد الكرج، فعاث عسكره فيها وغنموا منها شيئا كثيرا. وفي سنة خمس وستين وثمانمائة (٢٥٩) جهّز السّلطان من جهة البحر عمارة عظيمة إلى فتح جزيرة مدلو وكان قد كثر الضّرر منها للمسلمين في البحر فضبطوا جميع الجزيرة وصيّروها دار إسلام، وشحنوها بالمسلمين. وفي سنة نيف وسبعين وثمانمائة غزا السّلطان بلاد بوسنة بعسكر كثير، وقاتلهم أشد القتال، واستولى على عامّة بلادهم، وجعلها دار إسلام، ولم يقم بها للكفار بعد ذلك قائم، ثم بعد ما مهّد أمور تلك البلاد صرف عزيمته إلى فتح بلاد أرنؤود (٢٦٠) وهم صنف من النّصارى يصبرون على المحن، ويتكلّفون الأعمال الشاقة، قيل أصلهم من عرب

стр. 643

الشّام من بني غسان، إرتحلوا من الشّام بعد ما فتحها الإسلام فقدموا إلى هذه البلاد، وتوطّنوا بها فازدادوا وكثروا، وقيل هم طائفة من عرب البربر عبروا البحر إلى هذا الصوب مع يعقوب بن منصور الموحدي فبقوا فيها مدّة، ولم يزالوا بها حتى غلب الجهل فتنصروا فدخل السّلطان بلاد أرنؤدد (٢٦١) فنهبها واستولى على عدة قلاع هناك، وأمر ببناء قلعة حصينة في ثغر عظيم هناك كالسد بين المسلمين والكفار وشحنها بالرّجال وسمّاها آق / حصار، وأودع فيها ما تحتاجه من المدافع وآلات الحرب ما يكفيه ويقيه. وفي سنة إثنين وسبعين وثمانمائة (٢٦٢) غضب السّلطان محمّد على صاحب قونية ولارندة أحمد بك بن قرامان فانتزع الملك منه وفوض بلاد قرمان (٢٦٣) لإبنه السّلطان مصطفى، ثم استولى على بعض قلاع عاصية هناك مثل قلعة أركلي وقلعة أصراي وقلعة كولك وسلّم الجميع إلى إبنه المذكور. وفي سنة ست وسبعين وثمانمائة (٢٦٤) بعث صاحب العجم حسن بك الطويل أميرا مع عسكر التّتار إلى نهب بلاد إبن عثمان (٢٦٥) فجاءوا ونهبوا مدينة توقات (٢٦٦) وأحرقوها، ثم إغتر بذلك أميرهم فهجم [على] بلاد قرمان (٢٦٣) وأغار (٢٦٧) عليها، وكان واليها يومئذ السّلطان مصطفى، وكان شجاعا في الغاية، فقاتلهم وهزمهم وأسّر أميرهم فكبّله بالحديد وأرسله مع عدّة أسارى من الأمراء إلى أبيه. وفي سنة سبع وسبعين وثمانمائة (٢٦٨) إستجاش السّلطان محمّد خان وسلطان العجم جيوشهم للقتال بينهما فالتقى الجمعان قرب مدينة بابيرد، فمال السّلطان مصطفى على طرف ولد سلطان العجم زنبيل شاه فقاتله شديدا (٢٦٩) حتى ظفر به فقتله، ففرّ أبوه حسن الطويل وحصل النصر لآل عثمان، فأتبعوا التتار أسرا وسبيا حتى استولوا على عدة بلاد من العجم فصارت لآل عثمان.

стр. 644

وفي هذه السّنة أرسل وزيره كرك أحمد باشا لفتح الكفّة ففتحها مع عدّة قلاع. وفي / سنة تسع وسبعين وثمانمائة (٢٧٠)، غزا السّلطان محمّد كفار بغدان (٢٧١) ففرّ كبيرهم رستفان (٢٧٢) النصراني فهرب إلى أقصى بلاده، فتوغل السّلطان في بلاده فأذعن النّصراني وأدّى الجزية، ثم سافر السّلطان محمد إلى بلاد أنظولي، فلّما خيّم بعسكره في ظاهر اسكدار بسفح جبل هناك إتفق أن مرض السّلطان مرض موته - سقى الله ضريحه شئابيب الرحمة والرّضوان - سنة ست وثمانين وثمانمائة (٢٧٣). السّلطان بايزيد خان الثّاني: ثم ولي بعده السّلطان بايزيد (٢٧٤) خان إبن السّلطان محمّد مولده (٢٧٥) سنة ست وخمسون وثمانمائة (٢٧٦)، وجلس على تخت السلطنة ثامن عشر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثمانمائة (٢٧٧) وعمره إذ ذاك ثلاثون سنة، وهو من أعيان السّلاطين العظماء، إفتتح الفتوحات كقلعة ملوان وقلعة كوكلك وقلعة آق كرمان في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة (٢٧٨) وقلعة متون وغير ذلك من القلاع (٢٧٩) والحصون. وفي أيامه إبتدأ أمر شاه اسماعيل إبن الشّيخ حيدر (٢٨٠) في بلاد العجم سنة خمس وتسعمائة (٢٨١) وكان له ظهور عجيب على ما يأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى. وكان السّلطان بايزيد - رحمه الله تعالى ونفعنا به - من العباد المرتاضين بالعبادة،

стр. 645

السّالكين في مقامات اليقين، فقد دخل الخلوة، وإرتاض بها، ودخل معه مولانا الشيخ محيي الدّين ياوضي أفندي، والد مولانا أبي السعود أفندي المفتي المفسّر ﵏ ونفعنا بهم - وكان ﵀ ابتنى الجوامع / والمدارس والعمارات ودار الضّيافات والتّكايا والزوايا ودار الشّفاء للمرض والحمّامات والخانات والجسور، ورتّب للمفتي الأعظم ومن في رتبته من العلماء في زمنه لكل عام عشرة آلاف عثماني، ولكل واحد من مدرسي الثمانية من مدارس والده المرحوم السّلطان محمد خان في كلّ عام سبعة آلاف عثماني، (ولمدرسي شرح المفتاح لكلّ واحد أربعة ألاف عثماني) (٢٨٢)، ولكلّ واحد من مدرسي شرح التجريد (٢٨٣) ألفي عثماني، وكذلك رتّب لمشايخ الطّريق إلى الله تعالى ومريديهم وأهل الزّوايا لكلّ واحد على قدر مرتبته وإستحقاقه هذا غير كسوة الصيف من الأصواف ونحوها، وغير كسوة الشتاء من الفراء (٢٨٤) والجوخ لكلّ واحد منهم على قدر مرتبته، فصار ذلك قانونا جاريا بعده مستمرّا، وكان له ﵀ عدّة أبناء كرام أعلاهم في الكمالات السّلطان سليم، فولاّه بحياته لما رأى فيه من علامات السّعادة (٢٨٥) الزائدة على إخوته إلى أن حضرت وفاة السّلطان بايزيد ﵀ سنة ثمان عشرة وتسعمائة (٢٨٦) وعمره اثنتان وستون سنة.

