← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فجاء (٤١٥) أهله إليه يستشفعون) (٤١٦) ويطلبون الإقالة، فأقاموا به حتّى شفاه الله، فتاب وحسن اعتقاده. ومنها أنّ رجلا بات يحرس مقثاته من اللصوص، فلمّا أحسّ بمبادئ الفجر اطمأن وأخذته غفوة، فانتبه فظهر له أثر لصوص خرجوا من المقثاة وساروا نحو البلد، فاتبعهم قليلا قليلا (فأتوا البلد) (٤١٧) فوجدوا الباب مغلقا فتمادوا سائرين من الباب فتبعهم حتّى وصلوا ضريح الشّيخ وطلع النّهار، فاستوقفهم فوقفوا، ووجد عندهم غرارة على حمارة مملوءة بالقثاء (٤١٨) فقال: ما هذا؟ ففرّ منهم إثنان ومسك واحد فطلب منه الإقالة لوجه الله، فأبى إلاّ إدخاله للحاكم ليسجنه ويضربه وينتقم منه، فجعل اللّصّ يتمرّغ (٤١٩) في تراب الشّيخ فلم يقله، فسمع صوتا ولم ير شخصا يقول: اتركه لوجه الله ولا تفضحه يكفيه ما أصابه، فلم يلتفت لذلك، فكثرت المراجعة فقال: / آخر الكلام، إمّا أن تتركه لوجه الله وإلاّ عاقبتك، تهتكه في حرمي أما تستحي؟ خذ متاعك واتركه، فالتفت وإذا خيال شخص على باب الضّريح (٤٢٠) يخاطبه بعنف وغلظة حتّى خشي على نفسه، فتركه خوفا منه، فلمّا نام فإذا بشخص واقف على رأسه وهو يقول: أما تستحي؟ تهتك حرمي والله لولا تركك له لقطعت ظهرك، فطلب من الشّيخ العفو فعفا (٤٢١) عنه، فاستيقظ مرعوبا، والقصّارون يقصرون القماش وينشرون بجواره قماشهم، فكثير ما يأتيهم الأعراب على خيولهم يريدون نهبهم، فيصيبهم من البلاء ما يقتل بعضهم، ويذهل بعضهم، ومن سرق شيئا افتضح حتى صار حرما آمنا، ونسوا (٤٢٢) مرّة شدّادتين (٤٢٣) من القماش ولم يتفكّروهما حتّى صار الليل وغلقت الأبواب، فأيسوا منهما، فجاء بعض أهل البادية فوجدهما حول الشّيخ، فأخذهما وسار فوقع في خليج البحر قرب الشّيخ،

стр. 912

وعالج الخروج فلم يقدر حتّى طلع نهار، وجاء أصحاب القماش فأخذوا قماشهم وتركوا سبيله. وعلى ضريحه هيبة وجلالة تقشعّر منه الجلود، قال بعضهم: علامة الولي أنك إذا وقفت على ضريحه وجدت من نفسك قبضا أو بسطا، وعلامة غيره أن لا تجد شيئا منهما، وهذا مشاهد محسوس (٤٢٤)، فضريح الشّيخ اللخمي عليه أنس وبسط مشاهد معروف عند كلّ أحد، وضريح الشّيخ سيدي محمّد الكراي عليه من المهابة ما هو / مشاهد لكلّ من زاره. ترجمة الشّيخ علي بن عبد النّاظر: ومن مشايخ صفاقس المشهورين بالفضل والصّلاح: سيدي أبي الحسن علي بن عبد النّاظر، قبره مشهور (٤٢٥) وعليه قبّة في الرّبض، خارج باب البحر، بالقرب منه من جهة الغرب. أصله من قرية ملّول (٤٢٦)، وهو من ذرية سيدي أبي محمد عبد النّاظر صاحب الشّيخ أبي علي سالم بن أبي عثمان سعيد القديدي بلدا، الحضرمي نسبا، القيرواني مسكنا ومدفنا. قال في معالم الإيمان لمّا ذكر مناقب الشّيخ القديدي المذكور قال: فمن كراماته ما حدّثني من نثق به قال: وقعت بين عروة وملّول فتنة، وهما قريتان من عمل المهدية، وسبب ذلك أنّ أهل عروة سرقوا لأهل ملّول حوائج وحليا، واتّهموهم بذلك، فأنكر أهل عروة ذلك، فمشى الشّيخ الصّالح أبو محمّد عبد النّاظر وهو من أهل ملّول إلى أهل عروة وتحدّث معهم في السّرقة فأنكروها وحلفوا فضاق عبد النّاظر من ذلك ثمّ قال: ما لهذه المسألة غير الشّيخ أبي علي سالم والفقيه أبي زيد عبد الرّحمان الأجمي، فركب وسار إلى الشّيخ أبي علي وهو بمنزل قديد، فلمّا وصل سلّم عليه وقال له: ما أتى بك يا شيخ أبا محمد؟ فأخبره بالقضيّة وقال: تأمرني أن أمشي إلى الشّيخ الفقيه أبي زيد الأجمي لمؤانستك؟ قال له: افعل ما تريد، فمشى وأتى به وساروا جميعا حتّى وصلوا إلى القريتين

стр. 913

فقالوا: بأيّتهما نبدأ؟ فقال الشّيخ أبو علي: نبدأ بعروة، فخرج أهل البلد كلّهم للقاء الشّيخ أبي علي، وحلفوا عليه لينزلنّ عن فرسه، فامتنع / من ذلك، فألحّوا عليه، فقال: ما ننزل عندكم إلاّ على شرط أن تطعمونا الجرادق والعسل، فقالوا: هذا أيسر ما عندنا، وإنّما أردنا أن نذبح الدّجاج ونكثر من الطعام، ولو أمكننا التّقرّب إليك بأنفسنا لفعلنا، قال: لا، (٤٢٧) إلاّ (٤٢٨) الجرادق والعسل، قالوا: نعم، ثمّ نزل الشّيخ عن فرسه وجلس ووجّه معهم فقيرا من فقرائه وبيده قصعة ليأخذ فيها العسل، فلمّا أتوا إلى سرير النّحل وفتحوا أوّل بيت من بيوت النّحل وجدوها دودا فغلقوها وعمدوا إلى الثّانية فكانت كذلك، فعمدوا إلى الثّالثة، فلما فتحوها وجدوا فيها الحوائج والحلي الّذي لأهل ملّول، فأخذ الفقير الحوائج في طرفه وأتى بها إلى الشّيخ أبي علي، فلمّا وضعها بين يديه قال الفقيه أبو زيد الأجمي: يا سيدي أبا علي، لقد أطلعك الله على أمر عظيم، فسبحان من وهبك هذا السّرّ، فقال الشّيخ: يا فقيه أبا زيد تعجب من ذلك؟ المنّة لله وحده وما ذلك على الله بعزيز، ثمّ قال الشّيخ عبد النّاظر: يا فقيه أبا زيد قال الله العظيم ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤٢٩) ولا تستكثر هذا من الشّيخ أبي علي فإنّه شيخ الإطّلاع والمكاشفة والمراقبة، فقال الشّيخ أبو علي: لا تتّهموني فإني أعرف بنفسي، وهذا الذي ظهر لنا هو نيّتكم وخواطركم ثمّ أخذ أهل منزل عروة من الحياء والحشمة ما أفهمهم (٤٣٠)، واستحيوا من الشّيخ لما وقعوا فيه، وقالوا: ما علمنا من فعل هذا فلا تؤاخذنا واجبر كسرنا / فقال: توبوا إلى الله فتابوا، ثم قال الشّيخ: تاب الله علينا أجمعين. وتوفّي الشّيخ أبو علي القديدي يوم الجمعة قبل الزّوال لثمان عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من عام تسع وتسعين وستمائة (٤٣١)، ودفن بقبر كان أمر بحفره قبل وفاته بثلاث سنين بزاويته المبنية بمدينة القيروان (٤٣٢). وتوفّت والدته أمّ سلامة (٤٣٣) واسمها زينب في اليوم الثّاني والعشرين لذي الحجة

стр. 914

مكمل عام تسعين وستمائة (٤٣٤)، وقبرها بمسجد الزّاوية مشهور يزار ويتبرّك به. وكان الشّيخ الصّالح أبو محمد عبد النّاظر الملّولي يزورها، وأوصى ولده الصّالح (٤٣٥) أبا علي محمّد [بأن] يزورها فكان يزورها في كلّ وقت، وعلي الذي كنّي به محمد الذي أمره الشّيخ عبد النّاظر بالزيارة هو سيدي علي عبد النّاظر صاحب هذه الترجمة. فإن أهل ملّول انتقلوا لصفاقس وإلى الآن يقال لهم الملالة (٤٣٦) ومن جملتهم أبناء عبد النّاظر، وأولاد الوافي، والدرايسة (٤٣٧) والبكاكشة (٤٣٨)، كما أنّ أهل عروة (٤٣٩) انتقلوا لسوسة. وسبب انتقال أهل ملّول لصفاقس أنّ شيخ القرية كان له صديق بصفاقس عمل عرسا، فسمع الملّولي بذلك، فاحتمل جانبا من العسل لصاحبه وتوجّه به إليه فلقيه أعرابي فسأله فعرّفه بقصده، فقال: أنا أولى بالعسل من صاحبك، فاعتذر إليه فأبى وأخذه رغما عليه، فرجع من القهر واحتمل أهله إلى صفاقس، فاتبعه أهل القرية وخربت. ومكان هذه القرية مكان قبة سيدي أبي النّور. ذكر إبن ناجي في مناقب الشّيخ أبي عفيف صالح بن عبد المعالي الصدفي (٤٤٠) وكان من أئمة الكتاب / والسّنّة وله كرامات كثيرة من جملتها أنّ الشّيخ كان يوما سائرا مع أصحابه ببني (٤٤١) جرير بلده، وإذا به قال لأصحابه: كبّرّوا، فكبّروا بتكبيرة أربعا، وسلّم (٤٤٢) وسلّموا معه، فظهر الأمر أنّ تلك السّاعة صلّى فيها على الشّيخ أبي الضّياء بنّور بملّول وبينهما مسيرة نحو يومين. وتوفّي الشّيخ صالح الصدفي ببني (٤٤٣) جرير سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٤٤٤)

стр. 915

وصلّى عليه بها، ودفن بالقيروان بجبانة باب سلم اهـ. ثمّ إن الشّيخ سيدي علي بن عبد النّاظر صاحب التّرجمة مات عن غير عقب، وخلّف دارا فبيعت، وبني بثمنها تلك القبّة الّتي عليه والله أعلم. ولم نقف له على تاريخ وفاة لعدم اعتناء النّاس في تلك الأزمان بالتّاريخ لكن يؤخذ ممّا مرّ أنّه من أهل القرن الثّامن. ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي بن عبد الكافي: ومن مشايخ أهل صفاقس المشهورين بالفضل والصّلاح سيدي أبو الحسن (٤٤٥) علي ابن عبد الكافي صاحب الزّاوية المشهورة خارج البلد بالوطن الغربي بين ضريحه وصفاقس قدر خمسة أميال. وممّا وجد مسطورا بخطوط العدول ما معناه: في علم شهديه حين أتى المكرم جعفر المنصوري وزير المعظّم سيدنا ومولانا أبي حفص عمر (٤٤٦) ملك طرابلس - أيّده الله بالنّصر المبين، وثبّته الله على طريقة طاعته، وكلمة الحقّ واليقين، إلى زاوية الشّيخ الولي الصّالح المزار، المتبرّك به سيدي أبي الحسن علي، صاحب الزّاوية الكائنة بوطن صفاقس الغربي، قرب منزل قلمام، ابن الشّيخ الولي الصّالح القطب الغوث أبي عبد الله محمد إبن الشّيخ الإمام الخطيب المدرّس التّقي / الواعظ العالم العلاّمة الولي الصّالح القطب الغوث أبي الكرامات (٤٤٧) سيدي عبد الكافي القرشي العثماني اليثربي، أعاد الله علينا من بركاته، وزادنا من سحائب خيراته، ومعه خمسة أبغال محمّلة بالذّهب والسّروج والملبوس من أكراك (٤٤٨) وحلل وغيرها من أنواع اللّباس، ونزل في الزّاوية المذكورة هو وخدّامه، فاستقرّ بالزّاوية المذكورة ثلاثة أيام. ففي اليوم الثّالث أقبل نحو الزّاوية قدر ثلاثين فارسا على خيل ظامئة (٤٤٩) من درك السّير وهم يبحثون عن جعفر المذكور، فوجدوا سيدي علي هناك جالسا بباب زاويته، فسلّموا عليه، فردّ ﵈ وأمرهم

