← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

كرها إلى أن نزل على الكاف فوضع بحصاره خزائنه من ﴿الشَّهَواتِ [مِنَ] النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (٣٠٦)، ونزلت محلّة الجزائر بقرب منه، وعظمت عليهم كيفيّة دخول الوطن. فبينما هم كذلك إذ أقبل محمّد باي على محلّة الجزائر وصار معهم لحمة واحدة، هذا وعلي باي يركب كلّ يوم يجاذبهم الحرب حين رآهم بعين الحقارة وهم كأنّهم صمّ بكم إلى يوم السّبت أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وألف (٣٠٧) تهيّؤوا / وأوقدوا نار الحرب وتركوه حتّى توجّه لمحلّتهم وظنّ أنّه ظفر بهم دهموا محلّته وأخذوها، فرجع علي باي متقهقرا فنزل أهل الكاف وقبلوا محمد باي وبقي الحصار (٣٠٨) مغلقا متمسكا بعهد علي باي، وكان من فيه لا يلتفتون إلى من حولهم ممّن هو خارج الحصار لاستغنائهم بما عندهم من الذّخيرة وآلات الحرب، فكان من رأي محمد باي أن كتب كتابا لصاحب قفصة يأمره أن يحضّر له أخبية، فسقط الكتاب ووقع بيد أهل الكاف الّذين فتحوا وأطاعوا وعلموا أن هذه الخيم لم تكن (٣٠٩) إلاّ لحصول الدّرك الأكبر وإن إنفتح هذا الباب تعسّر سدّه، فكان من رأيهم أن يغتنموا الفرصة بمضايقة الحصار أشدّ المضايقة ليفتح وتخلص القضية (٣١٠)، فهيّؤوا رجالا تقوم بالعسس ليلا ونهارا، واتّفق أنّ القائد مراد باي خليفة علي باي قدم بعسكره ولا علم عنده بما وقع على أستاذه وحسب أنّ الكاف باق من غير فتح، فخرج له أهل الكاف مقاتلين، فلمّا رآهم فرح وظنّهم له فكانوا عليه، فلم ينج إلاّ هو وخاصته ففرّوا هاربين فعثروا في هربهم بقوم إجلاص (٣١١) أتباع محمد باي فما خلصوا إلاّ أن قالوا: إنّا من جانب محمد باي وقصدنا المسير للقيروان، فأدخلوهم (٣١٢) القيروان فبلغ الخبر لتونس فأخبروا محمد باي وسيّروا جوابهم صحبة محمّد سبنيور، فلمّا بلغ سبنيور ذبحه محمد باي وقيّد من جاء / صحبته، وسبب ذلك أنّ أحمد شلبي الدّاي (٣١٣) لمّا بلغه دخول مراد للقيروان إستبشر وأطلق المدافع فخشي محمد باي أن يكون ذلك السّرور تحته داء دفين فأهانه بهذه الفعلة.

стр. 737

ثمّ لمّا أتي بالقائد مراد لمحمّد باي ألحقه بسبنيور ذبحا، وعلي باي لم يكن عنده خبر بحال أخيه محمّد حتّى بلغ قفصة وأيقن أهلها أنّهم إن استند إليهم (٣١٤) يوقعهم فيما يعجزون (٣١٥) عنه، فكان من رأيهم أن منعوه دخول البلد وصدّوه حتّى عن شرب الماء وقاتلوه ولم تكن له قوة ولا نهضة للقتال فألوى عنانه إلى بلد لالا (٣١٦)، فتسلّط عليه أهل جبل القطار، ونجا منهم، ودخل صفاقس لأنّ الآغة الّذي كان بها من رجاله فمرض بها حتّى أرجف بموته وعزم على الفرار بحرا لأنه بلغه أنّ أحمد شلبي ربط مع أهل صفاقس أن يرسل لها نائبا من عنده، فخشي وركب في البحر لسوسة وذلك بشوّال سنة خمس وتسعين وألف (٣١٧) فبرئ بها. ولمّا وقع لعلي باي ما وقع ببحيرة الكاف ونهبت خيامه - حسبما مرّ - رحل محمّد باي بمحلّة الجزائر ورجع لحصار قلعة الكاف وأحاط بها من جميع الجهات فلم يقدر من بالحصار على أدنى مدافعة له، وكان رئيس القلعة فرج خرطان، فلمّا تحقّق حفر محمد باي للألغام جعل ينصت لحسّ الحفر ويحفر أمامه لإبطال العمل، وكان فرّ منهم نفر لمحمّد باي فجرّهم في أذناب الخيل فازداد غيظ / أهل القلعة وعظم الأمر عليهم، فبينما هم كذلك إذ أمر محمّد باي (٣١٨) بإيقاد الألغام فانفلق جانب القلعة من جهة الوادي وصارت القتلى أمامه كالتّل العالي، فلم يسع رئيس القلعة فرج خرطان إذّاك إلاّ أن إتّفق مع الّذين كانوا معه محصورين أنهم يجلسون على البرامل متاع (٣١٩) البارود (٣٢٠)، ومن جملة المحصورين مصطفى بن موسى خزنادار علي باي، وأمّا مصطفى سبنيور فإنه قتل نفسه بخنجر كان بيده، وممّن كان بداخل الحصار رمضان باي أخو محمّد وعلي باي وكذا مراد باي إبن علي باي وكانا صغيرين فكنفهما (٣٢١) محمد باي، ودخل العسكر واتّصل بما تقدّم ذكره من الذّخائر والخزائن.

стр. 738

ثمّ رحل محمّد باي بمحلّة الجزائر وقدم نحو تونس، ونزل بهم في الحريرية أواسط رمضان سنة خمس وتسعين وألف (٣٢٢)، وهي أوّل نزلة نزلوها (٣٢٣) في الحريرية على تونس، ومنها انفتحت لهم أبواب الجسارة على تونس وعلى وطن إفريقية. ثمّ وقعت بينهم وبين أحمد شلبي ملاحّاة (٣٢٤) أوجبت وحشة بعد ما كانوا عازمين على محاصرة سوسة وبها علي، وراودوا محمد باي على محاربة أحمد شلبي فأبى إلاّ العافية والنّهي عن التجري. ثمّ إنّه وقعت بينه وبين محمّد باي وحشة، وآخر الأمر أظهر الصّلح وطلب من محمّد باي مرتب العسكر فأجابه ووقع الإتفاق بينهما وما ازداد أهل الجزائر إلاّ حقدا. ورحل محمّد باي من الحريرية ونزل مرناق آخر شهر رمضان المذكور وبعد / رحيله بيومين رحلت محلّة الجزائر تجاه بلدهم، ورحل محمّد باي إلى القنطرة بقرب طبربة وأقام (٣٢٥) ثلاثة أيّام، ثمّ كرّ راجعا لمرناق لأمر أراده، وأظهر أحمد شلبي أنّه يجهّز العسكر لمحاربة علي باي بسوسة، ولم يزل كذلك إلى أن تحقّق ذهاب محلّة الجزائر فدبّت مبادئ العداوة بين أحمد شلبي ومحمّد باي، فالتفت عن التّجهيز لسوسة ومنع خروج العسكر لها. فتنة أحمد شلبي وإتّفاق الأخوين محمّد باي وعلي باي على قتاله: هذا ومحمّد باي ماكث بمرناق إلى أن استهلّ عليه هلال شوّال وهو يكرّر على أحمد شلبي الرّسل في التّجهيز فلم يلتفت لذلك، ولمّا ظهرت مخايل العدواة مسك شعبان كاهية ومحمّد بن شكر خليفة محمّد باي وسجنهما، فلمّا رآى محمّد باي هذه الأمور لم يجد (٣٢٦) محيصا عن صلح أخيه علي باي وأخبره أنّ ما بيننا من الفتن موجب (٣٢٧) لتكسير

стр. 739

واحد منّا بالآخر [وتتغلّب علينا أيدي الغير] (٣٢٨) وإذا تمادى هذا الحال يظفر أحمد شلبي بالبلاد، ومن جميل الرّأي أن نصطلح ونقسّم البلاد بيننا نصفين [ونتظاهر عليه] (٣٢٩) فطابت نفساهما (٣٣٠) بذلك وأرسل محمّد باي أخاه رمضان ومراد إبن أخيه وجميع الحريم الّتي (٣٣١) كان إتصل بها (٣٣٢) من قلعة الكاف مع هدايا وثياب وخيم، والتقى الفريقان بين سوسة والقيروان وصارا يفكّران في حيلة للوصول إلى غرضهما من أحمد شلبي، وبقيا كذلك إلى صفر من سنة ستّ وتسعين وألف (٣٣٣) فأمر محمّد باي أخاه عليّا بتجهيز مائة خباء، فادّعى علي عدم ما يقوم به من الخرج فلامه محمّد باي (٣٣٤) / ثمّ قيّد محمّد باي جميع ما أخرجه على المحلّة من أمواله ممّا يقوم بها كلّها. ونزل علي باي نحو الدّخلة القبلية (٣٣٥) من تونس ونزل محمّد باي بغدير السّلطان (٣٣٦) وتأهّبوا لقتال أحمد شلبي وجهز هو أيضا جيشا عظيما وركب نحو الألف من صبايحية الترك عدا (٣٣٧) ما انضاف إليه من أولاد سعيد والمسعي، وتربّص ينصب شباك مكره لأنّه كان ذا حيل ومكر فجمع جندا عظيما وأخرجهم ليلا على محمّد باي فأحاطوا به وهاجموا (٣٣٨) محلّته على حين غفلة، وهرب محمّد باي في نفر قليل من توابعه، ورجع أحمد شلبي بما غنمه، وأحاط بحريم محمّد باي وجواريه، فسرّ بذلك سرورا عظيما وذلك في إثنين وعشرين من رجب سنة ستّ وتسعين وألف (٣٣٩). وقام أولاد سعيد على علي باي وهو بالدّخلة القبليّة فنهبوه ومحلّته، ومال النّاس كلّ الميل لأحمد شلبي عند ما بلغهم هذا الواقع بعد ما كان أولاد سعيد مع علي باي

стр. 740

فانقلبوا عنه مع الدّهر، واجتمع لأحمد شلبي من ذلك جمع عظيم، فعظم أمره وقوي أزره. وكان في أثناء ذلك نشر أعلام الولاية على مملوكه الخزنادار (٣٤٠) محمد منيوط ولقبه بالباي وأولاه ولاية الوطن وجاءه الخبر أن الأخوين جمعا جمعا ثانيا واستنفر النّاس للقتال، ووردت عليهما الوفود أفواجا. وكان محمّد باي وضع قناطر على وادي العلم، فلمّا عبرت جيوشه عليها أمر بنقضها لئلاّ يحدّث أحد نفسه بالفرار، فكانت ضررا عليه، فتهيّأ أحمد / شلبي إذ ذاك ووجه عساكره مع جنود العربان، فالتقى الجمعان بوادي العلم دون القيروان فظفر بهم أحمد شلبي، وانهزمت جيوش الأخوين، ففرّا للقيروان بعد ما مات منهم جمع كثير، وبلغ البشير لأحمد شلبي في يومه، وجيء لتونس بعشرة أحمال (٣٤١) من رؤوس القتلى (٣٤٢)، فألقيت ببطحاء القصبة من تونس. وبعد ما دخلا للقيروان كتبا للجزائر مع محمد بن شكر يستنجدونهم بنصرة أبيه (٣٤٣) فلم يكن إلاّ يسيرا وقد أتتهم النّصرة، وحصل إجتماع بين الأخوين وتظافرا على محاربة أحمد شلبي [وفي أثناء مجيئهم عزم أحمد المسعي على القدوم نصرة لأحمد شلبي فلمّا ثبت مجيء الجزيريين] (٣٤٤)، أرسل أبو حوش للمسعي يحذّره (٣٤٥) من القدوم لأحمد شلبي فقلبه (٣٤٦) عنه، وهرب أحمد المسعي لناحية الغرب، وكان هروبه من السّرس في ثلاثة من رجب من السّنة المذكورة، ثم هرب من محلّة تونس أبو حوش ولحقته (٣٤٧) خيل محمّد منيوط ليمسكوه فوقع بينهم حرب شديد، ومات من الفريقين خلق كثير، وأتوا بنساء أبي حوش إلى محلّة تونس.

