← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وفي سنة خمس عشرة وألف (٣٠) عركوا جبل وسلات، وكذلك (٣١) الحملاجي باب عجم. ولمّا خرج صفر داي انفرد عثمان داي فهابه الرّجال وهربوا لأطراف البلاد خوفا من بطشه وبوادره، فهو أوّل داي إنفرد بالكلمة في سنة سبع وألف (٣٢)، فباشر الولاية بجأش متين وربّما باشر الأمر (٣٣) بنفسه وأحاط البلاد (٣٤) خارجا وداخلا، وربّما سمع بالرجل في الغابة فيخرج بجماعة حتّى يظفر به، وكان أصحاب البساتين قبل تولّيه إذا طابت غلاتهم طلبوا من الدّيوان من يحرسهم خوفا من وارد ولص ينهب غلاّتهم، فيعيّنون لكلّ مكان حفظة (٣٥)، ويجعلون لهم جعلا على حفظهم فأبطل عثمان داي تلك العوايد، وصار يحرسهم بعنايته لخوف العادين والسّرّاق منه، وجعل تلك العادة يأخذها الساقجي (٣٦) من الباعة الّذين يدورون على كلّ واحد فلسان، ولمّا تمّ أمره أرادوا قتله مرارا فلم يتمّ لعدوّه ذلك، ونفى أهل جربة القاطنين بتونس لأنّهم كانوا إذ ذاك تحت حكم طرابلس (٣٧) / فأجلاهم من تونس، وكثرت في أيامه غنائم البحر، وظهر في أيّامه صيت محمد باي إبن حسين (٣٨) باشا، فكان قبطان البحر بغلائطه فأتى بعدة غنائم، فكان عثمان داي إذا جاءته الغنائم طلع لحلق الوادي فيبيع الغنيمة كلّها من التّجّار فيربحون ربحا عظيما، وجاء في أيّامه دالي (٣٩) قبطان من برّ النّصارى وحاصر مراكب حلق

стр. 702

الوادي، ومنعهم من الخروج فخادعه عثمان داي إلى أن ظفر به وأسره فسجنه بالقصبة إلى أن مات بها. وفي سنة سبع عشرة وألف (٤٠) قتل عثمان داي محمد باي إبن حسين باشا خوفا من قيامه مقامه، وكان عمره يوم موته ثمانيا وعشرين سنة، وكانت فيه شهامة شديدة ونكاية لعدوّ الدّين - رحمه الله تعالى -. وفي هذه السّنة والّتي تليها جاء أهل الأندلس حين أخرجهم السبنيور (٤١) لمّا تقوّوا عليهم، وكانوا أوّلا بالخيار في البقاء والخروج فأوسع لهم عثمان داي في البلاد مع كثرتهم، وفرّق ضعفاءهم على النّاس وأذن لهم أن يعمّروا حيث شاءوا فانتشروا في البلاد وبنوا فيها، واستوطنوا عدّة أماكن فأنشؤوا بلاد سليمان وبلّي ونيانو وقرنبالية وتركي والجديدة وزغوان وطبربة وقريش الواد ومجاز الباب والسلوقية (٤٢) وتستور وبلاد العالية والقلعة وغيرها مما يزيد على عشرين بلدا (٤٣)، فصارت لهم مدن عظيمة / وغرسوا التّين والعنب والزّيتون وأكثروا البساتين ومهّدوا الطرقات (٤٤) للمسافرين بالكرارط (٤٥) وغيرها (٤٦) وصاروا يعدّون من أهل البلاد، وسكن طائفة منهم بتونس، فصاروا من أعيانها، وتخلّق أهل تونس بأخلاقهم. وبنى عثمان داي قنطرة مجردة على ثنيّة بنزرت سنة سبع عشرة وألف. وفي سنة ثمان عشرة وألف (٤٧) عركوا بلاد أركو والحملاجي باب عجم، وعركوا مطماطة ثلاثة أيام، والحملاجي درويش الطّويل. وتوفي عثمان داي - رحمه الله تعالى - يوم سبعة عشر من شوّال من سنة تسع عشرة وألف (٤٨)، ودفن بتربة الشّيخ سيدي أحمد بن عروس ﵀.

стр. 703

يوسف داي: وتولّى بعده يوسف داي (٤٩)، فاستقام أمره بلا تعب وكان عثمان داي ﵀ رشّحه في حياته وعقد له على إبنته، ولم يدخل عليها، وكانوا سألوه في مرضه من يلي بعده فقال لهم: صاحب الأمر عجم داي، وإن أردتم راحة أنفسكم قدّموا يوسف داي، (وكان عجم داي بباجة، وفيه شهامة زائدة، وقصد تولية يوسف داي) (٥٠) لمصاهرته، فبعد موت عثمان داي بعثوا لعجم رسولا وأصبحوا منتظرين وتجمّعوا عند دار عثمان داي، فبينما هم كذلك إذ دخل علي ثابت (٥١) وكان من أصحاب يوسف داي ﵏ جميعا - فلما رآى جمعهم أقبل بقوّة نفس وقبّل يد يوسف داي وبارك له، فما بقي أحد من الجماعة إلاّ وقبّل يده / وفعل كفعله فبايعه كبراء العسكر وطلعوا (٥٢) به إلى القصبة وأجلسوه كعادة أمثاله، فجاء بقيّة النّاس وبايعوه على طبقاتهم وتمّ الأمر، فمن الغد أقبل عجم داي من باجة فوجد الأمر قضي بليل فلم يسعه إلاّ المبايعة، فعرفها له يوسف داي، وعامله بالمبرّة والإكرام مدّة حياته سياسة وحسن جزاء - رحمة الله عليهما -. فأخذ علي ثابت، وكان أيضا ذا سياسة وتدبير، يساعد يوسف داي على الأمور وتدبير المملكة، وصرف نيّة يوسف داي عن التّزوج ببنت عثمان داي، فتخلّى عنها، ودبّر عليه (٥٣) بتزوّج (٥٤) حظايا الأعلاج لأنه خاف من مصاهرة أولاد عثمان داي مواجهة يوسف داي لهم دونه، فصرف عزمه ليستبدّ بالأمر، فكان كذلك فاستقام له الأمر، وقام هو بجده إلى أن بلغ رتبة لم ينلها غيره. وفي أيّام يوسف داي تحضّرت البلاد، وكثرت عمارتها، وكثرت مراكب الجهاد

стр. 704

في البحر، وبلغت عدّتها خمسة عشر مركبا من الكبار، فكثرت رؤساء البحر، وكان لمراكبه في البحر صيت وشهرة، ومن أعظم رؤسائه أولا قبطان صمصوم وقبطان وردية، كانا نصرانيين فأسلما، وكانا مسعودين فصار لهما صيت في البحر فساعدت (٥٥) المقادير بغنائم البحر واطمئنان البرّ. وكان مغرما بالأبنية الفاخرة كسوق الترك بتونس، فنمّقه على أبدع نظام ومسجده المشهور براس سوق (٥٦) الترك المذكور / ومدرسته الملاصقة للمسجد المذكور، وجعل للطّلبة مرتّبات وأرغفة وغير ذلك، وبنى بالسّوق المذكور ميضاة، وبنى سوق الجرابة والحمّام القريب منه وعدة فنادق لسكنى طائفة اللّوند، والبركة لبيع العبيد والحلي، وفتح باب البنات في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وألف (٥٧)، بعد ما كان مسدودا، وجعل عليه مصراعين وعدة حوانيت وسوقا قربه لبيع الغزل وعمرت في أيامه تلك الجهات بعد ما كانت خرابا والمار منها يخاف على نفسه نهارا. وكان إبتداء الصّلاة في المسجد المذكور يوم الجمعة في شهر رمضان المعظم سنة خمس وعشرين وألف (٥٨). ومن خيراته جلب الماء العذب على الحنايا (٥٩) المشتهرة به، وفرّق ماءها في المدينة في عدّة أماكن منها القبّة المرخّمة الّتي تحت صومعة جامع الزيتونة، لكنّ تلك المياه تارة تجري وتارة تتعطّل بحسب أمراء الوقت، فمنهم من يجريها بعنايته، ومنهم من يعطّلها باعراضه. ومن خيراته بناء قنطرة مجردة من ناحية طبرية، فكانت من أجلّ القناطر منظرا وإتقانا ومتنزّها، وكان عليها برج في حياته، ثم زاد فيه (٦٠) بعده مولاه نصر آغة، ثم تولّع به ولد الداي المذكور أحمد شلبي فضخّمه، ثم صار بعده لحفيده أبي الحسن علي باي، فزاده ضخامة حتى ضرب به المثل. ومن خيراته بناء / المواجل في الأماكن المعطشة، وجلب الماء من أماكن بعيدة لنفع المسافرين، وله صدقات عديدة (٦١).

стр. 705

وفي سنة عشرين (٦٢) عركوا جبل مطماطة تسعة أيام. وفي سنة إحدى وعشرين (٦٣) عركوا تيفاش والحملاجي باب عجم. وفي سنة إثنتين وعشرين (٦٤) عركوا سدّادة (٦٥) فأخذوها، وهدّموا قلعتها يوم الخميس والحملاجي باب مصطفى. وفي السّنة المذكورة كانت محلّة الجزائر الأولى ولم يكن فيها قتال وكان آغة المحلّة رتاز آغة في ثلاث من رجب. وفي السّنة المذكورة كان ابتداء بناية المسجد - المقدّم الذّكر -. وفي سنة خمس وعشرين (٦٦) عركوا مطماطة خمسة عشر يوما والحملاجي باب عجم وهدموها سنة سبع وعشرين (٦٧). وجاء الطّاعون (٦٨) لتونس سنة إحدى (٦٩) وثلاثين وألف (٧٠)، فيها مات الشّيخ سيدي أبو الغيث القشّاش ﵀ ومات فيها خلق كثير. وفي سنة أربع وثلاثين وألف يوم عشرين من رمضان (٧١) أخذوا زوج أغربة للمالطيين، وزيّنت لهما البلاد، وكان القبطان مراد داي قبل تولّيه دايا كانت ستة أغربة عمّرها من تونس، وخرجت خمسة أغربة مالطية من صقلية فجاءت في طلبهم، ووقع الحرب العظيم بينهم، ومات من الجانبين خلق كثير، فنصر الله المسلمين، وأخذ من الكفّار الغرابين، الكبير منهما يسمى ببطرونة الّذي ينوب عن غراب القبطانة، والآخر كان إسمه برانسيشق (٧٢) وفر الّذي كان فيه قبطان / النّصارى بعد أن أشرف على الأخذ، ووجد في الغرابين نحو خمسمائة مسلم.

