← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بهم وبمن معه من رجاله إلى بعض القرى فملكها واستحوذ عليها، ثم نهض إلى المهديّة يريد حصارها فنهض تميم للقائه، فولّت نجدة حمّو أدبارها وأسرعت فرارها ورجعوا إلى صفاقس. ودام أمر حمّو في صفاقس زمانا واتفق أن قدم (١٠) بعض الأتراك من المشرق إلى تميم في جماعة من أصحابه ليكونوا من رجاله فأكرمهم تميم، ورتّب لهم جراية، فلم ترض كبيرهم، وبلغه عن تميم ما أوحشه وكان داهية ذا مكر وخبث (١١) فخرج هو وأصحابه مع يحيى بن تميم يتصيّد (١٢)، فأبعدوا عن المهديّة فقبض التّركي / على يحيى وعلى جماعته وولّى هاربا وأفلت رجل ممّن حضر فوصل يركض إلى تميم فأعلمه، فأنفذ الخيل في طلبه ففات ولجأ إلى صفاقس، فأكرمهم حمّو بن مليل وبالغ في التّحفّي بيحيى ومسكه عنده، ثم خاف أن يولّيه أهل صفاقس عليهم، فأحبّ إخراجه من البلد فكتب إلى أبيه يعرّفه [أنه] إن بعث أموال الترك الهاربين وأهليهم وجّه إليه إبنه يحيى، ففعل تميم ذلك ووجّه إليه إبنه يحيى، فلمّا وصل يحيى إلى تميم ردّه إلى حصار صفاقس، فحاصر حمّو أيّاما ثمّ رجع عنه، ويقال إنّ يحيى أحبّ الإبقاء على حمّو فلم يبالغ في حصاره، وكان حمّو يقول: إن هذا لعجب: بالأمس أخلص يحيى واليوم يحاصرني. ولاّتها بعد فتح تميم بن المعز لها: فلمّا كانت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة (١٣) توجّه تميم بنفسه فافتتحها وفرّ حمّو منها فاستجار يمكّي بن كامل الرّياحي بقابس، وكان لحمّو بن مليل أيّام ملكه لصفاقس كاتب يعرف بمظفر إبن علي مشهور بالبلاغة وحسن الكتابة، وكان يكتب عن حمّو إلى تميم ما يغيظه (١٤) ويبلغ منه كل مبلغ، فلمّا فرّ حمّو إلى قابس لم يشعر تميم إلاّ ومظفر قائم بين يديه يطلب العفو فعفا تميم عنه مع شدّة حقده عليه، قال أبو الصّلت: ومثل

стр. 807

هذا الذّنب لا تغتفره (١٥) الملوك بل يجاوز التّثريب فيه إلى التّعذيب، ويتعدّى العتاب إلى ضرب الرّقاب، قال التّجاني (١٦): وذكر أبو الصّلت جملة ممّا تمثل به مظفر في الكتب عن مخدومه إلى تميم / قال: أمكنت حمّو فرصة في طائفة من جند تميم فقتلهم بصفاقس وكتب مظفّر في ذلك إلى تميم متمثّلا بقول أبي الطّيب (١٧): [المتقارب] إن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى مصر (١٨) في القابل فإن الحسام المصيب (١٩) الذي ... قتلتم به في يد القاتل قال: وتحدّث مرّة بالمهديّة بموت حمّو وبلغه ذلك فأمر مظفر أن يكتب إلى تميم في هذا المعنى فكتب له متمثّلا بقول أبي الطّيب: [البسيط] كم [قد] (٢٠) دفنت [وكم] أقرت (٢١) عندكم ... ثمّ انتفضت فزال القبر والكفن ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ... تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن وكتب إليه تميم يتوعّده ويتهدّده (٢٢) وتمثّل فيه بقول الشّاعر: [الطّويل] ستعلم ليلى أي دين تداينت ... وأي غريم للتقاضي غريمها (فراجعه عنه مظفر متمثّلا بقول قيس بن ذريج (٢٣):

стр. 808

[الطّويل] ستعلم إن شطت به (٢٤) غربة النّوى (٢٥) ... وزالوا بليلى (٢٦) أنّ عقلك زائل (٢٧) وفي رواية أنّ مظفرا (تمثّل له في مراجعته عن هذا الكتاب) (٢٨) ممتثلا بقول جرير: [الكامل] زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع وكتب إليه في إثر وقيعة كانت له عليه كتاب إيناس والطاف [فراجعه] (٢٩) متمثّلا بقول عبد الله بن محمّد العطّار: [الرّمل] لا تظن (٣٠) امرأ أغضبه ... سبب ثمّ انقضى ذاك السّبب سالم الصّدر من الحقد ولو ... أظهر الودّ ولم يبد الغضب كرماد (٣١) النّار يبقى حرّها ... كامنا فيه (٣٢) وإن زال اللهب ولمّا فتح تميم صفاقس كانت ولاّتها تتردّد عليها من قبله / إلى أن توفّي. وتولّى إبنه يحيى فولّى عليها إبنه أبا الفتوح (٣٣) فقام عليه أهلها ونهبوا قصره وأرادوا قتله، فغضب يحيى لذلك وأخذ في تفريق كلمة أهل صفاقس وتشتيت شملهم، ولم يزل يوالي (٣٤) عليهم البؤس، ويملأ منهم الحبوس إلى أن شفى نفسه منهم ثمّ عفا (٣٥) عنهم

стр. 809

بعد ذلك. وفي الواقعة يقول أبو الصّلت (يذكرها ويشكر ليحيى وعفوه عنهم في قصيدة طويلة أوّلها) (٣٦). [الطّويل] قضى (٣٧) الله أن يفني عداك وأن تبقى (٣٨) ... وتخلد حتى تملك الغرب والشّرقا إلى أن قال: وربّ أناس أجّجوا نار فتنة ... يجنّبها (٣٩) الأتقى ويصلى بها الأشقى (٤٠) وجرّ عليهم جهلهم حلم مالك (٤١) ... يرقّ ويحنو كلّما ملك الرقّا ولو شاء روّى السّيف منهم فطالما ... نضاه فسقاه من الدّم ما استسقى (٤٢) ولكن دعاه الفضل والحلم والحجى (٤٣) ... إلى أن يكون الأحلم الأكرم الأتقى (٤٤) سجية مجبول السّجايا على الهدى ... إذا غضب استأنى (٤٥) وإن ملك استبقى (٤٦) قال أبو الصّلت: أنشدت يحيى هذه القصيدة وخاصّته بين يديه وعبد العزيز بن عمّار في الجملة وكان في هذه الصّناعة أبصر هذه الجماعة، فقال له يحيى: كيف ترى ما تسمع؟ فقال: حسن الرّدّ (٤٧)، محكم السّرد، فقال: أتعرف قائله؟ قال: لا، قال هو ذاك (٤٨) الجالس يشير إلي، فعلاه فتور ونفور عن الإستماع (٤٩) حسبما يعرض من العوام الرّعاع عند ما ينشدون لمن جمعهم وإياه مكان وزمان، وإن كان في أعلى درجات

стр. 810

ذوي الإحسان، وإنّما عنوا بامتداح القديم، وتعظيم العظم الرّميم، وسبب ذلك الحسد وكثيرا ما / يعدّون الصّواب محالا، (والعداة (٥٠) آلا) (٥١) والقوام إعوجاجا (٥٢) والعذب ملحا أجاجا. ثمّ ولّى يحيى على صفاقس إبنه عليّا وهو ولي عهده، فلمّا توفّي يحيى وعلي بصفاقس وصل واستبد بالملك، وكان يبعث الولاة إلى صفاقس إلى أن توفّي. ولاّتها أيّام الموحّدين: وولي إبنه الحسن، فوقعت الوحشة بينه وبين «لجار» الكافر حسبما مرّ، فلمّا تغلّب على المهديّة وصفاقس (٥٣) وغيرهما جعل عاملا عليها الشّيخ عمر الفرياني فبقي متصرّفا أعمالها إلى أن افتكّوها كما مرّ، واستمر الشّيخ عمر متصرّفا إلى أن نزل عبد المؤمن، فوصل إليه الشّيخ عمر مع جماعة من أشياخ البلد فأذعنوا له بالطّاعة، وعيّن لهم عبد المؤمن حافظا من الموحّدين، وأمر الشّيخ عمر ﵀ بالرّجوع إلى بلده، وأن تكون الأشغال المخزنية تتصرّف على يده، فأقام على ذلك إلى أن توفّي - رحمة الله عليه - فخلف في ذلك ولده عبد الرّحمان بن عمر وأقام مقامه، فوصل الميورقي إلى صفاقس واستولى عليها، فرغب إليه عبد الرّحمان أن يسرحه إلى الحجّ فارتحل بأهله ولم يعد، وبقي بعض ولده بصفاقس فذرّيته بها إلى الآن (٥٤). ولمّا قدم النّاصر واسترجع البلاد (٥٥) من يد الميورقي واستخلف أبا محمّد عبد الواحد ابن أبي حفص حسبما مرّ أرسل واليا عليها من قبله.

стр. 811

ولاّتها أيام الدّولة الحفصية: ولمّا أفضت السّلطنة لأولاده الحفاصة بقيت الولاّة ترد على صفاقس من قبل الحفاصة إلى زمن أبي فارس فأرسل أخاه عمر على صفاقس فخالف عنه / فخرج له فافتكها منه حسبما مرّت الإشارة إليه. قال في معالم الإيمان عند التّعرض لكرامات الشّيخ عبيد الغرياني نقلا عن الشّيخ المسراتي قال: حدّثني السّلطان أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز قال: لمّا حاصرت أخي عمر بمدينة صفاقس ورد علينا ونحن نتعشّى فقلت له: باسم الله، قال: لا حتّى تشرب فرسي ويعلّق عليها علفها فأمر من أتى له بالماء وشربت قدامه وبالشّعير فعلّق عليها علفها بحضرته ودنا معنا فأكل ما تيسّر ثمّ قال: نعم يا سيدي أنتم أولاد مولانا أبي العبّاس أحمد فيكم الخير والبركة والشّفقة والرّحمة والرّأفة، وجئت أطلب من فضلك أن ترحم أخاك عمر فقلت له: يا سيدي لو كنت تعلم أنّ فيه مصلحة لخلق الله لأجبتك فيما طلبتني فيه وهو ممّن يخشى منه على النّاس وسكت أخواني فاستشهدت بهم فصدّقوني فقال: وأنا يا أخي ما جرى مني إلاّ خير، زرت قبر سيدي عيسى بن مسكين وتبرّكت به وقلت: اللهم بحقّك يا ربّ العالمين وبجاه سيدي عيسى بن مسكين أنصر أمير المؤمنين سلام عليكم، فكلّمناه في المبيت عندنا فقال: لا ومشى عند الفقيه إبن قليل الهم واعتقادي أنّه مقيم فسألته عنه من الغد، فقال: يرحمك الرّحمان ما أقام إلاّ يسيرا ومشى، ونحن في المجلس ولا لي في أهل صفاقس طميعة ولا لي معهم حديث وإذا هم بعثوا لي بأخذه وحلّ البلد، فكان كذلك فأنزلوه لي مكتوفا من فوق سور البلد / فهو أشار لبصر الله لي عليه اهـ. إستقلال المكّني بها: ثمّ توالت الولاة من الحفاصة إلى زمن الحسن، فلمّا اختلّ نظام ملكه، وخرج أكثر البلاد عليه كالقيروان والمهديّة وسوسة والحامّة، خرجت عليه صفاقس وكان القائم بها عليه أبو عبد الله محمّد المكّني مشدّد الكاف مضموم الأول، وكان رجلا من الشابيين (٥٦) نشأ في صغره نوتيا حتّى ترأس وصار يسافر في البحر رئيسا (٥٧).

