← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مهاوي التلف وخسارة الدّارين، وضيّعوا أموالهم، وقتلت رجالهم، وتشتّت آراؤهم، وتلفت أحوالهم، وغنم منهم المسلمون غنائم عظيمة، نكسوا على رؤوسهم وأعدّوا عدّة مراكب وقدموا لتونس طالبين الصّلح (١٠٩) فاشترط عليهم السّلطان - نصره الله - بذل جميع ثمن المركبين وأموالا غيرها (١١٠)، فبذلوا جميع ما أحبّ (١١١) ودخلوا في ربقة العهد والذّمّة طوعا أو كرها كغيرهم من أصناف الكفر من إعطاء كلّ سنة ما اشترط عليهم، والله تعالى ينصر مولانا السّلطان وعساكر الإسلام ويحمي الجميع من طوارق الحدثان، وألزم الكفرة الذلّة والهوان بجاه نبيّنا محمّد - عليه / أفضل الصّلاة وأزكى السّلام - (١١٢).

стр. 842

الباب الرّابع في ذكر بعض أهل الخير والصّلاح من العلماء والأولياء المتقدّمين بصفاقس ووطنها مفهوم الولي والكرامة: إعلم أوّلا أنّ الله - جلّ ثناؤه - أرسل المرسلين رحمة للعالمين ولئلاّ يكون للنّاس على الله حجّة، فيرسل بعد كلّ فترة رسولا يوقظ الخلق من سنة الغفلة (١) ويسوقهم لما خلقهم لأجله من نيل كراماته (٢) في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ثمّ ختم الرّسالة بخيرة خلقه محمّد ﷺ فجعل شرّ كلّ مائة (٣) في آخرها فيضعف حملة الدّين إمّا بموت أو ظلم أو جور أو غير ذلك، وجعل على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها من العلماء والأولياء، فكانوا ورثة نبيهم (٤) فلذا كانوا كأنبياء بني إسرائيل (٥). قال أبو عبد الله المغربي (٦): «تقع في كلّ مائة سنة فترة، وتموت العلماء والحكماء ثمّ يبعث الله في هذه الأمّة على عدد الأنبياء قوما يذكّرون الخلق (٧) ويردّونهم إلى الحقّ، فهم أنباء الزّمان»، ذكره في معالم الإيمان (٨) في ترجمة أبي عبد الله المغربي، فلهذا تعرّضنا لذكر شيء من العلماء والصّالحين ممّن حمل هذا الدّين في هذه البلاد (٩)، ولكلّ بلاد حملة، وقد قال ﷺ : «يحمل هذا الدّين من كلّ خلف عدوّ له ينفون عنه تحريف الغالبين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فأشار ﵊ إلى حملة هذا الدّين بصفتهم، فمن وجدت فيه العلامة فهو منهم.

стр. 843

ولمّا كان ذكر الأولياء (١٠) مستلزما / لذكر شيء من كراماتهم، دعت الضّرورة إلى ذكر مقدّمة مشتملة على بيان حقيقة الكرامة وجوازها وما قال النّاس في ذلك ليكون الواقف على ذكر شيء منها على بصيرة من أمره، فلا يسيء الأدب مع أولياء الله وإلاّ وقع في العطب من بعض الأولياء سيما من يعاصره، (وقد قيل) (١١) إعتقد ولا تنتقد (١٢) فمن إعتقد سلم، ومن إنتقد ندم. فنقول في حدّها: هي أمر خارق للعادة يظهر على يد الولي مقرون بالطّاعة والعرفان بلا دعوى (١٣) نبوة، فخرج بقيد خرق العادة العاديات ولو قلّ وقوعها كالخسوفات، وبقيد الإقتران بالطّاعة والعرفان السّحر والكهانة لأنّهما كفر، والشعوذة لأنّها امّا من قبيل السّحر فهو كافر، أو غيره شبيه به فهو فسق (١٤) والإستدراج لعدم الطّاعة وبلا دعوى (١٣) نبوة المعجزة فإنها مقرونة بدعوى (١٣) النبوة وتكون الدّلالة على صدق الولي وفضله، أو لقوّة يقين صاحبها أو غيره، وحكمها الجواز والوقوع

стр. 844

عند أهل السنة ولو بقصد الولي على الأصحّ، وإن كان الغالب خلافه، ومن جنس المعجزات من الخوارق على الصّواب لشمول القدرة الإلاهية، لأنّ وجود الممكنات مستند إلى قدرته تعالى الشّاملة لكلّها فلا يمتنع شيء منها على قدرته تعالى ولا يجب. ولا ريب أنّ الكرامة أثر ممكن إذ لا يلزم على فرض وقوعه محال لذاته، فهي جائزة وواقعة حسبما نطق به القرآن والحديث النبوي. أمّا القرآن فكقصّة أصحاب الكهف حيث / أقاموا فيه ثلاثمائة سنة وأزيد نياما أحياء بلا آفة ولا غذاء وليسوا بأنبياء بإجماع الفرق، وكقصّة مريم ﵍ حملت بلا ذكر، ووجد عندها زكرياء رزقا بلا سبب، وتساقط عليها الرّطب من نخلة يابسة بلا موجب، وكقصّة آصف (١٥) حيث أحضر عرش بلقيس من مسافة بعيدة (١٦) في طرفة عين، وليست كرامة مريم معجزة لزكرياء، ولا إرهاصا (١٧) لعيسى ﵉ لأنّ المعجزة لا بدّ أن تكون مقصودة مقرونة بدعوى النبوّة تحقيقا ليدل على صدق مدّعي الرّسالة، ولا كذلك قصّة مريم إذ زكرياء لا علم له بها ولا بسببها فلذا سأل وإلاّ لما سأل بقوله: ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ (١٨)، ولو كانت إرهاصا لما علمت (١٩) مريم من أين حصل ذلك لها، ولا أجابت بقولها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (٢٠)، وأيضا فإن الخوارق إنّما سيقت في الآيات لتعظيم حال مريم، ولا ذكر فيها لزكرياء ولا لعيسى بالقصد، وليست قصّة آصف معجزة لسليمان إذ لم تقع على يده بل على يد آصف، نعم قيل إن المراد بالذي عنده علم من الكتاب هو سليمان ﵇ فلا دليل حينئذ في الآية. وأمّا المنّة (٢١) فلحديث جريج الرّاهب الذي كلّمه الصّبي في المهد، حيث قال له: يا غلام من أبوك؟ فقال: الرّاعي الذي زنى بأمّه ممّا هو مذكور في الصّحيحين (٢٢)

стр. 845

وكحديث الثّلاثة (٢٣) الذين دخلوا لغار في جبل فوقعت (٢٤) على فم الغار صخرة فانطبق عليهم، وذكر كل واحد منهم ما أنعم الله عليه به من طاعته، وتوسّل إلى الله بذلك، فانفرجت عنهم / وأنكرها المعتزلة والحليمي (٢٥) بصيغة الكبر من الكرامية أتباع محمّد بن كرام (٢٦) وهم محجوجون بما سبق من أدلّة العقل والنّقل ولا تظهر على يد الفسقة الفجرة باتّفاق القائلين بثبوتها فلا تقع إلاّ على يد الأتقياء البررة التّابعين للرّسل، وبذلك فارقت السّحر الواقع على (يد الكفرة كاليهود، والكهانة الواقعة على يد المتنبّي كمسيلمة، والإبتلاء الواقع على [يد] مدّعي الألوهية كالدّجّال (٢٧) لكفرهم) (٢٨) وكذا الشّعبذة إذ المتّقي يتنزّه عن فعلها، وكذا المعجزة إذ الرّسول مستقلّ بأمره، وإن أمر بشرع من قبله فهو متّبع لما أمر به لا للرسول الذي كلف بشرعه بخلاف الولي فإنه منقاد للرّسول. وقول القاضي أبي بكر الباقلاني (٢٩): يجوز ظهور الخارق على يد الفاسق إستدراجا وعلى يد الرهبان وأهل الصّوامع مع أنّهم مقيمون على الكفر، فقال إمام الحرمين (٣٠): هذه ليست كرامة، فإن الخارق أعمّ، نعم تظهر الكرامة على يد غير التّقي فتخرجه من الضّلال إلى الهدى والتّقوى، وتسمّى إعانة كما تسمى كرامة، كأهل الكهف حيث أنقذهم الله من ملّة آبائهم إلى الهدى والإيمان.

стр. 846

ولا تشتبه المعجزة بالكرامة في أعصارنا هذه إذ لا نبي بعد نبيّنا ﵊ ومن أظهر خارقا مدّعيا للرّسالة قطعنا بكفره وسمّينا ما وقع على يده كهانة كمسيلمة الكذّاب وإن لم يدّع رسالة فهو إمّا سحر أو كهانة أو إستدراج على ما مرّ. وقد ظهرت الكرامة على يد الخيرة / من هذه الأمّة: فمنها ما ظهر على يد الصّدّيق - رضي الله تعالى عنه - من إخباره في مرض موته بمولود يولد له انثى، وتكثير الطعام القليل فأكل هو وأضيافه من قصعة صغيرة حتى شبعوا وصار ما فيها أكثر ممّا قبله. ومنها ما ظهر على يد عمر - رضي الله تعالى عنه - من مخاطبته - وهو على منبر الرّسول - لسارية أمير جيشه وهو بنهاوند بقوله: يا سارية، الجبل، تحذيرا له ولمن معه من كمين المشركين في الجبل، فسمع سارية وجيشه صوته فحذروا (٣١) ونجوا، وجرى النّيل بكتابه لمّا كانت عادة أهل مصر أن يلقوا فيه أوان الزيادة بكرا، ونهاهم عن ذلك فوقف ولم يزد حتى أشفوا على الجلاء، فكتب للنّيل كتابا فيه: إن كنت تجري من قبلك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بأمر الله فنسأله تعالى ذلك، وألقى فيه الكتاب فزاد فورا، وكذا ضربه الأرض بدرته، بكسر الدال، عصاة، لما ارتجّت (٣٢) وقال: قرّي (٣٣)، ألم أعدل عليك؟ فقرّت وسكنت؛ وكذا حبسه للنار التي كانت تخرج من الجبل فتحرق ما أصابت فخرجت في زمنه فأمر أبا موسى (٣٤) أو تميما (٣٥) فجعل يسوقها بردائه حتى دخلت الكهف فلم تعد بعد ذلك، وكذا ردّه لطائفة من الجيش مرة بعد أخرى لما عرضوا عليه، فتبين بعد موته أن منهم قاتل عثمان - رضي الله تعالى عنه -. ومنها قول عثمان - رضي الله تعالى عنه - لرجل لقي إمرأة في الطّريق فقابلها بشهوة: أيدخل عليّ أحدكم وفي عينيه أثر الزّنا؟. ومنها قول إبن عمر لأسد / قطع الطّريق على قافلة هو فيها: تنحّ، فبصبص بذنبه وذهب.