стр. 706

وفي سنة سبع وثلاثين وألف (٧٣) كانت (٧٤) الواقعة العظمى (٧٥) بين عساكر الجزائر وعساكر تونس (٧٦) مات فيها خلق كثير، وكانت لثلاث عشرة خلت من رمضان يوم السبت، وكان السّبب في إستجلابهم الشّيخ ثابت بن شنّوف (٧٧)، وكان شيخا على نجعه، وكانوا متغلّبين على بلد الكاف ورعيّته، وهم أصل الفتنة بين العسكرين، فكانت البايات (٧٨) تهابهم، ولا يحوم أحد حول حماهم ولا يطرق دارهم، فاستجلبوا عسكر الجزائر بإطماعهم إياهم في البلاد، ولمّا التقى الجمعان كانت الدّائرة أوّل يوم على أهل الجزائر حتّى طلبوا الأمان لأنفسهم، ثم خانت أولاد سعيد وأشباههم فاختلّت مصاف العساكر التّونسية (٧٩) فتسارع الأعراب إلى نهب المحلّة والوطق، ولم تسكن الفتنة حتّى ذهب الشّيخ تاج العارفين العثماني والشّيخ إبراهيم الغرياني والشّيخ مصطفى شيخ الأندلس وغيرهم فصالحوا ما بين العسكرين. وفي السّنة الّتي تلتها كانت محلّة الكاف لقيام ابن شنّوف (٧٧) بها، وكابد هذه الأهوال مراد باي - رحمه الله تعالى - وكان صاحب دهاء. وفي سنة ثمان وثلاثين وألف (٨٠) أخذ النّصارى زوج غلايط لأهل تونس. وفي سنة إحدى (٨١) وأربعين (٨٢) توفّي الحاج علي ثابت، وجاء منصب الباشوية لمراد باي. وفي سنة سبع وأربعين / وألف مات يوسف داي ﵀ ليلة الجمعة الثالث والعشرين من رجب (٨٣) عن سنّ عالية، ودفن بتربة أعدّها مجاورة لمسجده (٨٤).

стр. 707

الداي أسطى مراد: فتولى بعده أسطى (٨٥) مراد داي إبن عبد الله، بويع صبيحة اليوم الّذي مات فيه يوسف داي، وكان أكبر من سعى في توليه أسطى مراد مامي، وهو أكبر مماليك يوسف داي، وكان يرى أنّه أحقّ بالأمر من غيره (٨٦)، إلاّ أنه قدم أسطى مراد على أنّهم إن رضوا به دبّر في خلعه واستبدّ بالأمر، فلمّا تمّ أمر أسطى مراد عاجله ونفاه لزغوان، فقتل هناك. فلمّا تمكّن وانقطع المخالف وأمنت المخاوف أخذ في تدبير مصالح البلاد، فأوّل شيء إبتدأ به أن قطع الخمّارات الّتي بين الأزقة، وكانت كثيرة وأبطل برج البستيون (٨٧) بإبطال بيع السّميد والدّقيق والقمح الّذي كان يباع هناك به، ونظر في معايش المسلمين أحسن نظر. وفي هذه السّنة أخذ السّلطان مراد (بغداد وفي سنة ثمان وأربعين وألف (٨٨) توفّي السّلطان مراد) (٨٩) حسبما مرّ وتولّى بعده السّلطان إبراهيم - رحمهم الله تعالى -. وأسطى مراد أوّل من أمر القوّاد بملازمة بابه كلّ عشية للإنصاف منهم لمن يشتكيهم. وفي أيامه بنى البرج الذي بغار الملح، وبنى هناك مدينة فاستوطنها جمع من الأندلس (٩٠)، وغيرهم، وكانت مخبأ للنّصارى، فانقطع ضررهم وهو أحد من رأس البحر ورزق فيه سعادة (٩١) كما تقدّم. وتوفّي سنة خمسين وألف (٩٢). /

стр. 708

الداي أحمد خوجة: فقام بالأمر بعده (٩٣)، أحمد خوجة ويقال له أوزون (٩٤) خوجة، وكانت توليته باتفاق من العسكر لأنّه كان رحيم القلب محسنا للفقراء والأيتام والأرامل، فمالت إليه القلوب، وكان أوّلا خوجة (٩٥) الدّيوان، فمن ذلك الوقت ظهر إحسانه وشفقته على أيتام العسكر وفقرائه، فكان سبب تولّيه. وفي أوّل تولّيه جاءت أغربة مالطة فدخلوا حلق الوادي، وأخذوا منه مراكب وأحرقوا عدّة مراكب فلم ينفعهم البرج، فمن ثمّ زيد برج آخر (٩٦) تحصينا للمرسى. وفي سنة خمس وخمسين (٩٧) كان إبتداء العمارة لكندية (٩٨)، وجاءت الأوامر السّلطانيّة بتجهيز المراكب والعسكر، فندب أحمد خوجة النّاس لذلك وجعل على أهل المدينة والرّبطين (٩٩) أموالا لتجهيز الّذين عيّنوا للسفر، وهم جماعة، وجعل لكلّ واحد مقدار ثلاثين كرونة (١٠٠)، وهيّأ معهم جملة من المساحي (١٠١) والفيسان (١٠٢) والقفاف، وحملهم في المراكب لحفر الخنادق وردمها وللمتاريس وشبهها ممّا تدعو إليه ضرورة الحرب، ثمّ توجّهت في السّنة الثانية. محمد لاز: وتوفّي أحمد خوجة (١٠٣) سنة سبع وخمسين وألف (١٠٤). فتولّى بعده الحاج محمد لاز، ومن هنا إرتفعت رتبة الباي عن رتبة الداي، فلا بدّ

стр. 709

من التّعرّض لذكر شيء من البايات الماضين عن هذا الدّاي، ثمّ نسوق الكلام على البايات بالذّات وعلى الدّايات بالعرض. بداية البايات: فنقول: لمّا كانت دولة بني حفص في أيّام إستقامتها، كان (١٠٥) سلاطينهم يخرجون بمحالهم لجباية أموالهم، ولمّا جاءت دولة العساكر العثمانيّة تقسّمت البلاد بين القياد، وصار أعظم قيّادهم يخرج بالمحلّة، وكانت الأعراب مع ذلك في قوّة واستحوذوا على جلّ البلاد كعرب إفريقية أولاد أبي اللّيل وأولاد أبي سالم (وأولاد حمزة (١٠٦)) (١٠٧) وأولاد شنّوف (١٠٨) عرب الكاف وأولاد سعيد وأولاد مدافع، وأهل الجبال غالبهم عصاة، فكان صاحب المحلّة يعاملهم بالمخادعة والرّفق والقوّاد يتعاقبون في التزامات المحال، فكانت أحوالهم غير مضبوطة، وكثرت الحكّام في المدينة، فكانوا في جهد مع الرّعيّة، وفي أقلّ الأمور يتعذّر الخلاص معهم وخصوصا أهل جبل عمدون ومن جاورهم وأهل جبل وسلات وأهل جبل مطماطة وغيرهم. فأوّل من سما (١٠٩) وأظهر ناموس البايات (١١٠) وتسامى وتسمى بهذا الإسم على الحقيقة القائد رمضان من الأعلاج، أصله من أهل الجزائر فخدم المناصب هناك، وانتقل إلى تونس، وتحصّل على هذه المرتبة، وكانت له سياسة وتدبير حسن فاقتنى المماليك وعلت رتبته، وتخرّج من مماليكه عدّة رجال أخذوا المناصب في حياته، وتسمّوا (١١١) بهذا الإسم قبل مماته، فمنهم مراد باي، ورمضان باي، وحسن باي، فهؤلاء مشاهير مماليكه، وكان أعلاهم همّة وأبعدهم صيتا مراد، فكان فيه زيادة حذق وقوّة علم بسياسة الرّعيّة وتدبيرها، وجباية الأموال وتحصيلها، فاستولى / في حياة سيّده

стр. 710

على الولاية (١١٢) الضّخمة، واستخلفه في حياته، وكان يتفرّس فيه النّجابة على الإثنين الآخرين. مراد باي وبداية الدولة المرادية: ولمّا مات أستاذه أراد [أخوه] (١١٣) رجب باي أن يستبدّ وحده بالأمر، فلمّا خرج بالأمحال لم يقم بها حقّ القيام كما يقوم مراد باي، ولمّا خرج بها مراد أتى بها على أحسن مراد، فكانا تارة يفترقان، وتارة يجتمعان، وفي محلّة الجزائر - المقدّمة الذّكر -، كان مراد وحده بمحلّة على جبالها، وهرب غالب مماليك سيّده إليه، ولمّا رجعوا إلى محلّة الكاف ساس الأمور بنفسه فكانت على وفق المراد، فلم يزل يعلو وغيره يسفل إلى أن بعث إلى الباب العالي فجاءه التّقليد من السّلطان سنة إحدى وأربعين وألف (١١٤) - حسبما مرّ -، وكان مغرما بقتال الفئة الباغية أولاد سعيد فاعتنى بتمزيق شملهم، وكانت له القدرة عليهم إلاّ أنه لم ينفرد بتدبير البلاد لمشاركة رجب له فيها، وآخر غزواته الّتي أجلاهم (١١٥) فيها، وقطعهم (١١٦) وأخرجهم من البلاد إلى وطن طرابلس، فلم يستقرّوا فيها وهي آخر محاله، جاءه (١١٧) خبر الباشوية وحيازة منصبها وهو على صفاقس، فتسمّى باسم الباشا (١١٨) وتخلّى لولده حمّودة باشا عن المحال فباشر منصب الباشالك، ولكن لم تصف له الأيام فمات من سنته ودفن بجوار سيدي أحمد بن عروس - رحمه الله تعالى ونفعنا به - ولما بنى ولده حمودة (١١٩) تربته / المجاورة للشّيخ في الجامع الّذي إستحدثه هناك نقله إليها (١٢٠).

стр. 711

الباي حمّودة باشا المرادي: فقام ولده بعده بالأمور وساسها على أحسن منوال، وأظهر من أبّهة الإمارة ما لم يظهره غيره، وفعل ما لم يفعله بنو حفص، فانفرد بالأمر، وباشر الولاية بقوّة جأش، وقابل الرّعيّة برفق وإحسان، وقرّب القاصي، وانتقم من العاصي، وكان كامل الذّات حسن الصّورة والأفعال والأخلاق، وله شهامة زائدة وجودة فكر مع رزانة ولين، وجعل كاتبه الصّغير بن صندل كاتب أبيه ومستشاره من قبل، وكان خليفته في السّفر رمضان باي وحسن باي وجعفر باي ومصطفى باي، وهؤلاء هم المشهورون من مماليكه، وكان جوادا شجاعا محبّا لأهل العلم والخير، وكان مجلسه مجمع أهل الفضل والعلم والأدب، وتجري في مجلسه مباحثة في العلوم، فيشارك فيها بفهم ثاقب وفكر صائب، ولأهل مجلسه مرتّبات سنيّة فيعمّ الجميع بالإحسان على قدر مراتبهم بالبرّ والبقر والغنم والدّينار والتّمر، والتّفاصيل إلى غير ذلك ممّا هو شأن السّلاطين. ولمّا مات رجب باي، إستقل بالأمر مطلقا فبعد شأوه وتهيّأ لقتال المفسدين من الأعراب ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٢١) ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (١٢٢) فتصدّى أوّلا لأولاد سعيد، وكانوا أوّلا مشتّتين في البلاد، ولمّا وقعت فتنة العسكرين (١٢٣) بسبب إبن شنّوف (١٢٤) - المتقدّمة الذّكر - قامت قيامة أولاد سعيد، فلجّوا في الشّقاق والنّفاق، وسدّ الطّرق وإظلام الآفاق، وكان المرحوم مراد باي لم يبلغ منهم مراده فكانوا يلجأون إلى حوالي الحامة ويتحصّنون بها لأنها ساعدتهم على نفاقهم سبع سنين، فخرج لهم حمّودة باشا ﵀ في محلّة الشّتاء سنة إحدى (١٢٥) وأربعين (١٢٦) وشدّ أزر مدينة القيروان بعد ما كاد يقع بها من أولاد سعيد الخسف، فاستوثق أمرها، وولّى عليها مملوكه القائد علي الحنّاشي، ودخل بمحلّته إلى بلاد الجريد، وخلّص مجباه، ثم إلتفت إلى الحامّة بعد تشتيت شمل أولاد سعيد وبني

