← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الفتنة الحسينية الباشية: ففي سنة أربعين ومائة وألف (٥٥٥) خرج الباشا ﵀ خفية ليلا من تونس على حين غفلة من أهلها وطلع جبل وسلات أوّلا (٥٥٦) ثم إنتقل لمدينة الجزائر فمكث بها سبع سنين. ففي سنة ثمان وأربعين (٥٥٧) تجهّز مع العساكر الجزيرية، وانضاف إليه من إنضاف من غيرهم، فنزلوا بسمنجة (٥٥٨)، وخرجت عساكر تونس لمدافعتهم، فلم يقدروا على مدافعتهم لما سطّر في اللّوح المحفوظ، فخرج سيدي حسين - رحمه الله تعالى - وخاصّته وأهله ونزلوا بمدينة القيروان، فظنّ خيرا ولا تسأل [عن الخير] (٥٥٩) وتفصيل ذلك يطول، والرّجوع إلى الحقيقة أحقّ ما يرغب فيه أولو العقول. وكان الباشا - رحمه الله تعالى - يودّ لمّا دخل تونس / أن لا يخرج سيدي حسين من تونس بل يبقى على ما كان عليه، ويرجع هو للخروج بالأمحال فينتظم الحال وتتّحد الكلمة، فلمّا خرج سيدي حسين للقيروان سعى العرب في إفسادهم وانشقّت العصا، وتفرّقت الكلمة، فلمّا تفاقم الأمر أخرج الباشا عساكر لإطفاء نار الفتنة وجمع الكلمة. ففي سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف استشهد سيدي حسين باي (٥٦٠) - رحمه الله تعالى - بعد حصار طويل من عساكر الباشا ﵀ وخرّجت القيروان. وخرج أنجال سيدي حسين ﵏ جميعا - لمدينة الجزائر، فأكرموا نزلهم ومكثوا هناك. ونقل سيدي حسين ﵀ لتونس ودفن بتربته المجاورة لمسجده.

стр. 772

ولمّا بلغ سيدي الباشا ﵀ وفاة سيدي حسين بكى بكاء شديدا واسترجع (٥٦١) وتأسّف أسفا كثيرا وحزن عليه حزنا طويلا واستيقظ وعلم أن الأمر كلّه لله كما قال الشّاعر: [الرجز] إذا أراد الله أمرا بامرئ ... وكان ذا عقل وسمع (٥٦٢) وبصر أصمّ أذنيه وأعمى بصره ... وسلّ منه عقله سلّ الشّعر (٥٦٣) حتّى إذا أنفذ فيه حكمه ... ردّ عليه عقله كي يعتبر وكان يودّ أنّه يصل إليه حيّا فيعامله بالمبرّة والإكرام، وحسن النزل والتّعظيم والإحترام لما سلف له من خيراته وإكرامه ومبرّاته. والباشا - رحمه الله تعالى - كان رجلا عالما عاقلا وأهلا للمكافأة بالإحسان ولكن جفّ القلم ومضى الحكم، فمن رضي سلم ومن سخط ندم. وحزن لموت سيدي حسين جميع النّاس / خصوصا العلماء والصّلحاء والفقراء لما أجراه عليهم من إحسانه وصلاته وهباته وعطيّاته، وما زال الخلق يثنون عليه بكلّ ثناء جميل ويترحّمون عليه في كلّ وقت وحين ﵀ ورحمنا به ورحم جميع المسلمين -. علي باشا بن محمّد: ولمّا خرج سيدي حسين من تونس، وتخلّى عن العسكر بايعوا بعده سيدي علي باشا إبن محمّد ﵀. ولمّا توفّي سيدي حسين بايعه النّاس بيعة عامة، فلم يتخلّف أحد إلاّ من بغى وطغى، إذ بعد بيعة أهل الحلّ والعقد لا يتخلّف إلاّ أهل البغي والفساد، فجرّد الباشا ﵀ سيف الشّرع (٥٦٤) لأهل البغي وتتبّع آثارهم في البوادي والقفار وبعيد

стр. 773

المفاوز وقاصي الدّيار، فقطع آثار كلّ جبّار عنيد بعد جهد جهيد، وكان مؤيّدا في حروبه يحصل لأهل الزيع إزلاق أمعائهم بمجرّد سماع ذكره، وبعد ما طوّع طغاة البوادي طوّع طغاة النّصارى، فهابه المعاهد والمحارب، فأسعفوه بمطلوبه وسالموه في حروبه، وكان - رحمه الله تعالى - منتبها لجميع الشّؤون، وله نوادر وغرائب تتّبعها يخرج بنا عن الإختصار. ومن نباهته وحزمه صارت الملوك يسألون عن مآثره ليسلكوها وآثاره ليقتفوها، فمن أغرب نكته أنّ رجلا زيّاتا اشترى قلّة سمن وطبخ عشاءه في دكّانه بالسّوق، وجعل فيه شيئا من ذلك السّمن، فلمّا فارت البرمة مرّت به إمرأة فتعلّقت نفسها بشهوة / الأكل من ذلك الطّبيخ، فألجأها الحال أن سألته أعطني (٥٦٥) شيئا من ذلك الطّعام، فلم يسعه إلاّ إسعافها خوفا أن يكون بها حمل فتزلق حملها، فدخلت للدّكان وناولها شيئا منه، فلمّا أكلت منه كان في ذلك أجلها فماتت، فاحتار الرّجل ولا علم (٥٦٦) لموتها سببا، فغلق دكّانه وبقي خائفا أن يفطن له أحد، فلما كان اللّيل أخذ المرأة فلفّها في حصير جديد كان (٥٦٧) عنده وأخرجها إلى مكان بعيد منه بحيث تنقطع عنه التّهمة (٥٦٨) ووضعها فيه، فلمّا أصبح الصّبح وإذا بالمرأة [وجدت] ميّتة، فأخبر الباشا ﵀ بذلك، ففكّر ساعة وقال: في أي شيء وجدتموها؟ فقالوا: في حصير، فقال: عليّ بشيخ الحصريّين، فحضر، فقال: أتعرف هذا الحصير صنعة من؟ قال: نعرف، فعيّن رجلا من رجال الصّنعة فأحضر، فقال: بعته لفلان (٥٦٩) الزّيّات، فأحضر، فقال: هذا الحصير الّذي اشتريت من فلان وجد فيه إمرأة ميّتة، فكيف القصّة؟ أخبرنا بالواقع ولا بأس عليك، فأخبر بما وقع، فقال: وأين الطّعام؟ قال: حاضر، فأحضر فألقى منه لقمة لقطّة فلمّا أكلتها ماتت، ففكّر وقال: من أين وضعت السّمن؟ قال: من قلّة اشتريتها، قال: هل بعت منها لأحد، قال: لا، قال: هل أكلت منها؟ قال: لا، قال: أحضرها، فأحضرت فإذا هي لم ينقص منها إلاّ ما وضع في الطّعام فأمر بتكسيرها

стр. 774

فكسّرت، فإذا في أسفلها حيّة ميّتة، فعفا عن الرّجل / لعذره وأمر أصحابه الدّكّاكين (٥٧٠) أن لا يبعوا قلّة إلاّ بعد كسرها وتفقّدها، وأمر أصحاب السّمن أن لا يضعوه إلاّ بعد تفقّد الأوعية. وكان فاضلا عالما مطّلعا على الأحكام الشّرعية والعادية، ولا يقدر أحد من أولي الأحكام أن يتساهل في جزئيّة ولا يولي أحدا ولو مقام التوثيق إلاّ بعد الإختيار الزّائد، وله توغّل في العلوم العربية، فشرح تسهيل إبن مالك (٥٧١) بشرح عظيم الشأن، فقبله علماء المشرق والمغرب وأقرّوا له بالفضل، وكان يسوس العلماء في تعليمهم ويحثّهم على تعليم العلوم النّافعة والكتب المتداولة وترقية المبتدئين ويحذّر من علوم الأوائل (٥٧٢) وأهل الأهواء، ويحذّر من الخوض في علومهم، ويشدّد النّكير على الخائض فيها وربّما نفاه من عمالته. وكانت له غيرة زائدة على رعيّته ومهما سمع على بعض قوّاده ما يسوء رعيّته انتقم منه بالضّرب والسجن (٥٧٣). واعتنى كثيرا ببناء المدارس فبنى أوّلا مدرسة بحومة عاشور من تونس، ورتّب فيها شيخنا أبا محمد سيدي عبد الله السّوسي (٥٧٤) - رحمه الله تعالى - وأخرى ببير الحجّار (٥٧٥) وهما معا للمالكية، ثم زاد ثالثة بالقشّاشين قرب جامع الزّيتونة وهي للحنفية، وجعل بها تربته، ثم زاد رابعة بالقرب منها للمالكية، وجعل شيخها الشّيخ أبا عبد الله سيدي محمّد الغرياني (٥٧٦) - رحمه الله تعالى - وجعل بكلّ مدرسة خزانة

стр. 775

كتب، وجعل لها مرتّبات من الخبز والدّراهم / إعانة لطالب العلم، وزاد دورا في زاوية الشّيخ سيدي إبراهيم الجمّني بجربة، فوق الدّور الأسفل الّذي بناه مراد باي - رحمه الله تعالى -. ومن غريب ما وقع للباشا مع سيدي عبد الله السّوسي - رحمة الله عليهما - أنّ الشّيخ كان زاهدا في الدّنيا متقلّلا منها مقبلا على العلم، فكان الباشا يحبّه ويجلّه ويفضّله لذلك، فلمّا شيّخه على المدرسة أسكنه في دار بقربها، وأجرى عليه من حبس المدرسة ما يقوم به وبعياله، فاتّفق أنّ الشّيخ ﵀ أصابه تشويش منعه من الخروج للإقراء، فسأل الباشا مقدّم المدرسة عن الشّيخ، فقال: به تشويش منعه من الخروج وطالت مدّته، فقال له: هل وفيته (٥٧٧) مرتّبه ليستعين به في مرضه، فقال: لا، قال: إذهب وفّ له مرتّبه، فصحب المرتّب ودخل على الشّيخ داره وأحضر له المرتّب، فامتنع الشّيخ من قبوله وقال: هذا المرتّب إجارة عن عمل، وقد طال مرضي ولم أعمل، فكيف آخذ من غير عمل؟ وهذا حبس على القراءة ولم تحصل منّي، فرجع إلى الباشا وأعلمه بما وقع، فقال له: إرجع وقل له: هذا إعانة من عندي لا إجارة، فقبله ودعا بخير، رحمة الله على هذه النفوس العفيفة، طيّبوا سرايرهم مع مولاهم فسخّرهم للخير وسخّر لهم من أعانهم عليه. وبنى مصانع للماء بتونس، وبنى سور ببنزرت، وافتكّ طبرقة من أيدي النصارى (٥٧٨) واستحفظها جماعة من العسكر، وله خيرات كثيرة غير ذلك وكان ﵀ / عفيف البطن من جميع المحرّمات، تاركا للمشتبهات، فمن ثمّ إجتنب الدّخان ولو نشوقا، ولا يقدر أحد أن يظهره حيثما حلّ، وكان عفيف الفرج، دخل يوما الحمّام مستصحبا بعض غلمانه فاستدعاه لتدليك رجليه، فظنّ الغلام سوءا وتمادى إلى