стр. 741

وفي أحد عشر من شعبان (٣٤٨) دخلت محلّة تونس لتونس على عادتها، وفي ذلك اليوم جاء الخبر لتونس أنّ بعض رؤساء علي باي (٣٤٩) دخل باجة وهربت النّوبة منه في الحصار ووقع بينهم القتال، ومحال الأخوين إذ ذاك بالكاف، ومن الغد أرسل أحمد شلبي خلف الحاج حسين آغة الّذي كان بالمحلّة فقتله وقتل معه جماعة كبيرة منهم مصطفى سبنيور وكان شاويش الدّيوان، قيل كانت أحواله غير مرضيّة حتّى إنّه لمّا أراد طاباق [وضع] (٣٥٠) الرّمية / على أهل تونس وهربوا لجامع الزّيتونة دخل عليهم بنعله إلى المحراب. وفي منتصف شعبان (٣٥١) أخذ أحمد شلبي كاهية باجة وفيّأ دورها وأسواقها وقتل منها جماعة، ثمّ إنقلب هاربا لتونس. وفي عشرين منه (٣٥٢) ورد الأخوان لباجة وحازوها وأنزلوا الترك الّذين كانوا بحصارها على الأمان، وهم خمسمائة رجل، وعيّنوا لهم أخبية وأضافوهم إلى عسكرهم، وعقدوا ديوانا على أنّ بقطاش [خوجة] (٣٥٣) يكون دايا، فلمّا سمع أحمد شلبي عقد ديوانا بباب القصبة ومعه الباشا والعلماء والعسكر بجميع طبقات الدّيوان وأهل المدينة والرّبطين (٣٥٤)، وقام أحمد شلبي وخاطب النّاس خطابا عامّا وقال لهم: إنّ هؤلاء القائمين عليكم وعلى أولادكم وأموالكم (٣٥٥) لا يخفاكم ما هم عليه من الجور فما نظركم؟ فكان الجواب من الخاص والعام على كلمة واحدة: أنا نحارب على بلادنا وأولادنا وطاعتك إلى أن نفنى جميعا، وقرأوا فاتحة الكتاب، وحضر ذلك الموطن ثلاثة شوّاش كانوا قدموا من الباب العالي - حفظه الله -. وفي ذلك اليوم بنوا باب سيدي قاسم الجليزي، وباب سيدي علي القرجاني، وباب البنات، وباب قرطاجنة، وباب أبي سعدون، ورتّبوا على كلّ باب نوبة من الترك

стр. 742

والزواوة، وركّبوا عليها المدافع، ثم نصبوا ديوانا آخر بجامع الزيتونة واجتمع فيه ضعف ما كان اجتمع بباب القصبة، ووقع الإجماع من جميع الناس بالتّصريح بالقتال والحرب. ومن جملة ما كان بذلك اليوم / أن قرأوا الأوامر العثمانية مضمونها تقرير البلاد لأحمد شلبي ورفع يد الأخوين، ولمّا تقوى أمر أحمد شلبي وضبط الجنود تزاحمت عليه الوفود. وفي أواسط رمضان من السّنة المذكورة (٣٥٦) نزل الأخوان والنّصرة بالقنطرة ثم وقعت محاربة بينهم وبين أهل تونس، ومات من الفريقين جمع كثير. وفي ذلك اليوم ازداد المدد من الجزائر، وميّز أحمد شلبي رجاله بسانية الجربي، وقبل ذلك بيسير رحل (٣٥٧) أولاد سعيد ونزلوا سيدي حسن السيجومي، فأرسل خلفهم أحمد شلبي الصبايحية تركا وعربا ليأخذوهم، فلمّا رآى (٣٥٨) أولاد سعيد الإحاطة بهم أذعنوا وانقلبوا للجبل الأخضر، وخرج لهم الطرابلسيون والجباليون وعقدوا لهم عهودا وتحالفوا على ذلك. ثمّ رحل أولاد سعيد من الجبل الأخضر فنزلوا على ساحل البحيرة من جهة الزّلاّج (٣٥٩)، إلى محلّ القصّارين من باب البحر، واستباحوا غابة الزيتون وثمر البساتين، ولم يبق لأهل الأملاك تصرّف في أملاكهم. وفي أربعة وعشرين من شوّال سنة ستّ وتسعين وألف (٣٦٠) نزل الأخوان بمحالهم ونصرتهم بسانية الجربي، وانتصبت المحال من باردو لسيدي حسن السّيجومي، وتقاتل (٣٦١) ذلك اليوم الفريقان من الضحى إلى العصر، وماتت أمم من الفريقين، ومكثوا كذلك حينا من الزّمان والحرب بين الفريقين سجال فيوم لقوم ويوم لآخرين إلى أن دخلت السّنة السّابعة بعد التّسعين والألف. ففي ربيع الثّاني (٣٦٢) وردت مكاتيب من أكابر الجزائر يخاطبون أحمد شلبي /

стр. 743

بالصّلح مع الأخوين فخرقهما وعزم على إخراج النّاس للقتال فتقاتلوا، فكان عدّة ما رمى به أهل تونس من المدافع سبعمائة. وفي خامس (٣٦٣) جمادى الأولى (٣٦٤) رمى المحال على تونس بالبونبة من بعد العشاء أربعة وأربعين، ثم تمادوا على ذلك ليالي متعدّدة، فعظم الأمر في تقليد السّلاح بين الأزقّة والأسواق. وفي ستّة عشر من الشّهر المذكور أخذ أمر تونس في الإنحلال، ومال النّاس للأخوين وأخذوا في الهروب، وشرع الأخوان في حفر الألغام من جهة سيدي عبد السلام، وفي إثر (٣٦٥) ذلك جاءت أوامر من الأعتاب العثمانية لتونس، فلم يقدر أحمد شلبي على إدخالهم (٣٦٦) لضيق الحال، فعقد أحمد شلبي ديوانا بجامع الزيتونة بالخاص والعام، وأظهر أوامر قرئت على رؤوس الإشهاد مضمونها الإذن باستقرار إفريقية تحت نظر أحمد شلبي ورفع يد الأخوين. وفي أربع وعشرين (٣٦٧) من جمادى الأولى أرسل أحمد شلبي الشّوّاش الواردة من الأعتاب العالية إلى المحال ليكفّوهم عمّا هم عليه، فلمّا وصلوا تلقّاهم قاره عبد الله من الأتراك وقال لهم: أرجعوا قد علمنا ما جئتم به، فرجعوا إلى تونس، ثم تزايد المدد من الجزائر بحرا (٣٦٨) وبرا فهرب من تونس خلق كثير ووردت لتونس مراكب بالقمح فتلقّاها الأخوان وأخذا ما فيها فضاق حال تونس. وفي ثمانية من رجب هرب أولاد سعيد فنهب النّاس بيوتهم، ثم تتابع النّاس بالهروب وتسارعوا لتلقّي الأخوين من ربط بني حمّاد ووضعوا لهم السلالم (٣٦٩) وأدخلوهم الرّبط ووقع الإختلال / في مواضع كثيرة وإنحل العقد واتسع الخرق وأدخلوا أصحاب

стр. 744

الأخوين، وهدمت الأبواب وأصبحت القصبة مغلقة (٣٧٠) من الغد، والقتال بين من فيها وبين من كان خارجها اليوم كلّه، وآخر أمر أحمد شلبي فراره بنفسه بليل بعد صلاة العشاء (٣٧١) ليلة الأحد الحادي عشر من رجب سنة سبع وتسعين وألف (٣٧٢) مع بعض حواشيه فأحاط بهم العسس بسبخة سيجوم فقاتل بنفسه فوقعت به جراحات فأثقلته وكبت به فرسه فأخذ وقيّد عند الأخوين ووضع تحت يد إبراهيم خوجة حاكم العساكر الجزائرية. نهاية علي باي: وطلب أهل المدينة الأمان، فأمّنوا وألبس بقطاش خلعة ولاية الدولاتلية فصار (٣٧٣) دايا، واستولوا على جميع مخلّفات أحمد شلبي، وجددت البيعة للأخوين (٣٧٤) إلاّ أنّ نفوس العسكر مائلة لمحمّد لما يعلمون من رفقه وعسف أخيه. ثمّ قسّم الأخوان البلاد فكان سهم محمّد باجة وما يليها والقيروان والمنستير، وسهم علي سوسة ووسلات والسّاحل والكاف وما يليها، وأظهروا أوّلا أمنا ثمّ تنازعوا. ففي سبع وعشرين من الشّهر (٣٧٥) تجمّعت جميع العساكر (٣٧٦) وتقلّدوا السّلاح وخرجوا نحو المحال برأس الطابية، وجمعوا الخاص والعام وقالوا بلسان واحد: إنّ علي باي لا يصلح ولا نرضى إلاّ لمحمّد باي فقط، وكان الأخوان إذ ذاك بخيمة إبراهيم خوجة فاطلعا على العسكر (قائما وقاعدا فخرجا بلطافة) (٣٧٧) فأمّا محمّد باي فطلع على ربوة (٣٧٨) وأمّا أخوه علي فذهب إلى محلّته وخرج في بعض خيل معه ناويا (٣٧٩) /

стр. 745

الفرار (٣٨٠) فلامه بعض أصحابه بقوله: ألم تر إلى أخيك ماكثا على الرّبوة الفلانية وإنّا لا نعلم بما اجتمعوا عليه فربّما إذا فررنا يصير لنا ما صار في فرارا الكاف مع أنّا ظفرنا بالبلاد، وما زالوا يقيمون عليه الحجج وقد قيّدته المقادير وجعل الله لكلّ شيء سببا. فبينما هم كذلك إذ أقبل نحو علي باي خيل مسرعة فظنّ أنّهم أتوه بالبشارة فكانت بحضور أجله المحتوم، فما وصلوه إلاّ وقد بادروه بالبندق دفعة واحدة فأصيب وسقط عن فرسه فأجهز (٣٨١) عليه ونهبت محلّته، وقطع رؤوس بعض من أصحابه (٣٨٢)، وأرسلوا خلف محمّد باي في تلك السّاعة، وكسوه القفطان، وجددوا له البيعة العامّة، ثم قتل في اللّيلة الآتية أحمد شلبي خنقا برجب سنة سبع وتسعين وألف. وفي أوائل شعبان (٣٨٣) توفّي الباشا محمّد الحفصي ببر الترك وأتي به لتربة آبائه. عود إلى أخبار محمد باي: وجهّز محمّد باي العساكر الجزيرية بعد الثّناء والجزاء الحسن، وتوجّه لإصلاح (٣٨٤) البلاد وتطمين العباد، وقمع أهل الزيغ والفساد بالقتل والنّفي والإبعاد. ثمّ أظهر أهل الحامة مخالفة أوامره، وكان بها أولاد سعيد، فجهّز لهم عسكرا (٣٨٥) في البحر وسافر هو في البرّ فأحاط بهم وقاتلهم إلى أن فتحها، ثم دخل الجريد آمنا مطمئنا منفرد الكلمة وأقبل لتونس آمنا مسرورا فبنى وشيّد بباردو (٣٨٦) زيادة على ما كان قبله. ومآثره ﵀ كثيرة، فبنى مدّة مقامه بالقيروان مسجدا عظيما ومدرسة جليلة / وبنى بعد ذلك قنطرة مجردة بالحثرمين (٣٨٧) واخترع فيها صنعا عظيما بجعل أبواب