стр. 916

بالنّزول، فقالوا له: يا سيدنا، هل أتاكم وزير سيّدنا الأمير أبي حفص عمر هاربا ومعه خزنة من خزائن الأمير؟ فلك منه العطاء الجزيل، فقال لهم الشّيخ: ليس غير الله بمعط (٤٥٠) ولا مانع والمال محفوظ، وها هو الوزير المذكور عندنا أتى (٤٥١) دخيلا على الله ونزيلا علينا، انزلوا يا فرسان على بركة الله وكلوا طعام الزّاوية، فأبوا أن يأكلوا الطعام، فقال لهم الشّيخ: ما لكم لا تأكلون من طعام البركة؟ فقالوا له: يا شيخ كيف نأكل الطّعام وعدو سيّدنا عندك؟ فو الله لا نأكل من طعامك شيئا إلاّ أن تمكّننا من عدوّ سيّدنا وما معه من أموال سيّدنا الأمير ونتوثّق منه، فقال لهم الشّيخ: ما سبب هذا الرّجل والأموال (٤٥٢)؟ فقالوا له: (يا شيخ، هذا الرّجل) (٤٥٣) كان عند سيّدنا وزيرا أعظم ووكيلا على خزائنه، ولا أحد أقرب منه عند سيّدنا ولسيّدنا الأمير بنت جميلة الصّورة، ما رأى الرّاءون / أحسن منها، فذات يوم من الأيّام طلب من سيّدنا الأمير أن يزوّجه بها، فأبى سيّدنا من ذلك، وقال له: يا جعفر إبنتي صغيرة السّنّ وتعزّ عليّ ولا نزوّجها لأحد هذه الأعوام، فعند ذلك اشتدّ غضب الوزير وطعن على خزائن سيّدنا، ورفع منها هذه الخزنة، ونحن نريد أن نأخذه هذه السّاعة ونرفعه لسيّدنا، فقال لهم الشّيخ: يا فرسان، الزّاوية زاوية الله، وزاوية الله ملجأ (٤٥٤) الملهوف، وأنتم على بركة الله (٤٥٥) (احترموا الزاوية واعتقوا هذا الملهوف الدّخيل لوجه الله تعالى) (٤٥٦)، فقالوا له: يا شيخ كفّ عن هذا الخطاب، فو الله ثمّ والله، لو اجتمع أهل السّموات وأهل الأرض لم يمنعوه منّا بعد أن أوقعه الله في شباكنا، وأرادوا رفعه من الزّاوية كرها، وكان أولاد الشّيخ الثّلاثة بإزائه (٤٥٧) وهم: سيدي محمد وسيدي عبيد الزّوّاي وسيدي يعقوب حاضرين للخطاب ومعهم جميع أهل الزّاوية عن آخرهم، ثمّ طال الخطاب بينهم، وغضب العمّال وهجموا على الزّاوية المذكورة ليأخذوه كرها، فقال لهم الشّيخ: ارجعوا لله (٤٥٨)

стр. 917

يا فرسان لا تهتكوا الحرم، فأبوا أن يرجعوا فقال لهم الشّيخ: على الله شباككم ممزّقة وعروقكم مقلّعة، فقام أولاد الشّيخ ثلاثتهم وأخذهم حال وانجذاب، وصاحوا صيحة منكرة، فتكلّم (٤٥٩) في الحين مدفع من تحت الأرض من قبل الله في وسط العمّال، وفرّوا هاربين لم يرجع منهم أحد إلى أن بلغوا طرابلس، فدخلوا على الأمير فقال لهم: ويحكم / أين الوزير؟ قالوا له: وجدناه في زاوية (٤٦٠) بها خلق كثير، وأرادوا قتلنا عن آخرنا، وشتموا أهل الزّاوية عند الأمير شتما زائدا حتّى غضب الأمير غضبا شديدا على أهل الزّاوية، وأمر أن يجهّز لهم عسكرا قدر ثلاثة عشر خباء، فخرجوا من طرابلس، وأمرهم الأمير بتخريب الزّاوية وقتل صغيرها قبل كبيرها، فخرجوا مجدّين السّير إلى أن وصلوا الزّاوية المذكورة، ونزلوا قرب سدرة المحلّة غربي الزّاوية، فوقع الرّعب في قلوب أهل الزّاوية، وكان نزولهم بعد العصر عشيّة الجمعة والشّيخ في الدّرس، فجاء أهل الزّاوية وأخبروه بنزول المحلّة، فقال لهم الشّيخ: ارجعوا يا إخواني على أنفسكم، من أتانا زائرا رجع مجبور الخاطر، ومن أتانا بجور غائر أعمر الله به المقابر، فخرج الشّيخ من الدّرس ونظر العسكر فلم يأت منهم من يرد الخبر بما يقصدون، خيرا أو شرّا، إلى أن أصبح الله بخير الصباح، فبينما الشّيخ في صلاة الصّبح وإذا بالعسكر يضربون طبولهم ويزعقون الأنفرة، ونشروا الرّايات وعزموا على الحرب، فرجع أهل الزّاوية للشيخ فوجدوه قد فرغ من صلاة الصّبح، فقالوا: يا سيّدنا نفذ القضاء ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فردّ عليهم الشيخ فقال: أمهلوا فلمّا حلّت النّافلة صلّى ركعتين وخرج ووقف على كوم الزّاوية الذي به الرّوضة، ومدّ بصره إلى العسكر فظهروا له / كلّهم على ساق واحدة، وأهل الزّاوية يبكون بكاء شديدا، فاشتدّ حال الشّيخ وسقطت دمعته وصاح صيحة عظيمة وقال: يا غياث المستغيثين، يا ناصر المستنصرين انصرنا عليهم، يا خير النّاصرين يا ذا القوّة يا متين، وأومأ (٤٦١) إليهم بكمّ ثوبه وقال: أعمر القبور يا جابر (٤٦٢) المكسور، فما استتمّ كلامه إلاّ والعسكر بلعته الأرض بإذن الله، ونزل في هاوية ولا بقي منه إلاّ رجل واحد، فسار ذلك الرّجل الواحد إلى طرابلس وردّ الخبر، فحكى للأمير ما

стр. 918

وقع فاشتدّ بالأمير الحال وقال: لا بدّ لي من المسير إلى هذا الشّيخ فأنظره، فسار بمن معه من حاشيته إلى أن بلغ الزّاوية، فنزل هنا لك وجعل يسأل عن الشّيخ إلى أن اجتمع به، فتواضع بين يديه وقال: يا سيدي أنا صنعت الوزير لأجلك وسامحته (٤٦٣) فيما أخذ من خزائني، وأنت سامحني، فسامحه لله تعالى، فقال له الأمير: اطلب شيئا من الدّنيا تستعين به على الزّاوية؟ فقال الشّيخ: نطلب من الله الآخرة، وأبى أن يطلب شيئا من الدّنيا، هذا من كراماته - نفعنا الله به - فمن علم ذلك وتحقّقه قيّد بذلك شهادته هنا، بتاريخ أواخر صفر الخيّر سنة خمس وسبعمائة (٤٦٤)، وكتبه محمّد بن محمّد الرّقيق ومحمّد التّميمي، وكانا عدلين من عدول صفاقس. ثمّ إنّ الولد الأكبر من أولاد الشّيخ وهو أبو عبد الله محمّد اشتهر بأبي عتّور، وله / عقب إلى الآن. وأمّا شقيقه المرابط الأصلح الأنجح الأسعد الولي الصّالح المجذوب السّائح في ملكوت الله، وهو سيدي عبيد اشتهر بالزّوّاي، فانتقل لرحمة الله عن غير عقب، واشتهرت الزّاوية في هذه الأعصار باسمه. وأمّا شقيقهما المرابط الأصلح أبو يوسف يعقوب فله عقب إلى الآن. وأمّا الجدّ الأعلى وهو سيدي عبد الكافي فله ضريح مشهور بقرية برشانة بالقرب من قرية سيدي عيسى بن مسكين - رحم الله جميعهم ونفعنا بهم وبأمثالهم -. ترجمة الولي إبراهيم بن يعقوب المعروف بصيد عقارب: ومن أكابر الصّالحين بوطن صفاقس الغربي الشّيخ العارف بالله تعالى (صاحب الكرامات والإشارات) (٤٦٥) أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن يعقوب بن فضل بن محمد بن سباع الذوّادي (٤٦٦) الشّهير بصيد عقارب من أولاد صولة. كان - رحمه الله تعالى - من أعراب البوادي، أخذ الطّريقة عن الشّيخ أبي الحسن سيدي علي العبيدلي نزيل القيروان، فجذبه بهمته.

стр. 919

ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي العبيدلي: ولمّا جرى ذكر الشّيخ العبيدلي فلا بدّ من ذكر شيء من التّعريف به وبمقامه ليعلم مقام الشّيخ صيد عقارب، ويعلم أنّ له أصلا في الطّريقة مبنيّا عن معرفة محقّقة، ثمّ بعد ذلك ننتقل للكلام على صيد عقارب لأنّ هذه رسوم اندرست وعفت معالمها وانطمست آثارها، فلا بدّ من بيان ما يمكن بيانه، والله وليّ الهداية والتّوفيق فنقول: الشّيخ العبيدلي هو أبو / الحسن علي بن عبد الله بن عياش بن العبيدلي (٤٦٧)، أصله من العرب (٤٦٨)، وجاء إلى القيروان كبيرا فتعلّم بها القرآن، وقرأ على الشّيخ الرماح، وكان فقيها صالحا ناسكا ورعا مهابا، لا ينظر إلى وجه السّلطان ونحوه من أولي الأحكام ممّن لا تأخذه في الله لومة لائم، كثير الخوف من الله . قال في معالم الإيمان: سمعت شيخنا أبا محمد عبد الله الشبيبي يقول: كان العبيدلي إذا دخل المحراب يدخله بوجهه، فإذا سلّم وانفتل رجع بوجه آخر (٤٦٩)، وكان إذا حجّ يعمل الميعاد، فإذا فرغ منه أخذ الرّكب في الرّحيل، وكان من اعتقاد النّاس فيه تتوب البوادي على يديه ولا يقبل (٤٧٠) توبتهم حتّى يخرجوا جميع ما عندهم من المظالم، فقد يبقى من يتوب هو وعياله بلا شيء فيلحقهم الضيق ابتداء، فإذا تاب آخر أخرج ما له عنه لمن قبله، وهكذا فتراد (٤٧١) النّاس مظالمهم، وحسنت أحوالهم، وكان فقراؤه الذين يعرفونه بزاويته وغيرها نحو ستّين أو سبعين بحسب الأوقات، فتارة يقلّون وتارة يكثرون، وكانت حومة الشّيخ تسمّى حارة المرابطين لسكنى من ذكر بها، وكانوا إذا تزوّج واحد منهم أو زوّج لا يشهد في عقد نكاحه إلاّ أصحاب الشّيخ، ولا يشهد عند (٤٧٢) العدول المعينين لأنّهم عندهم ليسوا بعدول لما يسمع عليهم من كلام النّاس، فشقّ ذلك على قاضي الوقت والعدول / فأتى الشّيخ أبو الحسن علي الشّريف شهر العوّاني، وكلّم الشّيخ في ذلك فقال: أصحابي هم العدول لا غيرهم (٤٧٣)، فلا يعقدون (٤٧٤) نكاحا بالمعيّنين بحال، فما زال يلاطفه حتى