стр. 646

السّلطان سليم خان الأوّل الغازي: فاستقل بالسّلطنة بعده (٢٨٧) ولده السّلطان سليم خان الأوّل كاسر أكاسرة العجم، وفاتح أقاليم مصر والشّام - طيّب الله ثراه وجعل الجنّة متقلبه ومثواه - مولده في أماسية (٢٨٨) سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة (٢٨٩)، وجلس على تخت السلطنة سنة وفاة والده وعمره إذ ذاك ست / وأربعون سنة، ومكث في السّلطنة تسع سنين وثمانية أشهر، ووفاته عن أربع وخمسين سنة (٢٩٠) - كان ﵀ سلطانا قاهرا قوي البطش، كثير الفحص عن أخبار الملوك والرعايا، وكان يغيّر زيه ولباسه باللّيل والنّهار ليتفقّد أحوال رعيّته وأسرار مملكته، وله عدّة مصاحبين يدورون تحت قلعته وأسواق بلده والجمعيات (٢٩١) والمحافل، ومهما سمعوا شيئا ذكروه له في مجلس المصاحبة فيعمل على مقتضى ما يثبت عنده، وكان ﵀ قامعا للبدعة. حركة شاه اسماعيل ومقاومة السّلطان سليم له: فمن ذلك أنه ظهر غاية الظهور في أيّامه شاه إسماعيل إبن الشيخ حيدر إبن الشّيخ جنيد إبن الشّيخ إبراهيم، إبن السّلطان خواجا شيخ (٢٩٢) علي إبن السّلطان صدر الدّين موسى إبن الشّيخ صفي الدّين (٢٩٣) صاحب زاوية أردبيل (٢٩٤) له سلسلة في الصّلوحية،

стр. 647

أخذ عن الشّيخ الزّاهد الجيلاني (٢٩٥) ويتقرّبون (٢٩٦) بالنسبة إلى الإمام الغزالي، توفّي الشّيخ صفي الدّين في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (٢٩٧) وهو أوّل من ظهر منهم بطريق التّصوّف، وأوّل من اختار سكنى أردبيل، وبعد موته جلس في مكانه ولده الشّيخ صدر الدّين موسى، وكانت السّلاطين تعتقده وتزوره، وممّن زاره والتمس بركته تيمور لنك لمّا عاد من الرّوم، وسأله أن يطلب منه شيئا فقال له: أطلب منك أن تطلق كلّ من أخذته من بلاد الرّوم سركنا (٢٩٨) فأجابه إلى سؤله فأطلق السّركن (٢٩٩) جميعهم، فصار أهل الرّوم يعتقدون الشّيخ صدر الدّين وجميع المشايخ / الأردبيليين من ذريته، وحجّ ولده السّلطان خواجا علي، وزار النبي ﷺ وتوجّه إلى زيارة بيت المقدس فتوفّي هنا لك، وقبره مشهور في بيت المقدس، وكان ممّن يعتقده ميرزا شاه (٣٠٠) رخ بن تيمور لنك ويعظّمه، فلمّا جلس الشّيخ جنيد بعد والده في الزّاوية بأردبيل كثر مريدوه وأتباعه في أردبيل، فتوهّم منهم صاحب أذربيجان يومئذ وهو السّلطان جهانشاه (٣٠١) إبن قرا يوسف التّركماني من طائفة قره قوينلو (٣٠٢) فأخرجهم من أردبيل فتوجه الشّيخ جنيد مع بعض مريديه إلى ديار بكر، وإنصرف عنه الباقون، وكان من أمراء ديار بكر يومئذ عثمان بيك بن قتلق بيك بن علي بيك البابندري (٣٠٣) وهو أوّل من تسلطن من طائفته (٣٠٤)، وولي السّلطنة منهم تسعة أنفس، ومدّة ملكهم إثنان وأربعون سنة، وأخذوا ملك فارس من طائفة قره قوينلو (٣٠٥)، واوّل سلاطينهم قره يوسف (٣٠٦) بن قره محمّد التّركماني،

стр. 648

ومدّة سلطنتهم ثلاث وستّون سنة، وإنقرض ملكهم على يد أوزون (٣٠٧) حسن بيك المبرور (٣٠٨) في شوّال سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة (٣٠٩)، وكان أوزون (٣٠٧) حسن ملكا شجاعا مقداما مطاعا (٣١٠) مظفّرا في حروبه، ميمونا في نزوله وركوبه إلاّ أنّه وقع بينه وبين السّلطان محمّد إبن السّلطان مراد خان حرب عظيم في بابرت فانكسر أوزون (٣٠٧) حسن، وقتل ولده زنيل بيك، وهرب هو وسلم من القتل وعاد إلى أذربيجان وملك / فارس والعراقين، ولمّا إلتجأ الشّيخ جنيد إلى طائفة آق قوينلو (٣١١) صاهره أوزون (٣٠٧) حسن بيك وتزوّج إبنته خديجة بيكم فولدت له الشّيخ حيدر، ولمّا استولى أوزون (٣٠٧) حسن بيك على البلاد وطرد منها ملوك قره قوينلو (٣١٢) وأضعفهم عاد الشّيخ جنيد مع ولده الشّيخ حيدر إلى أردبيل وكثر مريدوه وأتباعه، وتقوّى بأوزون (٣١٣) حسن بيك لأنه صهره، فلمّا توفّي أوزون (٣١٣) حسن بيك ولي موضعه ولده السّلطان خليل ستّة أشهر، ثم ولده الثّاني السّلطان يعقوب فزوج إبنته حليمة بيكم من الشّيخ حيدر فولدت له شاه (٣١٤) إسماعيل في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من رجب سنة إثنتين وتسعين وثمانمائة (٣١٥)، وكان على يديه هلاك ملوك العجم طائفة آق قوينلو (٣١٦) [وقره قوينلو وغيرهم] (٣١٧) من سلاطين العجم كما هو مشهور، وكان الشّيخ جنيد (جمع طائفة من مريديه) (٣١٨) وقصد قتال كرجستان ليكون من المجاهدين في سبيل الله، فتوهّم منه سلطان شروان أمير خليل [الله] (٣١٩) شروان شاه فخرج إلى قتاله فانكسر الشّيخ جنيد وقتل وتفرّق مريدوه ثم

стр. 649

إجتمعوا بعد مدة على الشّيخ حيدر وحسّنوا له الجهاد والغزو في حدود كرجستان، وجعل لهم رماحا من [أعواد] (٣٢٠) الشجر، وركّبوا في كلّ عود سنانا من حديد، وتسلّحوا بذلك، وألبسهم الشّيخ حيدر تاجا أحمر من الجوخ، فسمّاهم النّاس قزلباش (٣٢١) وهو أول من ألبس أتباعه التاج الأحمر فأرسل شروان شاه إلى السّلطان يعقوب / بن أوزون (٣٢٢) حسن يخوّفه من خروج الشّيخ حيدر على هذه الصفة فأرسل أميرا من أمرائه اسمه سليمان بيك بأربعة آلاف من العسكر، وأمره أن يمنعهم من هذه الجمعية (٣٢٣)، فما أطاعه، فاتّفق مع شروان شاه فقاتلاه ومن معه، فقتل الشّيخ حيدر، وأسّر ولده شاه إسماعيل وهو طفل، وأسّر معه إخوانه وجماعته، وجاء بهم سليمان بيك إلى السّلطان يعقوب فأرسل بهم إلى قاسم بك الفرناك وكان حاكم شيراز (٣٢٤) من قبل السّلطان يعقوب، وأمره أن يحبسهم في قلعة إصطخر (٣٢٥)، فحبسهم بها واستمروا محبوسين إلى أن توفّي السّلطان يعقوب في سنة ست وتسعين وثمانمائة (٣٢٦)، وتولّى بعده السّلطان رستم (٣٢٧) ونازعه في سلطنته أخوانه، وتفرقت المملكة واستقر (٣٢٨) في كل قطر ملك من أولاد السّلطان يعقوب، فهرب أولاد الشيخ حيدر إلى لامجان (٣٢٩) من بلاد كيلان، وخرج من إخوان شاه اسماعيل خواجة شاه علي إبن الشّيخ جنيد (٣٣٠) وجمع عسكرا من مريدي