стр. 746

لها يتصرّفون بها في مائها (٣٨٨) تقييدا وإرسالا، وأحدث بحافتيه بلدانا كثيرة أمر ببنائها، وغرس بها جنّات (٣٨٩)، وقد بلغ مصروفه في ذلك مقدار ألف ألف. وفي تلك السّنة جاءت الأوامر السّلطانية للحاج: بقطاش الدّاي بالباشوية. فتنة محمّد بن شكر: وفي تلك السّنة وقعت وحشة بين محمّد وبين خليفته محمّد بن شكر (٣٩٠)، فاختفى أيّاما وطلب الإجازة للحجّ (٣٩١) فنفي إلى فرانسة ونهب جميع ما كان بيده ثم إنقلب إلى الجزائر يتقلب بين أعتاب أرباب الدّولة يسعى في الإستنصار على تونس لمقاتلة محمّد باي. وفي تلك السّنة قدم إبراهيم خوجة، كان دايا في الجزائر مغاضبا لعسكره، وكان محاصرا لوهران لمّا بلغه أنّ الحاج ميز مورتو باشا الجزائر تظافر مع العسكر على الفتك بإبراهيم المذكور، فأكرم محمّد باي نزله وهاداه بما يليق بحاليهما. وفي سنة تسع وتسعين وألف (٣٩٢) توفّي بقطاش باشا داي، فتولّى بعده حفيده (٣٩٣) علي رايس. وفيها تجهز إبن شكر بعسكر الجزائر متوجها بها لتونس على يد الدّولاتلي الحاج حسين ميز مورتو وكانت عساكرا وجنودا تسدّ الفضاء، ثمّ إنّ (٣٩٤) أهل الفضل منهم لم يرتضوا

стр. 747

ذلك ورأوا أنّ فيه سفك دماء المسلمين بغير موجب فرجعوا على الدّولاتلي وعزلوه، فخرج في مركب على حين غفلة من النّاس فاتصل الخبر بمحمّد باي فجهّز مركبا في أثره / أين كان فصادفوه وأتوا به لمحمّد باي فعاتبه ثم عامله بالحلم والإكرام وبذل له أموالا ومماليك وخدمه وجهّزه إلى إسلامبول، فصار من أكابر رؤساء البحر وغنم غنائم عظاما للسّلطان سليمان خان إبن السّلطان ابراهيم خان - رحم الله الجميع برحمته الواسعة -. وفي ربيع أول من سنة مائة وألف (٣٩٥) وقع الطّاعون بتونس، فبلغ تسعمائة نفس في اليوم الواحد، فأقام ثمانية أشهر ثمّ إرتفع، فحزر (٣٩٦) من مات بتونس فناف على ستّين ألف. ثمّ شرع محمّد باي (- رحمه الله تعالى -) (٣٩٧) في فعل الخيرات (٣٩٨)، فاحتفر بئرين بطريق القيروان وبنى بها مواجل كثيرة، وكذا بطريق قفصة آبارا وصهاريج تضاهي مصانع الأقدمين، وأخرى بطريق سوسة، وأحيى مصانع (٣٩٩) صفاقس بسور عليها بعد دثورها وأجرى المياه العذبة لباجة، وبنى (مدرسة ومسجدا ببلد الكاف) (٤٠٠) ومدرسة ومسجدا بباجة، ومدرسة بقابس مجاورة لسيدي أبي لبابة الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - صاحب رسول الله ﷺ . وفي سنة ثلاث ومائة وألف (٤٠١) أنشأ أسواق الشّواشية الثلاثة، وكانت دورا ومخازن فاشتراها. وفي هذه السّنة جاءت الأوامر الخاقانية بزيادة طوخ (٤٠٢) له ثان.

стр. 748

وفي سنة أربع ومائة ألف (٤٠٣)، شرع في بناء جامعه الأعظم أمام سيدي محرز بن خلف بباب السويقة، فجاء على أسلوب غريب. وفي سنة خمس ومائة وألف (٤٠٤) قدم إبن شكر المذكور بعساكر الجزائر على يد شعبان خوجة حاكم الجزائر واستنجد / أيضا حاكم طرابلس فأنجده بعساكره في البحر إلى بلد العنّاب، فقدم الجميع لمحاربة محمّد باي بتونس (٤٠٥) فتجهّز لهم والتقى الجمعان على الحدادة، فخان محمّد باي عربانه على جاري عادتهم فاختلّت مصافه منهزمين في ثلاثة من القعدة سنة خمس ومائة وألف (٤٠٦). ولمّا بلغ الخبر لتونس عزم الدّاي علي رايس ورمضان باشا لبر الترك (٤٠٧)، وقدم من الغد محمّد باي لتونس فولّى مكان علي رايس إبراهيم خوجة دايا في سبعة من قعدة (٤٠٨)، ثم أخذ محمّد باي في (تحصين (٤٠٩) حصونه وعسكره وحفر خندقا محيطا وأجراه من البحر إلى) (٤١٠) البحر (٤١١) وجمع جموعا أخرى لمدافعة محاربيه (٤١٢) وتتابعت عليه العساكر من الجزائر بحرا وبرّا مع أهل طرابلس، وتزايد مدد الجزائر بحرا وبرا، رجالا (٤١٣) وعدة من المدافع والبونبات، ونزلوا بقرب تونس أوائل ذي الحجة، وعقدوا ديوانا على أنّ إبن شكر: باي، ومحمود: داي. ويوم نزولهم وقعت معركة حتّى كاد يفني بعضهم بعضا، ثمّ رجعوا إلى أخبيتهم وبقوا على تلك الحال يرمون المدافع العظام والبونبات ليلا ونهارا حتّى رموا في اليوم الواحد

стр. 749

ما ينيف على مائة قنطار بارودا، وأكثر ما يكون أوقات الصّلوات (٤١٤)، فبقوا على تلك الحالة ثلاثة أشهر ونصف مع توارد (المدد من الجزائر وتراكم العربان وليس مع محمّد باي إلاّ) (٤١٥) العسكر الّذي معه، ثمّ إنقسم القتال عليه بقسمين وضاق عليه الحال. ففي ربيع أوّل من سنة ستّ ومائة وألف (٤١٦) فرّ بنفسه، ودخل إبن شكر بايا / ومعه محمود دايا، فدخلا القصبة معا وقلوب عسكر تونس غير راضية، فدخل شعبان خوجة المدينة، وشرع إبن شكر في أخذ أموال النّاس ليرضي العساكر الواردة معه، ثم عزل محمود داي (٤١٧) وولّي مكانه محمّد طاطار في ثمانية من ربيع الثّاني سنة ستّ ومائة وألف (٤١٨)، وكان مسرفا في القتل، قتل في مدّة خمسة (٤١٩) أشهر ما ينيف على ثمانمائة نفس، إتّخذ جبّا يلقي فيه النّاس أحياء بعضهم فوق بعض. ثمّ سافر العساكر برّا وبحرا وأخذ أهل طرابلس مركبين لأهل تونس ذهبوا فيهما لبلدهم. فتنة الداي محمّد طاطار: وخرجت محلّة إبن شكر لخلاص مال الجريد مع فرحات. ورجع إبن شكر من الكاف بعد توديع عساكر الجزائر، فقصد ناحية القيروان، فعامل أهلها بالظلم، وأخذ الأموال، وحمّلهم في ذلك ما لا طاقة لهم به، وأرسل القائد أبا راوي (٤٢٠) لسوسة ووطنها، وكان على قدم طاطار وابن شكر، فمدّ يده لنهب أرزاقهم فضجّوا وخرجوا عن طاعة إبن شكر، وغلّقوا الأبواب، وأرسلوا إلى محمّد باي، وكان إذ ذاك بالصّحراء، كما قام أهل القيروان على ابن شكر، فخرج منها فارا بنفسه وخرجوا عن طاعته وغلّقوا أبوابهم دونه، وأرسلوا البشائر لمحمّد باي يستقدمونه.

стр. 750

هذا وطاطار لم يزل في غيّه فأباح للنّصارى هدم مسجد كان أنشأه علي رايس داي قرب القصبة، فكان النّصارى يتقرّبون بهدمه. فلمّا بلغ البشير لمحمّد باي أسرج وألوى عنانه نحو البلاد، فلمّا قرب من قفصة بلغ خبره إبن شكر وكان محاصرا / للقيروان، فاستنفر جنوده (٤٢١) لتلقي محمّد باي فالتقى الجمعان بمرق اللّيل قرب وسلات، فانهزم إبن شكر في ستة من رمضان سنة ست ومائة وألف (٤٢٢)، فاستولى محمّد باي على جميع مخلفات (٤٢٣) إبن شكر، ثمّ نادى بالأمان على من سلم من العسكر، ثمّ تقدّم للقيروان، وأرسل خزناداره رجبا إلى تونس ومعه جريدة خيل فدخلها ليلا، فلمّا سمع به النّاس قبلوه بالتّرحاب ورأوا كأنّه (٤٢٤) قد نزل من السّماء لما لاقوا من إبن شكر وطاطار وبقيّة رجاله. وأعلن النّاس بالطّاعة لمحمّد باي ونبذوا طاطار فوقعت مقاتلة، ثمّ إنّ قوم طاطار أدخلوا من وجدوه من العسكر معهم للقصبة (٤٢٥) كرها وغلّقوا أبوابها، ودخل محمّد باي من الغد لتونس، ورتّب عسكره في كلّ ناحية محاصرا للقصبة، ومترسوا ببراميل التّراب، وأقاموا بها ليلا ونهارا، وولي يعقوب (٤٢٦) دايا فبايعه العسكر في إثني عشر من رمضان (٤٢٧) بدار الباشا، فلمّا لم تغن المتاريس في حصار القصبة حاربها بالألغام فلم يتّفق الفتح. ففي القعدة أرسل محمّد باي لحضرة الجزائر العلماء والصّلحاء كسيدي علي عزّوز ﵀ وأضرابه - نفعنا الله بهم - صحبة أعيان العسكر وخوجة ديوان الوقت محمّد خوجة، فركبوا البحر ووصلوا الجزائر فراودوا شعبان خوجة على الصّلح فامتنع وعمل على إرسال نجدة لطاطار، وردّ الشفعاء غير مشفعين، فأقلعوا في البحر من ليلتهم