стр. 712

شنّوف (١٢٧) وغيرهم من أخابث الأعراب، وضرب بعضهم ببعض، وألحق الغنيّ منهم بالفقير، والكبير بالصّغير، والجليل بالحقير، فقطع أهل الفساد، ونفاهم من البلاد، فخرج إلى الحامة وأرسل المؤونة في البحر، وحشد إليها الحشود، وجمع الجموع، ونصب عليها آلات الحرب من المدافع وغيرها، وحفر المتاريس، وأمر بقطع نخيلها، وحاصرها من جميع جهاتها، وأعذر (١٢٨) إليهم وأنذرهم بنزول البلاء فلم يلتفتوا، فلمّا لم يأنس منهم رشدا وأيس من إصلاحهم ولم ير منهم أحدا أقسم أن لا يرتحل عنهم إلى أن يحكم الله بينه وبينهم /، وجاءهم المدد من إخوانهم المتمرّدين فلم يغن (١٢٩) عنهم شيئا فضايقهم بالحصار، وناوشهم بالقتال، فمات من الفريقين كثير، وكانت في غاية من الحصانة، ولأهلها قوّة بأس وحرب والنخل محيط بها من جميع (١٣٠) جهاتها، والخندق محيط بها، فلمّا نفذ فيهم القضاء، بارت حيلهم، ودارت عليهم الدّوائر، فلم ينفعهم المدد ولا كثرة العدد ولا مداومة الحرب ومدافعتهم وإستعانتهم بالمفسدين، ففتحها بعد جهد جهيد، والإستعانة بكل ما يمكن من المال والرّجال وبعد موت الأبطال والشجعان، فدخلها عنوة بالسّيف، فقتل رجالها وسبى نساءها، ونهب أموالها، وبيعت أطفالها، وأخرجت مساكنها وأقفرت من ساكنها، وذلك سنة خمس وأربعين وألف (١٣١). وكان جبل وسلات قد رفع أنفه (١٣٢) فلمّا سمع ما حلّ بالحامّة إنقاد، وكذا غيره من العصاة والبغاة، وأذلّ بني شنوف، وأطاعه جميع العربان في جميع الأوطان حتّى أنّ ورغمّة أدخلهم في عمالته بعد أن كانوا يدّعون أنّهم من أجواد العرب، فنظّمهم في سلك أهل جبايته. وفي حدود الخمسين وألف (١٣٣) أخذ في تزميل الزّمول (١٣٤)، فأضاف دريد إلى

стр. 713

رعيّته وركب منهم عدّة فرسان، وجعلهم من جملة رجاله، فابتدأ بتزميل رجالهم، وجعل في كل فج زمالة من فجوج أوطانه، ولكل زمالة / رئيسا من رجاله مثل القائد حسن المنتسب لحسين (١٣٥) باي وهو أشجع رجاله، والقائد علي الحنّاشي، والقائد أحمد الرقيعي، وركب عدّة رجال من عسكر زواوة يقال لهم الصبايحية، وجعلهم ملازمين لركابه يسيرون معه حيث سار، وجعل صبايحية أخر فقرّر سكناهم بالقيروان، وجماعة منهم بالكاف، وجماعة بباجة لتأمين الطرقات والوطن. ثمّ توجّه لتطويع من شذّ عن الطّاعة من طاغية العرب كالشّيخ خالد بن نصر الحنّاشي وكان أشهر العرب صيتا ومنعة، وله عدّة وقائع مع عسكر الجزائر، وكان عمّر طويلا، ومارس الحروب، وشمخ بأنفه على العمالة التّونسية ويمتدّ في وطنها لمجاورتها لوطنه، ويتعرّض لمحلّتها فيتّقون شرّه ويهادونه بالهدايا فهزمه الله على يدي حمّودة باشا - رحمه الله تعالى - سنة أربع وخمسين وألف (١٣٦)، فلم تقم له بعد قائمة، وصار أولاده من خدّام ركاب حمّودة باشا، وكذلك الشّيخ إبن علي (١٣٧) دخل في الخدمة والطّاعة وكان من المتمرّدين على عساكر الجزائر، وهزمهم مرارا متعددة، فكان يتصرّف عن إذن حمّودة باشا مدّة حياته، وأوصاه بأولاده فكانوا لا يتشيّخ منهم شيخ إلاّ بمشورته، وإذا أصابهم ضيم دخلوا عمالته، فأمنت العباد، واطمأنت البلاد، وزال الفساد، فأمنت الظعينة في السفر من بلد إلى بلد، وزال الخوف عن الجمع والفرد، وبقيت / العمالة بستانا مثمرا والقفار حاضرة مزهرة (١٣٨). وفي سنة ثلاث وستين وألف (١٣٩)، توفّي الحاج محمّد (١٤٠) لاز. وتولّى بعده الحاج مصطفى لاز، وتوفّي سنة خمس وسبعين (١٤١)، فتولّى قارقوز (١٤٢).

стр. 714

وفي سنة ثمان وستين وألف (١٤٣) جاءت خلع الباشوية لحمّودة باشا مقرونة بالأوامر السّلطانية، فصار سلطان إفريقية على الإطلاق، وكانت محاله إذا خرجت لجباية الأموال تجعل سفرها نزهة تخرج وتعود في مدة شهرين مغمودة السّيف، ويهيّأ لها الخراج بنفس وصولها. وفي سنة ثلاث وسبعين (١٤٤) بعث إلى الباب العالي يطلب الإستعفاء (١٤٥) من المنصب، فعوفي فتخلّى عن التّدبير وقسّم البلاد بين أولاده الثّلاثة، فقدّم على المحال وخراجها ولده الأكبر مراد باي، وجعل بيد أخيه الذي يليه وهو محمّد الحفصي صنجق القيروان وسوسة والمنستير وصفاقس وجملة رعاياهم، وجعل بيد أصغرهم وهو حسن باي صنجق إفريقية، وكلّهم سمي في حياته وتلقّب بألقاب البايات (١٤٦)، ولم يخرج من الدّنيا حتى رآى ما سرّه في بنيه وبني بنيه. وله - رحمه الله تعالى - مآثر جميلة منها تشييد منارة الجامع الأعظم ببناء ضخم، وجعل في أعلاها داربيز (١٤٧) يقي المؤذّنين من الحرّ في الصّيف والبرد (١٤٨) في الشّتاء، وجعل فيها بسيطة لضبط أوقات الصّلوات مقابلة للنّاظر إليها، وإسمه منقوش عليها وتاريخ البناء / بأبيات الأديب الشّريف السّوسي. ومنها الحنايا لجلب الماء من مسافة بعيدة من آبار قصّة ضاهى بها الحنايا القديمة في ضخامة البناء، فأدخل الماء إلى البلد وفرّق في أزقّتها بحسب الإمكان. ومنها إنشاء المارستان بحومة العزّافين مع توفية ما يحتاج من طبيب وأدوية وطعام وأكسية للمرضى إلى غير ذلك من أوقاف يصرف من ريعها ما يحتاج إليه بعد ذلك. ومنها المسجد المجاور لسيدي أحمد بن عروس، وكان مكانه دورا أشتريت من أربابها، وأوقف عليه أوقافا تقوم به وبما يتوقف أمره عليه.

стр. 715

ومنها افتكاكه للمراكب الّتي أخذت للجزائر من أيدي النصارى المرّة بعد المرّة وعدّة أسارى ممن عداهم. ومنها تشييده باردو زيادة على ما أصلحه الحفاصة. ومات - رحمه الله تعالى - سنة ستّ وسبعين وألف (١٤٩). الدايات في عهد المراديين: وفيها إنعزل قارقوز (١٥٠)، وانفتح باب خلع الدّايات حتى خلع منه نحو أربعة عشر دايا، وأكثرهم يعزل بقرب توليته. فتولّى بعد قارقوز الحاج علي آغلي (١٥١) وعزل سنة تسع وسبعين (١٥٢). فتولّى الحاج شعبان خوجة (١٥٣)، وعزل سنة ثلاث وثمانين (١٥٤)، فتولّى الحاج محمد منتشالي، وعزل سنة ثلاث وثمانين (١٥٥)، فتولّى الحاج علي لاز، وعزل سنة أربع وثمانين (١٥٦)، فتولّى مامي جمل (فعزل سنة سبع وثمانين (١٥٧)، فتولّى الحاج محمد بيشارة، وعزل سنة ثمان

стр. 716

وثمانين (١٥٨)، فتولّى مامي جمل (١٥٩)) (١٦٠)، وعزل من سنته، فتولّى طاباق (١٦١)، وعزل سنة ثلاث وتسعين (١٦٢)، فتولّى أحمد شلبي / بن يوسف داي، وله نبأ عظيم. مراد باي: فلنرجع لذكر البايات حتى تنتهي إن شاء الله تعالى ونتكلم عليه بالذات فنقول: لمّا توفّي حمّودة باشا - رحمه الله تعالى - تولّى بعده أكبر أولاده وهو مراد باي، فانفرد بتدبير الأوطان، وسلك مسلك أبيه في تطويع العصاة من الأعراب وأهل الجبال. وفي سنة ثلاث وثمانين (١٦٣) خرج كعادته (١٦٤) إلى بلد الجريد فجاءته الأخبار أنّ أهل طرابلس عصوا عن باشتهم، وحاصروه في قلعتها إلى أن مات بها وأنّه أوصى بأولاده إليه، فسار إليها ليكشف الخبر، فخرج إليه عسكرها فأعذرهم وأنذرهم، فأبوا إلاّ قتاله، فقتل أكثرهم وأسّر باقيهم، ثمّ عفا (١٦٥) عنهم (١٦٦). وفي غيبته إتفق جماعة من العسكر على المكر به، فدخلوا القصبة وخلعوا الحاج محمد (١٦٧) منتشالي الدّاي - المقدّم الذّكر - وجعلوا مكانه الحاج علي لاز، وتعاقدوا على المكر بالبايات، فخرج محمد الحفصي ولحق بأخيه مراد باي، فبعث لاز يخادعهما فلم يغن شيئا فعند ذلك أمر أن تنهب (١٦٨) ديارهم ومنازلهم وأخذوا من متاعهم ما قدروا عليه، وكره النّاس هذه الفعلة لما وقع في البلاد من الهرج، ثمّ قدّموا على أنفسهم

стр. 717

محمّد آغة (١٦٩) وجعلوه بايا، فركب في الأسواق، وجلس في منازلهم وأخذ يستعدّ للحرب، وبعث إلى طائفة (١٧٠) من العربان ينتصر بهم، وخرج بمحلّته ونزل بالملاّسين، وهو مكان في طريق سيجوم، فبعث إليهم / الباي يحذّرهم عاقبة مكرهم فأبوا، لأنّ هؤلاء الخارجين كانوا رؤوس العسكر، فكرّر عليهم الإنذار، فأبوا إلاّ اللّجاج، فكانوا يخرجون كلّ يوم خارج البلد، ويستنفرون من على رأيهم فجاءتهم أشرار الأعراب (١٧١)، وهوّنوا الأمر عليهم ليأخذوا منهم الأموال، فأعطوهموها (مع ثياب) (١٧٢) وعزموا على الرّحيل فلم يجدوا ظهرا يحملهم، فلم تمض أيام إلاّ وقد طلع الباي عليهم فتناوشوا القتال، فلم تكن إلاّ ساعة من نهار وقد ولّوا على أدبارهم منهزمين، فأخذت مدافعهم وأمتعتهم، ووقعت فيهم مقتلة عظيمة، ومن أفلت التجأ إلى القصبة فغلقوا بابها سنة خمس وثمانين (١٧٣) وألف، ومن الغد أصبحت القصبة مغلقة الأبواب، وأهل البلد في حيرة لم تكن في حساب، وعاثت الأعراب في أطراف البلاد، ويوم الأحد قدّموا دايا: مامي جمل، وبعث أكابر العسكر إلى الباي يعتذرون إليه فقبل منهم وأمرهم بإخراج المفسدين من بينهم، فبعثوا إلى الجماعة المتحيزين بالقصبة فخادعوهم حتّى أخرجوهم وقتلوهم، وتتبّع آثار المفسدين بالقتل والنفي، واسترجع ما نهب من ديارهم، وردّ الأعراب الّذين كانوا معه إلى أوطانهم وكتب أوامر إلى الباب العالي، فجاء الجواب على مقتضى مراده. وفي هذه السّنة أخذ أهل وسلات في الشّقاق والنّفاق، وكان قد إلتجأ إليهم أبو القاسم الشوك لخوفه من سطوة مراد باي لأنّه كان والس عليه، وساعد بعض / أعدائه فاعتصم بالجبل (١٧٤) مع أبناء جنسه (١٧٥)، فكاتب الشّوك وحذّره فلم يقبل، ففي سنة