стр. 847

ومنها مشي العلا الحضرمي على الماء هو وجيشه لما كان في غزوة وحال بينه وبين مقصده البحر، وكذا دعاؤه أن لا يرى أحد جسده إذا مات فلم يجدوه في اللّحد. ومنها مشي جعفر إبن أبي طالب في الهواء (٣٦). ومنها تسبيح القصعة بما فيها بين يدي سلمان وأبي الدرداء. ومنها سماع عمران بن حصين تسبيح الملائكة إلى أن إكتوى. ومنها شرب خالد بن الوليد السّمّ فلم يضرّه. ومنها إضاءة السّوط كالمصباح بين يدي أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر لمّا خرجوا من عند المصطفى ﷺ في ليلة مظلمة. ومنها إيتان العنب لحبيب بن عدي وهو أسير عند مشركي مكّة فيأكل منه وليس بمكّة إذ ذاك عنبة واحدة. ومنها عروض الأسد لسفينة مولى رسول الله ﷺ فقال له: أنا مولى رسول الله فمشى حتّى أوصله قصده. ومنها إبرار قسم البراء بن عازب حالا إذ أقسم على الله. ومنها عمي أروى بدعاء سعيد بن يزيد عليه بذلك لمّا كذب عليه. ومنها طلب الأسود العبسي أبا مسلم الخولاني لمّا ادعى النبؤة فقال: أتشهد (٣٧) أنّي رسول الله؟ فقال: لا، فقال: أتشهد (٣٧) أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلّي وقد صارت عليه بردا وسلاما، فكان عمر بن الخطاب يقول: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى رأيت من أمّة محمد ﷺ / من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل ﵇. ومنها أخذ عامر بن عبد قيس عطاءه في كمه فلا يجد سائلا إلاّ أعطاه بلا عدد، فلمّا رجع إلى بيته وجد الدّراهم كلّها كاملة العدد، إلى غير ذلك ممّا لا حصر له ولا حدّ. واستمرّت الكرامة وهي وإن ظهرت على يد غير الصّحابة ولم تظهر على يد بعض الصّحابة لا تقتضي أفضلية غيرهم عليهم إذ المزية لا تقتضي أفضلية. قال الإمام أحمد ابن حنبل - رضي الله تعالى عنه - إنما كانت الكرامات بعد زمن الصّحابة لأنّ قوة إيمان

стр. 848

الصّحابة لا يحتاج معها إلى الكرامة، ولأنّ الزمن الأول كان كثير النور فلو (٣٨) حصلت لم تظهر كلّ الظهور لاضمحلالها في نور النبوّة بخلاف من بعدهم، ألا يرى أنّ القنديل لا يظهر نوره في القناديل بخلافه في الظلام، والنّجوم لا يظهر لها نور مع نور الشّمس. قال الشّيخ عبد الرؤوف المناوي في طبقاته: قال السّبكي: إنّي لأعجب كلّ العجب من منكر الكرامة، وأخشى عليه المقت، ويزداد تعجّبي من نسبة إنكارها إلى الأستاذ الأسفرائيني (٣٩) وهو من أساطين السّنّة والجماعة على أنّ نسبة إنكارها إليه على الإطلاق كذب، والذي ذكره الرّجل في كتبه أنّها لا تبلغ مبلغ خرق العادة، وقال: كلّما كان معجزة لنبيء لا يجوز مثله كرامة لولي، وإنما غاية الكرامة إجابة دعوة أو شربة ماء في مفازة أو كسرة في منقطعة وما يضاهي ذلك، وجرى على نحوه القشيري فقال: إن الكرامة لا تنتهي إلى وجود إبن بغير أب، وقلب جماد بهيمة، لكنّ الجمهور على الإطلاق / وقد أنكروا التفصيل على قائله حتّى ولده أبو نصر في الرّشد، وإمام الحرمين في الإرشاد، وقال: إنه مذهب متروك، وبالغ النووي فقال: إنه غلط وإنكار للحسّ، وإن الصّواب (٤٠) وقوعها بقلب الأعيان ونحوه. وقد عدّ بعض الأئمة الأنواع الواقعة من الكرامات عشرين، وهي أكثر بكثير. النّوع الأوّل: إحياء الموتى وهو أعلاها، فمن ذلك أنّ أبي عبيد البسري غزا (٤١) ومعه دابّة فماتت، فسأل الله تعالى أن يحييها حتى يرجع إلى بلده، فقامت تنفض أذنيها، فلمّا بلغ بلده سقطت ميّتة. ومنها أنّ مفرجا الدماميني الصّعيدي أحضر له فراخ مشويّة، فقال لها: طيري بإذن الله تعالى فطارت. وكان للشّيخ الأهدل هرّة فضربها خادمه فماتت فرماها فسأله الشّيخ عنها بعد ثلاثة أيّام، فقال: لا أدري، فناداها فجاءت تجري. ووضع الكيلاني يده على عظام دجاجة أكلها وقال: قومي بإذن الله الذي يحيي العظام، فقامت.

стр. 849

ومات لتلميذ أبي يوسف الدّهماني ولد فجزع عليه، فقال الشّيخ: قم بإذن الله فقام وعاش طويلا، وسقط من سطح القاري (٤٢) طفل فمات فدعا الله فأحياه. النّوع الثّاني: كلام الموتى وهو أكثر مما قبله بكثير، ووقع ذلك للجيلاني ولجماعة أخرى منهم بعض مشايخ السّبكي، وقال: كان جدّنا يخاطب الإمام الشّافعي فيكلّمه من قبره. النّوع الثّالث: إنفلاق البحر وجفافه والمشي عليه، وذلك كثير، وممّن وقع له ذلك إبن دقيق العيد. الرّابع إنقلاب الأعيان: ومنه ما نقل عن المختار / اليمني أنّه أرسل إليه بعض المستهزئين بإنائين من خمر فصبّ من أحدهما عسلا ومن الآخر سمنا وأطعم الحاضرين. الخامس: إنطواء (٤٣) الأرض لهم، حكوا أنّ بعضهم كان بجامع طرسوس فاشتاق إلى زيارة الحرم فأدخل رأسه في جيبه ثمّ أدخلها في الحرم. والقدر المشترك في هذا بالغ مبلغ التواثر، ولا ينكره إلاّ مباهت (٤٤). السّادس: كلام الحيوان والجماد، ولا شك في كثرته، ومنه أنّ إبن أدهم قعد تحت شجرة رمّان، فقالت: يا أبا إسحاق أكرمني بأكلك منّي فأكل منها، وكان رمّانها حامضا فحلى، وحملت في العام مرتين، وسمّيت رمّانة العابدين. وأراد الشبلي أن يأكل من شجرة فلمّا مدّ يده قالت: لا تأكل منّي فأنا اليهودي. وجاء العمدلي (٤٥) رجلان يختصمان في بقرة، وكان قاضيا بالصّعيد، فأقام كلّ منهما بيّنة أنّها له، فقالت له: أنا لفلان. قال ومن ذلك أنّ جدنا (٤٦) الشرف المناوي زار الشرف الأنصاري وجلس معه بمنطرة (٤٧) بيته ببولاق فشكى إليه كثرة زرق (٤٨) الطّيور على الكتب والفرش، فرفع رأسه إليها وقال: يا أيّها الطّيور لا تحوموا حول هذا الحمى إلاّ بخير، فلم تعد بعد ذلك.

стр. 850

السّابع: إبراء العليل كما روي أنّ الجيلاني قال لصبّي مقعد مفلوج أعمى: قم بإذن الله تعالى، فقام لا عاهة به. الثّامن: طاعة الحيوان لهم، كما حكي أنّ اليمني وغيره كان يركب الأسد، بل وطاعة الجماد كما في قول إبن عبد السّلام في واقعة الافرنج: يا ريح خذيهم، فأخذتهم. التّاسع والعاشر والحادي عشر: طي الزّمان ونشره وإجابة الدّعاء وذلك كثير. الثاني عشر: / إخبارهم (٤٩) ببعض المغيّبات والكشف وهو درجات تخرج عن حدّ الحصر، وذلك موجود الآن بكثرة (٥٠) ولا يعارضه قوله تعالى ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٥١) لأنّا لا نسلّم عموم الغيب فيجوز أن يخص بحال القيامة بقرينة السّياق. الثّالث عشر: الصّبر على عدم الطّعام والشّراب الأمد الطّويل وهو كثير مشاهد. الرّابع عشر: مقام التّصريف وهو كثير في كلّ زمن ولا ينكره إلاّ المعاند. الخامس عشر: القدرة على تناول الكثير من الطّعام كما نقل عن الشّيخ دمرداش أنّ بعض الامراء عمل له وليمة ودعاه وجماعته، فتوجّه إليه وحده فتشوّش لعدم حضور الفقراء وقال: من يأكل الطّعام؟ فمدّ السّماط فأكله الشّيخ كلّه. السادس عشر: الحفظ عن الحرام أن يدخل الجوف كما حكي عن الحارث المحاسبي أنّه كان إذا أحضر له طعام فيه شبهة تحرّك فيه عرق، وكان المرسي (٥٢) يتحرّك منه كلّ عرق. السّابع عشر: رؤية الأماكن البعيدة من وراء الحجاب، فمن ذلك أنّ الشّيخ أبا إسحاق الشيرازي (٥٣) كان يشاهد الكعبة وهو ببغداد. الثّامن عشر: الهيبة التي لبعضهم بحيث مات من شاهده عند رؤيته كما وقع لأبي يزيد البسطامي مع بعض الفقراء، ووقع للشّيخ أحمد البدوي وغيره. التّاسع عشر: قصم الله من يريدهم بشر، كما وقع لبعضهم أنّه زاحم رجلا

стр. 851

فضربه على وجهه فطارت يده مع الضربة فأبصره رجل فشدّد النّكير عليه وقال له: كف كف إنّ هذا لشيء عظيم، فقال: والله ما أردته / وإنما ربّ الجثّة غار عليها. العشرون: التّطور بأطوار مختلفة وأشكال متباينة ومنه ما وقع لقضيب البان الموصلي أنّ فقيها أنكر عليه لكونه لم يصلّ، فتطوّر له في الفور في صور مختلفة، فقال: في أي صورة من هذه الصّور لم ترني أصلّي. والصّوفية يثبتون عالما متوسّطا بين عالم الأجسام والأرواح يسمّونه عالم المثال (٥٤) واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ (٥٥). ووقع أن بعض العلماء رأى فقيرا يتوضّأ في المدرسة الصّوفية وضوءا مشوّشا غير مرتّب فقال: حرام عليك، فقال: لم أتوضّأ إلاّ مرتّبا وإنما أنت أعمى لو أبصرت لأبصرت هكذا، وأخذ بيده فأراه الكعبة والطّائفين وهو بمصر. قال في روض الرّياحين (٥٦): وقد سمعت سماعا محقّقا أنّ جماعة شوهدت الكعبة تطوف بهم طوافا محقّقا قال: ورأيت من شاهد ذلك من الثّقات (٥٧) بل من السّادة العلماء وقال: قال بعض الكاملين: إظهار الكرامة وإخفاؤها على حسب النّظر لأصلها وفرعها، فمن عبّر عن بساط إحسانه أصمتته الإساءة مع ربّه، ومن عبّر عن بساط إحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء، وقد صحّ إظهار الكرامة من قوم، وثبت العمل في إخفائها عن آخرين كالمرسي في الإظهار وابن أبي جمرة في الإخفاء، حتّى قال بعض أتباع إبن أبي جمرة: إن طريقهما مختلف فبلغه، فقال: والله ما اختلفت طريقتنا قطّ لكنه بسطه بالعلم وقبضني بالتّورّع، وقال بعضهم: من النّاس من يغلب / عليه الفناء بالله فيظهر الكرامات وينطلق لسانه بالدعاوي من غير احتشام ولا توقّف، فيدّعي بحقّ عن حقّ لحق في حقّ، كالكيلاني وأبي يعزى وعامة متأخري الشّاذلية، ومنهم من يغلب عليه الفقر إلى الله تعالى فيكلّ لسانه ويقف مع جانب الورع، ومنهم من تختلف أحواله فتارة وتارة، وهو أكمل الكمال لأنّه حال المصطفى ﷺ لأنّه أطعم النّاس على صاع وشدّ الحجر على بطنه، ثمّ قال: قال في روض الرّياحين: النّاس في الكرامة أقسام:

стр. 852

منهم من ينكرها مطلقا وهم أهل مذهب معروفون، وعن الهدى والتّقى (٥٨) مصروفون، ومنهم من يصدّق بكرامة من مضى دون أهل زمنه، وهم كبني إسرائيل صدقوا بموسى حين لم يروه، وكذّبوا محمدا حين رأوه مع كونه أعظم، ومنهم من يصدّق بالأولياء في زمنه لكنّه لم يصدّق بأحد معيّن وهذا محروم من الإمداد لأنّ من لم يسلم لأحد مؤمن (٥٩) لا ينتفع بأحد أبدا. ثمّ إن ظهور الكرامة لا يدلّ على أفضلية صاحبها بل على فضله، وقد يكون غيره أفضل منه، فالأفضلية إنّما هي بقوة الإيقان وكمال العرفان، ولهذا قال سيّد الطائفة الجنيد: مشى (٦٠) رجال على الماء ومات بالعطش أفضل منهم. ولمّا كانت رتبة النبيء أعلى وأرفع من الولي، كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبيء على وجه الإعجاز والتحدي أدبا معه، وقال السّبكي: معاذ الله أن يتحدّى نبيء بكرامة ظهرت على يد ولي، بل لا بدّ أن يأتي النبيء / بما لا يوقعه على يد الولي، وإن جاز وقوعه، فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا اهـ. قال الشّيخ إبن عربي: الشّيخ أبو السّعود إبن شبل أعلى مقاما من شيخه عبد القادر الجيلاني لإعراضه عن التّصرف الذي يفعله الشّيخ عبد القادر، وقال عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام: من أدل دليل على القوم (٦١) قعدوا على أساس الشّريعة، وقعد غيرهم على الرّسوم ما يقع على أيديهم من الخوارق، ولا يقع شيء منها من فقيه إلاّ أن سلك طريقهم. وقال الشّاذلي (٦٢): لا يعطى الكرامة من طلبها ولا من حدث بها نفسه، وقال: إبتلى الله هذه الطّائفة بالخلق سيّما أهل الجدال، فلما ينشرح صدر واحد منهم للتصديق بولي معين من معاصريه يقول: نعم إنّ لله أولياء لكن أين هم؟ وقال: لكلّ ولي ستر أو ستور، فمنهم من ستره بالأسباب، ومنهم من ستره بظهور العزّة والسطوة والقهر على حسب ما يتجلى الحقّ لقلبه، فيقول النّاس: ما هذا بولي وهو في هذه النّفس، وذلك أنّ الحق إذا تجلى في قلب عبد بصفة القهر أو بصفة الإنتقام كان

стр. 853

منتقما، أو بصفة الرّحمة والشّفقة كان رحيما شفيقا وهكذا!. وقال المرسي: ربّما دخل في طريق الرّجل بعد وفاته أكثر ممّا دخل في حياته، فما دام بين أظهر النّاس لا يلقون إليه بالا، وقال أيضا: طريقتنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي، وهو أوّل الأقطاب / وقال: إنّما يلزم الرّجل تعيين مشايخه إذا كان طريقه ليس الخرقة لأنّها رواية، والرّواية يتعيّن رجال سندها، وطريقتنا هداية، وقد يجذب الله العبد فلا يجعل عليه منّة للأستاذ، وقد يجمع شمله برسوله فيكون آخذا عنه وكفى بذلك منّة، وقال: والله ما كان إثنان من أهل هذا العلم في زمن واحد قط إلاّ واحد بعد واحد إلى الحسن بن علي، وقال: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه ولم يشاركونا فيما نحن فيه، وقال: إذا ضاق الولي (٦٣) هلك من يؤذيه حالا وإن اتّسع الحمل أذى الثقلّين، وقال: لحم الولي سمّ فإيّاك وإيّاه، وكان بخط المقسم من القاهرة، وكلّ ليلة يأتي إسكندرية فيسمع ميعاد الشاذلي ثمّ يرجع للقاهرة من ليلته. وذكر الشّيخ المناوي في ترجمة قضيب البان: إنّ أبا النجا المغربي خرج من بلده يريد المشرق ومعه أربعون وليّا، فكان يستوعب ما في كل بلد من الرّجال حتى وصل الموصل، فسأله قضيب البان عن كلّ رجل لقيه، فذكر رجالا وقضيب البان يقول: وزنه ربع رجل، ونصف رجل، وهذا وازن، وهذا كامل، وهذا وان ملأ صيته ما بين الخافقين لا يساوي عند الله جناح بعوضة، قال: وسئل عن قضيب البان الشّيخ الجيلاني فقال: هو ولي مقرّب ذو حال مع الله، وقدم صدق عنده، فقالوا: ما نراه يصلي، فقال: إنه يصلّي من حيث لا ترونه، وإني أراه إذا صلّى بالموصل وبغيرها من آفاق الأرض يسجد عند باب الكعبة، ثم قال: قال الشّيخ خليل المالكي / صاحب المختصر المشهور: الولي إذا تحقّق في ولايته تمكّن من التّطور في روحانيته (ويعطى من القدرة التّطور في صور عديدة وليس ذلك بمحال لأنّ المتعدّد هو الصّور الروحانية) (٦٤) قال: وقد اشتهر ذلك عند العارفين، كما حكى عن قضيب البان لما أنكر عليه بعض الفقهاء عدم الصلاة في جماعة، ثمّ إجتمع ذلك الفقيه به فصلّى بحضرته ثمان ركعات في أربع صور، ثم قال له: أي صورة لم تصلّ معكم؟ فقبّل يد الشّيخ وتاب، ثم قال: ولا

стр. 854

مانع من أن يخصّ الله من يشاء من أوليائه بالتّصرف في بدنين أو أكثر، فيكون جسمه الأوّل بحاله ثمّ يتغيّر ويقيم له شبحا آخر وروحه تتصرّف فيهما معا في وقت واحد. واعلم أنّ الأولياء على طبقات ومقامات مختلفة، نقل في سيرة الخميس عن أبي بكر الكناني - قدّس الله سره - أنّ النقباء ثلاثمائة، والنّجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمداء أربعة، والغوث واحد، ثم مسكن النقباء المغرب، ومسكن النّجباء مصر، ومسكن الأبدال الشّام، والأخيار سيّاحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكّة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة إبتهل فيها النّقباء، ثمّ النّجباء، ثمّ الأبدال، ثمّ الأخيار، ثمّ العمد، فإن أجيبوا وإلاّ ابتهل فيها الغوث، فلا تتمّ مسألة حتّى تجاب دعوته اهـ. وزاد بعضهم بعد الأبدال الرجال وهم عشرة، وسمى الأخيار وهم السبعة الأقطاب، ورتبهم هكذا: نجباء فنقباء فأبدال / فرجال فأقطاب فأوتاد فغوث، وفي هذا القدر كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. ولنرجع إلى ذكر ما قصدنا إيراده من ذكر بعض العلماء والصّالحين من صفاقس ووطنها بقدر الإمكان، وهم - رضي الله تعالى عنهم - متفاوتون بحسب الزّمان، فمنهم السّابق واللاّحق، فلنورد ما تيسّر بحسب ترتيبهم في الزّمان. ترجمة أبو خارجة عنبسة: فنقول: أوّلهم من اجتمع بإمامنا مالك - رضي الله تعالى عنه - وأخذ عنه من أهل الوطن، وهو أبو خارجة عنبسة بن خارجة الغافقي (٦٥)، سمع من مالك والثّوري والليث وابن عيينة وإبن وهب والمغيرة المخزومي وغيرهم، وله سماع من مالك فدوّنه كسماع إبن القاسم وأشهب، وكان سحنون يجلّه ويعرف حقّه، وإذا سئل بحضرته أحال عليه، وكان أسنّ من سحنون، وكان ساكنا بحصن من جهة صفاقس غربا منها، ويسمّى ذلك الحصن يونقا - بالياء التّحتّيّة المضمومة بعدها واو ساكنة ثم نون ساكنة فقاف مفتوحة بعدها

стр. 855

ألف - وكانت تسمّى قصر تليدة، بينها وبين صفاقس ثمانية وعشرون ميلا، وخرّب ذلك الحصن (٦٦) اليوم لأنّه استولى عليه البحر، وضريح الشّيخ إلى الآن مشهور مزار، وله كرامات في حياته وبعد مماته، فيحكى عنه عجائب من الأخبار والوصف لما (٦٧) لم يكن، فيكون كذلك مثل ما يحكى بالأندلس عن بقي بن مخلد. ويحكى أنّه وقعت في زمنه شدّة فطلبوا منه الإستسقاء فأمر النّاس بالصّوم والصّلاة وإصلاح (٦٨) ذات البين وخرج / بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات ففرّق بينها وبين أولادها، ووقع البكاء والضّجيج، فأقام على ذلك إلى منتصف النّهار، ثم صلّى وخطب بالنّاس فسقوا، وهذا نظير ما وقع لموسى بن نصير - حسبما مرّ -. وممّا وقع في هذه الأعصار أنّ بعض النّاس كانوا مسافرين في البحر فنزلوا لزيارته، فقال بعضهم: وددنا لو وجدنا من يبيع لنا شاة نتعشّى منها، فنظروا فلم يجدوا أحدا من العرب (٦٩) ولا من غيرهم، فدخلوا ضريح الشّيخ وخرجوا فإذا بصوت شاة فتبعوا صوتها، فإذا بشاة مكتوفة على عادة العرب ينذرون ويضعون (٧٠) نذورهم حذو الشّيخ إذا لم يجدوا زائرا، فأخذوها وأكلوها وعدّوها من كرامات الشّيخ - رحمه الله تعالى ونفعنا به -. وكانت وفاته ﵀ بشهر ربيع سنة عشرين (٧١) ومائتين. وممّن إجتمع بامامنا مالك - رضي الله تعالى عنه - وأخذ عنه إسرائيل بن روح. قال التّجاني (٧٢): وارتحلنا عن الجم ففارقنا بمفارقته أرض حكيم وطرود، ودخلنا في أرض أخوتهم حصن، وكان مسيرنا منذ فارقنا الجم في الزّيتون القديم المتّصل بالمعروف بزيتون السّاحل، قال الرشاطي (٧٣) في كتابه المسمّى «باقتباس الأنوار»: إنما سمّي هذا الموضع بالسّاحل وليس بساحل بحر لكثرة ما فيه من سواد الزّيتون والشّجر والكرم، قال:

стр. 856

وكلّه قرى متّصلة البعض بالبعض، وذكر من المنسوبين إليه من العلماء إسرائيل بن روح السّاحلي وأخبر أنّه لقي مالك / بن أنس وحدّث عنه، قال أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب (٧٤): أخبرنا أبو الفرج أحمد الواعظ قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن زياد قال: حدّثني إسماعيل بن حصن قال: حدّثنا إسرائيل بن روح السّاحلي قال: سألت مالك إبن أنس فقلت له: يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النّساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلاّ في موضع الزّرع؟ أما تسمعون الله يقول: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ (٧٥) قائمة وقاعدة وعلى جنبها ولا تعدوا الفرج، فقلت له: يا أبا عبد الله إنهم يقولون أنك تخبرهم (٧٦) بذلك، فقال: يكذبون عليّ وكرّرها ثلاثا اهـ (٧٧). ترجمة القاضي عيسى بن مسكين: ومن فقهاء وطن صفاقس الشّيخ الإمام العالم العلاّم (٧٨) الهمام القدوة المتقن المتفنن (٧٩) العامل الورع الصالح القاضي سيدي عيسى بن مسكين (٨٠) الإفريقي (٨١)، أصله من العجم، سمع من سحنون وابنه وغيرهما، وبالشّام ومصر، وكان محبّا لسحنون وإبنه ويثني عليهما كثيرا، فقال: سحنون راهب هذه الأمّة، لم يكن بين سحنون ومالك أفقه من سحنون، وقال: خير (٨٢) من رأيت محمد بن سحنون، كان جامعا لخصال من الخير: العلم والورع ومعرفة الأثر، وكثرة الأخبار، والتّفقّد للإخوان، وقال

стр. 857

أيضا: ما رأيت بعد سحنون مثل إبنه، قال في المعالم: قال عيسى بن مسكين القاضي: لمّا وصل كتاب الإمامة (٨٣) الذي ألّفه (٨٤) محمد بن سحنون إلى بغداد كتب بالذهب وأهدي للخليفة اهـ (٨٥). وأخذ عن عيسى ﵀ جماعة / منهم الشّيخ الصّالح سيدي أبو إسحاق الجبنياني - نفعنا الله به - وأبو حفص عمر بن مثنى صاحب الشّيخ أبي إسحاق، قال الشّيخ أبو إسحاق: أهدى عيسى بن مسكين إلى سحنون عسالج خبّيز فقال سحنون: لو علمت لك للقيتك بموضع كذا وكذا، قال: وعلى مزبلة سحنون من الخبّيز كثير لأن فعل سحنون ذلك بعيسى فرحا به ومودة. قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي (٨٦): أخبرني أبو حفص عمر بن مثنى عن أبي الحارث ليث بن محمد بن صفوان عن عيسى بن مسكين عن سحنون أنّه كان إذا رأى إعراض الجاهل عن العلماء يقول: [الوافر] لمنزلة الفقيه من السّفيه ... كمنزلة السّفيه من الفقيه فهذا زاهد في رأي هذا ... وهذا أشدّ زهدا منه فيه (٨٧) إذا غلب الشّقاء على السّفيه ... تقطع من مخالفة الفقيه وممّن (٨٨) أخذ عن عيسى محمّد بن أحمد بن تميم، وكذا أخذ عنه أبو العبّاس أحمد (٨٩) بن تميم بن أبي العرب فإنه لقي عيسى وأخذ حديثه عن أبيه أبي العرب، وممّن أخذ عنه مروان إبن نصر بن حبيب، كما سمع منه أيضا أبو محمّد عبد الله إبن قاسم مسرور التّجيبي المشهور بالحجّام، وحدّث عنه بالإجازة أبو القاسم زياد بن يونس

