← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الغروب وأدخلت دار الصّناعة فوجدت بها خلقا كثيرا، كلّهم على المعاصي والفسوق لا يذكرون الله إلاّ قليلا، فانزويت خلف مركب فصلّيت سرّا لأنّي ما رأيت أحدا منهم يتوضّأ ولا يصلّي، فبقيت إلى الغد ضحى، فنودي بي، فقال لي صاحب الصّناعة: أنت صاحب الجبنياني؟ قلت له: نعم. قال: إنصرف وها أنا محوت إسمك من الدّفتر، قلت: من سأل في؟ قال: أتاني رجل راكب على فرس له هيبة، سألني فيك، والله ما رأيته قبلها، ولا أعرف من هو، قال: فمضيت فأتيت أهلي ليلا، فسألت إبني متى مضيت إلى أبي إسحاق، فعرفني أنّه ضحوة في حين أطلعت من الصنعة، فقلت لابني: كيف كان دعاؤه؟ قال: لما أخبرته توضّأ وقام يصلّي، وقد أغلق على نفسه باب المسجد، وكنت أسمعه وهو يبكي / ويقول: اللهم، السّاعة السّاعة فكّ أسره وأنقذه من يد عدوه، ولا تجعل لهم عليه سبيلا ونحو هذا من الدعاء، قال: فأتيت الشّيخ وأخبرته، فقال: احمد الله فأنت مضطرّ وقد أجيبت دعوتك، ولكن أعرف كيف تستقبل نعمة ربّك، فاعتزل أبو زكرياء هذا ولزم العبادة بمرسى اللوزة، وكان يسرد الصّوم ويصيد بيده من البحر لقوته ويتصدّق منه حتّى جرت له قصّة في آخر عمره فكتمها، وهي: أن سلاّبة نزلوا عليه في مرسى اللوزة بشماع (١٧٨) ففتحوا الباب، ثمّ قسموا بيوت المرابطين فانتهبوا ما كان فيها حتّى أتوا إلى بيت أبي زكرياء، فوجدوه قائما في الصّلاة وسراجه يوقد، وهو يصلّي، فقطعوا صلاته وقالوا له: هات ما عندك من الودائع وإلاّ عذّبناك، فقال: إتّقوا الله ولا يغرّنّكم حلمه فيكم، ولا تتّبعوا الشّيطان، فقال بعضهم لبعض: هذا لا يجيئكم منه شيء إلاّ بالعذاب، قال: فجاءوا إليّ بخيط قنب (١٧٩) ورفعوا مئزري ليلقوه في أنثيني (١٨٠) فلمّا رأيت البلاء قد نزل رفعت عيني إلى السّماء وأنا أبكي وأتضرّع فقلت: إلا هي، ما هذا ظنّي بك، أعبدك لا أشرك بك شيئا تسعين سنة، فتهتك ستري وتفضحني في آخر عمري، لا وعزتك ما هذا ظنّي بك، قال: فسقط الخيط من أيديهم وولوا هاربين ما أخذوا من البيت شيئا، فقلت: اللهم لا تبق (١٨١) على الأرض منهم أحدا! فما أتى عليهم ثلاثون يوما حتى قتلوا كلّهم، ومات أبو زكرياء وقد بلغ المائة.

стр. 877

ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق موسى المعلّم كان / مشهورا بالعبادة وممّن كان سكن قصر زياد في آخر عمره وبه مات، وكان كتب أسماء إخوانه ليخصّهم بالدّعاء عنده غدوة وعشية ثمّ يدعو لسائر المسلمين. وكان إذا سمع بامرأة فقيرة أرمل لا مال لها ولا جمال، ولها أطفال فقراء، تزوجها ليربي أطفالها، فاذا زوجهم وقاموا بأنفسهم فارق أمهم. حكى بعض أيتام تزوج أمهم أنّه قال: تزوّج أمّي وكانت لا مال لها ولا جمال ولا خلق حسن، وكانت تعاتبه على كثرة صلاته تقول له: كم تصلّي ولا تسأل عن شيء، فيقول: ما جئت رغبة فيك، إنّما جئت رغبة في هذه الأيتام، قال: فزوّج أختي وأدخلها على زوجها، وعلّمني القرآن وجعلني عند من يعلّمني النجارة، فلمّا اكتفينا فارق أمّي فبكت عليه، فقال لها: ما يبكيك؟ ما كنت راغبا فيك، فما لك في فائدة، الذي قصدت إليه قد وفّقه الله لي، يريد كفالة الأيتام. ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الفضلاء عبد الله بن صالح، إختفى فلم يعلم به إلاّ بعد دهر طويل، وقد صار كشن قد تقطّع، وليس في بيته غطاء ولا وطاء إلاّ قطعة تليس على ظهره، وقطعة في وسطه، وقطعة من حصير أسود تحته، وقد اتّخذت الدّموع في خدّيه أخدودا، وله أخت متعبّدة، ماتا في يوم واحد، وسبب انقطاعه عن النّاس أنّه شهّر بصحبة أبي إسحاق فهرب، وكان من النّصحاء الفصحاء الدّعاة إلى الله تعالى. ومن أصحاب / الشّيخ أبي إسحاق أبو عبد الله [محمد] بن أبي العبّاس المؤدّب يعرف بابن قشّاش (١٨٢) كان من العبّاد الصّالحين ومن أهل العلم، فكان أبو إسحاق يعرف حقّه ويقرّبه، وكان إلى جانب أبي عبد الله عين تسمّى عين العافية، إفتتن بها العامّة يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت: أمضوا بي إلى عين العافية. قال أبو عبد الله المذكور: فأنا في سحر ليلة سمعت أذان أبي إسحاق الجبنياني نحو العين فخرجت فوجدته قد هدّمها، وأذّن للصّبح عليها، ثمّ قال: اللهم إني قد هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، فكان كما قال، ثمّ مشيت معه فأتاه قوم من خدّام السّلطان ينسبون إلى الاعتزال، فسلّموا عليه، وعليهم ثياب جدد، فنزلوا عن خيولهم للسّلام عليه فاعترض لنا كلب فرجمه إنسان عنّا (١٨٣) فقال له الشّيخ: دعه، فلعلّه خير

стр. 878

ممّن يتقرقع عليه ثيابه، فلمّا سمعوا مقالته هربوا، وكانوا من بني نافد، وكان منهم ومن آبائهم وزراء وكبراء لبني الأغلب ولمن بعدهم. قال أبو عبد الله المذكور عرفني بعض شيوخنا أنّ أبا العبّاس أحمد بن نافد، وزير بني الأغلب، منهم، وكان رجلا على السّنّة، وكان له إبن عمّ على البدعة، فبنى كل واحد منهما قصرا وجعل حوله بستانا بقرية بليانة، فأمّا أبو العباس فإنّه لمّا أكمل قصره وعملت له قبة عجيبة على باب قصره قال: ما تمنّيت إلاّ سماع العلم / فيها على سحنون بن سعيد، وكان إبن عمّه مباينا بعداوة أهل السّنّة، فخرج سحنون بن سعيد من قريته يريد قصر زياد لزيارة عبد الرّحيم المستجاب، فترك الطريق وأخذ غير الجادة فظنّ أصحابه أنّه غلط حتّى قرب من قصر أبي العبّاس بن نافد الوزير، فقال: إذا صرنا هاهنا فلا بدّ من زيارة أبي العبّاس، فأخبر أبو العبّاس، فخرج للقاء سحنون مع أصحابه راجلا فسلّم عليهم، فقال له سحنون: نحبّ أن نرى هذا القصر وهذه القبّة، فمشى معهم فيه، ثمّ جلسوا في القبّة ودعا سحنون بالبركة، ثمّ قال سحنون لأصحابه: أي شيء في أيديكم تسمعون؟ فقالوا له: كتاب الحجّ الأوّل من موطّأ إبن وهب، فقال: اقرؤوا، فسمعوه عليه في القبّة التي تمنّى أبو العبّاس ذلك فيها، ثمّ نهض سحنون ومن معه إلى قصر زياد فتقوّت بذلك نية أبي العبّاس في المذهب ونصرة أهله، وكان نصرة لمن يظلم من أهل السّنّة بعد ذلك اليوم. فلمّا أخبر أبو الحسن القابسي قال: هكذا يفعل من كان إماما داعيا إلى الله تعالى. ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق العالم العابد أبو عبد الله محمّد بن محمّد الطّومشي، كان من أهل الرّواية الواسعة، روى عنه خلق كثير، وكان زاهدا ورعا، لا يتكلّم عنده أحد في أحد من النّاس، وكان يقول: إني لأرجو أن ألقى الله وما اغتيب عندي أحد قط، وكان مجاب الدّعوة، وربّما نزل به ما يبلى به المؤمنون، فما يلجأ إلى أحد من المخلوقين، بل يستقبل / القبلة، فربّما قام اليومين بلياليها لا يبرح عن القبلة، ولا يخرج إلاّ لما لا بدّ منه حتّى تقضى حاجته، فأعجب بذلك أبو الحسن القابسي، وقد سقطت [أشفار] (١٨٤) عينية من البكاء والنّحيب ويهرب من مكان إلى مكان، وكان أمير قريته على غير مذهبه، وصاحب المرسى يعافيه من المظالم فلقيه يوما فطلب كلمة

стр. 879

يقولها له ترضيه ولا تسخط الله تعالى فوجدها ودعا له بها وهي: تولّى الله عنّا مكافأتك فيما ولّيت، وأراد بها الدّعاء عليه، ففرح وظنّ أنه دعا له ونجا بها منه. وكان استنسخ (١٨٥) من الشّيخ أبي إسحاق كتابا فيه رقائق وحكايات، فقال لعبد الرحمان إبن الشّيخ أبي إسحاق: لعلنا نلاطف الشّيخ، أنا وأنت، لنسمع الكتاب عليه، قال: فجئنا إلى الشّيخ فقلنا له: أصلحك الله نقابل هذا الكتاب بين يديك، قال: إفعلا، فلما أخذنا في المقابلة قلت له: أصلحك الله على من قرأته وعمّن رويته؟ فأخذ الكتاب من يدي وقال لي: إنصرف، فقلت له: أصلحك الله، لو ترك العلماء الرواية لا نقطع العلم، وأنت تعلم ما جاء في الحديث فيمن كتم علما علمه أنه يلجم بلجام من نار (١٨٦)، فكان من ردّ الشّيخ وهو يبكي: أليس قد جاء في الحديث: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوّ له ينفون عنه تحريف القائلين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فقلت: نعم، فقال لي شيخ جبنيانة: ليس بعدل حتّى تنقل شهادته عن رسول الله ﷺ فانصرفت / عنه وأنا أبكي. ولمّا قدم أبو حامد الخراساني لزيارة أبي إسحاق سلّم عليه وقال له: جئتك من خراسان زائرا، فقال له أبو إسحاق: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن به من العلماء ثمّ حرم الله وحرم رسول الله والشّام ومصر، وتأتي إلى المغرب، إلى شيخ جبنيانة تقول له هذا؟ فبكى أبو حامد وقال له: لو لم يكن هذا لم آتك. ولمّا انصرف أبو حامد من المغرب قيل له: ما أعجبك ما رأيت بالمغرب؟ قال: رأيت أربعة لم أر (١٨٧) مثلهم قطّ، رأيت أبا الحسن علي بن محمّد بن مسرور الدّبّاغ (١٨٨)، فلم أر أكثر حياء منه (١٨٩)، ورأيت أبا إسحاق