стр. 751

فعاصفهم (٤٢٨) الرّيح فرجعوا على خوف من شعبان خوجة فكان / من قدر الله تعالى أن رفض عسكره طاعته، فقتل (٤٢٩) وولّوا غيره فدخل عليه الشّفعاء في طلب الصّلح فقبل شفاعتهم، وطاطار متماد على الحصار ويعد قومه بالنّصر والنّجدة من (٤٣٠) الجزائر، ففي غرّة حجة من السّنة المذكورة قام عليه من معه وفتحت القصبة، وخرج طاطار فدخل زاوية سيدي أحمد بن عروس فصدم العسكر الزّاوية، وضرب بالرّصاص وقطع رأسه ولم يدفع الله عنه ما حلّ به لأنّه كان إنتهك حرمة الشّيخ بإخراج المحتجبين (٤٣١) بضريحه جزاء وفاقا، وكانت مدّة المحاصرة شهرين ونصف، فمدّته سبعة أشهر. عود إلى أخبار محمّد باي: وجدّدت البيعة لمحمد باي يوم فتح القصبة، ثم خرج محمد باي بالمحلّة الصيفية فعصى عليه جبل عمدون (٤٣٢)، فجهّز لهم عسكرا ثانيا ودخل جبالهم وقطع أشجارهم ومهّد الطرق للسّالكين إلى أن طوّعهم، ثم جاء (٤٣٣) شفعاء الجزائر مسرورون (٤٣٤)، ثمّ لمّا رآى في يعقوب داي غلبة السّن والعجز عقد ديوانا لتولية الحاج محمّد خوجة الّذي كان مع الشّفعاء فقبلوه على رضى من عامّة النّاس في ستّ من ربيع أوّل سنة سبع ومائة وألف (٤٣٥)، وفوّض له أحكام المدينة أتمّ تفويض. ثمّ ظهر الخلاف من جبال مطماطة فجهّز لها عسكرا في البحر، وسار هو في البرّ فأتاهم من حيث (٤٣٦) لم يحتسبوا، فقاتلهم وقتل مفسدهم وقاومهم حتّى أطاعوا (٤٣٧)

стр. 752

وأعطوا مجابيهم على جاري العوائد، وكرّ على الجريد فأخذ من القادر وصفح (٤٣٨) عن العاجز / وفي محرّم سنة ثمان ومائة وألف (٤٣٩) جهّز محلّته الصّيفية وجبى المجابي، وأقام بباجة أيّاما فأخذه مبادي المرض الّذي مات منه، فرحل منها ودخل تونس في ستّة وعشرين من صفر من السّنة المذكورة (٤٤٠)، فكانت وفاته ليلة الإثنين سابع عشر ربيع أول سنة ثمان ومائة وألف، ودفن بتربة آبائه. رمضان باي: وتولّى أخوه رمضان باي إبن مراد باي في ثمانية عشر من ربيع أوّل من سنة ثمان ومائة وألف (٤٤١)، فأبقى عمّال أخيه على طبقاتهم في مراتبهم، وكان ممن بقي من رجال إبن شكر فرحات، فجمع رمضان باي عظماء دولته واستشارهم في وجه الحيلة في تحصيله، فجهّز محلّته الشتوية، ورحل يجرّ على ساحل سوسة وصفاقس. وفي وجهته نقم على الشّيخ محمّد شيخ جربة (٤٤٢) وقتله قصاصا، وتوجّه نحو الجريد، فلمّا سمع به فرحات كاتبه يهنيه، فردّ له جوابا مفرحا مموّها إنخدع له فأرسل أخاه القائد مراد [لرمضان] (٤٤٣) باي، فقبله وأقبل عليه وردّه بهدايا متحفة، ولم يدر أنّ السّم في العسل فظنّ فرحات أنّ الخيالات فرحات (٤٤٤)، فاستشار يوسف بن حسن في حركته فنهاه عن السّير لرمضان باي وقال له: من الرّأي أن نرسل إبني وإبنك له يقيمان عنده سنة كاملة حتّى نرى ما في ضمائره فنكون على بيّنة من أمره، فألقى كلامه وراء ظهره لمّا حان حمامه، فركب في محفل عظيم حتّى قدم توزر في نحو ثلاثمائة نفر أو يزيدون فأكرم رمضان / باي نزلهم، فاطمأنّ وبات فرحات وجماعته في محل فصدهم محمّد بن مصطفى ورجب خزنادار ومعهما جماعة بأسلحتهم وأغلقوا جميع أبواب البيوت

стр. 753

على من كان فيها، ثمّ صاروا يخرجونهم واحدا بعد واحد للقتل حتّى استأصلوهم وقطعوا رؤوسهم وطافوا بهم في تونس. وفي محرّم سنة تسع ومائة وألف (٤٤٥)، رحل بمحلّته الصّيفيّة، ودخل بها جبل خمير فأذعنوا وأطاعوا. وفي شوّال من تلك السّنة (٤٤٦) زرع مزهود الفتنة (٤٤٧) بين رمضان باي وبين مراد إبن أخيه علي باي بن مراد باي وذلك أنّ مراد كان ذا شهامة وقوّة بطش من صغره، وكان مزهود شديد الوصلة برمضان باي، فثقل ذلك على قلب مراد باي، فانتبه مزهود لذلك فسعى في التّضييق على مراد باي فوضعه رمضان باي في مكان خاص به وجعل عليه العسس، وكان مزهود وجد لذلك راحة وفسحة، فانفتحت له أبواب التّصرّفات (٤٤٨) حتّى مدّ يده بالجور لبعض العلماء كالشّيخ أبي عبد الله محمّد بن محمّد ابن ابراهيم (٤٤٩) فتاتة شيخ الشّيخ أبي عبد الله محمّد زيتونة، فمنعه من التّحديث بجامع الزّيتونة، ثم منعه حتّى الخروج من داره، ثمّ سعى في قتله. وفي سنة عشرة ومائة وألف (٤٥٠)، كانت وفاة الشّيخ أبي الغيث البكري إمام جامع الزّيتونة وخطيبه ومحدّثه المتّصل النّسب بعثمان بن عفان (٤٥١) - رضي الله تعالى عنه - خليفة رسول الله ﷺ ليلة الخميس ثانية عشرة ربيع أوّل. ثمّ إنّ رمضان باي لمّا جهّز / محلّته الصّيفية حمل مراد إبن أخيه معه تحت نظره، ولمّا رجع ألزمه عدم الخروج من بيته ونصب عليه العسس، وألقاه في زوايا الإهمال، فتواعد مع مملوكه علي الصّوفي أن يحضر له فرسا خارج السّور وينزل له في السّاعة الخامسة من الغروب، وفكّ شباكا من البيت الّذي هو فيه ونزل خفية من حيث لا يشعر به أحد، فلمّا رقى السّور صاح به العسس وعرفوه فجدّوا في طلبه، فدخل حريم عمّه فردّ إلى موضعه، وجدّد عليه عسس أحفظ من الأوّل، ثمّ استشار رمضان باي في شأنه،

стр. 754

فمن مشير بقتله، ومن مشير بسجن مؤبّد إلى أن إتّفقوا على تكحيل عينيه بالنّار بحيث لا ينقطع نسله ولا يطمع في الملك، ففعل به ذلك. ثمّ انهمك رمضان في لذّاته حتّى إنقطع عن النّاس في لهوه بالشهور، وانقطعت شكوى المظلوم، يسهر ليله وينام نهاره، فأشفت دولته على الهلاك، واستقلّ مزهود بالأمور. ولمّا جهّز رمضان محلّته الشّتويّة حمل معه إبن أخيه، ثم وضعه بحصار سوسة، ووضع معه مملوكا إسمه سليمان البيّاس ليرقبه، ثم سار نحو صفاقس فأقام بها أيّاما ثمّ لقابس. ثمّ إن مراد باي برئت عيناه على سلامة في نظره ومادة (٤٥٢) نازلة من جفنه يكفها بمجفّف (٤٥٣). فلمّا اطمأنّت به الدّار عمل على الحيلة في خروجه، فأطلع بعض خدّامه على مراده، فعملوا على قتل سليمان البيّاس فقتلوه ثم نقبوا الحصار وأخرجوه، وكان هناك فرس فعقلوه كالبعير، وأخرجوه من النّقب، فوقعوا / في خندق الحصار، فما زالوا طول ليلتهم يسعون في الخلاص إلى أن خلصوا، وكانت له محفظة (٤٥٤) محتوية على آلة (٤٥٥) التّجفيف لما ينحدر من مادّة عينيه من مقص وحمص وخرق وغير ذلك، فلمّا خرجوا سقطت وهم لا يشعرون، فلمّا انفصلوا تفقّدها عند جموم المادة وأظلمت عليه الدّنيا (٤٥٦) وخاف الفضيحة واجتماع المادة، فإذا برجل يركض خلفهم فخافوه فإذا هو صديقهم ومعه المحفظة، فقوي جأشه وثبت عزمه وقوي حزمه فتوجّه للقيروان في أربعة أنفار، ثم صعد جبل وسلات فقبلوه ومالت إليه أنفسهم وعاهدوه لإهمال عمّه المملكة ظنّا منهم أنّه أصلح من عمّه، فلمّا بلغ الخبر لعمّه أمر أهل وسلات باعتقاله فأبوا إلاّ القيام بدعوته، فلمّا أيس منهم رجع إلى تونس وتجهّز لجبل وسلات، فانحاز أكثر النّاس

стр. 755

لابن أخيه ولم يبق مع رمضان باي إلاّ ما قلّ من النّاس، ففرّ لسوسة لقصد ركوب البحر ومعه مزهود، فتبعه القوم وصاحوا بمزهود فتمسّك ببرنس سيّده رمضان باي، فخلع رمضان البرنس وتخلّى عنه في يده وهمز فرسه وخلّفه في أيديهم، فحملوه لمراد باي على أشرّ الحالات في ثمان من رمضان سنة عشر ومائة وألف (٤٥٧). ثمّ نزل مراد باي للقيروان وبايعوه بها وبعث لسوسة أمرا بقتل عمّه فوجدوه بزاوية سيدي أبي راوي - نفعنا الله به - فخنقوه بالقلعة وقطعوا رأسه ودفنوه بها، فأمر بنبشه وإخراج رأسه / والبعث به لتونس ليطاف به في (٤٥٨) الأسواق، فكانت مدّة رمضان باي ثلاثين شهرا. مراد باي بن علي: وبايع (٤٥٩) النّاس مراد باي، فعزل محمّد خوجة الدّاي، وولّي محمّد (٤٦٠) آغة الصبايحية دايا فبايعه النّاس، ولمّا دخل مراد تونس بايعه النّاس بها بيعة (٤٦١) عامّة يوم الإثنين وسنّه ثمان عشرة سنة. وكان مراد في بداية أمره يظهر الشّكوى للنّاس من عينينه ويبدي لوائح العدل والإنصاف، فصدّقه النّاس ولاموا عمّه وهم لا يعلمون ما انطوى عليه باطنه، فلمّا تمكّن تصرّف بعنف وقساوة قلب وعسف، فسفك الدّماء بغير حقّ، وكان يوقف الرجل ويقطّعه قطعا بيده حتّى يفرغ من لحمه فيدخل يده في جوفه وأمعائه، ويتصرّف فيها تصرّف الجزّار في الشّاة، وانهمك في خموره وجاهر بمعاصيه، ولم يفارق السّلاح ليلا ولا نهارا، وكلّ من معه كذلك، فصار ذكره مفزعا للاسماع مسهلا للأمعاء، وكل يوم تزداد القلوب منه رعبا بظهور أمور لم تعهد.