стр. 650

أبيه وقاتل به فقتل [أيام السّلطان رستم ابن السّلطان يعقوب، ثم توفّي] (٣٣١) السّلطان رستم (٣٢٧) وولي مكانه السّلطان مراد بن يعقوب وألوند بيك إبن عمه وكان شاه (٣٣٢) إسماعيل في لامجان في بيت صائغ إسمه زركر (٣٣٣). وبلاد لامجان فيها كثير من الفرق كالرّافضة والحروفية (٣٣٤) والزّيدية وغيرهم، فتعلم منهم شاه إسماعيل في صغره مذهب الرّفض وكان شعار آبائه مذهب السّنّة / ولها مطيعين منقادين، ولم يظهر الرّفض غير شاه إسماعيل، وتطلبه أكثر أمراء ألوند بيك من سلطان لامجان فأبى أن يسلّمه لهم (٣٣٥)، وأنكر كونه عندهم وحلف على ذلك وورّى في يمينه، وكان مختفيا في بيت نجم زركر (٣٣٣)، وكان يأتيه مريدو والده خفية، ويأتونه بالنذور ويعتقدون فيه، ويطوفون بالبيت الذي هو فيه إلى أن أراد الله بما أراد، وكثرت داعية الفساد أتباع شاه إسماعيل، فخرج بمن معه من لامجان، وأظهر الخروج لأخذ ثأر والده وجده (في أوائل سنة خمس وتسعمائة) (٣٣٦) وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة، وقصد مملكة الشروان لقتل (٣٣٧) شروان شاه قاتل أبيه وجده وكلّما سار منزلا كثر عليه سفلة النّاس داعية الفساد، واجتمع عليه عسكر كثير إلى أن وصل بلاد شروان، فخرج إلى مقاتلته شروان شاه بعساكره فاقتتلوا فانهزم عسكر شروان (وأسر شروان شاه) (٣٣٨) وأتوا به (إلى شاه إسماعيل أسيرا) (٣٣٩) فأمر أن يضعوه في قدر كبير وأن يطبخوه ويأكلوه ففعلوا كما أمروا وأكلوه، ثم توجه لأخذ البلاد من سلاطينها فاستولى على خزائن ألوند بيك بعد قتله ونهب أمواله، ثم قتل كل من ظفر به من الملوك فملك تبريز (٣٤٠) وأذربيجان وبغداد وعراق العرب وعراق العجم وخراسان، وكان يدعي (٣٤١) الرّبوبية، وتسجد له العساكر ويأتمرون بأمره، وقتل / خلقا

стр. 651

كثيرا ينيف على ألف ألف نفس بحيث لم يعهد في الإسلام ولا في الجاهلية، ولا في الأمم السابقة من قتل النفوس ما قتله إسماعيل شاه، وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من أهل العلم في بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم لكونها مصاحف أهل السّنّة، وكلّما مرّ بقبور المشايخ نبشها وأحرق عظامهم بعد إخراجها، وكان مختلّ العقل فمن جملة حماقاته (٣٤٢) أن جعل كلبا من كلاب الصّيد أميرا ورتّب له ترتيب الأمراء من الخدم والكواخي والسّماط والأوطاق وفرش الحرير ونحو ذلك، وجعل له سلاسل من ذهب ومسندة ومرتبة يجلس عليها كالأمراء، وكان أتباعه يعتقدون ألوهيته (٣٤٣) وأنه لا ينهزم أبدا. فلما وصلت أخباره إلى السّلطان سليم خان غضب لله من هذه الكفريات المبكية والسّخريات المضحكة، فأقدم على نصر الشريعة المشرّفة والسّنّة المطهّرة، وعدّ قتال هذه الفرقة الضّالّة المضلّة من أفضل الجهاد ليمحو آثار هذه الفتنة الخبيثة وينصر السّنّة المحمّدية والملّة الحنيفية، فركب بخيله ورجله حتّى التقى الجمعان بعد مقاساة أهوال وشدة أحوال وكادت (٣٤٤) الخلائق تفنى [ثم] أنزل الله النّصر على أهل السّنّة والدّمار والهلاك على أهل الكفر والبدعة، فانهزم شاه إسماعيل وقتل غالب جنوده ونصر الله تعالى السّلطان سليم وعساكر السّنّة / فأتبعت عساكره آثار القوم الفاسقين، وذهب شاه إسماعيل منهزما فارّا مذموما مدحورا، ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ (٣٤٥)، وغنم السّلطان سليم وعساكره ما كان جمع شاه إسماعيل ممّا لا نظير له من ذخائر الملوك وكنوزهم، ثم أعطى الأمان العام بعد قتل من يستحقّ القتل، وأسر من يستحقّ الأسر من رؤوس الفساد، وأراد السّلطان سليم أن يقيم في تبريز للإستيلاء (٣٤٦) على إقليم العجم والتّمكّن (٣٤٧) من تلك البلاد على الوجه الأتم، فما أمكنه ذلك لكثرة القحط واستيلاء الغلاء حتى بيعت العليقة بمائتي درهم، وبيع الرّغيف بمائة درهم، لأن القوافل الّتي

стр. 652

كان أعدّها السّلطان سليم لأتباعه (٣٤٨) بالميرة والعليق والمؤن تخلفت عنه في محلّ لا مطمع فيها منه، ولم يجدوا في تبريز (٣٤٩) شيئا من المأكولات والحبوب لأن شاه إسماعيل عند قدوم (٣٥٠) السّلطان سليم أمر بإحراق جميع الحبوب من الشّعير وغيره، فاضطرّ السّلطان سليم إلى العود من تبريز (٣٤٩) إلى بلاده، فترك تبريز (٣٤٩) خاليه خاوية على عروشها هذا ما ذكره الأزرقي في كتاب «أعلام مكّة» (٣٥١). وقال الشّيخ علي دده (٣٥٢) في «محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر»: أول من تجبّر وطغى، ورفض أحكام الشريعة وغوى، وخان الملّة الإسلامية خيانة لم يسمع بمثلها من الفراعنة، وقهر ملوك العراقين، وأبطل الخطبة من الجوامع كلّها، ومنع من الأنكحة في محافل القضاء، وأفشى منع النكاح بل عدل عنه / إلى الزّناء، وأباح فروج النّساء حتّى الجمع بين الأخوات والخالات واللّواط لمردة الأشقياء، الملك الشقي الغوي الشهير شاه إسماعيل بن حيدر بن جنيد بن إبراهيم إبن الشّيخ العثماني خواجة بن صدر الدّين ابن الشّيخ الصفي الأردبيلي، قطع الله أعراقهم من العراق وجميع ممالك الآفاق مع أشياعهم الشّيعة النجسة المنجوسة المجوسية الدهرية، بل إنهم أخبث الفرق الضّالّة المضلّة، أهلك الله أسرارهم، ومحا من وجه الأرض آثارهم بسيوف الملوك العثمانية السنية المؤيّدة بالقوة القدسيّة، لا زالت سيوفهم مسلولة عليهم وعلى أمثالهم من أعداء الدين. وجنيد هو أوّل من ظهر بالبغي (٣٥٣) والتمرّد، وطائفته يسمّون بقزلباش، فهو أول الفرقة القزلباشية، ومنه ثار العدوان لأهل الإيمان، فتملّك العراق بكيده وحيله الّتي لم