стр. 880

الشيباني فلم أر أعقل منه (١٩٠)، ورأيت أبا الحسن الكانشي فلم أر أظهر حزنا منه، ورأيت أبا إسحاق الجبنياني فلم أر أزهد في الدّنيا منه. قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي (١٩١): وكان من أصحاب الشّيخ جماعة من أهل العلم والعبادة لو ذهبت إلى ذكرهم لطال الكتاب. وأما زوجة الشّيخ (١٩٢) فكانت في الفضل بمكان مكين، قيل لها: هل رأيت من الشّيخ شيئا تخبرينا به؟ فسكتت وأبت من القول. فلما مات الشّيخ سئلت فقالت: بينما أنا في ليلة مظلمة إذ رأيت نورا غشى الحجرة والموضع الذي به الشّيخ، وسمعت الحديث، فرعبت، وأقام (١٩٣) ذلك مدّة، فأحسّ بي الشّيخ وعلم أنّي يقظانة فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت ما دمت حيّا. وكان الشّيخ أبو / إسحاق يؤخّر الظّهرين مخالفة للشيعة لأنّهم كانوا يلزمون النّاس بأدائها لأوّل الوقت، وربّما زاحموا الوقت فخاف الشّيخ أن يعتقد وجوب ذلك أو وقوعها قبل وقتها، واقتدى به أبو الحسن القابسي فكان يؤقّت للظّهرين. وكان الشّيخ محبّا لآثار الصّالحين وحكاياتهم، ويكتب ذلك، وكتب بخطّه على ظهر كتاب الجنائز (١٩٤) حكاية يقول: بلغنا أن إبن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ضرب يوما مثلا للنّاس فقال: خرج رجل من مدينة فنصب فخاخا نائية عن الطريق وحيدة، قال: فوقع بين يديه عصفور، فأنطق الله الفخّ وألهم العصفور، فقال له العصفور: ما لي أراك نائيا عن الطّريق؟ فقال: اعتزلت شرار النّاس، فقال: ما لي أراك منحنيا؟ قال: نهكتني العبادة، فقال: ما لهذه العصا بين يديك؟ قال: أتوكّأ عليها من طول القيام، قال: فما هذه الحبّة في فيك؟ قال: أترصّد بها أبناء السّبيل، قال: وأنا منهم، قال: فدونك، فنقر العصفور الحبّة فصارت العصا في حلقه، فصاح: غاق غاق والله لا غرّني مرائي (١٩٥) بعدك. قال إبن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما - فهذا مثل قراء يكونون في آخر الزّمان.

стр. 881

فلمّا سمع أبو الحسن القابسي هذه الحكاية بكى وقال: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٦)، وأعوذ بالله من الفتنة في الدّين، واتّباع سبيل المفسدين. قال أبو عبد الله النّجّار: مشيت مع أبي إسحاق في فتنة أبي / يزيد الخارجي حتى دخلنا قرية، فرأينا بعض أعراب أبي يزيد فاختفينا في حجرة في أقصاها حتى دخل فارس منهم بامرأة ذات هيبة وجمال يقودها يراودها عن نفسها، فلما أحسسنا به لم أستطع أن أمسك أسناني (مما تتقلقل) (١٩٧) من الخوف، وأما أبو إسحاق فوضع خدّه على كفّه وهو يتطلّع إلى السّماء ويدعو، فنزل الفارس عن فرسه وحلّ سراويله، وهي تتضرّع إلى الله تعالى أن يتركها، واستدعى (١٩٨) انتشار آلته فما جاءه من نفسه شيء فتركها، فانصرفت وانصرف، فخرجنا نمشي بعد ما ذهبوا، فلمّا صرنا في الفحص قلت: يا أبا إسحاق ألا ترى هذا البلاء الذي نزل؟ فقال لي: ما هو يا أحمق؟ قلت له: قتل الأنفس، وهتك الحريم، وذهاب الأموال، وخراب الدّيار، وقطع السّبيل، فأقبل علي وهو مغضب ويقول: أين هذا من أن يدعى الله عجلا في الأسواق، لو خرّت السّماوات على الأرضيين وهلك العباد أجمعون على هذه الكلمة لكان قليلا، قال ذلك وهو يبكي، ثم قال لي: يستعظم الناس هذا ولم يستعظموا أن يجعلوا ربّهم عجلا، ثم هم يقيمون على البيع والشراء والاغترار بالدّنيا. فلمّا بلغ ذلك أبا الحسن القابسي بكى بكاء عظيما وقال: والله إنّه كما قال الجبنياني، ولا أدري كيف خلاص العباد من هذه المسألة يوم القيامة إن لم يتغمدهم الله برحمته. وكانت وفاة الشّيخ أبي إسحاق / يوم الأربعاء سابع عشر من المحرّم فاتح سنة تسع وستين وثلاثمائة (١٩٩) ودفن شرقي جبنيانة (٢٠٠). وجبنيانة من وطن صفاقس الشرقي، بينها وبين صفاقس مرحلة خفيفة، فهي من منازل صفاقس الراجعة إليها، فما ذكر مع الشّيخ من رجال الوطن فكلهم من رجال صفاقس، فلذا ذكرتهم.

стр. 882

ولمّا توفّي الشّيخ أبو إسحاق وجد في رقعة (٢٠١) معه، تحت قطعة الحصير الذي تحته، مكتوب بخطّه: رجل وقف به هاتف فقال له: حسّن عملك فقد دنا أجلك. قال ولده عبد الرّحمان: كان الشّيخ إذا قصّر في العمل أخرج هذه الرّقعة فنظر إليها ثمّ ردها ورجع إلى الجدّ فيما هو فيه من العبادة. وما وجد له من الدّنيا قليل ولا كثير إلاّ أمداد شعير في قلّة مكسورة، والحجرة التي كان يسكنها لولده أبي الطّاهر إشتراها بثلاثة دنانير، وما كان له على وجه الأرض [شيء] (٢٠٢) يورث (٢٠٣). ترجمة الأديب عبد الله الجبنياني: وكان ولده أبو الطاهر صالحا فاضلا ولأبي الطاهر ولد يسمّى عبد الله (٢٠٤)، كان أديبا شاعرا، ظريفا، ذكره إبن رشيق في الأنموذج، وأخبر أنّ صفاقس موطنه وأنّ بها منشؤه، وكانت له نباهة ولطافة في جميع أحواله مع نزاهة نفس وعلو همة، قال: واجتمعت به في صفاقس فكنت أقطع الغربة بقربه، ثمّ انفصلت إلى الحضرة فلم يكن إلاّ قليل حتّى اجتاز علينا متوجّها إلى الأندلس، فسألته عن سبب ذلك، فأخبرني أنّ عليه دينا ثقيلا قد إستغرق ذمّته وأنشدني لنفسه وهو يتمايل وكان / متعلّق (٢٠٥) القلب بجارية له أم ولد تركها بموضعه. [وافر] سأضرب في بلاد النّاس برّا ... وبحرا بالسّفائن والرّكاب إلى أن تنكر الأحباب منّي (٢٠٦) ... ثوابّي بالمغارب واغترابي (٢٠٧) لأكسب ثروة وأفيد مالا ... وأبلي عذر نفسي في الطّلاب

стр. 883

فإن نلت المراد فذاك حسبي ... وإن أحرم فإني ذو احتساب وما فارقت إخواني وأهلي ... وما (٢٠٨) أحببت إلاّ عن (٢٠٩) غلاب. قال: وارتحل فاتّصل بالحاجب الموفّق مجاهد بن عبد الله (٢١٠) فأكرمه وعظّمه وأدناه وقرّبه وكشف عنه، فوجد فضلا وجلالة، فاستمسك به وحسد على مكانه منه فوجد في منزله مذبوحا وسكّين الأقلام بين يديه مغالطة كأنّه فعل ذلك بنفسه، وبقيت الرّوح فيه، فسألوه من به، فأشار إلى فقيه الموضع، وكان الفقيه المذكور كثير الملازمة [له] وهلك من ساعته، فقال الفقيه: إنّما أشار إليّ بالوصية، فقيد وسجن إلى أن جاء وليّ الدم فطلبه فلم يتوجّه له عليه حقّ (٢١١)، فأطلقه، وكانت وفاة (٢١٢) عبد الله المذكور سنة خمس عشرة وأربعمائة (٢١٣). ترجمة الفقيه أبي القاسم عبد الرّحمان اللبيدي: ومن منازل صفاقس أيضا قرية لبيدة (٢١٤) كما قال الرّشاطي (٢١٥)، وإليها ينسب الفقيه الصالح أبو القاسم عبد الرّحمان بن محمّد الحضرمي اللبيدي (٢١٦)، قال إبن شرف في صلته لتاريخ الرّقيق: كان بقية أهل العلم وله تصانيف في الفقه، وبرع في الفتيا، وذكر الرّشاطي أنّ تأليفه المسمّى «بالشّرح والتّفصيل لمسائل المدوّنة» كتاب كبير. قال في المعالم (٢١٧): / سمع على الشّيخ أبي الحسن القابسي، وأبي محمّد بن أبي زيد، وغيرهما، وسمع منه أبو عبد الله محمّد بن سعدون وغيره من القرويين والأندلسيين،

стр. 884

ووجهه أبو الحسن القابسي لتفقيه أهل المهدية وامتد عمره بعد اقرانه فحاز رئاسة العلم والتّشيّخ (٢١٨) به بالقيروان، وكان فاضلا فقيها زكيّا له اعتقاد في الصّالحين يزورهم في السّاحل ويبحث عن مناقبهم وأحوالهم، وهو الذي ألّف مناقب (٢١٩) أبي إسحاق الجبنياني، وله كتاب في الفقه كبير جمع فيه بين النوادر لأبي محمّد (٢٢٠) وموطّأ مالك وغيرهما، فجمع فيه مذهب مالك كله، وألّف اختصار المدوّنة (٢٢١)، توفّي بالقيروان سنة أربعين وأربعمائة (٢٢٢) وسنه ثمانون سنة (٢٢٣) وأنشد لنفسه بعد ما ذكر مناقب الشّيخ أبي إسحاق الجبنياني وأصحابه هذه الأبيات (٢٢٤): [البسيط] أنت العليّ وأنت الخالق الباري ... أنت العليم بما تخفيه أسراري أنت الغني فما للخلق مقدرة ... في وسع عيش وفي بؤس وإقتار تعطى (٢٢٥) الولاية أقواما فتلبسهم ... ثوب المهابة محروسا من العار تجول في ملكوت العزّ أنفسهم ... تبدو مدامعهم خوفا من النّار قد أسلموا الأهل والأوطان وارتحلوا ... ما أن ترى مثلهم في نازح الدّار يا طول حزني على تركي لوصلهم ... يا ويح نفسي على بعدي وإدباري لم لا أظلّ على الأشجان (٢٢٦) معتكفا ... أدعو المليك بإفصاح وإضمار على (٢٢٧) المليك يذود النّفس عن عطب ... يجلو الغماء (٢٢٨) بتوفيق وأنوار