стр. 756

ثمّ جمع أكابر دولة عمّه ومن جملتهم مزهود فكحّل أعينهم بالنار كما تسبّبوا له في ذلك، ثمّ فقأ أعينهم وعذّبهم بما لم يعذّب به أحد، وقبل العمي (٤٦٢) ألزمهم أن يلعبوا برأس عمّه بأن يتلقّفوه بين أيديهم، وألزمهم سبّه بجميع أنواع الفحش، وألزمهم يغنّون كما كانوا يغنّون لعمّه، وهو يقطع لحومهم بيده ويعبث بذلك، ثمّ نكّل بهم وثقّلهم بالأغلال، فلمّا كانت ليلة العيد قطع رؤوسهم وأمر رجاله أن يقفوا / على أهل كلّ رأس ليعطوا البشارة على موت أعداء سيّدهم مراد باي ولا ينفصلوا إلاّ بجائزة لها بال، ويفعلون ذلك بالأسواق، فجمعوا أموالا عظيمة. وليلة ثالث العيد أظهر من القتل والخمور والفواحش ما عظم على البلاد أمره، ثمّ إنّ الحقوق ضاعت لخوف الخلق من الوقوف بين يديه، وتمادى على قبيح أفعاله وهو ينتقل من غار الملح لبنزرت إلى غير ذلك، ويقتل الخلق ذبحا ورميا بالرّصاص وغير ذلك، ثم ظفر بالأستاذ مفتي المالكية أبي عبد الله محمد العواني القيرواني (٤٦٣) فقتله وأكل من لحمه مشويّا وأطعم خاصّته منه (٤٦٤)، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون وكان ذلك في الكتاب مسطورا. وضيّق الأمر على العباد وتعطّلت الأحكام الشرعيّة والأسباب، فهلكت البلاد، ثمّ توجّه لسوسة فأمر بإحضار كثير من الحطب فأوقد نارا، وأخرج عمّه من قبره وألقاه فيه، وباتت النّار يحطّم بعضها بعضا ومن الغد أمر بجمع رماد عمّه ووضعه في مركب وألقاه في وسط اليمّ كي لا يعرف له قبر (٤٦٥). وأرسل إلى الجزائر بهديّة فردّوها عليه وأظهروا له العداوة لما بلغهم من قبائح أفعاله الّتي تذهل العقول، فلمّا بلغه ذلك شرع في تجهيز محلّته الصّيفيّة واجتمعت عليه جموع لا نهاية لها، فدخل باجة ونقم على أهلها ففروا منه، فردّ العقوبة على ما وجد من دوابهم بجعلها هدفا للرّصاص حتّى أفناها. ثمّ توجّه نحو الجريد / على طريق القيروان فخافوا شرّه لما بلغهم من جوره وما فعل بباجة، وتشوّشت بواطنهم لما يعلمون من عسفه فأعلنوا بالخروج عن طاعته، فلمّا نزل

стр. 757

بهم أغلقوا الأبواب دونه فقاتلهم حتّى كاد يفنيهم فاستأمنوه، فأظهر الأمن ثم نقض العهد ومسك منهم الشّيخ الإمام خطيب الجامع الأعظم أبا العباس أحمد بن إبراهيم الرمّاح، والشيخ أبا الحسن علي بن أحمد الغرياني، وحملهم أموالا عظيمة. ثمّ استمرّ للجريد ورجع لتونس، وعقد ديوانا على السّفر للجزائر فامتثلوا أمره فأمر بتجهيز آلات الحرب وما يحتاجه من العساكر (٤٦٦)، وتوجّه بذلك نحو قسنطينة ونزل بها، فخرج له أهلها وبايها علي خوجه بمحلّته واستنفر من حولها فجاء بجيش عظيم، فلمّا التقى الجمعان وقعت الهزيمة على علي خوجة سنة إثنتي عشرة ومائة وألف (٤٦٧). وقتل من كان معه (٤٦٨)، فأقام مراد باي على قسنطينة وحاصرها (٤٦٩)، ثم أرسل لهم الأمان فلم يقبلوا لما يعلمون من عسفه وشدّة بطشه ونقمته، فاحتوى على القلعة الّتي بخارج البلد فنهبها وقتل جميع من بها، وأخذ منها ستّة مدافع نحاس فبعث بها إلى تونس، ثمّ هدّم القلعة، ثم أرسل إلى خليل، باي طرابلس (٤٧٠)، مستنجدا به، فقدم عليه واجتمع معه على قسنطينة، فأكرم نزله وأعطاه فوق من كان يؤمل، وأحاطوا بالبلد من جميع جهاته، وطالت محاصرتهم له، إلى أن رفعوا عرض حالهم لعساكر الجزائر فتأهّبوا للخروج لدفع مراد باي / وجموعه عن قسنطينة وعزلوا الداي الذي كان سامعا ولم يدفع الضّرر عن رعيّته وولّوا دايا غيره، ولم يزل مراد على المحاصرة والمقاتلة إلى أن سمع بقدوم عساكر الجزائر، فتلقّاهم بعد محاصرة قسنطينة خمسة أشهر فسار ثلاثة أيّام متوالية من الزروق (٤٧١) إلى الغروب، فأتعب عسكره وانقطعوا ضجرا من السير ومع ما هم عليه ألزمهم المقاتلة رابع يوم، فأشار عليه بعض نصحائه بالإمهال لتحصيل راحة النّاس فلم يقبل، ورآى ذلك جبنا، فلمّا التقى الجمعان بالحجار الحمر كانت الهزيمة أوّلا على

стр. 758

عساكر الجزائر ففزع خليل، باي طرابلس، ففرّ بمن معه، فانثلم عسكر مراد باي، فظن النّاس أنّ مراد باي فرّ مع خليل باي وتبع الخيول بعضها، وبقيت رجالة العسكر وحدها، فعظم الأمر في الإزدحام، ولم يبق الاّ ضرب السّيوف فانهزمت عساكر مراد باي في تسعة عشر من ربيع الثّاني سنة إثنتي عشرة ومائة وألف (٤٧٢)، فرجع مراد باي لتونس وظنّ أنّ أهل الجزائر يتبعونه، فاستنفر أهل الكاف بأهاليهم فأدخلهم تونس، وكذا فعل بتبرسق وتستور (٤٧٣) وما حولها بلدا بلدا، وأخذ يتأهّب للقائهم، فلم تتبعه عساكر الجزائر، ولكن قطعوا رؤوس من كان معه من الزواوة (٤٧٤) وغيرهم من العرب (٤٧٥)، وردّوا عسكر مراد حفاة عراة بعد أن ألزموهم بجر المدافع السّتّة والعشرين الّتي استصحبها مراد باي عند خروجه من تونس عوض الخيل إلى أن وصلوا بها إلى قسنطينة على ظهورهم /. ولمّا ورد عسكر مراد باي من قسنطينة وفّاهم مرتبهم وانتخب منهم خمسمائة نفر وكساهم كسوة عظيمة وبذل لهم من الإحسان فوق الحصر بحيث يأخذ قفة مملؤوة بأكياس الأموال ويخرج يده من طاق الصّراية ويضرب الكيس بالسّيف فينتشر ما فيه من الأموال، فيتخطّفها الرّجال وهو يضحك، ثمّ كيسا آخر وآخر فاستجلب بذلك ودّهم، وكان يأتيه الجندي بحمامة أو أرنب فيجازيه بما يكفيه مؤونة سنة، فصحّح خيله ورجاله وحصّن أبوابه وانتظر من يأتيه من عساكر الجزائر فلم يأته أحد، فلمّا تحقّق رجوعهم لوطنهم أخذ يتحدث في الرجوع إليهم. وفي تلك الأيّام أرسل خليل باي إلى القيروان فتمّم سبيها وهتك حرمها، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وأخرج من بقي بها من الرّجال فجمعهم بذراع التّمّار فاستأصل رقابهم، ورجع جند طرابلس ومعهم أبناء المسلمين من القيروان وبناتهم، وأمر مراد باي بهدم القيروان لتجعل محترثا عدا المساجد والزّوايا. ثمّ جهّز ثلاثة مراكب ليأتوه بالعسكر من برّ الترك وأمّر عليهم إبراهيم الشّريف وكان آغة صبايحية الترك، فاتفق أن كان هناك مراكب الجزائر فالتقى الجمعان بالحضرة

стр. 759

الخاقانية، وعرض كلّ من الفريقين أحوالهم واشتكوا من الآخرين فخرج التّوقيع على إيجاب الصّلح بينهم، فافترقوا على ذلك، فلمّا قدموا عليه بذلك أبى قبوله وقويت عزيمته على تحريك الفتنة معهم وأنّه يقصدهم. وفيها عزل دالي محمّد الداي / وولّى عوضه قهواجي محمّد (٤٧٦)، وانفرد مراد بالأمر والنّهي في البلاد. وفيها أمر أن لا يدخل عليه أحد من النّاس مطلقا إلاّ بعد نزع برنسه ومسك إثنين له من اليمين والشّمال، وكان يرسل خلف العلماء وأرباب المناصب ويسألهم عن سيرته فمن ساعده وزيّن له عمله وحسّن له قبايحه سقاه طوعا أو كرها شيئا من المسكرات، ومن أنكر وثبت على قدم الحقّ والصّدق هدّده بالموت. ومن جملة عتوّه أنّه جهّز محلّته الصّيفيّة أوائل محرّم سنة أربع ومائة وألف (٤٧٧)، فلمّا خرج بالمحلّة المذكورة وقع نظره على الشّيخ محمّد شيشار رئيس المؤذّنين بجامع جدّه حمّودة باشا فقال له: ألست عسكريّا؟ ما لي أراك بغير سلاح في مثل هذا الموكب؟ وأمر خدمته بوثاقه ثمّ أرسل به من الغد إلى الدّيوان فجلده ثلاثمائة سوط وردّه للسجن مع كبر سنّه وعجزه عن حمل السّلاح، ثمّ أرسل لجميع المؤذّنين بجوامع الحنفية المعدودين من جملة العسكر فسجنهم وبعث بهم إلى الديوان، وأوصل كلّ واحد منهم خمسمائة سوط، ثمّ أرسل لهم طبيبا يختبرهم فمن وجده لم يؤثّر فيه الضرب أعاده عليه فتفطّرت من ذلك الأكباد، وضجّت العباد، واقشعرّت البلاد، وربّك بالمرصاد. فاتّفق أنّه مكر بهم يوم السّبت فما أتى السّبت الّذي يليه إلاّ ورأسه على رمح يطاف به في الأسواق، وسبب ذلك أنّه لمّا خرج بتلك المحلّة، توجّه لنحو باجة مصرّا على الإرتحال للجزائر / ولم يرتض ذلك أحد من العسكر، فلمّا نزل وادي الزّقاق جدّد ذكر عزمه للجزائر، وبيت تلك اللّيلة على الرّحلة، وركب من الغد في كرّوصته وسار على عادته إلى أن بلغ وادي الزّرقاء (٤٧٨) ويسمّى وادي البول هجم عليه إبراهيم الشّريف الّذي كان وجّهه لجلب العساكر من برّ الترك فرماه ببندقية (٤٧٩) زنتها أربعة وعشرون

стр. 760

درهما مع كثير من الحب الصّغير، فنزل بحرارة الضّرب إلى الأرض وضرب إبراهيم الشّريف بحبة رصاص أصابت فخذه فلم تؤذه، ونزل رفقاء إبراهيم الشّريف عن خيولهم وقطعوا رأس مراد (٤٨٠) باي بالسّيف وأرسلوا خيلا إثر حسين (٤٨١) ومراد ولدي محمد باي فقطعوا رأسيهما في الحال وأرسلوا رؤوس الثلاثة إلى تونس، وكان بها من ذرّية مراد باي واحد من البله إسمه حمّودة بن [حسين] (٤٨٢) بن مراد قطعوا أيضا رأسه، ولحمّودة ولد صغير عمره أربع سنين فقطعوا رأسه أيضا، ووضعوا الرؤوس الخمسة ببطحاء القصبة. وممّا شاع أنّ ولاية بني مراد كانت على قدر ولاية بني أمية ألف شهر تقريبا، ويقولون أوّلها مراد وآخرها مراد فكان كذلك (٤٨٣). إبراهيم الشّريف: وتولّى بعده إبراهيم الشّريف يوم السّبت ثالث عشر محرّم فاتح سنة أربع عشرة ومائة وألف (٤٨٤)، فسار أولا سيرة حسنة وأبقى ذوي المراتب على مراتبهم إلاّ قاسم بن أحمد فإنّه عذّبه بالسّجن / حتّى أيس من خلاصه فشرب مقتلا (٤٨٥) ومات في سجنه واستمرّ إبراهيم الشّريف، فسافر لباجة وجبى مجابيه على جاري العادة، وأرسل لتونس بعزل الدّاي محمد قهواجي، وولّى عوضه قاره مصطفى دايا يوم الثّلاثاء ثاني عشر صفر سنة أربع عشرة ومائة وألف (٤٨٦)، وجعل آغة القصبة كاتبه محمّد الأزعر (٤٨٧)، ثمّ رجع من سفره ونزل بدار الباي من تونس.

