← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

من سبقت له من الله العناية، وفتح القلعة من نصره الله من المسلمين، ورفعت الرّاية السّليمانية على أعلى مكان من القلعة، ووقع السّيف في الكفّار، فقتل منهم من قتل، وأسّر من بقي، وعند وصول خبر الفتح للسّلطان / فرح، وحمد الله على هذه النّعمة العظيمة، وقال: الآن طاب الموت، فهنيئا لهذا السّعيد بهذه السّعادة الأبديّة، وطوبى لهذه النّفس الرّاضية المرضية، (من الّذين) (٤٥٣) ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤٥٤). ولمّا انتقل لدار السعادة، والحسنى وزيادة، أخفى حضرة الوزير الأعظم محمد باشا - رحمه الله تعالى - وفاة السّلطان ﵀ وخرج من عنده وفرق الجوائز السنية والإنعامات، وأعطى الأمراء والأتابكية (٤٥٥) الترقيات (٤٥٦) عملا بمقتضى السياسة السّلطانية عند الفتوحات، وأمر بإرسال البشائر إلى سائر الأقطار والجهات، وأرسل سرّا يستدعي السّلطان سليم خان ولد السّلطان سليمان خان المرحوم واستعجله في سرعة القدوم عليه، وكتم ذلك عن جميع الناس الخاص والعام، فأحسن تدبير السّياسة بذلك لأنهم لم يزالوا بديار الكفر بعيدين من ديار الإسلام، فوصل ركاب السّلطان سليم خان فأمر العساكر بالرجوع إلى أوطانها، وحمل السّلطان سليمان معه وعاد بأركان دولته وعساكر بابه العالي إلى القسطنطينية، فخرج إلى إستقباله جميع العلماء والولاة وسائر الناس من خاص وعام، فصلوا على المرحوم السّلطان سليمان، وأمّ (٤٥٧) النّاس المفتي الأعظم عالم زمانه وعلامة أوانه مولانا أبو السّعود أفندي المفسّر - رحمه الله تعالى - ودفنوه في تربة أعدّها لنفسه في قائم حياته، ورثاه الشّعراء بكل لسان بقصائد سارت بها الرّكبان / أعظمها قصيدة المفتي المشار إليه وهي طويلة فلنذكر بعضها تبرّكا بالقائل والمقول فيه، وهي من البسيط مبدؤها: [البسيط] أصوت صاعقة أم نفخة الصّور ... فالأرض قد ملئت من نقر ناقور أصاب منها الورى دهياء (٤٥٨) داهية ... وذاق منها البرايا صعقة الطّور (٤٥٩)

стр. 667

تهدّمت بقعة الدّنيا لوقعتها ... وانهدّ ما كان من سور ومن دور (٤٦٠) أمسى معالمها تيماء مقفرة ... ما في المنازل من دار وديّور تصدّعت قلل الأطواد وارتعدت ... كأنّها قلب مرعوب ومذعور واغبرّ ناصية الخضراء وانكدرت ... وكاد أن تمتليء (٤٦١) الغبراء (٤٦٢) بالمور فمن كئيب وملهوف ومن دنف (٤٦٣) ... عان بسلسلة الأحزان مأسور فيا له من حديث موحش نكد ... يعافه السّمع مكروه ومنفور (٤٦٤) تاهت عقول الورى من هول وحشته ... فأصبحوا مثل مسجون (٤٦٥) ومسحور تقطّعت قطعا منه (٤٦٦) القلوب فلا ... يكاد يوجد قلب غير مكسور أجفانهم (٤٦٧) سفن مشحونة بدم ... تجري ببحر من العبرات مسجور أتى بوجه نهار لا ضياء له ... كأنّها غارة شنّت (٤٦٨) بديجور أم ذاك نعي سليمان الزّمان ومن ... مضت (٤٦٩) أوامره في كلّ مأمور ومن ملا جملة الدّنيا مهابته ... وسخّرت كل جبّار وتيهور (٤٧٠) مدار سلطنة الدنيا ومركزها ... خليفة الله في الآفاق مذكور معلي معالم دين الله (٤٧١) مظهرها ... في العالمين بسعي منه مشكور (٤٧٢) وحسن رأي إلى الخيرات منصرف ... وصدق عزم على الألطاف مقصور

стр. 668

بآية (٤٧٣) العدل والاحسان ممتثل ... بغاية القسط (٤٧٤) والإنصاف موفور مجاهد في سبيل الله مجتهد ... مؤيّد من جناب (٤٧٥) القسط منصور / بلهذميّ (٤٧٦) إلى الأعداء منعطف ... ومشرفيّ (٤٧٧) على الكفّار مشهور وراية رفعت للمجد خافقة ... تحوي على علم بالنصر منشور وعسكر ملأ الآفاق محتشد ... من كلّ قطر من الأقطار محشور له وقائع في الأعداء (٤٧٨) شائعة ... أخبارها زبرت (٤٧٩) في كل طامور (٤٨٠) يا نفس ما لك في الدّنيا مخلّفة ... من بعد رحلته عن هذه الدّور وكيف تمشين فوق الأرض غافلة (٤٨١) ... أليس جثمانه فيها بمقبور (٤٨٢) فللمنايا مواقيت مقدّرة ... تاتي على قدر في اللّوح مسطور وليس في شأنها للنّاس من أثر ... ومدخل ما بتقديم وتأخير يا نفس فاتّئدي لا تهلكي أسفا ... فأنت منظومة في سلك معذور (٤٨٣) إذ لست مأمورة بالمستحيل ولا ... بما ينوى بمجذول ومسرور (٤٨٤)

стр. 669

ولا تظنّنّه (٤٨٥) قد مات بل هو ذا (٤٨٦) ... حيّ بنصّ من القرآن مزبور (٤٨٧) له نعيم وأرزاق مقدّرة ... تجرى عليه بوجه غير مشعور إنّ المنايا (٤٨٨) وإن عمّت محرّمة ... على شهيد جميل الحال مبرور مرابط في سبيل الله مقتحم ... معارك الحتف بالرّضوان مأجور ما مات بل نال عيشا باقيا أبدا ... عن عيش فان بكلّ الشّرّ (٤٨٩) مغمور (إبتاع سلطنة العقبى بسلطنة ... الدّنيا) (٤٩٠) فأعظم بربح غير محصور (٤٩١) بل حاز كلتيهما إذ حلّ منزله ... من لم يغايره في أمر ومأمور أمّا (٤٩٢) ترى ملكه المحمي آل إلى ... سرّ سرىّ له في الدّهر مشهور وليّ سلطنة الآفاق مالكها ... برّا وبحرا بعين اللّطف منظور ظلّ الإلاه ملاذ الخلق قاطبة ... وملتجى كلّ مشهور ومدهور (٤٩٣) فإنّه عينه في كلّ مأثرة ... وكلّ أمر عظيم الشّأن (٤٩٤) مأثور / ولا إمتياز ولا فرقان بينهما ... وهل يميّز بين الشّمس والنّور سميدع (٤٩٥) ماجد زادت مهابته ... تخت الخلافة في عزّ وتيقور (٤٩٦) جدّ (٤٩٧) الجديدان في أيام دولته ... صارا كأنّهما مسك بكافور أضحى بقبضته الدّنيا برّمتها ... ما كان من مجهل منها ومعمور

стр. 670

بدا بطلعته والنّاس في كرب ... وسوء حال من الأحوال منكور فأصبحت صفحات الكون (٤٩٨) مشرقة ... وعاد أكنافها نورا على نور أكرم به ملكا (٤٩٩) جلّت مفاخره ... عن البيان بمنظوم ومنثور كأنّها ويراع الواصفين لها ... بحر خميس (٥٠٠) إلى منقار عصفور لا زال (٥٠١) أحكامه بالعدل جارية ... بين البريّة حتى نفخة الصّور (٥٠٢). سليم خان الثّاني: وبعد وفاة السّلطان سليمان خان - رحمه الله تعالى - تولّى السّلطان سليم خان الثّاني - رحمه الله تعالى -. كان مولده المبارك سنة تسع وعشرين وتسعمائة (٥٠٣) وجلوسه على تخت السلطنة بالقسطنطينية يوم الإثنين لتسع مضين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وتسعمائة (٥٠٤) ومدّة ملكه تسع (٥٠٥) سنين وعمره يوم تولي السّلطنة أربع (٥٠٦) وأربعون سنة وكان - رحمه الله تعالى - مجاهدا في سبيل الله، محبّا للعلم وأهله، وفي دولته

стр. 671

السّعيدة وأيامه الغرّ الحميدة، وقعت فتوحات عديدة عظيمة، فمن أشهرها وأعظمها فتح حلق الوادي بمدينة تونس تخت سلطنة إفريقية بعد إستيلاء الكفرة اللئام عليها، ولنفرد هذا الفتح بباب لأنه المقصود الأعظم. ومنها فتح جزيرة قبرس بالسين المهملة (٥٠٧) /. قال في القاموس في باب السّين: قبرس جزيرة عظيمة للرّوم توفّت بها أمّ حرام (٥٠٨) بنت ملحان اهـ. وهي (٥٠٩) من البحر الشامي كبيرة القطر، مقدارها مسيرة ستة عشر يوما، وبها قرى ومزارع وأشجار كثيرة ومواش، وفيها معدن الزّاج القبرسي، ومنها يجلب إلى سائر الأقطار، وبها ثلاث مدن، ومن قبرس إلى طرابلس الشام مجريان في البحر، وبينها وبين ساحل مصر خمسة أيام، ورخاء قبرس شامل وخيراتها كاملة على ممر الأيام، وإنّما سميت بهذا الإسم أخذا من إسم وثن (٥١٠) هناك يسمى قابرس (٥١١) كان يعظّمه الكفّار، ويعظّمون لأجله هذه الجزيرة، وأهل قبرس موصوفون بالغناء واليسار، وبها معادن الصفر، ويجمع منها اللاّذن (٥١٢) الحسن الرائحة الّذي يغلب العود [في] طيبه إذا جمع من فوق شجره (٥١٣) خاصة فيحمل إلى سلطان القسطنطينيّة لأفضليته، وما تساقط منه على وجه الأرض يباع للناس. وكانت أمّ حرام (٥١٤) بنت ملحان الصّحابية - رضي الله تعالى عنها - شهدت غزوة قبرس فتوفّيت بها، فأهل قبرس يتبرّكون بقبرها، ويقولون: هو قبر المرأة الصّالحة، كانت سألت رسول الله ﷺ حين سمعته يقول: «يركب ثبج هذا البحر أناس من أمّتي ملوكا على الأسرّة»، الدّعاء أن يجعلها منهم، فدعا لها، وهو حديث معروف أخرجه رجال الصّحيح (٥١٥).