стр. 653

يسمع بمثلها من إبليس الأبالسة، وذلك أنّه شبّه نفسه بمشايخ الصّوفية والسّنّة، وأظهر السّمعة (٣٥٤) والرّياء، وتعلّم من أقوال الصّوفية واصطلاحاتهم، فاجتمع مع خواص السّلطان السّعيد حسن خان بن علاء الدين (٣٥٥) البايزيدي ووزرائه وأعوانه، وأخذ البيعة عنهم، وعلّمهم التّوحيد والأذكار، وتابعوه إلى أن تزوّج بنت السّلطان، فسلك طريق الإمارة، وتجبر وطغى وادّعى السّلطنة، وأظهر البدعة / واللّواط، وأفسد عقائد الخلق، لا جرم خذله الله وقهره على يد الملك الصالح خليل خان الشّرواني، ثم بعد هلاكه فرّت المتصوّفة الزنادقة بولده حيدر المذكور، ومكث زمانا إلى أن بلغ فسعى في صورة الصّوفية، وقصد بذلك كيدا وجمع الأشقياء مردة أبيه، واتخذ التاج من الجوخ الأحمر بإثني عشر رقاعا ويسمّى بتاج حيدرية، ثم هجم على أهل شروان بالقتال والحرب، ثم خرج شروان شاه مع سليمان خان العثماني فهزموا الملاحدة بإذن الله ، وقتل حيدر الشّقي الغوى في المكان الّذي قتل فيه أبوه، ثم أخذ بعض مردته ابنه الشقي الشهير بشاه إسماعيل - المتقدّم الذّكر - وفرّ به وستره بين النّصارى، ثم ظهر بعد سنين، وجمع الملاحدة واغتنم فرصة واستولى على العراق، وقتل الملوك والأمراء والعلماء إلى أن قهره وهزمه الملك الغازي سليم خان العثماني - عليه الرّحمة والرّضوان -. ثم مات الشّقي شاه إسماعيل حتف أنفه، وعجّل الله بروحه إلى النّار وبئس القرار، ثم جلس مكانه ولده الغوي طهمساب (٣٥٦) الفتّان، فأظهر ونشر الرفض والطغيان في ممالك خراسان إلى أن قهره وغلبه السّلطان المجاهد سليمان خان - عليه الرّحمة والرّضوان -. ثم جرى ما جرى بين الرّافضة (٣٥٧) من الفتن والشّر والطغيان إلى أن انتقم الله منهم وسلّط الله سيوف / عساكر الإسلام على رقابهم عشر سنين في دولة الملك المنصور مراد خان - عليه الرّحمة والرضوان - ولا زالوا إلى الآن ظاهرين بالخلاف ومعادات أهل السّنّة ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٣٥٨) اهـ.

стр. 654

قلت: وإلى الآن ما زالوا متمسكين ببغيهم وبدعتهم، وسبب طول مدتهم مع أن العساكر العثمانية - نصرهم الله على كل من عاداهم - هو إشتغال العساكر العثمانية بعدوّ الدّين من النّصارى لقرب داره وخوفا على حوزة الإسلام بخلاف قزلباش فإنه بعيد الدّيار ونكايته أضعف، والسّبب في الحقيقة هو إرادة الله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٣٥٩). أخذ سليم الأوّل لبلاد الشّام ومصر: ولمّا استقرّ السّلطان سليم - رحمه الله تعالى - بدار سلطنته سأل عن سبب تأخّر قوافل (٣٦٠) الذّخيرة عنه فأخبر أن سبب ذلك سلطان مصر الغوري فإنه كان بينه وبين شاه إسماعيل محبّة أكيدة ومراسلات حتى اتهم الغوري بالرفض في عقيدته بسبب ذلك، فصمّم السّلطان سليم على قتال الغوري أوّلا فإذا استولى عليه وعلى بلاده توجّه إلى قتال شاه إسماعيل ثانيا، فتجهّز لأخذ مصر وإزالة دولة الجراكسة (٣٦١) منها بقتل الغوري وأتباعه. والجراكسة جنس من الترك في مشارق الأرض لهم مدائن عامرة، وفيهم الجمال البارع، ولهم في بلادهم أغنام يرعونها ومزارع يزرعونها، وهم أتباع سلطان سراي (٣٦٢) قاعدة ملك خوارزم، وملوك هذه الطّوائف / لملك سراي كالرعية، فهم يقاتلونهم ويسبون منهم النّساء والأولاد، ويجلبونهم إلى أطراف البلاد والأقاليم، ذكره المقريزي في عقوده، وقد أسلفنا أنهم ملك منهم طائفة مصر بعد الأتراك. وآخر الجراكسة هو الغوري المذكور، وذكروا لتوليته أمرا غريبا وذلك أن عساكر مصر لما ولّوا (٣٦٣) عليهم طهمان الملقب بالملك العادل فما استكمل يوما واحدا حتى هجموا

стр. 655

عليه وقتلوه، فما أقدم (٣٦٤) أحد على السّلطنة، وكانت الأمراء متوفرة، وكلّهم (٣٦٥) يشير لصاحبه بالجلوس على تخت الملك خوفا على نفسه من الموت إذا تولّى، فاتفقوا على أن يولّوا قانصوه (٣٦٦) الغوري، ولقّبوه بالملك الأشرف، وإنما إتفقوا عليه لكونه في أول أمره كان ليّن العريكة، سهل الإزالة فأي وقت أحبّوا إزالته أزالوه لقلّة ماله وضعف حاله، فأشاروا له بالتقدم فأبى فألزموه بذلك، فقال: لا أقبل ذلك منكم إلاّ بشرط أن لا تقتلوني، فإذا أردتم خلعي من السّلطنة أخبروني وأنا أوافقكم على ما تريدونه وأترك لكم الملك، وأمضي حيث أشاء، فعاهدوه على ذلك، فقبل منهم ما طلبوه، فتولّى السّلطنة سنة ست وتسعمائة (٣٦٧)، ففرح العسكر بولايته لأنهم يسموا بتبدل (٣٦٨) السّلاطين، وسرعة تقصي صرفهم، بل فرح (٣٦٩) العامة ووطنوا الأمن على أنفسهم وأموالهم، وكان كثير الدّهاء ذا رأي وفطنة وتيقظ، إلاّ أنّه كان شديد الطّمع فظلم وعسف وبخل، وكان مغرما مولعا بالعمارات والأبنية، فمن جملة عماراته الجامع والتربة / المشهورين بالغورية في وسط القاهرة بالقرب من الجامع الأزهر وما بين القصرين، وكان في نيته أن يدفن بتربته فأوقف عليها أوقافا كثيرة، وما قدر له دفنه فيها ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣٧٠) فلمّا حضرت منيّته ذهب تحت سنابك الخيل - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى -. وكان يبسط حرمته على الأمراء بالتنزل معهم من غير تشديد عليهم، ولا إظهار عظيم أمر ولا نهي في ابتداء أمره إلى أن تمكّن من قوّته وبأسه حتى حكي أنه توهّم من عساكره مبادئ فتنة أراد الأمراء إحداثها ليجعلوها مقدّمة لخلعه من السّلطنة، فعمل ديوانا جمع فيه الأمراء والمقدّمين وأمرهم بالجلوس، وجلس بينهم كأحدهم، وكانت عادة الأمراء الوقوف معه إلاّ على سماط الأكل فقط، فلمّا جلس بينهم إستنكروا ذلك منه فجعلوا يسألون عن سبب ذلك فرفقهم وصاروا كلهم مصغين لما يقوله متوجهين إليه