стр. 776

ما لا يحلّ النّظر إليه ولامسه فدفعه (٥٧٩) الباشا برجله وانتهره نهرة منكرة ففاضت روح الغلام من شدّة الهيبة والفزع. ولقوّة شهامة الباشا وشدّة بطشه وانتقامه من المفسدين صارت الظعينة تمشي وحدها من أرض إلى أرض، وصارت الفيافي والقفار كالحاضرة في الأمن والعافية، ومن قصد الطّريق لا يرتقب الرّفيق لكثرة السّالكين. وبالجملة فقد أقام الدّين بالسّيف والقلم، فالسّيف للبغاة، والقلم للعلماء. وفي سنة ثلاث وخمسين (٥٨٠) إبتدأ النّاس الغلاء، وفي أربع وخمسين إشتدّ الحال بالنّاس حتّى أكل بعضهم بعضا حقيقة فضلا عن الميتة والدّم، وكان إشتدّ ذلك بطرابلس وإفريقية، ثمّ تدارك الله عباده بالرّحمة، فأخصبت الأرض ورخصت الأسعار. وفي سنة تسع وخمسين ومائة وألف (٥٨١)، قدم أنجال سيدي حسين - رحم الله جميعهم - بعساكر الجزائر، ولمّا سمع الباشا بقدومهم حصّن مدينة الكاف غاية التّحصين بكلّ ما يمكن، فما أمكنهم فتحه لأنّ أوانهم ما آن، ورأوا أن مجاوزته من غير فتح يعود / عليهم بالضّرر لقطع مددهم فرجعوا من حيث قدموا ولم يحصل ما قصدوا (٥٨٢) ولكلّ أجل كتاب. فتنة يونس باي: وفي سنة خمس وستّين ومائة وألف (٥٨٣) وقعت وحشة بين المرحومين أنجال الباشا أكبرهما يونس باي ﵀ وأخوه (٥٨٤) شقيقه محمّد باي - رحمه الله تعالى -

стр. 777

أوجبت غضب الأكبر لقوّة شهامته وبطشه، فدخل (٥٨٥) القصبة بشهر رجب من السّنة المذكورة مغاضبا لأبيه وأخيه، وغلّق أبواب المدينة من جهة ربط (٥٨٦) باب السويقة، وصار معه المدينة والرّبط (٥٨٦) القبلي، ومع الباشا ربط (٥٨٦) باب السويقة وما يليه، واشتدّ الحرب بينهما إلاّ أنّ الباشا كان أقوى حربا، فأضر بتونس بكثرة المدافع من الأبراج الّتي على الجبل الأخضر حتّى امتنع النّاس من المشي في الطرقات، واستمرّ الحال على ذلك نحو الشهرين (٥٨٧)، فلمّا اشتدّ الأمر، وضاقت الأرض بما رحبت خرج يونس باي - رحمه الله تعالى - فنهى الباشا ﵀ عن التّعرّض له فلم يتبع، فخرج سائرا حتّى انتهى إلى قسنطينة، فبقى بها إلى أن أدركته منيّته (٥٨٨) - رحمه الله تعالى -. وفتحت تونس أبوابها وطلب النّاس العفو من الباشا فعفا (٥٨٩) عنهم إلاّ من كانوا سعوا في الفتنة فنفاهم من تونس، فاجتمع أكثرهم بالجزائر مع من ذهب من غيرهم خوفا من بطش الباشا، فاجتمع هناك خلق كثير فكانوا أعوانا عليه. فلما آن الأوان ودخلت / سنة تسع وستين ومائة وألف قدم أنجال سيدي حسين أوائل حجّة من السّنة المذكورة (٥٩٠). فدخلوا تونس بعساكر الجزائر وغيرهم بعد حروب ومقاساة أهوال وموت ما لا يحصى، واستشهد الباشا (٥٩١) - رحمه الله تعالى - وولده محمد باي - رحمه الله تعالى -. محمد بن حسين بن علي: وبايع النّاس أكبر أنجال سيدي حسين - رحمه الله تعالى - وهو المقام الأعظم والهمام الأفخم، سيّدي محمّد باي، بيعة عامّة.

стр. 778

وكان - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - ذا همّة عالية وشهامة وبطش، فأطاعته العصاة من ساعته وانقادت له العباد، فاطمأنّت البلاد، ومحا (٥٩٢) آثار الفساد وكأنّ الأرض لم تقم بها فتنة، ولا وقع بها حروب، لطفا من الله بعباده. ثمّ جاءت التّشاريف العثمانية والخلع الخاقانية لثاني النجلين صاحب السّياسة الملوكية والرياسة السّلطانية سيدي علي باشا - رحمه الله تعالى - فلبس خلعة الباشوية، فتمّت نعمة الله عليهما، واتّفقت كلمتهما، وسلّمهما من داء الخلاف والشّقاق لما جبلهما الله عليه من المحبّة والإتّفاق، فانتظمت، الأحوال واتّسقت، وأمنت البلاد وسكنت، وانقطعت نار الفتنة وخمدت. ولمّا تمّت نعمة الله عليهما بالملك شرعا في تجديد سور القيروان وتحصينها إذ هي إحدى حصون الإسلام بل أعظم مدينة بإفريقية، بل هي أمّ قراها فهي أحقّ بحفظها وصيانتها - أبقاها الله دار عزّ للإسلام، / وحفظها من طوارق اللّيالي والأيّام. ولمّا كانت سنة إثنتين وسبعين ومائة وألف حضرت منيّة (٥٩٣) سيدي محمّد باي - رحمه الله تعالى - على فراشه فسار لرحمة الله الواسعة ودفن بتربة أبيه - رحمهم الله تعالى -. علي باشا إبن حسين بن علي: فبايع النّاس بعده بيعة عامة لأخيه سيدي علي باشا - رحمه الله تعالى -. فصار باشا بايا، ففرح النّاس به لما يعلمون من رفقه وحلمه ورقّة قلبه على رعيّته وكرمه، فاستقرّت البلاد على أمنها، ولم يقع في الأرض ما يوجب اضطرابها. ثمّ لم تمض أشهر قلائل إلاّ وقد طلعت خيول إسماعيل (٥٩٤) باي، إبن يونس باي إبن الباشا - رحمة الله على جميعهم - وكان لما وقع على جده الباشا ما وقع استبدل ثياب السّلطنة بثياب عامّة النّاس وغير زيّه، وسار حتّى انتهى إلى طرابلس، فنزل على علي باشا (٥٩٥) صاحب طرابلس، فأكرم نزله ورتّب له ما يحتاجه بموجب ما تقتضيه حقوق

стр. 779

السّلطنة، فلمّا سمع بموت سيدي محمد باي وتولية سيدي علي أخيه تحرّك لنحو تونس طالبا لملك جدّه، فسار من طرابلس خفية من الباشا مع جماعة من العرب، وصار كلّما مرّ بطائفة من الأعراب تبعه منهم جماعة فانتهى إلى قابس ومعه جموع كثيرة، ولم يزل سائرا حتّى انتهى إلى جمّال (٥٩٦) فأقام بها وقاموا بدعوته، فلمّا بلغ الخبر لسيدي علي باي - رحمه الله تعالى - جهّز له عساكر من تونس، فلمّا التقى الجمعان كان الظّفر لعساكر تونس على عساكر جمّال، فخرج من جمّال / إلى وسلات فتبعته العساكر إلى وسلات، فلمّا علم أنّه لا يحصل من المكث بوسلات (٥٩٧) إلا الهرج وقلة الفائدة عمل على السّفر إلى الجزائر (٥٩٨) فسار إليها حتّى انتهى إليها فأكرموا نزله. وكان ﵀ بطلا شجاعا مقداما على قدم أبيه وجدّه في الشّهامة والشّجاعة. فأقام بالجزائر ما شاء الله حتّى أدركته منيّته بها ﵀. ولمّا خرج من الجبل رآى سيدي علي باي أنّ أهل الجبل لا يسكنون من الفتنة، وخاف من طارق يقوم به، فرآى الصّواب في نزول أهله إلى البلاد فأمرهم بالنّزول منه فنزلوا وتفرّقوا، وذهب كلّ أحد منهم إلى ما اختار، فمنهم من اختار القيروان، ومنهم من اختار تونس، ومنهم من اختار السّاحل إلى غير ذلك، فأمنت فتنته وانقطعت ثائرته. وانفرد سيدي علي باي بملكه ولم يبق له منازع، فظهر تمام حسن سيرته وسعدت رعيّته، وكان على قدم أبيه، والولد نسخة من أبيه، ومن يشابه أبه فما ظلم، بل زاد في الحلم والعفو على أبيه ﵏، وكان يكره قتل النّفوس ولو قصاصا فيصالح أصحاب الدّماء ما أمكن من مال الجاني وإلاّ فمن ماله هو، ولا يقتل قصاصا إلاّ من لم يمكن له خلاص بوجه ما شرعي، وإذا لم يقتل قصاصا فكيف بالقتل ظلما. وكان ﵀ محبّا للعلم وأهله وللصّلاح وأهله، محسنا للفقراء، وجعل مرتّبات للعميان الفقراء، وقطع حانات الخمر أينما كانت، ولقد أفرده وزيره / الشّيخ