стр. 761

وفي تلك الأيّام ظهر مملوك من مماليك [آل] (٤٨٨) مراد إسمه [علي] (٤٨٨) الصّوفي فشنّ الغارة على المسلمين، وانضمّ إليه أوباش وطائفة مفسدون، واستند إلى قلعة سنان، وتزايد توارد الأخباث عليه، فبعث إليه إبراهيم الشّريف محمّد بن مصطفى (٤٨٩) وكان من أعالي خاصّته ففاجأه (٤٩٠) ليلا فوجد باب القلعة مغلقا، فخلعه وتسوّر عليه داره وهو في فراشه، فقطع رأسه وأراح العباد من بغيه. وفي سابع جمادى الآخرة سنة أربع عشرة (٤٩١) عزل قاره مصطفى بعد ما مكث ثلاثة أشهر وأربعة وعشرين يوما وأرسله إلى المنستير، وصار يكتب أوامره «إبراهيم الشريف باي داي». ثمّ خرج بمحلّته الشّتائية فنافق عليه جبل عياش (٤٩٢) قرب قفصة فأخذه، وعصاه [بعض] (٤٩٣) دريد فمسكهم وتصرّف فيهم، ورجع إلى القيروان (٤٩٤) وأمر أهلها بالرّجوع إليها.

стр. 762

وضرب سكّة النواصر (٤٩٥). وفي ذي الحجّة ظهر أحمد بن سليمان باي (٤٩٦) قائما في البلاد فجمع أهل / الفساد، فجهّز له إبراهيم الشّريف العساكر وخرج في أربعة من المحرّم سنة خمس عشرة ومائة وألف (٤٩٧) وقصده نحو السّرس، فالتقى عسكر من عساكر إبراهيم الشّريف بأحمد بن سليمان فوقعت الهزيمة على جيش إبراهيم الشّريف، فرحل أحمد بن سليمان نحو إفريقية بقرب جندوبة، وتبعه إبراهيم الشّريف، والتقيا في الحادي عشر من محرّم المذكور، فانهزم أحمد بن سليمان وتشتّت جمعه وكان ينيف على ثلاثين ألف، ولم يكن مع إبراهيم الشّريف إلاّ نحو ثمانية آلاف، فقصّ آذان القتلى وبعث بها إلى تونس فكانت أزيد من ثلاثمائة زوج، ثمّ دخل جبال خمير وعمدون بنفسه، وقطع قطعة من محلّته وأمّر عليها حسن آغة الصبايحية، وبعث بها نحو القيروان حرسا من العدوّ، فبلغ ذلك أحمد بن سليمان فقصدهم فجأة وصدمهم برئيس (٤٩٨) قومه جلال بن المسعي (٤٩٩)، فانتبه له حسن آغة ونصب لهم كمينا، فلمّا (وردوا ماء المنايا ضربوا) (٥٠٠) جلالا فسقط عن فرسه فقطع رأسه وبعث إلى تونس، فاستراح النّاس من بغيه. وفي سنة ستّ عشرة [ومائة وألف] أتت هدايا لإبراهيم الشّريف من مصر خيول مسوّمة وغيرها، فدخل الرّكب (٥٠١) إلى طرابلس فمد خليل باي (٥٠٢) يده إليها واغتصبها فكاتبه إبراهيم الشّريف في شأن ذلك فامتنع وأغلظ القول في ردّ الجواب. وفيها جهّز إبراهيم الشّريف مراكب صغارا للغزو في سبيل الله، فغنمت إحداها غنيمة بها / ثلاثون نصرانيا وعدّة صناديق بها أموال جزيلة، فدخلوا طرابلس فأحضرها خليل باي بين يديه واغتصب منها أحد عشر نصرانيا واحتاط على الأموال بأسرها فلم يبق

стр. 763

منها ولم يذر، واغتصب عدّة صناديف بها آلات حرب (٥٠٣) وطردهم (٥٠٤)، فلمّا علم بذلك إبراهيم الشّريف ورآى تجرّؤ (٥٠٥) خليل جمع جموعه ونصب ديوانا في شأن تعدي خليل، فكان إتفاق الدّيوان على المدافعة والذّبّ عن المال (٥٠٦)، فتجهّز إبراهيم الشّريف للخروج على طرابلس لمقاتلة خليل باي، فقدم قهواجي عثمان من الجزائر يحرّضه على النّهوض لطرابلس، وأرسل عساكر الجزائر مركبين لإبراهيم الشّريف يطلبون منه الميرة لقحط بلادهم تلك السّنة، فتعلّل إبراهيم الشّريف باشتغاله بالسّفر وعدم حصول الذّخيرة، وأرسل لهم مائتي قنطار بشماطا، فلمّا جاءهم ذلك جمعوا ديوانا وقال حاكمهم: ألا ترون إلى إبراهيم الشّريف يعطي القمح للنّصارى ويمنع المسلمين فما يريد إلاّ توهين عساكر الجزائر ليتقوّى عليها، فخرج إبراهيم الشّريف إلى طرابلس في العشر الأواخر من جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة ومائة وألف (٥٠٧)، فالتقى الجمعان في إثني عشر من شعبان (٥٠٨)، فلم تكن إلاّ ساعة وانهزم خليل باي وأخذ منه مدفعين (٥٠٩) نحاس وثمان رايات وبغلين محملين (٥١٠) مالا، ومات من قوم خليل أزيد من ألف نفس وأسّر منه مثلها، وفرّ خليل هاربا فتبعته خيول إبراهيم / الشّريف فتنكّر ودخل المدينة خائفا من قومه حيث أوردهم هذه الموارد وما فعل بأهاليهم، ومكث إبراهيم محاصرا لهم (٥١١) فضايق بالبلد أشدّ مضايقة فطلبوا العفو وبذلوا المال (٥١٢)، فأبى وامتنع، فتجدّد الحرب

стр. 764

بين الفريقين ولم يزل متماديا حتّى قام الطّاعون في المحلّة ومات منها خلق كثير وفرّ عنه العرب (٥١٣). وبلغه أن عساكر الجزائر قادمة عليه فثنى عنان فرسه إلى تونس وتأهّب للقائهم، وحصّن حصار الكاف وجدّد بناءه، وحصّن الأسوار وأقام فيها أخاه محمّدا وعمّر الحصار بجميع ما يحتاجه من طعام وآلة حرب، وخرج بمحاله أوّل يوم من محرّم فاتح سنة سبع عشرة ومائة وألف (٥١٤). وكان من نظره أن بنى بالجبل الأخضر المشرف على تونس حصارا يمنع به مدينة تونس من الضرر الوارد عليها، ثمّ زاد برجين آخرين بذلك الجبل. ووقع الطّاعون بتونس فبلغ سبعمائة كلّ يوم، فأحصي من مات في ستّة أشهر فكان أربعين ألفا، فما خفّ الطّاعون إلاّ وعساكر الجزائر (٥١٥) قرب الكاف فزاد إبراهيم الشّريف في تقوية الكاف بالرّجال وبقي بالمرصاد، وعوّل على أنّهم إن التفتوا للكاف فالحصار قوي وهو من خلفهم، وإن تقدموا نحو تونس فهو محيط بهم، وجرّد لذلك جميع من استحسنه من العرب والعجم، فلمّا نزلت عساكرهم وبقوا منه رأي العين فرّ أولاد سعيد وتبعهم أمثالهم من العربان (٥١٦) ولم يبق معه غير صبايحية الترك / وقليل من العرب (٥١٧)، وفرّ صاحب سرّه محمد بن مصطفى (٥١٨) وتبعه (٥١٩) دريد وبقوا على حالهم إلى سبعة عشر من ربيع أوّل (٥٢٠) فنزلوا وادي الرّمل قرب الكاف، وطلبوا من إبراهيم

стр. 765

الشّريف [وجها للصلح] (٥٢١) على أن يعطيهم جانبا من المال له خطر عظيم وألف بعير على شرط أن يقطعوا رؤوس من عندهم ممّن تسبّب في إنشاء الفتنة ويرسلون له رؤوسهم، ويعطيهم أولاده رهائن حتّى يستوفوا ما طلبوا، فصعب عليه إرسال أولاده وقال: والله لا أفعل هذا ولو قطّعت إربا إربا، فقام خليفته إذ ذاك المرحوم برحمة الله سيدي حسين باي وقال لإبراهيم الشّريف: إذا لم تطب نفسك بإرسال أولادك فأنا أرضى أن أكون بنفسي عوضا عن أولادك رغبة في إطفاء نار هذه الفتنة حتّى تستوفي لهم ما طلبوا، وانفصل الفريقان عن هذا الرّأي، فذهب الرّسل إلى أكابر عساكر الجزائر يخبرونهم بما انفصل عنه المجلس، وإذا بابراهيم الشّريف أذن لجميع جنده بالرّحيل لمقاتلة العساكر الجزيرية فسمع الخليفة المذكور ذلك فاستكره ورآه نقضا للعهد، فعارضه فلم يقبل لما في سابق (٥٢٢) قضاء الله وقدره. [الكامل] إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأوّل ما يجني عليه إجتهاده فلمّا رآه مصمّما لم يسعه إلاّ الإسعاف إذ هو مشير ناصح وليس عليه الإلجاء فعند ذلك إستدعى آغة صبايحية الترك وأوقفه على مائتين من صبايحيته في طريق معلوم وأمره / بتثبيت قدمه، وعين غيره من الآغوات في محلّ مخصوص، وتقدّم ببقيّة العسكر ليأمرهم بالنّزول، وصعد إبراهيم الشّريف إلى محلّ هناك فأبصر عساكر الجزائر وقد انحدرت كالسّيول وانتشرت على وجه البسيطة بأنواع المشاة والخيول، فلمّا رآى إبراهيم الشّريف ذلك كسّر في درعه، فلم يكن له من الرّأي إلاّ إستدعاء الخليفة للإستشارة وقد بدت بروق الحرب ورعوده، فقال: لا يسعني أن ألوي عناني في مثل هذا الموقف الصّعب الهائل (٥٢٣)، وما بقي إلاّ ثبوت الأقدام على المصاف، فألحّ عليه بالإرسال لتزلزل قدمه وذهاب جأشه لما أراد الله من زوال ملكه، فلما أيس إبراهيم الشّريف منه إستدعى آغوات (٥٢٤) الصبايحية ممتثلة (٥٢٥) ولم تنظر في وخامة عاقبة هذه الإجابة، فلمّا وصلت