стр. 920

قال له: يا سيدي، نجمع بين الحالين، يحضر عدول القاضي وخواص أصحابكم، فعندكم أنتم إنما انعقد النّكاح بالخواص من أصحابكم، وعند القاضي إنما انعقد بعدوله فوافقه على ذلك بعد توقّف، ولو تمادى ﵀ على تمنّعه لنفذ ذلك. وكان ﵀ لا يرى وجه السّلطان ولا قائد ولا قاض لما يسمع عن القضاة من أخذهم مرتّبهم من القيّاد، وغير ذلك. ولمّا وصل أبو يحيى أبو بكر أمير إفريقية القيروان بمحلّته ووصل إليه الشّيخ أبو محمّد الرّمّاح والنّاس فقال: هل في القيروان من يزار؟ فقالوا له: الشّيخ العبيدلي، فهمّ بالمشي إليه، فقيل له: إنّه لا يفتح لك الباب ولا ينظر إليك، فعمل على الإجتماع به ليلا، فأتى هو وقائده إبن سيّد النّاس، ومحمّد بن عبد الحكيم، فدقّ الباب فقالت امرأة من خلف الباب: من هذا؟ فقال لها: قولي للشّيخ إنّ أميرك بالباب ينتظرك، فلم يخرج له، فتعوّذ وقرأ بلسان عال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤٧٥) فأجابه الشّيخ وكان يصلّي بلسان عال حتّى سمعناه (٤٧٦) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤٧٧)، ولم يخرج له، فقال: لا بدّ لي / من رؤيته، فقيل له: إنّك لا تراه إلاّ يوم الجمعة لخروجه للصّلاة، فوقف في مكان، فلمّا رآه ترجّل عن جواده وانفتل الشّيخ بوجهه إلى حائط السّور ولم ينظر إليه، فقال له: يا سيّدي أحبّ منك أن تدعو لي، فقال له: قال رسول الله ﷺ «اللهم من ولي أمرا من أمور أمّتي فشقّ عليهم فاشقق اللهم به، ومن ولّي أمرا من أمور أمّتي فرفق بهم فارفق اللهم به» (٤٧٨)، فركب ولم يوله وجهه، وحضر لمشهد هذا اليوم الشّيخ الصّالح العدل أبو العبّاس أحمد إبن الشّيخ العدل المؤلّف أبي عبد الله محمّد بن عثمان بن غانم الحضرمي، فقال في نفسه: هذا رجل بدوي أنظر كيف أعطاه الله ولم ينظر للسّلطان وجها، ونحن أصحاب طريقة وزوايا، عرفنا السّلطان وأخذنا مرتّبه، وتملّقنا له ولا يليق بنا ذلك، فرجع إلى داره وانقطع عن السّلطان وغيره، ولزم المحراب حتّى مات - رحمه الله تعالى -. ولمّا دخل السّلطان أبو الحسن (٤٧٩) القيروان قال الشّيخ العبيدلي للشّيخ الرمّاح:

стр. 921

اتركني أخطب موضعك وأصلّي حتى أسمعه ما يلزمه، فأبى عليه طلبا للعشرة. قال الشّيخ أبو عبد الله محمّد الشقانسي: كان الشّيخ الفقيه الورفلي (٤٨٠) من أهل قابس ينزل عنده الشّيخ العبيدلي إذا مشى للحجّ، فتولّى بعد ذلك الورفلي (٤٨٠) قضاء القيروان فلم يصل إليه، فطلب هو أن يصل إلى الشّيخ فأبى عليه، فبعث له في ذلك، فقال للرسول: قل له لكونك قاضيا، فأجابه انّي إنما تولّيت مكرها / وحلف له على ذلك، فقال للرسول: قل له اعمل الحق تعزل، فعمل الحق، وضرب نائب القائد بموجب شرعي وقائده إبن أبي الرّبيع، فتركه القائد إلى يوم الجمعة، وفزع عليه بخدامه، وهرب خدّام القاضي وأتى له لداره، وكان يسكن قرب الجامع الأعظم بالدّار المعروفة للقضاة، فتحصّن بالجامع ودخل فيه، وأغلق بابه عليه، فسلّمه الله منه، فخرج العبيدلي بأصحابه يدعون في جبابن القيروان، وقال: لا أسكن بلدة جرى فيها هذا المنكر، وكتب الشّيخ الرماح لقاضي الجماعة وللسّلطان وللشّيخ الزبيدي وعرّف كلاّ منهم بالواقع وبخروج الشّيخ العبيدلي، وكتب القائد يعرّف السّلطان بضرب القاضي لخديمه، وكتب أيضا لقائد الاعنّة محمّد بن عبد الحكيم الذي كان يعتمد عليه، وبقي النّاس ينتظرون ما يجيء من الأمر، فجاء رسول السّلطان وأخذ القائد وكبّله ورفعه لتونس، فلمّا وصل به لقيه قائد الأعنّة المذكور فقال له: بعثناك للقيروان قائدا وأرحناك من تعب السّفر في المحلّة، فظلمت القاضي ففزعت عليه حتّى خرج العبيدلي يدعو على مولانا أبي يحيى الذي قدّمك، وأمر من معه بقتله فقتلوه بالرّماح، ثمّ جاء قائد ومعه قاض، فلمّا خرج الورفلي (٤٨٠) معزولا خرج العبيدلي وودّعه. وحدّث أبو بكر بن يعقوب الضاعني قال: خرج العبيدلي مع جماعة من أصحابه بجبل ماكوض، جرت العادة أنّه يتعبّد به ويجتمع فيه الأولياء، وهو بالجزيرة / على شاطئ البحر، فغارت خيل عليه وعلى أصحابه فجرّدوا بعضهم، فقال للخيل: هذا الشّيخ العبيدلي فاعتذروا بأنّه (٤٨١) لا علم عندهم به، وردّوا ما أخذوا إلاّ رجلا من أصحابه قال: هذا الفارس أخذ لي سبعة دنانير ذهبا، وأنكر الفارس ذلك إنكارا كليّا وقال: نحلف، قال له الشّيخ: لا تحلف إلاّ على يدي الحاكم وليس هو ههنا ولكن الفقراء يعلّمونك دعاء تدعو به ويؤمّنون عليك مرّتين، هذا حقّهم، فقال: نعم، فقال

стр. 922

له الشّيخ: يا غانم، قل اللهم إن كان غانم سالما فسلم، وإن كان كاذبا فاهتك السّتر وعجّل، فقال ذلك، فقال الشّيخ وأصحابه: آمين وكرّرها ثانيا، (وقالوا: آمين) (٤٨٢)، وانصرف (٤٨٣) الشّيخ وأصحابه، وكان غانم هذا قتل والد فارس معه في الخيل، وعفا عنه فقال له ولد المقتول: يا ابن عمّي فضحتنا بين العرب، يقول العرب والنّاس إنّ الفلانيين أخذوا العبيدلي وهو شيخ إفريقية، فقال له: وأي فضول أدخلك في هذا؟ فتغالى معه في الكلام، فضرب الفارس غانما بمزراقه فقتله، وفتّشوا جيبه فوجدوا السّبعة دنانير فيه، فلحقوا الشّيخ وأعلموه بموته، وأعطوا لصاحب الدّنانير دنانيره. ونقل عن الشّيخ ثعلب عن الفقيه أبي عبد الله محمد الجذامي قال: كنا نجوّد على الشّيخ العبيدلي بعد صلاة العشاء الأخيرة وإذا برجل دخل على الشّيخ فقال له: إن عجوز السّلطان من أولاد أبي يحيى / أبي بكر، دخل القيروان، وإنّ النّاس خافوا منه أن يقيم عندهم فقال: انصرفوا، وغلق الباب، فلمّا بقي السّدس الأخير من الليل جئنا للقراءة عليه فقال: عجوز خرج أم لا؟ فقلنا: ما نعرف، فقال: إن رجلا يقرأ عليه المؤمن من الجنّ، قالوا (٤٨٤) له: ما تريد نعمل في عجوز؟ أتقتله أم تخرجه؟ فقال: أخرجوه، والغالب أنّه يخرج، فظهر أنّه سرى بالليل وأصبح في بعض قرى السّاحل، وقال بعض أهل ذلك الموضع: سلموا على الشّيخ العبيدلي وقولوا له: بلدة أنت فيها ما نزاحمك فيها، فعرفنا أنّ الرجل الذي ذكر هو نفسه. وقال لي أبو عبد الله الجذامي المذكور: مرض الشّيخ العبيدلي فأشفق النّاس أن يموت من مرضه ذلك، فدخلت عليه أنا والحاج عبد الرّحمان الشّيحي والحاج أبو بكر الطّرّي، فقال أحدهما: يا سيدي رجل رأى في منامه أنّ السلطان أخذك والنّاس خافوا، فقال: أنعرفكم (٤٨٥) ولا تعرفوا بي حتّى نموت؟ قلنا: نعم، قال: أطلعني الله على ما مضى من عمري وما بقي، وأنا ما نموت من هذه المرضة حتّى نحجّ، فكان كذلك. وكان ﵀ فقيها عارفا بالأحكام الشّرعية على غاية ونهاية، فمن فقهه أنّه يقول: قبول الهديّة أفضل من قبول الزّكاة وخالفه أبو عبد الله الرماح (٤٨٦) شيخه (٤٨٧)،

стр. 923

وأبو العباس أحمد الدّباغ، وأبو عبد الله علي العواني (٤٨٨)، وأبو إسحاق إبراهيم الخطيب، واحتجّ العبيدلي بفعله ﵊ / من أنّه كان يقبل الهديّة ولا يأخذ من الزكاة، وأجابه الآخرون (٤٨٩) بأنّ الهدية في حقنا موقوفة على ثلاثة شروط: حلية المال، وطيب نفس صاحبه، وحصول ما يظنّ المعطي في المعطى، وللزّكاة شرط واحد وهو الفقر. قال (٤٩٠) أبو بكر الضاعني: عمل عبد الواحد الحنظلي طعاما ونادى عليه أربعة: أبا عبد الله محمد الرماح، وأبا الحسن العبيدلي، وخليفة اللواتي، وعمر الحسيني، فقال خليفة وعمر: نحن صيام، فقال صاحب الطّعام: وأنا ما عملت إلاّ من أجلهما لكمال فقرهما، فقال العبيدلي: بكم تشتري فطرهما؟ فقال: بثلاثة أقفزة قمحا، قفيزان للفقراء وقفيز لك. فأمرهما بأن يغسلا أيديهما ويأكلا، ففعلا، فأوصل من الفور بعد الأكل قفيزا لدار الشّيخ العبيدلي، وقفيزين للفقراء، ففرّقهما الشيخ، وهذا الذي فعل تبع فيه قول عيسى بن مسكين لصديقه وقد دخل عليه وهو يأكل طعاما وقال: إنّي صائم، قال: إدخالك السّرور على أخيك المسلم أفضل من صومك، ولم يأمره بقضائه، وقال عياض: وقضاؤه واجب وإنّما لم يذكره لوضوحه. قال إبن ناجي وكان شيخنا أبو الفضل البرزلي لا يرتضيه ويحمله على نفيه كقول الشّافعي، وهذا لا يقدح في قولي (٤٩١)، كان متورّعا لأنّه لم يستعمله في نفسه. واختلف الشّيخان الرّماح والعبيدلي هل يجوز التّخطّي حالة نزول الإمام من على المنبر في خطبة الجمعة أم لا؟ وكان الشيخ إبن عرفة يجري القولين فيها / من نقل إبن العربي قولي مالك في جواز الكلام حينئذ، وله اختلاف مع الفقهاء في مسائل غير هذه. وللشيخ العبيدلي تأليف في الفقه أصل مستقل، وعقيدة في التّوحيد. وتوفّي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة (٤٩٢) ودفن بباب تونس، وقبره مزار مشهور.