стр. 672

وكان معاوية - رضي الله تعالى عنه - غزاها وصالح أهلها على جزية سبعة آلاف دينار فنقضوا عليه، فغزاهم ثانية / فقتل وسبى كثيرا منهم، روي أنّه لما فتحت مدائن قبرس، واشتغل المسلمون بقسم السّبي بينهم (٥١٦) بكى أبو الدّرداء - رضي الله تعالى عنه - وتنحّى عنهم ثم احتبى بحمائل سيفه ودموعه على خدّيه فقال له أحد الحاضرين: أتبكي في يوم أعزّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلّ الكفر وأهله؟ فضرب على منكبيه وقال: ويحك ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، فبينما هي قوّة ظاهرة وسطوة قاهرة لهم على النّاس إذا تركوا أمره فصاروا أذلّة وصار حالهم على ما ترى من السّي والإهانة. وقال أبو عبد الله محمّد بن عبد النّور (٥١٧) في كتابه الرّوض المعطار في خبر (٥١٨) الأقطار: كان الأوزاعي يقول: إنا نرى هؤلاء أهل قبرس أهل عهد، وإن صلحهم وقع على شيء فيه شرط لهم وشرط عليهم، وإنّه لا يسع أحدا (٥١٩) نقضه إلاّ بأمر يعرف به غدرهم (٥٢٠) ورآى (٥٢١) عبد الملك، في حدث أحدثوه، أنّ ذلك نقض لعهدهم فكتب إلى عدّة من الفقهاء يشاورهم في أمرهم منهم اللّيث بن سعد، وسفيان بن عيينة وأبو إسحاق الفزاري، ومحمّد بن الحسن، فاختلفوا عليه، وأجاب كلّ واحد بما ظهر له، قالوا (٥٢٢) وانتهى خراج أهل قبرس الّذي يؤدّونه إلى المسلمين بعد المائتين من الهجرة إلى أربعة آلاف ألف [وسبعمائة ألف] (٥٢٣) وسبعة وأربعين ألفا (٥٢٤) اه. ثم إنّهم (٥٢٥) هادنوا في الدّولة العثمانية بأداء ما كان مقرّرا عليهم غير أنّهم أخذوا في المكر والخداع وإظهار الطّاعة وإخفاء / الغدر، فيقطعون الطّريق في البحر على المسلمين

стр. 673

حتّى [إذا] (٥٢٦) أخذوا سفينة من المسلمين قتلوا جميع من كان فيها وغرّقوها في البحر لإخفاء ما فعلوه، ويؤوون قطّاع الطّريق من النّصارى ويساعدونهم على المسلمين إلى أن كثر أذاهم وعمّ ضررهم، فاستفتى السّلطان سليم خان المفتي العلاّمة أبا السّعود العمادي - رحمه الله تعالى - فأفتاه بأنّهم غدروا ونقضوا العهد (٥٢٧)، وأن قتالهم جائز بسبب ما ارتكبوا من الغدر والخيانة، فجيّش (٥٢٨) عليهم السّلطان سليم جيشا كثيفا أرسله في البرّ وعمارة في البحر، وجعل سردار الجميع الوزير الأعظم مصطفى باشا اللالا - رحمه الله تعالى - فبرز بعسكر ملأ الأرض برا وبحرا فساروا إلى أن بلغوا جزيرة قبرس، ففرّق الجند على حصونها وقد تحصّن بها الكفّار، وأحكموا خنادقها، وكان من أحكم الحصون المشيّدة بها ثلاثة عامرة، وهي في غاية الإرتفاع مشحونة بالسّلاح والأبطال واللّئام والقوت ومن دونهم خنادق غويطة (٥٢٩) عريضة محمية بالمدافع الكبار ترمي من يقرب منها، فأحاطت العساكر بتلك القلاع فناوشوهم القتال برمي المدافع العظيمة باللّيل والنهار حتّى حطّمت دورهم وقصورهم، ففتحوا حصنين منها، وبقي الثّالث وهو المسمّى ماغوسا (٥٣٠)، وفيه سلطانهم محصور، فاضطرّ إلى طلب الأمان، فشرط عليه الوزير إطلاق من عنده من أسارى المسلمين ويحضر بين يديه، فوافق / على ذلك ورضي به، فلمّا قدم (٥٣١) الأسارى أخبروا أنه خان بعد إنعقاد الأمان (٥٣٢)، فقتل جماعة من الأسارى صبرا خفية على المسلمين، فلمّا علم الوزير ذلك طالبه (٥٣٣) بالحضور بين يديه، فحضر فأهانه غاية الإهانة بسبب ما ارتكبه من الخيانة، وأمر بضرب عنقه، وأخذ أمواله وذخائره، وقتل من أراد وأسّر وأطلق من أراد، فصارت قبرس دار الإسلام، ومن جملة الممالك العثمانية.

стр. 674

وتوفّي السّلطان سليم خان - رحمه الله تعالى - لسبع مضين من شهر رمضان سنة إثنين وثمانين وتسعمائة (٥٣٤) ودفن قرب أيا صوفيا (٥٣٥) - رحمة الله عليه -. بقيّة سلاطين آل عثمان: ولنمسك عنان القلم عن التّعرض إلى تفصيل مغازي من بقي من سلاطين هذه السّلالة المباركة لأنّ غرضنا بيان أحوال إفريقية، فوجب صرف عنان العناية لما يتعلّق بذلك، ولكن لا بدّ من ذكر أسمائهم ﵏ لتحصيل بركتهم وتزيينا لكتابنا بنظم عقدهم ورونق مجدهم، وإظهارا لحبّهم وتعظيما لشأنهم فإنهم أحقّاء بكلّ ثناء جميل - أدخلهم الله ظله الظّليل، وحشرنا معهم في زمرة أفضل الخلق أجمعين - فنقول: تولّى (٥٣٦) السّلطنة بعد السّلطان سليم - رحمه الله تعالى - ولده السّلطان مراد خان (٥٣٧) سنة إثنين وثمانين وتسعمائة (٥٣٨) ومدّة سلطنته واحد وعشرون سنة. ثمّ بعده السّلطان محمّد خان (٥٣٩) (تولّى سنة ثلاث وألف) (٥٤٠) ومدّة سلطنته تسع سنين (٥٤١).

стр. 675

ثمّ تولّى بعده السّلطان أحمد خان سنة إثني عشرة / وألف (٥٤٢) ومدّة سلطنته أربع عشرة سنة (٥٤٣). ثمّ [تولّى بعده السّلطان مصطفى وخلع ثالث ربيع أوّل سنة سبع وعشرين وألف] (٥٤٤). ثمّ تولّى بعده السّلطان عثمان خان (٥٤٥) سنة سبع وعشرين وألف (٥٤٦) ومدّة سلطنته أربع سنين (٥٤٧). ثمّ تولّى بعده السّلطان مصطفى خان سنة واحد وثلاثين وألف (٥٤٨) ومدّة سلطنته سنة واحدة (٥٤٩). ثمّ تولّى بعده السّلطان مراد خان (٥٥٠) سنة إثنين وثلاثين وألف (٥٥١) ومدّة سلطنته ستّة عشرة سنة (٥٥٢).

стр. 676

ثمّ تولّى بعده السّلطان إبراهيم خان سنة تسع وأربعين وألف (٥٥٣) ومدّة سلطنته ثمانية سنين (٥٥٤). ثمّ تولّى بعده السّلطان محمّد خان (٥٥٥) غازي وفاتح كندية (٥٥٦)، جلس على تخت السّلطنة سنة ثمان وخمسين وألف (٥٥٧) ومدة سلطنته أربعون سنة (٥٥٨)، وكان فتحه لكندية فيما بلغنا بذي القعدة سنة إحدى وثمانين وألف (٥٥٩). ثمّ تولّى بعده السّلطان سليمان خان (٥٦٠) سنة تسع وتسعين وألف (٥٦١) ومدّة سلطنته ثلاث سنين. ثمّ تولّى بعده السّلطان أحمد خان (٥٦٢) سنة إثنين ومئة وألف (٥٦٣)، ومدّة سلطنته أربع سنين (٥٦٤). ثمّ تولّى بعده السّلطان مصطفى (٥٦٥) خان سنة ستّ ومائة وألف (٥٦٦) ومدّة سلطنته تسع سنين (٥٦٧).