стр. 766

خيوله الّتي استدعاها وجدوه في مكان وعر لا يمكنهم وصوله فساروا في ظلّ الكهف، وكلّما استرجعهم الخليفة لم يقبلوا فتفرّقت عساكر إبراهيم الشّريف، واختلّ (٥٢٦) المصاف وأخذوا في القهقرى (٥٢٧)، فازدحمت الأعراب على إمساك إبراهيم الشّريف إلى أن وقع في شعاب (٥٢٨) يعسر الخلاص منها، فأحاطوا به فأيس من الخلاص، فقاتل بقدر الطّاقة فكبت به فرسه مرارا إلى أن مسكوه حيّا وساروا به لحاكم العساكر الجزائرية، فانهزم الباقي من عساكره، فقيّد ونصب عليه العسس في ثمانية عشر من ربيع / أوّل سنة سبع عشرة ومائة وألف (٥٢٩)، فكانت مدّته ثلاث سنين وشهرين وخمسة أيّام. ثمّ أخذوا طابعه وأرسلوه إلى أخيه محمّد ببرج الكاف على أنّه يأتي طوعا أو كرها (ويضاف إلى أخيه في قيد واحد) (٥٣٠)، وكان بالبرج تسعمائة نفس فثبت البعض على القتال، وطلب البعض المسالمة، فلم ينفصلوا عن طائل، فقام السلاقجي أحمد (٥٣١) وكان رئيس القوم إذ ذاك فقال: من الرّأي أن نسير بأنفسنا ونشاهد إبراهيم الشّريف بأعيننا فإن كان محبوسا عندهم فما لنا إلاّ التّسليم، وإلاّ دافعنا عن أنفسنا، فسار ورجع عند الغروب، وأخبرهم بما عاين، فسلّموا (٥٣٢) محمّد أخا إبراهيم الشّريف لطالبه، فلمّا وصل وضعوه في الأغلال مع أخيه إبراهيم، وأخرجوا جماعة العسكر من البرج بغير سلاح، ونهبوا ما فيه من سلاح وذخيرة طعام تكفيهم سنين متطاولة (٥٣٣).

стр. 767

وانسابت العربان لنهب (٥٣٤) البلاد والعباد وأضرّوا بالبنين والنّساء ولم يحم منهم أحدا مسجد ولا زاوية، وأخربوا الدّور والمساكن (٥٣٥). وتقدّمت العساكر حتّى نزلوا على تونس لتسعة عشرة خلت من جمادى الأولى، ورحلوا ليلة الأربعاء الثامنة عشر خلت من جمادى الثانية (٥٣٦)، وصحبوا معهم إبراهيم الشّريف حيّا فبقيت البلاد بلا باي ولا داي. فقام الخليفة المشار إليه مقامه مستمسكا بحسن عهده / حاكما بمقتضى خلافته عن إبراهيم الشّريف منتظرا قدومه، وبذل في استخلاصه أموالا حتّى خلص من سجنه ثمّ استقدمه لحضرة تونس تمسّكا بالعهد فاكترى مركبا وتوجّه فيها نحو الحضرة فأدركته منيّته قبل وصوله لتونس. حسين بن علي وقيام الدّولة الحسينية: فعند ذلك إجتمع أهل الحلّ والعقد من العلماء وأكابر العسكر بتونس فنصبوا ديوانا لتولية من يصلح للقيام بأمر الخلق، فلم يجدوا أصلح من المقام الأرفع والصّدر الهمام الأمنع ذو السّياسة اللّطيفة والمكارم المنيفة سيدي حسين باي بن علي - رحمه الله تعالى - ورحم أسلافه وبارك في عترته وأخلافه فجددوا بيعته (٥٣٧) وأبقوه على ما هو عليه

стр. 768

من ولايته لما يعلمون من شفقته وعطفه وحسن عهده وسلامة صدره من المكر والحقد والغدر، ولما جبله الله عليه من اللّين والرفق وحسن التّدبير والسّياسة، ففرح الخلق عامّة من أهل تونس وأوطانها وعجمها وعربها وبلدانها بتوليته، وسقط في يد أهل الفساد ما كانوا يتمنّون، وازداد أهل الخير فرحا به لما كانوا منه يرتقبون، وهو الّذي بشّر به الأولياء والصلحاء، وارتقب دولته العلماء والفضلاء قبل توليه بل قبل وجوده كالشّيخ المجذوب الصّاحي سيدي عبد السّلام الأسمر الطرابلسي الفيتوري تلميذ سيدي أحمد زرّوق وسيدي عبد الواحد / الدّكالي وكان من أهل القرن العاشر فإنّه بشّر به وبعترته قبل وجوده وأنه صاحب تونس، وأنه به تعمر، وهو الّذي يسعد الله به البلاد والعباد، فوقع كما قال ونصّه: «وأمّا تونس فمن حين يموت سبطها المسمّى باسم ولد فاطمة وعترته لا خير فيها، آه آه، آه على أهل إفريقية بعد السبط حسين، ولا يأت أمير أحسن منه إلى انقراض الدّنيا» ونوّه بذكره في مواضع كثيرة من وصيّته، كما نوّه كثيرا بذكر أحمد باشا قرمانلي (٥٣٨)، وكذا الشّيخ الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الجمّني (٥٣٩) ﵀ ونفعنا به - بشّر سيدي حسين باي ﵀ بالتّولية، وأوصاه بالرّفق بالرّعيّة، ودعا له بالبركة والتّأييد، فطلب من الشّيخ السّتر خوفا من أمير وقته فقال له: لا عليك من بأس فإنّ الله تعالى أولاك ملكه واستخلفك في أرضه على عباده ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية (٥٤٠) وكذلك الشّيخ الفاضل أبو الحسن سيدي علي النوري (٥٤١) أوصاه بمثل ذلك، ومن ثمّ قوي إعتقاده في أولياء الله، وكثرت محبّته للأولياء والعلماء وأهل الخير المنتسبين لجنب الله، وعظمت رغبته فلاحظ الأحياء والأموات بكلّ ما تيسر من الخيرات، فمن ثمّ نمت بركاته، وتزايدت خيراته، وبارك الله فيه وفي عترته، فهو سبب سعادة أهل بيته، وفّقنا الله وإيّاهم لما يحبّه ويرضاه، وأجرى الصالحات / على أيديهم وبارك فيهم.

стр. 769

وكان - رحمه الله تعالى - عفيف البطن من المسكرات والفرج من الفواحش والمنكرات. فاستقامت (٥٤٢) أحواله وانتظمت آماله، وسعدت رعيّته بسعده، ودافع عنهم بجدّه وجهده، فجزاه الله عن نفسه وعن رعيّته ما هو أهله، ومزاياه وفضائله بحر لا ساحل له. وهذه العجالة لا تفي باستقصاء مآثره، وقد اعتنى بجمع ذلك جماعة نبلاء كالشّيخ أبي عبد الله محمّد الوزير (٥٤٣) وأضرابه (٥٤٤) فذكروا من مزاياه ما يثلج (٥٤٥) صدر أهل الخير والفضل الّذين يفرحون بالأمر الصّالحين المحسنين لرعاياهم، وامتدحه الشعراء من كل مكان فأحسن جوائزهم، ووفدت (٥٤٦) عليه الوفود فأكرم نزلهم وأحسن وفادتهم. وافتكّت عساكر الجزائر ﵏ وهران من يد عدوّ الدّين أواخر شوّال سنة ثمان عشرة ومائة وألف (٥٤٧) ثمّ ارتجعها النّصارى حتّى افتكوها على يد الأمير محمّد، باي تلمسان، حسبما أشرنا إليه عند تعرضنا لذكر بلد الجزائر. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف (٥٤٨) قدم خمسة أغربة من مالطة - دمّرها الله - دخلوا جزيرة الجنان بنواحي (٥٤٩) البقالطة فنزلوا البر لأخذ الماء، فهجم عليهم أهل وطن المنستير، فدخلوا عليهم الجزيرة، فانهزم الكفّار ومات منهم نحو المائة والعشرين، وأسّر المسلمون منهم نحو المائتين، واستشهد من المسلمين اثنان وكانوا قبل / ذلك باتوا على صفاقس ليلة واحدة، فرموا عليهم بالمدافع فأصابوا سفينة كبيرهم ففرّوا هاربين مخذولين. ولسيدي حسين باي - رحمه الله تعالى - مبان (٥٥٠) عظيمة فمنها صهريجه العظيم الشأن بتونس، وهو مشهور باسمه، ومنها مسجده الأنور بمدينة تونس، ومدرسته المتّصلة

стр. 770

به على أبدع نظام وأبهج: منظر وإحكام، وبه تربته ﵀ متّصلة به، وكذا مدرسته المشهورة بالنّسبة إليه في صفاقس (٥٥١) ولها نور زائد تنبسط النّفس وتميل إليها عند الدّخول إليها، وكذا جميع مبانيه - رحمه الله تعالى - وذلك يدلّ على حسن نيّته وخلوص طويّته، ومنها إحياؤه للمدرسة اللّطيفة بالطّيبيّين (٥٥٢) من تونس قرب جامع الزيتونة (٥٥٣)، وحبّس على كلّ بناء أحباسا تقوم به، وأجرى المرتّبات على أهل العلم القائمين بذلك من معلمين ومتعلمين، وغير ذلك من المباني العظيمة وتتبّع ذلك يطول. وبالجملة فهو - رحمه الله تعالى - من غرر الزمان ونوادره، وعلامة ذلك أنّ الله جبل القلوب على محبّته، فكلّ من سمعه ترحّم عليه وودّ أنّه كان في زمانه لما يسمعون من حلمه ورفقه برعيّته واكتساب النّاس في أيّامه الدّين والدّنيا وأمن البلاد والعباد، وتطويع أهل البغي والفساد من العربان وقطّاع الطّريق. وفي أيّامه - رحمه الله تعالى - رخصت (٥٥٤) الأسعار، وعمرت الفيافي والقفار فضلا عن المدن والقرى والدّيار، / وتسارع العربان لطاعته لحسن سيرته وصالح نيّته وإرادة الخير لرعيّته. وكان - رحمه الله تعالى - أوّلا أمّر على محاله وأسفاره المرحوم نجل أخيه محمّد ﵀ سيدي علي باشا، وزوّجه إبنته وعلّمه من العلوم ما هو به مشهور، وأحسن إليه غاية المقدور، ثمّ كساه خلع الباشوية بالأوامر السّلطانية العثمانية، وأقامه بدار الباشا لدفع المرتّبات للعساكر والنّظر في أمورهم، وأقام في مقام البياية نجله الأسعد الأكبر سيدي محمّد بن سيدي حسين باي - رحم الله جميعهم - فاستمرّ الحال على ذلك إلى أن آن الأوان وأراد الله إبراز ما قدّر من تولية الباشا على تونس - رحمه الله تعالى وعاملنا وإياه بالعفو والغفران -، فتحرّك لما جرى وسطّر في أمّ الكتاب.