стр. 656

غاية التّوجّه فقال لهم: إنما جمعتكم لأسألكم الآن عن سؤال خطر ببالي وأريد منكم جوابه على الوجه الّذي ترونه صوابا، فقالوا: نعم، فقال: أسألكم عن جماعة جاؤوا إلى رجل بوديعة مربوطة مختومة، وطلبوا إيداعها عنده، فقال: لا أستودعها إلاّ بشرط أنكم إذا طلبتموها أخذتموها بلا نزاع ولا خصومة فأردّها إليكم، فقالوا له: نعم، فأودعوها على ذلك الشرط ومضوا، ثم عادوا إليه بعد مدّة وقالوا له: نريد الوديعة بنزاع شديد / ومخاصمة ومضاربة، فقال لهم: هذه وديعتكم خذوها بلا نزاع عملا بمقتضى الشّرط فأبوا قبولها إلاّ بمقاتلة، فأيّهم على الباطل وأيّهم على الحقّ؟ فعلموا مراده، واستحيوا منه، وقال لهم: ما جلست معكم إلاّ لتعلموا أنّي كأحدكم لا أمتاز عنكم بشيء، وهذه السلطنة أسلّمها إليكم بلا نزاع، وأنا واحد من الجند، فقبّل كلّ منهم يده وأذعنوا له وسألوه البقاء على السّلطنة، فسكنت الفتنة دهرا ثم استعلوا عليه بضروريات أخر، فطاولهم (٣٧١) بالحيل إلى أن أخذهم واحدا بعد واحد، ويتغافل ثم يجعل حيلة أخرى فيأخذ هذا بهذا ويوقع بينهم الدّسائس، ويدسّ لهم السّمّ في العسل حتى أفنى قرانصتهم (٣٧٢) ودهاتهم إلاّ قليلا منهم ممّا لا بدّ له، واتخذ لنفسه مماليك جددا واستجلب جلبانا وأعدّ عددا وعددا، فصاروا يظلمون النّاس ويعسفونهم ويعاملونهم غشما وصار هو يقضي عن مماليكه فأظهروا الفساد وأهلكوا البلاد والعباد حتى أن أحدهم يأكل فإذا خرج إلى الطّريق ووجد أحدا من الناس مسح يديه في أثوابه فأعدّ النّاس لهم الفوط على أكتافهم، فإذا لقوا أحدا منهم وأراد مسح يديه بثيابه ناوله تلك الفوطة، فمن أجل ذلك إستعمل النّاس الطّيالس على أكتافهم عوضا عن تلك الفوطة الّتي إعتادوها بعد زوال تلك المحنة، ثم إن الغوري صار يصادر النّاس بأخذ أموالهم غصبا وقهرا، وكثرت السّعاية / في أيامه بالنّاس لكثرة ما يصغي إلى مماليكه، فصاروا إذا شاهدوا واحدا توسّع في دنياه أو أظهر التّجمّل في ملبسه ومثواه سعوا به إلى الغوري، فيرسل إليه الأعوان ويطالبه بالعرض ويستصفي ماله ويسلّمه إلى الأعوان والضوباشي ليأخذ ماله، ويهتك أهله وعياله ويعذّبه بأنواع الأسلحة إلى أن يصير فقيرا، فجمع من هذا أموالا كثيرة وخزائن وسيعة فذهبت في آخر الأمر سدى (٣٧٣)، وتفرقت للعداء، وهكذا كلّ مال أخذ

стр. 657

ظلما لا ينفع من جمعه بل يكون سببا لهلاكه لأن القدرة غيورة. قال الشّاعر: [الطويل] ألا إنّ مالا كان من غير حلّه ... سيخرب يوما دار من كان جامعه وأبطل في أيامه الإرث فإذا مات أحد أخذ الغوري جميع ماله وترك أولاده عالة (٣٧٤) يتكففون ومن رفق بهم أبقى لهم شيئا يسيرا يسدّ الرّمق، فاشتد طلبه على الحطام الفاني، وتهالك على الظلم والفساد فعتا عتوا كبيرا، فاستجاب الله تعالى فيه دعاء المظلومين بقطع دابره، وذلك إنه لمّا سمع بخروج السّلطان سليم لقتاله جمع الغوري جنوده وخزائنه وخرج إلى حلب لملاقاة السّلطان سليم. فلمّا التقى الجمعان بمرج دابق (٣٧٥) قرب حلب إشتد القتال بين الفئتين، وقامت الحرب على ساقها ودارت (٣٧٦) الدّائرة على الّذين ظلموا، ونصر الله من نصر دينه فغار (٣٧٧) الغوري (٣٧٨) تحت سنابك الخيل ولم يظهر له خبر إلى الآن وذهبت ظلمات ظلم الجراكسة، فكانوا هباء / منثورا، وكأنهم لم يكونوا شيئا مذكورا. فأقبلت (٣٧٩) رايات السّلطان سليم على قلعة حلب الشّهباء، فطلب أهلها منه الأمان، فأجابهم إلى القبول لطفا وكرما، فخرجوا إلى لقائه بالمصاحف وهم يجهرون (٣٨٠) بالتّسبيح والتّكبير يتلون: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (٣٨١)، فقابلهم بالإحسان والإكرام، وتصدّق بأنواع الصدقات، وحضرت صلاة الجمعة فخطب الخطيب باسمه الكريم، ودعا له ولآبائه وأسلافه، وبالغ في المدح والتّعريف، فلمّا سمع قول الخطيب في وصفه «خادم الحرمين الشريفين» سجد شكرا لله تعالى وقال: الحمد لله

стр. 658

الذي يسّر لي أن صرت خادم الحرمين الشريفين، وأظهر الفرح والسرور بتلقيبه بهذا اللقب المنيف (٣٨٢) والاسم الشريف، وخلع على الخطيب الخلع المتعددة وهو على منبره، وزاد في إحسانه بعد ذلك، ثم أقام بحلب أيّاما يسيرة وهو يمهّد الملك (٣٨٣) ويجري أحكام العدل والسياسة، ويحسن إلى العرب والعجم من كافة الأمم، ثم انتقل بجيوشه إلى الشّام، فعاملهم بالإكرام معاملة أهل حلب، وأمر بعمارة قبة (٣٨٤) الشّيخ محيي الدّين ابن عربي - رحمه الله تعالى - وأوقف عليه مرتبات كثيرة وجعل] له [مطبخا يطبخ فيه الطّعام للفقراء المجاورين للضريح المذكور، وجعل عليها متولّيا وناظرا لجمع غلات الأوقاف ويصرفها (٣٨٥) في وجوهها حيث ما عيّن السّلطان (٣٨٦). وهذا الشّيخ محيي الدّين هو الّذي / نوّه (٣٨٧) بشأن السّلطان سليم تنويها عظيما ونصّ عليه وعلى وقائعه وفتوحاته ونصره وتمكين الله له في الأرض، فمن جملة ما نصّ عليه ما وجد على قبره، وذلك أن السّلطان أوّل ما وصل إلى المدينة وجد عند بابها تلاّ عظيما من مزابل النّاس الّتي يطرحونها خارج البلد حتى كادوا يزاحمون الباب ويغمرونه في المزابل، فأمر السّلطان بإزالة تلك المزابل في الحين ليفرج عن باب المدينة، فما زالوا يزيلون شيئا فشيئا حتى انكشف لهم قبر الشيخ، وإذا عليه مكتوب: إذا دخل السين الشين ظهر محيي الدّين، ففسّره أهل المعرفة بكلام الرّموز بأنه إذا دخل السّلطان سليم الشام ظهر أمر الشّيخ محيي الدّين (٣٨٨)، فأظهر السّلطان أمر الشيخ غاية الظّهور، ولم يزل إلى الآن أمره قائما ظاهرا ببركته، وبركة السّلطان سليم - رحم الله الجميع ونفعنا بهم وببركاتهم وبركات أمثالهم -.