стр. 780

حمّودة بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - بكتاب ضخم حافل (٥٩٩) إستقصى فيه دولته ومزاياه وجميع أحواله. وكان الباشا ﵀ يحبّه مع ما بينهما من التّباعد حبّا شديدا لأنّه صاهره الباشا بابنته، ولما يعلم من حلمه وعفّته وكرمه ﵏ أجمعين -. ولمّا منّ الله عليه بطول الملك والسّعادة وعلم أنّ الدّنيا زائلة والرّجوع إلى الله حقّ زهد في الملك (٦٠٠) والحكم ومزاولة الخصومات والدّعوات، وكاتب الأعتاب العثمانية الخاقانية يستعفي من الحكم، فعوفي، ونزلت الأوامر والخلع العثمانية والتّشاريف السّلطانية لنجله الأكبر الأسعد الهمام الأمجد سيدي حمّودة باشا - نصره الله -. وسلّم له والده في البياية فصار باشا بايا كوالده وهو سلطان وقتنا - دام مجده وعلاه وأناله الله من سعادة الدّارين سؤله ومتمناه - (٦٠١). وانفرد والده (٦٠٢) - رحمه الله تعالى - بنفسه لصلاته ودروس العلم ليلا ونهارا، وبذل المعروف والصّدقات والعفو عن الخطيّات، والإحسان للأرامل والأيتام، ولقد امتدحه الشعراء بما لا يحصى، فأجزل جوائزهم وقد استوفى ذلك وزيره في تاريخه، فليراجع ثمّة من أراد ذلك. وأكثر من البنايات النّافعة فمنها فسقيته بتونس، ومنها مدرسته المشهورة (٦٠٣) بها أيضا، ومنها قنطرة واد مليان على ثنيّة السّاحل، ومنها فسقية (٦٠٤) صفاقس الّتي غفل عنها غيره / ممّن تقدمه من الملوك، ومن تنبّه لها لم يجعل الله له تيسيرا فيها حتى جاء هذا السّلطان الأسعد - رحمه الله تعالى - فكانت من غرر محاسنه، ومنها إتمام سور مدينة القيروان (٦٠٥) إلى غير ذلك من أفعال الخيرات ممّا يطول إستقصاؤه.

стр. 781

وكان عفيف البطن منزّها عن المسكرات، عفيف الفرج إلاّ ما أباحه الله، ولا عيب فيه، إلاّ أنّه كان يلبس خشن الثيّاب تحت ثياب الملك ليذوق مع فقراء المساكين ما هم فيه ويتذكّرهم ولا يغفل عنهم، وكان رحيم القلب ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة ولكن يعفو ويصفح، وهذه من أخلاق النبوة، وكل من خرج عن طاعته رجع إليه باختياره لما يعلم من حلمه فيأتيه ويعترف بذنوبه، فيعفو عنه ويكرمه ولا يوبّخه ولا يعاتبه سجيّة طبعه الله عليها وطوّع له بها جميع رعاياه. وفي سنة أربع وثمانين (٦٠٦) قدمت (٦٠٧) مراكب الفرنسيس محاربين (٦٠٨) فرموا على بنزرت بالبونبة شيئا كثيرا، ورموا على سوسة كذلك، فأضرّوا بالبلدين، ثمّ قمع الله شرّهم وقطع ضررهم بوقوع الصّلح. حمّودة باشا الحسيني: وفي سنة ستّ وتسعين ومائة وألف (٦٠٩) حضرت وفاة سيدي علي باشا باي - رحمه الله تعالى - على فراشه، آمنا مطمئنّا على سنّ عالية، قرير العين، ودفن بتربته المعدّة لدفنه بمدرسته، فحزن النّاس لموته، ولكن قلوبهم آمنة مطمئنة بنجله الأسعد سيدي حمّودة باشا / - دام (٦١٠) علاه -، فجدّد النّاس له البيعة، فكانت تعزيته مقرونة بتهنئة البيعة العامّة، ولم يتخلّف عنها أحد، وأتت الوفود، وقصده النّاس من كلّ فجّ عميق، فأحسن وفادتهم وأكرم نزلهم، فهو سلطان وقتنا أقرّ الله به أعيننا، وأمّن به أوطاننا

стр. 782

وأرضنا، أدام الله علاه، ونصره على من ناواه، فسار سيرة (٦١١) آبائه الكرام، وقام بالأمر أحسن قيام، فأمنت البلاد واطمأنّت العباد، وساسهم بلطف، واجتنب الشدّة والعنف، وفّقنا الله وإيّاه لما يحبّه ويرضاه، وأدام الله في أمن وعافية أيّامه، وثبّت على نهج الهدى والتّقوى أقدامه. ومن مزاياه الجليلة وأخلاقه الجميلة أنّه جمع شمل عترته من إخوته وبني أعمامه وكلّ من ينتمي لنسبه الكريم، وأنزلهم في المقام الأعظم والمبرّة والإحترام، والتّشريف والإكرام، فاتّحدت الكلمة، وتمّت عليهم وعلى الرّعيّة النّعمة، وماتت شياطين الإنس والجنّة، وانقطعت المظالم والظّلمة، وانطفأت (٦١٢) نيران الفتنة، ولله الحمد والمنّة، والصّلاة والسّلام على نبيء الرّحمة، وعلى آله وأصحابه هداة هذه الأمّة، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة والرّحمة (٦١٣). /

стр. 783

الخاتمة: في ذكر ما يتعلق بصفاقس ووطنها وفيها أبواب الباب الأوّل في ذكر وضعها وما يتعلّق بذلك تأسيس سور صفاقس: أقول: كانت صفاقس في ابتداء أمرها محرسا من المحارس، برجا في موضع قصبتها الآن (١)، وهو البرج الأحمر المحاذي لسيدي جبلة (٢)، وكان هناك أناس يقال لهم الأعشاش (٣)، وآخرون يقال لهم النواولة (٤) ساكنون في أخصاص من خوص، لا كسب لهم هناك إلاّ صيد السّمك، وكان حوالي ذلك المكان بسواحل البحر وما قاربه من الأراضي قرى كثيرة متّصلة ومتقاربة، ولهم في ذلك الموضع في كلّ يوم جمعة سوق

стр. 784

يجتمع فيه أهالي تلك القرى، فاتّخذوا له فنادق لحفظ دواب الواردين وأمتعتهم، وأحدثت (٥) هناك مرسى للقادمين من البحر كأهل قابس وجربة وطرابلس وقرقنة وغير ذلك، فابتنى النّاس لهم مساكن وكثرت النّاس. فلمّا كان زمن أبي إبراهيم أحمد بن الأغلب ﵀ وكان له اعتناء بأفعال الخيرات وإنشاء الحصون والمحارس، أمر ببناء سور من الطوب على ما اجتمع من المساكن والفنادق والسّوق على يد علي بن سلم (٦) جد سيدي أبي إسحاق الجبنياني - نفعنا الله به -. وسبب بناء أحمد بن الأغلب ﵀ على ما نقل في معالم الإيمان (٧) عن أبي بكر التّجيبي (٨) أنّه كان ﵀ أجمل بني الأغلب، وكانت له شعرة يعني شيئا من شعر في وسط رأسه، فكان إذا جلس للشّرب مع الجواري نظّمت شعرته بالجوهر / المصنّف، ويجعل من فوقها التّاج المكلّل بالدّرّ والياقوت الأحمر، وكذلك يفعل الجواري، فنظر إلى وجهه في المرآة فتكلّم بكلمات (٩) كفر فلمّا أفاق أخبر بذلك، فبكى وندم وأمر برأسه فحلق شعرته وتاب، ووجّه في طلب القاضي سليمان وجمع علماء المدنيين والعراقيين (١٠) وسألهم فصعّبوا عليه، وركب إلى دمنة، وهو إسم مكان يجتمع فيه الزّهّاد والمرضى، قال: ركب إلى دحيم (١١) الضرير (١٢) المتعبّد وكان مستجابا، فأخبره وسأله الدّعاء، ثمّ ركب إلى قصره في قضاته ووزرائه حتّى دخل على محمّد بن يحيى بن سلام التميمي الفقيه، فسأله عمّا صدر منه، وهل له من توبة؟ فقال له: إن كنت اعتقدت ما تكلمت به فهو عند الله عظيم، وإن كنت لم تعتقده فالتّوبة

стр. 785

مبسوطة فتب إلى الله تعالى، وتقرّب إليه بالصّدقة، فقال له: جزاك الله خيرا كما دلّيتني على الله تعالى، ولم تؤيّسني من رحمته التّي وسعت كلّ شيء، فظهرت من أبي إبراهيم آثار جميلة من أفعال البرّ والصّدقات وبناء المساجد والمواجل حتّى مات، ولم يترك في بيوت أمواله شيئا بأن أخرج ثلاثمائة ألف دينار من بيت مال المسلمين فأمر ببناء ماجل باب تونس، وبنى في جامع القيروان القبّة الخارجة عن البهور (١٣) مع الصفتين اللّتين تليانها من جانبيها جميعا، وبلاطها الّذي بين يديها مفروش، وعمل المحراب جلبت له تلك القراميد (١٤) المهيئة (١٥) لمجلس أراد أن يعمله، وجلب له من / بغداد خشب السّاج ليعمل له منه عيدان الملاهي فعملها منبرا للجامع، وجاء بالمحراب مفصّلا رخاما من العراق عمله في جامع القيروان، وجعل تلك القراميد في وجه المحراب وكمّل له رجل بغدادي قراميد زادها إليها وزيّنه تلك الزّينة العجيبة بالرّخام والذّهب والآلة الحسنة، وبنى ماجل باب [أبي] (١٦) الرّبيع، وأمر ببناء ماجل القصر الكبير بسوسة، وبنى جامع مدينة تونس، وبنى سور سوسة، وبنى دار الملك بسوسة، وبنى قصر لمطة (١٧)، وبنى سور صفاقس، وتصدّق بباقي المال على الفقراء والمساكين، قال: وملك إفريقية وهو إبن عشرين سنة، وعاش بعد هذه الحادثة خمس سنين (١٨) اهـ. وقد تقدّم أنّ وفاته كانت سنة تسع وأربعين ومائتين (١٩) فيكون بناء سور صفاقس في سنة خمس وأربعين (٢٠) وما بعدها. وذكر (٢١) الشّيخ الفقيه أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد اللّبيدي الحضرمي - رحمه الله تعالى - «أنّ علي بن سلم جدّ سيدي أبي إسحاق الجبنياني - رحمه الله تعالى - كان من أهل العلم من أصحاب سحنون بن سعيد ﵁ وهو ولد سحنون من الرّضاعة، أرضعته أمّ محمد بن سحنون مع محمّد، ثم ولاّه سحنون قضاء