стр. 812

وسبب قيامه أنّه لمّا قدم من سفره جلس هو وأتباعه قرب باب البحر على عادة أمثالهم، فمر عليهم أتباع قائد البلد بامرأة يقودونها في أيديهم وهي تستغيث من يخلّصها من هؤلاء الظّلمة، فسأل عن قصّتها، فقيل له: إن زوجها طولب (٥٨) بمال للمخزن ولم يجد ما يعطيه، ففرّ بنفسه، فربطوا زوجه عوضا عنه لكي تعطي ما عليه من الأداء، وكان رجلا ذا همّة ورأي وحذق وشجاعة، فأخذته الغيرة الإسلامية فنزل لأصحاب القائد وقال لهم: أطلقوا المرأة فإنها عورة وفقيرة وزوجها هارب (٥٩) من قلّة ذات يده، ولا يحلّ لكم أن تأخذوا المرأة في زوجها لضعفها وعدم قدرتها على الخلاص، فسطوا عليه بكلام قبيح وتوعّدوه، فأخذ لهم عمودا وضرب كلّ واحد منهم بالآخر، وافتكّ المرأة منهم، وفرّوا هاربين بأنفسهم، ولا زالوا هاربين حتّى دخلوا على قائدهم فرآهم على أسوء حال، فقال: من فعل بكم هذا؟ فقالوا له: أهل البلد، فأمر أن يغلقوا باب الحصار فغلقوه، فلمّا سمع أهل البلد بذلك تحيّروا وخافوا فاجتمعوا وطلعوا / إلى القصبة فوجدوا الباب مغلقا، فما زالوا يرفقون بهم حتّى فتحوا الباب، فسألوهم عن السّبب، فأخبروهم بما جرى لهم من المكّني فقالوا بأجمعهم: لا يصلح بنا هذا ونحن وأنتم فيه سواء فإذا ظفرتم به فافعلوا به ما شئتم، فلمّا سمع المكّني بذلك أجرى مركبه حالا وسافر إلى جربة فاستنفر بها واتخذ أصحابا، وصار النّاس من أهل صفاقس كلّ من تنوبه (٦٠) نائبة يذهب إليه (٦١) يحتمي به إلى أن كثر جمعه، وكانت الأخبار تتردّد عليه كلّ وقت وحين من أهاليهم وأقاربهم من صفاقس، فلمّا قوي جمعه خاف أهل صفاقس من هجومه عليهم فاحتزم (٦٢) أهل البلد، وكان أكبر مقدميهم إثنان: معلّى (٦٣) والزّواري (٦٤) فأرسلوا إلى المحرس وطلبوا من أهله أنّهم إذا نظروا مركب المكّني أو سمعوا به أخبروهم بذلك، وكانت البلاد في غاية من الضّعف والحفصي على شفا من ملكه والنّاس في حيرة لا يهتدون سبيلا، فلمّا سمع ضعفهم وقوي جمعه مع شجاعته وقوّة بأسه وعدم النّاصر لأهل الجور إرتقب المصيف.

стр. 813

فلمّا حصل أوانه ركب بمن معه في مركبه، فأنذر أهل المحرس البلد به، فاحترسوا واجتمعوا بباب البحر ليلا ونهارا، فوصل المكّني ليلا للبلد فربط مركبه ونزل بمن معه من أبطاله فوجدوا البلد محروسا بالعسس، وكان معهم حزام، وكانت داره بالجانب الغربي من البلد ملاصقة للسور قرب البالوعة التي تخرج من سور البلد وإلى الآن يقول أهل البلد فوّارة حزام، وكانت واسعة فأدخلوه / منها فأتاهم بحبل وطلعوا كلهم من السّور، فلمّا نزلوا إلى البلد إتفق رأيهم أن يسيروا لباب البحر (٦٥)، فلمّا وصلوه وجدوا به الجماعة والزواري ومعلّى، فلمّا وردوا عليهم مسلّحين خافوهم وقاموا إضطرارا وسلّموا عليهم وقالوا لهم: مرحبا بكم فسيروا بنا معا للقائد بالقصبة (٦٦) نسلّم عليه، ونصبوا لهم غدرا ومكرا، وفطن لهم محمّد المكّني، فأجابهم لما طلبوا، فساروا جميعا، فلمّا وصلوا لركن الجامع الجديد بباب البحر، التفت المكّني للزواري ومعلّى فضرب أحدهما بسيفه، فأزال رأسه عن بدنه، فالتفت إليه صاحبه وقال للمكّني: قطع الله يدك، فقال له المكّني (٦٧): إن لم أكمّل بك، فضربه فأزال رأسه كصاحبه، ثمّ قال لأصحابه: أتبعوني فتبعوه، فصار يخرج النّاس من ديارهم بأسلحتهم ويحضّهم على القتال حتّى استولى على البلد، فلمّا أصبح الصّبح أتى نحو القصبة فوجدها مغلقة الأبواب فحصر من فيها وطال حصارهم إلى أن ضاقوا (٦٨) من كلّ وجه، وكان لهم صهريج ماء يشربون منه خارج القصبة فكسروه وغوّر ماؤه، فعطشوا واشتدّ بهم الأمر، فخرجوا من القصبة ليلا من باب غدر (٦٩) وفرّوا بأنفسهم لطرابلس. وحاز المكّني البلد ثمّ جمع النّاس وأوقف واحدا من أهل البلد قائدا يقال له النوالي، وقدّم الشّعري (٧٠) وغيره ممن يصلح للمقدمية فجعلهم مشايخ (٧١) البلد وصار هو

стр. 814

يحكم في محلّه، فلم يأت أحد للنوالي لانكباب النّاس على المكّني، فاجتمع مشايخ البلد مع النوالي، وقالوا: هذا / نصّبنا للاستهزاء بنا والسّخرية، يتعاطى الأحكام والقائد كالمسجون في حصار، فلا يفيدنا هذا، ولا بدّ أن يرسل القائد إليه ويسجنه ونختبر بذلك النّاس، فإن لم يتكلم منهم أحد قضينا نحبه وتولّينا بلادنا، وإن قاموا في عنايته غالطناهم وسرّحناه وقلنا له: إنما فعلنا ذلك لننظر أمر النّاس هل يثبتون معنا ومعك أو لا، ولا لنا عليك زهدة، فاتّفقوا على ذلك، فأرسل إليه القائد النّوالي، فلمّا حضر بين يديه أمر بسجنه، فلمّا سجن تسامع النّاس بذلك (٧٢) وأسرعوا من كلّ مكان وهجموا عليهم [في] القصبة طلبا لخلاص المكّني، فلمّا رأوا ذلك أطلقوه، وقالوا له: يا رئيس إنما فعلنا ما رأيت لننظر أحوال النّاس معنا ومعك وهل يثبتون معنا في المضايق إذا قصد أحد بلدنا بسوء، فقال لهم: وأنا علمت ذلك، ونزل من عندهم وتبعه النّاس، فلمّا وصل محلّه التفت إلى النّاس وقال لهم: يا جماعة البلد، إن رضيتم بالنوالي وأصحابه فابقوا في بلدكم بخير (٧٣)، وأنا أذهب حيث أشاء، وإن رضيتم بي فلا بدّ من قتل النوالي وأصحابه، فقالوا كلّهم على كلمة واحدة: لا نرضى إلاّ بك ولا حاجة لنا بغيرك، فشكرهم على ذلك وقرؤوا معه فاتحة الكتاب على انفراده بالأحكام، فلمّا سمع النوالي بذلك فرّ هو وأصحابه لبلد قفصة، فأقاموا بها. وانفرد المكّني بحكم البلد وسار مع النّاس بسيرة حسنة، فعمّر البلاد والوطن، وركب معه ثمانين فارسا من أشجع النّاس فطوّع بهم عصاة / العرب والوطن، فصار النّاس في أرغد (٧٤) عيش. فبعد مدّة رجع الشعري أحد المقدّمين للمشيخة خفية لصفاقس فسمع به المكّني، فما زال يتبع آثاره حتّى ظفر به فقتله، وكذا النوالي أتى خفية فما زال معه حتّى قتله وانقطع عنه الاغيار واطمأنّت به الدّار. وكان له ولد مشهور بالشجاعة المفرطة وأحبّه أبوه لذلك لأنّه لا يقابله الأبطال فضلا عن غيرهم، وكان لا يطيق الصّبر عليه، فسمع به الشّيخ عرفة (٧٥) صاحب

стр. 815

القيروان - المقدّم الذكر - فأظهر في نفسه التحيّل على قتل الولد نكاية لأبيه وطمعا في إدخال صفاقس تحت حكمه، فكتب للمكّني كتابا زوّره على لسان بعض الصّالحين يذكر فيه: إنّا نظرنا في ولدك فلان فرأيناه من الصّالحين وله نصيب على أيدينا من طريق القوم فلا بدّ من إرساله إلينا لينال ما كتب الله له من الطّريقة، وأرسل الكتاب مع رجل من خواص الشّيخ عرفة ذا دهاء وسياسة، وكان المكّني يعتقد الصّالحين ويخاف منهم كثيرا، فتحيّر المكّني وعزّ عليه ولده ولم يصبر على فراقه، وخاف من عصيان الشّيخ صاحب الكتاب (الّذي زوّره الشّيخ عرفة على لسانه) (٧٦) وخاف أن يدعو عليه بخراب ملكه إن لم يسعفه بإرسال ولده، ولم يتفطن أن الكتاب دلسة عليه من الشّيخ عرفة، فشاع الكلام في صفاقس أنّ بعض الصّالحين أرسل للمكّني يطلب ولده ليأخذ عليه العهد والطّريقة، فسمع بذلك الشّيخ عبد المولى السّيالة / وكان الشّيخ سيدي محمّد الكراي ﵀ سافر لبعض شؤونه وعند سفره أمر تلميذه الشّيخ عبد المولى المذكور وقال له: احرس البلد بعدي، واحذر صاحب الخاتم والشّعرة، فلمّا سمع عبد المولى بالرّسول الذي قدم بالكتاب المدلّس بحث عنه، فقيل له: هو يلعب الشطرنج بسوق الرّبع (٧٧)، فقصده فوجده يلعب على دكّانة حانوت، فسلّم عليه وتأمّله، فوجد باصبعه خاتما، فقال هذا الخاتم وبقيت الشّعرة، فلاطفه بالكلام وصاحبه ثمّ قال له: لي إليك حاجة فلا بدّ من قيامك معي، فقام وسار معه، فخرجا من باب البحر حتّى دخلا مقام الشّيخ النونشي (٧٨) وهو الآن بالرّبض في الرّكن الجنوبي الشّرقي (٧٩) فقال له: أخبرني كيف قصّتك؟ فأخبره بأنّه مرسل من الشّيخ صاحب الطّريقة كما هو شائع، فأمره بإزالة العمامة من رأسه فأزالها فوجد الشّعرة، فلمّا رآها تحقّق أنّه هو الذي أوصاه عليه الشيخ سيدي محمّد الكراي، فقال له: يا هذا قد أوصاني شيخي وقال لي: إذا غبت فاحتذر من صاحب الخاتم والشّعرة، وأنت هو لا شك فيك، وأنت أرسلك الشّيخ عرفة تخدع الرّجل في ولده، فلمّا سمع مقالته خاف