стр. 677

ثمّ تولّى بعده السّلطان أحمد خان (٥٦٨) غازي فاتح المورة، جلس على تخت السّلطنة سنة خمس عشرة ومائة وألف (٥٦٩)، ومدّة سلطنته سبع وعشرون سنة (٥٧٠). ثمّ تولّى بعده السّلطان محمود (٥٧١) خان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف (٥٧٢) ومدّة سلطنته خمس وعشرون سنة (٥٧٣). / ثمّ تولّى بعده السّلطان عثمان خان (٥٧٤) سنة ثمان وستّين ومائة وألف (٥٧٥) ومدّة سلطنته ثلاث سنين (٥٧٦). ثمّ تولّى بعده السّلطان مصطفى خان (٥٧٧) سنة واحد وسبعين ومائة وألف (٥٧٨) ومدّة سلطنته ستّ عشرة سنة (٥٧٩). ثمّ تولّى بعده السّعيد السّلطان عبد الحميد (٥٨٠) خان سنة سبع وثمانين ومائة وألف (٥٨١) ومدّة سلطنته خمسة عشرة سنة (٥٨٢).

стр. 678

فضائل العثمانيّين: ثمّ تولّى بعده سلطاننا السّعيد السّلطان سليم خان (٥٨٣) سنة ثلاث ومائتين وألف (٥٨٤) بارك الله في حياته، وقرن النّصر براياته، ونكس أعلام الكفر تحت أقدام جيوشه ومقدماته، وجعله محفوظا مؤيّدا معززا منصورا بالقرآن العزيز وآياته، وخلّد السّلطنة في عقبه وأهل بيته إلى يوم الحقّ وعلاماته، والله تعالى يتولّى أسلافه الكرام البررة بالروح والرّيحان وتمام المغفرة، ويبوّء الجميع وإيانا فردوسا مع نبيّنا صاحب الشّفاعة المنتظرة، ويديم على الأمّة المحمّدية هذه الدّولة السّعيدة على توالي الأيام، ويحمي بحمايتها كافّة الإسلام، ويبقي سلطنتها القاهرة على الدّوام (إلى يوم القيام) (٥٨٥) فكم لأسلافها الغزاة المجاهدين في نصرة الملّة المحمّديّة الغرّاء من يد بيضاء للنّاظرين، وكم فتحوا من أقاليم للكفر فصارت دار إسلام على رغم أنوف الكافرين، فالتحقت فتوحاتهم بفتوحات الصّحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وقلّدوا / هذه الأمّة مننا تعظم عن الحصر والإحصاء (٥٨٦) وتجلّ عن التكييف والإستقصاء (٥٨٧)، فهم ﵃ في هذه الأعصار حماة هذا الدّين بالسّيف والقلم، وحجّته الواضحة بالكلام (٥٨٨) والكلم. ولقد حكمت علماء أئمّة الإسلام واتّفقت كلمتهم - رضي الله تعالى عنهم - على أنّ سيوف الحقّ أربعة وما عداها للنّار، سيف رسول الله ﷺ في المشركين، وسيف أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - في المرتدّين، وسيف علي - رضي الله تعالى عنه - في الباغين، وسيف القصاص بين المسلمين، فسيوف آل عثمان ﵃ إذا سبرت لم تخرج عن هذه السّيوف الأربعة، فإنهم ما زالوا منذ كانت أسلافهم إلى نشأة أخلافهم - بارك الله فيهم - يجاهدون الكفّار والمرتدّين، ويقاتلون الباغين والمارقين،

стр. 679

ويقيمون حدود شرائع الدّين، فالله تعالى يمدّ ظلال سلطنتهم على المسلمين ويؤيّد بهم أهل السّنّة والدّين، ويقمع بهم أهل الكفر والأهواء والمخالفين، من قال آمين أبقى الله مهجته فإن هذا دعاء ينفع البشر. قيل في سبب عصمة العثمانية من الفتن وتغلب الأمراء والوزراء الّتي وقع فيها غيرهم من الدّول بعد عصمة الله السّابقة في سابق قضائه وقدره أنّ ملوكهم في أعصارهم منعوا أن يبايعوا غيرهم في تصرف الملك والإمارة والمناصب الجليلة والإشتراك / في الخطبة والسّكّة والإستقلال بزمام (٥٨٩) المناصب واتخاذ الحصون والقلاع، وتسيير الأغربة البحرية فخصّوا بذلك أنفسهم، وميّزوا ألقابهم عن ألقاب الوزراء، فما شاركهم في أسباب القوة والعدّة وجمع الخزائن الجهادية وغيرها أحد، وقطعوا رأس من تسمّى بالسّلطان والملك، وقطعوا ولاية العهد بتقديم البيعة، وفهموا الإشارة النبوّية في إشتراك (٥٩٠) البيعة إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر أو كما قال اهـ. من محاضرة الأوائل لعلي ددة، ثمّ (٥٩١) قال: سمعت بعض الأولياء نقلا عن الجفر (٥٩٢) الجامع أنه تمتد دولتهم إلى زمان المهدي، ويسلّمون الخلافة إليه ويكونون من شيعته وناصري دولته، وسمعت ممن أثق بقوله أنه ذكر ذلك عند حضرة السّلطان سليمان الغازي - رحمه الله تعالى - فقيل له: إن خرج المهدي في عصرك هل تسلّم له الخلافة بلا منازعة؟ فقال: أرى نفسي تنازعني في رياسة الخلافة لأنّه قيل آخر ما يخرج من قلوب الصّدّيقين حبّ الرياسة، فأنظر إلى كمال معرفته ﵀ بحقيقة النّفس الإنسانيّة حسبما قال الصّدّيق (٥٩٣): ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٥٩٤) الآية، اهـ. وقال الشّيخ أحمد بن قاسم بن أحمد ابن الفقيه قاسم إبن الشّيخ الحجري الأندلسي (٥٩٥)، وأنا أدعو للسّلطان مراد إبن السّلاطين العثمانيين الّذين أشهر الله /

стр. 680

بركاتهم في أرضه وبلاده، حتّى حصلت الرّوعة الموروثة خوفا منهم في قلوب النّصارى المشركين الكفّار، أهلكهم الله وأخزاهم وخذلهم ودمّرهم أشدّ الدّمار، وقد شاهدت في كثير من بلادهم وكتبهم وتحققت من خاصّتهم وعامّتهم أنّ الخوف الّذي في قلوبهم منهم لم يفارقهم في اللّيل والنّهار، وانقطع رجاؤهم الّذي كانوا يرجونه أن الدّولة العثمانيّة يكون إنقراضها عند السّادس عشر من سلاطينهم، واستدلّوا على ذلك من قول (٥٩٦) يوحنّا الحواري الّذي كتب رابع الأناجيل، ثم كتب كتابا مرموزا يسمّى ببقلبش (٥٩٧)، فتأوّلوا بعض رموزه على مقتضى غرضهم الفاسد، ومرادهم الخاسر، فأظهر الله بالبرهان أنّ قولهم كان باطلا وزورا، إذ هذا السّلطان الموجود الآن الثّامن عشر من السّلاطين، فزاد الحساب وظهر الغلط فيما تأوّلوه من الكتاب، وقال علماؤهم: إنّ من بركات (٥٩٨) الإنجيل الظّاهرة الآن أن يشغل السّلاطين العثمانيين عنهم وقد كذبوا، بل من بركات الإنجيل الظّاهرة أن نصر الله سلاطين الإسلام على النّصارى، حتّى يهينهم (٥٩٩) الله ويهلكهم لعدم إيمانهم بما أمرهم بالإيمان به (٦٠٠) لأن من جملة ما أمرهم به تصديق أحمد محمّد ﷺ لأنّ عيسى ﵇ (٦٠١) بشّر به وأمر بالإيمان به، قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٦٠٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ / لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٦٠٣) الآية. قلت: هذا ما كان في زمنه، وأمّا الآن فإن الله قد أظهر بركته في هذا النّسل السّعيد، وزاد عدده زيادة واضحة، فانقطع آمال الكافرين، وفرح بذلك المؤمنون،

стр. 681

كما (٦٠٤) قال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٠٥)﴾، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (٦٠٦)! وممّا نقل من تاريخ آل عثمان أنّ السّلطان عثمان خان أوّل السّلاطين العثمانيّة كان - رحمه الله تعالى - محبّا للمشايخ، ومستمدّا منهم، وكان في زمنه شيخ شهر «باده بالي» (٦٠٧) بات ليلة في زاويته وكان مجاب الدّعوة، وله كرامات مشهورة، فرآى رؤيا كأنّ القمر طلع من حرم الشيخ ودخل في حضنه فاستضاءت منه الأطراف، وعند ذلك نبت من سرّته شجرة قد سدّت الآفاق أغصانها، والأنهار تجري من تحتها، والنّاس ينتفعون بما حولها، فقصّ رؤياه على الشّيخ فقال الشيخ - قدّس الله سرّه - معبّرا للرّؤيا الدّولة المنصورة المؤبّدة (٦٠٨) بالقوّة القدسيّة، فزوّج الشّيخ إبنته من السّلطان عثمان، فكان من أمرهما ما كان - عليه وعلى أجداده وأعقابه الرّحمة والرّضوان - وأيّد دولتهم، وأصلح سريرتهم وسيرتهم (٦٠٩) إلى انقضاء الدّوران، والله المستعين المستعان، وقد كان إسم الزوجة المذكورة مال خاتون (٦١٠)، وهي والدة السّلطان أورخان، وهو أوّل من افتتح بورصة (٦١١)، وعثمان غازي أوّل من / دفن بها بعد الفتح لأنّها فتحت بعد وفاته بأيّام اهـ.