стр. 786

صفاقس وسائر السّاحل (٢٢)، وهو، فيما ذكر لي أحمد وغيره، كان بنى (٢٣) جامع صفاقس وسورها بالطّوب (٢٤) وبنى المحرس الجديد (٢٥). قال: وكان يعدل في أحكامه، وكانت له دنيا عريضة، ومنازل كثيرة، منها / جبنيانة وغيرها له بها رباع عجيبة، وكان له بصفاقس رباع كثيرة، ولقد وقع في مكاتبات سحنون إلى علي بن سلم قاضي صفاقس أنّه بلغني أنّ قبلك قوما ينكرون المنكر بأنكر منه، فازجرهم عن ذلك والسّلام» (٢٦) اهـ. ثمّ بعد ذلك جعل النّاس على السّور المذكور أوقافا، إبتغاء لوجه الله، فكلّما وقع جانب من سور الطّوب ردّوه بالحجر والجير، وفي أيّام السّلطان أبي فارس (٢٧) الحفصي - رحمه الله تعالى - جدّد الباب الجبلي وما يليه من السّور، واسمه مكتوب على الباب في حجر (٢٨) وهو باق إلى الآن، واعتنى النّاس ببناء السّور وترميم ما انهرش منه إعتناء كثيرا، وإلى الآن والحمد لله لا ينقطع منه الفعلة دائما وأبدا، فقد صار في غاية المنعة (٢٩) والحمد لله.

стр. 787

الجامع الكبير: ثمّ إنّ المسجد الأعظم لمّا تطاولت الأزمنة، واستولى على البلاد الخراب من الميورقي والنّصارى وإبن كيداد (٣٠) الخارجي، والطّاعون، والأعراب، وغير ذلك - حسبما مرّ مفصّلا - إستولى الخراب على معظم المسجد، فاختصروه بتعمير الجانب الشّرقي منه وألغوا الباقي. فلمّا منّ الله على الخلق بدخول العساكر العثمانية أذهب عن البلاد والعباد الفساد بقطع أيدي الجور والعدوان، والبغي والشّقاق والعناد، ولا سيّما دولة سيدي حسين باي ﵀ فعمّت البلاد، واطمأنّت العباد، فظهر فضل في غلات أوقاف المسجد (٣١) مع ما زاده أهل الخير من أموال وأوقاف، فاسترجع في كلّ زمان ما أمكن إرجاعه / من داثر المسجد، بل قد وجد في بعضه إحداث حوانيت ودور فاشتريت من أيدي أربابها إذ بأيديهم حجج إشتراء الأرض من أهل الجور من المستولين على البلاد، وكلّما استرجع جانب أدخل في المسجد ببناء على قدر الطّاقة في ذلك الوقت. وكان الخطيب إذ ذاك سيدي عبد العزيز الفراتي الأكبر (٣٢) الآتي ذكره - إن شاء الله - فقام في هذا الأمر غاية القيام مع مساعدة أهل الفضل من رجال البلد. ولمّا وصلوا إلى آخر ما دثر وأرادوا إدخاله وجدوا أساس المسجد الأصلي فاستبشر النّاس بذلك، ثمّ إنهم لمّا فرغوا من ذلك جعلوا على بعضه سقفا من خشب وأبقوا بعضه بلا سقف على صورة الصحن، وبقيت أسطر عمد المسترجع غير مناسبة لأسطر عمد الذي كانوا أبقوه لأنّ الأصلي كان قبوا بالجير والحجر (٣٣) فاسطواناته على قالة واحدة وأسطر إسطوانات المسترجع لمّا كان سقفه بالأخشاب، والأخشاب أقلّ من قالة القبو، بل الخشب تارة يوجد طويلا وتارة قصيرا، وبقي المسجد على غير نظام مناسب، فرغب أهل الخير في جعله على قالة واحدة بنقض بناء المسترجع، ولأنّ سقف الخشب كثر فيه القاطر وخيف عليه السّقوط، فاجتمع أهل الفضل من البلد ورأوا الصّلاح في نقض

стр. 788

ذلك البناء، وجعله مناسبا للسابق، ويكون سقفه قبوا بالجير والحجر. ولمّا وجدوا غلات الأوقاف كثيرة خافوا أن تدخل بواطن الوكلاء فتعيّن ما رأوه صلاحا، / فانتدبوا لذلك أكبر المهندسين ممّن له خبرة ونصح للمسلمين، وهما المعلّمان الأكبران أمين البناء الحاج الأبر سعيد القطيّ، والمهندس المتقن المعلّم أسطى طاهر المنيف (٣٤)، فتقدّما للقيام بشؤون الصّنعة، وقدم للقبض والصرف الأمين علي العذار وخطيب ذلك الوقت الشّيخ سيدي حسن الشرفي - رحم الله جميعهم -. فشرع المهندسون والفعلة في النّقض وحفر أساس الإسطوانات وتقوية ما يحتاج للتّقوية لأنّهم ربّما وجدوا موضع بعض الإسطوانات كان صهريجا أو بئرا أو مرحاضا فتتبّعوا ذلك كلّه بالحجر الصّلب والجير (٣٥) الافراغ (٣٦). ولمّا أتقنوا مواضع الإسطوانات وضعوها في مواضعها مؤسّسة البنيان على قوة وإتقان، وما وجدوه من العمدان (٣٧) السّابق غير لائق أتوا بعوضه (٣٨) بالشّراء أو الهبة من أهل الخير. فجعل من عنده عمودا في داره مبنيا يعرضه للبناء في المسجد رغبة فيما عند الله من الأجر ولو مع أخذ الثّمن، لأنّ النّيّة الصّالحة تثبت الأجر كأمّ موسى أرضعت ولدها وأخذت أجرها، والأعمال بالنّيّات، فأكملوا بناءه على تقوى من الله ورضوان. والفاصل بين المسترجع والذي قبله سطر العمدان الذي فيه بمكان الواحدة ثلاثة، وهو سطر أخذ من الحائط الجنوبي منتهيا لآخر المسجد.

стр. 789

ونقل المحراب (٣٩) من مكانه إلى الوسط، وفي المحراب (٤٠) مكتوب قوله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ (٤١) الآية، ومن تحتها مقطعة من كلام أبي الحسن الغراب وهي هذه /: [الكامل] ته يا صفاقس وافتخر طول المدى (٤٢) ... عجبا بمسجدك العديم مثاله سيما بمحراب تكامل حسنه ... ويزيد في نظر اللّبيب جلاله أبدى المنيف به المعلّم طاهر ... ما رقّ من نقش وراق جماله حتّى تكامل قلت فيه مؤرّخا ... محراب مسجدك انتهى اكماله (٤٣) وهو إثنان وسبعون ومائة وألف (٤٤). ثمّ بعد مدّة ضاق المسجد بأهله فطلبوا زيادة مسجد ثان بخطبة ثانية، فاستفتوا أهل العلم في ذلك فأجاز بعضهم لضرورة الضّيق، ومنع البعض تمسّكا بظاهر مشهور المذهب، فاضطرّ النّاس لزيادة في المسجد طلبا للتّوسعة، وكان في جهة الرّكن الشّمالي الغربي ميضاة يمكن الإستغناء عنها وبعض حوانيت ملك لأربابها وبعضها خلو للمسجد الأعظم، فأرضوا أصحاب الكلّ وأدخلوا الجميع في المسجد (٤٥)، وجعلوا العمدان على قالة المسجد. وهذه الزّيادة حائطها الشّرقي ملاصق لصحن المسجد الأصلي، ففتحوا فيه خمسة أبواب بهور وجعلوا عليها مصارع منقوشة بأبدع نقش (٤٦)، وتاريخ الفراغ من جميع ذلك سنة ثمان وثمانين ومائة وألف (٤٧).

стр. 790

وظهر في الخمسة الأبواب بهور المسجد السّابق الّتي تفتح للشّمال بعض انهراش واستاست (٤٨) مصارعها لمضي سبعمائة سنة عليها، فاتّفق رأي أهل الفضل على تجديدها ممّا فضل من غلاّت أوقاف المسجد فجدّدوها على نمط الخمسة السّابقة، فاتّسق المسجد في بنائه وأبواب / بهوره، وصار على أبدع نظام، أبقاه الله معمورا بذكره وتلاوة كتابه وقراءة سنّة نبيه ﷺ وعلوم شريعته المطهّرة، والفراغ من الخمسة الأخيرة بتاريخ سنة سبع وتسعين ومائة وألف (٤٩)، وتجديدها على يد أكبر المعلّمين أسطى أحمد ابن الحاج عبد السّلام الشّعبوني (٥٠) وإخوته من الشّعريّين (٥١) أصحاب الصّناعة. السّقاية: ثمّ إنّ البلد لمّا كانت مشتهرة بالعطش لأنّ عمدتهم (٥٢) على شرب ما يختزن من ماء المطر، وفي سنة الشّدّة يلجؤون (٥٣) إلى ماء الآبار، وآبارها غير عذبة لأنّها سبخة والعذب من الآبار بعيد، فلمّا قدم النّاصر (٥٤) من مرّاكش لإنقاذ (٥٥) البلاد من يد الميورقي - حسبما مرّ مفصّلا - وقدم إلى صفاقس وجدها في غاية العطش، واشتكى النّاس ما هم فيه من العطش، فأمر ببناء مصانع لطيفة خارج البلد من شمالها، عدّة تلك المصانع بقدر أيّام السّنة: ثلاثمائة وخمسة وستّون (٥٦)، وقال: يكفيهم كلّ ليلة