стр. 816

الفضيحة واضطرب في أمره، فقال له: لا بأس عليك وأنا آتيك بهدية من المكّني وتذهب تحت ستر واحذر أن تعود لمثل هذا، ثمّ ذهب عبد المولى للمكّني، ففرح به وسأله عن حاله، فقال: أنا / في حيرة من أجل ولدي، وقد غاب الشّيخ سيدي محمد الكرّاي وقت الحاجة، فقال له: هو نوّبني في هذه الحاجة فلا بأس عليك - إن شاء الله تعالى - فاجعل لهذا الرّسول هديّة وأنا أكتب له ورقة على لسان الشّيخ لمن أرسله، وأردّه عن قصده، فلا يخالف - إن شاء الله تعالى - فسرّ بذلك وزال عنه ما كان يجده، فعيّن للرسول هديّة تليق بالحال وجهّزه فسار، فبعد يومين أتى الشّيخ عبد المولى للمكّني وعرّفه بحقيقة الأمر وما أوصاه به الشّيخ الكراي، فقال له: لو أخبرتني لقتلته لاستحقاقه لذلك، فقال: لم يأذن لي الشّيخ في ذلك وخفت من قتل نفس من غير موجب شرعي وأنت احتفظ بولدك. ولمّا مضت للمكّني ثمان عشرة سنة أتاه إنسان وقال له: إن أبا الحسن بن جلّول - وهو صاحب قصر إبن جلّول (٨٠) المشهور بالبلد (٨١) وهو اليوم حبس على أولاد البجّار، وكان رجلا موسرا - معه فلان وفلان وعدّ له جماعة، عاملون على قتلك، وهم يجتمعون كلّ ليلة يدبّرون في الحيلة ليقتلوك، فأرسل لأبي الحسن بن جلّول فأتي به وسجنه، فأتت أمّه وأقاربه للشّيخ سيدي محمّد الكراي، وطلبوا منه أن يسرّحه من السّجن، فذهب الشّيخ للمكّني، فلمّا رآى الشّيخ قام له ورحّب به وسأله عن مطلوبه، فلمّا عرّفه بمراده قال له: يا سيّدي كلّ ما تريده أقضيه (٨٢) من غير تحديد ولا استثناء إلاّ أبا الحسن الجلّولي فإنّه يريد قتلي، فقال له الأستاذ: ما جئتك إلاّ شافعا فيه، وكان لا يعصي للشّيخ / أمرا، وكانت أمّ المكّني مشرفة من كوة عليهما تسمع ما يجري بينهما من المحاورة، فلمّا أيس الشّيخ منه، قال: شدّ الله حبلك وانصرف، فتغيّرت أمّ المكّني لردّه للشّيخ (٨٣) بشفاعته وسألت ولدها عمّا قال له الشّيخ، فقال لها: قال شدّ الله حبلك، فقالت: من شدّ حبله قطع، فأمرته بردّ الشّيخ وطلب رضاه، فلحق الشّيخ بعد أن سرح إبن جلّول وقبّل رأسه ويديه وأعلمه أنه سرّح إبن جلّول، وطلب منه رضاه وتطييب قلبه عليه، فقال له: قد قبلت الدعوة فانتظر خراب

стр. 817

ملكك فقد فرغت مدتك، فتحيّر من مقالة الشّيخ وصار منتظرا لما قال له. فما أتمّت ثمانية عشر يوما إلاّ وقد نزل الباشا درغوث صاحب طرابلس لمّا استدعاه أهل القيروان لما لحقهم من إذاية الشابيين - حسبما مرت الإشارة إليه - في دار الغنم (٨٤) قرب البلد بالجهة الغربية منها وكانت قرى مسكونة، فعمل المكّني على محاربة الباشا وقتاله فاستشار الشّيخ في ذلك، فمنعه وقال: لا يفيدك شيئا وكلّ من يموت من الفريقين فأنت محاسب به فسلّم الأمر لله، وقال له: هذا حدّ أمرك وملكك، فخرج للباشا وسلّم عليه وتأدّب معه وقال له: يا مولانا إنّما ضبطت البلاد لكم وأنا خديمكم، فلمّا رآه طائعا قبله وعزم على إبقائه عاملا على صفاقس، فسمع بذلك أهل البلد فمنهم من رضي ومنهم من أبى، فغيّبوا المكّني واجتمعوا بالباشا وقالوا له: يا سيّدنا لا يغرّنّك فعله / معك وخضوعه بين يديك فإنه صاحب دهاء وحيل ومراوغة وشيطنة فإن أبقيته ينقلب عنك ولا تقدر عليه، فوافقهم الباشا على ما قالوا، فلمّا أتاه المكّني قال له: لا بدّ من مسيرك معي، ففهم النّكتة ومن تسبّب فيها ومن سعى في كيده، فقال له: يا مولانا نعم ما رأيت وإن هذا مرادي نفوز بخدمتك ومباشرة شؤونك، ودعا بخير وأظهر السّرور والبشر. وكانت طرابلس قد استولى عليها الخراب وتمزّق شملها وباد أهلها، فاستجدّ درغوث باشا ﵀ هذه المدينة الموجودة الآن بين البرجين الذين استحدثهما النّصارى على الميناء، وكانت البلاد عامرة بالجنود والعساكر محتاجة لمن يقوم بصنائعها، فقال له: يا مولانا إن بلدك ليس بمدينة إلاّ أن تعمّرها بأناس من أهل هذا البلد، فانّ أهلها ذو حذق وقواعد ولهم مدخل في الرأي والأمور، فإذا أنقلت منهم طائفة تجمّلت بهم مدينتك واستقامت وتحضّرت، فاستصوب كلامه لموافقة ما ظهر له من أحوالهم لأنّهم أهل همّة واحتشام في لباسهم وقواعد في كلامهم، فقال له: يا رئيس هذه وظيفتك فاختر من يصلح لهذا الشأن، فقال له: سمعا وطاعة وسأكتب لك أسماءهم، فنظر في أمره وعين أصحابه الّذين دبّروا في عزله وخروجه من وطنه، فكتب أربعين عائلة (٨٥) جانبا من كلّ قبيلة، وأعطى الكتاب للباشا فوافقه (٨٦) على ما فيه، وأمر كلّ من كان إسمه في الكتاب / بتجهيز عياله لطرابلس، فندموا وعرفوا وبال صنيعهم وتأسّفوا على ما

стр. 818

صدر منهم، فتأهّبوا للمسير مع الباشا كارهين، فأمّر عليهم المكّني وجعلهم تحت نظره، فتمنّوا الموت لفراق وطنهم وأحبابهم ودخولهم تحت نظر عدوّهم، فلمّا وصلوا لطرابلس فرح النّاس بهم وأنزلوهم، وصار المكّني وزيرا أعظم عند الباشا، وما زالت أعقابه (٨٧) وأعقاب تلك الجماعة بطرابلس إلى الآن، ولقد شاهدت دارا عظيمة بالمنشية من طرابلس، ورأيت حولها أطفالا عليهم آثار النخوة ومعهم جوار سود، فسألت عن الدّار فقيل لي هي دار المكّني وهذه بقيّة من ذرّيته وذلك سنة أربع وسبعين ومائة وألف (٨٨). ولمّا فتح العساكر العثمانية تونس إسترجعوا صفاقس لحكم تونس (٨٩) وصار الولاة واردين عليها من تونس كما كانت في سالف الزمن. إبن عطية جلي: ولمّا تولّى الملك مراد باي إبن حمّودة باشا - رحمهما الله تعالى - ولى على صفاقس إبن عطيّة (٩٠) جلّي فكان ظالما غشوما فاستولى على جميع الوظائف المخزنية، وكان في ابتداء أمره معتقدا في الشّيخ أبي الحسن الكرّاي (٩١) - نفعنا الله به - ويظهر الإحسان حتّى تمكّن من البلد، وابتنى له قصرا خارج البلد تشبها بملوك تونس في قصر باردو، وانقلب إحسانه إساءة، ومحبّته في الشّيخ أبي الحسن بغضا. فلمّا نافق أبو القاسم الشّوك بجبل وسلات وخرج له مراد باي ﵀ وحشد له الحشود فمن جملة / من خرج معه بعسكر من صفاقس إبن عطية، وخلّف نائبه على

стр. 819

المكوس والغرامات، وأمره أن لا يترك أحدا ولو كان من المساريح (٩٢)، فسطا (٩٣) على مساريح الشّيخ الكراي ولم يقبل مراجعة، ورضي بذلك إبن عطية وتحامل على حرم الشّيخ ومساريحه، فدعا عليه الشّيخ أبو الحسن الكراي فازدرى (٩٤) به وهزأ. فلمّا انتقل مراد باي إلى رحمة الله ووقعت بين أخيه محمّد الحفصي وبين إبني أخيه مراد ما وقع، سعى إبن عطية في الفتنة ولم يراقب الله تعالى، فأوقد نار الحرب ليجد لنفسه فسحة في تصرفاته لاشتغال السّلطنة عنه بما هو أهم. فلمّا تولّى الحفصي ولاّه على صفاقس. ولمّا قدم محمّد باي وخرج محمّد الحفصي فرّ ابن عطية لعنّابة نحو سنتين ونصف. فلمّا استولى على البلاد علي باي في (٩٥) ثالث عشر من صفر سنة ثمان وثمانين وألف (٩٦) استلزم (٩٧) إبن عطية بلد صفاقس من علي باي (٩٨)، فتحيّر النّاس قاطبة منه لما يعلمون من شؤمه وظلمه وعسفه، فاجتمع أهل الحلّ والعقد من البلد وهربوا لزاوية الشّيخ سيدي (٩٩) علي الكراي بأهاليهم ونقلوا معهم ما يعزّ عليهم (من المتاع والأثاث) (١٠٠) فجعلوه بدار بعض حفدة الشّيخ قرب (١٠١) الزّاوية، فدخل إبن عطية ليلا للبلد في نحو ستّين فارسا مماليك سود وبيض وصبايحية، فقصد زاوية الشّيخ الكراي، فنزل على الدّار التي بها أموال المسلمين وحريمهم وأشعل (١٠٢) الشموع

стр. 820

والفنارات (١٠٣)، وأخرج كلّ ما كان بالدّار والزّاوية حتّى أن رجلا دخل تحت صندوق (١٠٤) الشّيخ أخرجه، ثم خرج وبعد / ذلك حمله بغضه للشّيخ أبي الحسن الكرّاي - نفعنا الله به - على دخول حرم زاويته (١٠٥)، وكان الشّيخ معتكفا بها ملازما للاعتكاف، فهجم وهو سكران على الشّيخ وأخرجه وأكرهه على المشي معه لداره، فاستغاث الشّيخ بالله تعالى وقال: «يا قهّار» ثلاثا، ثمّ استصرخ أولياء الله، فنادى بسيدي عبد القادر (١٠٦) ثلاثا (ثم عمّم رجال الله ثلاثا) (١٠٧) فلمّا ذهب سكره رجع نادما، فأتى الشّيخ وقال له: ندمت (١٠٨) فقال: ندمت حيث لا ينفعك الندم، وتندم وكررها ثلاثا، ثم أتاه بشربات تطييبا لقلبه، وكان الشّيخ صائما فأبى، فأمره بالرّجوع إلى زاويته نهارا، فأبى ذلك وقال: لا أرجع إلاّ ليلا، فلمّا حلّ الفطر وصلّى المغرب عرض عليه الطّعام فأبى حتّى جيء له بشربة ماء من زاويته فأفطر عليها، فلمّا أراد الإنصراف أتى له بفرس الزّاوية، فلمّا أراد الرّكوب حمل له الفاسق الرّكاب (وتحلّل من الشّيخ وخاف وارتعد قال الشّيخ أبو الحسن - رحمه الله تعالى -) (١٠٩): وكان مع إبن عطية خليله المتجري الأكبر الذي نزل عليه البلاء واحتاط الشقي قاسم الخرّاط وغيره من أتباعه لا سامحهم الله. وكان الهجوم على الزّاويتين يوم السّبت، فلمّا كان الخميس الذي بعده أتى الخبر من محمّد باي إبن المرحوم مراد باي من بلد الكاف وأنّه حاز المحلّة والبلاد في تلك الساعة التي دخل فيها للزاويتين، فرعب إبن عطية من ذلك رعبا عظيما، وأرسل محمّد باي إبن الانكشاري لصفاقس وأمره بالقبض على إبن عطية، وجهّز معه نحو العشرين فارسا، فتوجّهوا / لصفاقس وسبق إبن الانكشاري ومعه فارس واحد، فلمّا بلغه خبر وصولهم