стр. 682

الباب الثّاني في دخول العساكر العثمانية المنصورة لإفريقية لإنقاذها من أيدي أهل الكفر والضّلال قد تقدّم أنّ محمّد الحفصي إشترك في حكم المؤمنين مع أهل الكفر (١) فصار لا يقضي أمرا دون رضا كبير الكفرة، وآل به الأمر حتى تغلّب عليه الكفّار، فلمّا تمكّن الكفّار (٢) كاتب صاحب إسبانيا (٣) رئيسه وأعلمه أنّ تونس في قبضته، فصار الكافر في بلده يفتخر بذلك بين أرباب ملّته وكبرائه، وإذا رآى منهم ميلا عنه يقول لهم: بلادي عندي متى أشاء أرحل إليها عنكم، يريد بذلك تونس، فأراد الإستيلاء عليها مرّة واحدة، فتكون تحت ذمّته ظاهرا وباطنا، كما تغلّب على بلاد الأندلس. واتّصلت هذه الأخبار المدهشة بحضرة السّلطان السّعيد سليم خان الثّاني - رحمه الله تعالى - فاستشاط غضبا لله ورسوله، وأخذته حميّة الدّين وعصبيّة الإسلام، وقد قيل إنّه رآى في النّوم الوليّ الصّالح العارف بالله قاطع آثار الشيعة في حياته الشّيخ سيدي محرز (٤) ﵀ ورضي عنه ونفعنا به - فأشار عليه باستنقاذ تونس من أيدي أهل الزّيغ والكفر والضّلال. وكان أهل الأندلس لمّا طغى عليهم أهل الكفر ولم يجدوا في ملوك أهل العدوة نجدة صرفوا همّتهم لاستنجاد هذه الأعتاب الشّريفة، فأخذ في (٥) تهيئة عمارة لنجدتهم، فلما بلغه إستيلاء الكفر عليهم، وتعسّر / ذلك الوقت إنقاذهم لاتصال بلادهم بأرض الكفر، ومزاحمة النّصارى المطرودين من البلاد الّتي إفتتحها الإسلام، فصاروا مزنوفين من جهة

стр. 683

العساكر الإسلامية لقوّتها (٦) عليهم فالتجؤوا إلى مضايقة الأندلس ومزاحمتهم وإزعاجهم من أرضهم حتّى طلبوا منهم الخروج لبرّ العدوة وإفريقية بلا قتال ولا حرب، فخرج أكثر النّاس، وإستضعف الكفّار من بقي، واستولوا على البلاد طوعا أو كرها ففات السّلطان سليم ﵀ تدارك الأندلس، فصرف عنان عنايته نحو إفريقية، وخاطب (٧) الوزراء العظام والبكلاربكية (٨) الفخام وقال (٩): من يقوم منكم بهذا الأمر، ويتقدّم لنصرة الإسلام وإذلال عبدة الصّليب والأصنام، ويستنقذ أسارى المسلمين من أيدي النّصارى الفجرة اللئام، فبادر الوزير الأعظم أبو الفتوحات سنان باشا ﵀ وقال: أنا لها، أنا لها، فقابله السّلطان بالقبول والإكرام، وحسن الثّناء والإنعام، فجعله سردار (١٠) العساكر أي الناظر عليها والحاكم فيها، وأمر بالتوجه معه لضبط العساكر في البحر وتسيير المراكب قابودان الباب العالي أمير الأمراء العظام قلج علي باشا - رحمه الله تعالى - فشرعا في أخذ أسباب السّفر وأخذا معهما من أمراء السّناجق من له خبرة بالتّصرف في أحوال البحر من الماء والريح وإجراء المراكب وضبط أحوالها، فشحنوا مائتي غراب وعدّة كثيرة من شونات (١١) المراكب الكبار لحمل الأثقال / والمدافع، قيل كان عدّة السّفن ألفا وخمسمائة سفينة، وكان يوم بروزهم من القسطنطينية يوما مشهودا في ساعة مباركة بغرّة أشرف الرّبيعين سنة إحدى وثمانين وتسعمائة (١٢)، فشرعوا في السّفر،

стр. 684

واجتمعوا بميناء ناورين (١٣) ومن هناك توجّهوا لبرّ المغرب إلى أن وصلوا إلى ماللو كليسان (١٤) من مملكة البندقية، فوصلوا يوم الخميس لخمس مضت من ربيع الأول ليمان الخير (١٥)، فاستقروا بها ليلة كاملة، وأصبحوا متوجّهين فعبروا بسفنهم إلى العمّان (١٦) وهو موضع ضيق يتعسر على أمثالهم لكثرتهم العبور منه بهذه السّفن الكثيرة خوفا من تصادمها عند شدّة تموّج البحار، ولكنّ الله سلّم، فساروا حتّى وصلوا وقت ظهر اليوم التّاسع إلى طبرق حصار وهو حصن منيع للكفار على ساحل البحر، فلمّا وصلوا حاربهم الكفّار فدهكهم عساكر الإسلام، فهرب الكفار إلى قلعة حصينة تسمّى تيجة (١٧) ولحقهم المسلمون فاقتتلوا فاستشهد من رزق الشهادة من المسلمين، وعجّل الله إلى النّار من مات من الكافرين، فلمّا غربت الشّمس رمي مدفع لإعلام الغزاة بالعود إلى سفنهم فحضروا وركبوا، فسافروا إلى أن وصلوا إلى جزيرة مسينة (١٨) في اليوم الرّابع عشر، فاستقرّوا بها يسيرا، ثم ساروا وافترقوا بالنّو (١٩)، ثم إجتمعوا ومرّوا بقلل يان (٢٠) فحوصرت وهدمت قلعتها، وقتلوا من بها من النّصارى، وعادوا إلى سفنهم، وصاروا ينزلون كلّ يوم للماء إلى جانب من ساحل / صجلية (٢١)، وكلّما وصلت يدهم إليه من نهب وغارة وقتل بادروا إليه، وأخربوا قرى الكفرة وبساتينهم، وعادوا إلى سفنهم، فاجتمع كلّ من في ذلك السّاحل من النّصارى من فارس وراجل وصاروا عسكرا فتقدموا لقتال من نزل من المسلمين إلى البر، فنزل إليهم المسلمون فهزموهم فقتل منهم كثير، وأسّروا النّساء والصّبيان، وفرّ من أمكنه الفرار من الرّجال، وأطلق المسلمون النّار في تلك السّواحل وحرقوا أشجارهم ودورهم.

стр. 685

وفي اليوم السّادس عشر من ربيع الأوّل ظفر المسلمون (٢٢) بسفينة للنصارى مشحونة بالقمح كانت متوجهة إلى بعض قلاعهم، فغنم المسلمون ذلك، فكان أخذها فالا حسنا للمسلمين. وفي ثامن عشر وصلوا إلى جهودا واسي (٢٣) وطاب ريح المسلمين، فوصلوا إلى قلعة خراب في أرض تونس قرب قليبية، فزيّنت السّفن والأغربة بالرّايات الملوّنة إظهارا لهيبة الإسلام وعنوانا للعساكر العثمانية، فأرسوا في اليوم الرابع والعشرين بمرسى حلق الوادي، ونزلت العساكر المنصورة، ونصبت وطاقات الباشا على مسافة لا تصل المدافع من حصن حلق الوادي إليها، ونصب معه أوطاق (٢٤) قلج علي وغيره من الكبراء، وأنزلوا المدافع الكبار، وشرعوا يتقربون قليلا قليلا إلى القلعة، ويبنون المتاريس يستترون بها، ويسوقون الأتربة أمامهم ويستترون / خلفها، ويحفرون الخنادق فينزلون فيها، فلا تصيبهم (٢٥) المدافع، فيتقدّمون إلى القلعة على هذا الأسلوب إلى أن وصلت العساكر المنصورة إلى القلعة، فتقدّموا بالبنادق وآلات الجهاد، ونصبوا بقرب القلعة المنجنيقات والمدافع، فوجهت إلى صوب (٢٦) الكفرة مع المكاحل (٢٧) الكبار، فأقدم الباشا بعساكره بصدق إعتقاد وإعتماد على الله تعالى، وتهيّأ الكفّار للنّزال، فتراموا بالمدافع، فبينما هم كذلك إذ وصل الخبر بوصول حيدر باشا - المقدّم الذّكر - وكذلك بكلاربكي طرابلس الغرب مصطفى باشا - رحم الله الجميع برحمته الواسعة - فوصلا ليلا (٢٨) مع قليل من الغلمان إلى وطاق سردار (٢٩) العمائر (٣٠) المنصورة، فدخلا على الوزير المعظم سنان باشا - رحمه

стр. 686

الله - فأراد أن يتوجّه معهما بنفسه، وأمر طائفة من أمرائه وعيّن نحو ألف نفس من التوفكجية وبعض المدافع الكبار والضربزانات (٣١)، وأن يتوجّهوا مع حيدر باشا ومصطفى باشا إلى محاصرة تونس وأخذها من النّصارى، وأرسل معهم من أمراء السناجق إبراهيم بك في سناجق محروسة مصر، ومحمود بك سنجق قرشتي (٣٢)، وسنجق قره حصار (٣٣) بكر بك (٣٤) وتوجّهوا إلى تونس فوصلوها وأحاطوا بها وناوشوا الكفّار (الذين بها بالقتال، فلمّا رآى الحفصي (٣٥) ومن معه من الكفّار) (٣٦) كثرة العساكر علموا أن لا طاقة لهم بقتالهم، مع أن قلعة تونس كان غالبها خراب لتواتر المحن وقلّة الإهتمام بها، وكذلك البلاد غلب عليها الخراب، فعجزوا عن تحصين البلاد / وقلعتها، فخرجوا من البلاد إلى البستيون (٣٧) - المقدّم الذّكر - خارج باب البحر شرقي تونس، فتحصّنوا به، فاجتمع به نحو سبعة آلاف مقاتل ما بين كافر ومرتدّ، وشحنوه بآلات الحرب والمدافع الكبار، وجمعوا فيه من الأقوات شيئا كثيرا، فخلت المدينة وقصبتها ولم يبق بهما من يصونهما فدخلتها العساكر العثمانية من كل جهة وضبطوها وحصّنوها، ثم عادوا إلى (قتال أولئك) (٣٨) الملاعين فحاصروهم في قلعتهم الّتي أحدثوها وأحكموها وأرسلوا خبر ذلك إلى سنان باشا (فأرسل إلى نصرتهم قلج علي باشا) (٣٩) بطائفة من العساكر المنصورة - رحم الله جميعهم - إلى إعانة من بتونس، فرآى قلج علي صعوبة القلعة الّتي بالبستيون (٤٠) لكثرة من فيها من المقاتلة وطلب عسكرا آخر وعدّة ومدافع أخرى من الباشا سنان، فأرسل إليه ألف ينكجري (٤١) مع علي آغة سلحدار الباب العالي وثمانية مدافع وستّة