стр. 659

أخذ سليم الأوّل لمصر: ثم بعد الفراغ من إصلاح الشّام، وتفقد أحواله إنتقل لإصلاح مصر وتفقد أحوالها، فتوجّه مسافرا لها، فلمّا حاذى (٣٨٩) القدس والخليل إنفرد ببعض خواصه متوجّها لزيارة الخليل وبيت المقدس وزيارة المشهور من الأنبياء والمرسلين، وأحسن إلى أهل القدس والخليل، وجعل كلّما وصل إلى بلد أحسن إلى أهله وأظهر فيهم العدل وأزال ظلم الظالمين عن الخاصّة والعامّة، وكان لمّا انهزم (٣٩٠) الغوري فرّ بقية (٣٩١) من عسكره إلى مصر وولّوا عليهم الدّوادار (٣٩٢) / الكبير مقدّم ألف طومان باي، ولقّبوه بالملك الأشرف واجتمعوا عليه، وحشدوا ما قدروا عليه، وبرزوا إلى الريدانية خارج مصر (٣٩٣) ونصبوا المدافع، وتهيؤوا لقتال السّلطان سليم، فأخبرته العيون بصنعهم فعدل إلى ميسرتهم (٣٩٤) وجاء من خلف جبل (٣٩٥) المقطّم من وراء عسكر الجراكسة، فما أغنى عن الجراكسة تدبيرهم شيئا، بل كان سعيا في تدميرهم فانهزموا ورجعوا منكسرين، ودخل السّلطان سليم مصر بعساكره ونزل بساحلها في الجزيرة الوسطانية، وطاف عسكره بالبلد، وأمّنوا الناس، وأزالوا عنهم الخوف والبأس، إلاّ من كان من الجراكسة، فكلّما ظفروا بواحد منهم أمر بضرب عنقه، فعفنت الأرض والنّيل من جيفهم، وأحضر طومان باي أسيرا فأمر أن يركب على بغلة (٣٩٦) ويطوف (٣٩٧) بالعسكر ويمضي به إلى باب زويلة ويصلب فيه ليراه الناس بأعينهم، ويصدقوا بأنه مسك، وصلب لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة (٣٩٨)، ورتّب بها القضاة الأربعة، فولّى كمال الدّين الطّويل قضاء الشافعية، ونور الدّين علي بن ياسين

стр. 660

الطرابلسي قضاء الحنفية، وقاضي القضاة الدّميري قضاء المالكية، وشهاب الدّين أحمد ابن النجار قضاء الحنابلة، لأن هذه الأربعة رؤساء المذاهب الأربعة، فكل رئيس مذهب الذي جعل قاضيا فيه، وولّى ملك الأمراء خير بك / على مصر، وولى جان بردي الغزالي (٣٩٩) على الشّام، ومهّد الأمور، وسار إلى إسكندرية [وعاد إلى مصر ثم إلى تخت مملكته] (٤٠٠) راجعا إلى القسطنطينية يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة (٤٠١)، وأخذ معه كثيرا من أعيان مصر سركنا إلى القسطنطينية، ولم يتيسر له العود إلى العراق وبلاد العجم لمقاتلة القزلباش كما أضمر في نفسه لظهور جراحات فيه إتّصلت بموته في سنة ست وعشرين وتسعمائة (٤٠٢)، - رحمه الله تعالى - (٤٠٣). السّلطان سليمان خان الأوّل القانوني: فتولّى بعده ولده السّلطان سليمان خان (٤٠٤) في التّاريخ المذكور، ومولده سنة تسعمائة (٤٠٥)، وتولّى وسنّه (٤٠٦) ست وعشرون سنة [واستمر في السلطنة تسعا وأربعين سنة وكان] (٤٠٧) عمره أربعا وسبعين سنة وشهرين، وهو سلطان غاز (٤٠٨) في سبيل الله، مجاهد في إعلاء كلمة الله، كان ﵀ مؤيدا في حروبه ومغازيه، أين سلك ملك، وصلت سراياه مشارق الأرض ومغاربها، فافتتح البلاد الشاسعة والأقطار الواسعة بالقهر

стр. 661

والحجّة والسّيف، وأقام السّنّة وأحيى الملّة، ورفع شعائر الشريعة وأعلى منارها، وأحيى ما اندرس من آثارها، فكان من المجددين لهذه الأمة دينها في القرن العاشر لكثرة علمه وعمله وأدبه وفضله وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وفي أيّامه السعيدة عمل له العلامة مولانا أبو السعود (٤٠٩) تفسيره المشهور وغزا - رحمه الله تعالى - بنفسه ثلاث عشرة غزوة (٤١٠) منها ثلاث غزوات (٤١١) لقتال قزلباش لإطفاء نار البدعة، والعشرة الباقية لإطفاء نار الكفر / واستقصاء تفاصيل جميعها يحوّج إلى الدّواوين الكبار، وقد قام بذلك أهله وهو غير مناسب لهذه العجالة، وليس غرضنا من ذكر هذه النّبذة إلاّ تزيين كتابنا بذكر شيء من مآثر هذه السّلالة الكريمة، فإن مغازي آل عثمان صارت طرازا للكتب من هذا الشأن، كما أن سيرة (٤١٢) المصطفى ﷺ ومغازيه وسيرة أصحابه ومغازيهم أصل وعماد لهذا الدين في كل عصر وأوان. فعلينا بالإشارة إلى بعض مآثر هذا السّلطان ﵀ ونفعنا به -. فنقول: كان ﵀ ورضي عنه - كأسلافه الطّيّبين محبّا للجهاد في سبيل الله، باذلا نفسه وخزائن أمواله لإعلاء كلمة الله، بحيث لم ترفع راية في زمانه للإسلام على رأس أحد من السّلاطين العظام مثله، ولم يكن أكثر جهادا ونصرة للدّين، وأكمل عدّة وآلة لقطع دابر المشركين، وأكثر جيوشا وأعوانا، وأغزر رجالا وفرسانا، وأعدى للإفرنج (٤١٣) الملاعين، وأقمع لأهل البغي والبدعة والكفرة الملحدين، وأشدّ عضدا وأشدّ نصرا لأهل السّنّة والدّين منه - رحمه الله تعالى - فهو سليمان زمانه وفريد عصره وأوانه، فكم دوّخ بلاد الكفر واجتاحها، وجاس خلال مغانيها ورباعها، وافتتح صياصيها وقلاعها، وأخرب معاهد الأصنام، وبنى مساجد للإسلام. ولمّا تعسّر ضبط فتوحاته علينا لكثرتها إخترنا بعضا منها له تعلق / بغرضنا، فمن ذلك غزوة رودس، وهي جزيرة في وسط البحر الشامي ما بين مصر والقسطنطينينة (٤١٤) إبتنى

стр. 662

بها الكفّار حصنا حصينا في غاية الإحكام (٤١٥) ذا (٤١٦) أسوار وخنادق متعددة (٤١٧) يتلو بعض تلك الأسوار بعضا، إتخذها الكفّار مكمنا (٤١٨) لأخذ المسلمين، فإنهم ينظرون من أعلى (٤١٩) قلعتها إلى السّفن الّتي تمر في البحر (٤٢٠)، فإن علموها مشحونة بعساكر المسلمين (تهيؤوا للتحصين، وإن علموها بتجارة المسلمين) (٤٢١) أخذوها قهرا، فاتخذ النّصارى هذا الحصن لهم متعبدا يجهّزون أموالهم إليه لتصرف في بنائه وإتقانه واتخاذ آلات الحرب ومراكبه وغير ذلك، وجعلوا أسواره مفتّحة الطيقان من أعلاها إلى أسفلها من جميع الجهات، ووضعوا فيها مدافع كبيرة كثيرة ترمي على من يقصدها من خارج فتصيبه من أي جهة من الجهات (٤٢٢)، ولهذا الحصن أبواب (٤٢٣) من حديد وسلسلة عظيمة على فم مرساة تمنع المراكب من الوصول إلى الأبواب (٤٢٣)، وهيؤوا أغربة مشحونة بالسّلاح والمدافع الكبيرة، فإذا أحسّوا بسفينة في البحر من الحجّاج أو التّجّار (٤٢٤) أخرجوا إليها تلك الأغربة وأخذوها ونهبوا ما فيها من الأموال وأسّروا المسلمين، فيقطعون على المسلمين الطّريق على هذا الأسلوب، ويجمعون الأموال ويصرفونها على مقاتلتهم، فكان هذا دأبهم، وعجزت ملوك الإسلام عن دفع ضررهم، وعمّ أذاهم المسلمين، فتجهز السّلطان سليمان / - رحمه الله تعالى - بعسكره المنصور إلى أخذ هذه الجزيرة (٤٢٥)، وكان