стр. 791

ماجل، فبقيت على ذلك مدّة، وسمّوها النّاصرية (٥٧)، ولمّا طالت الأزمان استولى الفساد على أكثرها. فلمّا ملك البلاد محمد باي إبن مراد باي ﵏ جميعا، واستبدّ بعد أخيه علي باي - حسبما مرّ - وكان محبّا لفعل الخير طلب منه أهل البلد إصلاح الناصرية، فأسعفهم بإحياء ما دثر منها (٥٨)، وجعل عليها سورا محيطا بها من جميع جهاتها وجعل عليها بابا يتوصّل منه لدخولها. ولمّا كثر أهل البلد وعمرت ولم يصبها الطّاعون مدة نحو ثمانين سنة شرع أهل الخير / في زيادة مصانع جديدة، وكلّ يعمل بقدر طاقته، فمن مقل ومن مكثر من واحد إلى أربع وأقل وأكثر، وصار أكثر النّاس يوصون بثلث أموالهم (٥٩) لبناء مصانع للماء في النّاصرية، فكثرت وكفت النّاس في السّنين المخصبة، وإذا توالت المسغبة رجع النّاس إلى شرب ماء الآبار ويحصل لهم بذلك تعب ومشقة شديدة، فاشتهر البلد بشدّة العطش لا سيّما وهي مرسى مورد السّفّار بحرا وبرّا (٦٠)، ومورد الأمحال السّلطانية الشّتائية (٦١). وعلى البلاد عدّة أودية (٦٢) إذا نزل المطر حملت الأودية بماء كثير يروي الأراضي ويصل إلى قرب سور البلد ثمّ يصب في البحر مع شدّة حاجة النّاس لبعض ذلك الذي يصب في البحر. فلمّا كانت أيّام الباشا - رحمه الله تعالى - بعد سيدي حسين باي ﵀ بلغه ما يقاسيه أهل صفاقس من شدّة العطش فاستدعى وجوه البلد من صفاقس، وكان رجلا شهما مهيبا صعبا فعرّفهم أنّ قصده إنشاء فسقية لحفظ (٦٣) ماء الأودية، فخافوا أن يأمرهم ببنائها من أموالهم لعدم قدرتهم على ذلك، فقالوا: إن الماء قريب من سطح

стр. 792

الأرض، وليس في بلادنا عمق في الأرض يتحمّل حفر الفسقية بمجاري الأودية، فقال: إذهبوا وتفحّصوا (٦٤) وأخبروني، قالوا: نعم، فلمّا قدموا حفروا في أماكن لا تليق، وعرفوه بعدم الإمكان. فلمّا أفضت السّلطنة للمنعّم المرحوم برحمة الحيّ القيّوم، صاحب الخيرات والإحسان والمبرّات، ذي النّيّة الصّالحة والتّجارة الرّابحة، من ذخّر (٦٥) الله له كنزا من دعاء الخير / ونزول الرّحمة لانفاذ له حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين لتجدّد الدّعاء الصّالح عليه من الصّغير والكبير، والغني والفقير، والذّكر والأنثى، والحرّ والعبد، ليلا ونهارا، صياما وإفطارا، إحضارا وإسفارا، في الشّدّة والرّخاء، ألا وهو السّلطان الأفخم، والمقام المعظم والأعظم، سيدي علي باي إبن سيدي حسين باي - خلّد الله الملك في أخلافه - وأحلّه دار الرضى والرضوان مع جملة أسلافه. فلما أقرّ الله عينه بالملك، ولم يبق معه من يخالفه وتمّت عليه نعمة الله، وأراد شكر ما تولاّه، تتبّع بنظره السعيد من هو أحوج لفعل الخير، فكشف الله عن بصيرته حتى رأى حاجة أهل صفاقس لحفظ مياه أوديتها، فأمر قائد البلد إذ ذاك، وهو المرحوم المنعّم صاحب السّياسة السّلطانية، والآداب الملوكية بكّار الجلولي (٦٦) بالنّظر في شأن هذه القضيّة وكان ﵀ حريصا على حبّ الخير سيما في شيء يعود نفعه لأهل (٦٧) بلده، وأجره لسلطانه، وكان سبّاقا للغايات، محبّا لإظهار المزيّات، لا سيما فيما يبقى ثوابه لفاعله بعد الممات من إجراء الأنهار، وحفر الآبار، وحسبما ذكره النبيء المختار - عليه صلاة الله وسلامه أناء الليل والنهار - والدّال على الخير كفاعله، فامتثل الأمر، وبادر إلى فعل الخير، وأحضر أكابر المهندسين ممّن له خبرة بحفر الأنهار واستنباط المياه كأمين البناء الحاج سعيد القطي، وأسطى طاهر المنيف - المتقدّمي الذّكر - / وغيرهما ممّن له نظر في صناعة المياه، وأمرهم بالخروج للنّظر في الأرض لطلب مكان يصلح لوضع الفسقية، فوقع إختيارهم على موضع معيّن بعده من سور المدينة بقدر ميل

стр. 793

من الجهة الغربية (٦٨) التي تأتي منها الأودية ويصل إليها الماء بالمطر اليسير، فعرّفوا السّلطان بذلك، فجاء الجواب من السّلطان بالأمر بالشروع في العمل، ولمّا شرعوا في الحفر وأخرجوا التّراب من الأرض، وكان النّاس في شدّة العطش، ولم يكن الوقت أوان المطر أنشأ الله السّحاب، وأنزل من السّماء ماء مباركا بالقرب منها فسالت مياه بقدرها، واجتمعت فيما حفروه فانتفع النّاس به أيّاما ورأوه فألا حسنا، ومن ذلك الوقت لوقت التّاريخ لم تخّل سنة من السّنين إلاّ وتمتليء إما في أوّل السّنة أو وسطها أو آخرها، وفي ذلك دلالة على صلاح نيّة منشئها وقبول عمله لأنّه لله، وما كان لله دام واتصل. ثمّ إنّ أهل البلاد اختاروا للقيام بأمرها في قبض المال وصرفه الحاج الأبر الفقيه النّبيه أبا عبد الله محمّد إبن الحاج الأبر الفقيه العدل الأمثل الشّيخ المسنّ الصّالح أبي العبّاس أحمد الشّعبوني، لأنّه أصلح رجل يقوم بهذا الشأن، ولأنّه قبل بناء الفسقية كان حفر بئرين غربي البلد، وفّق الله فيهما لعذوبة مائهما، كان قصد بهما سقي أشجاره فلمّا استعذبهما النّاس أوقفهما على المسلمين، فانتفع الناس بهما مدة، تقبّل الله عمله. وأمر السّلطان ﵀ أن يكون المال المصروف على / الفسقية من غلّة الزّيتون الجالي (٦٩) بغابة صفاقس ممّا لم يعرف له مالك لأنّه فيء للمسلمين ونظره للسّلطان، فبذل المعلّمون جهدهم وكذا القائد والمقدم حرصا على فعل الخير، وخوفا من عوائق الدّهر، فاغتنم النّاس الفرصة، وأمّن الله السّلطان، واطمأنّت الأوطان بقدر حسن نيّة السّلطان، فجاءت في أسرع زمان ورفق في المصروف بالنّسبة لغيرها، فيسّر الله الإتمام، وظهرت بركاتها للأنام، فاستبشر المسلمون وحصل للكلّ من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله، وأخبروا السّلطان بالتّمام واستبشر، واستقلّ (٧٠) المصروف، وعلم أنّ الأمر كان عناية من الله، تقبّل الله عمله وجعله سببا للسّعادة الأبديّة، وخلّد الملك في ذرّيّته، وأجرى الصّالحات على أيديهم. ولمّا ظهرت بركاتها ونفعها، رغب أهل الخير في العمل الصّالح بأن جمعوا ما تيسّر من الأموال، وحفروا صهريجا عظيما ملاصقا للفسقية، وأبقوا سور الفسقية حاجزا بينهما، فلمّا حملت الأودية دفعت بقوّتها ذلك الحاجز، وكان بعض النّاس فوقه

стр. 794

يتفرّجون، فلمّا دفعته المياه وقع من كان فوقه في وسط ذلك الماء (٧١) المستبحر فتسارع النّاس لإنقاذهم فأنقذوهم، وحضر أجل واحد - رحمة الله عليه - مات شهيدا، فأخبروا السّلطان بالواقع فجاء الجواب بأن لا أريد أن يشاركني أحد في هذا الأمر ردّوا الأموال لأربابها وأدخلوا الصّهريج في الفسقية، فامتثلوا الأمر. ولمّا تمّ أمرها وتواترت الأودية / ظهر في مكان إنضغاط الماء بعض تغوير حوالي جدرانها وأساسها فخافوا أن يظهر خلل فيها مع طول السّنين، فسعوا في تدعيم جدرانها وأساسها والإكثار من صبّ التّراب حواليها وبناء أسوار تذهب بقوّة وصول الماء ونزوله فتمّت النّعمة وعمّت الرّحمة، وكلّما امتلأت أخبروا مولانا السّلطان بحصول الخير وبشّروه بانفتاح باب أدعية الخير من كافّة النّاس وبظهور سرورهم وتجديد صالح أدعيتهم في كلّ وقت وحين ولو سكنت ألسنتهم نطقت جوارحهم بالدّعاء والثّناء (٧٢) الجميل. قال الشاعر: [الطّويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (٧٣) ويوم امتلائها عندهم يوم عيد كما عند مصر يوم جري (٧٤) النّيل وأنشدوا فيها الأشعار (٧٥) وأحسن ما قيل فيها ما أنشده الأديب الأريب الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم الخرّاط (٧٦) صاحب القصائد المشهورة، والأدبيات المنظومة والمنثورة، مادحا للسّلطان ومتوسّلا في تولية منصب الإشهاد فقال: [الوافر] سلوا أهواك (٧٧) عين المستحيل ... فما يغني إذا (٧٨) عذل العذول أأسلوه وطرفي سارح في ... رياض من محياك الأسيل