стр. 687

ضربزانات (٤٢) فلمّا وصلوا القلعة إجتمع رأيهم أن يدوروا بالقلعة من كلّ جهاتها، وكان بها من الكفرة من تقدّم رجالا وفرسانا وجاء لنصرتهم طوائف عربان، فخرجوا من قلعتهم مرارا ودهموا المسلمين واقتتلوا مرارا، واستشهد من سبقت له الحسنى وألقي في نار جهنّم بعد نار الحرب من كذّب بالحسنى فريق في الجنّة وفريق في السعير، واشتدّ الأمر على المسلمين والمدد متّصل / بأعداء الدّين. فلمّا بلغ الخبر إلى الوزير الأعظم سنان باشا ﵀ توجّه بنفسه وترك أصحاب حلق الوادي على قتالهم، فلمّا وصل إلى قلعة البستيون (٤٠) وشاهدها وزّع على جوانبها عساكر المسلمين، ووعدهم النّصر المقرون بالصّبر في قوله تعالى ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤٣) وعيّن في كلّ موضع طائفة، وأشار عليهم بما هو الأليق والأصوب في الحروب، فاطمأنّوا واشتدّت قلوبهم، وعاد من يومه إلى حلق الوادي لاحتياج من به لحسن تدبيره، وآستمر كلّ من الفريقين على مجاهدة من في مقابلته. ووصل في أثناء هذه المقاتلة بكلاربكي الجزائر كان سابقا أحمد باشا (٤٤) لإعانة عساكر الإسلام، فدخل على حضرة الوزير واستأمر بما يأمره به، فأعطاه عدّة من المدافع، وعيّن له جهة الجنوب من حلق الوادي، فتوجّه إليها، وبنى المتاريس فيها، واستمر القتال، ووصل العسكر المنصور إلى حافة خندق الكفّار في مقدار تسعة (٤٥) عشر يوما فبنوا على حافته المتاريس، ووصل (٤٦) الكفّار للبرج - المقدّم الذّكر - قرب الحصن الكبير من تحت الأرض - حسبما مرّت الإشارة إليه -، فملؤوه بالآلات والرّجال، ففطن

стр. 688

المسلمون لذلك وهو أقرب للجانب الّذي فيه حضرة الوزير سنان باشا فتوجّه إليه بنفسه، ووقع فيه حرب شديد، فأخذ ما حصّنه الكفّار، وقتل من فيه منهم، واستخبر (٤٧) وأعمق الخندق الّذي وصل العسكر / إليه فإذا هو ستّون ذراعا بذراع العمل، وقعره متّصل بالبحر وهو ممتليء من ماء البحر، فتشاور أمراء الإسلام (٤٨) فما وجدوا لذلك حيلة إلاّ ملء الخندق ترابا (٤٩) وبقاء المتاريس عليه، فأمر الوزير (٥٠) بذلك فتسارع العساكر إلى ذلك، وباشر الوزير فمن دونه ذلك بأنفسهم حتى صار التّراب كأمثال الجبال، ورموا بذلك في الخندق إلى أن امتلأ وزاد في الإرتفاع، فبنوا المتاريس فوق ذلك إلى أن إرتفع وعلا فوق الحصار، قيل إنّهم إستعانوا على ردمه بالصّوف (٥١) فكان ما ألقي فيه سبعون ألف شليف وجعلوا مع كل شليف قنطارين من رصاص ليرسب في قعر الخندق، ولولا ذلك لرفع التيّار ما ألقي فيه من الصّوف، واستجلبت الأصواف من قبائل الأعراب المؤمنين (٥٢) لأنه حضر فيه من بقي على الإيمان من عربان طرابلس والجريد والجزائر، وحضره المحاميد وكبيرهم جدّ أحمد بن نوير، والصّوف أكثره كان من نجع دريد (٥٣) وباقيه من غيرهم، وكلّ شليف حمل جمل، وهو معروف العدد، والوزن فيه مختلف، عدده مائة جزّة شاة، والوزن يختلف بحسب الكبر والصغر، وكانت لتلك العساكر نيّة صالحة قيل إنه مرّ بعضهم ممن حضر تلك المواطن برجل من العسكر وهو حامل على ظهره حملا من الحطب لكي يلقيه في الخندق وبه عدة جراحات، / وهو على آخر رمق، قال: فأردت أن أخفّف عنه ذلك فأبى، ولم يزل سائرا به إلى أن ألقاه في محلّه ومات لوقته (٥٤) بحضور أجله - رحمه الله تعالى -.

стр. 689

وكان بناء المتاريس فوق الخندق لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الثّاني من سنة واحد وثمانين وتسعمائة (٥٥)، فصارت (٥٦) مدافع المسلمين تصل إلى قلعة الكفّار، فنال المسلمون من الكفّار كلّ منال ووصل أثناء ذلك بكلاربكي (٥٧) الجزائر المتولّي عليها إذ ذاك رمضان باشا ومعه ثلاثة آلاف مقاتل، فاجتمع بحضرة الوزير الأعظم سنان باشا وطلب منه خدمة يؤدّيها، فأرسله بمن معه من العساكر إلى إعانة من بالبستيون (٥٨)، فتوجّه ونزل في جهة من جهات تلك القلعة، واستمر الوزير في محاصرة حلق الوادي، ثمّ أقدم المسلمون على الدّخول إلى الحصار لما شاهدوا من وهن الكفار، قيل ومن قدر الله أنّ محمود بك (٥٩) سنجق غربي كان بعسكره من ناحية رادس (٦٠)، فعزم أهل الحصار أن يدهموه ليلا، على حين غفلة، فخرجوا عليه حين الفجر فوجدوه مستيقظا على أهبة فأوقع بهم، فانهزموا بين يديه فتبعهم بالقتل (٦١) إلى أن أدخلهم حصنهم، ووافق الحال أنّ الوزير صاح: من يقدّم نفسه إلى البرج ويبيع نفسه في مرضاة (٦٢) الله؟ ووعدهم بعطايا سنية زيادة على أجر الآخرة، وعيّن لهم من ألف دينار فدون، الأول فالأول وعمّم ذلك في جميع الأجناس وجميع الجهات (٦٣)، وإتفق أنّ المنهزمين / من ناحية رادس دخلوا وهم ذاهلون فلم يستطيعوا غلق الباب والمسلمون على أهبة، فحملوا حملة رجل واحد من كلّ الجهات، وأعلنوا بكلمة التّوحيد، وإرتفعت الأصوات، فتزلزلت الأرض لحملتهم ودخلوا القلعة وفتحوها عنوة بالسيف لستّ مضت من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وتسعمائة (٦٤)، فوضعوا السيف فيمن وجدوا فيها من الكفرة الفجرة، وغنموا ما وجدوا بها من آلات الحرب والذّخائر، واستأسروا (٦٥) النّصراني كبير القلعة

стр. 690

والعرب المرتدّين (٦٦)، وفرح بفتح هذا الحصن الحصين كافة المسلمين فإنه يعدّ من جلائل (٦٧) فتوحات الإسلام، لأنّ هذه القلعة كانت من أحكم القلاع الّتي أحكمتها النّصارى وأقواها مكنة وإستحكاما، وأشدّها ضررا على الإسلام. ومن أعجب الاتفاق (٦٨) أنّ هذه القلعة المنكوسة بنتها النّصارى المخذولون في سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة (٦٩)، وأكملوا إستحكامها في ثلاث وأربعين سنة، وفتحت في ثلاثة (٧٠) وأربعين يوما من أيّام محاصرتها بعدد السّنين الّتي أحكم فيها بناؤها كلّ يوم بسنة. ولمّا تمّ هذا الفتح رآى (٧١) الوزير سنان باشا ﵀ أنّ ترميم (٧٢) هذا الحصن وعمارته وحفظه بالعساكر والآلات الحربية يحوّج إلى مؤونة كبيرة، وخزائن من الأموال كثيرة مع قلّة جدواه (٧٣) وبعده (٧٣) عن الباب العالي، فرآى أنّ الأولى هدمه (٧٣) وتخريبه (٧٣) / حتّى لا يبقى (٧٣) للنّصارى مكمنا، فأمر بهدمه (٧٣) فهدم (٧٣) حجرا حجرا إلى أن وصلوا إلى أساسه (٧٣)، قيل ولم يبق من أثره إلاّ المكان الّذي كان مسكنا لقبطانهم. وأرسل الوزير المعظم بشائر النّصر إلى الباب العالي حضرة السّلطان سليم - رحمه الله تعالى - وبعده إلى سائر بلاد الإسلام ليأخذ المسلمون حظّهم من الفرح ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ (٧٤).