стр. 771

الفتنة الحسينية الباشية: ففي سنة أربعين ومائة وألف (٥٥٥) خرج الباشا ﵀ خفية ليلا من تونس على حين غفلة من أهلها وطلع جبل وسلات أوّلا (٥٥٦) ثم إنتقل لمدينة الجزائر فمكث بها سبع سنين. ففي سنة ثمان وأربعين (٥٥٧) تجهّز مع العساكر الجزيرية، وانضاف إليه من إنضاف من غيرهم، فنزلوا بسمنجة (٥٥٨)، وخرجت عساكر تونس لمدافعتهم، فلم يقدروا على مدافعتهم لما سطّر في اللّوح المحفوظ، فخرج سيدي حسين - رحمه الله تعالى - وخاصّته وأهله ونزلوا بمدينة القيروان، فظنّ خيرا ولا تسأل [عن الخير] (٥٥٩) وتفصيل ذلك يطول، والرّجوع إلى الحقيقة أحقّ ما يرغب فيه أولو العقول. وكان الباشا - رحمه الله تعالى - يودّ لمّا دخل تونس / أن لا يخرج سيدي حسين من تونس بل يبقى على ما كان عليه، ويرجع هو للخروج بالأمحال فينتظم الحال وتتّحد الكلمة، فلمّا خرج سيدي حسين للقيروان سعى العرب في إفسادهم وانشقّت العصا، وتفرّقت الكلمة، فلمّا تفاقم الأمر أخرج الباشا عساكر لإطفاء نار الفتنة وجمع الكلمة. ففي سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف استشهد سيدي حسين باي (٥٦٠) - رحمه الله تعالى - بعد حصار طويل من عساكر الباشا ﵀ وخرّجت القيروان. وخرج أنجال سيدي حسين ﵏ جميعا - لمدينة الجزائر، فأكرموا نزلهم ومكثوا هناك. ونقل سيدي حسين ﵀ لتونس ودفن بتربته المجاورة لمسجده.

стр. 772

ولمّا بلغ سيدي الباشا ﵀ وفاة سيدي حسين بكى بكاء شديدا واسترجع (٥٦١) وتأسّف أسفا كثيرا وحزن عليه حزنا طويلا واستيقظ وعلم أن الأمر كلّه لله كما قال الشّاعر: [الرجز] إذا أراد الله أمرا بامرئ ... وكان ذا عقل وسمع (٥٦٢) وبصر أصمّ أذنيه وأعمى بصره ... وسلّ منه عقله سلّ الشّعر (٥٦٣) حتّى إذا أنفذ فيه حكمه ... ردّ عليه عقله كي يعتبر وكان يودّ أنّه يصل إليه حيّا فيعامله بالمبرّة والإكرام، وحسن النزل والتّعظيم والإحترام لما سلف له من خيراته وإكرامه ومبرّاته. والباشا - رحمه الله تعالى - كان رجلا عالما عاقلا وأهلا للمكافأة بالإحسان ولكن جفّ القلم ومضى الحكم، فمن رضي سلم ومن سخط ندم. وحزن لموت سيدي حسين جميع النّاس / خصوصا العلماء والصّلحاء والفقراء لما أجراه عليهم من إحسانه وصلاته وهباته وعطيّاته، وما زال الخلق يثنون عليه بكلّ ثناء جميل ويترحّمون عليه في كلّ وقت وحين ﵀ ورحمنا به ورحم جميع المسلمين -. علي باشا بن محمّد: ولمّا خرج سيدي حسين من تونس، وتخلّى عن العسكر بايعوا بعده سيدي علي باشا إبن محمّد ﵀. ولمّا توفّي سيدي حسين بايعه النّاس بيعة عامة، فلم يتخلّف أحد إلاّ من بغى وطغى، إذ بعد بيعة أهل الحلّ والعقد لا يتخلّف إلاّ أهل البغي والفساد، فجرّد الباشا ﵀ سيف الشّرع (٥٦٤) لأهل البغي وتتبّع آثارهم في البوادي والقفار وبعيد

стр. 773

المفاوز وقاصي الدّيار، فقطع آثار كلّ جبّار عنيد بعد جهد جهيد، وكان مؤيّدا في حروبه يحصل لأهل الزيع إزلاق أمعائهم بمجرّد سماع ذكره، وبعد ما طوّع طغاة البوادي طوّع طغاة النّصارى، فهابه المعاهد والمحارب، فأسعفوه بمطلوبه وسالموه في حروبه، وكان - رحمه الله تعالى - منتبها لجميع الشّؤون، وله نوادر وغرائب تتّبعها يخرج بنا عن الإختصار. ومن نباهته وحزمه صارت الملوك يسألون عن مآثره ليسلكوها وآثاره ليقتفوها، فمن أغرب نكته أنّ رجلا زيّاتا اشترى قلّة سمن وطبخ عشاءه في دكّانه بالسّوق، وجعل فيه شيئا من ذلك السّمن، فلمّا فارت البرمة مرّت به إمرأة فتعلّقت نفسها بشهوة / الأكل من ذلك الطّبيخ، فألجأها الحال أن سألته أعطني (٥٦٥) شيئا من ذلك الطّعام، فلم يسعه إلاّ إسعافها خوفا أن يكون بها حمل فتزلق حملها، فدخلت للدّكان وناولها شيئا منه، فلمّا أكلت منه كان في ذلك أجلها فماتت، فاحتار الرّجل ولا علم (٥٦٦) لموتها سببا، فغلق دكّانه وبقي خائفا أن يفطن له أحد، فلما كان اللّيل أخذ المرأة فلفّها في حصير جديد كان (٥٦٧) عنده وأخرجها إلى مكان بعيد منه بحيث تنقطع عنه التّهمة (٥٦٨) ووضعها فيه، فلمّا أصبح الصّبح وإذا بالمرأة [وجدت] ميّتة، فأخبر الباشا ﵀ بذلك، ففكّر ساعة وقال: في أي شيء وجدتموها؟ فقالوا: في حصير، فقال: عليّ بشيخ الحصريّين، فحضر، فقال: أتعرف هذا الحصير صنعة من؟ قال: نعرف، فعيّن رجلا من رجال الصّنعة فأحضر، فقال: بعته لفلان (٥٦٩) الزّيّات، فأحضر، فقال: هذا الحصير الّذي اشتريت من فلان وجد فيه إمرأة ميّتة، فكيف القصّة؟ أخبرنا بالواقع ولا بأس عليك، فأخبر بما وقع، فقال: وأين الطّعام؟ قال: حاضر، فأحضر فألقى منه لقمة لقطّة فلمّا أكلتها ماتت، ففكّر وقال: من أين وضعت السّمن؟ قال: من قلّة اشتريتها، قال: هل بعت منها لأحد، قال: لا، قال: هل أكلت منها؟ قال: لا، قال: أحضرها، فأحضرت فإذا هي لم ينقص منها إلاّ ما وضع في الطّعام فأمر بتكسيرها

стр. 774

فكسّرت، فإذا في أسفلها حيّة ميّتة، فعفا عن الرّجل / لعذره وأمر أصحابه الدّكّاكين (٥٧٠) أن لا يبعوا قلّة إلاّ بعد كسرها وتفقّدها، وأمر أصحاب السّمن أن لا يضعوه إلاّ بعد تفقّد الأوعية. وكان فاضلا عالما مطّلعا على الأحكام الشّرعية والعادية، ولا يقدر أحد من أولي الأحكام أن يتساهل في جزئيّة ولا يولي أحدا ولو مقام التوثيق إلاّ بعد الإختيار الزّائد، وله توغّل في العلوم العربية، فشرح تسهيل إبن مالك (٥٧١) بشرح عظيم الشأن، فقبله علماء المشرق والمغرب وأقرّوا له بالفضل، وكان يسوس العلماء في تعليمهم ويحثّهم على تعليم العلوم النّافعة والكتب المتداولة وترقية المبتدئين ويحذّر من علوم الأوائل (٥٧٢) وأهل الأهواء، ويحذّر من الخوض في علومهم، ويشدّد النّكير على الخائض فيها وربّما نفاه من عمالته. وكانت له غيرة زائدة على رعيّته ومهما سمع على بعض قوّاده ما يسوء رعيّته انتقم منه بالضّرب والسجن (٥٧٣). واعتنى كثيرا ببناء المدارس فبنى أوّلا مدرسة بحومة عاشور من تونس، ورتّب فيها شيخنا أبا محمد سيدي عبد الله السّوسي (٥٧٤) - رحمه الله تعالى - وأخرى ببير الحجّار (٥٧٥) وهما معا للمالكية، ثم زاد ثالثة بالقشّاشين قرب جامع الزّيتونة وهي للحنفية، وجعل بها تربته، ثم زاد رابعة بالقرب منها للمالكية، وجعل شيخها الشّيخ أبا عبد الله سيدي محمّد الغرياني (٥٧٦) - رحمه الله تعالى - وجعل بكلّ مدرسة خزانة

стр. 775

كتب، وجعل لها مرتّبات من الخبز والدّراهم / إعانة لطالب العلم، وزاد دورا في زاوية الشّيخ سيدي إبراهيم الجمّني بجربة، فوق الدّور الأسفل الّذي بناه مراد باي - رحمه الله تعالى -. ومن غريب ما وقع للباشا مع سيدي عبد الله السّوسي - رحمة الله عليهما - أنّ الشّيخ كان زاهدا في الدّنيا متقلّلا منها مقبلا على العلم، فكان الباشا يحبّه ويجلّه ويفضّله لذلك، فلمّا شيّخه على المدرسة أسكنه في دار بقربها، وأجرى عليه من حبس المدرسة ما يقوم به وبعياله، فاتّفق أنّ الشّيخ ﵀ أصابه تشويش منعه من الخروج للإقراء، فسأل الباشا مقدّم المدرسة عن الشّيخ، فقال: به تشويش منعه من الخروج وطالت مدّته، فقال له: هل وفيته (٥٧٧) مرتّبه ليستعين به في مرضه، فقال: لا، قال: إذهب وفّ له مرتّبه، فصحب المرتّب ودخل على الشّيخ داره وأحضر له المرتّب، فامتنع الشّيخ من قبوله وقال: هذا المرتّب إجارة عن عمل، وقد طال مرضي ولم أعمل، فكيف آخذ من غير عمل؟ وهذا حبس على القراءة ولم تحصل منّي، فرجع إلى الباشا وأعلمه بما وقع، فقال له: إرجع وقل له: هذا إعانة من عندي لا إجارة، فقبله ودعا بخير، رحمة الله على هذه النفوس العفيفة، طيّبوا سرايرهم مع مولاهم فسخّرهم للخير وسخّر لهم من أعانهم عليه. وبنى مصانع للماء بتونس، وبنى سور ببنزرت، وافتكّ طبرقة من أيدي النصارى (٥٧٨) واستحفظها جماعة من العسكر، وله خيرات كثيرة غير ذلك وكان ﵀ / عفيف البطن من جميع المحرّمات، تاركا للمشتبهات، فمن ثمّ إجتنب الدّخان ولو نشوقا، ولا يقدر أحد أن يظهره حيثما حلّ، وكان عفيف الفرج، دخل يوما الحمّام مستصحبا بعض غلمانه فاستدعاه لتدليك رجليه، فظنّ الغلام سوءا وتمادى إلى
следующие страницы →