стр. 924

تتمّة ترجمة الولي إبراهيم بن يعقوب: صيد عقارب: ولنرجع إلى الكلام على الشيخ سيدي إبراهيم بن يعقوب المقصود هنا، فنقول: إنّه كما قدّمنا أصله من البادية، قدم به أبوه من المغرب في أحياء من قومه متوجّهين لإفريقية لقحط أصاب بلدهم، فنزلوا على زروع سيدي حراث فأصابوا منها، فأتاهم وأمرهم بالرّحيل عنها، فأبوا فدعا (٤٩٣) عليهم بواد (٤٩٤) يرفعهم، فاستجاب الله دعاءه فلم يمض جزء من اللّيل إلاّ وقد دهمهم واد (٤٩٤) فأعجلهم عن تحميل مراحيلهم، فأخذ يعقوب أبو سيدي إبراهيم بعيرا فحمله وأخويه عليه، وسيّره على غير مسيل الوادي، ورجع لفرسه وزوجه وبقية أثاثه فحملهم الوادي جميعا فلم يظهر لهم أثر، وسيدي إبراهيم لمّا أصبح الصّبح رجع في طلب أبويه، وترك أخويه على البعير، فذهب البعير بهما إلى السّواسي، ولمّا لم يجد سيدي إبراهيم أبويه ولا عرف أين ذهب البعير بأخويه بقي منفردا محتارا في أمره، فتلقّاه الشّيخ عامر بن جامع، فأخذه وسأله عن حاله، فأخبره بقصّتهم، فقال له: لا بأس عليك، أنا أجعلك من جملة أولادي، فأتى به أهله وعرّف زوجته أمره، فقبلته وتحنّنت عليه / مع جملة بنيها وأكرمت مثواه، وكان رجلا من شجعان العرب ورؤسائهم من صغر سنّه، فأعطوه فرسا وسلاحا على عادة شجعان العرب، وكانوا يخافون عليه من حروب العرب. فاتفق أن اقتتلت (٤٩٥) قبائل العرب فيما بينهم في وادران ويسمّونه شعاب الفرانس، فاستدعى (٤٩٦) سيدي إبراهيم خمسة من رفقائه وذهب بهم إلى موضع الوقيعة، فوجدوا عروسا مهيّأة لدخول زوجها عليها، فلمّا وقعت الواقعة بقيت بناحية، وكان أبوها رجلا صالحا، فلمّا رأت سيدي إبراهيم طلبت منه أن يحفظها حتّى يأتي أبوها، فأخذها بنيّة حفظها وأن لا يصل إليها بسوء، هو ولا أحد من النّاس، عناية من الله تعالى، فبعد مدّة جاء أبوها متطلّبا أثرها، فقال: هذه بنت عندي فانظر فإن كانت لك خذها وإلاّ فاتركها إلى أن يجيئها أبوها، فلمّا رأت أباها عرفته، فتسلّمها منه، وحملها له سيدي إبراهيم على بعير في هودج على صورة العروس، وركب معها هو وستون من قوم إبن جامع إكراما لأبيها، واستصحب فارسين من غير

стр. 925

أصحابه، فساروا بالبنت وأبيها على صورة زفاف العرس، فلمّا وصلوا لأهل البنت أخبرهم أبوها بخبره، وأمرهم أن يكرموا سيدي إبراهيم وقومه بذبح شاة لكلّ فارس، ودخل زوج البنت عليها فوجدها سالمة من إصابة الرّجال، ففرح أبوها ودعا (٤٩٧) لسيدي إبراهيم بأن يجعله الله من أوليائه الصّالحين، فاستجاب / الله دعاءه. ثمّ إنّ الشيخ سيدي إبراهيم سار ومعه الإثنان والستّون راجعا إلى أهله، فلمّا وصلوا للعلوين، إسم موضع قرب سيدي عمر بن حجلة (٤٩٨) بنواحي القيروان، وجدوا قفلا (٤٩٩) محمّلا ببضائع القيروان من النّحاس والجلد وغيرهما، وهو نازل من القيروان للمحرس، وكان به سوق ومرسى، وفي هذا القفل (٤٩٩) سيدي أبو الحسن علي العبيدلي - المقدّم الذّكر - فعند وصولهم شنّوا الغارة على القفل (٤٩٩) وأخذوا ما فيه، فجاءهم الشيخ العبيدلي وقال: كيف تأخذون قفلا وأنا غفيره، فقالوا له: خذ ما تعرفه لك والباقي يمضي عليه الأخذ، فقال: أنا غفير أغفر الكلّ، ثمّ قال: من زميم (٥٠٠) القوم فيكم؟ فقالوا له: إبراهيم بن يعقوب فناداه فأجابه، فقال له: تعال (٥٠١)، خذ هذه الوصية الحسنة، هي لك عندي، فحسب أنّها ذخيرة يخصّه بها ليسلم القفل، فلمّا قرب منه وأصغى إليه بأذنه تمكّن منه الشيخ العبيدلي وعلاة ضربا على رأسه وظهره وقال: تب وارجع إلى الله من هذه الفعائل القبيحة وأنا ضامنك وذريتك ومن يحبّه قلبك، فأنا حاملكم على عاتقي، ودعا له بخير، فاجتذبه بهمّته وأناله ما كتب الله له على يديه، وقال له: كلّ من عاداك فهو هالك، ولو كثرت أعداؤك فهم ممحوقون، وكساه الخرقة وأعطاه السّبحة، فأخذه الجذب، وجعل يذكر الله حتّى غلبه الوجد والحال، ورآى إجابة دعوة أبي البنت، ولمّا رأى رفقاؤه ما حلّ به انبهتوا ولم يقدروا على النّطق / وأومأ إليهم فجاؤوا ركضا، فلمّا وصلوا رشّهم الشّيخ بريقه فأخذهم من الوجد ما أخذ زميمهم (٥٠٠) وقالوا: أطعنا هذا الشيخ، ولمّا كان زميمنا في البغي فهو زميمنا في الهدي والطّاعة، ولم يتأخّر عن الدّخول في الطّاعة إلاّ الإثنان الزّائدان على الستّين، إسم أحدهما رشاشي، واسم الثّاني مريش من أولاد زيد، فبقيا على بغيهما وطلبا الفساد ولم يلتفتا

стр. 926

لقول الهدى، فدعا (٥٠٢) عليهما الشيخ العبيدلي بالقلّ والذّلّ، وفاتتهما (٥٠٣) سعادة الدّارين وفرحا بالغنيمة وحسباها لهما خاصة، فكان من قضاء الله تعالى أن كلّ من قرب لشيء من أمتعة النّاس وجد عنده أسدا، وما كان أخذاه في أوّل الأمر مهما فتحاه وجدا فيه حيّة، فرميا كلّ ما بأيديهما ورجعا خائبين، وسلّم الله القفل لأهله. وينسب للشيخ سيدي إبراهيم في هذا المعنى شعر على مقتضى أشعار هذه البوادي وهو كلام طويل فمن جملة قوله - (رحمه الله تعالى) - (٥٠٤): فإذا بقفل محدور (٥٠٥) آخذ ثنية ... واحد يبيع وذا يحب شراه وكان غفير القوم ولد العبيدلي ... سيدي علي عمل فرد رجل معاه مصحوب للمحرس باغين شورها ... فيها كان (٥٠٦) السوق زمن مضاه أتى قبل العلويين (٥٠٧) تجار صبرة ... بجلد يسير (٥٠٨) والنحاس معاه غاروا عليهم وفي الحين سلموا ... أخذوا القفل وربطوا رؤساه طلع الفقير وقال بالله أقصروا ... القفل غفرت وأنا مولاه وإذا وهمتم في فإني العبيدلي إلى آخر ما هو مذكور فيه إلى أن قال: والله يا ذا الشيخ نبغي غرارتك ... وحبّ السبحة والذكر قد رمناه لوح له السبحة ولبس الغرارة ... وشوق بذكر الله وثار معاه (٥٠٩) وما زال ذاك الحين داهش ويذكر ... حتى وعد الصالحين رآه فلمّا رأى الرفقاء ما صار بينهم ... بهتوا ولا عاد منهم من يردّ نباه أومأ إليهم فجاءوه يركضون ... وكلّ من بخه (٥١٠) بريق شفاه

стр. 927

حتى بقي الستّون في مثل منطرح ... وقالوا جميعا ذا الولي طعناه حين كان (٥١١) البغي هو زميمنا ... واليوم في حال الهدى رفقاه وتأخّر الإثنان شيطان قادهم ... عماهم (٥١٢) على الطاعة وحب هداه رشاشي المسمّى وجاء مريش مثيله (٥١٣) ... ناحس على منحوس طاح (٥١٤) معاه قال لهم الشيخ الله يقلّكم ... ويذلّكم ما يكبر لكم جاه توعدهم وعيد الشيخ ودعا عليهم ... وما راحوا حتى حاك دعاه من قلّة التصديق بطل عملهم ... ومن نال حاجة ثار سبع معاه هرب جميع الناس منها وأدبروا ... ومن كان في يده حديد (٥١٥) رماه ثمّ إنّ الستّين لمّا تمكّنوا من حبّ الله تعالى وثبتت لهم معرفته أرادوا العزلة عن الخلق ليتفرّغوا لطاعة خالقهم لنبذهم الدّنيا وما فيها، ولإقبالهم بكلّيتهم على ما يقرّبهم إلى خالقهم من العبادة والذّكر، فاختار لهم وادي عقارب والشّرب من بئر العرائش، وفي هذا المعنى يقول الشيخ - (رحمه الله تعالى) - (٥١٦): التموا الستّون وداروا بسيدهم ... وقالوا اقصد بنا موضعا نرضاه قال الوطا معروف هيا اقطرونني ... ولكم وطا معروف يجرى ماه في ملتقا الوديان بطحاء عقارب ... وبير العرائش نشربوا من ماه / ولمّا استوطنوا بوادي عقارب وظهرت بركتهم (٥١٧) إعتقدهم النّاس من كلّ جهة (٥١٨) وأعطوهم زكاة مواشيهم (٥١٩) وحبوبهم، واجتمع عليهم من هداه الله تعالى للخير، ولمّا اجتمع عندهم ما تيسّر من الزكاة وبقوا مشتغلين بالذكر والعبادة تاركين للحرب والمقاتلة سمع بذلك أوباش البدو، ويقال لهم بنو عثمان، فجاءوا لنهب ما اجتمع

стр. 928

من الزكاة، فظهر لهم الشيخ بصورة أسد ضارّ (٥٢٠)، وكلّما ضرب واحدا منهم بيده زهقت روحه، وظهر أصحابه بصورة النّيران المحرقة، كلّ من قرب منهم إحترق، فمن ذلك الوقت سمّي الشّيخ صيد (٥٢١) عقارب لأنّ بعض البوادي (٥٢٢) يسمّون الأسد صيدا. ترجمة الشّيخ نصير بن حامد، حفيد صيد عقارب: ومن أجلّ أحفاد الشّيخ سيدي إبراهيم ولد ولده سيدي نصير بن حامد بن إبراهيم بن يعقوب، وهو مشهور معروف، وله مكاشفات وأخبار عن أمور قبل وقوعها فتقع على نحو ما يخبر، وله بذلك أنظام كثيرة ولا يعرف أحد وقتها إلاّ بعد وقوع الواقع الموعود به، فإذا أطّبق على ما ذكر طابقة، ولم (٥٢٣) نعرف للشيخ ولا لحفيده سنة معينة لوفاتهما لعدم معرفة البوادي للتّاريخ، وعدم الإعتناء، لكن يعرف تقريب تاريخه من تاريخ أستاذه العبيدلي وهو من أهل القرن الثامن. ترجمة الشيخ سيدي عبد الله: ومن أعيان أتباع الشّيخ وأعزّ أصحابه سيدي عبد الله، والبوادي يكسّرون العين من لفظه، وضريحه قريب من ضريح الشّيخ من ناحية الغرب بينهما قدر مرأى / العين، والسّتّون مدفونون بهنشير السّتّين، وهو معروف عندهم، وممّا هو متواتر مشهور خروج الكور من ضريح الشّيخ سيدي إبراهيم فيرمي بها وبالرخام، قال من شاهد ذلك: يخرج من ضريح سيدي عبد الله شهاب من نار تضيء له الأرض في ظلمة الليل، فإذا وصل إلى قبّة ضريح سيدي إبراهيم تزلزلت الأرض ويخرج الكور من الضّريح، ووقوع ذلك دليل على وقوع الفتن والحروب. وممّا شاع واشتهر وصار من المسلّم عند الخاص والعام حتّى صار كالمشاهد بالعيان أنّ بعض أهل صفاقس أنشأ قرب الشّيخ أواخر القرن الثّاني عشر مقثاة بها دلاّع (٥٢٤)، وأقام