стр. 821

- وكان يحلق رأسه فحلق منه نصفه وبقي نصفه - حمله (١١٠) الفزع على ترك رأسه منصّفا من غير إكمال، وفرّ هو وحريمه وأتباعه (ومماليكه عراة) (١١١) حفاة فلم يهتدوا (١١٢) لزاوية أبي بغيلة إلاّ بعد (التي واللتيا) (١١٣) فقيّده الله في زاوية سيدي علي الكراي ﵀ ونفعنا به - (١١٤) وأقام بها أيّاما، وبقيّة فرسان إبن الإنكشاري لمّا وصلوا البلد وجدوا الباب مغلقا فرجعوا للقيروان، وذلك أنّ أهل البلد من شدّة بغضهم في إبن عطية لمّا دخل إبن الإنكشاري خافوا أن يخرج إبن عطية فغلقوا أبواب البلد، ولمّا استقرّ ابن الإنكشاري هجم على إبن عطية فعجز عنه لتحرسه بالبندق. قال الشّيخ أبو الحسن - رحمه الله تعالى - دخل بعض النّاس على إبن عطية يوم موته فرأى (وجهه منتقعا (١١٥) وصدره مختلجا فقال له: ما لك؟ فقال: أخذتني سنة فرأيت ثلاثة رجال قد دخلوا علي هذه التّربة، فقال أحدهم: كتّفوه، فكتفني واحد. ثم دقّني واحد منهم في هذا الموضع الذي تراه مختلجا، فقلت لهم: من أنتم؟ فقال أحدهم: أنا عبد القادر الجيلاني، وهذا أبو إسحاق الجبنياني، وهذا الذي دقّك أبو بكر الكرّاي، وجعل الشّيخ الجيلاني ينادي: يا علي يا كراي، فأجابه الشّيخ من القبر، فكان أوّل من ضرب من جماعة إبن عطية هو برصاصة في الموضع الذي اختلج عليه من صدره، ثمّ قتل أتباعه ومماليكه جميعا بالسّيف والبندق وربطت (١١٦) أرجلهم بالحبال وجرّوا بالأزقّة (١١٧) وكان بين دخول حرم الشّيخ وقدوم إبن الإنكشاري خمسة أيّام فمن ثمّ يسمّى الشّيخ أبو الحسن الخموسي (١١٨).

стр. 822

إبن الإنكشاري: قال الشّيخ - رحمه الله تعالى - وأصل إبن الإنكشاري أنّه كان في صفاقس قائدا في زمن مراد باي، وكان ظلوما جهولا، مدمن خمر، قليل خير، فسلّط الله عليه الجذام، وكان متزوّجا بامرأة لها ولد من غيره يقال له «إبن الإنكشاري» نشأ في حجر هذا الظّلوم، فغذّي بالظّلم والفجور ونشأ عليه، فتمكّن من أبواب المخزن والظّلم والشؤم. فلمّا وقعت الفتنة بين محمّد باي وأخيه علي باي تعلّق الإنكشاري بمحمّد باي حسبما مرّ (١١٩)، ولمّا اختلفت الأحوال بين البايين، وتردّدت البلاد بينهما إتفق (١٢٠) أن قيد محمّد باي الحاج قاسم القفال، وجعل رايس أتباعه إبن الإنكشاري، وأرسل علي باي قائده محمّد صبّاح، فلمّا أتى البلاد (١٢١) وجد البلاد (١٢١) قد إحتوى عليها القفال والإنكشاري، فخاف صبّاح على نفسه ففرّ لزاوية الشّيخ أبي الحسن ﵀، فأقام بها مدة طويلة، فاتّفق رأي القفّال والإنكشاري على قتل محمّد صبّاح (١٢٢) بالزّاوية، فجمعوا نحو سبعين رجلا مسلّحين فتقدّموا بعد صلاة الظّهر للزّاوية فواجههم الشّيخ ونهاهم ووعظهم فلم يتّعظوا إلى قرب العشاء الأخيرة وهو يناشدهم الله تعالى، فأبوا

стр. 823

إلاّ كسر حرم الزّاوية فكسّروا الأبواب، قال الشّيخ أبو الحسن - رحمه الله تعالى - دخل الشّيطان الخبيث هو وبعض شياطينه على الرجل الهارب، فضربه الخبيث برصاصة فخرج فارا بنفسه فتلقاه من كان بوسط الزّاوية من الأشقياء، وهو عمر سعادة، فرموه بالرّصاص حتى وقع ميتا لوقته، ولم يكفهم ذلك حتّى احتزّوا رأسه / وكان الذي اشلاهم صاحب المكر الاسرائيلي قاسم القفّال (١٢٣) واشترط لهم هو وأمّه، إن حضروا برأسه بين يديه، مالا كثيرا. قال بعض تلاميذ الشّيخ أبي الحسن: إنّ الشّيخ بعث مقدّم الزّاوية للقفّال يستنجده ويقول له: سيّدك واقف بين الرّصاص في باب البيت ربّما انقلبت بعض البندقيات فيصيبه لظنّه أنّه لا يخالف (١٢٤) لأنّه ربّاه بزاويته وتعلم عليه جملة وافرة من العلم، (فلم يلتفت لقوله وأرسل بعض أعوانه وهو يحضّهم على عدم الخروج حتّى يقتلوا إبن صبّاح) (١٢٥). قال الشّيخ أبو الحسن: فبعد أيّام يسيرة أتاهم الخبر أنّ علي باي قادم عليهم بجيوشه ففروا بأنفسهم وأموالهم وحريمهم إلى طرابلس، قال: فأمّا المتجرّي الأكبر صاحب المكر الإسرائيلي والغدر أخذ جميع ما كان معه من المال وطلب وعذّب بالعصا ولم يظفر بصفاقس، وأما الفاسق خليفته - يعني إبن الإنكشاري - فرجع إلى البلد بعد ما أخذ العدوّ أهله وماله وجمعا من أصحابه وناله من الذّلّ (والإهانة ما علمه الله، وبقيت أمّه وأخوه وأخته وزوجها وعمّه وزوجه) (١٢٦) وبنوه ببلاد الكفار فلم يتعظ الفاسق بذلك حتّى فعل من الشّيطنة في البلد وتعدّي الحدود والفجور وارتكاب كل قبيح ما يقصر عنه الوصف، وحاز حصار البلد ولم يبق لأهل البلد شفاعة ولا نجدة، فسلّط الله عليه من اعتزّ به فقتله أشر قتلة بالحديد وغيره كما فعل هو بالمسلمين، وأراح الخلق منه، وتبدّد جمعه فمنهم من مات مقتولا / ومنهم من أسّر ومنهم من نفي، ولم يبق من أعوانه أحد إلاّ عوقب على قدر فعله اهـ. وهذه إشارة إلى ما فعله إبن الإنكشاري، وذلك أنّه لما طالت الفتنة بين علي باي وأخيه محمّد باي - رحمهما الله تعالى - (وعفا (١٢٧) عنهما) (١٢٨) واشتغل كل منهما بنفسه

стр. 824

انتهز إبن الإنكشاري الفرصة فاستأثر بالبلد وخرج عن طاعة الأخوين ونهب أموال الخلق، وتحكّم بظلمه وشؤمه فلا خاف من الله ورسوله ولا من سلطان يزجره، فمن أقبح صنائعه أن أنشأ له مركبا وجعل له (١٢٩) مقاذيف، وجمع جماعة من شبان البلد وشجعانهم، ومن عرف فيه أهلية أدخله طوعا أو كرها، وصار يقطع طريق البحر على المسافرين من النّصارى والمسلمين، فينهب الأموال ويقتل النّفوس إن نازعوه، وإذا (١٣٠) انتصف النّهار يركب بجمعه ويقصد جربة بحيث يكون موافاتها ليلا، فينزل على النّاس في منازلهم في زي النصارى فيأخذ أموالهم، ومن تكلّم منهم قتلوه، ويسافر ليلا فيصبح داخلا للبلد، فيظنّ أهل جربة أنّهم أخذتهم النّصارى ليلا وهربوا، وكذا يفعل بكل بلد قدر عليه، ويظهر لأهل صفاقس أنّه يحرس البلد ويحميهم من عدوّهم، وكلّ من أذنب ذنبا وهو أهل للسّفر معه لا يخلّصه إلاّ الدّخول معه وإلاّ عذّبه عذاب الهدهد، وخندق على البلد الخنادق، وسكن بالقصبة وطغى وبغى وحسب أنّ الشّر يدوم له. فلمّا استقلّ محمّد باي - رحمه الله تعالى - بالأمر بعد وفاة عمّه وأخيه وموت إبن شكر / أرسل لصفاقس من قتل هذا الخبيث الفاجر، وطهّر الله الأرض من شؤمه وبغيه، وتفصيل ذلك يطول ولا فائدة فيه. قال الشّيخ أبو الحسن ﵀: ولمّا وقع ما وقع من الأشقياء غلقت باب زاويتي وصرت أنتحب ليلا ونهارا، قال بعض تلاميذه: ولمّا صدر منهم ما صدر في الزّاوية غلق الشّيخ باب الزّاوية ولا بقي أحد يدخلها لا لقراءة ولا لزيارة ولا لصلاة ولا لغيرها، وفقدنا درسه (١٣١) واشتقنا فيه نظرة، وتكدّر علينا زماننا وهاج شوقنا إليه بسببهم، وربّما عرضت له حاجة فيخبرنا بها بكتابة ورقة (١٣٢) يرسلها لنا اهـ. وفي هذه الأزمان منذ تولي سيدي حسين ﵀ وعترته - طهّر الله البلاد والعباد من أهل البغي والفساد، وتوالت الولاة من الحضرة داخلين تحت الأمر والنّهي أدام الله هذه النّعمة على عباده ولا أراهم ما يسوءهم بفضله وكرمه.

стр. 825

الباب الثّالث فيما وقع لأهل صفاقس من الجهاد في هذه الأعصار المتأخّرة حروب صفاقس مع مالطة: لمّا كثر جور أهل مالطة (١) - دمّرهم الله تعالى - إستشار أهل الفضل بعضهم بعضا كالشّيخ النّوري - رحمه الله تعالى - وأضرابه في شأن جهاد هؤلاء الكفرة، ورأوا أنّه لا يكون إلاّ بإنشاء سفن مخصوصة تناسب القتال، فوافق على ذلك جلّ النّاس ورأوه حسنا شرعا، وطبعا لما رغّب الله فيه، وحماية لأرزاق المسلمين وأنفسهم، وإنّما / قام بهذا الفرض أهل صفاقس لأنّ لهم تعلّقا كبيرا بسفر البحر (٢)، فهم مضطرون للجهاد دنيا ودينا (٣) ولا قدرة لهم على تركه، قال تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٤). فلمّا إتفق أهل الفضل على إنشاء السّفن تعاونوا على الخير وبذلوا أموالهم إبتغاء رضوان (٥) الله، فأنشؤوا عدّة سفن، فوفّق الله رأيهم (٦)، فغنموا من الكفّار كثيرا، وقمع الله الكفّار.