стр. 858

اليحصبي السّدري (٩٠)، ولي القضاء لإبراهيم إبن الأغلب فاشتهر بالقاضي، وكان كاتبه أيام قضائه محمّد بن الفرج (٩١) بن البنّاء البغدادي الفقيه، قال أبو بكر المالكي (٩٢): أودعه عيسى بن مسكين ودائع ثمّ طرأت شدّة عظيمة، فقيل لعيسى بن مسكين: ذهبت / ودائع النّاس عند إبن البناء قال: ولم (٩٣)؟ قيل: رأيناه يقطع الميتة، فوجّه إليه عيسى في إحضارها فأحضرها فقال له عيسى إبن مسكين: تأكل الميتة وهذه عندك، قال: نعم لأنّ الميتة حلّت لي مع (٩٤) الإضطرار ولم يحل لي أن أخون أمانتي، فقال له: أرجع بها، فقال: والله لا رجعت لي، وامتنع من قبولها. وكان مشهورا بالصّلاح، وعظّمه الصّالحون، بل حتّى الشّيعة يعترفون بفضله. ذكر في معالم الإيمان أنّ المنصور إبن الظّاهر العبيدي لمّا سار إلى السّاحل ومرّ بقرية عيسى بن مسكين (٩٥) القاضي صلّى في مجلسه ركعتين تبرّكا به، وأوصى العامل بحفظ القرية. ولم يزل أهل صفاقس عند القحط يذهبون لضريحه يستسقون به فيسقيهم الله. وكان مولده ليلة الجمعة أوّل رمضان المعظّم قدره بالإنزال من سنة ثلاث عشرة ومائتين (٩٦)، وتوفّي ﵀ سنة خمس وتسعين ومائتين (٩٧)، ودفن بقريته المشهورة به وقبره بها مشهور، وعليه قبّة، وهو على يسار الذّاهب لتونس من صفاقس، بعده من صفاقس يقرب من عشرين ميلا. وممّا يستغرب أنّا لمّا أردنا تحقيق وفاته لم يحضرنا ما نعتمد عليه فسألت عن ذلك الأخ الأكمل ذا (٩٨) الذّهن الثّاقب والفكر الصّائب، من فاق من صغره أهل عصره، فنال من كل فنّ عيونه، ومن كلّ علم فنونه، فشارك في العلوم النّقلية والعقلية والأصلية

стр. 859

والفرعية، الحسيب النسيب، الشريف النجيب العفيف، أبا عبد الله سيدي محمّد حمزة، وفّقنا الله وإيّاه لما يحبّه ويرضاه / فقال لي: كنت منذ عشر سنين رأيت عند رجل يصنع أسفار الكتب حجرا مكتوبا فيه تاريخ وفاة الشّيخ سيدي عيسى بن مسكين، فكان يبسط الأسفار على ذلك الحجر، قال: فنهيته عن ذلك، فلمّا قال لي ذلك طلبت منه البحث عن ذلك، فقال: الرّجل الذي رأيته عنده مات ولكن عليّ بالطّلب وعلى الله الهداية، فذهب وسأل إبن عمّ الرّجل الذي كان عنده فقال: ليس عندنا من آلته شيء، ثمّ إن إبن عمّ المسفّر كان ذاهبا في الطّريق فرأى رجلا بيده حجر مكتوب ولا درى (٩٩) ما فيه فرجع لسيدي محمّد حمزة فأخبره، فقال: وأين الرّجل؟ قال: ذهب، قال: فبينما نحن في الحديث والتّلفّت فإذا بالرّجل جالس بالقرب منهما فسألناه فقال: نعم هو حجر وجدته عند رجل يخصف عليه النّعال، فقلت له: هذا فيه إسم الله لا ينبغي أن يهان، فأخذته منه، فاذهبا معي أعرفكم به، فذهبنا معه فقال: صدق وأنا اشتريته، ولمّا طلبه منّي أعطيته له، ثمّ أمرناه بإحضاره فأحضره، فسألناه عن سبب حمله ذلك اليوم الذي رأيناه في يده، قال: كنت ساكنا في دار فانتقلت منها (١٠٠) منذ شهر (١٠١) وأبقيت بعض مصالحي ومن جملتها هذا الحجر، فسألني من سكن الدّار بعدي نقل ما أبقيته من المصالح فنقلتها، وأخرجت الحجر في ذلك الوقت الذي لقيتني فيه، فأتاني (١٠٢) به، فحمدنا الله تعالى ودعوت له بخير، وعلمنا أنّ هذا الأمر من بركات الشّيخ - رحمه الله تعالى ونفعنا به -.

стр. 860

ترجمة الشّيخ أبي إسحاق الجبنياني ومناقبه: ومن أجل أعيان وطن صفاقس الشّيخ الصّالح الجليل أبو إسحاق إبراهيم (١٠٣) بن أحمد بن علي بن سلم (١٠٤) الجبنياني البكري / من بكر [بن] (١٠٥) وائل من ربيعة، كان أبوه وجدّه (١٠٦) من اهل الخطط ومسجد إبن سالم وربعه بالقيروان مشهور، وكان جدّه علي بن سالم (١٠٤) من أهل العلم ومن أصحاب سحنون بن سعيد - رضي الله تعالى عنه - وهو ولد سحنون من الرّضاعة، أرضعته أمّ محمّد بن سحنون مع محمّد، ثمّ ولاّه سحنون قضاء صفاقس وسائر السّاحل فلم يكن يغمض عليه في أحكامه شيء. فلمّا مات علي بن سالم (١٠٧) ولّى بنو الأغلب أبا العبّاس أحمد والد الشّيخ أبي إسحاق خراج إفريقية فتورّط معهم فيما هم بسبيله. وكان من أهل الأدب والفهم، ثمّ ارتفع شأنه عندهم إلى أن صار في حدّ الوزارة والمشاورة، وكان إذا خرج إلى منازله خرج في عسكر كما يخرج الوزراء، وبين يديه وخلفه النّجائب. وأبو إسحاق في ذلك غلام له معلّمان أحدهما يعلّمه القرآن والآخر يعلّمه العربية والشّعر في رفاهية من العيش. قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي - رحمه الله تعالى - وعليه أعتمد فيما أنقل من أمر هذا الشّيخ: ولقد عرّفني شيخ معمّر يعرفه في تلك الأيام أنّه رأى حوله خمسة عشر صقلبيا موكّلين بحفظه. وسبب انقطاعه عن هذا الحال وزهده أنه كان إذا نزل والده بقرية جبنيانة في أيّام النّزهة (١٠٨)، يقيم بها الشّهر وأكثر منه. وإلى جانب جبنيانة قرية يقال لها طرس أسباط بها شيخ معلم يعرف بابن عاصم وقد شهر بالعبادة والبكاء وإجابة الدعاء، وكان النّاس يتبرّكون بدعائه، وكان قد نفع

стр. 861

الله به خلقا كثيرا منهم علماء / ومتعبّدون، وكان أيّام إقامة أبي العبّاس، والد أبي إسحاق بجبنيانة، يوجّه بأبي إسحاق إليه يعلّمه ويقيم عنده يتعلّم فيتخلّف إليه غدوّا وعشيّا تبرّكا به، يفعل ذلك في كلّ سنة إلى أن بلغ أبو إسحاق الحلم، فدخل قلبه من الخير ممّا يسمع من إبن عاصم وما يعاين من فضله ما أزعجه عما كان فيه، فانخلع من الدّنيا ولبس عباءة وهرب، فطلب فلم يوجد. قال الشّيخ أبو القاسم: عرّفني الشّيخ الجليل أبو الحسن علي بن محمّد الفقيه - يعني القابسي - عن أحمد بن عيشون البكّاء، وكان من خيار أصحاب أبي إسحاق، أن أبا إسحاق وجد بعد مدّة يعجن طينا بمدينة سوسة بأجرة، فقيل [له] إن أباك كثير الإجتهاد في طلبك، فقال: قولوا له: أكنت تظنّ أنّه يخرج من ظهرك من يطلب الحلال؟. ولمّا هرب وقع عند رجل بناحية سوسة، فاستأجر نفسه عنده يرعى (١٠٩) له بقرا، فأتاه يوما بفأس، فقال: إقطع خشبة من هذه الشّجرة، فقال له الشّيخ أبو إسحاق: ليست لك إنّما هي لأخيك، فقال له: صرت له ضدّا، إنما عليك أن تستمع ما آمرك به فتعمله، فقال له الشّيخ: بل عليّ أن أتّقي الله، فانصرف عنه فلحقه، وبذل له أجرته، فقال له الشّيخ: من أين تدفعها إلي، أنت لم تتورع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تريد أن تدفع إلي؟ فذهب ولم يأخذ منه شيئا. (وإذا استأجر نفسه لجمع الزيتون وبذلوا له أجره ردّ لهم بعضه خوفا أن يكون حصل منه تقصير في العمل) (١١٠)، ثمّ وفّقه / الله لطلب العلم، فكان (١١١) لا يسمع بعالم إلاّ أتاه، فسمع منه وكتب عنه، ولا يسمع برجل صالح إلاّ أتاه وانتفع به، وذلك كلّه أيّام بني الأغلب، وأبوه معهم على حالته إلى أن زال بنو الأغلب، وطولب أبوه فيمن طولب، فأخذت أملاكه ومنازله ورباعه، ولم يبق له إلاّ بعض دور بمدينة صفاقس. كلّ ذلك والشّيخ أبو إسحاق هارب من بلد إلى بلد مجدّ في طلب العلم والعبادة والزّهد في الدّنيا. ثمّ حجّ في سنة أربع عشرة وثلاثمائة (١١٢) وانصرف، فكان يبحث عن العلماء

стр. 862

ويتبعهم ويكتب عنهم، وأخذ من عيسى بن مسكين الإجازة (١١٣)، وكتب عن أبي بكر ابن اللباد، وأقام عنده مدّة وكان به معجبا. ومدّة إقامته بالقيروان للسّماع عن إبن اللبّاد كانت عنده جرادق (١١٤) من دقيق شعير يفطر كلّ ليلة على واحدة ويشرب من بئر روطة (١١٥)، فلمّا فرغت جرادقه إنصرف ولم يشتر بالقيروان شيئا (١١٦) ولا يشرب بها إلاّ من بئر روطة. وكان أكثر دراسته بالسّاحل على أبي عبد الله محمّد بن سهلون الفقيه الزّاهد، صاحب أبي عبد الله محمّد بن عبدوس، وانتفع أيضا بصحبة محمّد بن عبد الرّحيم بن علي بن عبد ربّه، وكان من الحفّاظ. وكان كثير الصّحبة لأبي يوسف بن مسلم بن يزيد بن ربيعة، وكان أبو يوسف من أهل العلم والفهم والعبادة والورع، وكان أبو يوسف هذا قد لقي جماعة من أصحاب سحنون، ولقي بمصر أصحاب الحارث بن مسكين، وكتب عنهم، ولقي بمكة / إبن الجارود النيسابوري (١١٧) وإبن المنذر (١١٨) والخزاعي (١١٩) والجندي (١٢٠) والمغربي وغيرهم، وكتب عنهم، وأبو يوسف هذا أخوه مسرّة بن مسلم وهو أكبر منه، وهم أهل بيت وعلم وقرآن وعبادة، محمّد وأبو يوسف وأحمد ويزيد ومسرّة كلهم ممّن سمع العلم وتعبّد، وكان أكثر منفعتهم بابن عاصم الذي إنتفع به أبو إسحاق.