стр. 885

ترجمة أبي عمرو عثمان الصّدفي المعروف بابن الضّابط: ومن علماء صفاقس (٢٢٩) وشعرائها المتقدّمين ولم يذكره إبن رشيق / في الأنموذج وهو من المعاصرين له أبو عمرو عثمان بن أبي بكر بن حمّود الصّدفي المعروف بابن الضّابط، الإمام المحدّث الشّاعر، له رحلة إلى المشرق وأخذ فيها عن جماعة يطول تعدادهم، منهم الحافظ أبو نعيم، صحبه باصبهان، وكتب عنه كثيرا، ذكر أنّه كتب عنه بخطّه مائة ألف حديث، وكان يقول: لم ألق مثل أبي نعيم علما وعملا، ثمّ توجّه إلى الأندلس سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة (٢٣٠) فأقرأ بها وأخذ عنه علماؤها وأثنوا عليه، وعاد منها إلى القيروان (٢٣١)، فوجّهه صاحبها الصنهاجي (٢٣٢) رسولا إلى القسطنطينية (٢٣٣) فمات في طريقه إما صادرا أو واردا بعد أربعين وأربعمائة (٢٣٤)، وذكره أبو عمرو بن الحذّاء (٢٣٥) في تسمية رجاله الذين التقى بهم، فقال: قدم علينا طليطلة وسنه نحوا من خمسين سنة، وكانت له رواية واسعة وكتب كثيرة قد رواها بالعراق وبالشّام والحجاز ومصر، وتجوّل عندنا بالأندلس نحو عامين، ثمّ انصرف إلى القيروان، وكان لي صديقا وتكررت كتبه إلى من القيروان إلى أن أرسله الصنهاجي إلى القسطنطينية فبلغتنا وفاته. وذكره الحميدي (٢٣٦) أيضا فقال: كان حافظا عاقلا، قرأت عليه كثيرا وكتبت عنه وأنشدني: [المتقارب] إذا ما عدوّك يوما سما ... إلى حاجة (٢٣٧) لم تطق نقضها فقبّل ولا تأنفنّ كفّه ... إذا أنت لم تستطع عضّها

стр. 886

وذكره إبن بشكوال في الصّلة (٢٣٨) وأثنى عليه وأخبر عنه أنّه قال: / بعث إلي شعراء القيروان، حين مقامي بها، منهم: إبن رشيق وابن شرف وابن حجاج والعطار، يسألونني (٢٣٩) أن أرسل إليهم بشعري، فقلت للرّسول: إنه في مسودّاته، فقال: أحمله كما هو فأخذته وكتبت عليه إرتجالا، ثمّ بعثت به. [المتقارب] خطبتم (٢٤٠) بناتي فأرسلتهنّ ... إليكم عواطل من كلّ زينة لتعلموا (٢٤١) أنّي (٢٤٢) ممّن يجود (٢٤٣) ... بمحض الوداد وليس (٢٤٤) ضنينه قال فأجابوني بعد بطء بهذه الأبيات: [المتقارب] أتتنا بناتك يرفلن في ... ثياب من الوشي يفتنّ زينة فلمّا سفرن فضحن الشموس ... وسرب الظباء وأخجلن (٢٤٥) عينه ولمّا نطقن (٢٤٦) سحرن العقول ... وظلّ القرين ينادي قرينه أفي بابل نحن أم (٢٤٧) في العراق ... وفوق البسيطة (٢٤٨) أم في سفينة فدعني أراقب (٢٤٩) صوت (٢٥٠) الجميع ... لنسمع من كلّ مدح عيونه وأبو عمرو هذا هو أوّل من أدخل إلى الأندلس كتاب غريب الحديث

стр. 887

للخطابّي، وله جزء تضمّن عوالي كتبها لأبي محمّد بن عبد الرّحمان إبن عتّاب يعرف بعوالي الصفاقسي (٢٥١). ومن منازل صفاقس قصر نقّطة قال التّجاني: ويقال أن جماعة من أصحاب معروف الكرخي ﵀ رابطوا بقصر نقّطة هذا وماتوا به فقبورهم هنا لك اهـ (٢٥٢). ترجمة الشّيخ أبي حفص عمر القمّودي: ومن فقهاء صفاقس وشعرائها المتقدمين أبو حفص عمر القمّودي (٢٥٣)، قال في معالم الايمان (٢٥٤): قيرواني الأصل نزل بصفاقس، وكان فقيها أديبا مفتيا من حفاظ المدونة والقائمين عليها، ومن حفاظ الشعراء، أخذ عن / أبي بكر بن عبد الرّحمان، وأبي عمران الفاسي، وصحب أبا القاسم السّيوري، ذكر بعض أصحابه قال: لما ودعني الفقيه أبو حفص عمر القمّودي (٢٥٣) أنشدني بيتين شعرا: [الرّمل] هيّجوا للبين برقا فلمع ... وأثاروا دمع عيني فاندفع ودعوا قلبي فلما جاءهم ... أوقعوه بين يأس وطمع (٢٥٥)

стр. 888

ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي اللخمي: ومن أعيان فقهاء صفاقس وأفاضلها المشهورين أبو الحسن علي بن محمّد الربيعي المعروف باللخمي (٢٥٦)، وهو ابن بنت اللخمي، تفقه بابن محرز والتونسي والسّيوري وغيرهم، وظهرت فتاويه، وكان فقيها فاضلا متفننا ذا حظ من الأدب والحديث، جيد النظر حسن الفقه، كان فقيه وقته وأبعد النّاس صيتا في بلده، وبقي بعد أصحابه فحاز رئاسة بلاد إفريقية جملة، وتفقّه به جماعة من الصفاقسيين وغيرهم، أخذ عنه أبو عبد الله المازري، وأبو الفضل النحوي، وعبد الحميد الصفاقسي، وأبو علي الكلاعي، وعبد الجليل بن مفوّز (٢٥٧) وغير واحد، وله تعليق على المدونة سماه «التبصرة»، مفيد حسن، وهو مقدم (٢٥٨) بتخريج الخلاف في المذهب واستقراء الأقوال، وربما اتبع نظره فخالف (٢٥٩) المذهب فيما ترجح عنده، فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب. وكان حسن الخلق مشهور الفضل، زاد ابن ناجي (٢٦٠) قوله: أصله من القيروان ونزل صفاقس، مسجده (٢٦١) بصفاقس مشهور إذا دخله الداخل يرى فيه نورا زائدا على غيره من المساجد، وفي زماننا يدرس فيه / الشّيخ أبو بكر القرقوري صاحب الزاوية القريبة (٢٦٢) منه، فدرس فيه نحوا من أربعين سنة، ثم قال: ولما قرئ قول المدونة في بيوعات (٢٦٣) الآجال بمنع ضع وتعجل (٢٦٤) في درس بعض مشيخة التونسيين لم يذكر أحد من أهل الدّرس خلافا الا واحدا فقال: هذا المشهور وأجازه ابن القاسم فأنكر عليه، فقال: اللخمي حكاه. فلما انفصل المجلس نظر أهله كلام اللخمي في بيوعات (٢٦٣) الآجال فلم يجدوا فيه شيئا، فلما كان من الغد قالوا له: ما ذكرت عن

стр. 889

اللخمي غير صحيح اذ لم يذكره هنا وهو محله، فانفصل الطالب عنهم في غم شديد، فلما نام (٢٦٥) من الليل رأى في منامه الشّيخ أبا الحسن اللخمي فقال له: يا سيدي نقلت عنك، وذكر له القصة وكون الطلبة نظروا كتابه في بيوع الآجال ولم يجدوا فيه ذلك النقل، فقال له: ذكرته في فصل الخلع، فانتبه الطالب فرحا فقام في ليله ونظر الكتاب فوجده كما نقل، فلما أصبح ذكر ذلك لأهل المجلس واشتهرت قضيته وفضل الله عليه برؤيته المذكورة. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (٢٦٦) وقبره مزار (٢٦٧) يعرفه الخاص والعام، ولهم فيه اعتقاد تام وحق لهم ذلك (٢٦٨) اهـ. قلت: وقد بنى عليه بعض الولاة قبة مشهورة ظاهرة النور والبركة [وعلى باب القبة في العتبة العليا منقوش هذه الأبيات لبعض الشعراء تدل على أن القبة بناها مراد باي: [الطويل] هلال تبدّى (٢٦٩) في علا الأفق ساطع ... وأشرق عنه (٢٧٠) الكون كالبرق لامع (٢٧١) أمين كريم علي زكي الفواضل ... مراد (٢٧٢) مراد الباي في العزّ طالع فأحيي ضريح الحبر علمه ظاهر ... أبي الحسن اللخمي يكن له شافع فيا ربّنا أبق الباي واحفظه دائما ... فكلّ كريم في حماه تراتع وبلّغه في نجليه ملكا ورفعة ... وقلّده سيف النصر رحبه واسع (٢٧٣) ومعه فيها صاحبه الشّيخ عبد الجبّار الفرياني خلف قبر الأستاذ متّصلا به، وفي مؤخر القبة قبر عليه شباك في الرّكن الشّرقي الشّمالي لبعض / الولاة رجاء بركة الشّيخ أن يعفو الله تعالى عنه، فرؤى الشّيخ في النّوم فقال: فرقوا بيني وبينه، فجعل ذلك الشباك، والله أعلم (٢٧٤).

стр. 890

ترجمة الشّيخ أبي القاسم عبد الخالق السّيوري: ولما جرى ذكر السّيوري فلا بد من التّعرّض لذكره لفائدة. هو أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث القيرواني، آخر طبقة من علماء إفريقية (٢٧٥)، وخاتمة أئمة القيروان، ويقال انه تفقه بأبي بكر بن عبد الرّحمان وأبي عمران (٢٧٦) وتلك الطبقة، وعليه تفقّه اللخمي وعبد الحميد المهدوي إبن (٢٧٧) الصائغ، وأخذ عنه قديما عبد الحق وابن سعدون وغيرهما، وطال عمره، فكانت وفاته بالقيروان سنة ست وستين وأربعمائة (٢٧٨). قال في معالم الايمان (٢٧٩): قال عياض: ويقال أنه مال أخيرا إلى مذهب الشافعي، قلت (٢٨٠): ليس هو بتقليد ولا خلاف في أكثر المسائل، وانما خالف في قليل كقوله: القمح والشعير جنسان. وما زلت أسمع أنه رمى لقطّة لقمة من شعير وأخرى من قمح فشمّت اللقمة الأولى وانصرفت عنها ثم شمت الأخرى فأكلتها ولم تعد للأولى، فقال: هذا الحيوان البهيمي فرق بينهما، وكذلك خالف المذهب في التدمية البيضاء وقال: لا يعوّل عليها، وكذلك قال بخيار المجلس كما قال المخالف، وهو قول ابن حبيب من أصحابنا للدلائل الدّالة على رجحان مذهب من خالف مالكا فيها، قال ابن المواز في كتاب الخيار من تعليقته (٢٨١): حلف السّيوري بالمشي لمكة لا يفتي مالك في هذه الثلاث مسائل. قال: ولما أرادوا تجديد / السّور بعد خراب القيروان وطلب إدخال داره امتنع بعض من له القول (٢٨٢) فدعا (٢٨٣) عليهم بعدم الاتفاق في الكلمة فمن ثم لم يكن لهم مشيخة أي عرفا (٢٨٤).