стр. 929

هناك يحرسها، فاتّفق أنّ امرأة جاءت من البادية فدخلت المقثاة وأخذت دلاّعة لقلّة صبرها على شهوتها، فبادر إليها صاحب المقثاة ولم يكفه أخذ الدلاّعة بل [انهال] على المرأة ضربا فخرّ صريعا لحينه، واسودّ جسمه، عفا (٥٢٥) الله عنّا وعنه. وأمّا هزم الجيوش الذين يقصدون حرمه فشيء مشهور حتّى يقاوم العشرة من أحفاده وخلفائهم أكبر الجيوش، فتقع الهزيمة على من انتهك حرم الشّيخ، ومن تجاسر على إخراج من التجأ إلى ضريح الشّيخ هلك في الحين، ومن كان راكبا سقط على جواده ميّتا، وتتبّع ذلك يطول. ترجمة الشّيخ أبي بكر القرقوري مع التعرّض لشيخيه: الجديدي والشبيبي: ومن أعيان أهل صفاقس الشّيخ العارف بالله تعالى سيدي أبو بكر القرقوري نسبة لقرقور (٥٢٦) قرية من قرى صفاقس / الغربية منها وإلى صفاقس انتقل أهلها (٥٢٧). كان من تلاميذ الشّيخ الجديدي (٥٢٨) وعنه أخذ الطّريقة، وتفقّه بالشّيخ الشبيبي بمدينة القيروان. والشّيخ الجديدي هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز السبائي، كان يحفظ بعض القرآن، وقرأ البخاري على الشّيخ أبي عبد الله محمد بن فندار (٥٢٩) شهر عظوم صاحب برنامج الشّامل (٥٣٠).

стр. 930

والشّيخ الشبيبي (هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن يوسف البلوي الشبيبي، قرأ على الشيخ أبي الحسن علي الشريف عرف العواني وعليه كان إعتماده، وعلى أبي عمران موسى المناري، وأبي محمد عبد الله الحجاري (٥٣١) وأبي عبد الله محمد القلال، وارتحل لتونس فقرأ بها زمنا يسيرا على الشيخ المفتي أبي عبد الله محمد السّكوني، وقرأ عليه خلق كثير، وانتفعوا به كالشيخ البرزلي شيخ إبن ناجي، وانتفع به أيضا) (٥٣٢) أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر الفاسي وأبو يوسف يعقوب الزعبي (٥٣٣) وأبو العبّاس أحمد بن عفيف القمودي (٥٣٤)، وأبو حفص عمر بن إبراهيم المسراتي، وأبو العبّاس أحمد الترهوني، وأبو محمد عبد الله بن علي الشريف عرف التكودي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن مسعود الكنائسي (٥٣٥)، وأبو عبد الله محمد بن علي القيسي الرّماح، وأبو العبّاس أحمد بن محمد بن يونس الغساني، عرف بابن قطانية، وأبو العباس أحمد بن موسى المناري، وغيرهم كأبي محرز محفوظ الأبي، / صاحب شرح مسلم، تلميذ إبن عرفة (٥٣٦). وحكي عن الترهوني عمّن يوثق به أنّه رأى في منامه كأنّ قائلا يقول له: كلّ من قرأ على الشّيخ الشبيبي فهو من أهل الجنّة. وقال (٥٣٧) عن شيخه البرزلي ما رأيت بإفريقية ولا بالمشرق مثله، كان عالما عاملا ورعا واعظا فصيحا ثبتا ثقة سخيا على قدر حاله، له قبول حسن ووجه حسن، لا يمشي إلاّ من داره إلى المسجد أو إلى مهمّ كزيارة مريض من أصحابه، أو صلاة على جنازة استؤذن عليها. درس العلم نحو من خمس وثلاثين سنة. قال إبن ناجي: وصفة ميعاده أنّه كان يصلّي الصّبح في مسجد دار الشّيخ إبن أبي زيد وينوب عنه في الصّلاة بمسجده في هذا الوقت تلميذه الفقيه أبو عبد الله محمد الضريسي ويبكر بذلك، فإذا صلّى أتى جماعة من أصحابنا المجتهدين في تلاوة القرآن فيقرؤون نحو أربعة أحزاب أو خمسة، فإذا جاء الشّيخ سكتوا وقد امتلأ حينئذ المسجد بالعامّة، فيقرأ عليه عشرا من القرآن فينقل

стр. 931

عليه كلام إبن عطية وغيره كالثعالبي (٥٣٨)، ويتكلّم عليه بالوعظ بما يليق بالمحل، ويجلب لذلك ما يليق من حكايات الصّالحين، ويطول الكلام جدّا وهو لا ينظر إلاّ أمامه، ويقرأ عليه دولة في مسلم وربما يعظ عليه، ودولة في سيرة إبن إسحاق، ودولتان في الرقائق، وربما يزيد ثالثة، وعند فراغ هذا يحضر الطلبة المبتدؤون أصحاب الرّسالة والجلاب وابن الحاجب فيقرؤون / متّصلا بما ذكر فيحصل وقت الظّهر، فيخرج الشّيخ لينال شيئا من الطّعام ليتقوّى به على الطّاعة (٥٣٩) ويفتي بخطّه فيما سئل عنه وهو في الميعاد، ويتوضّأ ويصلّي بالنّاس في مسجده الظّهر قرب أذان العصر ويجلس لمن يجود عليه إلى أذان المغرب فإذا صلّى المغرب جلس للتّجويد إلى صلاة العشاء الأخيرة بعد تأخيرها وقتا ما، ويدخل حينئذ لداره، وكلّ سؤال يأتيه من بعد صلاة الظّهر يفتي فيه بالليل مع نظره دول الميعاد ويناوله بكرة، وكانت الفتوى سهلة عليه وموفّقا فيها على البديهة، من ذلك أنّه سئل: هل يجوز أن يؤمّ النّاس من يأخذ المال من الظلمة قراضا أم لا؟ فأجاب بأنّ منصب الإمامة عال، والإمام شفيع لمن خلفه، ولا يكون الإمام ذا وجاهة عند المشفوع إليه إلاّ إذا كان واقفا عند أمره ونهيه، وبسيرته في ميعاده ووعظه كبر تعظيم النّاس له فوق غيره، وكان لا يأخذ من السّلطان مرتّبا على قراءته بل كان يتقوّت من الفلاحة. ولمّا وصل السّلطان أبو العبّاس أحمد إلى القيروان في أوّل سفرة سافرها من تونس قاصدا بلاد الجريد أسرع النّاس في السّلام عليه خارج القيروان، وكان الشّيخ إذا قيل له: تخرج للسّلام عليه يقول: إنّا ندعو له حتى قيل له: إنه بجامع القيروان، فخرج له، فلمّا مشى يسيرا وجد السّلطان آتيا إليه فأراد أن يزيل إحرامه (٥٤٠) من فوق عمامته عملا بالعادة، فحلف له لا فعلت، فقال له: / أين نجلس؟ فقال له: بدار الشيخ أبي (٥٤١) محمد بن أبي زيد، وكان مسجده قريبا منها، فدخل هو وأخوه شقيقه زكرياء وطالبان إثنان وغلقوا الباب، فقال السّلطان: يا سيدي طلبت منك أن تكون قاضيا،

стр. 932

فأبيت وقبلت عذرك، وعملت لك بعد ذلك ربيعة فلم تقبل، فأنا أعمل لك نصف دينار كلّ يوم لأنّ عندك عيالا كثيرة، وقد سمعت أنّك تخرج تحرث وللعرب، فقال الشّيخ: أمّا خروجي للعرب فلا بدّ منه ولو لم يكن لي زرع لأنّي نذبّ عن النّاس، وأما كوني نأخذ منك فلا أفعل، ولو كان عندي مال لأعنتك به، ولو كان فيّ شجاعة لقاتلت معك المحاربين، فأنا لا أعطيك مالا ولا أقاتل معك بنفسي وآخذ منك وبركة هذا الشيخ لا أفعل، فلمّا خرج السّلطان قال: هذا الشّيخ ما رأيت مثله، كنت جاهلا به. مات - رحمه الله تعالى - يوم السّبت الثّاني عشر من صفر سنة إثنتين وثمانين وسبعمائة (٥٤٢)، ودفن صبيحة يوم الأحد من الغد بدار الشّيخ أبي محمّد بن أبي زيد في مقصورته قدّام بابها (٥٤٣). وكان الشّيخ أبو بكر القرقوري ﵀ ممّن قرأ بزاوية الشّيخ الجديدي وهي المشهورة الآن بزاوية الشّيخ سيدي عبيد [بن] يعيش الغرياني، لأنّ الشّيخ الجديدي لمّا توجّه إلى الحجّ أقامه بها. ومات الشّيخ الجديدي بالحرم الشّريف بمكّة أواخر سنة ستّ وثمانين وسبعمائة (٥٤٤) ودفن بباب المعلى. ونقل إبن ناجي أنّ كلّ بلدة من عمالة القيروان فغالب الحال أنّ فقيهها قرأ بالزّاوية، ويصل النّاس إليها / من أقصى المغرب يقرؤون بها. والشّيخ الفقيه الصّالح أبو عبد الله محمّد بن زيد (٥٤٥) صاحب قصر المنستير هو من أصحابه قديما، يعني أصحاب الشّيخ الجديدي، وسلك في قصر المنستير طريق الشيخ إبتداء وانتهاء، فعنده من الفقراء نحو المائة، وزاد أنّه جمع لهم من الرّبع ما يقوم بهم أو يقارب، وكذلك الشّيخ الصّالح أبو فارس عبد العزيز إبن الشّيخ الصّالح عياش (٥٤٦) من

стр. 933

خواص الشيخ ومن فقراء زاويته، وهو بزاويته بطبلبة من عمل المهدية (٥٤٧) في بحر كبير، وناس يأكلون عليه (٥٤٨) ويقرؤون القرآن، وكثيرا ما يعين زاوية شيخه الجديدي بالطعام الكثير وخصوصا عند الحاجة، وكلّ من يرد عليه من جميع الناس يضيّفه ويعلّف (٥٤٩) له، ولو ضافته محلّة السّلطان وعربها لقام بها، وكلّما يكتب للسّلطان في حاجة فغالب الحال أنّها تقضى، وكلّ من (٥٥٠) يهرب (٥٥١) إليه من قوّاد السّلطان وشيوخ العرب وصل للأمان ويكتب فيهم فيجيبه الجواب بما يريد. وكذلك الشّيخ أبو بكر القرقوري بصفاقس كان من تلامذته، وقرأ العلم بالقيروان على الشّيخ الشبيبي، وسلك طريق الشّيخ الجديدي في زاويته قال: ففيها خلق من النّاس، وزاد بأنّه يعمل الميعاد في مسجد الشّيخ أبي الحسن علي الربعي المعروف باللّخمي، لأنّه فقيه عارف موفّق للجواب، فجميع تلك الأوطان والعمالات عامرة بفقرائهم وطلبتهم، والجميع حسنة من حسنات الشّيخ الجديدي نفع الله / الجميع به. قال: وحدّثني الشّيخ الصّالح أبو علي سالم بن أبي القاسم القرشي يعرف بالقاسمي عمّن حدّثه قال: خرج أبو بكر القرقوري هذا وعبد العزيز بن عيّاش ومحمّد بن زيد وغيرهم في حال صغرهم خارج القيروان لتفريج خواطرهم، وكان معهم الشّيخ الجديدي، فأخذوا يمزحون ويلعبون، فقال لهم الشّيخ الجديدي: أنا نحكم بينكم، فأنت يا أبا بكر ولّيتك قيادة صفاقس وعملها فقف بمن معك، وأنت يا عبد العزيز فقد ولّيتك المهدية (٥٥٢) وعملها فقف بمن معك، (وأنت يا محمّد بن زيد فقد ولّيتك قيادة المنستير وعملها فقف بمن معك) (٥٥٣) ولم يتفطّنوا حينئذ لما قال، فتبيّن بعد أنّ كلّ واحد منهم هو شيخ ما حوله. ولم نقف للشيخ أبي بكر القرقوري (٥٥٤) على وفاة لكن تؤخذ تقريبا وفاته من وفاة أشياخه، وقد كانوا أواخر القرن الثّامن.