стр. 863

وصحب أبو إسحاق غير هؤلاء فإنه قال: لقد أدركت هذا السّاحل وما منه قرية إلاّ بها رجل من أهل العلم أو من أهل القرآن أو رجل صالح يزار. وعن عيسى بن ثابت قال: يقول أبو إسحاق: انصب شبكتك على هذا البحر، فلا بدّ أن يقع في يدك طائر فاره، يريد أن يقع في يدك رجل ينتفع به لكثرة من كان يرد الحصون من الصّالحين. ولقد كان بقصر زياد المرابط من أصحاب سحنون أربعة عشر رجلا منهم ثابت بن سليمان وهو جليل في أصحاب سحنون. قال يحيى بن عمر (١٢١): إذا رأيت محمّد بن سحنون [يقول] (١٢٢): حدّثني الثّقة عن سحنون، فهو ثابت بن سليمان. وسكن يحيى بن زكرياء الأموي صاحب أبي مصعب (١٢٣) بقصر زياد، وكانوا يسمّون قصر زياد دار مالك لكثرة من كان به من أهل العلم ذلك الزمان، وكان قد سكنه أبو الحارث ليث بن محمّد، وحمدون بن مجاهد، ومحمّد بن الأنباري (١٢٤) نشر مصحفا يقرأ فيه فمات من خشية الله، وسكنه قبلهم عبد الرّحيم الزاهد، وعبد الرّحيم بن علي، وصام بقصر زياد سحنون خمسة عشر رمضانا (١٢٥)، وكان محمّد بن سحنون لا يكاد ينقطع عنه. قال أحمد / بن حبيب (١٢٦) - وكان من أهل العلم - قال لي أبو إسحاق: أتدرس في هذا الوقت العلم؟ قلت: نعم! قال: فتجتمعون للمذاكرة؟ قال: قلت نعم! قال: إنما العلم بالمذاكرة، لقد كنّا نحن نجتمع، ولقد ألقينا المدوّنة في شهر، ندرس النّهار ونلقي بالليل، فما علمت أنّا نمنا في ذلك الشّهر، ثمّ قال لي: أي كتاب في أيديكم تدرسون؟ قلت: العتق الأوّل (١٢٧)، قال: فألقى علي من أوله، وسرد المسائل حتى كأنّ الكتاب

стр. 864

في يده، فإذا ألقى علي مسألة وزاد فيها من غير المدوّنة وقفت ولم أدر ما أجاوبه، فيقول لي: أنت كرجل لا يعرف غير طريقة واحدة، فإذا عرضت له أخرى وقف. وكان أبو إسحاق لا يفتي إلاّ أن يسمع من يتكلّم بما لا يجوز، فيردّ عليه أو يرى من يخطيء في صلاته. قال الشّيخ أبو الحسن القابسي في أوّل سفرة سافر إليه: أوّل ما قربنا من جبنيانة دخل قلبي منه رعب وهيبة عظيمة وقلت لأصحابي: إني خشيت أن يجري على لسان هذا الشّيخ الجليل من أحوالنا ما يظهره الله للنّاس، فوجدناه غائبا، خرج ليصلّي على جنازة في إحدى القرى، قال: فلمّا جاء وقت الصّلاة وأذّن فما هو إلاّ أن وقع أذانه في أذني ما ملكت نفسي حتّى جلست إلى الأرض وسمعت أذانا ما سمعت مثله، ثمّ دخلنا المسجد فلا أسمع أحدا يتكلّم إلاّ أن سلّم سلاما خفيفا، قال: فلما صلّى انصرف فسلمنا عليه، فكان منه إقبال ودعاء. وكان قبل دخولنا جبنيانة تكلّم منّا بعض أصحابنا فقال: أنا رجل من العرب، وقد خطب إلى ابنتي رجلان / من الموالي صالحان، فإن زوجتهما لم يطب على قلبي، وإن رددتهما خشيت أن لا أجد مثلهما، قال: فكان أوّل شيء سمعناه من الشّيخ لمّا أن جلس بعد الصّلاة قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من العرب، وكانت له بنت خطبها إليه رجل من الموالي، فالتمس خلوة من سحنون ليشاوره فلم يجد حتّى خرج إلى السّاحل فأخبره، فقال له [سحنون] زوّج من له دين ومروءة، ولو إنفلقت عنه بعرة، يعني كان غير معروف النّسب، ثمّ حوّل أبو إسحاق وجهه إلى صاحب البنتين فقال: كذا قال سحنون، قال: فقلت له: قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني. قال أبو الحسن: ثمّ سألته أن أذكر له إسمي فمتى ذكرني دعا لي، فقال لي: بل أدعو لك في جماعة المسلمين، فقلت له: بل تخصّني، فقال لي: أرأيت من أودع وديعة فضيّعها، أليس يضمن كما يضمن المتعدي؟ فقلت بلى، قال: فما دعا (١٢٨) الإنسان إلى شيء إن ضيعه صار كالمتعدي قال: فقلت له: فلا عليك أن أعرفك باسمي، فإن نشطت للدعاء لي دعوت وإلاّ تركت، قال: لا. ثمّ أخذ بيدي فرآني كئيبا إذ لم يقبل منّي ما سألته فيه، فقال: ما اسمك؟ فقلت له: علي، فقال لي: أبشر يا علي! أعلى الله قدرك في الدّنيا والآخرة، ثمّ لمّا قرّبت لي دابتي لأركب أخذ بركابي،

стр. 865

وكذلك شأنه أن يأخذ بركاب من فيه علم أو خير. قال أحمد بن عيشون: قال أبو إسحاق يوما بعد صلاة الصّبح: يا أحمد، إني فكرت البارحة فيّ وفيك أن الناس يرون أنّا خير أهل هذه القرية، ونحن شرّها / فقم بنا نبكي على أنفسنا يوما من الدّهر، قال: فخرجنا إلى فحص منقطع نذكر ونبكي النهار كلّه حتّى ذهب بصري فلم يعد لي إلاّ بعد مدّة من الزّمن. قال الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد إذا ذكر أبا إسحاق: طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في هذا الوقت، وكان يعظّمه كثيرا ويقول: لو لم يكن أمر أويس القرني صحيحا فالجبنياني أويس هذه الأمّة، وكان أيضا يقول: لو فاخرنا بنو إسرائيل بعبّادهم لفاخرناهم بالجبنياني. وقال أيضا: من محبّتي فيه وذكري له أراه في المنام، ولقد قوى قلبي لمّا بلغني أنّه يدعو لي، وبلغني أنّه رأى جامع مختصر المدوّنة الذي ألفت فأعجبه. وكان أبو إسحاق يرغب في طلب العلم وصحبة العلماء ويقول: وددت لو أنّي على أبواب العلماء أفترش خدي لطلبة العلم، ويقول للزّوار: أتتركون العلماء وتأتوني! وكان متقلّلا في أكله ولبسه غاية (١٢٩) قال منصور إبن هانيء المعلّم: رأيته يوما مهموما فسلّمت عليه وقلت: ما بالك - أصلحك الله - مغموما؟ فقال: لأنّ المنكر على داري ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١٣٠) قلت له: المنكر؟ قال: أي والله، قلت: ما هو يرحمك الله؟ قال: قشور قرع ملقاة (١٣١) على بابي رماها أهلي، يمشى عليها وفيها قوت، أيموت أحدكم جوعا ويجد قشر قرع يقتات بها؟ فلمّا صلّى جمع تلك القشور فطبخت (١٣٢) لقوته. ويلبس الصّوف من موضع يعرف أهله، فلمّا تغيّرت الأمور صار يلبس من خرق المزابل يجمعها فيغسلها ويبطّن بعضها ببعض / فيجعل شيئا منها في وسطه وشيئا على ظهره ويخيطها بمسلّة من عظم غزال، ويأكل البقل البرّي والجراد إذا وجده، ويطحن الشّعير قوته بيده، ثمّ يعجنه (١٣٣) بنخّالته دقيقا في قدر مع ما يجد من بقل بري أو غيره حتّى إنّه ربّما رمى منه شيئا لكلب أو هرّ فلا يأكله، وربّما عوتب في ذلك، فيقول:

стр. 866

الرّقاد مع الكلاب على المزابل وأكل خبز الشعير بنخّالته كثير لمن يرجو في الآخرة شيئا، وكان قوته من شعير يتولاّه له رجل من إخوانه يحرثه في أرض حلال وبذر حلال وبقر حلال يوجّهه إلى أبي إسحاق شيئا فشيئا، فإذا أصاب فيما زرع أكثر من القوت تصدّق به. وكان يتوطّأ (١٣٤) الرّمل، فإذا كان الشّتاء أخذ قفاف المعاصر الملقاة على المزابل يجعلها تحته. وأعانه الله بأبناء صالحين، كان عنده سبعة من الولد: أبو بكر وأبو الطّاهر وأحمد وأبو عبد الله محمّد وأبو الحسن علي وأبو زيد عبد الرّحمان، وأبو محمّد عبد الله. مات عبد الله (١٣٥) وهو دون الثّلاثين سنة، وكان ﵀ أشدّ من الشّيخ إجتهادا في العبادة، قتله القرآن، كلّما مرّ بآية فيها وعد ووعيد يبكي حتّى أذاب الحزن فؤاده، فمات ﵀، لقّنه والده حتّى مات فأغمضه، ثمّ استرجع على المصيبة ودعا له، ثمّ قال لزوجته أمّ عبد الله، وكانت قريبة من الشّيخ في الفضل والعبادة: إحمدي الله (١٣٦) واشكريه فقد مات عبد الله على الإسلام وحصل في صحيفتك، فإن كان عندك طيب فتطيّبي وتجمّلي لنعم الله، ثمّ قام فتوضّأ / وأخرج مئزرا قديما عنده تجمّل به، وركع، ثمّ جلس للنّاس، وظهر عليه من البشر والفرح ما لم يكن يظهر عليه قبل ذلك. وتوفّي عبد الرّحمان (١٣٧) بعد الشّيخ بثلاث سنين، كان يختم كل ليلة. وكان الشّيخ أبو إسحاق يسرد الصوم ولا يفطر إلاّ في الأيّام التي لا يحلّ صومها (١٣٨) ويختم القرآن في ثلاثة أيام بلياليها لأنّه كان يقرأ ويتدبّر، وإذا دخل في الصّلاة فلو سقط البيت الذي هو فيه ما التفت إليه إقبالا على صلاته واشتغالا بمناجاة الله، وقام سنة في آية ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (١٣٩). وقال أحمد بن عيشون لمّا حججت أتيت معي بحصيّات من حصى المسجد

стр. 867

الحرام فقلت للشّيخ أبي إسحاق الجبنياني: إني أتيت بحصيّات من حصى المسجد الحرام، أتحبّ أن أعطيك منها شيئا تسبّح به؟ فقال لي: إرم بهنّ يا أحمق فعلى أقل من هذا عبدت الحجارة، فبلغ ذلك الشّيخ أبي الحسن القابسي فأعجبه لقول مالك: فيمن يخرج شيئا من حصباء المسجد الحرام في نعليه فإن كان قريبا [منه] ردّه إليه وإن كان بعيدا رماها. وقال الشّيخ أبو إسحاق: لا تعلّموا أولادكم إلاّ عند رجل حسن الدّين، فدين الصبي على دين معلّمه، ولقد عرفت أنّ معلّما كان يخفي القول بخلق القرآن، فلمّا فطن به ضرب فوقف بين يدي صبيان المكتب وقال لصبيانه: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: لا علم لنا، فقال: هو مخلوق، ولا تزولوا عن (١٤٠) هذا القول ولو قتلتم، ثمّ هرب عنهم فبلغني / أنّهم ماتوا كلّهم، وهم يعتقدون هذا القول. وبلغني عن معلّم عفيف رئي وهو حول الكعبة يدعو ويقول: اللهم أيّما غلام علّمته فاجعله من عبادك الصّالحين، فخرج على يديه نحو من سبعين، ما بين عالم ورجل صالح. فكم بين الرّجلين! وقيل (١٤١) للشّيخ لم سكنت جبنيانة؟ قال: رجاء أن يخمل (١٤٢) ذكري فيها لأنّي رأيتها من أقل القرى ذكرا. وكان للشّيخ أخت إسمها عائشة، وهي سوداء، ولدها أبوه من جارية سوداء، فكانت أكبر من الشّيخ أبي إسحاق، وكانت من العابدات الزّاهدات، وكان يعظّم قدرها ويحقر نفسه عندها في العبادة، وكان أبو إسحاق إبن جارية، فكان إذا ازدحم عليه النّاس يقول: كانت أمّي - رحمها الله - خادما ثمنها كذا وكذا، يذكر ثمنا قليلا. وكان الشّيخ أبو إسحاق يؤثر [أبا بكر] (١٤٣) مسرّة في العلم لفضله، ويأمر بالسّماع منه ولده وغيره. جاءه الشّيخ عطية الصفاقسي بموطّأ مالك، فسأل الشّيخ أبا إسحاق أن يسمعها