стр. 691

ولمّا قضى مآربه من حلق الوادي توجّه بمن معه من العساكر إلى البستيون (٧٥) ليطمئن من به من المسلمين ففرح المسلمون به، وحمل بمن معه على من في القلعة حملة واحدة وتسابقت العساكر إلى إستئصال الكفّار، وصبروا على حدّ السّيف وحرّ النّار، وإستشهد كثير من المسلمين، ولم يزالوا كذلك إلى أن دخلوا القلعة ونصبوا الرّايات السّلطانية على القلعة، ودخل بقيّة العساكر فوضعوا السّيف في الكفّار، وقتلوا منهم ثلاثة آلاف دارع (٧٦) مغلغل من قرنه إلى قدمه في سابغات الحديد، ورمى الباقون بأنفسهم من أعلى القلعة إلى أسفلها، وهم زهاء (٧٧) خمسة آلاف، فنزلوا على أقدامهم (٧٨) في الرّمل، وهربوا مقدار رمية (٧٩) سهم أو سهمين، وشرعوا في التّترّس بأتربة أرادوا أن يتحصنوا بها والمسلمون مشغولون بقتل من بقي في (٨٠) القلعة ونهب الأمتعة والأسلاب فوجد بها ألواح وأخشاب أعدّها الكفّار لإتقان القلعة وإحكامها وبارودا كثيرا / ومدافع وآلات حرب وبشماط (٨١) كثير لأزوادهم، وكانت القلعة غير محكمة البناء، ثم أمر الوزير الأعظم أن يتتبّع العساكر المنصورة أولئك الهاربين، فتتبّعوهم ووجدوهم في عمل مكان يتحصّنون به فهجموا عليهم هجمة واحدة فأيقن الكفّار أن (٨٢) لا مفر، فقاتلوا أشدّ القتال، فانقلب الكفّار صاغرين، وضرب في وجوههم الذّلّة ورجعوا منهزمين، وأعلى الله كلمة الإسلام بنصر المسلمين ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨٣). وجهّزت البشائر إلى الأعتاب العليّة العثمانيّة، وتطايرت (٨٤) أخبار هذه البشارة إلى سائر أقطار المسلمين، ولولا لطف الله تعالى بالمسلمين لعمّ أذى الكفرة الفجّار (٨٥) جميع

стр. 692

المسلمين فيتعدّى أذاهم من تونس إلى أخذ الجزائر وطرابلس، فيحكمون قلاعها وأسوارها وحصونها ويرتدّون عن الإسلام عربان المغرب، فيتقوّى الكفّار الفجّار على أخذ مصر وغيرها من ديار الإسلام، فأيقظ الله هذا السّلطان وبصّره لدفع أولائك الفجّار، ومزّقهم كلّ ممزّق وشتّت شملهم، وفرّق جمعهم، فلا يقوم لهم رأس إن شاء الله بعد ذلك، فرحم الله هذا السّلطان وعساكره الّذين سعوا في إستنقاذ بلاد الإسلام، وخلّد الله الملك في آله. وكان هذا الفتح الثّاني (٨٦) يوم الخميس المبارك لخمس بقين من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وتسعمائة (٨٧)، قيل إن طاغية النّصارى / الّذي كان طامعا في الإستيلاء على تونس لمّا سمع بمجيء العساكر العثمانيّة همّت نفسه أن يمدّ الحصار بمدد من عنده ويرسل عمارة بذخائره وجنوده، فبعث رجالا (٨٨) من حكمائه يتجسسون الأحوال، فرجعوا إليه مسرعين، فسألهم عمّا شاهدوه من أحوال عساكر الإسلام، فقالوا له: رأينا ما أذهلنا، فإنا رأينا كلّ ذي صنعة مشتغلا بشأنه، وكلّ من عيّن في مكان للجهاد ملازم لفرضه ونفله، والقوم بين جزّار وطبّاخ، وأسواق ملآنة بالبائع (٨٩) والمشتري وسمسار وحدّاد ونجّار وبيطار (٩٠)، ومنهم من يتداول الحرب ويعتمد عليه، ومنهم من همّه شأن نفسه ولا يلتفت إليه، وليس لأحد علم بما صنع الآخر، فلو بعثت إليهم بجميع النّصرانيّة لم (٩١) تغن شيئا، ولم تبق (٩٢) منها بقيّة، فبطل عزمه وزعمه، وانفشل حزمه، وانقطع رجاؤه وخاب أمله (٩٣). ولما فتحوا البستيون (٩٤) وجدوا الجامع الّذي بخارج باب البحر ملآن بالسّلاسل (٩٥) والأغلال كانوا أعدّوها (٩٦) للمسلمين، فكانت والحمد لله بعد الفتح في أعناق من

стр. 693

يقتل منهم، وأسرّ قبطانهم فأراد أن يفتدي بالمال، فضرب عنقه لأنّهم كانوا وجدوه يبني في رودس (٩٧) وفي جربة لمّا أخذها درغوث باشا، ووجدوه هنا في البستيون (٩٤) فأراح الله منه الإسلام. وكان (٩٨) تحصّن منهم طائفة بجزيرة شكلي / وهي في وسط البحيرة، فلمّا رأوا ما حلّ بهم وبقومهم طلبوا الأمان من الوزير الباشا سنان، فأمّنهم لمصلحة رآها، فجاءه مائتان منهم فأخبروه بأمور مهمّة منها [أنّ عندهم مائتين وخمسة من رجالهم أهل صناعات غريبة منها] (٩٩) عمل الطّوب الّذي يعجز عنه، ومنها تذويب الحديد والنّحاس وعمل المدافع الكبار، وغير ذلك من بديع الصّناعات، فأعطاهم الأمان، وأخذ أولئك المعلّمين وشرط عليهم تفريغ المدافع (١٠٠) وسبك النّحاس، وتكون في أرجلهم القيود وربط (١٠١) بعضهم ببعض، فرضوا بذلك، وأعطاهم على هذا الشّرط الأمان وكساهم، وجعل لهم العلوفة واستخدمهم الباب العالي، ومن ذلك الزّمان كثرت صناعة المدافع (١٠٢) بتلك الدّيار العليّة (١٠٣). وقتل في القلاع الثّلاثة عشرة آلاف مقاتل، واستشهد من الغزاة ما يقارب ذلك العدد، واستشهد من أعيان الأمراء أعلام، فمن مشاهيرهم صفر بك (١٠٤) صاحب إسكندرية، وبايزيد بك (١٠٤) سنجق (١٠٥) ترخانة (١٠٦)، وأحمد بك (١٠٤) سنجق (١٠٥) أولونية (١٠٧)، ومصطفى بك (١٠٤) سنجق (١٠٥) أسيس (١٠٨)، ومن أمراء الأكراد خضر بك (١٠٤) وغير ذلك عدد كثير، وأخذ الوزير من الأماكن الثّلاثة مائتي مدفع وخمس

стр. 694

مدافع من الكبار ومن (١٠٩) الصّغار وضربزانات (١١٠) ما لا يحصى فترك لحفظ تونس من الكبار خمسة وثلاثين مدفعا، وأرسل للباب العالي مائة وثمانين للإستعانة بها على الجهاد في أعداء الدّين. ولمّا (١١١) فرغ الوزير الأعظم من هذا الفتح الأفخم أنعم على جميع من / بالعسكر من الأمراء والكبراء والبكلاربكية وسائر الزّعماء وأرباب الجوامك والعلوفات بالتّرقيات العظيمة والمناصب الكبيرة لكلّ بحسب سعيه ورتبته، وعرض (١١٢) ذلك على (١١٣) الأعتاب العليّة، وكان مبلغا عظيما من الخزائن العامرة السّلطانية، فقوبل جميع (١١٤) ذلك بالقبول، ووقعت موقع الإجابة في المأمول والمسؤول، كما أنعمت الحضرة العليّة على الوزير بأنواع الإنعامات السّنية والتّرقيات العليّة زيادة على أجره المشكور لبذل نفسه في نصرة الدّين وأمواله لعساكر المسلمين، وأخذ ثأر المسلمين من الكفرة الملحدين بهذا الفتح العظيم، الّذي أجراه الله على يديه السّعيدة، ومساعيه الحميدة. ثم عاد حضرة الوزير الأعظم (١١٥) الأكرم بمن معه من عساكر الباب العالي إلى الحضرة العلية (١١٦)، وصحب معه كبير النّصارى ومحمّد الحفصي (١١٧)، فكان آخر العهد به، وقيل حبس في القلال السبع إلى أن مات بها، وأذن لسائر العساكر المنصورة وسائر الأمراء والبكلاربكية بالعود إلى أوطانهم وأماكن حكوماتهم مثل أمراء الجزائر وطرابلس ومصر، وورد الوزير الأكرم على الباب العالي الأفخم بمن معه ممّن يسدّ الثّغر، فقبّل قوائم سرير السّلطنة، فجلس السّلطان الأكرم والمقام الأعظم والسّلطان الأفخم، سلطان

стр. 695

العرب والعجم، السّلطان سليم خان - سقى الله ضريحه شئابيب الرّوح والرّيحان والرّضا والرّضوان، وأسكنه وأسلافه وأخلافه / وإيانا فراديس الجنان -، فقوبل بأنواع التّشريف والبشر والإكرام، ونال من الله وأمير المؤمنين كلّ ما تمنّاه، وفاز بمحبّة الله ورسوله، وظفر بجميع مأموله. وكان يوم دخوله يوما مشهورا مشهودا، وازدحمت الخلائق لمشاهدة طلعته البهيّة، وتبرّكت الأنفس بمطالعة أنوار محيّاه السّنيّة، وحصل مثل ذلك للقبودان من العزّ والإقبال ونيل المنى (١١٨) والتّبرك به، وكذا تبرّك النّاس بالنّظر إلى جميع المجاهدين، ومع ذلك فالكفّار يقادون في السّلاسل والأغلال مقرنين في الأصفاد مع شديد الذّلّ (١١٩) والنّكال، ودخلت المراكب مزيّنة بالألوية الملوّنة تخفق عليها رايات الفرح بالنّصر والظّفر، وأطلقت المدافع حتّى كادت الأرض أن تهتزّ ووردت (١٢٠) العساكر صفّا صفّا، وألفا ألفا، ورحم الله هذا السّلطان ووزرائه الكرام وأمرائه العظام وعساكره جنود الإسلام الّذين أخلصوا لله الطّاعة ولم يشقّ أحد منهم عصا (١٢١) الإسلام، ولا شذّ عن الجماعة، جعل الله سعيهم سعيا مشكورا، ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً، وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (١٢٢). وما رجع الوزير ﵀ إلى الأعتاب العليّة حتى مهّد البلاد، وأمّن العباد، وترك بتونس من العساكر العثمانية مائتي دار (١٢٣) على عادة العساكر العثمانية والمتعارف بينهم، كلّ دار (١٢٣) عبارة عن جماعة من الخمسة والعشرين رجلا وما يقرب منها، وعلى كلّ دار (١٢٤) قيّم يقوم (١٢٥) بها (١٢٦) على جاري قوانينهم (١٢٧) / ورتّب لهم

стр. 696

قوانين السّياسة، فصارت من بعده (١٢٨) ظاهرة الرّسم، باقية الحكم، وأضهر فيها نواميس الملك والسّلطنة وقرّر فيها المعلوم المرتّب، ويعبّر عن هذا العسكر الباقي بالينكشرية (١٢٩)، وعيّن لكلّ مقام من يصلح له، وقنّن القوانين الموافقة للشّرع والسّياسة المناسبة للحكمة والكياسة.