стр. 663

سفره المبارك إليها لعشرين من رجب سنة ثمان وعشرين وتسعمائة (٤٢٦)، وكان وصوله إلى رودس ونزوله عليها في شهر رمضان من السّنة المذكورة، فأحاطوا بها برّا وبحرا، ولم يمكن من في (٤٢٧) البرّ أن يقرب من سور حصارها للخندق العظيم المحيط به مع صونه بالمدافع العظيمة، ولم يمكن من في البحر القرب والدّخول للمرسى (٤٢٨) للسلسلة الممدودة من الحديد في البحر وللرمي على من يقربها بالمدافع الكبار، فكانوا يصيبون المسلمين بالمدافع ولا تصيبهم مدافع المسلمين، وإن وصل منها شيء لم ينفذ من السّور لمتانته وعلوه، فتأخّرت عساكر البرّ قليلا وأمروا بسوق التراب فساقوه حتى صار أمثال (٤٢٩) الجبال فتمترسوا به، وصاروا يقدّمون تلك المتاريس قليلا قليلا إلى أن وصل التّراب إلى الخندق فألقوه فيه فامتلأ وقرب من جدار الحصن (٤٣٠) وارتفع عليه، وصار الكفّار الفجّار تحت المسلمين يصابون ولا يصيبون على الضّدّ ممّا كان حالهم قبل، فرمى المسلمون عليهم بالنّار إلى أن عجزوا ووهنوا وتحققوا أنهم مأخوذون، فطلبوا من السّلطان سليمان الأمان وسلّموا له البلاد على شرط أن يخرجوا نساءهم وأولادهم وأموالهم ويتوجّهوا حيث شاؤوا ولا يتعرض لهم أحد من الجند، فأجابهم السّلطان إلى ذلك بعد أن نهاه الوزراء عن أمانهم لسقوط (٤٣١) قوة الكفر وإنهم إذا نجوا بهذه / الخزائن أمكنهم التقوي بها وجمع عساكر من النصارى أعداء الدّين، فيعودون لأذيّة المسلمين، فلم يصغ السّلطان إلى منعهم فأعطاهم الأمان، فخرجوا بجميع أموالهم وأهليهم وما يعز عليهم وتوجّهوا للمغرب، وعمّروا جزيرة مالطة - دمّرها الله تعالى - فعادوا لأذيّة المسلمين فقطعوا الطّريق كما كانوا يصنعون برودس (٤٣٢)، فندم السّلطان سليمان على إعطائهم الأمان، وأرسل إليهم عمارة عظيمة وعساكر كثيرة (٤٣٣) لأخذهم واستئصالهم آخر عمره لنظر

стр. 664

مصطفى باشا الوزير، فوقع بينه وبين القبودان (٤٣٤) مخالفة أدت إلى منازعة فأفشلوا (٤٣٥) كما توعّد الله على ذلك ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٤٣٦) فرجعوا بغير طائل لأمر أراده الله. فالنّاس إلى الآن في مدافعة ضررهم ومقاساة أهوالهم وخصوصا أهل صفاقس فإنهم معهم في محاربة شديدة والأخذ والقتل من الجانبين لما أن الحرب سجال، ولعلّ في ذلك خير وخيرة لأن ممارسة حرب العدوّ يورث شهامة ونشاطا بخلاف النشوء على المسالمة والعافية فإنه يوجب خورا في الطّبع وجبنا في النّفس وفشلا عند ملاقاة (٤٣٧) العدوّ وعجزا ويختار الله لعبده ما لا يختاره لنفسه، وفيه أعظم الفوائد وهي ملازمة الغزو والجهاد والرّباط والرجوع بإحدى الغنيمتين: مال أو شهادة، والأجر حاصل / على كلّ حال. وكان فتح رودس لستّ مضين من شهر صفر الخير سنة تسع وعشرين وتسعمائة (٤٣٨)، وأرخوا بذلك بقوله علت كلمته ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ﴾ (٤٣٩). وفتح أيضا عدة قلاع في ذلك العام منها استان كوى (٤٤٠) وقلعة بودرم (٤٤١) وقلعة أودوس (٤٤٢) وغير ذلك من القلاع. ومن غزواته المشهورة غزوة أولونية (٤٤٣) المعروفة بكورفس (٤٤٤) من أتباع إسبانيا (٤٤٥)، توجه إليها في البرّ بركابه العالي وأرسل لطفي باشا في البحر والقبودان (٤٤٦) خير

стр. 665

الدّين باشا (٤٤٧) بنحو خمسمائة غراب مشحونة بعساكر البحر إلى أن نزل بمخيمه المنصور على أولونية (٤٤٣) في سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة (٤٤٨) واستباحها أسرا ونهبا، وافتتح من حصون ذلك البحر أربعة وثلاثون حصنا حصينا هدمت إلى الأساس وقتل من فيها، وغنم المسلمون من الكفّار ما لا يحصى من الأموال والسّبي. وآخر غزواته الكبار ﵀ ورضي عنه - غزوة سكتوار (٤٤٩)، وكان ذلك عند ما أصابه مرض النقرس فتألم به أشدّ الألم وهو يظهر الجلد والقوة ارهابا للعدوّ، فمنعه حكيمه من السفر فأبى وقال: أريد أن أموت غازيا في سبيل الله، فبرز بجيوشه المنصورة سنة أربع وسبعين وتسعمائة (٤٥٠)، فنزل على قلعة سكتوار (٤٤٩)، وهي من أعظم قلاع الكفار فأحاط عساكره بها، وكانت في غاية من الحصانة، واسعة شاسعة مكينة راسخة مشحونة بالآلات الحربية، وشجعان الكفّار وأبطالها / فضايقهم المسلمون فبرز الكفار للقتال، فاشتدّ النزال، ووقع في الكفرة الزلزال، فقبل الإنفصال إشتدّ بالسّلطان ﵀ مرضه، وغمرته غمرات (٤٥١) الوفاة، وهو مع ذلك - رضي الله تعالى عنه - يلهج إلى الله القريب المجيب بطلب الفتح القريب، فاستجاب الله دعاءه فأضرمت النّار في خزانة بارود الكفّار المخزونة بالقلعة، وكانت موفورة عندهم مهيّأة لقتال المسلمين، فأصابها شرر من النّار إجابة لدعاء ذلك الرّوح المقدس، فأخذت جانبا كبيرا من القلعة فرفعته إلى عنان السّماء، وزلزلت الأرض زلزالها إلى تخوم الأرض السّفلى، وتطاير جلاميد صخور الحصن، ورمت النّار بشرر كالقصر من جدران ذلك الحصن، والتهبت النّار وتزايد الدخان حتّى امتلأ الفضاء فضعفت طائفة الكفر وعذّبهم الله بنار الدّنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ (٤٥٢) فتزاحم الشجعان بآلات الحرب مع صدق النّيّة والإعتماد والتّوكّل على الله تعالى، وطبول الحرب ونيرانه تضرب، وتحاملوا على الكفّار حملة رجل واحد، وتعلّقوا بأطرف القلعة، وهجموا عليها من فوق الأسوار، واستشهد