стр. 934

ترجمة الشّيخ أبي عبد الله الأنصاري شهر الصّفّار: ومن أعيان فقهاء صفاقس الإمام العالم العلاّمة أبو عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري شهر الصّفّار، كان ﵀ فقيها محدّثا إختصر إكمال (٥٥٥) القاضي عياض، وتولّى خطابة الجامع الأعظم بصفاقس، ومقامه مشهور (٥٥٦)، وأنواره ظاهرة، وكراماته باهرة. قال الشّيخ العمدة المقري أبو عبد الله محمّد الصّنهاجي في شرحه لنظم الخراز (٥٥٧): قدمنا إلى صفاقس - أدامها الله للمسلمين بالنّصر والتّمكين - لثلاث بقين من شهر ربيع الثّاني من شهور سنة خمس وعشرين وثمانمائة (٥٥٨) فلقينا بها الشّيخ الصّالح سيدي أبا عبد الله محمّد الصّفّار، وكنت أحضر مجلسه وأغتنم بركاته / ويحضر مجلسه من إخوان صالحين واخيناهم (٥٥٩) ونظّمنا الشّيخ معهم في سلك، واجتمعت فيه أيضا مع الشّيخ الخيّر الدّيّن الصّالح سيدي يحيى المصنّف، وأطعمني بيده ودعا لي، جزاهم الله بالجنّة. وفي أثناء الإقامة طلبني الطّالب الخيّر الدّيّن المجتهد المعلّم لأولاد المسلمين سيدي أبو العبّاس أحمد بن علي بن خروف تقرير هذا الرّجز فأخذنا في بسطه اه. وقبر الشّيخ الصّفّار ظاهر مزار خارج البلد، وهو أوّل تربة تلاقي الخارج من باب البلد وليس عليه قبّة بل بيت مسطّح (٥٦٠) ولم نقف على تعيين سنة وفاته، ويؤخذ ممّا ذكره الصنهاجي أنّه من أوّل القرن التّاسع.

стр. 935

ترجمة الشّيخ إبراهيم الصفاقسي: ومن أعيان فضلاء صفاقس الشّيخ الإمام البرهان إبراهيم بن محمّد الشهير بالصّفاقسي (٥٦١) نزيل مصر، صاحب إعراب القرآن المشهور (٥٦٢) به. كان ﵀ غاية في علوم التّفسير والعربيّة، أخذ عن أبي حيّان (ومن في طبقته. وما في كتابه مختصرا من ذكر أبي حيان) (٥٦٣). قال الجلال السيوطي في حواشي البيضاوي: أكثر الإمام أبو حيّان في بحره من مناقشة الزّمخشري في الإعراب ومجادلته بالاضراب، وتلاه تلميذاه الشّهاب أحمد بن يوسف الحلبي المشهور بالسّمين، والبرهان إبراهيم بن محمّد الصّفاقسي في إعرابيهما، ثمّ قد يوافقانه وقد يتبعانه بالجواب ويقرّران الذي قاله الزّمخشري هو الصّواب اهـ. ولم نقف على تعيين سنة وفاته / ويؤخذ تقريبها من سنة وفاة أبي حيّان، وكانت سنة خمس وأربعين وسبعمائة (٥٦٤)، فهو من أهل القرن الثّامن (٥٦٥). ترجمة الشّيخ الولي علي الكرّاي: ومن أعيان فضلاء صفاقس ومشاهيرهم شيخ الطّريقة والحقيقة، العارف بالله تعالى، الشّيخ الصّالح سيدي علي الكرّاي بن ميمون الوفائي (٥٦٦) المشهور بأبي بغيلة. ولمّا كان الشّيخ ﵀ منسوبا للسّادة الوفائية فلا بدّ من ذكر أصل هذا النّسب ومآثره الكريمة ليعلم مقام هذا الشّيخ ورتبته.

стр. 936

تعريف بالسّادة الوفائية: فنقول: أصل السّادة الوفائية على ما ذكره المناوي في طبقاته: هو الشّيخ سيدي محمّد ابن محمّد وفاء، إسكندري الأصل، ويقال المغربي ثمّ المصري، الشاذلي الصّوفي، ذو الموشّحات التّوحيدية التي لم ينسج على منوالها أحد من البرية، وشيخ الخرقة الوفائية، وافر الجلال فائق الخلال، سار صوت صيته، واشتهر بنا تذكيره وتمكينه، ولد سنة إثنين وسبعمائة (٥٦٧)، واشتهر بوفاء لأنّه كان ينسج المناديل بالرّوضة ولا يعرف، فتوقّف النّيل، فتوضّأ وصلّى بالمقياس، فصار كلّما طلع من الفسقية درجة طلع البحر معه حتّى وفا (٥٦٨) ذلك اليوم، وألّف الكتب وهو أمّي، ولمّا دنت وفاته كان سيدي علي ولده حملا فخلع منطقته (٥٦٩) على الأبزاري بإسكندرية، وقال: هذه وديعة عندك لعلي حتى يبلغ، فعمل الأبزاري الموشحات النفيسة حتى كبر علي، فخلعها عليه، فلم يمكنه عمل بيت واحد بعد ذلك، وله كلام على طريقة القوم كثير / مدوّن. قال الشيخ الشعراني (٥٧٠): كتاب الشعائر له، والمشاهد وعنقاء مغرب لابن عربي، وخلع النعلين لابن قيس، لا يكاد يفهم أكابر العلماء منها معنى مقصودا لقائله أصلا، بل خاص بمن دخل مع ذلك المتكلّم حضرة القدس فإنه لسان قدسي لا يعرفه إلاّ الملائكة أو من تجرّد عن هيكله من البشر وأهل الكشف، مات سنة ستّين وسبعمائة (٥٧١). وأمّا سيدي وفاء ولده السّابق الذّكر فإنه ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة (٥٧٢) بالقاهرة ومات أبوه وهو طفل فنشأ هو وأخوه أحمد في كفالة وصيّهما الزّيعلي، فلمّا بلغ تسع عشرة سنة جلس مكان أبيه، وعمل الميعاد، وشاع ذكره وبعد صيته، فانتشرت أتباعه، وذكر بمزيد اليقظة وجودة الذّهن، والتّرقّي في الأدب والوعظ، ومعرفة تقرير كلام أهل الطّريقة. قال إبن حجر في إنباء الغمر (٥٧٣): كان يقظا حادّ الذهن، كثرت

стр. 937

أتباعه جدّا وأحدث أوزانا فجمع النّاس عليه (٥٧٤) وله اقتدار على جلب الخلق مع خفّة ظاهرة، قال: وله تصانيف منها: «الباعث على الخلاص في أحوال الخواص»، و «الكوثر المترع من الأبحر الأربع» (٥٧٥) وديوان شعر (٥٧٦) وموشّحات (٥٧٧) كثيرة، قال: وشعره يتعلّق بالإتحاد المفضي إلى الإلحاد كنظم (٥٧٨) أبيه، وفي آخر عمره (٥٧٩)، نصب بداره منبرا وصار يصلّي بها (٥٨٠) الجمعة مع كونه (٥٨١) مالكيا وقال في معجمه: اشتغل بالأدب والعلوم وتجرّد مدّة، ثم انقطع، ثمّ تكلّم على النّاس، ورتّب لأتباعه أذكارا بتلاحين مطبوعة إستمال / بها قلوب العوام ونظم ونثر، وصحبه يتغالون في محبّته وتعظيمه ويفرطون في ذلك اهـ. قال: ودأب إبن حجر أنّه إذا ذكر أحدا من الطّائفة لا يبقي ولا يذر، والله يغفر لنا وله، وقال المقريزي (٥٨٢): كان جمال الطريقة، مهابا معظّما، صاحب كلام بعيد، ونظم جيّد سريع، وتعدّدت أتباعه ودانوا بحبّه، واعتقدوا أنّ رؤيته عبادة، وتبعوه في أقواله وأفعاله وبالغوا في ذلك مبالغة مفرطة، وسمّوا ميعاده الشهود، وبذلوا له رغائب أموالهم هذا مع تحجّبه وتحجّب أخيه أحمد التّحجّب الكثير إلاّ عند عمل الميعاد والبروز لقبر أبيهم وتنقّلهم في الأماكن، بحيث نالا من الحظ ما لم يصل إليه من هو في طريقتهم حتّى مات بمنزلتهم في الرّوضة سنة سبع وثمانمائة (٥٨٣)، ودفن عند أبيه. قال: ولم أر جنازة عليها من الخير كجنازته، وأصحابه أمامه يذكرون بطريقة تلين لها قلوب الجفاة.

стр. 938

وقال غيره: كان مستحضرا لجمل من التّفسير وله تفسير ونظم جسيم، وديوانه متداول بالأيدي، وجيّد شعره أكثر من رديئه، وأمّا نظمه في التّلاحين والحقائق وتركيزه للأنغام فغاية لا تدرك، وتلامذته يتغالون فيه إلى حدّ يفوق الوصف اهـ. وللحافظ زين الدّين (٥٨٤) العراقي كتاب: «الباعث على الخلاص من حوادث القصاص» صنّفه في الرّدّ عليه. وقال بعض من صنّف في الطّبقات: كان فقيها عارفا بفنون من العلم، بارعا في التّصوّف، حسن الكلام / فيه، على طريقة إبن عربي وابن الفارض. وقال بعضهم: كان ظريفا لطيفا، يلبس الملابس الفاخرة، ويأكل نفيس الأطعمة حتّى قوّمت الأواني الصّينيّة التّي في سماطه بألف دينار. قال المناوي: وكان شيخنا الشّعراني يقول: كان في غاية في الظّرف واللّطف لم ير في عصره أظرف منه، وموشّحاته في ديوانه تشهد له، قال: مع أنّه سبك فيها أمورا تضرب فيها الأعناق لو فسّرت، ومن كلامه: لا تعبث أخاك ولا تعيّره بمصيبة دنيوية لأنّه إمّا مظلوم فسينصره الله، أو مذنب عوقب فطهّره (٥٨٥) الله، أو مبتلي وقع أجره على الله، ومن الرّعونة أن يفتخر أحد بالآباء من سلفه أو يعيّر بما لا يستحيل عليه، ويعلم أنّ ما جاز على مثله جاز عليه. وقال: الخطوط الدنيوية زبالة، فمن أظهر للنّاس خصوصية ربّانية لينال منها حظّا دنيويا فكأنّه بوطل بالمملكة كلّها على أن يكون زبالا. وقال: ليس لأحد أن يمكّن أحدا من تقبيل يده إلاّ أن صحبه من الحق ما صحب الحجر الأسود من حفظه عهد الحقّ في الخلق، والتّطهّر (٥٨٦) من لوث بحكم الوهم البهيمي وعدم الشهوة المغفلة عن الله، والحظ المشتغل عنه، والرّعونة المضلّة عن طريقه، وتحمل خطايا الخلق ولو أسود بهم وجهه وتذكيرهم بربّهم، فمن جمع هذه الصفات فهو يمين لله في الأرض كالحجر الأسود، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ (٥٨٧).