стр. 891

ترجمة الشّيخ أبي يحيى زكرياء إبن الضابط: ومن تلاميذ الإمام اللّخمي الشّيخ أبو يحيى زكرياء بن الضابط، كان مفتيا بصفاقس بعد الإمام اللخمي معاصر للإمام المازري، قتله النّصارى (٢٨٥) - دمّرهم الله -، لمّا تملّكوا المهدية وسوسة وسائر بلاد الساحل إلى (٢٨٦) طرابلس، دخلوا عليه فوجدوا بيده مصحفا يقرأ فيه فقتلوه، وقتلوا جماعة من الفقهاء - وإنّا لله وإنّا إليه راجعون - اهـ بالمعنى من كتاب جامع مسائل الأحكام (٢٨٧). وكان - رحمه الله تعالى - يفتي بأن الجهل بالأحكام، وما توجبه السنة عذر مقبول على الصحيح فيما سوى الحدود، ومما نقل بالسّماع الشائع أنه - رحمه الله تعالى - لما تملك النصارى البلاد طلبوا من الناس الزيت، فضاق ذرع الناس فقال لهم الشّيخ: لا بأس عليكم، مروا النصارى باحضار مراكبهم وأوعيتهم، فلما أحضروا ذلك أمر من يملأ الماء ويناوله فيعطيه لمن يكيله بحضرة النّصارى فاذا هو من أطيب الزّيت وأعلاه، فملؤوا أوعيتهم وشحنوا مراكبهم وسافروا لبلادهم، فلما وصلوا بلادهم (٢٨٨) فتحوه فوجدوه ماء فرجعوا به فقالوا: هذا ماء، فقال: بل زيت، ففتحوه فاذا هو زيت، فرجعوا إلى بلادهم فوجدوه ماء، فصاروا كلما فتحوه بصفاقس وجدوه زيتا، وكلما فتحوه ببلادهم وجدوه ماء، فلعل ذلك كان سبب قتله وقتل جماعته / لينال رتبة الشهادة. واستيلاء الكفار قد تقدم أنه كان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (٢٨٩)، فهو تاريخ وفاة الشّيخ أو بعده بيسير، وضريحه بداخل صفاقس برأس زقاق الذهب (٢٩٠) منها من جهة جنوبيه، وهو مشهور مزار متبرك به. واستيلاء الكفرة (٢٩١) على ما تقدم من البلاد هو سبب إنقطاع الفقهاء المجتهدين من إفريقية لا سيما وقد استولى عليها مفسدو الأعراب.

стр. 892

قال في معالم الإيمان (٢٩٢): «وانقضت هذه الطبقة بعد الخمسمائة سنة (٢٩٣)، ولم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ لاستيلاء مفسدي الأعراب على إفريقية وتخريبها وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين، وذهاب الشّرائع بعدم من ينصرها من الملوك إلى أن منّ الله تعالى على النّاس بظهور دولة الموحّدين فوضحت بها معالم الدّين وسبل الحقّ ورسوم الشّرع، فظهر بظهورها بإفريقية العلماء والصّلحاء» اهـ. ترجمة الشّيخ أبي بكر الفرياني: وقد تقدّمت قضيّة الشّيخ أبي الحسن الفرياني ﵀ ونفعنا به - وذكر ولده عمر ﵀ ونفعنا به والمسلمين ببركاته ورحمهم الله ورحمنا بهم -، ومن أنجال أبي الحسن الفرياني الفقيه النّبيه العارف بالله تعالى الشّيخ سيدي أبو بكر بن علي بن محمّد الفرياني شهر اللخمي، توفّي - رحمه الله تعالى - لثمان خلون من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة (٢٩٤)، وقبره مشهور ظاهر مزار، هو أول قبة تلاقيك من مقبرة صفاقس (٢٩٥)، وكان قبره اندثر لطول الزمان فتغطى بالتّراب فحفر النّاس قبرا لميت / فكشف القبر وعليه إسمه ناطق وتاريخه حسبما ذكرنا، وكم تحت التّراب من فضلاء محيت قبورهم وبقيت فضائلهم منشورة مسطورة. ثمّ في حدود خمسين ومائة وألف قدم (٢٩٦) مركب به (٢٩٧) أناس غرباء يسألون عن أبي عبد الله سيدي محمّد الفرياني، وكان معلّم أطفال المسلمين وطبيبا للمرضى احتسابا لله تعالى، فدلّوا عليه فسئلوا عن سبب سؤالهم قالوا (٢٩٨): كنّا بالبحر وأصابنا نوّ كبير فأشفينا على الهلاك فاستغثنا الله ببركة رجاله الصّالحين، وإذا برجل معنا في المركب،

стр. 893

وسكن (٢٩٩) وهدأ النّو، فسألناه: من أنت؟ فقال: أبو بكر الفرياني من مدينة صفاقس، فسألناه: هل فيها أحد من ذرّيّتكم، فأرشدنا إلى إسمكم، فخذوا هذا النّصيب الذي حضر عندنا من الدّراهم، فأخذه واستعان بأهل الخير وابتنى على قبره قبة، فهي ظاهرة مشهورة باسمه، وعلى قبره سيف من رخام مكتوب فيه: هذا قبر الفاضل المرحوم المنعّم الإمام الفقيه النّبيه العارف بالله تعالى سيدي الشّيخ أبي بكر بن علي ابن محمّد الفرياني شهر اللخمي. ترجمة عبد الله الفرياني: قال التّجاني (٣٠٠): ومن شعراء صفاقس ثم من الفريانيين ورؤسائها عبد الله بن عبد الرّحمان بن علي الفرياني ممّن تقدّم عصرنا قليلا، مولده بمالقة من بلاد الأندلس، وأبوه هو المنتقل إليها من صفاقس، له رحلة أبعد فيها شرقا وغربا، أخبرنا عنه صاحبنا أبو العبّاس أحمد بن عبد السّلام الأموي التاجوري، وقد رآه وجالسه بطرابلس كثيرا، وسمع منه بعض / شعره وكان هجّاء مقرعا (٣٠١)، ومن شعره حين ولي السّعيد مراكش وكان السّعيد أسود اللّون. [الكامل] كان الخلائف (٣٠٢) قبل في مراكش ... صورا من الكافور يعجب خالصه فأتى على بعدهم (٣٠٣) ختما لهم ... كالمّسك لونا ليس فيه خصائصه وله في مثل هذا: [الكامل] أسفا على مراكش وولاّتها ... لم يبق للأيّام فيها رونق كانوا حماما فالليالي لم تدع ... في دارهم إلاّ غرابا ينعق

стр. 894

وألمّ إبن الابار (٣٠٤) في التّحفة (٣٠٥) بذكر جماعة من هجاء الشعراء فذكر أوّلهم أبا محمّد عبد الله بن عبد الرّحمان (٣٠٦) الفرياني، وكان بإشبيلية ناظرا في المواريث لأبي سليمان داوود بن أبي داوود وأنشد له بيتين في هجاء إبن زهر (٣٠٧) وهو غير الذي ذكرنا، وإن توافقا في الإسم والأب والنّسب والصّفة لبعد ما بين زمانيهما. ترجمة الشّيخ عبد الرّحمان الطّبّاع: ومن فقهاء صفاقس الشّيخ العالم العلاّمة الفقيه العمدة الفهّامة أبو زيد سيدي عبد الرّحمان الطّبّاع، مقامه مشهور بداخل صفاقس قريب سجن القضاة شرقي البلد، وقبره مشهور قرب الشّيخ اللخمي عليه سيف من رخام مكتوب فيه إسمه، ووفاته سنة سبعين وخمسمائة (٣٠٨)، فهو - رحمه الله تعالى - ممّن قام بنشر العلم بعد فتح عبد المؤمن البلاد من أيدي النّصارى. ترجمة الشّيخ طاهر المزوغي: ومن منازل صفاقس الرّاجعة إليها قصور السّاف (٣٠٩) وهي بلد الشّيخ العارف بالله تعالى سيدي طاهر المزوغي، أصله من عرب مزوغة بإفريقية، فانتقل ونشأ بتونس / ثمّ لما شاخ استوطن قصور السّاف، وطال عمره وانتفع النّاس به. قال الشّيخ أبو علي يونس السماط: بلغ الثّمانين سنة وتوفّي بوطنه من صفاقس، وقبره بها يزار، وله كرامات كثيرة، فمنها ما نقله السماط عن بعض الثّقات أنّه كان شخص جالسا بمسجد الشّيخ إذ خرجت من الشّيخ تفلة فأرسلها فأصابت شخصا أسود،

стр. 895

ونفذت من ظهره فوقع على وجهه، فقال له رجل كان معه بالمسجد وقد شاهد ذلك: يا سيدي رأيت كذا وكذا، وذكر ما رأى، فقال له: قل للحاضرين فعرفهم بذلك، ثم قال له: يا سيدي وما ذلك الأسود الذي رأيته، فقال: هو صاحب مراكش جاليا أخذ تلمسان فأخذه الله، فقيد ذلك بالكتابة التي وقعت (٣١٠)، فجاء الخبر بعد ذلك بما طرأ للملك السّعيد صاحب مراكش من الكائنة (٣١١) التي وقعت عليه وعلى جيشه، أنّه لمّا بقي بينه وبين تلمسان مسافة يوم واحد قتل هنا لك على ظهر فرسه هو وجيشه في صفر سنة ستّ وأربعين وستمائة (٣١٢) - حسبما مرّ -، فنظروا التّاريخ فوجدوه مطابقا، وقد أخذ الطّريق عن أبي مدين شعيب وهو أخذ عن أبي يعزى (٣١٣) وهو عن أبي الحسن إبن حرازم (٣١٤)، وهو عن أبي بكر محمّد بن العربي، وهو عن حجّة الإسلام الغزالي وهو عن أبي المعالي (٣١٥)، وهو عن أبي طالب مكي، وهو عن أبي القاسم الجنيد وهو عن سري السقطي (٣١٦)، وهو عن معروف الكرخي (٣١٧)، وهو عن أبي سليمان داوود / الطائي (٣١٨)، وهو عن حبيب العجمي (٣١٩)، وهو عن الحسن البصري (٣٢٠) وهو عن

стр. 896

الإمام علي بن أبي طالب (٣٢١) - رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين - ولم نظفر بتاريخ وفاته لكن يؤخذ من ذكر وفاة الملك السّعيد المتقدّمة تقريب وفاته (٣٢٢). ترجمة الشّيخ أبي مدين شعيب: ولمّا جرى ذكر أبي مدين (٣٢٣) فلا بدّ من ذكر التّعريف به وبعض كلامه فنقول: أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي أصلا، البجائي مولدا ومنشأ، المشهور بالغوث، كان من أعيان مشايخ المغرب وصدور المقربين. كان سلطان تلمسان لمّا بلغه خبره وما كان فيه من الشّهرة الّتي ملأت الآفاق وصيرورته إمام الصّدّيقين في وقته بلا شقاق، أمر بإحضاره من بجاية ليتبرّك به لتعذّر وصول السّلطان إلى زيارته خوفا من اختلال أمر رعيّته، فأجاب بالسّمع والطّاعة، ثمّ قال بخفض (٣٢٤) صوته: ما لنا وللسّلطان الليلة نزور الإخوان، ثمّ نزل بتلمسان واستقبل القبلة ليلة دخوله وتشهّد وقال: ها قد جئت ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ (٣٢٥)، ثمّ قال: الله الحيّ (٣٢٦)، ففاضت روحه ولم يمكث في تلمسان شيئا، فمات - كما تقدّم - في حدود تسعين وخمسمائة (٣٢٧) عن نحو ثمانين سنة، فدفن بتلمسان في تربة العبّاد - رحمه الله تعالى ونفعنا ورحمنا به -. وكان رأس العارفين في زمانه، فأخذ عن الكبراء كالعارف إبن عربي وأضرابه من أهل عصره، قال الشّعراني في طبقاته (٣٢٨): كان الشّيخ / أبو الحجاج الأقصري - رضي