стр. 718

خمس وثمانين وألف (١٧٦)، خرج إليه بمحلّتين عظيمتين، وخرج أخوه (١٧٧) بمحلّة من صبايحيته، ونازل الجبل ودار به من كلّ فجّ، فبعد الإعذار والإنذار بادر إلى قطع أشجارهم وضايقهم، ثم دخل الجبل عنوة، وفرّ الشّوك أمامه بعد قتال شديد، وقتل نفسه بيده وجيء برأسه (١٧٨) وذلك بصفر من السّنة المذكورة (١٧٩)، ورجع بمحلّته مؤيّدا منصورا، فقسم المحال قسمين، ودخل تونس ومع ولده الأكبر محمد داي محلّة، ومع ولده الأصغر علي باي محلّة، وهذه آخر سفراته. ولم تطل بعد ذلك أيامه فتوفّي ﵀ بمنزله ببارد وفي العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ست وثمانين وألف (١٨٠)، ودفن بتربة آبائه. ومن آثاره الجميلة إنشاؤه بباجة مسجدا (١٨١) إمامه حنفي، والمدرسة الّتي عند باب الرّبع غربي جامع الزّيتونة بتونس وهي منسوبة إليه، ومدرسة بجربة للشّيخ الصّالح سيدي إبراهيم الجمّني - نفعنا الله به - قبل وفاته بسنة. محمد باي بن مراد: وبعد وفاته قام مقامه إبناه الشّقيقان - المقدّما الذّكر - محمّد باي وعلي باي - رحمهم الله تعالى -. ويوم وفاة والدهما كان محمّد باي بالمحلّة وعلي حاضر الوفاة، فاتفق أهل الحلّ والعقد على تولية الأخوين، وسيروا لمحمّد باي صحبة أخيه جماعة من أغوات العسكر، وصحبتهم خلع سلطانية وأوامر شريفة / بتوليتهما جميعا، (فقرئت الأوامر) (١٨٢) بالمحلّة على العسكر ولبست (١٨٣) الخلع وضربت الطّبول ونشرت الأعلام، فقام بالأمر محمد

стр. 719

أحسن قيام، واستوفى خلاص رعيته، ونفذت الأوامر على مراد الأخوين، ورجعا إلى حضرتهما في رجب من السّنة، فخرج النّاس للتّسليم (١٨٤)، واجتمع بكلّ منهما من وسوس له من الشّياطين فألقى إليهما أباطيل كانت سببا للبلاء على الخلق لما سبق في سابق القضاء والقدر، فانفتح عليهما باب الفتنة، فطلب محمّد أن ينفرد بالأمر على ما كان عليه في قائم حياة أبيه، وطلب علي المشاركة على ما اتفق عليه أهل الحلّ والعقد، وأبى كل أن يسلّم للآخر مراده، فجرت بينهما مشاجرة أفضت إلى التّحاكم، وحضرا في الدّيوان وتقارعا، ثم إتفقا أن يسلّما الأمر إلى عمّهما الأكبر محمّد الحفصي فرضي أهل الديوان فقدّموا عمهما وجعلوا بيده التّصرف في الحضرة والممالك، وخلعت عليه خلع الولاية. محمّد باي الحفصي: ولمّا تمّ أمره أخذ في إصلاح شأنه، فأنفت نفس محمّد باي من تقديم عمّه وكتم سرّه ولم يظهر لأحد خبره، فعزم على الخروج من الحضرة، ووافقه بعض جماعته، وخرج إلى ظاهر البلد كعادته فتوجّه إلى بلد الكاف أواخر شعبان (١٨٥)، وجدّ في السّير إلى أن بلغها، فانقسم النّاس، واختلفت آراؤهم، وتزايدت الأقوال، فاجتمع عليه بالكاف خلق كثير من كلّ الجهات، فأحسن إليهم، واستخرج من ذخائر أبيه، وأنعم على وفوده، وكان قبل خروجه من الحضرة / إتّفق إقبال ركب الحاج، وكان شيخه محرز ابن هندة، وكان من رجال الدّولة قبل الفتنة، وقد خاف الحفصي من هذه الفتنة، فخلع نفسه وردّ الأمر لابن أخيه محمّد باي، وبعث الشّيخ المذكور لبلد الكاف لإصلاح ذات البين، فلمّا وصل أحكم العداوة أكثر مما كانت عليه، وشاع الخبر أنّ محمّدا عزم (١٨٦) من الكاف إلى باجة، وأخذ منها ما يستعدّ به، ثم عزم (١٨٦) إلى ناحية القيروان، وأخذ شيخ الزّمالة أحمد الرقيعي وفتك به، وأنه معوّل على القدوم لتونس لمحاربة أخيه وعمّه.

стр. 720

فلمّا سمع عمّه بذلك خرج من المدينة ومعه إبن أخيه علي باي ليجمعوا أمرهم، فهرجت البلاد، ثم رجع محرز من الكاف فهوّن الأمر عليهما، وهو خلاف ما في باطنه، فرجعا إلى البلد، ثم أرسلوا ستّة من أكابر الدّولة، ورجع محرز المذكور برسالة غير الأولى فزاد بكيده في الشّرّ، وترادفت الأخبار أن الباي أقسم أن لا يدخل البلد وعمّه فيها، وذلك برمضان المعظّم من السّنة المذكورة، فلمّا صحّ الخبر عند عمّه كره إراقة الدّماء بين الفريقين فعزم على الخروج من البلاد، فهيّأ مركبا [حمل] فيه ما يحتاجه وسلّم ملكه ومتاعه وركب البحر من جهة رادس، وتوجّه نحو الأعتاب الشّريفة العثمانية. الفتنة بين محمد باي بن مراد وأخوه علي: وأمّا محمّد باي فلمّا علم بخروج عمّه من تونس أقبل إلى البلد، فخرج غالب النّاس للقائه، وخرج أخوه علي باي للقائه أيضا مع من خرج، فأظهر التّنكّر والحقد في / باطنه أكثر، ونزل في منزله بباردو، فجاءه النّاس للتّهنئة، ثم وقع بينه وبين أخيه إتّفاق تراضوا عليه (١٨٧) أوّلا، ثمّ نقضوه، وألزم أخاه الإقامة ببعض قصورهم خارج البلد وأن لا يدخل الحضرة في غيبته. وتهيّأ للمحلّة في شوّال سنة ستّ وثمانين وألف (١٨٨)، فسافر إلى بلاد الجريد، وفي غيبته تكاثر الوباء بتونس، ومات فيه عمّهما حسن باي، فحضر علي باي جنازته، وبعد زمان شاع الخبر أنّ علي باي توجّه نحو الغرب لخوف لحقه. وبعد ما استخلص محمّد باي مجابيه من الجريد رجع إلى إفريقية بمحلّته فاضطرمت (١٨٩) نار الفتنة، وخرجت المحلّة الصّيفيّة سنة سبع وثمانين (١٩٠) للوطن الإفريقي لخلاص المجابي، وجاء الخبر أن محمّد الحفصي نال رتبة الباشوية، فرجع محمّد باي إلى الحضرة وإتفق مع أهل الحلّ والعقد على أنّهم لا يقبلون أحدا جاءهم من عمّه ولا من أخيه، فوافقه العسكر على ذلك، وعقدوا مجلسا بجامع الزّيتونة، واتفقوا على كلمة

стр. 721

واحدة، وفي أثناء ذلك جاء الخبر أنّ محلّة الصبايحية كانت قادمة من جبل عمدون أخذها من أتباع علي باي القائد مصطفى سبنيور ومن معه من الأعراب، فخرج محمّد باي من فوره من المسجد وجدّ في سيره، ومن الغد بعث برؤوس الأعراب لتسكين الفتنة، والأراجيف كل يوم تتزايد. ولمّا تمّ من إفريقية توجّه نحو القيروان لأنّه بلغه نفاق وسلات، فسار إليه وحاصره من جميع الجهات وبعث / إليهم جماعة من المرابطين، فرضوا بأداء المال فلم يقبل منهم إلاّ أن ينزلوا على حكمه، فخافوا من ذلك ورضوا بالموت في منازلهم، ثم بعث إلى تونس فأمدّوه بعسكر ثان في شوّال سنة سبع وثمانين (١٩١)، ورجع في أثناء ذلك إلى تونس، واستحكم من العسكر بما أراد، ورجع من فوره إلى محلّته، وتتابعت رسله إلى أهل الجبل، ولم يتم له ما أراد فعزم على إستئصال الجبل من أوّله إلى آخره، فهيّأ له جموعه بعد ترادف العساكر عليه من كلّ الجهات (١٩٢). ودخل إلى الجبل من طرق شتى، ودهمهم أهله بما لا طاقة لهم عليه ولا قبل لهم به، فلمّا توسّط جل العسكر في الجبل وانتشب الحرب بين الفريقين كادت الدائرة أن تكون على أهل الجبل إلاّ أنه من قضاء الله المقدور ما اتفق أن علي باي كان في الجبل بطائفة من جماعته، وكان قائده مصطفى بكمين خارج الجبل، فلمّا سمع توسّط العسكر بالجبل بادر إلى المحلّة، وأخذ عدّة من الخيل والجمال وكاد يأتي على آخر المحلّة، فحاربه من بها من العسكر، ورموا عليه بالمدافع، فلمّا سمع من في الجبل من العسكر حسّ المدافع علموا بحادثة وقعت بعدهم، فوجلت قلوبهم وداخلهم الرعب، فولّوا منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد، فركب أهل الجبل ظهورهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ومات (١٩٣) جملة من رؤساء العسكر وخليفة الباي القائد محمد بن علي وجماعة من الأعيان، وكاد الباي / أن يقع في المكروه لولا أجله، فنجا بنفسه وترك المدافع في الجبل، ورجع إلى الأخبية بمن نجا (١٩٤) معه، ومن الغد رجع إلى المدافع وأتى بها ورحل إلى القيروان (١٩٥)، فمن هناك إتّسع الخرق على الرّاقع.