стр. 795

يلوح عليه خال عنبري ... كزنجيّ يمانع للدخول فيا دور العذار عليه (٧٩) ماذا التّسلس ... ـل (٨٠) فيه منك بلا دليل وكيف اخضرّ نبتك وسط نار ... أكانت هذه نار الخليل / أحالت لي عيون النّاس دينا ... عليك مثبت بهوى العدول وقاضي الحب يحكم لي (٨١) وهذا ... ثبوت رضى المحال مع المحيل وهبك أسرتني وملكت رقي ... أتقتلني بناظرك الكحيل (٨٢) قد استفتيتهم (٨٣) قتل الأسارى ... أيذهب قاتل بدم القتيل رويدا إنّني متخلّص من ... وثاق الأسر بالملك الجليل أبي الحسن المليك عليّ باشا ... سليل حسين الملك الأصيل هو النّفّاع والضّرار جودا ... وبأسا للذّليل وللظّليل محاول مجده أتزيل ما في ... مبيت صالح وهنا مقيل وما بالسيف تلتمس المعالي ... ولكن بالسّعادة والقبول أمولاي الذي سلب العدا في (٨٤) ... مواقف دونها سلب العقول رقيت مراقي الأفلاك فينا ... فدس هام الكواكب بالخيول وأوردها المجرّة (٨٥) واجن زهر الثري ... اواقتطفته بلا ذبول وفضّ نطاق جوزاها وجاوز ... بسبق غير هيّاب ملول فتعتصم الدّراري لو تجارى ... خيولك بالوقوف أو الأفول (٨٦) وتحتجب الرّياح فما (٨٧) لديها ... مهب من شمال أو قبول فصل واعزم على الاعدا بدهر ... ولا تصحبه الا بالنّصول فأنت حليف (٨٨) سرج مع عنان ... ومنطقة وهنديّ صقيل وأنت أخو المكارم والمعالي ... وملجؤنا من الخطب المذيل

стр. 796

أمير المؤمنين بقيت سترا ... على الخضراء بملك مستطيل ولا زالت عباد الله تثني ... عليك ثنا الرّياض على السّيول أرحت صفاقسا من كدّ محل ... ومن عطش ومن كرب طويل / ومن شرب من الآبار ملحا ... يزيدهم لهيبا في الغليل فقد روّيتهم بسبيل (٨٩) ماء ... له تجبى (٩٠) السّيول لدى النّزول فيملأ (٩١) بركة عذبت وراقت ... وجعّدها النّسيم لدى الأصيل كأن مياهها عسل مصفى ... فيا لله من ذاك السّبيل فأنشد في تمامه إن تؤرّخ ... سبيل جا كطعم السّلسبيل لك الله المقدّس من أمير ... حكيم الدّين والدّنيا نبيل بثثت صنائعا في الناس كانت (٩٢) ... ملوك سواك عنها في نكول وها هي بالعيان دليل صدق ... مدى الأزمان لا قول القؤول ومثلك لا يظنّ المال يبقى ... ولا يبقى سوى قصد السّبيل على المعروف والدّنيا ضمان ... لكم بالملك والعمر الطّويل مدحتك أيّها الملك المعلّى ... بدرّ فاق من بحر الخليل ولو أنّي قدرت على الدّراري ... لكم نضّدتها عوض المقول شهدت بمدحكم نظما فحقّ (٩٣) ... لي التّنضيد في سلك العدول بقيت بقا الزمان أخا وفاء ... تحقّق كل مأمول جليل عليك مخلّد ملك ضخيم ... وعزّ في السّعادة والقبول وصلّى الله ربّ النّاس طرّا ... على المختار سيّدنا الرّسول وآله ثم صحبه (٩٤) ما تغنّت ... على الأغصان ورق في الأصيل. وكيفية [وضع] (٩٥) هذه الفسقية أنّ شكلها مربّع مستطيل وبجانبها من ناحية

стр. 797

الشّمال فسقية صغرى ينزل الماء (إليها أولا بما احتمل السّيل من زبد وغثاء (٩٦)، وبعد ركوده بعض ركود (٩٧) ينزل الماء) (٩٨) من الصّغرى للكبرى من طيقان بينهما / ويبقى الزّبد والغثاء في الصّغرى، وبعد مضي جملة من السّنين يزيلون ما تجمع فيهما من الحمإ ليبقى الماء على عذوبته ويتّسعان بفراغ موضع الحمأة، وجعل المهندسون في جانبها الشّرقي قبوا على طائفة منها، وجعلوا فيها أفواها لاخراج الماء وجعلوا عليها سورا من جميع الجهات حفظا لها وجعلوا فيه (٩٩) أبوابا لدخول المستقين. ولمّا كان شكلها مربّعا بطريق مساحتها ليعلم قدر ما تحمله من الماء يكون (١٠٠) بضرب أذرع الطّول في أذرع العرض، وما يخرج فيضرب في أذرع العمق، فيخرج عدّة ما فيها من الأذرع. فطول الكبرى من المشرق إلى المغرب مائة وخمسة عشر ذراعا، وعرضها من الشّمال إلى الجنوب مائة ذراع إلاّ ذراعا، وعمقها الحامل للماء سبعة أذرع، فإذا ضرب أذرع الطول في أذرع العرض خرج خمسة وثمانون ذراعا وثلاثمائة وأحد عشر ألف ذراع، والخارج من ضرب هذا الخارج في سبعة العمق خمسة وتسعون وستمائة وتسعة وسبعون ألف ذراع. وطول الصّغرى كطول الكبرى مائة وخمسة عشر، وعرضها أحد وثلاثون ذراعا، وعمقها أربعة أذرع إلاّ ربعا، فإذا ضربت عرضها في طولها خرج خمسة وستون وخمسمائة وثلاثة آلاف ذراع، فاذا ضربت هذا الخارج في العمق، وهو أربعة إلاّ ربعا، خرج ثمانية وستون ذراعا وثلاثمائة وثلاثة عشر ألف ذراع. (وثلاثة / أرباع ذراع، فإذا جمع (١٠١) خارج ضرب الكبرى بخارج ضرب الصغرى بلغ ثلاثة وستّين ذراعا وثلاثة وتسعين ألف ذراع وثلاثة أرباع ذراع) (١٠٢). وأخبرني المهندس أسطى محمّد المنيف أنّ الذّراع من الماء يملأ أربع قلال (١٠٣) فيكون الخارج من عدة الأذرع هو عدة وقر (١٠٤) الحمار لأن وقر (١٠٤) الحمار أربع قلال فإذا

стр. 798

أريد عدة ما في الكبرى والصّغرى من القلال فاضرب عدة الأذرع في أربع يخرج عدّة ما فيهما من القلال وذلك ظاهر. وجملة ما أصرف على الفسقية من أولها إلى آخرها أربعة عشر ألف ريال ومائة ريال وثمانون ريالا. وكان إبتداء بنائها أوائل شوّال من سنة ستّ وثمانين ومائة وألف (١٠٥)، وانتهاؤه أواخر ربيع الثّاني من شهور سنة ثمان وثمانين ومائة وألف (١٠٦). وبعد الفراغ من بنائها على التّمام أمر السّلطان - رحمه الله تعالى - ببناء فندق وقفا عليها، تصرف غلاّته في مصالحها إتماما لهذه النّعمة على الخلق، أتمّ الله عليه وعلينا النّعمة بدخول دار الرضا والرضوان، والتّمتّع بالنظر إلى وجهه الكريم، فشرع المقدّم المذكور في بناء الفندق بالرّبض (١٠٧) قرب باب بحر المدينة، وكان المصروف عليه نحو ثمانية آلاف ريال، والفراغ من بنائه سنة إثنتين وتسعين ومائة وألف (١٠٨). الربض القبلي: وهذا الرّبض لم يكن قبل وإنما أحدثه الناس بأمر السّلطان المذكور - رحمه الله تعالى - بعد الإستئذان فيه مرّة بعد أخرى، فأذن في سنة تسع وثمانين / ومائة وألف (١٠٩) فبنى النّاس فيه، ولولا ما نزل بالناس من الطّاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (١١٠) لضاق بالنّاس. واستجدّ بهذا الرّبض من رغب في فعل الخير وما عند الله من الثّواب (١١١) والوعد الحسن لمن بنى لله مسجدا ولو كمفحص (١١٢) قطاة أن يبني الله له بيتا في الجنّة، وهو التّاجر أبو محمّد حمودة إبن التّاجر الحاج الأبر أبي العبّاس أحمد إبن التّاجر الحاج الأبر أبي عبد الله محمد السّلاّمي، فبنى المسجد المشهور بالرّبض في طريق باب البحر من خالص ماله إبتغاء مرضاة (١١٣) الله تعالى، ورتّب له ما يحتاجه من إمام ومؤذّنين وقرّاء

стр. 799

وحفظة، وبنى له ميضة (١١٤) وصهريجا، وأجرى عليه ما تتوقّف عليه العبادة عادة من حصر ووقيد وغير ذلك مما تتوقّف عليه المساجد، وأوقف عليه رباعا وعقارا يصرف محصول غلاّتها على المسجد والقائم به، تقبّل الله عمله وجعله عملا خالصا لوجهه الكريم ومقبولا ومشكورا وأناله به جنّة وحريرا، وانتهاء بنائه سنة تسع وتسعين ومائة وألف (١١٥)، وابتداء التّعمير سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف (١١٦). كسوف بالشمس: وفي سنة سبع وتسعين ومائة وألف (١١٧) وقع تغيّر في الهواء فكثف حتّى كان الجوّ يظلم وتظهر الشمس بصورة الإنخساف ولا خسوف بها، وإذا بقي للغروب قيد رمحين (١١٨) زال (١١٩) نور الشمس بالمرّة من شدّة كدورة (١٢٠) الهواء فيظهر في مرأى (١٢١) العين أنّها غربت والحال أنّها فوق الأفق ولا سحاب هناك بل غلظ هواء / وتتابعت (١٢٢) خسوفات في القمر. الطّاعون وأثره: وكثر الطّاعون بأرض المشرق من مصر وبلاد الترك، فلمّا كانت سنة ثمان وتسعين ومائة وألف (١٢٣) (ظهر بجمّال من بلاد السّاحل واستمرّ لتونس (١٢٤)، وفي أوّل سنة (١٢٥)