стр. 826

ثمّ طالت الأيّام وتهشّمت تلك السّفن، ووقعت فتنة وشدّة، ومات أولئك النّاس، فرجع الكفّار لجورهم لأنّهم - لعنهم الله - ما زالوا على ما كانوا عليه من أذيّة المسلمين (منذ (٧) خرجوا من رودس، فلمّا سكنت الفتنة وتراجع النّاس إنتبهوا ﵏ من أمر البحر فرأوا ما وقع من أذيّة الكفّار للمسلمين) (٨) وعلموا أنّه لا يقمع شرّ هؤلاء الكفرة الفجرة إلاّ إنشاء غير تلك السّفن، فاتّفقوا على ذلك وأنشؤوا ثمان سفن، فأمن بهم البحر وانقطعت (٩) أذيّة الكفّار. وعادة أهل البلد في غزوهم أنّهم مهما سمعوا بخبر بعض سفن العدوّ (١٠) ضربوا طبلا على سور البلد فوق باب البحر (١١) وأجرى الرّؤساء سفنهم، وتسارع أهل الخير للنّزول للبحر، وأخذوا ما تيسّر من الزّاد وآلة الحرب، وركبوا في السّفن، فيسيرون طالبين آثارهم من رأس المخبز قرب طرابلس إلى قرب رأس أدار (١٢) بتونس، فإن وجدوا عدوّا حاربوه، فإن قسم فيه النّصيب أخذوه، وإن فلت وفرّ تبعوه إلى بلاده أو إلى ما يقرب / منه، وإن لم يقسم النّصيب أو لم يجدوا عدوّا رجعوا لبلادهم سالمين مأجورين (١٣)، (فغلبت السّلامة في البحر من طرابلس لتونس) (١٤). حروب صفاقس مع البلنسيان: ثمّ إنّ الباشا (١٥) - رحمه الله تعالى - كان حربا على البناديق (١٦) من النّصارى ويسمّيهم النّاس بلنسيانا (١٧)، وبينهم وبين طرابلس صلح وهدنة (١٨)، فأمر الباشا

стр. 827

- ﵀ أهل صفاقس بالمسير لرأس المخبز فإذا وجدوا مراكب البلنسيان تشحن بالملح تربّصوا بهم حتّى يفارقوا المرسى ويسيروا فبعد ذلك يتبعونهم ويقاتلونهم، ففعلوا ذلك وغنموا منهم سفنا غير أنّهم ربّما عاجلوهم عن الخروج من المرسى فيهجمون عليهم ويأخذونهم قبل مفارقتهم الميناء التي هي في أرض طرابلس فيردّهم الباشا، فخاف الكفّار من صفاقس فاستعدّوا وصاروا لا يأتون إلاّ بأكبر مراكبهم في أقوى العدد والعدد. ففي سنة ستّين ومائة وألف (١٩) جاء منهم مركبان في غاية الكبر والقوّة والمنعة، فأمر الباشا بالذّهاب إليهما، فركب النّاس في ثمان سفن وتوجّهوا نحوهما، فسمع النّصارى بتوجّههم إليهم فتأهّبوا للقاء المسلمين فربطوا إحدى السّفينتين على الأخرى بحبال في غاية الثّخانة والقوّة حتّى تعسّر المرور بين السّفينتين، ووضعوا أثقالهم في الشّقّ غير المواجه لسفائن المسلمين، فارتفع الشّقّ الآخر المقابل للمسلمين فصار علوّ مراكبهم يحاذي رؤوس قلوع سفن المسلمين، فلمّا وصلت (٢٠) سفن المسلمين قريبا من العدوّ وصاروا رأي العين بادر المسلمون (٢١) / بالحرب، ولا علم عندهم بما فعله الكفّار من إمالة مراكبهم وحسبوا أنّهم من الجانبين في ذلك العلوّ على حدّ السّواء فاشتغلوا بالحرب عن تدوير السّفن للجانب الآخر، وكان الرّيح في ذلك اليوم ساكنا، فكثر الكور والبندق والحوارق (٢٢) من الجانبين حتّى أطبق الجوّ وصار النّهار ليلا من ظلمة الدّخان، وصمّت الآذان من صوت الصواعق، وفشا (٢٣) القتل والجراح في الفريقين وحسبوا أنّه الفناء، فأيس كلّ فريق من نفسه، وانقطع طمع المسلمين في أخذ الكفّار، ففارقوهم وحلّوا قلوعهم ورجعوا لبلادهم بما نالوا من أجر الجهاد وشهادة من استشهد، وكان عدّة الشّهداء أربعين والجرحى (٢٤) ستّين، ووقع في الكفّار مثل ذلك وأكثر منه، وما منع المسلمين من أن ينالوا الكفّار إلاّ علو مراكب الكفّار، فصاروا يرمون على المسلمين من علوّ، ولا ينال

стр. 828

المسلمون منهم إلاّ من أظهر رأسه من الطّيقان، فكلّ من أظهر رأسه أصابوه، وطلعوا في رؤوس القلوع يرمون منها ما قدروا عليه، وكان رجوع المسلمين لصفاقس آخر يوم من شعبان سنة ستّين ومائة وألف (٢٥). ولمّا سافرنا لبرّ (٢٦) المشرق ونزلنا بلادهم على الصّلح، فرأيناهم صوّروا مراكبهم وسفائن صفاقس قادمة عليهم وصورة الكور والحرائق والدّخان، وأبقوا ذلك مصوّرا في كنائسهم، ووجدنا بعضهم أعرج، فسألناهم عن سبب عرجهم فقالوا: واقعة رأس المخبز، فذلك دليل على عظم / مصابهم. وأنشد في هذه الواقعة أبو عبد الله محمّد الخميري - عفا الله عنه - هذه الأبيات وكتبت على ضريح المعلّم أسطى أحمد السيالة - رحمه الله تعالى - وهي: [الرّجز] الحمد والشّكر له (٢٧) تعالى ... هذا ضريح أحمد السّياله هذا شهيد المعترك في الغزو ... من قبل رمضان بيوم يحوى (٢٨) في عام ستين وألف ومائه ... فيا لها من غزوة مستكمله بها قد استشهد أربعون (٢٩) ... عدة جرحاهم بها ستّون يا ربّ سامح جمعهم والحقنا ... بهم على الإيمان واعف عنّا ولمّا رأى البلنسيان ما حلّ بهم وانقطع طمعهم من رأس المخبز لما خافوا إن عادوا أخذوا سارعوا لطلب السّلم مع سلاطين تونس، ولمّا سمع (٣٠) أهل مالطة بهذه الواقعة فرحوا وانتهزوا الفرصة، فخرجوا لفسادهم في البحر وظنّوا أنّ أهل صفاقس أصابهم قرح يفشلهم مع أنّ أهل صفاقس نزّلوا الشّهداء ودفنوهم والجرحى للعلاج، وضربوا طبلهم على الفور وخرجوا في طلب الكفّار في (٣١) كلّ جهة، فالتقوا بمركب فرنجي سلما (٣٢)

стр. 829

لأهل صفاقس، فلمّا فارقهم وجد سفن المالطيين فسألوه عمن لقيت (٣٣)، قال: لقيت سفن صفاقس، فرعب المالطيون ورجعوا مذمومين مدحورين، وأيسوا من بحر صفاقس. وفي سنة خمس وتسعين ومائة وألف (٣٤) وقع الطّاعون بأرض مصر فاكترى أهل صفاقس مركبا من ريس من جنس البلنسيان، وشحنوه بالغزل والكتان والقماش وغير ذلك من بضائع مصر، وركب بعض التجّار / بها من أهل صفاقس وغيرهم وتوجّهوا لصفاقس، وبلغ خبر الطّاعون لسلطان تونس سيدي حمّودة باشا - دام علاه - فكتب لقائد صفاقس المرحوم القائد بكّار الجلّولي ﵀ برحمته الواسعة وعفا (٣٥) عنه - وأمره بأن لا يقبل من أتاه من برّ مصر وأن يوجّهه لتونس ليبقى تحت نظره مخافة من المسارعة بالنزول والدّخول للبلد (٣٦) فربّما يكون فيه ضرر على المسلمين لقوله ﵊: «لا يورد ممرض على مصح» أو كما قال ﵊: «وإن كان الحقّ لا عدوى (٣٧) خوفا من ضعف يقين بعض النّاس فيفتتن في دينه» فحسم الشّارع المادة. وعادة السّلاطين بتونس أنّ من كان به من الطّاعون يمنع النّزول حتّى تمضي عليه أربعون يوما (٣٨) فإن مات منهم أحد استظهروا (٣٩) بأربعين أخرى طمعا في السّلامة ونجاة الخلق، وحكم الفرار من الطّاعون والقدوم عليه معلوم وهو المنع، أمّا القدوم عليه فلأنّه يحرق القلوب، فعدم القرب منه أريح للسّرّ، وأمّا الفرار منه فلا فائدة فيه فإنّه في عنق الفار ولا يفيده الفرار شيئا. وكان القائد - رحمه الله تعالى - شديد الحرص على تتبّع أمر السّلطان، وأمّا المركب فإنها لمّا سافرت من إسكندرية وتلجّجت البحر وقع في أهلها الطّاعون ومات منهم كثير من النّصارى والمسلمين، ومات ريس المركب فخلفه ولده، فقام (٤٠) بأمر المركب، (ولمّا مات أكثر (٤١) النوتية من النّصارى) (٤٢) وتعطّلت أحوال المركب / وخاف

стр. 830

الباقي الهلاك (٤٣) إلاّ أنّ النّاس مسكوا قلوبهم وتعاونوا على السّفر وإجراء المركب، فما زالوا على أسوإ حال حتّى بلغوا صفاقس بعد التي واللتيا، فمنعهم القائد من البقاء بالمرسى وأمرهم بالتّوجّه لتونس تحت نظر السّلطان فأبوا وقالوا: نحن أشفينا (٤٤) على الهلاك، فكاتب السّلطان فأكد عليه عدم قبولهم، فبلغهم ما أمر به السّلطان فأبوا إلاّ البقاء، فتهدّدهم وتوعّدهم بأشدّ الأذى، فأيسوا وسافروا وفي (٤٥) ظنّ المسلمين التّوجّه لتونس فأبى النّصارى إلاّ الذّهاب لمالطة - دمّرها الله -، فتنازعوا مع المسلمين في ذلك والمسلمون لا يعرفون السّفر، فما شعروا إلاّ وهم داخلون لمالطة - دمّرها الله تعالى - فسألهم أهلها: ما شأنكم؟ فعرّفوهم بحالهم فأمروهم بالخروج من مرساهم والسّفر حيث شاءوا، فامتنع النّصارى من ذلك فخوّفوهم بالحرق فلم يمتثلوا، فطلب المسلمون الذين في المركب من وكيل البلنسيان ويسمّونه قنصلا أن يكتري لهم نصارى يسافرون بهم، فقال: لم أجد من يسافر معكم، فسألوه أن يفتدي لهم أسارى ويعطوا لهم فداءهم فأبى، وحاصل الأمر أنّه تعذّرت الحيلة وتعسّر السّفر بوجه ما، ولم يرض أهل مالطة ببقائهم خوفا أن ينزل منهم أحد فيقع فيهم الطّاعون لأنّهم يقولون بالعدوى فلا شكّ عندهم في وقوعها، فلمّا رأوهم غير ممتثلين لما أمروهم به من الخروج جمع الكفّار بمالطة بعضهم بعضا لينظروا في أمرهم، فاتّفق رأيهم على نزول الآدميين وحبسهم في حبس يتعذر / الفرار منه في مكان منعزل عن النّاس وحرق المركب بما فيه من جميع الأمتعة عدا النقد، فأنزلوا النّاس وغمسوهم في الخلّ وبخّروهم ببخور نتن الرّيح يكاد يزهق الرّوح، وكرروا عليهم ذلك مرات متعدّدة، وحرقوا المركب بما فيه، هذا بحسب ما حكم به أهل الكفر، وأمّا المسلمون أصحاب المركب فإنهم غير راضين بهذا الحكم من النّصارى. ولمّا فرغت مدّة الحبس (٤٦) والتّبخير أخرجوا النّاس وأمروهم بالسّفر لبلادهم، فطلبوا منهم كتابا للسّلطان بتونس أنّ الحرق كان من غير اختيارنا خوفا أن يطالبهم التّجّار بثمن أرزاقهم إذا ادّعوا منهم تفريطا، فامتنع النّصارى من ذلك، فاستجاهوا برسول مولاي محمّد الشّريف إبن مولاي عبد الله ﵏ وجعلنا في شفاعة جدّه ﷺ