стр. 722

وفي ذي القعدة من سنة سبع وثمانين (١٩٦) وألف بعث إلى العسكر يستنجده فأمدّوه بعسكر ثالث ولكن لم يخرج (١٩٧) هو وبعث بمحلّة للجريد وسردارها محمّد رايس عرف طاباق المعدود في الدّايات، وقائده [القائد] (١٩٨) مراد، وبقي هو بمحلّته الثّانية، وجاءه الخبر بأنّ أخاه رحل من الجبل، وأنّه في جمع قليل، فطمعت نفسه في لقائه فلحقه وجدّ في طلبه بالسّير إلى أن لحقه بمكان يعرف بسبيبة، وكان يوم عيد الأضحى وعلي باي مقيم، فلم يشعر إلاّ والخيل أقبلت وأخبرته بأنّ أخاه قادم (١٩٩) عليه، وكان ذا حزم وشدّة، فأصلح شأنه وتهيّأ بجموعه فأدركه أخوه بمن معه، وكان غالب من معه أدركهم التّعب لعنف السّير، والتحقوا إبلا كثيرة أخذوها وبدا النّهب من العرب، فلمّا أمعنوا في النّهب دهمهم علي باي بمن معه، وحملوا حملة منكرة، وممّن كان في نجدته ذلك اليوم صهره شيخ العرب سلطان بن منصر (٢٠٠) بن خالد وجماعة من الصبايحية، فقابلوهم بنفوس أبية، فلم تمض ساعة إلاّ وهزموهم (٢٠١). وكان عسكر المحلّة أدركه التّعب فما وصلوا وبهم قوة، فلمّا رأوا المنهزمين نصبوا خيمهم وتحصّنوا بها فبعث إليهم علي باي يأمرهم أن يدافعوا عن أنفسهم خوفا عليهم من العرب / وقتل من الفريقين من حضر أجله، وفرّ محمّد باي إلى الكاف بمن قدر معه. وغنم أصحاب علي باي ما خلفه أخوه وعجز عن حمله، وكان شيئا مستكثرا لاستصحابه (٢٠٢) في هذه الوجهة (٢٠٣) من الذّخائر ما لا يوصف، فامتلأت أيدي العرب من المال والأمتعة. ولمّا انفصل الحرب بعث إلى أكابر العسكر وأمّنهم وسكّن روعتهم، ثم بعث جماعة من أصحابه إلى المحلّة الّتي توجّهت نحو الجريد، فاستوثقوا بها وجبيت المجابي

стр. 723

باسمه، ولما تيسّر له هذا الواقع بعث بالخبر إلى تونس، فوصل الخبر ثالث العيد، فاشتدّ الأمر على أهل الدّولة، واختلف رأيهم، ولم يفتح لهم من الرّأي إلاّ أن بعثوا جماعة من أكابر العسكر إلى المحلّة مع جماعة من العلماء ليقضوا بما فيه الصّلاح، فلمّا وصلوا خلعوا الحاج علي مامي جمل الدّاي، وولّوا الحاج محمّد بيشارة. واحتوى علي باي على منصب أخيه، وتصرّفت الأمور عن إذنه، وهذه آخر محلّة خرجت في تصرّف محمّد باي، (وأوّل محلّة دخلت في طاعة علي باي) (٢٠٤). ثمّ إنّه رحل من هناك فكانت له وقعة القرويين فكانت سببا لنفاقهم، فنزل بالفحص وأقام به أيّاما إلى أن تلاحق به العسكر، وأجمع رأيه أن يتوجّه إلى الكاف، فنزل قريبا منها، وبعث إلى تونس طالبا (٢٠٥) للمدافع، فسيّروا له ما أراد، وهناك جمع جموعه وقصد محاربة البلد، فنزل عليها ورمى المدافع وجعل العساكر [نوبا] (٢٠٦) في المتاريس فأصابت / المدافع أماكن من الحصار فتصدّعت ولم تقع. وكان في العسكر جماعة لهم ميل إلى محمّد باي فبعثوا إليه يستنجدونه، وكان في ناحية الغرب، فجدّ في سيره راجعا ودخل الكاف ليلا، ومشت بينه وبين العسكر عدّة رسل، فاتّفقوا معه ومكّنوه من المحلّة، فاستشعر علي باي بذلك وكان منعزلا بمحلّته خارج العسكر، فلم يشعر إلاّ والمدافع مالت إليه، والعسكر الّذي كان معه صار عليه فسقط في يده، ورحل من ساعته للجريد حثيث السّير خوفا أن تصل الأخبار إلى من هناك فوصل قفصة، ولم يخبر المحلّة الّتي هناك فأمر برحيلها، ورجع كعادته على الطّريق الجادة، فلمّا تسامع أهل المحلّة هرب بعضهم، وأقبل عليه أهل الفساد من الأعراب أولاد سعيد وأتاه الشّيخ أحمد بن نوير وجماعة من المحاميد وجمع عظيم من دريد، وجاءت الأجناد من كلّ فجّ عميق، فأقبل بجمع لا يعلمه إلاّ الله، ولمّا قرب من القيروان أظهروا (٢٠٧) له الشّرّ، فلم يعرّج عليهم فنزل بالفحص وترادفت عليه النّجوع من كلّ بلاد. ثمّ إنّ محمّد باي لمّا احتوى على المحلّة جدّد عهده مع أكابرها، وبعث إلى

стр. 724

تونس، فقام العسكر على ساق ومضوا للحاج مامي جمل داي وكان مختفيا بزاوية الشّيخ القشّاش، فأخرجوه وطلعوا به إلى القصبة وأعادوه (إلى منصبه وخلع بيشارة) (٢٠٨)، وبعد أيام قتل، ومن هناك ظهر التخالف، وعظم الإرجاف (٢٠٩) واشتدّ الخطب. فخرج من تونس / جماعة من أهل الفضل والصّلاح وأكابر الدّيوان لإصلاح ذات بين الأخوين فلم يقض الله ما أرادوه لطلب كلّ واحد من الأخوين ما لا يرضى (٢١٠) به أخوه، ففشا (٢١١) النّفاق في الأوطان، وتقاسمت النّاس، وسدّت (٢١٢) الطّرقات. ثمّ جاءت الأخبار لتونس أن علي باي فارق الفحص بجموعه وأنّه قادم لتونس، فلم يقبلوه وأمروا من معه من العساكر بمفارقته بالهروب إن أمكن فهرب منهم جماعة. ولمّا سمع محمد باي تثاقل عن المجيء لتونس، وجمع ما قدر عليه من الأعراب، فجاءه الشّيخ الحاج إبن نصر (٢١٣) وجماعته، فأضاف من انحاز إليه إلى محلّته وأقبل في عدد لا يعلمه إلاّ الله فجدّ في السّير إلى أن التقيا في الفحص، وتنازلا الحرب، فكانت الدّائرة لعلي على أخيه وغنموا ما معه، وكان الحرب بين أهل الخيل دون العسكر. والمحلّة الّتي كانت قدمت من الجريد بعثها علي باي لزغوان، وقال لهم: أقيموا هنا لك فإن كنتم معي رجعتم إليّ وإلاّ رجعتم إلى صاحبكم فأعطوه عهدهم فلم يقبل، وكان سردارها محمّد رايس طاباق، والمحلّة الّتي جاءت من الكاف انحازت بنفسها على ربوة ومترسوا على أنفسهم، ومنع علي باي من التّعرّض لها. فلمّا همدت (٢١٤) نار الحرب بعث إلى أكابر المحلّة فعدّد عليهم ذنوبهم، وكان آخر العهد بهم / واستقدم محلّة الجريد (٢١٥) فقدمت عليه، وبعث قائده مصطفى سبنيور

стр. 725

[وبلوك باشية] (٢١٦) إلى تونس ليخبروا (٢١٧) بالواقع، وكانت الواقعة آخر ربيع أوّل سنة ثمان وثمانين وألف (٢١٨). ولمّا جاءت الأخبار اشتدّ كرب أهل تونس لميلهم إلى محمّد باي، وبعث علي باي لقائده مصطفى فحاصر المدينة إلى أن أذعنت له البلاد بالطّاعة، وبعث لها الدّولاتلي محمّد طاباق داي بعد ما بايعوه بالمحلّة، وطلع لإفريقية لاستخلاص وطنها، فكانت له وقعة أخرى مع جموع أخيه كابن الحاج شيخ الحنانشة وأولاد أبي زيّان وجماعة من دريد، فكانت الطّامّة الكبرى، ومات الشّيخ سلطان الحنّاشي لأنّهم دهموه على غفلة عشيّة نهار فطعن ومات، وبات النّاس على عسس (٢١٩)، ومن الغد جدّد الحرب فمات خلق كثير، ووقعت الدّائرة لعلي باي (على أولاد الشابي ومن معهم، فغنم ما معهم (٢٢٠)، ثمّ استوفى علي باي) (٢٢١) مجابيه ورجع إلى وطنه وأحسن إلى الشّيخ أحمد بن نوير (٢٢٢) ورده إلى وطنه فمات قبل أن يصل قرب الحامة في معركة مع جنود محمد باي، وأخذ غالب نجعه هنا لك. ودخل علي باي تونس وصام بعض رمضان بها، وخرج بمحلّة الشّتاء فنزل القيروان أواخر رمضان، فرمى عليها بالمدافع ولو اتفقت كلمة عساكره لاستأصلها، فعيّد عليها. ثمّ رحل حين بلغه أنّ أخاه طرق البلاد الجريدية، فلمّا وصلها وجد / أخاه قد إحتوى على معظمها، وحصّن حصار قفصة وشحنه وفرّ إلى الزّاب عند قدوم علي باي فتبعه عدّة مراحل فلم يلحقه، ثمّ رجع فحاصر حصار قفصة (٢٢٣) فاستأمنه من به، فأمّنهم واحتوى على الحصار وما فيه (وجعل فيه) (٢٢٤) نوبة من رجاله. ثمّ بعد استكمال مجابيه رجع قاصدا تونس، فاتّصل به الخبر أن أخاه قد قصد تونس فبعث قائده مصطفى في عسكر صبايحية لحراستها فلم يغن شيئا لمحاربتهم إيّاه

стр. 726

فأحرقت الأبواب ونهبت الأسواق، وحاصر من بالقصبة، وحضر جميع عساكر تونس لقتال علي باي، وخرج في ذلك العسكر الدّاي الجديد ساقصلي، وخرجوا بأموالهم وأولادهم فبلغ علي باي الخبر قبل الوصول فجدّ في سيره، وبعث إلى أكابر المحلّة وأخبرهم بالقصّة فأعطوه عهودهم فوعدهم بزيادة (٢٢٥) خمسة نواصر [ترقيا] لكلّ واحد، ورحل إلى الفحص، فالتقى هناك بالمحلّة الخارجة من تونس ومعها محلّة من القيروان وغيرها من الكاف وصفاقس وعربان (٢٢٦) في أوائل محرّم سنة تسع وثمانين (٢٢٧) وألف، فلمّا التقى الجمعان صار النّاس على كلمة واحدة، فلمّا تحقّق علي باي خدعتهم رجع على عقبيه بمن معه من الصبايحية والزمول واجتمع العسكران، وبعثوا إلى محمّد باي وملّكوه أمرهم فرحل بهم في أثر أخيه وقد تمسّح (٢٢٨) أمامهم إلى مكان يعرف / بالمنزل، فلمّا توسّطوا كرّ علي بمن معه وصدقوا (٢٢٩) الحملة فبدّد شملهم، ومات خلق كثير وغنم كثيرا وقطع رؤوس القتلى وحملها على الجمال وبعث بها إلى تونس فوضعها بباب القصبة، ومات ساقصلي أكبرهم. ثمّ جاءته رسل القيروان لطلب العفو فعفا (٢٣٠) عنهم ورحل ونزل قريبا منهم وأمّنهم ما عدا إبن الشاطر الّذي دعاهم (٢٣١) إلى النفاق، فلم يعف عنه فمات في سجنه، ثمّ كرّ راجعا إلى تونس. وبعد استراحته خرج بمحلّة الصّيف المذكورة فخلّص مجباها ورجع لتونس قبل إبّانه ليلتقي بعمّه محمّد الحفصي لمّا أتى من أعتاب الحضرة العليّة العثمانيّة مستنصبا بالباشوية (٢٣٢) وصام رمضان بتونس، وعيّد وتوجّه إلى المنستير وقد استنفر لها [جمعا] (٢٣٣) من كلّ مكان، فنزل قريبا منها وحاصرها، وقطع ما قدر عليه من