стр. 897

الله تعالى عنه - يقول: سمعت شيخي عبد الرّزّاق (٣٢٩) يقول: إجتمعت بالخضر ﵇ سنة ثمانين وخمسمائة (٣٣٠) فسألته عن شيخنا أبي مدين، فقال: هو إمام الصّدّيقين (٣٣١) في هذا الوقت وقد أعطاه الله مفتاحا من السّرّ المصون بحجاب القدس، فما في هذا الوقت (٣٣٢) أجمع لأسرار المرسلين منه، ثم إنّ أبا مدين مات بعد ذلك بيسير. وقال الشّيخ محيي الدّين بن عربي (٣٣٣) - رضي الله تعالى عنه - ذهبت أنا وبعض الأبدال إلى جبل قاف، فلمّا مررنا على الحيّة المحدقة به سلّمنا (٣٣٤) عليها فردّت علينا السّلام ثمّ قالت: من أي البلاد أنتم؟ فقلنا لها: من بجاية من أرض المغرب، فقالت: ما حال أبي (٣٣٥) مدين مع أهلها؟ فقلنا لها: يرمونه بالزندقة ويؤذونه أشد الأذى (٣٣٦)، فقالت: عجبا والله لبني آدم كيف يؤذون أولياء الله؟ والله ما كنت أظنّ أنّ الله يوالي عبدا من عبيده فيكرهه أحد (٣٣٧)، إنّه (٣٣٨) والله ممّن اتّخذه الله وليّا وأنزل محبّته في قلوب عباده، فقلنا لها: ومن أعلمك به؟ فقالت: أعلمني به الله (٣٣٩) اهـ. وقد أجمعت المشايخ على تعظيمه وإجلاله، وتأدّبوا بين يديه، وكان جميلا ظريفا متواضعا زاهدا ورعا محقّقا، قد إشتمل على أكرم الأخلاق - رضي الله تعالى عنه - وكان يقول: ليس للقلب إلاّ وجهة واحدة، متى توجّه إليها حجب عن غيرها، وكان

стр. 898

يقول: من خرج إلى الخلق قبل وجود حقيقة تدعوه إلى ذلك / فهو مفتون، وكلّ من رأيتموه يدّعي (٣٤٠) مع الله حالة لا يكون على ظاهره منها شاهد فاحذروه، وكان يقول: من تحقق بمقام العبودية لله شهد أعماله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى (٣٤١) وأقواله بعين الافتراء، وكان يقول: ما وصل إلى مقام الحرية من بقي عليه من نفسه بقية، ويقول: لا تنظر إلى مشاهدتك له وانظر إلى مشاهدته لك، وكان يقول: الفقر نور ما دمت تستره، فإذا أظهرته ذهب نوره، وكان يقول: كلّ فقير كان الأخذ أحبّ إليه من العطاء فهو كاذب لم يشم رائحة الفقر، وقال: من لم يصلح لخدمته شغله بالدّنيا، ومن لم يصلح لمعرفته شغله بالآخرة، وكان يقول: من لم يخلع العذار لم ترفع له الأستار، وكان يقول: إياكم أن تتعدوا مقاما قبل احكامه فان ذلك يقطعكم عن كمال الوصول إلى حقيقته، وكان يقول: إياكم وصحبة الأحداث المبتدئين في الطّريق ولو كانوا أبناء سبعين سنة إلاّ بعد تعيّن ذلك عليكم. ومكث - رضي الله تعالى عنه - سنة في بيته لا يخرج إلاّ للجمعة، فاجتمع النّاس على باب داره وطلبوا منه أن يتكلّم عليهم، فلمّا ألزموه خرج، فرأته العصافير التي كانت على سدرة في داره ففرت، فرجع وقال: لو صلحت للحديث عليكم لم تفرّ منّي الطّيور، فجلس في البيت سنة أخرى ثمّ جاءوا إليه فخرج، فلم تفر منه الطيور، فتكلّم على النّاس ونزلت الطّيور تضرب بأجنحتها وتصفق حتّى ماتت منها طائفة كثيرة / ومات رجل من الحاضرين. وكان يقول: كلّ فقير لا يعرف زيادته من نقصه فليس بفقير. وكان يقول: نسيان الحقّ تعالى طرفة عين خيانة من العبد يستحقّ بها العقوبة، وكان يقول: الحضور مع الحقّ تعالى جنّة، والغيبة عنه نار، والقرب منه لذّة، والبعد منه حسرة وموت، والأنس (٣٤٢) بذكره حياة، وكان يقول: من طلب الطّريق بلا توبة (٣٤٣) من سائر الآثام (٣٤٤) فهو جاهل. وكان يقول: من قطع موصولا بحضرة ربه قطع به، ومن أشغل

стр. 899

مشغولا بربّه أدركه المقت في الوقت، وكان يقول: من شرط العارف أن يتحكم فيما بين العرش والثرى. وكان الحق تعالى أذلّ له الوحوش فإذا رآه الوحش ارتعد من هيبته، ومرّ يوما على حمار والسّبع قد أكل نصفه، وصاحب الحمار ينظر إليه من بعيد لا يستطيع أن يقرب منه، فقال لصاحب الحمار: تعال (٣٤٥)، فذهب به إلى الأسد وقال له: أمسك بأذنه واستعمله مكان حمارك حتى يموت، فأخذ بأذنه فركبه وصار يستعمله سنين مكان حماره حتى مات الأسد. وفي طبقات المناوي نقلا عن إبن عربي: ان الشّيخ أبا مدين كان يقول: من علامة صدق المريد في إرادته فراره عن الخلق، ومن علامة صدق فراره عنهم وجوده للحق، ومن علامة صدق وجوده للحق رجوعه للخلق، وهذا هو حال الوارث للنبيء ﷺ فإنّه كان يخلو بغار حراء وينقطع إلى الله فيه ويترك بيته وأهله ويفرّ إلى ربه حتّى فاجأه (٣٤٦) / الحقّ فبعثه الله رسولا مرشدا لعباده، فهذه حالات ثلاث ورثه فيها من اعتنى الله به من أمته، ومثله يسمى وارثا، فالوارث الكامل من ورثه علما وعملا وحالا. ورأى بعض الأولياء إبليس فقال: كيف حالك مع أبي مدين؟ فقال: ما شبّهت نفسي فيما نلقي إليه (في قلبه) (٣٤٧) إلاّ كشخص بال في البحر المحيط فقيل له: لم تبول فيه؟ قال: حتّى أنجسه فلا تقع به الطّهارة، فهل رأيتم أجهل من هذا؟ فكذا أنا وقلب أبي مدين، كلما ألقيت فيه أمرا قلب عينه، وقال الخواص: كان مذهب الشّيخ تقريب الطّريق على المريدين ونقلهم إلى محلّ الفتح من غير أن يمرّ بهم على الملكوت. ووقع له في سياحته أنّه دخل على عجوز في مغارة فأقام عندها، فجاء إبنها آخر النّهار فسلّم عليه، فقدّمت العجوز سفرة فيها صحن وخبز، فقعد الشّيخ والإبن يأكلان فقال: تمنّيت أن لو كان هذا كذا، فقال له: سمّ الله وكل ما تمنّيت، فلم يزل يعدّد الفتى وهو يقول مقالته الأولى واللون الواحد ينقلب ألوانا كثيرة، ويجد طعم (٣٤٨) ما تمنّى. وكان إذا خطر له خاطر في نفسه وجد جوابه مكتوبا في ثوبه الذي عليه، فخطر

стр. 900

له يوما أن يطلّق امرأته وكان بحضور العارف أبي العبّاس، فرأى مخطوطا في ثوب الشّيخ: أمسك عليك زوجك. قال إبن عربي: شيخنا أبو مدين (٣٤٩) من الثمانية عشر نفسا الظّاهرين بأمر الله عن أمر الله، لا يرون سوى الله من الأكوان، وهم أهل علانية وجهر / مثبتون للأسباب وخرق العوائد عندهم عبادة، قل الله ثم ذرهم، قال: وكان يقول لأصحابه: أظهروا للنّاس ما عندكم من الموافقة يظهر (٣٥٠) للنّاس بالمخالفة، وأظهروا مما أعطاكم الله من نعمه الظاهرة والباطنة، يعني (٣٥١) خرق العوائد والمعارف، فإنه تعالى يقول ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣٥٢) وهذه الطّائفة اختصت باسم الظّهور لكونهم ظهروا في عالم الشّهادة. وقال في موضع آخر: شيخنا أبو مدين الغالب على قلبه وبصره مشاهدة الحق في كل شيء، فكل حال عنده أعمال فيعلن بالصدقة كما يذكر في الملأ، فان من ذكره في الملأ فقد ذكره في نفسه، فان ذكر النفس متقدم بلا شك، وما كل من ذكره في نفسه ذكره في الملأ فهذه حالة زائدة على الذكر النفسي لها مرتبة تفوق صاحب ذكر النفس، فان ذكر النفس لا يطلع عليه في الحالين فهو سر بكل وجه، فصدقة الاعلان تؤذن بالاقتدار الإلاهي، فمن يخفيها أو يسرّها فهو الظاهر في المظاهر الإمكانية، فهذه كانت طريقة شيخنا. وكان يقول: قل الله ثمّ ذرهم أغير الله تدعون (٣٥٣) قال: وكان يقول لأصحابه: أعلنوا بالطاعة حتّى تكون كلمة الله هي العليا كما يعلن هؤلاء بالمعاصي ولا يستحيون من الله. وكان يقول في قوله تعالى ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٣٥٤)، فإذا فرغت من الأكوان فانصب قلبك لمشاهدة الرّحمان، وإلى ربك فارغب في الدّوام،

стр. 901

وإذا دخلت في عبادة فلا تحدّث / نفسك بالخروج منها، وقل: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ (٣٥٥). وكان الشّيخ أمّيّا وعلوم الأمّيّ تأتي خالية من الأشكال اهـ (٣٥٦). ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي المزوغي: ومن أحفاد سيدي طاهر المزوغي الشّيخ أبو الحسن سيدي علي بن أبي القاسم إبن أحمد بن محمّد بن علي بن عبد العزيز بن عمر ابن الشّيخ سيدي (٣٥٧) طاهر، وأمّه خديجة بنت الشّيخ سيدي علي المزوغي، وكانت من العابدات. مولده بقصور السّاف سنة ستّ وسبعين وسبعمائة (٣٥٨) ووفاته ببلده، فهو من أهل القرن الثّامن ولم يثبت عندنا تعيين سنة وفاته، وقبره مشهور ببلده، مزار يتبرك به. كان من أعيان المحقّقين والعلماء العارفين صاحب كشف وكرامات وأحوال ومقامات. تصدّر ﵀ للفتوى في جميع العلوم وصنّف الكتب المفيدة في علوم الشّريعة والحقيقة، واجتمع عليه وانتفع به جمّ (٣٥٩) غفير من الفقهاء وإليه انتهت تربية المريدين من مشارق الأرض ومغاربها، وتفقّه وأخذ الطّريقة عن الشّيخ أبي علي السّماط، وعن الشّيخ سيدي عبد الغني المزوغي. قيل كان الخضر لا يفارقه ليلا ولا نهارا، وله التّصرّف في الكون بما شاء الله. وقد أخذ عنه من أخيار الإنس والجنّ مائة ألف أو يزيدون، ومن مريديه الشّيخ الصّالح سيدي محمّد الزرمديني ذو الكرامات والمكاشفات، ومن أخصّ مريديه الشّيخ أبو الحسن سيدي علي الكراي أبو بغيلة كما يأتي الكلام / عليه في محلّه إن شاء الله.