стр. 939

وقال: من أراد انقياد العالم له انقيادا ذاتيا / فلا يحبّ إلاّ الله ومن أمر بمحبّته، وحينئذ يتسارع الأكوان كلّها لطاعته. وقال: كلّما كان حادي القوم مناسبا لهم في حالهم كان أشدّ تأثيرا في قلوبهم. وقال: لا ينبغي لعارف أن يظهر من معارفه إلاّ ما يعلم قبوله له ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ (٥٨٨). وقال: لكلّ وليّ خضر ممثّل من روح ولايته بصورة الخضر المشهور. وقال: لا تخرق حرمة من أمرت باحترامه فتعاقب. وقال: ليس للسّالك أن يتكلّم بما اطّلع عليه للهالك فإنّه يزيده هلاكا وإنكارا. وقال (٥٨٩): من طلب أن لا يكون له حاسد تمنّى أن لا يكون عنده من الله نعمة، فإنّ الحكم الوجودي إقتضى مقابلة النّعم بالحسد، لا بدّ من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ﴾ (٥٩٠) عبّر بإذا دون إن، وأمر بالإستعاذة من الحاسد لا من وجوده. وقال: إحذر أن تزدري أهل الخلع الخيّبة (٥٩١) من الفقراء، الشّعثة رؤوسهم، المغبّرة وجوههم، فإنهم ناظرون إلى ربّهم، وإنّما أنت أعشى البصيرة. وقال: إيّاك أن تحسد من فضّله الله عليك، فتمسخ كما مسخ إبليس من الصّورة الملكيّة إلى الشّيطانية. وقال في حديث: القلب بيت الرّبّ، أي فليس لعبد أن يدخل قلبه إلاّ ما يحبّه الله، فلا يدخله ما يكرهه من الأقذار. وقال: من أحبّ ثبات الإخوان على ودّه وثنائهم عليه بكلّ لسان قابلهم إذا أذوه بالحلم والغفران. وقال: من أشغل (٥٩٢) قلبه بحبّ شيء من الأكوان ذلّ عند الله وهان، / ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (٥٩٣).

стр. 940

وقال: إذا ذكرت ذنوبك فلا تقل: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله فإنّك تبرّئ نفسك منها وتضيفها إلى حول الله وقوّته، وتريد عدم الحجّة عليك، بل قل: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٥٩٤). وقال: من صحب المعرضين عن ذكر الله أهانه الله في عيون الخلق. وقال: لا تأمن المعتقد فيك فإن نفسه إنّما سكنت حيث عقلها عقلها النّظري بعقال ظنّي سنده حال أو مقال (٥٩٥) والأعراض لا تبقى فكأنّك بالعقال (٥٩٦) وقد انحلّ ورجع المعقول إلى توحّشه. وقال: المحبّ قليل والمعتقد كثير، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى (٥٩٧)، وكفى باللهو ضررا. وقال: كلّ ما يراه المحجوب من العارف فهو صورة الرائي لا المرئي، فإن رآه زنديقا فهو زنديق عند الله، أو صدّيقا فهو صدّيق لأنّ العارف مرآة الوجود. وقال: واضع العلم (٥٩٨) في قلب متدنّس بالرّئاسة وحبّ الدّنيا كواضع العسل في قشر الحنظل. وقال: لا تكمل معرفة العبد إلاّ أن ينفذ (٥٩٩) من جميع الأقطار العلوية والسفلية وتجاور حدّ الخفض (٦٠٠) والرّفع. وقال: العلم في غير حليم شمس طلعت من مغربها، والعلم في غير مأدوب شهد وضع في قشّ حنظل. وقال: من التفت إلى بشريّته بالكلية حجب عن الحقائق الرّبّانية، وسلبت عنه الحقيقة الإنسانية. وقال: من ملك أخلاقه فهو عبد الله، ومن ملكته أخلاقه فهو عبدها ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ (٦٠١). /

стр. 941

وقال: إنّما تجمل الشاذلية بالثياب إظهارا للغنى (٦٠٢) عن الخلق، ورضّى بما أعطاهم الله في سرائرهم حين لبس غيرهم المرقّعات إظهارا للفاقة، وأمّا السّلف فما لبسوا الرّثّ وأكلوا الخشن إلاّ لمّا وجدوا أهل الغفلة أقبلوا على الدّنيا وزينتها فخالفوهم بإظهار حقارتها. وقال في معنى قول البسطامي (٦٠٣): خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله، إنّ الأنبياء عبروا بحر التّكليف إلى ساحل السّلامة، ووقفوا ساحله (٦٠٤) الآخر يتلقّون من أسلم (٦٠٥) وبذلك ارسلوا. وقال: من ذاق حلاوة الطّاعة وصل إلى حضرة ربّه في ساعة. وقال: من ادّعى في نفسه العظمة والكبرياء فلا فرق بينه وبين من قال: إنّي إلاه من دون الله، وكفى به كفرا. وقال: شرط المحقّق أن يخاطب أهل كلّ مرتبة بلسانها لأنّ كلّ شيء عنده بمقدار، فلا يخاطب أهل الحديث بغير حديثهم، ولا أهل النّظر بغير نظرهم، ولا أهل الذّوق بغير ذوقهم. وقال العارف الشعراني (٦٠٦): طالعت كثيرا من كلام الأولياء، فما رأيت أكثر علما ولا أرقى شهدا من كلامه. وكان يركب الخيل المسوّمة ويخرج من بيته بحومة عبد الباسط إلى الروضة ليلا فتفتح له الأبواب بنفسها ثمّ تغلق، فخرج الوالي ليلا فوجد باب زويلة مفتوحا فأراد ضرب البوّاب فقال له: يا سيدي، علي وفاء (٦٠٧) كلّ ليلة يجيء فيشير إلى الباب فيفتح، فتارة أعلم فأغلقه، وتارة أنام. فقال الوالي: رجعت عن إنكاري عليه لبس السخاب، فإن من / تفتح له الأبواب لبس السخاب. وأنكر عليه إبن زيتون الوزير وقال: ما ترك هذا لأبناء الدّنيا شيئا، فأين الفقر الذي هو شعار الأولياء؟ فالتفت إليه وقال: تركنا لكم ولأبناء الدّنيا خزي الدّنيا وعذاب الآخرة.

стр. 942

ولم يطل عمره بل مات دون الخمسين. ولمّا عطش الحجّ حتّى أشرفوا على التّلف فأتوه فأنشد موشحة (يقول فيها) (٦٠٨): [مجزوء الكامل] إسق (٦٠٩) العطاشى تكرّما ... فالعقل طاش من الظّما فأمطروا حالا كأفواه القرب - رضي الله تعالى عنه -. تتمّة ترجمة الشّيخ علي الكراي: ولنرجع إلى الكلام على الشّيخ سيدي علي الكراي، يسمّى بذلك لأنّه كان يكثر تكرار القرآن العظيم، فأبدلت الرّاء ياء. قدم أبوه ميمون (٦١٠) من المشرق، وتزوّج أمّ سيدي علي الكراي، ثمّ سار في سياحته، فربّته أمّه. قيل إنه لمّا توفّي أبوه تزوّج أمّه سيدي علي بن أبي القاسم، وعليه كان ترقّيه في طريق القوم. وأخذ الفقه بصفاقس عن الشّيخ الصّفّار ومشايخ الوقت بها، ثم انتقل إلى القيروان، فكان سيدي علي بن أبي القاسم يوصل إليه عشاءه من صفاقس كلّ ليلة، فنشأ في عبادة الله وخدمة العلم من صغره، وزاد في طاعة الله لمّا كبر سنّه، وفي كلّ يوم يزداد. وكان محبوبا لفضله، مطلوبا لعدم مثله. قال سيدي علي بن أبي القاسم: أخذ عليّ مائة ألف من الجنّ والأنس، أصغرهم علي، وأتقاهم علي. وكان مهابا ويتكلّم على ما في القلوب، ويتكلّم مع أهل السّلوك، ويسلّم للمجذوبين أحوالهم / ويبيّن لهم طريقتهم، ويفرّق بينهم، ويعرف الواصل منهم. وكان في بدايته الغالب عليه الانقباض، فلذا اختار الجولان، فاتّخذ بغيلة يركب

стр. 943

عليها، فلذا سمّي: أبا بغيلة، حتّى انبسط وصار في غاية الألفة والإرتياض، فانكبّ عليه المريدون كما هو شأن رجال الطريقة. فقد كان الشّيخ سيدي محرز بن خلف في ابتداء أمره يسكن مرسى الرّوم لا يألفه إلاّ أصحابه، فلمّا سكن تونس إنبسط للفقراء وألفهم، وصار يلقى كلّ من يرد عليه من الزوّار في المواسم (٦١١) بل يلقاهم قبل ورودهم عليه في كلّ وقت، وكثروا حتّى أنّ منهم من يصافحه ومنهم من لم يصل إليه، فيلمس أثوابه بيده (٦١٢) ويمسح بها على وجهه، وبلغ رتبة القطابة لأنّه سأله بعض تلامذته أن ينظر القطب فقال له الشّيخ: إمض ليلا قرب المسجد الأعظم بعد صلاة العشاء، وامكث حتّى يمرّ بك، ففعل التّلميذ ذلك فلمّا انقطعت الرّجل (٦١٣) إرتقب حتى طلع الفجر، فلم ير أحدا إلاّ رجلا يشبه أهل البادية، بيده رمح ومخلب، مشتمل بإحرام، وبرجله سبّاط (٦١٤)، ومتعمّم كأهل البادية، فخاف منه وهابه، فانصرف وصلّى الصّبح مع الشّيخ، فلمّا فرغوا من الوظيفة سأله الشّيخ: هل رأيت القطب؟ قال: ما رأيت إلاّ رجلا بصفة كذا وكذا، فقال له: ذلك هو، ولكن إسمع ما أوصيك به: القطب يموت في اليوم الفلاني من شهر كذا، فما زال يعدّ السّنين والشّهور والأيّام إلى اليوم الّذي وقّت له (٦١٥) الشّيخ، فكان فيه وفاة الشّيخ، فتعيّن أنّه هو القطب، واجتمع / بالشّيخ سيدي أحمد بن عروس بصحن جامع الزيتونة من تونس، فسلّم كلّ على صاحبه، فأخرج الشّيخ إبن عروس ثديه الأيمن فرضعه حتّى روي، ثمّ ناوله الثّدي الثّاني فأباه وقال: إنه لأخي أبي (٦١٦) راوي، يقدم علينا - إن شاء الله - فحدّث الشّيخ إبن عروس بعض إخوانه فقال لهم: كانت نوبتي (٦١٧) البارحة بالمحلّ الفلاني، فباسطه وقال: من يشهد لك؟ فقال: هذا الشّيخ علي الكرّاي، فقال الشّيخ الكرّاي: لا علم لي بهذا، فقال إبن عروس: ألم تكن نوبتك أنت بجبل كذا؟ فقال له: صدقت قد كان ذلك.

стр. 944

وتوفّي الشّيخ إبن عروس سنة نيف وسبعين وثمانمائة (٦١٨). وللشّيخ الكراي كرامات كثيرة في حياته وبعد وفاته، فمن ذلك أنّه طلب منه تلاميذه يوما دقيقا لقوتهم، فأرسل واحدا منهم وأمره أنّه إذا وصل لضريح الشّيخ سيدي طاهر (٦١٩) بشاطئ البحر وكان خارج السور في جهة الجنوب والشرق، وقد صار الآن داخل الربض بجوار الشّيخ النونشي، قال: فإذا وصلت وجدت على شاطئ البحر تربة بيضاء فاملأ منها وعاءك، ففعل التّلميذ ذلك، فلمّا رجع وفتحه وجده دقيقا من خالص الحنطة. وأرسل تلميذا مرّة لجبل النّور، وهي كدية في الشّمال والشرق من الشّيخ اللّخمي فملأ من ترابه، فوجده من خالص دقيق الحنطة. وكان يجتمع بالخضر ﵇ (٦٢٠) في سيدي عبّاس الجديدي، فدعا له ولذرّيته بالبركة. ومنها أنّ بعض أهل الشّرّ من أهل صفاقس شهدوا / فيه أنّه زنديق وكانوا ثمانين رجلا، وطلبوا الشّيخ الخطيب أبا العبّاس سيدي أحمد الشّرفي أن يشهد معهم، فامتنع من ذلك وقال لهم: نشهد فيه أنّه رجل صالح لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا له الشيخ ولذرّيته بالبركة، ثمّ إنهم كتبوا شهادتهم وأرسلوها إلى السّلطان الحفصي، فلمّا فتح الكتاب وقرأ ما فيه وجد كلمة صدّيق في مكان زنديق، وتبيّن له أنّ كلامهم باطل، فأرسل من يأتيه بتلك الجماعة الذين شهدوا بالزّور، فأطلع الله الشّيخ عليه قبل وصوله، فركب بغيلته وتلقّاه بالكدية، إسم موضع قرب البلد، فلمّا رآه الرّسول عرّفه بصفته، فنزل عن فرسه إكراما للشّيخ وإجلالا له، فسأله عن سبب قدومه فعرّفه أنّه يطلب شهود الزّور ليحضروا بين يدي السّلطان، فقال له الشّيخ: أرجع من هنا فلا تروّع المسلمين، فقال: أخاف من السّلطان، فقال له: لا بأس عليك، فأنا أكتب للسّلطان وأعرّفه أنّي عفوت عنهم وسامحتهم وأتركهم لوجه الله، فامتثل الرّسول وأخذ كتاب الشّيخ وأخبر السّلطان بخبر الشّيخ، فعمل السّلطان بما أخبره به الشّيخ من العفو والصّفح، قيل لم يخلّف أحد من أولائك الشهود عقبا عقوبة من الله.