стр. 800

تسع وتسعين ومائة) (١٢٦) وألف عمّ إفريقية وطرابلس والجزائر، ففي شهر ربيع أوّل (١٢٧) من السّنة المذكورة ضرب بصفاقس رجل ومات من يومه، وأصيب غدا آخر وآخر، ثمّ كثر وتضاعف حتى انتهى لنحو مائتين وخمسين في كلّ يوم ببلد صفاقس، ثمّ أخذ في الرّاجع (١٢٨) على نحو مائة إلى نحو ما نزل (١٢٩)، ولقد عمّ المدن والقرى والحاضرة، وغالب البادية، والجزر كجزيرة جربة وقرقنة، وحرز (١٣٠) من مات من صفاقس (١٣١) في أمد أيّام الطّاعون فكان نحو خمسة عشر ألفا، وفي النّساء أكثر منه في الرّجال، ولم يبق من الزّنج إلاّ النّادر الّذي لا يعدّ، ومات أكثر أهل الخير والصّلاح، وحملة القرآن العظيم، وأكثر الفقهاء، واسودّت الدّنيا في أعين أبنائها، وأيّس الناس من حياتهم وعجزوا عن الحمل والدّفن، ولا نفع (١٣٢) تميمة (١٣٣) ولا رقيا ولا تعاويذ ولا بخور ولا كتابة على أبواب الدّور، ولا غير ذلك ممّا يذكره بعضهم، فلذا قال الشّيخ الأديب أبو الحسن علي ذويب ﵀ وعفا (١٣٤) عنه - وقد مات بالطّاعون في الأمد المذكور لمّا أصيب به، وكان يميل لبعض أقوال الحكماء المتطبّبين وأصحاب الطلسمات وشبههم: الآن أيقنت أنّ التأثير لله، وأنّه الفعّال لما يريد، وكفرت بما يقوله الحكماء المتطبّبون / من إستعمال أكل مخصوص، وشرب مخصوص، وبخور مخصوص، واستفراغ فضول فصدا أو إسهالا، فإن الكلّ باطل، وإن ما قضاه الله كان، فقد فعلت ما أمروا به ولم يغن عنّي شيئا. وأبلغ من هذا أنّ العدل أبا الحسن علي العش - رحمه الله تعالى - كان أغلق بابه وقطع الدّاخل والخارج زعما أنّ الهواء يفسد بالمجاورة فيدفع الفساد بتغليق الأبواب وقطع المخالطة، وكان صحيح الإعتقاد إلاّ أنّ الخوف يحمل الإنسان على أشياء لا اختيار له

стр. 801

فيها كما خاف الكليم ﵇ (١٣٥) من العصا حين ألقاها فصارت ثعبانا، فلمّا فرغ الطّاعون واطمأنّ وفتح بابه ودخل وخرج أصيب في جوفه، فأقام ثلاثة أيام ثمّ انتقل إلى (١٣٦) رحمة الله تعالى، فكان آخر من أصيب بالطّاعون. وفيما ذكرناه من وصف البلد مع ما تقدّم في صدر الكتاب كفاية. صوف البحر: وذكر التّجاني أنّ بحر صفاقس يوجد به صوف البحر (١٣٧) الذي يعمل منه الثّياب الرّفيعة الملوكية وربّما وجد في بحرها صدف يشتمل على لؤلؤ صغير الحب (١٣٨) اهـ. قلت: أمّا الصّوف البحري فيوجد منه الأخضر، قيل: إن أهلها كانوا يشتغلون منه بعض الثياب والآن ما رأينا من يستعمل ذلك، وبلغنا أنّ الباشا (١٣٩) - رحمه الله تعالى - أمر أهل جربة فاستخرجوا له صوفا بين السّواد والحمرة واشتغلوا (١٤٠) له منه طيالسة. وهذا الصّوف ينبت على الحجارة في أقاصير البحر، وأما حبّ اللؤلؤ فما رأيناه ولا أخبرنا أحد / بذلك فلعله كان وانقطع ذلك.

стр. 802

آراء بعضهم في صفاقس: ثمّ قال التّجاني: ومرساها مرسى حسن ميّت المات والماء يمدّ به ويجزر عنه كلّ يوم، فإذا جزر استوت السفن على الحمأة، واذا مدّ طفت (١٤١) على الماء، وفي المدّ والجزر يقول بعض المجيدين من شعرائها وهو علي بن حبيب التنوخي وسيأتي ذكره قريبا: [مجزوء الكامل] سقيا لأرض صفاقس ... ذات المصانع والمصلّى فحمى (١٤٢) القصير إلى الخليج ... فقصرها (١٤٣) السّامي (١٤٤) المعلّى بلد يكاد يقول حين ... تزوره أهلا وسهلا وكأنّه والبحر يجزر (١٤٥) ... تارة عنه ويملا صبّ يريد زيارة ... فإذا رأى الرّقباء ولّى وأين هذا من قول أبي عبد الله محمد إبن الشّيخ الصّالح أبي تميم المعز (١٤٦) بن سليمان يذمها ويخيل أنّ هذا الجزر هروب من البحر عنها لقبحها، وقد كان ولي إشرافها (١٤٧) سنة خمس وستين وستمائة (١٤٨) فقال فيها: [البسيط] صفاقس لا صفا عيش لساكنها ... ولا سقى أرضها غيث إذا انسكبا ناهيك من بلدة (١٤٩) من حلّ ساحتها ... عانى (١٥٠) بها العاديين الرّوم والعربا كم ظلّ (١٥١) في البحر مسلوبا بضاعته ... وبات في البحر يشكو الأسر والعطبا

стр. 803

وليتها فتولتني الهموم وقد ... لقيت من سفري (١٥٢) في أرضها نصبا قد عاين البحر قبحا (١٥٣) من جوانبها ... فكلّما همّ أن يدنو لها هربا (١٥٤) قلت: من بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال، وكلّ شاعر يتكلم بمقتضى حاله، (فالأول كان صاحب بخت وسعد / فجاء في وقت سعيد ورأى ما يبسطه فنطق بمقتضى حاله) (١٥٥) (والثّاني كان منحوسا فنحست البلاد به فرأى ما يقبضه فنطق بمقتضى حاله) (١٥٦) والبلد على بخت أميره (١٥٧) فإن كان سعيدا سعد (١٥٨) به وإن كان نحيسا نحس (١٥٩) به وأمّا البلد (١٦٠) في حدّ ذاته فلا يقتضي سعدا ولا نحسا. والرّوم والعرب لا تختصّ أذيّتهما (١٦١) بصفاقس، فإن أمّ إفريقية وبلاد أصحاب رسول الله ﷺ هي مدينة القيروان بلا دفاع ولا نزاع، وقد أصابها من العرب وغيرهم ما يبكي الدّم بعد الدّمع - حسبما مرّ مفصّلا -، وهذه تونس كرسي إفريقية وقد أصابها من الأعراب والميورقي (١٦٢) والرّوم ما يذهل العقول - حسبما مرّ - وكلّ ذلك لا يوجب قدحا في القيروان وتونس، ولكن ما زالت الأخيار تمتليء بالأشرار من لدن آدم ﵇ وقد قال جلّ قائلا ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الآية (١٦٣)، هذا إن صدق الشّاعر في شعره ونطق بمقتضى حاله، وإلاّ فكثير منهم يذمّ من لا يستحقّ ذمّا من كثرة هيمانهم فيتردّدون بين طرفي الإفراط والتّفريط في المدح والهجاء كما قال جلّ ثناؤه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ (١٦٤) الآية، على أنّا لو عملنا بقول كلّ شاعر وتمسّكنا به وطعنا فيمن طعن فيه لطعنا في أهل تونس وسوسة لقول التّجاني: وممّن

стр. 804

ينسب إلى سوسة شيخ شيوخنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الجبّار الرّعيني السوسي قال: كان يداعب طلبته من أهل تونس بسؤاله عن قول الشّاعر: / [الخفيف] لا تلمني على الدّناءة إنّي ... تونسي وجزت يوما بسوسة أيّ البلدين يقتضي الشّعر أن يكون أعظم دناءة؟ فيقولون له سوسة (١٦٥) اهـ. مع أنّا لا يمكننا الطّعن في تونس وسوسة لتحقّقنا قطعا فضل أهلهما، وكفى حطّة في هذا الشّاعر أن جعل كلامه موردا للسّخرية والضّحك لا للموعظة والحكمة. ثمّ قال التّجاني: وقد شاع في النّاس تسمية صفاقس بلعنة الله (١٦٦)، قلت: هذه التّسمية لموجب لا يقتضي طعنا في البلد، وسبب ذلك أنّ بعض الملوك (١٦٧) بتونس غضب على بعض النّاس فأمر بنفيه ولم يعيّن بلدا بل قال: أنفوه إلى لعنة الله، فاسترجع بتعيين بلد، فقال: إلى صفاقس، فلمّا سكن (١٦٨) غضبه، وأظهر البسط، سئل عن تسمية صفاقس بلعنة الله، قال: والله لا علم عندي بشيء إلاّ أنّ الكلام صدر منّي في حالة الغضب، وكثير من النّاس إذا غضب يقول إذهب إلى لعنة الله (١٦٩) أو إلى سخط الله والله أعلم.