стр. 831

وكان قدم بخزائن الأموال في فكّ أسارى المسلمين من أيدي الكفّار - حسبما مرت الإشارة إليه - فتكلم مع النّصارى واعتذر للنّاس بأنّهم يخافون من المسلمين أن يدعوا عليهم تفريطا، فلم يزل بهم حتّى قبلوا شفاعته وكتبوا لهم بما يبري ساحتهم، ولمّا أخذوا الكتاب عمل قنصل البلنسيان على المكر وطلب منهم الكتاب ليطالع ما فيه ليعمل فيه على مكره، فأنكروه عليه، ثمّ قدموا لتونس وليس معهم إلاّ الذّهب فسلّموه لأصحابه، ورفعوا أمرهم للسّلطان وقد بلغه عملهم تفصيلا، فدعا (٤٧) وكيل البلنسيان بتونس وطلب ثمن بضائع المسلمين / لأنّهم ما رضوا بذهاب المركب لمالطة، وطلبوا من وكيلكم بمالطة أن يكتري لهم مركبا أو رجالا أو يفتدي لهم أسارى من أموالهم فأبى، وقائد صفاقس أمر رئيس المركب بالتّوجّه لتونس، فالذي يقدّره على السّفر لمالطة يقدّره على السّفر لتونس، فلمّا وقفت عليه الحجة إستمهل لردّ الجواب لبلاد البلنسيان فأمهل، وكتب لهم (٤٨) بذلك. واتّفق أنّ مركبا مشحونا (٤٩) بأرزاق المسلمين رئيسه من جنس البلنسيان أيضا، فسرق النّصارى الذين به أكثر أرزاق المسلمين، ولما خافوا الفضيحة حرقوا المركب وزعموا أنّ ذلك من غير إختيار، فأثبت المسلمون عليهم سرقتهم وأنّهم حرقوه باختيارهم فطالبهم السّلطان بثمنها أيضا فصاروا مطلوبين بثمن بضائع المركبين، ولمّا وصل البلنسيان خبر المركب الأوّل توقّفوا أوّلا ثمّ همّوا بالطّوع بثمنه (٥٠) ولمّا بلغهم خبر المركب الثّاني (٥١) نكصوا على أعقابهم وأبوا من بذل ثمن الأول والثّاني (٥٢) لكثرة أثمان بضائعهما، فقال لهم السّلطان: لا بدّ من دفع أثمان بضائع المركبين وإلاّ فلا عهد لكم عندي ولا ذمّة ويقع الحرب بيني وبينكم، فامتنعوا من بذل الأثمان ولجّوا في طغيانهم يعمهون، فقطع ما بينه وبينهم من العهد والذّمّة وأمر بحربهم، فجهزوا مراكبهم وجاؤوا يلتمسون الصّلح وبذل بعض المال وترك الباقي، فأبى عليهم إلاّ ببذل الجميع، فنشأت من ذلك حروب

стр. 832

كثيرة في سنين متطاولة، فخرجوا سنة مائتين وألف إلاّ واحدا (٥٣) / في تسع مراكب في غاية ما يكون من الكبر ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (٥٤) فرموا على بنزرت وسوسة شيئا كثيرا من البونبة حتّى أذوهم أذى شديدا، ثم قدموا لصفاقس، فباتوا ليلة واحدة ورموا ما قدروا عليه، فحاربهم المسلمون ومنعوهم من القرب من البلد، فذهب عملهم سدى هباء منثورا، وما أصبحوا إلاّ مسافرين، وكأنّهم مكثوا على صفاقس تحلّة القسم وخرجوا خائفين، ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ (٥٥). ولمّا دخلت سنة مائتين وألف (٥٦) استعدّ الكفّار بأقوى ما عندهم لقتال صفاقس بالخصوص فجمعوا كيدهم وعدّتهم وعددهم لما بينهم وبين صفاقس من العداوة السّابقة، وسمعوا أنّ البلاد قد أصابها من الطّاعون ما أصابها، فظنّوا أنّ البلاد تسوّغ لهم وأنّهم ينالون منها ما نالوا من بنزرت وسوسة، وكان اجتماعهم بمالطة فجعل كبيرهم يأمر بالمناداة (٥٧) في مالطة - دمّرها الله -: من أراد الذّهب والفضّة واللؤلؤ والجواري (٥٨) الحسان والسّبي الكثير فليتوجّه لصفاقس، فهزأ به أهل مالطة لما يعرفون من حرب صفاقس وشدّة بأسهم على الكفّار ومحبتهم في القتال في سبيل الله وما لهم من تعوّد بمحاربة الكفّار. وعادة النّاس إذا أرادوا قتالا في البحر أن يكون خروجهم (٥٩) زمن المصيف لأنّه أطوع لمزاولة آلات الحرب من المدافع والبونبات، غير أنّ هؤلاء الكفرة الفجرة خافوا إذا تأخّروا لزمن المصيف يستعدّ النّاس لقتالهم، وخدعهم أهل مالطة / بأنّ مرسى صفاقس أقاصير لا يكثر هيجان بحرها، فعملوا على الخروج أواخر الشتاء فبلغ السّلطان بتونس - نصره الله - أنّهم قاصدون خصوص صفاقس، فجهّز لها ما تحتاجه من مدافع النّحاس ومدافع الحديد والكور والبارود أحمالا محمّلة، وقناطير مقنطرة وجميع ما تتوقّف (٦٠) عليه المحاربة من كلّ شيء أكثره، وجهّز عدة رؤساء عارفين بصناعة الرّمي

стр. 833

مع ما عليه أهل البلد من المعرفة، فكان نورا على نور، وأمر عربان الوطن بالنّزول على شطوط البحر وأخرج النّاس أهاليهم إلى البساتين، وحملوا إليها جميع أثقالهم وتركوا البلد كقلب أمّ موسى، فخاف أهل البلد إذا إشتغل الرّجال بالقتال أن يقع من العرب تسوّر (٦١) على الحريم فكاتب السّلطان قائد العرب وعرّفه مهما يثبت أنّ أعرابيا دخل بساتين النّاس وأذاهم في حريمهم ليلا أو نهارا لأعذّبنه عذاب الهدهد، فقرأ عليهم كتاب مولانا السّلطان وحذّرهم بطشه وتوعّدهم بالوعيد الذي توعّدهم به السّلطان، فأعطوه عهودهم على الأمن والمسالمة، فعصمهم الله من المخالفة. فلمّا كان خمسة عشر يوما من جمادى الأولى سنة إحدى ومائتين وألف (٦٢) وافق ذلك أوّل يوم من الحسوم (٦٣) جاء الخبر من قرقنة أنّ مراكب البلنسيان قدموا وأنّهم سائرون لنحو صفاقس، فاجتمع أهل البلد قاطبة خاصّتهم وأهل الحلّ والعقد منهم وعامّتهم وقائد البلد يومئذ القائد أبو الثّنا محمود إبن المرحوم القائد / بكّار الجلّولي - أعان الله الجميع على طاعته ووفّق الكلّ لصالح القول والعمل وحماهم من الخلاف والزّلل - فاتّفق الكلّ على كلمة واحدة وعصمهم من التّنازع ولو في شيء يسير ممّا يوجب الفشل، فأحضروا أوّلا أمين المهندسين رئيس البناء أبا عبد الله أسطى محمّد إبن المرحوم أسطى طاهر المنيف، وكانوا ابتدأوا إسقالة في مقابلة مرسى المراكب ليمنعوا مراكب العدوّ من القرب للبلد ولم تكمل، فأحضروا جميع ما تحتاجه الإسقالة ممّا يتوقّف عليه القتال، وبات النّاس على ساق الجدّ فما أصبحوا إلاّ وقد أحكموا الإسقالة غاية الإحكام وأحضروا بها ما يتوقّف عليه القتال من مدافع وكور وبارود وعيّنوا بها من يصلح للرّمي، وكذا فعلوا ببرج النّار وهو البرج الذي في ركن البلد الشرقي الجنوبي (٦٤) وكذا ببرج الربض (٦٥) - وهو أمام البرج المتقدّم - وبباب البحر وبالحصار وبكلّ مكان فيه نكاية للعدوّ، ونصبوا خياما على الإسقالة وساحل البلد من شرقها وغربها وعمّروها بحملة القرآن، وتنافس النّاس في

стр. 834

الإسقالة لأنّها جاءت في نحر العدوّ وهو متوجّه إليها بالقصد أكثر من غيرها، وعيّن لكلّ مكان من يقوم به من رماة (٦٦) وحرّاس وقرّاء وغير ذلك، ورتّب أهل الخير رجالا لحمل الماء لشرب النّاس ليلا ونهارا، وكثرت صدقات (٦٧) أهل الفضل، وواسى الغني الفقير، ورتّب أهل الفضل / بالإسقالة الطّعام لمن يبيت من الغرباء بالإسقالة وغيرها، وصارت الأرض كأنّها مسجد من مساجد الله ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (٦٨)، فلا تسمع بها إلاّ تلاوة لكتاب الله، أو صلاة على رسول الله ﷺ أو تهليلا أو تكبيرا برفع صوت ونشاط وحزم، إظهارا لعزّة الإسلام وإرهابا لأهل الكفر والضّلال، وإذا جنّ الليل (٦٩) ترك النّاس خيامهم (٧٠) فيذهب أهل الجانب الشرقي لأهل الجانب الغربي، وأهل الجانب الغربي لأهل الجانب الشرقي زيادة في الحرس وإيقاظا وتنشيطا، فمنهم الرّاكب ومنهم الرّاجل، ولا نوم لأحد بطول الليل، بل رباط مستمرّ ليلا ونهارا، فانتظم أمر النّاس والتأم شملهم طلبا لرضاء الله وإظهارا لكلمة الله العليا، وقمعا لكلمة الذين كفروا السفلى، فانتظر الكفّار سكون البحر والرّيح، فلمّا أحسّوا بذلك شرعوا في الحرب، فأنشؤوا أنشولات إثني عشر، وهي مراكب واسعة قصيرة الجوانب، ملؤوها بالرّجال وآلات الحرب من المدافع والبونبات ومهاريسها، ولهم مراكب يسمّونها هويات معدّة لرمي البونبة، فركّبوا مدافعهم ومهاريسهم وما يحتاجونه، وشرعوا في الحرب أوّل يوم من الزّوال إلى الغروب، فوقع الرمي من المسلمين والكافرين فصار الجوّ ليلا مظلما من الدّخان، فلا يسمع إلاّ صوت القوارع والصواعق / على وجه الأرض وفي جوّ السّماء، فكثر الرّمي من الجانبين وعجز النّاس عن الإحصاء لأنّه يخرج مع الوجه (٧١) الواحد عدة وجوه من الجانبين دفعة واحدة لتعدّد أماكن الرّمي من الجانبين، وكلّما فرغ وجه عمّر غيره (٧٢) من غير فتور لأنّ على كل مدفع جماعة، فالبعض للمسح والبعض للتّبريد، والبعض للجرّ،