стр. 902

ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي المحجوب: ومن أحفاد سيدي علي بن أبي القاسم الشّيخ أبو الحسن سيدي علي المحجوب إبن الشّيخ أبي الحسن علي، إبن الشّيخ أبي عبد الله محمّد إبن الشّيخ أبي الحسن سيدي علي ابن أبي القاسم، سمي المحجوب لكثرة احتجابه، كان شيخ الطّريقة والحقيقة، وانتهت إليه تربية المريدين، أخذ الطريقة عن سيدي علوان بن سعيد (٣٦٠) صاحب المقامات والكرامات. وقبره غربي قصور السّاف بينهما قدر أربعة أميال. قال الشّيخ سيدي علي المحجوب لأولاده: كلّ النّاس تزوركم إلاّ الشّيخ سيدي علوان فزوروه. وأخذ أيضا عن سيدي محمّد بن جابر وقبره بالمهدية مشهور مزار، كان سيدي علي المحجوب - رحمه الله تعالى - صاحب اجتهاد وعبادة ذا حظّ من صلاة الليل، كان ورده كلّ ليلة ألفا ركعة بختمة من القرآن الكريم. ومن كراماته أنّه أشبع خمسمائة زائر من ويبة واحدة، فشبع الجميع ومن حضر، وبقي من الطّعام كثير. قتل - رضي الله تعالى عنه - شهيدا لما أخرب الكفار (٣٦١) المهدية سنة سبع وخمسين وتسعمائة (٣٦٢) فقاتل قتالا شديدا بنفسه وجواده حتّى أنه يأتيه الكفار من خلفه فيرفسهم (٣٦٣) جواده بسنابكه فيقتلهم، نودي في سرّه ذات يوم من أيام قتاله: يا علي، الأجل قد حضر، فأخبر بذلك أولاده، وان الكّفّار يقتلونه ويقطعونه قطعا ويرمونه في البحر، فارتقبوا أجزائي على شاطئ البحر، فأتوا لشاطئ البحر ليلا، فوجدوا على أبعاضه (٣٦٤) نورا تتميز به عن غيرها، فاستجمعوها / مستكملة ونقلوها لبلده قصور السّاف، فقبره بها مشهور (٣٦٥) قرب جده سيدي علي بن أبي القاسم.

стр. 903

ترجمة الشّيخ طاهر بن عبد الواحد المزوغي: وممّن أدركنا من أحفاد سيدي طاهر المزوغي الشّيخ الأبر النّاسك سيدي طاهر بن عبد الواحد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الرّحمان بن الفضيل بن عبد الرّحمان بن أحمد - شهر زروق - بن محمّد بن عمر بن سعيد بن علي بن محمد إبن الشّيخ سيدي المزوغي، وجدت بخطّه: قدم كاتبه لبلد قصور السّاف المعروفة بزاوية الجدّ الشّيخ سيدي طاهر المزوغي من تونس برمضان من عام ثلاثة وسبعين ومائة وألف (٣٦٦). (وكان زمن مكثه بتونس لطلب العلم مقدار خمس سنين) (٣٦٧) (وكان مكثه قبل ذلك بصفاقس مقدار خمس سنين) (٣٦٨) يطلب العلم، وحجّ عام واحد وستين ومائة وألف (٣٦٩) مع والده عبد الواحد، وكان تفقّه بصفاقس على الشّيخ سيدي طيّب الشّرفي (٣٧٠)، وبتونس على الشّيخ الشّحمي (٣٧١)، وشيخنا سيدي عبد الله السّوسي (٣٧٢)، وشيخنا المحجوب (٣٧٣)، والشيخ الغرياني (٣٧٤) وغيرهم، وتفقّه في بلده على (٣٧٥) أخيه الشّيخ أبي عبد الله محمّد بن عبد الواحد، وتفقّه أخوه بصفاقس على (٣٧٥) الشّيخ سيدي محمّد الشّرفي إبن المؤدّب (٣٧٦)، توفّي صاحب التّرجمة آخر شوّال سنة ثمان وتسعين ومائة

стр. 904

وألف (٣٧٧) وعمره ثلاث وستّون سنة، وولادته سنة خمس وثلاثين ومائة وألف (٣٧٨). ووفاة أخيه سنة تسع وتسعين ومائة وألف بربيع الثاني (٣٧٩). ترجمة الشّيخ الولي عبّاس الجديدي: ومن أولياء الله بمدينة صفاقس الشّيخ الولي الصّالح الحسيب النّسيب الشّريف المزار المتبرّك به سيدي أبي الفضل عبّاس الجديدي / إبن الشّيخ السّيّد الشّريف عبد الله إبن السّيّد الشّريف أحمد إبن المعظّم الأجل سيدي إدريس الأصغر، إبن مولانا إدريس الأكبر (٣٨٠) - رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم ونفعنا بهم - مقامه عظيم مشهور (٣٨١). وكان له خلف صالحون، ولهم إجازات وأسانيد في أخذ الطّريقة والمصافحة ولبس الخرقة، وبأيديهم أوامر سلطانية حفصية وعثمانية باحترام زاويتهم وأخذ أعشار لقوتهم وإطعام فقرائهم. ثمّ انقضت تلك السّنون وأهلها ... فكأنّها وكأنّهم أحلام غير أن المقام معظّم محترم وهو بالرّكن الشّمالي الشّرقي من داخل المدينة، معروف (٣٨٢) معظّم محترم. ونقل الشّيخ أبو الحسن الكرّاي - رحمه الله تعالى - أنّ الشّيخ أبا بغيلة - نفعنا الله به - كان يلتقي بالخضر في مقام سيدي عباس الجديدي، وأنّه دعا له ولذّرّيته بالبركة، ولم نقف على تاريخ وفاته، لكن يعرف بالقرب من [وفاة] مولاي إدريس، وربّما كان ممّن استشهد في وقعة إستيلاء لجار على البلد، فإنّ أكثر أهل الخير والصّلاح استشهدوا بها.

стр. 905

ترجمة المرابطة السّتّ أم يحيى مريم وشيخها أبي يوسف الدّهماني: ومن منازل صفاقس الرّاجعة إليها المنية (٣٨٣) وهي قرية العابدة السّتّ أم يحيى مريم وهي معروفة مشهورة. قال في فضلها سيدي علي بن أبي القاسم - نفعنا الله به -: السّتّ أمّ يحيى خير من ألف لحية من لحية علي بن أبي القاسم، أخذت الطّريقة عن العارف بالله سيدي أبو يوسف يعقوب بن ثابت الدّهماني (٣٨٤). ولا بدّ لنا من ذكر شيء من مآثره ليعلم علو الفرع بعلو أصله، ولتزداد لنا البركة بذكر هؤلاء الأخيار. قال / في معالم الإيمان (٣٨٥): كان من أعلام طريق الإرادة وكبار مشايخها، سمع الفقه على الشّيخ أبي زكرياء بن عوانة، ولازم مجلسه وانتفع به، وسمع الحديث على أبي محمّد عبد الله بن حوط الله وغيره، ورحل إلى بجاية للقاء الشّيخ أبي مدين شعيب، ثمّ رحل إلى الحجّ سنة خمس وتسعين وخمسمائة (٣٨٦)، ولقي الشّيخ أبا عبد الله القرشي - رضي الله تعالى عنه - ثمّ قال: ولد أبو يوسف بالبادية بقرب قرية تسمّى المسروقين (٣٨٧) من حوز القيروان، ونشأ بالبادية والقيروان، وقرأ القرآن على أبي عبد الله محمّد بن عمر بن جابر ﵀. وكان ﵀ منذ مراهقته البلوغ محافظا على الصّلاة متنزها عن الفواحش، وكان محبّا في ركوب الخيل العتاق. وكان سبب انقطاعه عن العرب (٣٨٨) أنّه قال: سرت مرّة مع جماعة من بني عمّي من عمل القيروان إلى المهدية بنيّة الجهاد عند نزول الرّوم عليها في وقعة الجمعة المشهورة،

стр. 906

وكان عليّ درع حسن وأنا راكب على فرس أدهم، فلقينا الشّيخ الصّالح الوليّ أبا (٣٨٩) زكريّاء بن الأجباري، فنظر إلينا ثمّ كرّر إليّ النّظر دونهم، ثمّ قبض على ركابي وقال لي: ما اسمك يا فتى؟ فقلت له: يعقوب، فقال: إسأل الله يا فتى أن يفني شبابك في طاعة الله، فثار خاطري لذلك في الحين، وكأنّما رماني بسهم، فخرجت من المهدية وأنا على خلاف ما كنت عليه، ثمّ وصلت إلى القيروان، فتركت ركوب الخيل ومكاثرة أهلي، وانقطعت إلى عمارة مسجد كان هناك بقربنا / ثمّ قصدت إلى ميعاد الشّيخ الصّالح الزّاهد الفقيه أبي زكرياء بن عوانه - رحمه الله تعالى - ثمّ لم يزل ملازما لميعاده حتّى تعلّم كثيرا من العلم (٣٩٠)، ثمّ لازم الخير والخدمة (٣٩١) في المسجد إلى أن وصل الشّيخ أبو عبد الله البسكري تلميذ أبي الفضل البسكري (٣٩٢) القيروان، فصحبه مدّة وانتفع به، ثمّ ارتفعت أحواله، وأخذ في المجاهدة وسلوك سبيل الرّياضة، وصحب جماعة من كبار المشايخ فانتفع بصحبتهم. وله كرامات كثيرة، فمنها أنّ الشّيخ أبا عبد الله القرشي (٣٩٣) كان قد هجر السّماع وحضوره فقيل له: لم منعته وهجرته؟ قال: لما حدث فيه من المقاصد لغير الله، ولمّا قدم عليه الشّيخ أبو يوسف سأله الاذن فيه، وحضوره معه قال: هذا باب سددناه ومنعناه فقال: أنا قادم ولي عليكم كرامة القدوم، فأجابه إلى ذلك، فجعل مجلس سماع حضر فيه إثنا (٣٩٤) عشر رجلا من الأكابر، وجمع من الطلبة والمحبّين، فلمّا أخذوا في السّماع تواجد الشّيخ أبو يوسف وارتفع من موضعه في الهواء (٣٩٥) فقام الشّيخ أبو عبد الله القرشي على قدميه وكان زمنا مقعدا منذ أعوام تقدّمت، قال أبو عبد الله القرطبي: فجعلت أمدّ يدي وأنا قائم على صدور قدمي لعلّي ألحق قدم الشّيخ أبي يوسف وهو في الهواء (٣٩٥) فلم أستطع، فدار ذلك البيت جميعه ثمّ عاد إلى موضعه وأنا أنظر إلى بياض