стр. 727

أشجارها، وكاد أن يستولي عليها. فأتاه الخبر أن أخاه في جمع بازاء جربة، فاستدركه خوفا من دخوله الجريد، فتوجّه نحوه ففرّ أمامه ودخل الرّمل وفاته لحوقه فخلّص مجباه وأخذ في رجعته على طريق صفاقس، فشنّ غارته عليها، فرعب أهلها، وأخذ جماعة منهم وقد خرجوا لبساتينهم على غفلة، ثمّ عفا (٢٣٤) عنهم ولم يهرق منهم دما. ثمّ أرسل محلّته لتونس سنة تسعين وألف (٢٣٥)، وسار هو بمن معه من الأعراب والصبايحية إلى ناحية الغرب لمّا بلغه / رجوع أخيه إلى هنا لك، وخرجت طائفته وامتدت في البلاد [لخلاص] (٢٣٦) مجباها وهو مقيم [بعساكره] (٢٣٦) من ناحية الحدادة لئلاّ يأتيه من قبل أخيه شيء. وأتاه الخبر أنّ أهل توزر اختلفوا عليه وأنّ أخاه ابتنى بها حصارا عظيما، فبعث إليهم جماعة من الصّبايحية، ثمّ وجّه لهم محلّة الشّتاء مع خليفته القائد مراد، وانتصر القائد مراد، ونزل العسكر على البرج (٢٣٧) وجعلوا متاريس، وحفروا لغما فهدّموا منه جانبا ودخله العسكر بالسّيف، فجاءت الأخبار [بأخذه] (٢٣٦) لتونس فرحل علي باي إلى الجريد فكمّل مجباها، ورحل (٢٣٨) لناحية المغرب بعساكره أوّل سنة إحدى وتسعين وألف (٢٣٩)، فأقام مقابلا لأخيه لئلاّ يحدث شيئا في البلاد، وأقام (٢٤٠) بمن معه من العرب ومحلّة الترك في ناحية الزوارين (٢٤١) وبعث إلى محلّة الصّيف، فخرجت له قبل أوانها، والتقت (٢٤٢) المحلّتان هنا لك، ودفع لهم مرتّباتهم في المحلّة لمّا اشتكوا الضعف. وعزم في وجهته هذه هلى منازعة بلد الكاف، فبعث إلى تونس في طلب المدافع، ثم قرب إلى بلد الكاف بجموعه فوقعت الحرب بينهم أيّاما. وفي أوّل ربيع الثّاني (٢٤٣) من السّنة المذكورة استنفر الدّاي العسكر بالأمر الشّديد وبعث إلى الكاف نصرة، وجاء الخبر إلى تونس أنّ الحرب وقع بين أهل الكاف وعلي باي يوم الجمعة في ستة وعشرين من ربيع الثّاني، وأنّه غزا (٢٤٤) على أخيه يوم الأحد

стр. 728

فاحتوى على ما / كان معه ولم يفلت من جمعه إلاّ القليل، ووقع الحرب بينه وبين أهل الكاف، فوقعت الهزيمة على عسكره. ويوم إحدى (٢٤٥) وعشرين [منه] نادى المنادي [في الحضرة] (٢٤٦): من أراد مرتّبه فليخرج إلى الكاف نجدة للعسكر (٢٤٧)، وحدّد لهم الدّاي أن لا رجوع للمرتّب إلاّ لمن بيده تسكرة (٢٤٨) بها طابع الباي، فخرجت النّاس ووقع الحرب بينهم وبين أهل (٢٤٩) الكاف، ورحلوا عنه في تسعة من جمادى الأولى. وفي إثنين وعشرين منه جاء الخبر لتونس من قبل أهل الجزائر طلبا للصّلح، فالتقوا بالباي ثمّ أرسلهم لتونس فأكرم الدّاي نزلهم، وبلغ الخبر إلى الباي أنّ أولاد سعيد أهلكوا الحرث والنّسل بعد ما كانت نارهم طافئة، وهم مجتمعون على عمّه وأخيه، فبعث إلى تونس فعيّنوا له عسكرا وارتحل بزموله ومن معه إلى القيروان فالتقى بهم، ووقع الحرب ساعة من نهار، فانهزم ذلك الجمع وهرب أولاد سعيد إلى ناحية المنستير ودخل الباشا للقيروان، ورحل علي من القيروان فنزل قريبا من المنستير وقد تحصّن به أخوه وأولاد سعيد، ولمّا طال الحال بأولاد سعيد رجعوا إلى خداعهم وبعثوا إلى الباي يطلبون منه أن يرحل عنهم يسيرا لكي يخرجوا له وينزلوا على حكمه، فرحل عنهم ونزل قريبا من سوسة، وأرسل إلى جماعة من فضلاء تونس يتوجهوا إليه ويحادثهم بمراده. وفي إقامته هنا لك بعث أهل صفاقس وطلبوا الأمان / منه، وأن يسلّموا له مقاليدهم، فأجابهم لما طلبوه وبعث معهم جماعة من أصحابه ليسلموا له البلد وهرب من كان فيها من قبل أخيه. وجاءت الأخبار لتونس، فامتنع الدّاي من إطلاق المدافع على جاري العادة لأنّه لم يأت كتاب من عند الباي، ثم جاء الخبر بعد أيام، ثم بعد العيد رحل إلى القيروان فغلقوا الأبواب ولم يخرج إليه أحد، فلم يتعرّض لهم، ونزل تحت وسلات. وفي خامس شوّال جاءت رسل الجزائر إلى تونس ثانية، وأظهروا قصد الصّلح بين الأخوين، فتبيّن أنّ قصدهم غير ذلك، فبعث الداي إلى أشياخ البلد واستخبر أحوالهم

стр. 729

فقالوا: ندافع عن أنفسنا وأولادنا، فشكر لهم ذلك، وجاءت الأخبار إلى أنّ الباشا خرج من القيروان فلحق بأهل الجزائر ودخل بهم الوطن، وأنّهم بعثوا جماعة منهم للكاف لأخذ المؤونة، وأنّهم أرادوا الدّخول للحصار، فمنعهم كافله، وفتكوا بأهل البلد، وتقوّى طمعهم في أخذ الكاف ومشت (٢٥٠) رسلهم إلى الباي وهو في منزله السّابق، فأجابهم بإرضائهم وقال: أنا قاصد إليكم فرحل بهم، ثمّ إن أهل الجزائر رحلوا عن الكاف، وفتح الكاف وتوجّه علي باي نحو الزوارين (٢٥١). علي باي: وفي ذي الحجة من السّنة المذكورة وقع الصّلح بين الباشا والباي، فتوجّه محمّد باي القيروان، وبقي علي باي حتّى أخذ خاطر أهل الجزائر ورجعوا إلى أوطانهم فأخذ يستجلب / خاطر أولاد سعيد ويماكرهم حتّى نزل عليهم بليل في الفحص فأحاط بهم صباحا وأخذهم أخذة رابية، ورحل إلى الجريد ومرّ بالقيروان وقابس وانتهى لجربة فصالح أهلها ومهّد الأوطان، ثمّ كرّ على الجريد راجعا لتونس، فلما قرب من القيروان خرج إليه أخوه للسّلام عليه فتعانقا ورجع كلّ إلى مكانه، وانفرد علي بتدبير المحال (٢٥٢) السّلطانية، وتصرّفت أحكامه في الأوطان والرّعية، وكانت غيبته ثلاثين شهرا ودخل مستقرّه في ثلاث من ربيع الثّاني سنة إثنين وتسعين وألف (٢٥٣). ثمّ إنّ محمّد باي (٢٥٤) صار كلّما ترقّى أخوه اغتاظ (٢٥٥)، فمن عجيب مكره أنّ أخاه لمّا اعتضد بطاباق (٢٥٦) أراد زرع الفتنة بينهما ليقطع عضده فكتب لطاباق صورة جواب خطاب مقرّر من طاباق مضمونه:

стр. 730

«أما بعد فقد بلغنا خطابكم وحمدنا الله على بذل نصحكم وليس بضائع في جانبنا، وما أوصيتنا كلّه صار في البال، ونعم النّظر، وهو أقرب لبلوغ الآمال (٢٥٧)، وجزاكم الله خيرا، ونحن ليس لنا تأخّر عن الشّروط الّتي اشترطت فكلّ منها سهل والسّلام». وأمر حامله أن يتوجّه به لعلي باي على وجه الخيانة لمحمّد باي، وطلب (٢٥٨) البشارة من علي، فلمّا قرأ الكتاب وكان بالجريد كرّ راجعا لتونس، ونصب شباك الخداع لطاباق حتّى ورد للسّلام (٢٥٩)، ولم يظهر له ممّا في نفسه شيئا. فلمّا ورد عيد الفطر وقد شمّ / طاباق رائحة التّغيّر من علي باي تأخّر يوم العيد فوقع ذلك التّأخّر بخاطر علي باي، فبعث من الغد القائد مراد له فلاطفه وحضّه (٢٦٠) على المسير فنبّه طاباق [طائفة] (٢٦١) الّذين كان أعدّهم بين يديه بالسّلاح، وسار إلى أن دخل باردو فغلق (٢٦٢) الباب في وجوه من خلفه، فتفرّق عنه جموعه. وكان علي باي أرسل خيلا قبل ورود طاباق، فكان كلّما فارق مكانا عمّروه حائلين بينه وبين رجوعه، فلمّا حصل بباردو (٢٦٣) قبضوا عليه وأتوا به لعلي باي فسجنه سبعة عشر يوما (٢٦٤)، ثمّ أرسله (٢٦٥) مع بلكباشية المعيّنة من الدّيوان على أن يدخلوه لغار الملح لمسكنه هناك قبل ولايته في المدّة الّتي كان فيها رئيسا بالبحر، وأوصاهم علي باي أن يخنقوه في بعض بساتين الطّريق، فلمّا بلغوا البستان المسمّى برأس الطابية ونظروا إليه قال لهم: أنزلوني هنا أسرّح نظري فساعدوه، فلمّا دخلوا تكلّموا خفية: أين نجد مكانا أليق من هذا؟ فقال أحدهم: وأين النّصارى أهل الخنق؟ ففطن طاباق (٢٦٦) فقال: إن

стр. 731

أردتم الخنق فاتركوني أتوضّأ، فتوضّأ وصلّى ركعتين وأخذ الحبل ووضعه في عنقه وأخرج محرمة من جيبه لربط يديه، ثمّ قال للنّصارى: إذا جذبتم فلا تريّحوا كالعادة ثمّ التفت للحاضرين وقال: سبحان الله! دخلت النّار خلف علي باي مرارا (٢٦٧) فانظروا بما كافأني، واشتغل بكلمة الشّهادة إلى أن فاضت روحه وكان صاحب / صدقات وإحسان فقدم على ما قدم. الداي أحمد شلبي ودوره في الفتنة بين الأخوين محمّد باي وعلي باي: ولمّا رأى أحمد شلبي إبن المرحوم يوسف داي ما وقع بطاباق من غير جرم وكان إذ ذاك آغة القصبة خاف ثائرة علي باي وبطشه فأغلق (٢٦٨) باب القصبة عليه، فأرسل علي باي أخاه رمضان باي وخليفته القائد مراد وجماعة من صبايحية الترك فكسوه قفطان الولاية وبايعوه، فأضحى أحمد شلبي دايا في إثنين من شوّال سنة ثلاث وتسعين وألف (٢٦٩). فلمّا بويع أخذته رعشة فاختلج جميع جسده لقوّة شهامته وشجاعته. فمن مآثره الحميدة النّاشئة عن شجاعته أنّه قدم مركبان (٢٧٠) من الجزائر غازيان (٢٧١) في سبيل الله فنزل بعض جندهما لتونس، ونزلوا بوكالة العطّارين، فمرّ إثنان منهم فمسكا غلاما من أطفال المسلمين للفاحشة، ومن الغد توجّها إلى مركبيهما (٢٧٢) بغار الملح فلمّا بلغه ذلك أرسل خلفهما لغار الملح من مسكهما في الطّريق، فلمّا وصلاه خنقهما وألقاهما ببطحاء القصبة. وكاتب حاكم الجزائر (٢٧٣) يقول له: إن بعضا من جندك تعدّى على أبناء المسلمين وصدر منه ما صدر، وقد فتكت به، وأنت كذلك إذا رأيت ما يوجب ذلك من عسكرنا فافعل كفعلنا.