стр. 835

والبعض للوزن لتعيين موضع الرّمي، والبعض لوضع النّار وغير ذلك، فما يفرغ المدفع إلاّ وداروا به كلّ من له عمل إستقبله، فأظهر الكفّار غاية طاقتهم ومجهودهم ظنّا أنّ ذلك يجديهم نفعا وحسبوا أنّهم يرهبون المسلمين بذلك، فخيّب الله أمل الكفر وكذّب ظنّهم، فما ازداد المؤمنون إلاّ نشاطا وجدّا واجتهادا، وأنزل الله عليهم النّصر وأفرغ عليهم الصّبر، وجعل المسلمون يتلقّون ما يرميه الكفّار من الكور فيلتقطه الأطفال والمتجالات ويجعلونه في المدافع ويرمون به الكفّار، فسقط عندهم (٧٣) البعض من ذلك، فسقط في أيديهم ورأوا أنّهم قد ضلّوا فكان ما يرمونه وبالا عليهم، وكلّما رموا بونبة وسقطت صحيحة (٧٤) أخذها المسلمون وأفرغوا ما فيها من البارود، وصار المسلمون يرتقبون ما يسقط صحيحا يغتنمونه. والحاصل لمّا حاربوهم أوّل يوم ورأوا حربهم إستخفّوا بهم واستهانوا (٧٥) أمرهم، فمات من الكفّار شيء كثير، وعطب منهم شيء كثير، ولم يقتل في هذا اليوم / من المسلمين إلاّ ثلاثة: أبو عبد الله محمّد الشّهيد إبن الشّهيد المجاهد في سبيل الله حمّودة السّلاّمي، كان ممّن سبّل نفسه على الجهاد في سبيل الله، إنكسر عليه مدفع حديد في برج الرّبض، والثّاني أبو عبد الله محمّد بن (٧٦) أحمد بن حسين مساعد أصابته كورة في جوفه بالإسقالة فاستشهد من ساعته، وضرب إثنان كلّ واحد بكورة في فخذه ورفع حيّا، ثمّ استشهد بعد أيام أبو العباس أحمد بن عبد اللطيف المصمودي، كان مارّا بالإسقالة فأصابته الكورة، وأبو عبد الله محمّد بن حمّودة القرمازي، أصابته كورة في برج النّار، وأمّا بعد ذلك فما أصاب أحد من المسلمين شيء إلاّ محمّد الجلباني (٧٧) أصابته كورة في برج الربض برأسه فاستشهد من ساعته، ولم يوجب قتل من قتل فزعا ولا رعبا بل استبشر المسلمون بذلك، وتلقوا أهلهم بالتّهنئة بنيل درجة الشّهادة، وسارعوا لدفنهم وحملوهم على أعناقهم بل فوق رؤوسهم متبرّكين بحملهم - رحمة الله عليهم واحشرنا يا ربّنا معهم في زمرة الشّهداء والصّالحين -. ولمّا رأى الكفّار الذين نزلوا في الأنشولات ما حلّ بهم من المسلمين، وكلّما حاولوا القرب من المسلمين نزل عليهم عذاب الدّنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ (٧٨) وضرب رئيسهم (٧٩) الذي يدبّر أمرهم في وجهه، وزال بغضه وانقطعت أطماع الكفّار، وعظم

стр. 836

فيهم الرّعب والخوف / فبات المسلمون على مصافّهم منتظرين للقتال، فلمّا أصبح الصّبح أمر كبراء الكفّار رجال الأنشولات بالنّزول إليها ليقربوا من المسلمين بعض قرب فامتنعوا من ذلك وتنازعوا وقال كبراؤهم: أما اكتريناكم لهذا الأمر؟ فقالوا لهم: نحن ما حسبنا أن نلقى من صفاقس هذا الحرب، بل حسبنا أنّا من أوّل وهلة نرميهم فيفروا وننزل البلاد، وها نحن بطلت حيلتنا وضعفت قوانا، ومات أكثرنا، وتعطّب البعض منّا ولم نحصل على طائل، فقالوا لهم: أما ترون المسلمين ثابتين على دينهم يقاتلون؟ قالوا: المسلمون متحصّنون ونحن في أجفان ملقاة على وجه المّاء، فإن رميناهم لم يصبهم رمينا وإذا رمونا أصابونا، ما لنا بهذا القتال طاقة، فرفقوا بهم ووعدوهم أوعادا خدعوهم بها وزادوهم في العطاء كلّ ذلك خوفا من الفضيحة لا سيّما ومراكب بعض أصناف الكفّار المعاهدين حاضرون يعاينون، فأيس الكفّار من الظّفر بشيء من المسلمين، فجعلوا يتجلّدون ويظهرون التّشجّع بشيء لا يجديهم إلاّ خسارة الدّنيا والدّين وفضيحة العاقبة، وكان عاقبة أمرهم خسرا. فصبر الكفّار عدّة أيّام حتّى أصلحوا ما انثلم من سفنهم وبرئ جرحاهم وأرسلوا مركبا لمالطة لتجديد زادهم من الماء والطعام إذ لا طمع لهم في النّزول لبرّ الإسلام لأنّ الأرض مشحونة بالمسلمين من كلّ ناحية، فلمّا سكن الرّيح وهدأ (٨٠) الجوّ عادوا لإفسادهم ولكن برمي ظاهر الضعف والفشل / فأظهر المسلمون القوّة والنجدة، ولو كان للمسلمين سفن تضاهي سفنهم ما أمهلوهم لحظة واحدة ولعاجلوهم بالأخذ، ثمّ إنهم فرّقوا أنشولاتهم على جهات شتّى ليشغلوا المسلمين، فساق المسلمون لهم مدافع في مقابلة ما تفرّق منها، ومنعوهم ممّا أرادوا فلم يمهلوهم يقربون من البلد، وجعلت الخيول تجول حول البلاد وعلى ساحل البحر من جميع الجهات. واتّفق في بعض الأيّام أن قدم بعض صنادل (٨١) من قرقنة (٨٢) فتلقّاهم النّصارى طمعا في أخذهم، فتسارع المسلمون لإنقاذهم بالخيل والرّجال في ساحل البحر، فحماهم الله تعالى ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾ (٨٣) فلامهم

стр. 837

كبراؤهم على أخذ الصنادل وهم في وسط البحر والمسلمون في البرّ، فقالوا لهم: رأينا خيولهم تركض في وسط الماء، وذلك لما ألقى الله في قلوبهم من الرّعب وهيبة المسلمين، ولمّا أيسوا من فائدة تعود عليهم من (٨٤) الأنشولات رجعوا لضرب البونبة من سفنهم الكبار بالليل، فعاجلهم المسلمون برمي المدافع فأفشلوهم وصار رميهم هدرا لوقوع أكثر ما يرمونه خارج البلد، وربما أصاب سور البلد شيء لا يضر، فيسارع النّاس إلى إصلاحه في أقرب من ردّ الطّرف (٨٥) فحمى الله سور المسلمين من أن يناله ما يؤذيه. ولمّا أعيتهم الحيل والمسلمون لا يزدادون كلّ يوم إلاّ قوّة ونشاطا قال كبيرهم - لعنه الله - لرؤساء البونبة: إن أصبتم مأذنة المسلمين (٨٦) أو ناظورهم (٨٧) فلكم منّي كذا وكذا، وبذل لهم / مالا جزيلا في ذلك، فبذلوا جهدهم في ذلك ولم يحصلوا على طائل، فانقطعت آمالهم ولم ينالوا من المسلمين قلامة ظفر إلاّ صندل سمك تركه صاحبه بعيدا عن البلد لعدم إهتمامه به، وقيل إنّه طلع بالليل يتصيّد به خفية من النّصارى والمسلمين لأنّ المسلمين منعوا اصطياد السّمك خوفا أن ينال الكفّار منهم أحدا بسوء، فلمّا طلع الصندل ليلا أبصره الكفرة فنزلوا ليأخذوه، فلمّا أحسّ بهم نزل في الماء وجعل يسبح حتّى خلص، وأخذ الكفّار الصّندل، ولمّا رجعوا به لكبرائهم رأوا أن لا فائدة فيه، فرجعوا لمركب النّصارى المهادنين وقالوا لهم: أبلغوا المسلمين إن أحبّوا نرد عليهم صندلهم، فأجابهم المسلمون بأنّا ما تركناه في المكان الذي وجدتموه به إلاّ لعدم الحاجة إليه ونحن في غنية عن ألف منه ولنا منه كثير، وأمّا أنتم فقد صارت في وجوهكم فضيحة خسرتم أموالكم ورجالكم وترجعون لبلادكم بأسطولكم (٨٨) خائبين خاسرين من غير نتيجة، فهذه نتيجتكم أنّكم وجدتم صندل سمك لا قيمة له مهملا أخذتموه بهذا الأسطول (٨٩) وشجعانه فلا بدّ أن تصحبوه وتزخرفوه ليعظم صيتكم بهذه الغنيمة التي عجز عن مثلها أساطيل (٩٠) السّلاطين، أفّ لكم من قوم سفهاء لا عقل لكم ولا همّة.

стр. 838

ولمّا كانت ليلة النّصف من رجب عادوا لفسادهم ليلا، فلمّا بلغ رميهم قريبا من تسعين بونبة إنكسرت (٩١) عليهم واحدة فقتلت رؤساء عملهم وعطّبت / منهم جماعة فبطل عملهم، وأصبحوا مسافرين فردّهم الله خائبين خاسرين لم ينالوا إلاّ خسارة الدّنيا والدّين. فكان مدّة مقامهم على البلد شهرين (٩٢). ومن أغرب ما اتفق في هذه الواقعة أنّه قدم قبلها بمدّة يسيرة رجل من بلاد السّوس إسمه] الحاج محمّد السّوسي، وكان من العبّاد المتجرّدين وجاور بالحرم الشريف زمنا طويلا، فحضر هذه المواطن كلّها، وإنّه ملازم للإسقالة مدّة مقامه ليلا ونهارا، ويوم فرّق الكفّار أناشيلهم أخذ بيده سيفا وأشار بيده كالضّارب لأعناقهم مرّتين أو ثلاثا، ثمّ ناولني ذلك السّيف وأمرني بفعل ذلك مثل ما فعل هو فخرجوا ولم يرجعوا في الأنشولات حتّى سافروا، ولعلّ إشارته (٩٣) كانت لموت من انكسرت عليهم البونبة، ثمّ أخذه (٩٤) مرض حتّى خشينا عليه الموت، ثمّ تداركه الله باللّطف والعافية، ومدّة مرضه لم يقع من الكفّار حرب، فلمّا صحّ ورجعت له عافية حاربوا في الليلة التي انكسرت عليهم البونبة، فحضر تلك الليلة بعافية وسلامة، ولمّا سافر الكفّار سافر هو في ذلك اليوم، فسألناه عن ذلك فقال: لا بقي لي هنا مقام لأني البارحة رأيت سيّدنا عبد الله بن جعفر - رضي الله تعالى عنهما - إبن عمّ رسول الله ﷺ ومعه جماعة من المسلمين راكبين خيولهم، فقلت: ما شأنكم راكبين؟ قالوا: قد فرغ الجهاد من هذه البلاد فلا بقاء لنا هاهنا، فأنا الآخر فلا بقاء لي هنا، فسافر بعد ما أوصى بكثرة زيارة الإسقالة وعدم الغفلة / عنها وقراءة الفاتحة فيها لأنّه موضع إجتمع (٩٥) فيه أولياء الله، وبعد زمان قدم زائرا فمنع اليهود من الدّخول إليها وقال: هذا موضع الجهاد وتلاوة القرآن واجتماع الصّالحين لا يدخله اليهود. ولمّا سافر الكفّار نزل رئيس مركب من الفرنسيس ومعه واحد من البلنسيان أسلم وأخبر بجميع ما حل بالبلنسيان من الموت والعطب وشدّة البلاء وجميع ما أصابهم وما وقع

стр. 839

عليهم من أوّل الأمر، وأكثر ما يزيدهم قهرا أنّكم تحاربونهم وترقصون وتلعبون وتستبشرون وأنتم غير مكترثين بحربهم ولا سيما يوم سفرهم فإن المسلمين (٩٦) اتبعوه بالرمي بالكور، وخرج الكفّار وهم مذمومون مدحورون، والمسلمون في فرح وبشرى أن ﴿رَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ (٩٧). ولمّا دخلوا مالطة جعلوا يضحكون عليهم ويستهزؤون بهم وقالوا لهم: أين الغنائم والسّبايا التي كنتم توعدون؟ ولمّا انصرف الكفّار فكّر المسلمون في شأنهم وقالوا: ربّما استعدّوا بأقوى من هذا ورجعوا، فالأولى بنا أن نستعدّ للقائهم وأن نتّخذ (٩٨) أنشولات مثل ما عندهم، ونركب لهم فيها لمقاتلتهم، ونقمع بها أنشولاتهم ونقطع نكايتهم، فأمر السّلطان سيدي حمودة باشا - دام علاه ونصره الله - بإنشاء أربع أنشولات فهيؤوهم للقتال وأرسل الباشا علي القرمانلي (٩٩)، وفّقه الله لصلاح الدّارين عدّة مدافع إعانة للمسلمين، وكذا أرسل مهاريس لرمي البونبة، فازداد البلد / قوّة وعدة والمسلمون نشاطا وتأنّسوا بالحرب، وحصلت لهم جرأة قوية على العدوّ. وفي سنة أربع ومائتين وألف يوم رابع شوّال (١٠٠) قدم من البلنسيان عدّة مراكب للقتال في البحر، وأرسوا على قدر عشرين ميلا من البلد، وقصدوا قطع طريق المسلمين فركب لهم المسلمون في عدّة سفن تليق بحربهم، فوقع بين الفريقين حرب شديد، وكان يوما مشهودا حتّى ذهل فيه كلّ فريق عن الآخر، ومات من كل مركب من مراكب النّصارى وتعطّب منهم شيء كثير، واستشهد من المسلمين أربعون وجرح ما يقرب من ذلك. ولمّا اشتغل كل فريق بما أصابهم وعجزوا عن أخذ عدوهم، رجع المسلمون بما نالوا من أجر الجهاد وشهادة من استشهد، وانصرف الكفّار بما نالوا من عذاب الدّنيا، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ (١٠١).