стр. 907

قدميه وهو في الهواء (٣٩٥)، فكان الشّيخ أبو عبد الله يقول: تقولون ذهب الرّجال؟ أنظروا إلى هذا البدوي. قال وعمي في آخر عمره وكان إذا أخذ / المصحف نظر فيه. ورأت أم يحيى مريم بالمنية من قطر صفاقس في منامها قائلا يقول لها: سر إلى الشّيخ أبي زكرياء المعروف بابن هناص بالمهدية وبايعه، قالت: فاستيقظت واستعذت بالله من الشّيطان الرّجيم ونمت، فعاد إليّ ثانية وثالثة فقال لي في الثالثة: ما أنا شيطان وإنّما أنا ملك. قالت: فسرت من بلدي إلى المهدية في طلب من ذكر لي، فلمّا دخلت البلد بقيت حائرة أتوسّم من أسأله يدلّني على موضعه، فبينما أنا كذلك إذ فتح باب دار فخرج رجل عليه ثوب وعلى رأسه قلنسوة دون عمّة، فقال لي على البديهة: أهلا ومرحبا بالمرابطة مريم على عدد ما مشيت من منزلك إلى هنا، والذي يخاطبك يعقوب الدّهماني، والذي خوطبت به في منزلك هو عندي في منزلي، قالت: فبقيت متعجبة لكشفه ما خوطبت به في منامي في بلدي ومخاطبته لي باسمي من غير سابق معرفة، فدخلت الدّار فوجدت بها زوجه أمّ يوسف ولم يكن عنده إذ ذاك غيرها، ووجدت الشّيخ أبا زكرياء عنده في خدمته، فأقمت عنده وقتا، فقال لي الشّيخ أبو زكرياء: عليك بخدمة الشّيخ أبي يوسف فيما أمرت وحسبك ما خاطبك به أول ما رآك وكاشف بما رأيته في المنام وعن السؤال أغناك، قالت: فألزمت نفسي لطاعته من ذلك الزّمان إلى الآن، وكان عندها للشّيخ أبي يوسف زيادة تعظيم وهيبة واحترام لا ينحصر / طول حياته وبعد مماته، وكان لها قرب التّسعين أو الثّمانين، فكانت لا تجلس دون لحاف ولا تستطيع رفع الكلام عنده ولا النّظر إليه، ولا تقرب منه هيبة واحتراما. ولمّا رجعت إلى موضعها ومرض الشّيخ أبو يوسف مرضا شديدا نقل إليها أنّه مات، فدهشت وأقعدت وسكنت دهرا لا تستطيع القيام، فلمّا برئ الشّيخ من ذلك المرض الذي قال فيه: سررت (٣٩٦) بولدين يزدادان لي، وأعيش إثني عشر عاما، فكان كذلك، فعند تمام عافيته وصحّته، وسمع بخبرها سافر لها، فلمّا قرب من موضعها قال: لا يخبرها أحد بي حتى أدخل عليها المنزل، فلمّا دخل قيل لها: الشّيخ طالع إليك! فقامت من زمانتها في ساعتها وتلقّته خارج باب البيت، وقالت: يا سيدي، قيل

стр. 908

لي أنّك متّ فدخلت علي حسرة، فقال لها: يا مريم لا شيء يحيي ويميت إلاّ الله تعالى، فكان لها في الشّيخ قصد عظيم ونيّة حسنة، واتّخاذ صحبة. قال بعضهم: نزل الشّيخ عندنا بقصر وكنت بالقصر الآخر، فسرت إليه وقلت في نفسي: تمنّيت لو أطعمني الشّيخ ثلاث لقم بيده في فمي! فلمّا دخلت عليه وجدته في جماعة يتناولون طعاما، والمرابطة مريم جالسة، فلمّا رأتني قالت للشّيخ: إدفع لصاحب الأمنية ما طلب، فأعطاني ثلاث لقم كما خطر في سرّي فتعجّبت من مطابقتهما لذلك. ومن كراماتها ما حدّث به / بعضهم قال: كنا ليلة عند المرابطة في البيت فضربت بيدها، فبقينا ننظر، فقالت: محمد البرزلي أتي من قصر زياد والأسد بالجابية أخشى أن يروعه، وإلاّ فما يرى منه بأسا! ثمّ سكتت ساعة وقالت: قوموا افتحوا له الباب، فقمنا فوجدناه قرب الباب، آتيا، ونظرنا الأسد بالموضع الذي ذكرت لم يتحرك. وقال بعض أصحابها: خرجت من المهدية ومعي شيء من السريس (٣٩٧) برسمها، فلمّا وصلت الغيضة (٣٩٨) وحان الليل سمعت خلفي حسّا، فوقفت أتحسّس إليه، فانقطع عنّي، فلم أزل كذلك حتّى وصلت ولا رأيت شيئا، فلمّا ضربت الباب وفتح لي أخرجت لي رأسها من الطّاق، وقالت: قد (٣٩٩) وصل! فقلت لها: من هو؟ قالت: الأسد كان خلفك يشيعك، فنظرت فإذا هو كما قالت، وكانت أمّ يحيى هذه من أصحاب الشّيخ الأوّلين، وخواصه، وكان يقول: أصحابي الأوّل دخلوا من الباب الذي دخلت منه وحصل لهم مثل ما حصل لي وزيادة. قال (٤٠٠): ومن كرامات الشّيخ أبي يوسف ما حدّثني به أبو علي فضل الصّفاقسي قال: عطشت ليلة عطشا شديدا ولم أجد ماء ولم أطق صبرا، فأخذت الإناء ومددت يدي وقلت: يا ربّ بحرمة سيدي أبي يوسف إلاّ ما أسقيتني السّاعة، والسّماء مصحية، والنّجوم تزهر، ويدي ممدودة بالإناء، ثمّ غلب عليّ غالب حال غيّبني عن حسّي، فلم أدخل يدي إلاّ وقد قيّض الله بمطر غزير / في الوقت فوجدت الماجل (٤٠١) قد امتلأ حتّى ارتفع الغطاء.

стр. 909

وحدّثني أبو علي فضل الصّفاقسي أيضا قال: كنّا بزويلة جلوسا مع الشّيخ في مسجد ورجل جندي ينظر إلينا من كوّة في المسجد، ثمّ إنه سار وعاد ينظر، ثمّ مضى، وقام الشّيخ وقمنا معه، فلمّا جلس في الدّار ساعة دعا (٤٠٢) بفقير كان عنده فقال له: يا سليمان سر إلى المسجد الذي كنّا فيه وانظر حصره، فمضى الفقير ثمّ عاد وقال: يا سيدي ما فيه حصر، فبعد ساعة طويلة سمعنا مناديا ينادي على رأس مقطوع: هذا جزاء من فعل كذا، فأخرج الشّيخ رأسه من طاق في الدار، ونظر فقال: هذا رأس ذلك الرجل الذي كان ينظر إلينا في المسجد، فلمّا خرجنا أخذ حصر المسجد يشرب عليها أصحابه الخمر ففعل الله به هذا. قال (٤٠٣): وتولّى الشّيخ أبو يوسف القطابة، حدّث الشّيخ حزام المدفون بالمرسى قرب مدينة تونس قال: لمّا زار الشيخ أبو يوسف والشّيخ أبو محمّد عبد العزيز أبا مدين ببجاية قال لبعض أصحابهما: احتفظوا بهذين (٤٠٤) فإنه تكون لهما القطابة (٤٠٥) سبعة أعوام بهما شركة، قال: تكون للأوّل، فإذا مات يكون الأمر للّذي يبقى بعده بقدر ما تخلّف بعده، فتوفّي الشّيخ أبو يوسف بالمحرّم من عام واحد وعشرين وستّمائة (٤٠٦)، وتوفّي الشّيخ أبو محمّد في شهر رجب من ذلك العام. ودفن الشيخ أبو يوسف بالقيروان قرب الإمام أبي الحسن القابسي. ترجمة الشّيخ عبد الواحد إبن التّين: ومن مشايخ صفاقس / المشهورين سيدي عبد الواحد ابن التين شارح البخاري، شهرته تغني عن التّعريف بفضله، وشرحه (٤٠٧) مشهور، وله فيه اعتناء زائد بالفقه مع

стр. 910

رشاقة العبارة ولطف الإشارة، توفّي ﵀ سنة إحدى عشرة وستمائة (٤٠٨) وقبره مشهور مزار متبرّك به، أمام الإمام اللخمي (٤٠٩). ترجمة الشّيخ الولي سيدي جبلة: ومنهم الشّيخ الصّالح سيدي جبلة المدفون خارج البلد بشاطئ البحر (٤١٠) عند الركن الغربي الجنوبي تحت سور القصبة، كان له سبعة أولاد، فقتل شهيدا في واقعة إستيلاء أصحاب لجار (٤١١) في المكان الذي دفن فيه، وقتل جميع أولاده شهداء، وله مقام بداخل صفاقس كان يقرئ به العلم قرب ساباط عريبة (٤١٢)، وهو اليوم مكتب يقرئ فيه ذرية معلّم أطفال المسلمين شيخ البركة أبو عبد الله سيدي الحاج محمّد المصمودي - رحمه الله تعالى -. وللشّيخ سيدي جبلة كرامات عديدة منها أنّ بعضهم خرج ليلا لصيد الجرمان من البرك التي تخلّفها الأمطار، فلمّا قرب من ضريح الشّيخ قال له رفيقه: وجبت علينا زيارة الشّيخ وقراءة فاتحة الكتاب فقال له مستخفّا: اتركنا ما نعرف شيخا رح بنا، فما استتم كلامه إلاّ ولطمه كفّ على وجهه ذهب بصره، فلم يدر أين يذهب، فأخبر صاحبه بما طرأ له وقال: ارجع بنا إلى الشّيخ، فرجع به يقوده، فلمّا دخل جعل يتضرّع ويطلب الإقالة والعفو، فبعد مشقّة ظهر له بعض ضوء، فخرجا ورجعا إلى محلّ الإصطياد، فدخل كلّ / واحد منهما زريبة (٤١٣) فرمى المستخفّ بندقية على الجرمان فانكسرت وخرّ عليه سقف الزريبة (٤١٣) فأثقله التّراب فلم يستطع الحراك ولا الجواب ولا شعور لصاحبه بما وقع عليه، فلمّا أراد الإنصراف ناداه فلم يجبه، فظنّه رجع إلى البلد، فلم يجده بالبلد فرجع إلى الزريبة (٤١٣) فوجده على تلك الحالة بآخر رمق، فاستخرجه هو ومن معه بعد جهد جهيد، وأتوا به إلى ضريح الشّيخ، فتركه (٤١٤) به (وخرج إلى أهله يخبرهم،