стр. 868

له، فامتنع منه، وقال: أنا أدلّك على رجل صالح من أهل العلم تسمع منه، فلبس أبو إسحاق نعله وخرج بين يدي الشّيخ عطية، فتبعه حتى انتهى به إلى قرية عظيمة وكان مسرّة يومئذ بها، وهي قرية زوجته، فلمّا دنا أبو إسحاق منها قال: تلك دار الرّجل فاقرئه سلامي، وانصرف راجعا، قال عطية: فدخلت على أبي بكر مسرّة، فسلّمت عليه، وأقرأته سلام أبي إسحاق وأخبرته بما قال لي، فخرج مسرّة ليدركه ففاته / لأنّه كان إذا مشى أسرع حتّى لا يكاد يدرك إلاّ بالجري. وكان أبو بكر مسرّة يجلّ أبا إسحاق ويعرف قدره أيضا فكان إذا ذكر أبا إسحاق بعد موته بكى بكاء شديدا ويقول: كان والله مقدّما علينا في صغره وكبره، مع أنّ أبا بكر مسرّة لم يترك من إجتهاده في العبادة، وكان من البكّائين على أنفسهم حتّى تستقرّ (١٤٤) الدّموع في موضع سجوده ويسقط من قيامه فيتهشّم وجهه، واجتمعا بقرية لبيدة (١٤٥) للصّلاة على جنازة سليمان بن يزيد بن أخي مسرّة، وكان صالحا، فقدم مسرة أبا إسحاق للصّلاة مع أنّ مسرّة وليّ الجنازة، فلمّا فرغا من الدّفن جرى بينهما حديث ودعاء ثمّ افترقا على دعاء، وتوادعا وتصافحا، فما اجتمعا بعدها حتّى مات أبو إسحاق، فأقام بعده مسرّة ثلاث سنين - رحمة الله عليهما -. وقال أحد أولاد أبي إسحاق: ضاق بنا الحال فلم نجد قوتا، وكنت جمعت سمارا وعملت منه مصلية (١٤٦) بعتها بنصف درهم ثمّ عرضته عليه، فقال: حتّى أسأل أبا عبد الله بن سهلون، وبين صفاقس وابن سهلون نحو من يوم، فتوجّه إليه فسأله، قال: ولطف الله بنا من بعده في شيء أكلناه، فرجع من عند إبن سهلون، وكشف عن الأرض التي جمع منها السمار، فوجدها غير طيّبة، فتصدّق بنصف الدّرهم، وكان إذا فرغ قوته يقول: [البسيط] مالي بلاد ولا استطرفت من نشب ... ولا أؤمّل غير الله من أحد إنّ القنوع بفضل الله يمنعني ... من التّعرض للمنّانة النّكد / إني لأكرم وجهي أن أعرّضه ... عند السّؤال لغير الواحد الصّمد

стр. 869

وإذا هدأت العيون في جوف الليل يقول: [الوافر] إلى كم أنت في بحر الخطايا ... تبارز من يراك ولا تراه وسمتك سمت ذي ورع وزهد ... وفعلك فعل متّبع هواه أيا من بات مرتكب المعاصي ... وعين الله شاهدة تراه أتطمع أن تنال العفو ممن ... عصيت وأنت لم تبلغ رضاه فتب قبل الممات وقبل يوم ... يلاقي العبد ما كسبت يداه وكان بمرسى أنشلة شيخ يختلف إلى المنستير في كلّ عام، فإذا رجع مرّ بالجبنياني فيقول له: أخوك أبو الحسن الكانشى يقرئك السّلام، فيقول له أبو إسحاق: أنت في ثغر فأولى بك سدّ ثغرك، فلا تدعه وتمشي إلى المنستير، قال: فأتاه مرّة فقال له مثل ذلك، فقال له الرّجل: قد عرفت بما قلت لي أبا الحسن، فقال: قل لأبي إسحاق: انتهاني عن ذلك وأنت تعرف أنّ المنستير باب من أبواب الجنّة؟ فقال أبو إسحاق: قل له: يا أبا الحسن قد جاء في الخبر أن ما بين مصراعي باب الجنّة كما بين المشرق والمغرب (١٤٧)، فنحن إن شاء الله تعالى بين مصراعي الباب، ليس المنستير وحدها مخصوصة بذلك. ومن خاصة إخوانه الذين يزورهم سيدي مروان، وهو الشّيخ الصّالح، كان يسكن بشريانة (١٤٨) إلى جانب سوق بدرنة، وكان مشتهرا بالعبادة فهلكت له إبنة، فصلّى عليها الشّيخ أبو إسحاق، فانصرف كلّ من بالسّوق إلى الصّلاة خلفه، وكان معه كبار الموضع وغيرهم (١٤٩) / ممّن على السّنّة (١٥٠)، فرفع الأمر إلى السلطان معد، واشتهرت عنده (١٥١) المسألة، وقيل [له] (١٥٢) إنه مطاع (١٥٣)، فأمر بالبريد فخرجت لتأتي به،

стр. 870

فسمع وزراؤه بذلك، فأتوا حفاة مشاة يقولون: إنّا تحت (١٥٤) الهلاك ما ظنّك برجل مجاب الدعوة، منقطع عن الدّنيا وأهلها؟ فوجّه بردّ البريد، ثمّ أرسل شيخا من كتامة معه سبعة في زي نسّاك ليحبسوا اخوانه (١٥٥)، فنزلوا في زي زوّار عند الشّيخ عيشون بن يزيد، وكان من الفضلاء، القوّام الصوّام ويطعم الطعام. فاختفى الشّيخ الكتامي في المسجد خلف حصير كان في مؤخّره، فلمّا جاء الشّيخ أبو إسحاق أذّن بالمغرب وأقام وصلّى، فخرج الكتامي من وراء الحصير فقال للشّيخ: يا منافق على مولاي ألا تؤذّن حيّ على خير العمل ولا (١٥٦) تقرأ باسم الله الرّحمان الرّحيم، ولا تسلّم على النّاحيتين، ما لمولانا عدوّ مثلك، فدعا عليه وقال: اللهم اجعله آية للعالمين، فطارت عيناه، فما خرج إلاّ بقائد وهو يقول: الموت الموت مع هذا الشّيخ، لا تقربوه، فانصرف هو وأصحابه إلى معد فارتاع وقال لوزرائه: ألم تروا كيف بدر منه فينا بادر! ووقف عليه رجل فقال للشّيخ: عندي دعاء إبراهيم ﵇ الذي دعا به حين ألقي في النّار، ودعاء يونس ﵇ حين التقمه الحوت، فقال له الشّيخ: إذا كنت تدعو بدعاء الأنبياء وتفعل فعل الفراعنة فمن تخادع؟ وكان رجل بالسّاحل يقال له نصير / صاحب خبر السّلطان، وكان مارقا معلنا، فمرّ بالشّيخ وهو يؤذّن، وهو راكب على فرس، فقال للشّيخ: يا منافق كم تضل النّاس وتصدّهم عن دعوة مولانا، فلمّا قضى الشّيخ أذانه قال له: أذلّك الله يا فاسق عاجلا على يدي من اعتززت به، فبعث السّلطان إليه بعد ثلاث في أمر نقم (١٥٧) عليه، فضرب خمسمائة سوط وصلب حيّا، (فكان بعد ذلك يقول: دواء مجرّب، من أحبّ أن يضرب خمسمائة [سوط] (١٥٨) ويصلب حيّا فليسبّ (١٥٩) الجبنياني) (١٦٠). ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الشّيخ عيسى بن ثابت.

стр. 871

قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي (١٦١): بتّ ليلة عنده فسمعته وقد طلع إلى فراشه وهو يبكي، وزوجته تعذله (١٦٢) وتقول له: تبكي تصلّي، وتبكي تمشي (١٦٣) وتبكي في فراشك أيضا، فقال لها: ولم لا أبكي؟ والله لا بكى أحد على ذنوبي غيري أبدا، ثمّ غلبته العبرة، فترك النّوم وأحيى ليلته. وكان مجاب الدّعوة، واجتمع بالشّيخ [أبي] محمّد بن أبي زيد فجرى (١٦٤) بينهما بكاء شديد وذكر، فلمّا أراد فراقه قال له عيسى: أحبّ أن أكتب إسمي في البساط الذي تحتك، فإذا رأيته دعوت لي، فبكى أبو محمّد وقال: قال الله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١٦٥) فهذه دعوتي لك، فأين عمل صالح يرفعه؟ وكذا إجتمع بأبي الحسن القابسي، فتذاكرا وبكيا حتّى سقط كلّ واحد منهما على ظهره، فما اجتمعا بعدها. وجعل (١٦٦) على نفسه بعد موت أبي إسحاق / أن لا يمرّ بناحية جبنيانة وما قاربها إلاّ زار قبره (١٦٧)، قال: فزرته يوم الجمعة فدعوت له، ثمّ عرض لي أمر يوم السّبت فمررت بالموضع فلم أزره وقلت: بالأمس كنت عنده، قال: فنمت فرأيته في المنام، فقال لي: يا أبا موسى: ما أقلّ الوفاء، تمرّ قريبا من قبري فلا تقف عليه، وتقول قد زرته بالأمس! فلم يترك زيارته حتّى مات. وكان الشّيخ عيسى هذا ﵀ كثير قيام الليل ولا ينام إلاّ قليلا، وربّما غلبته الخشية، فسقط على (١٦٨) الأرض على وجهه من قيامه للصلاة فيخدش وجهه. وكان أكثر أصحاب الشّيخ أبي إسحاق فضلاء أجلاّء. فمن أصحابه أبو جعفر أحمد بن عيشون البكّاء، كان بكى حتّى ذهبت أشفار عينيه واتخذ الدّمع في خدّيه أخدودا، وكان كثيرا ما يسكن بقصر زياد، فيسكن في بيت في جوف المسجد، فيغلق

стр. 872

باب المسجد وباب البيت إرادة أن لا يسمع قراءته أحد، وكان حزين القراءة إذا قرأ ترك أهل الأحزاب أحزابهم وبكوا لبكائه، حتّى تصير كأنّها مناحة. ومن خيار الشّيخ أبي إسحاق عيشون بن يزيد، وأبو بكر بن داوود، كان عيشون كثير التلاوة والخشية وإطعام الطّعام وإحياء الليل والنّاس نيام، مجاب الدّعوة. قال عيشون ﵀ خرج زيان الصقلي من المهدية ومعه ثلاثمائة فارس حتى وصل جبنيانة، وافترقت خيله في تلك المنازل حولها، وجاء إلى مسجد الشّيخ وأمرهم أن يفرشوا له في ظله فنام في صحن المسجد، فذبحنا له ولرجاله / أرخة (١٦٩) وغنما، ثمّ دخلنا على الشّيخ وقلنا له: هذا الظّالم في مسجدك، فقال: أظننتم أنّي أترك الصلاة في المسجد؟ فلمّا كان وقت الصّلاة خرج، وكان يبتدئ الأذان من باب داره، فلا يصل إلى المسجد حتّى يتمّ الأذان، فكان كلّ من يسمع الأذان تدخل قلبه خشية عظيمة، فلمّا سمع زيّان أذانه جلس متّكئا على يديه، فلمّا فرغ الشّيخ أذانه دخل المسجد، فركع ثمّ جاء إلى زيان فجعل يديه على كتفي زيان وقال له: يا ظالم يا غلام الظالم، توضّأ وصلّ، فقال زيّان: نعم! ودخل أبو إسحاق المسجد، فأمرهم زيان أن يشدوا له على دابته، وركب بلا عمامة ولا خف ولا سراويل، وقال لخيله: والله لا أقام واحد منكم في هذا المنزل، فقال له رجاله: نفعل بهذا ونصنع، فقال لهم: اسكتوا فو الله لولا أنّه رفع يديه عن كتفي ما غرقت إلاّ في الأرض، وكان زيان طويلا سمينا. قال الشّيخ أبو القاسم (١٧٠): دخلت على الشّيخ عيشون قبل موته بأيّام يسيرة، وهو مريض، وحبل معلّق من السّقف عند رأسه، فسألت إبنه إبراهيم عن الحبل، فقال: يتعلّق به بالليل ويصلّي. وكان قلّما ينزع ثوبه للنوم ولا ينام إلا مغلوبا. وكان يكثر من قول: لا يأتي بالخير إلاّ الله، لا يذهب السّوء إلاّ الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، لا يكاد يزول ذلك من لسانه. قالت زوجته: ما نام معي على فراش قط، فإذا كان منه ما يكون من الرّجال مع نسائهم إغتسل وأحيى ليلته.