стр. 840

وأنشد الأريب الأديب الشّيخ أبو إسحاق الحاج الأبر إبراهيم الخرّاط أبقى الله مهجته وأحسن عاقبته في هذه الواقعة ما كتب على ضريح الحاج الأبر أبي (١٠٢) الثّناء محمود بن عمر، أحد الشهداء يومئذ - رحمه الله تعالى - هذه الأبيات: [مجزوء الرّجز] هذا الضّريح المشتهر ... فيه الشّهيد ابن عمر محمود البرّ الذي ... طاف وحجّ واعتمر ومات في معترك الك ... فّار من غير مفر وأربعون جاهدوا ... معه فماتوا عن أثر يا ربّنا انفعنا بهم ... بجاه سيّد البشر تاريخه في رابع ... من قرن ثالث عشر وفي عشرين من محرّم سنة خمس ومائتين وألف (١٠٣) قدم أربع مراكب من أكبر ما يكون للبلنسيان وأربع غلايط / وأرسوا على البلد (١٠٤)، فاستعدّ النّاس لقتالهم وعمّروا الأناشيل الأربعة بالرّجال وآلات الحرب، وقبل إرسائهم قدم مركب من إسكندرية من جنس الفرنسيس فذهبوا إليهم وسألوهم عن سبب قدومهم فقالوا: فقدنا مركبين منّا أخذهما (١٠٥) المسلمون فقلنا: أخذوهم أهل هذه البلد لأنّ لهم سفنا يأخذون بها محاربيهم (١٠٦)، ونحن لهم حرب فلعلّهم أخذوا المركبين فقالوا: لعلّ غيرهم أخذهما (١٠٧)، أمّا هذه الغنائم التي عندهم فمن صنف غيركم، فلمّا نزل الفرنسيسيون أخبروا المسلمين بخبرهم، فلم يطمئن النّاس لقولهم وباتوا مرابطين، فما أصبح الصّبح إلاّ وقد أقلعوا منصرفين ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ (١٠٨). ولمّا أعيت الكفرة الحيل ولم يقفوا على طائل من محاربة المسلمين بل وقعوا في

стр. 841

مهاوي التلف وخسارة الدّارين، وضيّعوا أموالهم، وقتلت رجالهم، وتشتّت آراؤهم، وتلفت أحوالهم، وغنم منهم المسلمون غنائم عظيمة، نكسوا على رؤوسهم وأعدّوا عدّة مراكب وقدموا لتونس طالبين الصّلح (١٠٩) فاشترط عليهم السّلطان - نصره الله - بذل جميع ثمن المركبين وأموالا غيرها (١١٠)، فبذلوا جميع ما أحبّ (١١١) ودخلوا في ربقة العهد والذّمّة طوعا أو كرها كغيرهم من أصناف الكفر من إعطاء كلّ سنة ما اشترط عليهم، والله تعالى ينصر مولانا السّلطان وعساكر الإسلام ويحمي الجميع من طوارق الحدثان، وألزم الكفرة الذلّة والهوان بجاه نبيّنا محمّد - عليه / أفضل الصّلاة وأزكى السّلام - (١١٢).

стр. 842

الباب الرّابع في ذكر بعض أهل الخير والصّلاح من العلماء والأولياء المتقدّمين بصفاقس ووطنها مفهوم الولي والكرامة: إعلم أوّلا أنّ الله - جلّ ثناؤه - أرسل المرسلين رحمة للعالمين ولئلاّ يكون للنّاس على الله حجّة، فيرسل بعد كلّ فترة رسولا يوقظ الخلق من سنة الغفلة (١) ويسوقهم لما خلقهم لأجله من نيل كراماته (٢) في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ثمّ ختم الرّسالة بخيرة خلقه محمّد ﷺ فجعل شرّ كلّ مائة (٣) في آخرها فيضعف حملة الدّين إمّا بموت أو ظلم أو جور أو غير ذلك، وجعل على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها من العلماء والأولياء، فكانوا ورثة نبيهم (٤) فلذا كانوا كأنبياء بني إسرائيل (٥). قال أبو عبد الله المغربي (٦): «تقع في كلّ مائة سنة فترة، وتموت العلماء والحكماء ثمّ يبعث الله في هذه الأمّة على عدد الأنبياء قوما يذكّرون الخلق (٧) ويردّونهم إلى الحقّ، فهم أنباء الزّمان»، ذكره في معالم الإيمان (٨) في ترجمة أبي عبد الله المغربي، فلهذا تعرّضنا لذكر شيء من العلماء والصّالحين ممّن حمل هذا الدّين في هذه البلاد (٩)، ولكلّ بلاد حملة، وقد قال ﷺ : «يحمل هذا الدّين من كلّ خلف عدوّ له ينفون عنه تحريف الغالبين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فأشار ﵊ إلى حملة هذا الدّين بصفتهم، فمن وجدت فيه العلامة فهو منهم.

стр. 843

ولمّا كان ذكر الأولياء (١٠) مستلزما / لذكر شيء من كراماتهم، دعت الضّرورة إلى ذكر مقدّمة مشتملة على بيان حقيقة الكرامة وجوازها وما قال النّاس في ذلك ليكون الواقف على ذكر شيء منها على بصيرة من أمره، فلا يسيء الأدب مع أولياء الله وإلاّ وقع في العطب من بعض الأولياء سيما من يعاصره، (وقد قيل) (١١) إعتقد ولا تنتقد (١٢) فمن إعتقد سلم، ومن إنتقد ندم. فنقول في حدّها: هي أمر خارق للعادة يظهر على يد الولي مقرون بالطّاعة والعرفان بلا دعوى (١٣) نبوة، فخرج بقيد خرق العادة العاديات ولو قلّ وقوعها كالخسوفات، وبقيد الإقتران بالطّاعة والعرفان السّحر والكهانة لأنّهما كفر، والشعوذة لأنّها امّا من قبيل السّحر فهو كافر، أو غيره شبيه به فهو فسق (١٤) والإستدراج لعدم الطّاعة وبلا دعوى (١٣) نبوة المعجزة فإنها مقرونة بدعوى (١٣) النبوة وتكون الدّلالة على صدق الولي وفضله، أو لقوّة يقين صاحبها أو غيره، وحكمها الجواز والوقوع

стр. 844

عند أهل السنة ولو بقصد الولي على الأصحّ، وإن كان الغالب خلافه، ومن جنس المعجزات من الخوارق على الصّواب لشمول القدرة الإلاهية، لأنّ وجود الممكنات مستند إلى قدرته تعالى الشّاملة لكلّها فلا يمتنع شيء منها على قدرته تعالى ولا يجب. ولا ريب أنّ الكرامة أثر ممكن إذ لا يلزم على فرض وقوعه محال لذاته، فهي جائزة وواقعة حسبما نطق به القرآن والحديث النبوي. أمّا القرآن فكقصّة أصحاب الكهف حيث / أقاموا فيه ثلاثمائة سنة وأزيد نياما أحياء بلا آفة ولا غذاء وليسوا بأنبياء بإجماع الفرق، وكقصّة مريم ﵍ حملت بلا ذكر، ووجد عندها زكرياء رزقا بلا سبب، وتساقط عليها الرّطب من نخلة يابسة بلا موجب، وكقصّة آصف (١٥) حيث أحضر عرش بلقيس من مسافة بعيدة (١٦) في طرفة عين، وليست كرامة مريم معجزة لزكرياء، ولا إرهاصا (١٧) لعيسى ﵉ لأنّ المعجزة لا بدّ أن تكون مقصودة مقرونة بدعوى النبوّة تحقيقا ليدل على صدق مدّعي الرّسالة، ولا كذلك قصّة مريم إذ زكرياء لا علم له بها ولا بسببها فلذا سأل وإلاّ لما سأل بقوله: ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ (١٨)، ولو كانت إرهاصا لما علمت (١٩) مريم من أين حصل ذلك لها، ولا أجابت بقولها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (٢٠)، وأيضا فإن الخوارق إنّما سيقت في الآيات لتعظيم حال مريم، ولا ذكر فيها لزكرياء ولا لعيسى بالقصد، وليست قصّة آصف معجزة لسليمان إذ لم تقع على يده بل على يد آصف، نعم قيل إن المراد بالذي عنده علم من الكتاب هو سليمان ﵇ فلا دليل حينئذ في الآية. وأمّا المنّة (٢١) فلحديث جريج الرّاهب الذي كلّمه الصّبي في المهد، حيث قال له: يا غلام من أبوك؟ فقال: الرّاعي الذي زنى بأمّه ممّا هو مذكور في الصّحيحين (٢٢)

стр. 845

وكحديث الثّلاثة (٢٣) الذين دخلوا لغار في جبل فوقعت (٢٤) على فم الغار صخرة فانطبق عليهم، وذكر كل واحد منهم ما أنعم الله عليه به من طاعته، وتوسّل إلى الله بذلك، فانفرجت عنهم / وأنكرها المعتزلة والحليمي (٢٥) بصيغة الكبر من الكرامية أتباع محمّد بن كرام (٢٦) وهم محجوجون بما سبق من أدلّة العقل والنّقل ولا تظهر على يد الفسقة الفجرة باتّفاق القائلين بثبوتها فلا تقع إلاّ على يد الأتقياء البررة التّابعين للرّسل، وبذلك فارقت السّحر الواقع على (يد الكفرة كاليهود، والكهانة الواقعة على يد المتنبّي كمسيلمة، والإبتلاء الواقع على [يد] مدّعي الألوهية كالدّجّال (٢٧) لكفرهم) (٢٨) وكذا الشّعبذة إذ المتّقي يتنزّه عن فعلها، وكذا المعجزة إذ الرّسول مستقلّ بأمره، وإن أمر بشرع من قبله فهو متّبع لما أمر به لا للرسول الذي كلف بشرعه بخلاف الولي فإنه منقاد للرّسول. وقول القاضي أبي بكر الباقلاني (٢٩): يجوز ظهور الخارق على يد الفاسق إستدراجا وعلى يد الرهبان وأهل الصّوامع مع أنّهم مقيمون على الكفر، فقال إمام الحرمين (٣٠): هذه ليست كرامة، فإن الخارق أعمّ، نعم تظهر الكرامة على يد غير التّقي فتخرجه من الضّلال إلى الهدى والتّقوى، وتسمّى إعانة كما تسمى كرامة، كأهل الكهف حيث أنقذهم الله من ملّة آبائهم إلى الهدى والإيمان.
следующие страницы →