стр. 911

فجاء (٤١٥) أهله إليه يستشفعون) (٤١٦) ويطلبون الإقالة، فأقاموا به حتّى شفاه الله، فتاب وحسن اعتقاده. ومنها أنّ رجلا بات يحرس مقثاته من اللصوص، فلمّا أحسّ بمبادئ الفجر اطمأن وأخذته غفوة، فانتبه فظهر له أثر لصوص خرجوا من المقثاة وساروا نحو البلد، فاتبعهم قليلا قليلا (فأتوا البلد) (٤١٧) فوجدوا الباب مغلقا فتمادوا سائرين من الباب فتبعهم حتّى وصلوا ضريح الشّيخ وطلع النّهار، فاستوقفهم فوقفوا، ووجد عندهم غرارة على حمارة مملوءة بالقثاء (٤١٨) فقال: ما هذا؟ ففرّ منهم إثنان ومسك واحد فطلب منه الإقالة لوجه الله، فأبى إلاّ إدخاله للحاكم ليسجنه ويضربه وينتقم منه، فجعل اللّصّ يتمرّغ (٤١٩) في تراب الشّيخ فلم يقله، فسمع صوتا ولم ير شخصا يقول: اتركه لوجه الله ولا تفضحه يكفيه ما أصابه، فلم يلتفت لذلك، فكثرت المراجعة فقال: / آخر الكلام، إمّا أن تتركه لوجه الله وإلاّ عاقبتك، تهتكه في حرمي أما تستحي؟ خذ متاعك واتركه، فالتفت وإذا خيال شخص على باب الضّريح (٤٢٠) يخاطبه بعنف وغلظة حتّى خشي على نفسه، فتركه خوفا منه، فلمّا نام فإذا بشخص واقف على رأسه وهو يقول: أما تستحي؟ تهتك حرمي والله لولا تركك له لقطعت ظهرك، فطلب من الشّيخ العفو فعفا (٤٢١) عنه، فاستيقظ مرعوبا، والقصّارون يقصرون القماش وينشرون بجواره قماشهم، فكثير ما يأتيهم الأعراب على خيولهم يريدون نهبهم، فيصيبهم من البلاء ما يقتل بعضهم، ويذهل بعضهم، ومن سرق شيئا افتضح حتى صار حرما آمنا، ونسوا (٤٢٢) مرّة شدّادتين (٤٢٣) من القماش ولم يتفكّروهما حتّى صار الليل وغلقت الأبواب، فأيسوا منهما، فجاء بعض أهل البادية فوجدهما حول الشّيخ، فأخذهما وسار فوقع في خليج البحر قرب الشّيخ،

стр. 912

وعالج الخروج فلم يقدر حتّى طلع نهار، وجاء أصحاب القماش فأخذوا قماشهم وتركوا سبيله. وعلى ضريحه هيبة وجلالة تقشعّر منه الجلود، قال بعضهم: علامة الولي أنك إذا وقفت على ضريحه وجدت من نفسك قبضا أو بسطا، وعلامة غيره أن لا تجد شيئا منهما، وهذا مشاهد محسوس (٤٢٤)، فضريح الشّيخ اللخمي عليه أنس وبسط مشاهد معروف عند كلّ أحد، وضريح الشّيخ سيدي محمّد الكراي عليه من المهابة ما هو / مشاهد لكلّ من زاره. ترجمة الشّيخ علي بن عبد النّاظر: ومن مشايخ صفاقس المشهورين بالفضل والصّلاح: سيدي أبي الحسن علي بن عبد النّاظر، قبره مشهور (٤٢٥) وعليه قبّة في الرّبض، خارج باب البحر، بالقرب منه من جهة الغرب. أصله من قرية ملّول (٤٢٦)، وهو من ذرية سيدي أبي محمد عبد النّاظر صاحب الشّيخ أبي علي سالم بن أبي عثمان سعيد القديدي بلدا، الحضرمي نسبا، القيرواني مسكنا ومدفنا. قال في معالم الإيمان لمّا ذكر مناقب الشّيخ القديدي المذكور قال: فمن كراماته ما حدّثني من نثق به قال: وقعت بين عروة وملّول فتنة، وهما قريتان من عمل المهدية، وسبب ذلك أنّ أهل عروة سرقوا لأهل ملّول حوائج وحليا، واتّهموهم بذلك، فأنكر أهل عروة ذلك، فمشى الشّيخ الصّالح أبو محمّد عبد النّاظر وهو من أهل ملّول إلى أهل عروة وتحدّث معهم في السّرقة فأنكروها وحلفوا فضاق عبد النّاظر من ذلك ثمّ قال: ما لهذه المسألة غير الشّيخ أبي علي سالم والفقيه أبي زيد عبد الرّحمان الأجمي، فركب وسار إلى الشّيخ أبي علي وهو بمنزل قديد، فلمّا وصل سلّم عليه وقال له: ما أتى بك يا شيخ أبا محمد؟ فأخبره بالقضيّة وقال: تأمرني أن أمشي إلى الشّيخ الفقيه أبي زيد الأجمي لمؤانستك؟ قال له: افعل ما تريد، فمشى وأتى به وساروا جميعا حتّى وصلوا إلى القريتين

стр. 913

فقالوا: بأيّتهما نبدأ؟ فقال الشّيخ أبو علي: نبدأ بعروة، فخرج أهل البلد كلّهم للقاء الشّيخ أبي علي، وحلفوا عليه لينزلنّ عن فرسه، فامتنع / من ذلك، فألحّوا عليه، فقال: ما ننزل عندكم إلاّ على شرط أن تطعمونا الجرادق والعسل، فقالوا: هذا أيسر ما عندنا، وإنّما أردنا أن نذبح الدّجاج ونكثر من الطعام، ولو أمكننا التّقرّب إليك بأنفسنا لفعلنا، قال: لا، (٤٢٧) إلاّ (٤٢٨) الجرادق والعسل، قالوا: نعم، ثمّ نزل الشّيخ عن فرسه وجلس ووجّه معهم فقيرا من فقرائه وبيده قصعة ليأخذ فيها العسل، فلمّا أتوا إلى سرير النّحل وفتحوا أوّل بيت من بيوت النّحل وجدوها دودا فغلقوها وعمدوا إلى الثّانية فكانت كذلك، فعمدوا إلى الثّالثة، فلما فتحوها وجدوا فيها الحوائج والحلي الّذي لأهل ملّول، فأخذ الفقير الحوائج في طرفه وأتى بها إلى الشّيخ أبي علي، فلمّا وضعها بين يديه قال الفقيه أبو زيد الأجمي: يا سيدي أبا علي، لقد أطلعك الله على أمر عظيم، فسبحان من وهبك هذا السّرّ، فقال الشّيخ: يا فقيه أبا زيد تعجب من ذلك؟ المنّة لله وحده وما ذلك على الله بعزيز، ثمّ قال الشّيخ عبد النّاظر: يا فقيه أبا زيد قال الله العظيم ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤٢٩) ولا تستكثر هذا من الشّيخ أبي علي فإنّه شيخ الإطّلاع والمكاشفة والمراقبة، فقال الشّيخ أبو علي: لا تتّهموني فإني أعرف بنفسي، وهذا الذي ظهر لنا هو نيّتكم وخواطركم ثمّ أخذ أهل منزل عروة من الحياء والحشمة ما أفهمهم (٤٣٠)، واستحيوا من الشّيخ لما وقعوا فيه، وقالوا: ما علمنا من فعل هذا فلا تؤاخذنا واجبر كسرنا / فقال: توبوا إلى الله فتابوا، ثم قال الشّيخ: تاب الله علينا أجمعين. وتوفّي الشّيخ أبو علي القديدي يوم الجمعة قبل الزّوال لثمان عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من عام تسع وتسعين وستمائة (٤٣١)، ودفن بقبر كان أمر بحفره قبل وفاته بثلاث سنين بزاويته المبنية بمدينة القيروان (٤٣٢). وتوفّت والدته أمّ سلامة (٤٣٣) واسمها زينب في اليوم الثّاني والعشرين لذي الحجة

стр. 914

مكمل عام تسعين وستمائة (٤٣٤)، وقبرها بمسجد الزّاوية مشهور يزار ويتبرّك به. وكان الشّيخ الصّالح أبو محمد عبد النّاظر الملّولي يزورها، وأوصى ولده الصّالح (٤٣٥) أبا علي محمّد [بأن] يزورها فكان يزورها في كلّ وقت، وعلي الذي كنّي به محمد الذي أمره الشّيخ عبد النّاظر بالزيارة هو سيدي علي عبد النّاظر صاحب هذه الترجمة. فإن أهل ملّول انتقلوا لصفاقس وإلى الآن يقال لهم الملالة (٤٣٦) ومن جملتهم أبناء عبد النّاظر، وأولاد الوافي، والدرايسة (٤٣٧) والبكاكشة (٤٣٨)، كما أنّ أهل عروة (٤٣٩) انتقلوا لسوسة. وسبب انتقال أهل ملّول لصفاقس أنّ شيخ القرية كان له صديق بصفاقس عمل عرسا، فسمع الملّولي بذلك، فاحتمل جانبا من العسل لصاحبه وتوجّه به إليه فلقيه أعرابي فسأله فعرّفه بقصده، فقال: أنا أولى بالعسل من صاحبك، فاعتذر إليه فأبى وأخذه رغما عليه، فرجع من القهر واحتمل أهله إلى صفاقس، فاتبعه أهل القرية وخربت. ومكان هذه القرية مكان قبة سيدي أبي النّور. ذكر إبن ناجي في مناقب الشّيخ أبي عفيف صالح بن عبد المعالي الصدفي (٤٤٠) وكان من أئمة الكتاب / والسّنّة وله كرامات كثيرة من جملتها أنّ الشّيخ كان يوما سائرا مع أصحابه ببني (٤٤١) جرير بلده، وإذا به قال لأصحابه: كبّرّوا، فكبّروا بتكبيرة أربعا، وسلّم (٤٤٢) وسلّموا معه، فظهر الأمر أنّ تلك السّاعة صلّى فيها على الشّيخ أبي الضّياء بنّور بملّول وبينهما مسيرة نحو يومين. وتوفّي الشّيخ صالح الصدفي ببني (٤٤٣) جرير سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٤٤٤)

стр. 915

وصلّى عليه بها، ودفن بالقيروان بجبانة باب سلم اهـ. ثمّ إن الشّيخ سيدي علي بن عبد النّاظر صاحب التّرجمة مات عن غير عقب، وخلّف دارا فبيعت، وبني بثمنها تلك القبّة الّتي عليه والله أعلم. ولم نقف له على تاريخ وفاة لعدم اعتناء النّاس في تلك الأزمان بالتّاريخ لكن يؤخذ ممّا مرّ أنّه من أهل القرن الثّامن. ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي بن عبد الكافي: ومن مشايخ أهل صفاقس المشهورين بالفضل والصّلاح سيدي أبو الحسن (٤٤٥) علي ابن عبد الكافي صاحب الزّاوية المشهورة خارج البلد بالوطن الغربي بين ضريحه وصفاقس قدر خمسة أميال. وممّا وجد مسطورا بخطوط العدول ما معناه: في علم شهديه حين أتى المكرم جعفر المنصوري وزير المعظّم سيدنا ومولانا أبي حفص عمر (٤٤٦) ملك طرابلس - أيّده الله بالنّصر المبين، وثبّته الله على طريقة طاعته، وكلمة الحقّ واليقين، إلى زاوية الشّيخ الولي الصّالح المزار، المتبرّك به سيدي أبي الحسن علي، صاحب الزّاوية الكائنة بوطن صفاقس الغربي، قرب منزل قلمام، ابن الشّيخ الولي الصّالح القطب الغوث أبي عبد الله محمد إبن الشّيخ الإمام الخطيب المدرّس التّقي / الواعظ العالم العلاّمة الولي الصّالح القطب الغوث أبي الكرامات (٤٤٧) سيدي عبد الكافي القرشي العثماني اليثربي، أعاد الله علينا من بركاته، وزادنا من سحائب خيراته، ومعه خمسة أبغال محمّلة بالذّهب والسّروج والملبوس من أكراك (٤٤٨) وحلل وغيرها من أنواع اللّباس، ونزل في الزّاوية المذكورة هو وخدّامه، فاستقرّ بالزّاوية المذكورة ثلاثة أيام. ففي اليوم الثّالث أقبل نحو الزّاوية قدر ثلاثين فارسا على خيل ظامئة (٤٤٩) من درك السّير وهم يبحثون عن جعفر المذكور، فوجدوا سيدي علي هناك جالسا بباب زاويته، فسلّموا عليه، فردّ ﵈ وأمرهم
следующие страницы →