стр. 873

ولمّا أيقن بالموت / قال: أخرجوني إلى المكان الذي أجيبت فيه دعوتي أدعو فيه، وذكر أنّ النّاس كانوا يأتمنونه فأودعوه حليا ومتاعا فعمل اللصوص على قصره فأتوا بالشّموع والسلالم وطلعوا ففتحوا باب القصر فخلصوا ما في القصر، ولمّا نزلوا قطعوا علي صلاتي وقالوا: هات ما كان عندك من وداعة. فقلت: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، لا يأتي بالخير إلاّ الله، لا يذهب السّوء إلاّ الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فنزعوا ثيابي وتركوني في مئزر، وقالوا: يخرج من كلّ طائفة رجل يقتلونه في مرّة، فوقف ستّة نفر في ناحية، وستّة من ناحية ورفعوا سيوفهم ليقتلونني، فلمّا أيقنت بالهلاك رفعت رأسي تحت ظلال السّيوف إلى السّماء، فقلت: يا غياث المستغيثين أغثني، فوقعوا على ظهورهم وطارت سيوفهم من أيديهم، ونظرت إلى نفسي قائما في أعلى القصر لا أدري والله كيف رفعت وخرجوا هاربين. ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق محمد بن يزيد أخي مسرّة بن مسلم، فكان من الصّالحين المجتهدين في الدّعاء الشاكرين، كان يخفي الذّكر. وكان الشّيخ أبي زيد يوجّه إليه بالدعاء لما ثبت عنده من فضله، وكذا الشّيخ القابسي. وكان نبت في ساق الشّيخ أبي إسحاق نبت، فقال له محمّد بن يزيد: داوه رحمك الله حتّى يطيب. فقال له: بماذا؟ فقال: بأغثاء البقر يسخن مع الزّيت ويلصق به يطيب، قال أبو إسحاق: هل عندك من بقر؟ فقال: لا. قال: هل تعلم بقرا أصله من حلال؟ قال له: / عند علي بن عيشون، قال: قد مات وترك ورثة فيهم (١٧١) أطفال من لنا بهذا. ومات محمّد بن يزيد هذا في السّجود، قرأ سورة «ق» وسجد، فقبض في السّجود وهو من أهل قرية لبيدة، حضر جنازته قوم برؤيا رآها رجل صالح، نام بعد صلاة الفجر يوم موته قال: رأيت سليم بن عزوز كان رجلا استشهد بقتله ظلما وكأنّه راكب فرس، فقلت له: أين تريد؟ فقال لي: نحن جماعة الشّهداء مع عمر بن عبد العزيز، أذن لنا في حضور جنازة الرّجل الصّالح محمّد بن يزيد، يدفن اليوم بعد صلاة الظّهر بقرية لبيدة، فقال جيرانه: فلمّا أخبرنا بالرّؤيا قلنا له: نمضي، فإن كان حيّا زرناه وإن صدقت رؤياك صلّينا عليه، فأدركوا الصّلاة عليه وموضعهم بعيد. ولم يخلّف محمّد بن يزيد إلاّ ثيابه الّتي كان يلبسها، فكفّن فيها، وصلّى عليه

стр. 874

الشّيخ الجليل أبو حفص عمر بن مثنى (١٧٢) وكان من العلماء بالقرآن (١٧٣)، يجيد (١٧٤) رواية ورش وكان مقداما في الإعراب ومعرفة النّاسخ والمنسوخ والخاص والعام، والأحكام والتّفسير والعربية والحساب، والفرائض والفقه، وكان منقطعا في العبادة، كان أبو محمّد الصدفي يقول: ما رأيت في إفريقية (١٧٥) أعلم منه، لزم بعد وفاة مسرّة بن مسلم سكنى قصر زياد، يؤم فيه ويطلب النّاس عليه. وكان ضحكه التّبسّم ولا يتكلّم فيما لا يعنيه، إنما يجلس لقراءة القرآن أو لمذاكرة في علم أو لانتظار الصّلاة أو للذّكر، وكان من أعلم النّاس بالوثائق والشروط والبلاغة في التّرسّل، وكان من جلّة أصحاب عيسى بن مسكين، / مات وتركه صغيرا، فربّاه الشّيخ الجليل الفاضل أبو الحارث ليث بن محمّد بن صفوان، وكان ليث هذا من الفقهاء، وكان منقطعا في الزّهادة والإنزواء عن النّاس متبتّلا بقصر زياد، فإذا كثر النّاس عليه هرب. ومن أصحاب عمر بن مثنى حمدون بن مجاهد، قال عمر بن مثنى: إذا انصرف حمدون بن مجاهد من المحراب وجد موضع سجوده مبتلاّ بدموعه، ولقد صلّى بنا القيام ليلة سبع (١٧٦) وعشرين من رمضان فبكى وأبكى، وتاب في تلك الليلة على يديه ممّن شرب (١٧٧) المسكر ومن غير ذلك نحو من سبعين رجلا. وكان حمدون مشتهرا بالعلم. روى عنه أهل مصر وأهل المغرب ولا يكتب إلاّ ما يفهم، ويعجم كل مشكل. قال مسرّة بن مسلم: قال لي حمدون: كتبت بيدي ثلاثة آلاف كتاب ونيفا، ولعلّ الكتاب الذي أدخل به الجنّة ما كتبته بعد، وكان يحب نشر العلم وإذاعته. وكان أبو حفص عمر بن مثنى من خاصة أبي إسحاق الجبنياني، وكان ينبسط معه ما لا ينبسط مع غيره، فقال للشّيخ يوما: إلى جانبي قوم يقال لهم بنو قراضة يتشيّعون ولا يسبّون أحدا، ولا يخالفون في صلاة ولا زكاة ولا صيام، فما ترى في السّلام عليهم

стр. 875

ومخالطتهم، فقال له الشّيخ أبو إسحاق: سلهم من أفضل: أبو بكر وعمر أو علي؟ فقال: يقولون عليّا أفضل، فقال الشّيخ: لا توادهم ولا تسلّم عليهم ولا تناكحهم، فإنّ من فضّل عليّا على أبي بكر وعمر فقد أزرى باثني عشر ألف صحابي صحبوا رسول الله ﷺ لأنّه ﷺ مات وبالمدينة وما حولها ممّن آمن به وصحبه / نحو إثني عشر ألف، كلّهم إتفقوا على ولاية أبي بكر وعمر وتفضيلهما - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، فمن أزرى بواحد منهم هلك، فكيف بمن خالفهم وأزرى بهم أجمعين؟ والصّحابة - رضي الله تعالى عنهم - لا يجتمعون على ضلالة، فمن نسب إليهم أو إلى أحد منهم ظلما أو ضلالا فهو الظّالم المضلّ، وهم الهداة الأئمّة الرّاشدون. وقال أبو حفص عمر بن مثنى: كلّ من أدركت بهذا السّاحل من عالم أو عابد كان يستتر وينزوي بدينه من بني عبيد إلاّ أبا إسحاق، فإنّه بائن، ووثق بالله، فلم يسلّمه، ومسك به قلوب المؤمنين، وأعزّ به الدّين وهيّبه في عيون المارقين. وأخبر أبو حفص عمر بن مثنى عن محمّد بن عبد الرّحيم بن علي بن أخي عبد الرّحيم إبن عبد ربّه الزّاهد أن محمّد بن سحنون أتى بعد موت سحنون هو وأصحابه زائرين إلى عبد الرّحيم بن عبد ربّه الزّاهد، فسلّم عليه، فردّ ﵇، وتركه جالسا حيث بلغ به المجلس ولم يقبل عليه حتّى انصرف، فلمّا كانت الجمعة الآتية إستنهض إبن سحنون أصحابه في الرّجوع إلى عبد الرّحيم، فقالوا له: رأيناه لم يقبل عليك، فقال لهم: ليس هذه بغيتي، هو رجل صالح ترجى بركته وبركة دعائه، وقد كان سحنون يأتيه ويتبرك بدعائه ويلجأ إليه في المهمّات من الأمور، فعاد إبن سحنون وأصحابه إلى عبد الرّحيم فلمّا رآه قام له على رجليه وأجلسه في موضعه، ولم يزل مقبلا عليه حتّى انصرف. فرجع إليه بعض أصحاب إبن سحنون فقال له: أصلحك الله رأينا فيك عجبا، فقال له: وما هو / يا ابن أخي؟ قال: أتاك إبن سحنون تلك الجمعة، فلم تقبل عليه، ثمّ أتاك اليوم فأقبلت عليه. فقال عبد الرّحيم: والله ما أردت بذلك إلاّ وجه الله، رأيت إجتماع النّاس حوله فخفت عليه الفتنة، فعملت ما عملت لأحزنه، فرأيت الليلة المقبلة قائلا يقول لي: ما لك لم تقبل على إبن سحنون وهو ممّن يخشى الله؟ فكان منّي ما رأيت. ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الشّيخ أبو زكرياء يحيى، ويعرف بابن المزيدي كان في سبيله، فكتب في جملة البحريين. فرفع إلى المهدية. فوجّه إلى الشّيخ أبي إسحاق وعرّفه أنّ الوقت وقت إستعانة، وتعرّف إلى أين يذهبون، قال: فوصلوا بي عند

стр. 876

الغروب وأدخلت دار الصّناعة فوجدت بها خلقا كثيرا، كلّهم على المعاصي والفسوق لا يذكرون الله إلاّ قليلا، فانزويت خلف مركب فصلّيت سرّا لأنّي ما رأيت أحدا منهم يتوضّأ ولا يصلّي، فبقيت إلى الغد ضحى، فنودي بي، فقال لي صاحب الصّناعة: أنت صاحب الجبنياني؟ قلت له: نعم. قال: إنصرف وها أنا محوت إسمك من الدّفتر، قلت: من سأل في؟ قال: أتاني رجل راكب على فرس له هيبة، سألني فيك، والله ما رأيته قبلها، ولا أعرف من هو، قال: فمضيت فأتيت أهلي ليلا، فسألت إبني متى مضيت إلى أبي إسحاق، فعرفني أنّه ضحوة في حين أطلعت من الصنعة، فقلت لابني: كيف كان دعاؤه؟ قال: لما أخبرته توضّأ وقام يصلّي، وقد أغلق على نفسه باب المسجد، وكنت أسمعه وهو يبكي / ويقول: اللهم، السّاعة السّاعة فكّ أسره وأنقذه من يد عدوه، ولا تجعل لهم عليه سبيلا ونحو هذا من الدعاء، قال: فأتيت الشّيخ وأخبرته، فقال: احمد الله فأنت مضطرّ وقد أجيبت دعوتك، ولكن أعرف كيف تستقبل نعمة ربّك، فاعتزل أبو زكرياء هذا ولزم العبادة بمرسى اللوزة، وكان يسرد الصّوم ويصيد بيده من البحر لقوته ويتصدّق منه حتّى جرت له قصّة في آخر عمره فكتمها، وهي: أن سلاّبة نزلوا عليه في مرسى اللوزة بشماع (١٧٨) ففتحوا الباب، ثمّ قسموا بيوت المرابطين فانتهبوا ما كان فيها حتّى أتوا إلى بيت أبي زكرياء، فوجدوه قائما في الصّلاة وسراجه يوقد، وهو يصلّي، فقطعوا صلاته وقالوا له: هات ما عندك من الودائع وإلاّ عذّبناك، فقال: إتّقوا الله ولا يغرّنّكم حلمه فيكم، ولا تتّبعوا الشّيطان، فقال بعضهم لبعض: هذا لا يجيئكم منه شيء إلاّ بالعذاب، قال: فجاءوا إليّ بخيط قنب (١٧٩) ورفعوا مئزري ليلقوه في أنثيني (١٨٠) فلمّا رأيت البلاء قد نزل رفعت عيني إلى السّماء وأنا أبكي وأتضرّع فقلت: إلا هي، ما هذا ظنّي بك، أعبدك لا أشرك بك شيئا تسعين سنة، فتهتك ستري وتفضحني في آخر عمري، لا وعزتك ما هذا ظنّي بك، قال: فسقط الخيط من أيديهم وولوا هاربين ما أخذوا من البيت شيئا، فقلت: اللهم لا تبق (١٨١) على الأرض منهم أحدا! فما أتى عليهم ثلاثون يوما حتى قتلوا كلّهم، ومات أبو زكرياء وقد بلغ المائة.