стр. 697

الباب الثّالث في ذكر أمراء تونس من العساكر العثمانية بعد فتح الباشا سنان - رحمه الله تعالى - عهد الباشوات: ولمّا تمّ الفتح المبارك، وسافر الباشا سنان قام الينكشرية (١) بعده فضبطوا ملك تونس، ومهّدوا قواعده ودعموها فتمكّن قدمهم ورسخت، واستمرت البلاد بأيديهم خلفا بعد سلف، وساعدهم القدر فأصلحوا ما فسد من قلعتها وأسوارها وسكنوا، وجعلوا دار الإمارة بها، وهي المعبّر عنها بدار الباشا، وجعلوا دار الدّيوان ليرسم (٢) بها عند التّشاور في الأمور، وجعلوا لهم قوانين يتميّزون بها، وأجروا (٣) في أوّل أمرهم الأحكام على قانون الجزائر، فجعلوا المتصرّف في البلاد دولاتليا (٤)، والمتصرف في دفع المرتّبات والنّظر في الأمور العامّة من السّراحات والإقطاعات وما ينضاف إلى ذلك هو الباشا الوارد من الأعتاب العثمانية (٥) فكلّما ذهب باشا خلفه باشا، ولا يكون إلاّ بتوليه من الأعتاب العثمانية، وجعلوا نظر العساكر لآغتهم (٦)، وجعلوا ولاة (٧) لجمع الجبايات، وسمّوهم

стр. 698

بايات (٨)، ودونوا الدواوين / وخرج الولاة لجباية الأموال على مقتضى تلك الدّواوين، وجعلوا تفرقة ذلك المال الّذي تجبيه البايات على العساكر في دار الباشا على مقتضى مراتب العساكر، فانتشرت الأحكام والأعلام في أقاليم إفريقية، وخطب الخطباء باسم السلاطين العثمانية، وضربت السّكّة باسمهم، وتوجّهت الآمال نحوهم، وانضافت إفريقية إلى السّلطنة العثمانيّة. واستمرّت عليها ولاياتهم (٩)، وتوجّه إليها زعماؤهم، وحكم فيها باشاواتهم، فكانت قطرا من أقطارهم، ودارا من ديارهم، (وجعلوا إصطلاحا على عادة) (١٠) أهل الجزائر المتحكّم في الدّيوان والعسكر جماعة البلكباشية (١١) (فساروا على ذلك زمانا، ثم أظهر (١٢) البلكباشية) (١٣) الحيف على إخوانهم من بقيّة العساكر، وساروا في أحكامهم بعنف، فجاروا على بعضهم حتّى أنّ الواحد من البلكباشية (١١) إذا كان عنده صبي (١٤) كانت له حرمة وافرة، فإذا شاء مدّ يده في اليلداش وما عسى من دونه (١٥)، فأنفت نفوس العسكر من ذلك، وأضمروا (١٦) لهم الشّرّ، وتعاهد العسكر بينهم على الفتك بهم في يوم معلوم [وهو] يوم جمعة وكان وكيل الخرج في الدّيوان واحدا معلوما منهم إسمه طبّال رجب فساعدهم على ما أرادوه ووعدهم أن لا يحضر ذلك اليوم لتكون بيت السّلاح مغلوقة حتى لا يجدوا سلاحا يدافعون به عن أنفسهم. فلمّا كان يوم وعدهم واجتمع الدّيوان دخل عليهم / العسكر على حين غفلة، ووضعوا السّيف فيمن وجدوه هنا لك، ولم يمنع (١٧) إلاّ من لم يحضر ذلك اليوم، وتتّبعوهم في منازلهم فقتلوا من وجدوه حيث كان، ولم ينج إلاّ من فرّ بنفسه، وكانت

стр. 699

هذه الواقعة آخر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وتسعمائة (١٨)، وتقدم هذه الواقعة إشارة إليها من الشّيخ سيدي أبي الغيث القشّاش (١٩)، وكان من رجال الله، صاحب صدقات وخيرات، وهو أستاذ الشّيخ (٢٠) سيدي عامر المزوغي (٢١) ﵀ ونفعنا بهم وبأمثالهم -، وكان على باب الإنفاق من فيض الله، فينفق على الفقراء، ويعمّر الزّوايا داخل تونس وخارجها، ويفكّ الأسارى، فلمّا رأوا تيسّر الدّنيا عنده، سوّلت لهم أنفسهم مطالبته بمال يستعينون به على مرتّباتهم فأبى، فألجأوه إلى ذلك، فبعث جماعة إلى الجزارين الّذين بتونس وأمرهم بشراء رؤوس الكباش، فاجتمع له منها شيء كثير، فلما وقع ما وقع من قتل العسكر للبلكباشية رآى الناس أنّ تلك الواقعة كانت عقوبة من الله لهم على إكراههم للشّيخ بغير موجب شرعي ولا عادي. بداية عهد الدايات: ثمّ إن العساكر تحزّبوا أحزابا وصار لكلّ حزب منهم رئيس فاجتمع عدّة رؤساء وصار كلّ رايس يدعى باسم الدّاي، ومعنى هذه اللّفظة بلغة الترك خالي بلسان العرب وهي تكبرة (٢٢) لمن ينادى بها (٢٣) في عرفهم، فاجتمع منهم نحو ثلاثمائة داي / وإذا حلّ بهم أمر إجتمعوا في القصبة وتشاوروا بينهم إلى أن يتّفقوا على أمر واحد، ولكن لا يتم لهم أمر إلاّ بعد مشقّة لكثرة الخلاف النّاشئ عن كثرة الدّايات. ابراهيم داي: وكان أكبرهم إذ ذاك إبراهيم داي (٢٤) إشتهر بينهم بشجاعته وكثرة جماعته إلاّ أنّه لم ينفرد من بينهم بالحكم، فمكث على حالته ثلاث سنين، وطلب منهم دستورا لحجّ

стр. 700

بيت الله الحرام، فأذنوا له ففارقهم ولم يعد إليهم بل عاد إلى وطنه من بلاد الروم (٢٥)، ومات هناك عن عمر طويل، قيل مات بعد الستّين والألف (٢٦). موسى داي: ولما خرج من بينهم قام مقامه موسى داي فأراد أن ينفرد بالكلمة في الحكم فلم يتم له ذلك، فمكث نحو سنة، فلما رآى إضطراب الأحوال طلب الدّستور في الذّهاب لحجّ بيت الله الحرام، فأذنوا له على شرط عدم العود إليهم، فذهب ولم يرجع. عثمان داي: ثمّ تتابع فيهم الرؤساء، وطلب كلّ أحد الإنفراد بالكلمة، فقام من بينهم إثنان أحدهما قاره صفر، والآخر عثمان، وهو أقلّ الدّايات جمعا إلاّ أنّ القدر ساعده، فوقع بينه وبين صفر داي مشاجرة، فذهب كلّ واحد إلى منزله ولبس لامة حربه وأقبل إلى القصبة، فسبق إليها عثمان فجلس في سقيفتها، واجتمع إليه بعض جماعته فلمّا رآى صفر داي مقبلا للقصبة، بعث إليه من ردّه وأمره بالخروج من البلد فخرج إلى الجزائر (٢٧) ومكث بها / دهرا طويلا ولم يعد حتّى فرغت أيام عثمان داي (٢٨) وكان خروجه سنة سبع وألف (٢٩). وفي أوّل حجّة منها كانت خطرة الجوامر، وهي ثلاث مراكب مالطية حرثوا هناك من النّو وفلت منهم إثنان بقية الخمسة فأخذ الثلاثة غنيمة.