стр. 732

ولمّا استقر به الأمر أخرج طائفة [طاباق] (٢٧٤) من القصبة فنفى بعضهم وأبقى بعضا ساكنا بتونس، وأرى (٢٧٥) النّاس من هيبته ما أزعجهم. وكان جهّز فرقاطة للجهاد في سبيل الله فأخذها عدوّ الدّين / وبلغه أنّ بعض معاهدي النّصارى أرسل من يخبر العدوّ بشأنها وضعفها فكان سبب خروجهم لأخذها، فعند ذلك جمع القسيسين بتونس وسجنهم وقال: لا ينجيكم من يدي إلاّ إرسالها (٢٧٦) فكان بينهم (٢٧٧) لجاج كبير، فأطال حبسهم حتّى جيء بها. ومن سعادته أنّه جاءته غنيمة عظيمة كانت سببا لقيامه بأمره. ثمّ إنّه لم يهن (٢٧٨) باطنه خوفا من بطش علي باي خصوصا وقد مشى أتباع علي باي بالعنف في النّاس، وطالت أيديهم بالجور، ولم يزجرهم سيّدهم، فاستباحوا بعض ما في أيدي النّاس. ثمّ فسد ما بينه وبين علي باي بموجب أنّ رجلا من قبيلة ورشفّانة (٢٧٩) من أعراب طرابلس إسمه خليفة (٢٨٠) بن زايد كان له ولد في بلد راس الجبل بقرب غار الملح، فسمع إبنه بعرس مارّ على بابه فنزل وافتكّ البنت على رؤوس الإشهاد وفتك بها وأرسلها إلى أهلها، فجاؤوا مستغيثين رجالا ونساء لباب أحمد شلبي، فلما طرق سمعه هذا الخطب أرسل خلفه في الحين وسجنه، فجاء أبوه يتكلّم في شأنه فما التفت إليه، فأغلظ أبوه في الخطاب بحضرة الداي (٢٨١) إلى أن قال للدّاي: حكمي ليس تحت نظرك وإنّما هو تحت نظر صاحب البلد علي باي، فازداد الداي غضبا وأمر بخنق ولده من ساعته، فما ازداد الأب إلاّ إغلاظا (٢٨٢) في الخطاب فألحقه بابنه وألقاهما ببطحاء القصبة، فلمّا قرع هذا الواقع آذان أتباع علي باي ممّن كان بالمدينة ركبوا خفية ومن جملتهم / مصطفى

стр. 733

سبنيور (٢٨٣) فحكى للباي ما وقع (٢٨٤)، فامتلأ حقدا على أحمد شلبي فتجهّز في نحو خمسة وعشرين ألف عنان لما تبين له مخالفة أهل المدينة لقيامهم مع الداي ونزل بالحريرية، وسال الدّم من الفريقين، وحاصر تونس تسعة أيّام. فلمّا اشتدّ الأمر بأحمد شلبي أرسل خفية لمحمّد باي بالقيروان، وعقد معه عهدا على القدوم عاجلا وأنّه يمكّنه (٢٨٥) البلاد، فأرسل إليه نجدة (٢٨٦)، فاشتدّ ساعد أحمد شلبي وقوي عزمه، فرحل علي باي من الحريرية، ونزل بقرب أريانة (٢٨٧) شرقي تونس، وشرع قومه في حرق الزّيتون وقتل عابر (٢٨٨) السّبيل وسلبه واستباحوا زروع المسلمين، وضيّعوا (٢٨٩) أحوال الفقراء والمساكين، واشتدّ الأمر على أهل المدينة، وقاتلها من ناحية نزوله. وفي يوم الجمعة بين الصّلاتين (٢٩٠) خرج جمع عظيم من أهل تونس وشنّوا الغارة على إبل علي باي وكانت بالمرسى قرب سيدي أبي سعيد الباجي (٢٩١) - نفعنا الله به -، وكان في الغارة أولاد سعيد فجسروا على حرم الشّيخ، فبلغ الخبر لعلي باي فركب بمن معه والتقى الجمعان قرب باب الخضراء ولم يبق بالمدينة أحد لمحبّتهم لأخيه وكرههم فيه لجوره وعتوّ أتباعه، فعظمت الملحمة بين الفريقين، فكانت الهزيمة على أحمد شلبي، وتراجع النّاس وافترق الحرب. وبعد يومين قدم محمّد باي لتونس، ووقع ديوان عظيم فحضر الباشا والداي وأكابر الدّيوان وأجلة العلماء والصّلحاء والخاصة والعامّة / وخلعوا على محمّد باي، وبويع في ذلك الجمع. ومدّ أحمد شلبي يده لحواشي علي باي الّذين كانوا بتونس، ثمّ اشتغل محمّد باي بتجهيز العسكر لمقاتلة أخيه علي باي.

стр. 734

وفي خلال سنة أربع وتسعين وألف (٢٩٢) قتل علي باي (أحمد باي إبن أخيه محمّد باي الّذي كان أخذه علي باي) (٢٩٣) رهنا يوم الصّلح السّابق على يد الجزيريين (٢٩٤)، وسبب ذلك أنّ أحمد باي كان في مجلس عمّه علي باي فدخل رجل لا يعرف شخص علي باي وقد رآى جمعا عظيما، فقال: دلّوني علي الباي، فقال له أحمد: كلّ واحد باي، فوقعت في نفس علي باي، وكان فيما سبق أن علي باي اجتمع برجل عارف بالرّمل وأحكام النّجوم فأخبر علي باي بأنّه يتحرّك عليه رجل إسمه أحمد فيقوم عليه، فكان ذلك مستقرّا بباله فظنه هو، فأتاه بطبيب ففصده لمرض أصابه، فبعد فصده ترك (٢٩٥) دمه يسيل إلى أن مات، ولم يدفع حذر من قدر، فقام عليه أحمد شلبي. (وهذه المسألة يقع فيها غلط الأمراء حيث يقول لهم صاحب أحكام النّجوم: يكون كذا وكذا على يد شخص صفته كذا فيذهبون يدبّرون في قطع ذلك بقتل من يتوهّمونه هو الموصوف، وأوّل من وقع في هذه المحنة فرعون حين أخبر بخراب ملكه على يد رجل يولد من بني إسرائيل فقتل من قتل من بني إسرائيل ولم ينفعه ذلك حتّى جاء موسى / ﵇ وهذا من الحمق إذ الحكم إن كان حقّا فهو واقع ولا بدّ، وإن كان كذبا فلا يضرّ شيئا، وقد نبّه المصطفى ﷺ على وجه الخطأ في هذه المسألة من قضيّة إبن صيّاد (٢٩٦) حين قيل إنه شبيه بالدّجّال فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال ﷺ : إن يكنه فلن تسلّط عليه، وان لا يكنه فلا خير لك في قتله (٢٩٧)، ولمّا قيل لعلي - رضي الله تعالى عنه - هذا قاتلك الّذي قال فيه المصطفى

стр. 735

صلّى الله عليه وسلم وقد وضع يده الشّريفة على رأس علي - رضي الله تعالى عنه - ويل لمن يخضب هذه بيده يعني لحية علي بدم رأسه، قال علي - رضي الله تعالى عنه - في جواب القائل له أقتل هذا الّذي هو قاتلك: إذا قتلته فمن يقتلني؟ فانظر لهذا التّفويض والإستسلام للقضاء والقدر، وإن ما قضاه الله يقع ولا يدفعه حذر، وقد يدّعي بعضهم العلم بالأحكام وهو لا يعلم. فمن ذلك أنّ يهوديّا دخل على بعض الخلفاء وأخبره أنّ أجله قد حضر فاغتمّ الخليفة لذلك غمّا شديدا، فدخل عليه بعض النّبلاء فوجده في غمّ شديد، فقال: ما شأنك؟ قال: أجلي قد حضر، فقال: وما علمك بأجلك والله تعالى يقول: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً (٢٩٨)﴾ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (٢٩٩)، قال: أخبرني اليهودي المنجّم، فقال: وأين هو؟ فأحضر، فقال: وما قلت للخليفة؟ فقال: أجله قد حضر / في يوم كذا في ساعة كذا، فقال: أنظر أنت في أجلك كم بينك وبينه؟ فنظر وقال: ما زال بعيدا وذكر مدّة طويلة، فاخترط ذلك النّبيل سيفا كان حاضرا وضرب به عنق اليهودي فمات من ساعته، فانتهره الخليفة وقال: قتلته في غير حق، فقال له: لتعلم كذبه وأنّك لم يحضر أجلك وإنّما حضر أجله فهو فداؤك، فزال ما بالخليفة من الغمّ) (٣٠٠). ثمّ إنّه (٣٠١) في [أثناء] (٣٠٢) مقاتلة علي باي لأحمد شلبي وأخيه محمّد باي قدمت محلّة الجزائر نصرة لمحمّد باي وأحمد شلبي، فارتحل علي باي عن تونس بجنوده ومعه بقية المحلّة الّتي بالجريد وسردارها الحاج محمّد الزمرلي (٣٠٣)، فبايعوه على أنّه داي، وبايعوا علي باي بمقامه تطمينا منهم، ثمّ هرب كثير من محلة علي باي (ودخلوا المدينة، ولم يزل علي باي) (٣٠٤) مشمّرا (٣٠٥) على النّهب والغارة وكلّ من ظفر به أضافه إلى فريقه طوعا أو