стр. 877

ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق موسى المعلّم كان / مشهورا بالعبادة وممّن كان سكن قصر زياد في آخر عمره وبه مات، وكان كتب أسماء إخوانه ليخصّهم بالدّعاء عنده غدوة وعشية ثمّ يدعو لسائر المسلمين. وكان إذا سمع بامرأة فقيرة أرمل لا مال لها ولا جمال، ولها أطفال فقراء، تزوجها ليربي أطفالها، فاذا زوجهم وقاموا بأنفسهم فارق أمهم. حكى بعض أيتام تزوج أمهم أنّه قال: تزوّج أمّي وكانت لا مال لها ولا جمال ولا خلق حسن، وكانت تعاتبه على كثرة صلاته تقول له: كم تصلّي ولا تسأل عن شيء، فيقول: ما جئت رغبة فيك، إنّما جئت رغبة في هذه الأيتام، قال: فزوّج أختي وأدخلها على زوجها، وعلّمني القرآن وجعلني عند من يعلّمني النجارة، فلمّا اكتفينا فارق أمّي فبكت عليه، فقال لها: ما يبكيك؟ ما كنت راغبا فيك، فما لك في فائدة، الذي قصدت إليه قد وفّقه الله لي، يريد كفالة الأيتام. ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الفضلاء عبد الله بن صالح، إختفى فلم يعلم به إلاّ بعد دهر طويل، وقد صار كشن قد تقطّع، وليس في بيته غطاء ولا وطاء إلاّ قطعة تليس على ظهره، وقطعة في وسطه، وقطعة من حصير أسود تحته، وقد اتّخذت الدّموع في خدّيه أخدودا، وله أخت متعبّدة، ماتا في يوم واحد، وسبب انقطاعه عن النّاس أنّه شهّر بصحبة أبي إسحاق فهرب، وكان من النّصحاء الفصحاء الدّعاة إلى الله تعالى. ومن أصحاب / الشّيخ أبي إسحاق أبو عبد الله [محمد] بن أبي العبّاس المؤدّب يعرف بابن قشّاش (١٨٢) كان من العبّاد الصّالحين ومن أهل العلم، فكان أبو إسحاق يعرف حقّه ويقرّبه، وكان إلى جانب أبي عبد الله عين تسمّى عين العافية، إفتتن بها العامّة يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت: أمضوا بي إلى عين العافية. قال أبو عبد الله المذكور: فأنا في سحر ليلة سمعت أذان أبي إسحاق الجبنياني نحو العين فخرجت فوجدته قد هدّمها، وأذّن للصّبح عليها، ثمّ قال: اللهم إني قد هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، فكان كما قال، ثمّ مشيت معه فأتاه قوم من خدّام السّلطان ينسبون إلى الاعتزال، فسلّموا عليه، وعليهم ثياب جدد، فنزلوا عن خيولهم للسّلام عليه فاعترض لنا كلب فرجمه إنسان عنّا (١٨٣) فقال له الشّيخ: دعه، فلعلّه خير

стр. 878

ممّن يتقرقع عليه ثيابه، فلمّا سمعوا مقالته هربوا، وكانوا من بني نافد، وكان منهم ومن آبائهم وزراء وكبراء لبني الأغلب ولمن بعدهم. قال أبو عبد الله المذكور عرفني بعض شيوخنا أنّ أبا العبّاس أحمد بن نافد، وزير بني الأغلب، منهم، وكان رجلا على السّنّة، وكان له إبن عمّ على البدعة، فبنى كل واحد منهما قصرا وجعل حوله بستانا بقرية بليانة، فأمّا أبو العباس فإنّه لمّا أكمل قصره وعملت له قبة عجيبة على باب قصره قال: ما تمنّيت إلاّ سماع العلم / فيها على سحنون بن سعيد، وكان إبن عمّه مباينا بعداوة أهل السّنّة، فخرج سحنون بن سعيد من قريته يريد قصر زياد لزيارة عبد الرّحيم المستجاب، فترك الطريق وأخذ غير الجادة فظنّ أصحابه أنّه غلط حتّى قرب من قصر أبي العبّاس بن نافد الوزير، فقال: إذا صرنا هاهنا فلا بدّ من زيارة أبي العبّاس، فأخبر أبو العبّاس، فخرج للقاء سحنون مع أصحابه راجلا فسلّم عليهم، فقال له سحنون: نحبّ أن نرى هذا القصر وهذه القبّة، فمشى معهم فيه، ثمّ جلسوا في القبّة ودعا سحنون بالبركة، ثمّ قال سحنون لأصحابه: أي شيء في أيديكم تسمعون؟ فقالوا له: كتاب الحجّ الأوّل من موطّأ إبن وهب، فقال: اقرؤوا، فسمعوه عليه في القبّة التي تمنّى أبو العبّاس ذلك فيها، ثمّ نهض سحنون ومن معه إلى قصر زياد فتقوّت بذلك نية أبي العبّاس في المذهب ونصرة أهله، وكان نصرة لمن يظلم من أهل السّنّة بعد ذلك اليوم. فلمّا أخبر أبو الحسن القابسي قال: هكذا يفعل من كان إماما داعيا إلى الله تعالى. ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق العالم العابد أبو عبد الله محمّد بن محمّد الطّومشي، كان من أهل الرّواية الواسعة، روى عنه خلق كثير، وكان زاهدا ورعا، لا يتكلّم عنده أحد في أحد من النّاس، وكان يقول: إني لأرجو أن ألقى الله وما اغتيب عندي أحد قط، وكان مجاب الدّعوة، وربّما نزل به ما يبلى به المؤمنون، فما يلجأ إلى أحد من المخلوقين، بل يستقبل / القبلة، فربّما قام اليومين بلياليها لا يبرح عن القبلة، ولا يخرج إلاّ لما لا بدّ منه حتّى تقضى حاجته، فأعجب بذلك أبو الحسن القابسي، وقد سقطت [أشفار] (١٨٤) عينية من البكاء والنّحيب ويهرب من مكان إلى مكان، وكان أمير قريته على غير مذهبه، وصاحب المرسى يعافيه من المظالم فلقيه يوما فطلب كلمة

стр. 879

يقولها له ترضيه ولا تسخط الله تعالى فوجدها ودعا له بها وهي: تولّى الله عنّا مكافأتك فيما ولّيت، وأراد بها الدّعاء عليه، ففرح وظنّ أنه دعا له ونجا بها منه. وكان استنسخ (١٨٥) من الشّيخ أبي إسحاق كتابا فيه رقائق وحكايات، فقال لعبد الرحمان إبن الشّيخ أبي إسحاق: لعلنا نلاطف الشّيخ، أنا وأنت، لنسمع الكتاب عليه، قال: فجئنا إلى الشّيخ فقلنا له: أصلحك الله نقابل هذا الكتاب بين يديك، قال: إفعلا، فلما أخذنا في المقابلة قلت له: أصلحك الله على من قرأته وعمّن رويته؟ فأخذ الكتاب من يدي وقال لي: إنصرف، فقلت له: أصلحك الله، لو ترك العلماء الرواية لا نقطع العلم، وأنت تعلم ما جاء في الحديث فيمن كتم علما علمه أنه يلجم بلجام من نار (١٨٦)، فكان من ردّ الشّيخ وهو يبكي: أليس قد جاء في الحديث: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوّ له ينفون عنه تحريف القائلين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فقلت: نعم، فقال لي شيخ جبنيانة: ليس بعدل حتّى تنقل شهادته عن رسول الله ﷺ فانصرفت / عنه وأنا أبكي. ولمّا قدم أبو حامد الخراساني لزيارة أبي إسحاق سلّم عليه وقال له: جئتك من خراسان زائرا، فقال له أبو إسحاق: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن به من العلماء ثمّ حرم الله وحرم رسول الله والشّام ومصر، وتأتي إلى المغرب، إلى شيخ جبنيانة تقول له هذا؟ فبكى أبو حامد وقال له: لو لم يكن هذا لم آتك. ولمّا انصرف أبو حامد من المغرب قيل له: ما أعجبك ما رأيت بالمغرب؟ قال: رأيت أربعة لم أر (١٨٧) مثلهم قطّ، رأيت أبا الحسن علي بن محمّد بن مسرور الدّبّاغ (١٨٨)، فلم أر أكثر حياء منه (١٨٩)، ورأيت أبا إسحاق

стр. 880

الشيباني فلم أر أعقل منه (١٩٠)، ورأيت أبا الحسن الكانشي فلم أر أظهر حزنا منه، ورأيت أبا إسحاق الجبنياني فلم أر أزهد في الدّنيا منه. قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي (١٩١): وكان من أصحاب الشّيخ جماعة من أهل العلم والعبادة لو ذهبت إلى ذكرهم لطال الكتاب. وأما زوجة الشّيخ (١٩٢) فكانت في الفضل بمكان مكين، قيل لها: هل رأيت من الشّيخ شيئا تخبرينا به؟ فسكتت وأبت من القول. فلما مات الشّيخ سئلت فقالت: بينما أنا في ليلة مظلمة إذ رأيت نورا غشى الحجرة والموضع الذي به الشّيخ، وسمعت الحديث، فرعبت، وأقام (١٩٣) ذلك مدّة، فأحسّ بي الشّيخ وعلم أنّي يقظانة فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت ما دمت حيّا. وكان الشّيخ أبو / إسحاق يؤخّر الظّهرين مخالفة للشيعة لأنّهم كانوا يلزمون النّاس بأدائها لأوّل الوقت، وربّما زاحموا الوقت فخاف الشّيخ أن يعتقد وجوب ذلك أو وقوعها قبل وقتها، واقتدى به أبو الحسن القابسي فكان يؤقّت للظّهرين. وكان الشّيخ محبّا لآثار الصّالحين وحكاياتهم، ويكتب ذلك، وكتب بخطّه على ظهر كتاب الجنائز (١٩٤) حكاية يقول: بلغنا أن إبن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ضرب يوما مثلا للنّاس فقال: خرج رجل من مدينة فنصب فخاخا نائية عن الطريق وحيدة، قال: فوقع بين يديه عصفور، فأنطق الله الفخّ وألهم العصفور، فقال له العصفور: ما لي أراك نائيا عن الطّريق؟ فقال: اعتزلت شرار النّاس، فقال: ما لي أراك منحنيا؟ قال: نهكتني العبادة، فقال: ما لهذه العصا بين يديك؟ قال: أتوكّأ عليها من طول القيام، قال: فما هذه الحبّة في فيك؟ قال: أترصّد بها أبناء السّبيل، قال: وأنا منهم، قال: فدونك، فنقر العصفور الحبّة فصارت العصا في حلقه، فصاح: غاق غاق والله لا غرّني مرائي (١٩٥) بعدك. قال إبن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما - فهذا مثل قراء يكونون في آخر الزّمان.
следующие страницы →