стр. 805

الباب الثّاني في ذكر ولاّتها قد تقدّم أنّ أوّل من اختطّ سورها وجعلها مدينة أحمد بن الأغلب - رحمه الله تعالى - فكانت ولاّتها تتردّد عليها من قبل بني (١) الأغلب. فلمّا تولّى إفريقية بنو عبيد الله الشّيعة (٢) كانت ولاّتها تتردّد عليها من قبلهم. إستقلال حمّو بن مليل بصفاقس: فلمّا تولّى بنو مناد وهم صنهاجة تردّدت ولاّتها من قبلهم إلى أن ولي المعز بن باديس من صنهاجة فولّى عليها منصور البرغواطي (٣) / وكان من الفرسان المعروفين بالإقدام فأراد أن يثور بها وأخذ في محالفة العرب ومصادقتهم فعاجله ابن عمّه حمّو بن مليل وقتله غدرا في الحمّام سنة واحد وخمسين وأربعمائة (٤). ولمّا قتله جاء حلفاء منصور من العرب فحصروا حمّو (٥) بصفاقس فبعث إليهم يسألهم هل قصدهم الأخذ بثأر إبن عمّه منه أو المال، فقالوا: نحن لا ندخل بينكم (٦) في الدّماء، وإنّما غرضنا الأموال، فالتزم لهم من المال ما رضوا به وعجّل لهم ما تيسّر وانفصلوا، وثار حمّو بصفاقس وأظهر العناد على بني مناد. فلمّا تولّى تميم بن المعز بعد أبيه طمع حمّو في الإستبداد والتّغلّب على غير صفاقس من البلاد، فحالف جماعة من العرب عديا (٧) والأثبج (٨) ومن ضامهم (٩)، وزحف

стр. 806

بهم وبمن معه من رجاله إلى بعض القرى فملكها واستحوذ عليها، ثم نهض إلى المهديّة يريد حصارها فنهض تميم للقائه، فولّت نجدة حمّو أدبارها وأسرعت فرارها ورجعوا إلى صفاقس. ودام أمر حمّو في صفاقس زمانا واتفق أن قدم (١٠) بعض الأتراك من المشرق إلى تميم في جماعة من أصحابه ليكونوا من رجاله فأكرمهم تميم، ورتّب لهم جراية، فلم ترض كبيرهم، وبلغه عن تميم ما أوحشه وكان داهية ذا مكر وخبث (١١) فخرج هو وأصحابه مع يحيى بن تميم يتصيّد (١٢)، فأبعدوا عن المهديّة فقبض التّركي / على يحيى وعلى جماعته وولّى هاربا وأفلت رجل ممّن حضر فوصل يركض إلى تميم فأعلمه، فأنفذ الخيل في طلبه ففات ولجأ إلى صفاقس، فأكرمهم حمّو بن مليل وبالغ في التّحفّي بيحيى ومسكه عنده، ثم خاف أن يولّيه أهل صفاقس عليهم، فأحبّ إخراجه من البلد فكتب إلى أبيه يعرّفه [أنه] إن بعث أموال الترك الهاربين وأهليهم وجّه إليه إبنه يحيى، ففعل تميم ذلك ووجّه إليه إبنه يحيى، فلمّا وصل يحيى إلى تميم ردّه إلى حصار صفاقس، فحاصر حمّو أيّاما ثمّ رجع عنه، ويقال إنّ يحيى أحبّ الإبقاء على حمّو فلم يبالغ في حصاره، وكان حمّو يقول: إن هذا لعجب: بالأمس أخلص يحيى واليوم يحاصرني. ولاّتها بعد فتح تميم بن المعز لها: فلمّا كانت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة (١٣) توجّه تميم بنفسه فافتتحها وفرّ حمّو منها فاستجار يمكّي بن كامل الرّياحي بقابس، وكان لحمّو بن مليل أيّام ملكه لصفاقس كاتب يعرف بمظفر إبن علي مشهور بالبلاغة وحسن الكتابة، وكان يكتب عن حمّو إلى تميم ما يغيظه (١٤) ويبلغ منه كل مبلغ، فلمّا فرّ حمّو إلى قابس لم يشعر تميم إلاّ ومظفر قائم بين يديه يطلب العفو فعفا تميم عنه مع شدّة حقده عليه، قال أبو الصّلت: ومثل

стр. 807

هذا الذّنب لا تغتفره (١٥) الملوك بل يجاوز التّثريب فيه إلى التّعذيب، ويتعدّى العتاب إلى ضرب الرّقاب، قال التّجاني (١٦): وذكر أبو الصّلت جملة ممّا تمثل به مظفر في الكتب عن مخدومه إلى تميم / قال: أمكنت حمّو فرصة في طائفة من جند تميم فقتلهم بصفاقس وكتب مظفّر في ذلك إلى تميم متمثّلا بقول أبي الطّيب (١٧): [المتقارب] إن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى مصر (١٨) في القابل فإن الحسام المصيب (١٩) الذي ... قتلتم به في يد القاتل قال: وتحدّث مرّة بالمهديّة بموت حمّو وبلغه ذلك فأمر مظفر أن يكتب إلى تميم في هذا المعنى فكتب له متمثّلا بقول أبي الطّيب: [البسيط] كم [قد] (٢٠) دفنت [وكم] أقرت (٢١) عندكم ... ثمّ انتفضت فزال القبر والكفن ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ... تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن وكتب إليه تميم يتوعّده ويتهدّده (٢٢) وتمثّل فيه بقول الشّاعر: [الطّويل] ستعلم ليلى أي دين تداينت ... وأي غريم للتقاضي غريمها (فراجعه عنه مظفر متمثّلا بقول قيس بن ذريج (٢٣):

стр. 808

[الطّويل] ستعلم إن شطت به (٢٤) غربة النّوى (٢٥) ... وزالوا بليلى (٢٦) أنّ عقلك زائل (٢٧) وفي رواية أنّ مظفرا (تمثّل له في مراجعته عن هذا الكتاب) (٢٨) ممتثلا بقول جرير: [الكامل] زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع وكتب إليه في إثر وقيعة كانت له عليه كتاب إيناس والطاف [فراجعه] (٢٩) متمثّلا بقول عبد الله بن محمّد العطّار: [الرّمل] لا تظن (٣٠) امرأ أغضبه ... سبب ثمّ انقضى ذاك السّبب سالم الصّدر من الحقد ولو ... أظهر الودّ ولم يبد الغضب كرماد (٣١) النّار يبقى حرّها ... كامنا فيه (٣٢) وإن زال اللهب ولمّا فتح تميم صفاقس كانت ولاّتها تتردّد عليها من قبله / إلى أن توفّي. وتولّى إبنه يحيى فولّى عليها إبنه أبا الفتوح (٣٣) فقام عليه أهلها ونهبوا قصره وأرادوا قتله، فغضب يحيى لذلك وأخذ في تفريق كلمة أهل صفاقس وتشتيت شملهم، ولم يزل يوالي (٣٤) عليهم البؤس، ويملأ منهم الحبوس إلى أن شفى نفسه منهم ثمّ عفا (٣٥) عنهم

стр. 809

بعد ذلك. وفي الواقعة يقول أبو الصّلت (يذكرها ويشكر ليحيى وعفوه عنهم في قصيدة طويلة أوّلها) (٣٦). [الطّويل] قضى (٣٧) الله أن يفني عداك وأن تبقى (٣٨) ... وتخلد حتى تملك الغرب والشّرقا إلى أن قال: وربّ أناس أجّجوا نار فتنة ... يجنّبها (٣٩) الأتقى ويصلى بها الأشقى (٤٠) وجرّ عليهم جهلهم حلم مالك (٤١) ... يرقّ ويحنو كلّما ملك الرقّا ولو شاء روّى السّيف منهم فطالما ... نضاه فسقاه من الدّم ما استسقى (٤٢) ولكن دعاه الفضل والحلم والحجى (٤٣) ... إلى أن يكون الأحلم الأكرم الأتقى (٤٤) سجية مجبول السّجايا على الهدى ... إذا غضب استأنى (٤٥) وإن ملك استبقى (٤٦) قال أبو الصّلت: أنشدت يحيى هذه القصيدة وخاصّته بين يديه وعبد العزيز بن عمّار في الجملة وكان في هذه الصّناعة أبصر هذه الجماعة، فقال له يحيى: كيف ترى ما تسمع؟ فقال: حسن الرّدّ (٤٧)، محكم السّرد، فقال: أتعرف قائله؟ قال: لا، قال هو ذاك (٤٨) الجالس يشير إلي، فعلاه فتور ونفور عن الإستماع (٤٩) حسبما يعرض من العوام الرّعاع عند ما ينشدون لمن جمعهم وإياه مكان وزمان، وإن كان في أعلى درجات

стр. 810

ذوي الإحسان، وإنّما عنوا بامتداح القديم، وتعظيم العظم الرّميم، وسبب ذلك الحسد وكثيرا ما / يعدّون الصّواب محالا، (والعداة (٥٠) آلا) (٥١) والقوام إعوجاجا (٥٢) والعذب ملحا أجاجا. ثمّ ولّى يحيى على صفاقس إبنه عليّا وهو ولي عهده، فلمّا توفّي يحيى وعلي بصفاقس وصل واستبد بالملك، وكان يبعث الولاة إلى صفاقس إلى أن توفّي. ولاّتها أيّام الموحّدين: وولي إبنه الحسن، فوقعت الوحشة بينه وبين «لجار» الكافر حسبما مرّ، فلمّا تغلّب على المهديّة وصفاقس (٥٣) وغيرهما جعل عاملا عليها الشّيخ عمر الفرياني فبقي متصرّفا أعمالها إلى أن افتكّوها كما مرّ، واستمر الشّيخ عمر متصرّفا إلى أن نزل عبد المؤمن، فوصل إليه الشّيخ عمر مع جماعة من أشياخ البلد فأذعنوا له بالطّاعة، وعيّن لهم عبد المؤمن حافظا من الموحّدين، وأمر الشّيخ عمر ﵀ بالرّجوع إلى بلده، وأن تكون الأشغال المخزنية تتصرّف على يده، فأقام على ذلك إلى أن توفّي - رحمة الله عليه - فخلف في ذلك ولده عبد الرّحمان بن عمر وأقام مقامه، فوصل الميورقي إلى صفاقس واستولى عليها، فرغب إليه عبد الرّحمان أن يسرحه إلى الحجّ فارتحل بأهله ولم يعد، وبقي بعض ولده بصفاقس فذرّيته بها إلى الآن (٥٤). ولمّا قدم النّاصر واسترجع البلاد (٥٥) من يد الميورقي واستخلف أبا محمّد عبد الواحد ابن أبي حفص حسبما مرّ أرسل واليا عليها من قبله.
следующие страницы →