стр. 736

كرها إلى أن نزل على الكاف فوضع بحصاره خزائنه من ﴿الشَّهَواتِ [مِنَ] النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (٣٠٦)، ونزلت محلّة الجزائر بقرب منه، وعظمت عليهم كيفيّة دخول الوطن. فبينما هم كذلك إذ أقبل محمّد باي على محلّة الجزائر وصار معهم لحمة واحدة، هذا وعلي باي يركب كلّ يوم يجاذبهم الحرب حين رآهم بعين الحقارة وهم كأنّهم صمّ بكم إلى يوم السّبت أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وألف (٣٠٧) تهيّؤوا / وأوقدوا نار الحرب وتركوه حتّى توجّه لمحلّتهم وظنّ أنّه ظفر بهم دهموا محلّته وأخذوها، فرجع علي باي متقهقرا فنزل أهل الكاف وقبلوا محمد باي وبقي الحصار (٣٠٨) مغلقا متمسكا بعهد علي باي، وكان من فيه لا يلتفتون إلى من حولهم ممّن هو خارج الحصار لاستغنائهم بما عندهم من الذّخيرة وآلات الحرب، فكان من رأي محمد باي أن كتب كتابا لصاحب قفصة يأمره أن يحضّر له أخبية، فسقط الكتاب ووقع بيد أهل الكاف الّذين فتحوا وأطاعوا وعلموا أن هذه الخيم لم تكن (٣٠٩) إلاّ لحصول الدّرك الأكبر وإن إنفتح هذا الباب تعسّر سدّه، فكان من رأيهم أن يغتنموا الفرصة بمضايقة الحصار أشدّ المضايقة ليفتح وتخلص القضية (٣١٠)، فهيّؤوا رجالا تقوم بالعسس ليلا ونهارا، واتّفق أنّ القائد مراد باي خليفة علي باي قدم بعسكره ولا علم عنده بما وقع على أستاذه وحسب أنّ الكاف باق من غير فتح، فخرج له أهل الكاف مقاتلين، فلمّا رآهم فرح وظنّهم له فكانوا عليه، فلم ينج إلاّ هو وخاصته ففرّوا هاربين فعثروا في هربهم بقوم إجلاص (٣١١) أتباع محمد باي فما خلصوا إلاّ أن قالوا: إنّا من جانب محمد باي وقصدنا المسير للقيروان، فأدخلوهم (٣١٢) القيروان فبلغ الخبر لتونس فأخبروا محمد باي وسيّروا جوابهم صحبة محمّد سبنيور، فلمّا بلغ سبنيور ذبحه محمد باي وقيّد من جاء / صحبته، وسبب ذلك أنّ أحمد شلبي الدّاي (٣١٣) لمّا بلغه دخول مراد للقيروان إستبشر وأطلق المدافع فخشي محمد باي أن يكون ذلك السّرور تحته داء دفين فأهانه بهذه الفعلة.

стр. 737

ثمّ لمّا أتي بالقائد مراد لمحمّد باي ألحقه بسبنيور ذبحا، وعلي باي لم يكن عنده خبر بحال أخيه محمّد حتّى بلغ قفصة وأيقن أهلها أنّهم إن استند إليهم (٣١٤) يوقعهم فيما يعجزون (٣١٥) عنه، فكان من رأيهم أن منعوه دخول البلد وصدّوه حتّى عن شرب الماء وقاتلوه ولم تكن له قوة ولا نهضة للقتال فألوى عنانه إلى بلد لالا (٣١٦)، فتسلّط عليه أهل جبل القطار، ونجا منهم، ودخل صفاقس لأنّ الآغة الّذي كان بها من رجاله فمرض بها حتّى أرجف بموته وعزم على الفرار بحرا لأنه بلغه أنّ أحمد شلبي ربط مع أهل صفاقس أن يرسل لها نائبا من عنده، فخشي وركب في البحر لسوسة وذلك بشوّال سنة خمس وتسعين وألف (٣١٧) فبرئ بها. ولمّا وقع لعلي باي ما وقع ببحيرة الكاف ونهبت خيامه - حسبما مرّ - رحل محمّد باي بمحلّة الجزائر ورجع لحصار قلعة الكاف وأحاط بها من جميع الجهات فلم يقدر من بالحصار على أدنى مدافعة له، وكان رئيس القلعة فرج خرطان، فلمّا تحقّق حفر محمد باي للألغام جعل ينصت لحسّ الحفر ويحفر أمامه لإبطال العمل، وكان فرّ منهم نفر لمحمّد باي فجرّهم في أذناب الخيل فازداد غيظ / أهل القلعة وعظم الأمر عليهم، فبينما هم كذلك إذ أمر محمّد باي (٣١٨) بإيقاد الألغام فانفلق جانب القلعة من جهة الوادي وصارت القتلى أمامه كالتّل العالي، فلم يسع رئيس القلعة فرج خرطان إذّاك إلاّ أن إتّفق مع الّذين كانوا معه محصورين أنهم يجلسون على البرامل متاع (٣١٩) البارود (٣٢٠)، ومن جملة المحصورين مصطفى بن موسى خزنادار علي باي، وأمّا مصطفى سبنيور فإنه قتل نفسه بخنجر كان بيده، وممّن كان بداخل الحصار رمضان باي أخو محمّد وعلي باي وكذا مراد باي إبن علي باي وكانا صغيرين فكنفهما (٣٢١) محمد باي، ودخل العسكر واتّصل بما تقدّم ذكره من الذّخائر والخزائن.

стр. 738

ثمّ رحل محمّد باي بمحلّة الجزائر وقدم نحو تونس، ونزل بهم في الحريرية أواسط رمضان سنة خمس وتسعين وألف (٣٢٢)، وهي أوّل نزلة نزلوها (٣٢٣) في الحريرية على تونس، ومنها انفتحت لهم أبواب الجسارة على تونس وعلى وطن إفريقية. ثمّ وقعت بينهم وبين أحمد شلبي ملاحّاة (٣٢٤) أوجبت وحشة بعد ما كانوا عازمين على محاصرة سوسة وبها علي، وراودوا محمد باي على محاربة أحمد شلبي فأبى إلاّ العافية والنّهي عن التجري. ثمّ إنّه وقعت بينه وبين محمّد باي وحشة، وآخر الأمر أظهر الصّلح وطلب من محمّد باي مرتب العسكر فأجابه ووقع الإتفاق بينهما وما ازداد أهل الجزائر إلاّ حقدا. ورحل محمّد باي من الحريرية ونزل مرناق آخر شهر رمضان المذكور وبعد / رحيله بيومين رحلت محلّة الجزائر تجاه بلدهم، ورحل محمّد باي إلى القنطرة بقرب طبربة وأقام (٣٢٥) ثلاثة أيّام، ثمّ كرّ راجعا لمرناق لأمر أراده، وأظهر أحمد شلبي أنّه يجهّز العسكر لمحاربة علي باي بسوسة، ولم يزل كذلك إلى أن تحقّق ذهاب محلّة الجزائر فدبّت مبادئ العداوة بين أحمد شلبي ومحمّد باي، فالتفت عن التّجهيز لسوسة ومنع خروج العسكر لها. فتنة أحمد شلبي وإتّفاق الأخوين محمّد باي وعلي باي على قتاله: هذا ومحمّد باي ماكث بمرناق إلى أن استهلّ عليه هلال شوّال وهو يكرّر على أحمد شلبي الرّسل في التّجهيز فلم يلتفت لذلك، ولمّا ظهرت مخايل العدواة مسك شعبان كاهية ومحمّد بن شكر خليفة محمّد باي وسجنهما، فلمّا رآى محمّد باي هذه الأمور لم يجد (٣٢٦) محيصا عن صلح أخيه علي باي وأخبره أنّ ما بيننا من الفتن موجب (٣٢٧) لتكسير

стр. 739

واحد منّا بالآخر [وتتغلّب علينا أيدي الغير] (٣٢٨) وإذا تمادى هذا الحال يظفر أحمد شلبي بالبلاد، ومن جميل الرّأي أن نصطلح ونقسّم البلاد بيننا نصفين [ونتظاهر عليه] (٣٢٩) فطابت نفساهما (٣٣٠) بذلك وأرسل محمّد باي أخاه رمضان ومراد إبن أخيه وجميع الحريم الّتي (٣٣١) كان إتصل بها (٣٣٢) من قلعة الكاف مع هدايا وثياب وخيم، والتقى الفريقان بين سوسة والقيروان وصارا يفكّران في حيلة للوصول إلى غرضهما من أحمد شلبي، وبقيا كذلك إلى صفر من سنة ستّ وتسعين وألف (٣٣٣) فأمر محمّد باي أخاه عليّا بتجهيز مائة خباء، فادّعى علي عدم ما يقوم به من الخرج فلامه محمّد باي (٣٣٤) / ثمّ قيّد محمّد باي جميع ما أخرجه على المحلّة من أمواله ممّا يقوم بها كلّها. ونزل علي باي نحو الدّخلة القبلية (٣٣٥) من تونس ونزل محمّد باي بغدير السّلطان (٣٣٦) وتأهّبوا لقتال أحمد شلبي وجهز هو أيضا جيشا عظيما وركب نحو الألف من صبايحية الترك عدا (٣٣٧) ما انضاف إليه من أولاد سعيد والمسعي، وتربّص ينصب شباك مكره لأنّه كان ذا حيل ومكر فجمع جندا عظيما وأخرجهم ليلا على محمّد باي فأحاطوا به وهاجموا (٣٣٨) محلّته على حين غفلة، وهرب محمّد باي في نفر قليل من توابعه، ورجع أحمد شلبي بما غنمه، وأحاط بحريم محمّد باي وجواريه، فسرّ بذلك سرورا عظيما وذلك في إثنين وعشرين من رجب سنة ستّ وتسعين وألف (٣٣٩). وقام أولاد سعيد على علي باي وهو بالدّخلة القبليّة فنهبوه ومحلّته، ومال النّاس كلّ الميل لأحمد شلبي عند ما بلغهم هذا الواقع بعد ما كان أولاد سعيد مع علي باي

стр. 740

فانقلبوا عنه مع الدّهر، واجتمع لأحمد شلبي من ذلك جمع عظيم، فعظم أمره وقوي أزره. وكان في أثناء ذلك نشر أعلام الولاية على مملوكه الخزنادار (٣٤٠) محمد منيوط ولقبه بالباي وأولاه ولاية الوطن وجاءه الخبر أن الأخوين جمعا جمعا ثانيا واستنفر النّاس للقتال، ووردت عليهما الوفود أفواجا. وكان محمّد باي وضع قناطر على وادي العلم، فلمّا عبرت جيوشه عليها أمر بنقضها لئلاّ يحدّث أحد نفسه بالفرار، فكانت ضررا عليه، فتهيّأ أحمد / شلبي إذ ذاك ووجه عساكره مع جنود العربان، فالتقى الجمعان بوادي العلم دون القيروان فظفر بهم أحمد شلبي، وانهزمت جيوش الأخوين، ففرّا للقيروان بعد ما مات منهم جمع كثير، وبلغ البشير لأحمد شلبي في يومه، وجيء لتونس بعشرة أحمال (٣٤١) من رؤوس القتلى (٣٤٢)، فألقيت ببطحاء القصبة من تونس. وبعد ما دخلا للقيروان كتبا للجزائر مع محمد بن شكر يستنجدونهم بنصرة أبيه (٣٤٣) فلم يكن إلاّ يسيرا وقد أتتهم النّصرة، وحصل إجتماع بين الأخوين وتظافرا على محاربة أحمد شلبي [وفي أثناء مجيئهم عزم أحمد المسعي على القدوم نصرة لأحمد شلبي فلمّا ثبت مجيء الجزيريين] (٣٤٤)، أرسل أبو حوش للمسعي يحذّره (٣٤٥) من القدوم لأحمد شلبي فقلبه (٣٤٦) عنه، وهرب أحمد المسعي لناحية الغرب، وكان هروبه من السّرس في ثلاثة من رجب من السّنة المذكورة، ثم هرب من محلّة تونس أبو حوش ولحقته (٣٤٧) خيل محمّد منيوط ليمسكوه فوقع بينهم حرب شديد، ومات من الفريقين خلق كثير، وأتوا بنساء أبي حوش إلى محلّة تونس.
следующие страницы →