стр. 701

وفي سنة خمس عشرة وألف (٣٠) عركوا جبل وسلات، وكذلك (٣١) الحملاجي باب عجم. ولمّا خرج صفر داي انفرد عثمان داي فهابه الرّجال وهربوا لأطراف البلاد خوفا من بطشه وبوادره، فهو أوّل داي إنفرد بالكلمة في سنة سبع وألف (٣٢)، فباشر الولاية بجأش متين وربّما باشر الأمر (٣٣) بنفسه وأحاط البلاد (٣٤) خارجا وداخلا، وربّما سمع بالرجل في الغابة فيخرج بجماعة حتّى يظفر به، وكان أصحاب البساتين قبل تولّيه إذا طابت غلاتهم طلبوا من الدّيوان من يحرسهم خوفا من وارد ولص ينهب غلاّتهم، فيعيّنون لكلّ مكان حفظة (٣٥)، ويجعلون لهم جعلا على حفظهم فأبطل عثمان داي تلك العوايد، وصار يحرسهم بعنايته لخوف العادين والسّرّاق منه، وجعل تلك العادة يأخذها الساقجي (٣٦) من الباعة الّذين يدورون على كلّ واحد فلسان، ولمّا تمّ أمره أرادوا قتله مرارا فلم يتمّ لعدوّه ذلك، ونفى أهل جربة القاطنين بتونس لأنّهم كانوا إذ ذاك تحت حكم طرابلس (٣٧) / فأجلاهم من تونس، وكثرت في أيامه غنائم البحر، وظهر في أيّامه صيت محمد باي إبن حسين (٣٨) باشا، فكان قبطان البحر بغلائطه فأتى بعدة غنائم، فكان عثمان داي إذا جاءته الغنائم طلع لحلق الوادي فيبيع الغنيمة كلّها من التّجّار فيربحون ربحا عظيما، وجاء في أيّامه دالي (٣٩) قبطان من برّ النّصارى وحاصر مراكب حلق

стр. 702

الوادي، ومنعهم من الخروج فخادعه عثمان داي إلى أن ظفر به وأسره فسجنه بالقصبة إلى أن مات بها. وفي سنة سبع عشرة وألف (٤٠) قتل عثمان داي محمد باي إبن حسين باشا خوفا من قيامه مقامه، وكان عمره يوم موته ثمانيا وعشرين سنة، وكانت فيه شهامة شديدة ونكاية لعدوّ الدّين - رحمه الله تعالى -. وفي هذه السّنة والّتي تليها جاء أهل الأندلس حين أخرجهم السبنيور (٤١) لمّا تقوّوا عليهم، وكانوا أوّلا بالخيار في البقاء والخروج فأوسع لهم عثمان داي في البلاد مع كثرتهم، وفرّق ضعفاءهم على النّاس وأذن لهم أن يعمّروا حيث شاءوا فانتشروا في البلاد وبنوا فيها، واستوطنوا عدّة أماكن فأنشؤوا بلاد سليمان وبلّي ونيانو وقرنبالية وتركي والجديدة وزغوان وطبربة وقريش الواد ومجاز الباب والسلوقية (٤٢) وتستور وبلاد العالية والقلعة وغيرها مما يزيد على عشرين بلدا (٤٣)، فصارت لهم مدن عظيمة / وغرسوا التّين والعنب والزّيتون وأكثروا البساتين ومهّدوا الطرقات (٤٤) للمسافرين بالكرارط (٤٥) وغيرها (٤٦) وصاروا يعدّون من أهل البلاد، وسكن طائفة منهم بتونس، فصاروا من أعيانها، وتخلّق أهل تونس بأخلاقهم. وبنى عثمان داي قنطرة مجردة على ثنيّة بنزرت سنة سبع عشرة وألف. وفي سنة ثمان عشرة وألف (٤٧) عركوا بلاد أركو والحملاجي باب عجم، وعركوا مطماطة ثلاثة أيام، والحملاجي درويش الطّويل. وتوفي عثمان داي - رحمه الله تعالى - يوم سبعة عشر من شوّال من سنة تسع عشرة وألف (٤٨)، ودفن بتربة الشّيخ سيدي أحمد بن عروس ﵀.

стр. 703

يوسف داي: وتولّى بعده يوسف داي (٤٩)، فاستقام أمره بلا تعب وكان عثمان داي ﵀ رشّحه في حياته وعقد له على إبنته، ولم يدخل عليها، وكانوا سألوه في مرضه من يلي بعده فقال لهم: صاحب الأمر عجم داي، وإن أردتم راحة أنفسكم قدّموا يوسف داي، (وكان عجم داي بباجة، وفيه شهامة زائدة، وقصد تولية يوسف داي) (٥٠) لمصاهرته، فبعد موت عثمان داي بعثوا لعجم رسولا وأصبحوا منتظرين وتجمّعوا عند دار عثمان داي، فبينما هم كذلك إذ دخل علي ثابت (٥١) وكان من أصحاب يوسف داي ﵏ جميعا - فلما رآى جمعهم أقبل بقوّة نفس وقبّل يد يوسف داي وبارك له، فما بقي أحد من الجماعة إلاّ وقبّل يده / وفعل كفعله فبايعه كبراء العسكر وطلعوا (٥٢) به إلى القصبة وأجلسوه كعادة أمثاله، فجاء بقيّة النّاس وبايعوه على طبقاتهم وتمّ الأمر، فمن الغد أقبل عجم داي من باجة فوجد الأمر قضي بليل فلم يسعه إلاّ المبايعة، فعرفها له يوسف داي، وعامله بالمبرّة والإكرام مدّة حياته سياسة وحسن جزاء - رحمة الله عليهما -. فأخذ علي ثابت، وكان أيضا ذا سياسة وتدبير، يساعد يوسف داي على الأمور وتدبير المملكة، وصرف نيّة يوسف داي عن التّزوج ببنت عثمان داي، فتخلّى عنها، ودبّر عليه (٥٣) بتزوّج (٥٤) حظايا الأعلاج لأنه خاف من مصاهرة أولاد عثمان داي مواجهة يوسف داي لهم دونه، فصرف عزمه ليستبدّ بالأمر، فكان كذلك فاستقام له الأمر، وقام هو بجده إلى أن بلغ رتبة لم ينلها غيره. وفي أيّام يوسف داي تحضّرت البلاد، وكثرت عمارتها، وكثرت مراكب الجهاد

стр. 704

في البحر، وبلغت عدّتها خمسة عشر مركبا من الكبار، فكثرت رؤساء البحر، وكان لمراكبه في البحر صيت وشهرة، ومن أعظم رؤسائه أولا قبطان صمصوم وقبطان وردية، كانا نصرانيين فأسلما، وكانا مسعودين فصار لهما صيت في البحر فساعدت (٥٥) المقادير بغنائم البحر واطمئنان البرّ. وكان مغرما بالأبنية الفاخرة كسوق الترك بتونس، فنمّقه على أبدع نظام ومسجده المشهور براس سوق (٥٦) الترك المذكور / ومدرسته الملاصقة للمسجد المذكور، وجعل للطّلبة مرتّبات وأرغفة وغير ذلك، وبنى بالسّوق المذكور ميضاة، وبنى سوق الجرابة والحمّام القريب منه وعدة فنادق لسكنى طائفة اللّوند، والبركة لبيع العبيد والحلي، وفتح باب البنات في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وألف (٥٧)، بعد ما كان مسدودا، وجعل عليه مصراعين وعدة حوانيت وسوقا قربه لبيع الغزل وعمرت في أيامه تلك الجهات بعد ما كانت خرابا والمار منها يخاف على نفسه نهارا. وكان إبتداء الصّلاة في المسجد المذكور يوم الجمعة في شهر رمضان المعظم سنة خمس وعشرين وألف (٥٨). ومن خيراته جلب الماء العذب على الحنايا (٥٩) المشتهرة به، وفرّق ماءها في المدينة في عدّة أماكن منها القبّة المرخّمة الّتي تحت صومعة جامع الزيتونة، لكنّ تلك المياه تارة تجري وتارة تتعطّل بحسب أمراء الوقت، فمنهم من يجريها بعنايته، ومنهم من يعطّلها باعراضه. ومن خيراته بناء قنطرة مجردة من ناحية طبرية، فكانت من أجلّ القناطر منظرا وإتقانا ومتنزّها، وكان عليها برج في حياته، ثم زاد فيه (٦٠) بعده مولاه نصر آغة، ثم تولّع به ولد الداي المذكور أحمد شلبي فضخّمه، ثم صار بعده لحفيده أبي الحسن علي باي، فزاده ضخامة حتى ضرب به المثل. ومن خيراته بناء / المواجل في الأماكن المعطشة، وجلب الماء من أماكن بعيدة لنفع المسافرين، وله صدقات عديدة (٦١).

стр. 705

وفي سنة عشرين (٦٢) عركوا جبل مطماطة تسعة أيام. وفي سنة إحدى وعشرين (٦٣) عركوا تيفاش والحملاجي باب عجم. وفي سنة إثنتين وعشرين (٦٤) عركوا سدّادة (٦٥) فأخذوها، وهدّموا قلعتها يوم الخميس والحملاجي باب مصطفى. وفي السّنة المذكورة كانت محلّة الجزائر الأولى ولم يكن فيها قتال وكان آغة المحلّة رتاز آغة في ثلاث من رجب. وفي السّنة المذكورة كان ابتداء بناية المسجد - المقدّم الذّكر -. وفي سنة خمس وعشرين (٦٦) عركوا مطماطة خمسة عشر يوما والحملاجي باب عجم وهدموها سنة سبع وعشرين (٦٧). وجاء الطّاعون (٦٨) لتونس سنة إحدى (٦٩) وثلاثين وألف (٧٠)، فيها مات الشّيخ سيدي أبو الغيث القشّاش ﵀ ومات فيها خلق كثير. وفي سنة أربع وثلاثين وألف يوم عشرين من رمضان (٧١) أخذوا زوج أغربة للمالطيين، وزيّنت لهما البلاد، وكان القبطان مراد داي قبل تولّيه دايا كانت ستة أغربة عمّرها من تونس، وخرجت خمسة أغربة مالطية من صقلية فجاءت في طلبهم، ووقع الحرب العظيم بينهم، ومات من الجانبين خلق كثير، فنصر الله المسلمين، وأخذ من الكفّار الغرابين، الكبير منهما يسمى ببطرونة الّذي ينوب عن غراب القبطانة، والآخر كان إسمه برانسيشق (٧٢) وفر الّذي كان فيه قبطان / النّصارى بعد أن أشرف على الأخذ، ووجد في الغرابين نحو خمسمائة مسلم.
следующие страницы →