стр. 666

من سبقت له من الله العناية، وفتح القلعة من نصره الله من المسلمين، ورفعت الرّاية السّليمانية على أعلى مكان من القلعة، ووقع السّيف في الكفّار، فقتل منهم من قتل، وأسّر من بقي، وعند وصول خبر الفتح للسّلطان / فرح، وحمد الله على هذه النّعمة العظيمة، وقال: الآن طاب الموت، فهنيئا لهذا السّعيد بهذه السّعادة الأبديّة، وطوبى لهذه النّفس الرّاضية المرضية، (من الّذين) (٤٥٣) ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤٥٤). ولمّا انتقل لدار السعادة، والحسنى وزيادة، أخفى حضرة الوزير الأعظم محمد باشا - رحمه الله تعالى - وفاة السّلطان ﵀ وخرج من عنده وفرق الجوائز السنية والإنعامات، وأعطى الأمراء والأتابكية (٤٥٥) الترقيات (٤٥٦) عملا بمقتضى السياسة السّلطانية عند الفتوحات، وأمر بإرسال البشائر إلى سائر الأقطار والجهات، وأرسل سرّا يستدعي السّلطان سليم خان ولد السّلطان سليمان خان المرحوم واستعجله في سرعة القدوم عليه، وكتم ذلك عن جميع الناس الخاص والعام، فأحسن تدبير السّياسة بذلك لأنهم لم يزالوا بديار الكفر بعيدين من ديار الإسلام، فوصل ركاب السّلطان سليم خان فأمر العساكر بالرجوع إلى أوطانها، وحمل السّلطان سليمان معه وعاد بأركان دولته وعساكر بابه العالي إلى القسطنطينية، فخرج إلى إستقباله جميع العلماء والولاة وسائر الناس من خاص وعام، فصلوا على المرحوم السّلطان سليمان، وأمّ (٤٥٧) النّاس المفتي الأعظم عالم زمانه وعلامة أوانه مولانا أبو السّعود أفندي المفسّر - رحمه الله تعالى - ودفنوه في تربة أعدّها لنفسه في قائم حياته، ورثاه الشّعراء بكل لسان بقصائد سارت بها الرّكبان / أعظمها قصيدة المفتي المشار إليه وهي طويلة فلنذكر بعضها تبرّكا بالقائل والمقول فيه، وهي من البسيط مبدؤها: [البسيط] أصوت صاعقة أم نفخة الصّور ... فالأرض قد ملئت من نقر ناقور أصاب منها الورى دهياء (٤٥٨) داهية ... وذاق منها البرايا صعقة الطّور (٤٥٩)

стр. 667

تهدّمت بقعة الدّنيا لوقعتها ... وانهدّ ما كان من سور ومن دور (٤٦٠) أمسى معالمها تيماء مقفرة ... ما في المنازل من دار وديّور تصدّعت قلل الأطواد وارتعدت ... كأنّها قلب مرعوب ومذعور واغبرّ ناصية الخضراء وانكدرت ... وكاد أن تمتليء (٤٦١) الغبراء (٤٦٢) بالمور فمن كئيب وملهوف ومن دنف (٤٦٣) ... عان بسلسلة الأحزان مأسور فيا له من حديث موحش نكد ... يعافه السّمع مكروه ومنفور (٤٦٤) تاهت عقول الورى من هول وحشته ... فأصبحوا مثل مسجون (٤٦٥) ومسحور تقطّعت قطعا منه (٤٦٦) القلوب فلا ... يكاد يوجد قلب غير مكسور أجفانهم (٤٦٧) سفن مشحونة بدم ... تجري ببحر من العبرات مسجور أتى بوجه نهار لا ضياء له ... كأنّها غارة شنّت (٤٦٨) بديجور أم ذاك نعي سليمان الزّمان ومن ... مضت (٤٦٩) أوامره في كلّ مأمور ومن ملا جملة الدّنيا مهابته ... وسخّرت كل جبّار وتيهور (٤٧٠) مدار سلطنة الدنيا ومركزها ... خليفة الله في الآفاق مذكور معلي معالم دين الله (٤٧١) مظهرها ... في العالمين بسعي منه مشكور (٤٧٢) وحسن رأي إلى الخيرات منصرف ... وصدق عزم على الألطاف مقصور

стр. 668

بآية (٤٧٣) العدل والاحسان ممتثل ... بغاية القسط (٤٧٤) والإنصاف موفور مجاهد في سبيل الله مجتهد ... مؤيّد من جناب (٤٧٥) القسط منصور / بلهذميّ (٤٧٦) إلى الأعداء منعطف ... ومشرفيّ (٤٧٧) على الكفّار مشهور وراية رفعت للمجد خافقة ... تحوي على علم بالنصر منشور وعسكر ملأ الآفاق محتشد ... من كلّ قطر من الأقطار محشور له وقائع في الأعداء (٤٧٨) شائعة ... أخبارها زبرت (٤٧٩) في كل طامور (٤٨٠) يا نفس ما لك في الدّنيا مخلّفة ... من بعد رحلته عن هذه الدّور وكيف تمشين فوق الأرض غافلة (٤٨١) ... أليس جثمانه فيها بمقبور (٤٨٢) فللمنايا مواقيت مقدّرة ... تاتي على قدر في اللّوح مسطور وليس في شأنها للنّاس من أثر ... ومدخل ما بتقديم وتأخير يا نفس فاتّئدي لا تهلكي أسفا ... فأنت منظومة في سلك معذور (٤٨٣) إذ لست مأمورة بالمستحيل ولا ... بما ينوى بمجذول ومسرور (٤٨٤)

стр. 669

ولا تظنّنّه (٤٨٥) قد مات بل هو ذا (٤٨٦) ... حيّ بنصّ من القرآن مزبور (٤٨٧) له نعيم وأرزاق مقدّرة ... تجرى عليه بوجه غير مشعور إنّ المنايا (٤٨٨) وإن عمّت محرّمة ... على شهيد جميل الحال مبرور مرابط في سبيل الله مقتحم ... معارك الحتف بالرّضوان مأجور ما مات بل نال عيشا باقيا أبدا ... عن عيش فان بكلّ الشّرّ (٤٨٩) مغمور (إبتاع سلطنة العقبى بسلطنة ... الدّنيا) (٤٩٠) فأعظم بربح غير محصور (٤٩١) بل حاز كلتيهما إذ حلّ منزله ... من لم يغايره في أمر ومأمور أمّا (٤٩٢) ترى ملكه المحمي آل إلى ... سرّ سرىّ له في الدّهر مشهور وليّ سلطنة الآفاق مالكها ... برّا وبحرا بعين اللّطف منظور ظلّ الإلاه ملاذ الخلق قاطبة ... وملتجى كلّ مشهور ومدهور (٤٩٣) فإنّه عينه في كلّ مأثرة ... وكلّ أمر عظيم الشّأن (٤٩٤) مأثور / ولا إمتياز ولا فرقان بينهما ... وهل يميّز بين الشّمس والنّور سميدع (٤٩٥) ماجد زادت مهابته ... تخت الخلافة في عزّ وتيقور (٤٩٦) جدّ (٤٩٧) الجديدان في أيام دولته ... صارا كأنّهما مسك بكافور أضحى بقبضته الدّنيا برّمتها ... ما كان من مجهل منها ومعمور

стр. 670

بدا بطلعته والنّاس في كرب ... وسوء حال من الأحوال منكور فأصبحت صفحات الكون (٤٩٨) مشرقة ... وعاد أكنافها نورا على نور أكرم به ملكا (٤٩٩) جلّت مفاخره ... عن البيان بمنظوم ومنثور كأنّها ويراع الواصفين لها ... بحر خميس (٥٠٠) إلى منقار عصفور لا زال (٥٠١) أحكامه بالعدل جارية ... بين البريّة حتى نفخة الصّور (٥٠٢). سليم خان الثّاني: وبعد وفاة السّلطان سليمان خان - رحمه الله تعالى - تولّى السّلطان سليم خان الثّاني - رحمه الله تعالى -. كان مولده المبارك سنة تسع وعشرين وتسعمائة (٥٠٣) وجلوسه على تخت السلطنة بالقسطنطينية يوم الإثنين لتسع مضين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وتسعمائة (٥٠٤) ومدّة ملكه تسع (٥٠٥) سنين وعمره يوم تولي السّلطنة أربع (٥٠٦) وأربعون سنة وكان - رحمه الله تعالى - مجاهدا في سبيل الله، محبّا للعلم وأهله، وفي دولته
следующие страницы →