стр. 945

ومن أكبر الكرامات ما وقع له عند إراده التّزوّج حسبما ذكره سيدي أبو الحسن الكراي ﵀، وذلك أنّه لمّا أراد التّزوّج ذكر له امرأة بكر صالحة بقرية قرقور، من وطن صفاقس الغربي قرب صفاقس، فخطبها من أبيها، وكان رئيس القرية ومن الصّالحين / واسم البنت سليمة، وله عدة أولاد أصحاب عزّة ونخوة، فخطبها من أبيها فأجابه، وأنكر الأولاد تعلّلا بفقره، فقال لهم: هو رجل صالح وأخاف إن امتنعت أن يتغيّر خاطره علينا، وأنا أعرف به منكم، ولكن نشترط عليه أمورا فإن وفى بها زوّجناه وإلاّ فلا، وهو يعتقد أنّه يوفّي وإنّما قاله تطييبا لقلوبهم، وتسكينا لحميتهم، فقبلوا كلامه فلمّا رجع الشّيخ وطلب العقد إشترط عليه مائة دينار، ومصوغا على جاري عادتهم، وبعيرا بجحفته، وخمس عشرة شاة، فقبل الشّيخ ذلك، ثمّ توجّه إلى أولياء الله تعالى في قبورهم ليمدّوه بما اشترط عليه، وجعل على كلّ وليّ شيئا، ويبيت عنده في ضريحه، ويصلّي ورده، ويجد ما طلبه صباحا، فأتى ضريح شيخ من المتقدّمين لم يشتهر باسم، غربي المحرس، قرب سيدي غريب، فطلب منه عشرة دنانير، وبات كعادته مع غيره، فلمّا صلّى الصّبح وجد خمسة عشر دينارا، فقال مخاطبا لصاحب القبر: فيّضت يا أبا فياض، فسمع مخاطبا من داخل القبر يقول: أحييت إسمي أحيى الله إسمك، فانصرف لمشايخ الوطن الشّرقي كالشّيخ عبد الرّحيم الزّاهد، والشّيخ الجبنياني، والشّيخ مسرّة وغيرهم، والشّيخ مروان - نفعنا الله بهم وبأمثالهم - وكان ممّا شرط عليه خرصان وزبيبتان من الذّهب، فبات عند الشّيخ الجبنياني على عادته، فلمّا نام رأى الشّيخ أبا إسحاق فقال له: يا علي اقصد سحنون الفلاّح بقرية بليانة، وأمره يبحث / في الركن الفلاني من البيت الفلاني في حوشه (٦٢١)، فإنه يجد قدرا بالدّنانير وفيها خرصان وزبيبتان، فخذ الخرصين والزّبيبتين ودع الباقي له، فذهب لسحنون وعرّفه وكان بحضرة جماعة من قومه، فأنكروا أولا قوله، ثمّ رجعوا وذهبوا فحفروا فوجدوا (٦٢٢) [ذلك]، فاعتذروا واعتقدوا، فأخذ ما عيّن له وانصرف متوجّها للشّيخ اللّخمي، فلمّا جاوز ضريح سيدي منصور الغلام ببرج (٦٢٣) قزل سمع صوتا خلفه يناديه، فالتفت فرأى شخصا يسوق شياها (٦٢٤)، فوقف حتّى قدم عليه، فإذا برجل أسمر اللّون عليه لباس أهل

стр. 946

البادية، فسلّم عليه ثمّ قال: تجاوزتنا ولم تلتفت إلينا، فاعتذر له فعرّفه أنّه الشّيخ سيدي منصور الغلام، ففرح به، وقبل منه الخمس عشرة شاة، وشكره على ذلك، وودّعه وانصرف، فودّع الشاة وبات عند الشيخ اللّخمي، فرآه في النّوم وقال له: إذا صلّيت الصّبح سر لدار الغنم (٦٢٥)، فالرّجل الذي يلاقيك تجد عنده جملا صفته كذا بجحفته فخذه منه، فهو حصّتنا من إخواننا، ففعل ما أمره به وانصرف لقرية قرقور فسلّم عليه أهلها، ولمّا سمعوا إخوة البنت بقدومه ومعه ما طلبوا لاموا أباهم ونازعوه، وقالوا: لا يأخذها (٦٢٦) فقال لهم: لا أقدر أخالف فإنه رجل صالح، ولكن نشترط عليه شرطا آخر وهو أنّ ابنتي لا تنزل من جحفتها إذا وصلت باب (٦٢٧) البلد، وكان قصيرا لا يمكن دخول (٦٢٨) الجمل بجحفته عادة منه، فإذا لم يدخل (٦٢٩) الجمل بجحفته بقيت بنتنا وذهب إلى حال سبيله / فاستصوبوا قوله وشرطوه على الشّيخ فقبله، فلمّا وصل الجمل إلى الباب وضع الشّيخ يده على عتبة الباب فارتفعت بإذن الله حتى جاوز الجمل الباب، فسلّم الأولاد وعلموا أنّها عناية من الله تعالى. ورزق منها ثلاثة رجال: عمر وسعد وحسن. وكانت له خابية يخزن بها قوت عياله فتكفيهم طول سنتهم، ويزرع منها، فخرج لسياحته على بغيلته فلمّا قدم قال لأولاده: ليقم أحدكم يأت بعلف البغيلة من الخابية، فقام سعد فرجع بالمخلات فارغة وقال: لم أجد بالخابية شيئا، فقام حسن فرجع مثله، فقام عمر فأتى بالعلف من الخابية، فقال له: أنت صاحب الزّاوية وعندك البركة، وهي في عقبك، فمات أخواه عن غير عقب إلاّ بنتا لأحدهما. ومات الشّيخ ﵀ ودفن بضريحه المشهور في وسط صفاقس بالجهة الغربية منها، ولم نقف على تعيين سنة وفاته، ويؤخذ تقريبها من وفاة الشّيخ إبن عروس كما أسلفنا ذلك. وممّا وقع من كراماته بعد وفاته أنّ إبن نويرة كان خادما لقائد البلد، وكانت

стр. 947

عندهم إمرأة مسجونة ففرّت لزاوية الشّيخ فاقتفاها وجذبها وردّها، فاتّفق في ذلك اليوم عرس لبعض أهل البلد، وكانت عادتهم أنّهم يخرجون سابع العرس مصطفّين من باب البحر، يدورون خارج البلد، ويدخلون من باب الجبلي، بعد ما يكون اجتماعهم بحومة العروسين (٦٣٠) وإلى الآن تسمّى بذلك الإسم (٦٣١)، فخرج / إبن نويرة من جملة رجال ذلك العرس، وكانت معه بندقية فصرّخها، فانكسرت في يده، ورجع عليه منها قطعة فمات منها، وكان في ذلك الوقت رجل واقف بباب ضريح الشّيخ يقرأ فاتحة الكتاب على عادة المارّين بالشّيخ إبتغاء البركة، فسمع صوت بندقية من قبر الشّيخ، فوقعت له دهشة، فبينما هو كذلك إذ مرّ به أناس يتحدّثون بأنّ إبن نويرة إنكسرت في يده بندقية ومات بها، فأخبرهم بما سمع والله تعالى أعلم. وقد ألّف الشّيخ أبو الحسن (٦٣٢) - رحمه الله تعالى - كتابا في ذكر كرامات أجداده واستوفى ما أمكنه، فمن أراد استقصاء كرامات الشّيخ فليرجع إليه ففيه مقنع والله أعلم. ترجمة الشّيخ عمر الكرّاي: ولمّا مات الشّيخ الكرّاي قام مقامه ولده سيدي عمر الكراي، وسار إلى السّلطان الحفصي، فلقيه وزيره وفرح به، فأعلمه بوفاة الشّيخ، وأنّه يريد الإجتماع بالسّلطان. (فدخل إلى السّلطان) (٦٣٣) وأعلمه بموت الشّيخ وأنّ ولده يريد الإجتماع بك، وقال له: كنت سمعت أن سيدي عليا قال: عمر أعلى منّي درجة، فخرج وقابل سيدي عمر بالإجلال، وقضى له مآربه.

стр. 948

وكان لسيدي عمر ثلاثة أولاد محمد وعثمان وعلي شايب الأذرعة. فلمّا رجع سيدي عمر من تونس مجبور الخاطر عمّر زاوية أبيه، وربّي المريدين، وسار سيرة حسنة، وأتاه النّاس من كلّ جهة، وكان أهل الحامة يعتقدونه فيشتّي عندهم ببلد الحامة، كما كان والده يفعل ذلك، فلمّا خرجت الحامة على الحسن الحفصي / - حسبما مرّ - خرج لها بعساكره مرارا فلم يظفر منها بطائل. وكان سيدي علي دعا لأهلها فقال: الحامة حامية لأهلها ما (٦٣٤) لم يظهر فيهم الفسق وهتك حرمة الشّرع العزيز، فلمّا عجز الحسن عن الحامة أتى إلى الشّيخ سيدي عمر واستنجده بأن يسير لأهل الحامة ويطوّعهم ولهم الأمان التام، فقال له الشيخ: لا أفعل هذا لأنّك تخونهم وتسفك دماءهم وتستبيح أموالهم، فقال له: لا أخونهم وعاهده على ذلك وألحّ عليه في ذلك فأبى الشّيخ، فحلف أنّه لا يخونهم، فقال له الشّيخ: تخونهم ولا بدّ ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٦٣٥) فسار الشّيخ لأهل الحامة، فلمّا رأوه فرحوا به وقالوا له: هل لك من حاجة نفوز بقضائها؟ فعرّفهم بشأن الحسن وعهده وقسمه إن أطعتم لا يخونكم، ولكن ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ (٦٣٦) فقالوا له: أو يخوننا؟ قال: نعم، فقالوا: نطيعه إكراما لكم، ويفعل الله ما يشاء. فقدم الحسن بعساكره ففتحت البلاد ولم يقاتله أحد منهم، فلمّا توسّط جيشه خان وفعل ما سوّلت له نفسه الأمّارة، فلمّا سمع الشّيخ بذلك إغتاظ ودعا عليه، وقال: أللهم كما أوحشني في أولادي فرّق بينه وبين أحبّته، وأعم بصره كما أعميت بصيرته، فلمّا رجع إلى مدينة تونس وقع منه ما تقدّم، ولمّا رجع لمحلّة ولده فعمى من حينه حسبما مرّ ذلك مفصّلا. وسافر سيدي عمر لبلاد المشرق لحجّ البيت الحرام، فلمّا رجع من حجّه مات بوادي القصب وقبره / هناك معروف مزار، وكتب عند وفاته وصية لسيدي محمد الكراي وأوصاه بالقيام بالزّاوية والمحافظة على تقوى الله العظيم. ترجمة الشيخ محمد الكراي: فلمّا وصلت الوصيّة قام بالأمر سيدي محمد، وسار في طريق القوم سيرة حسنة، فأتاه المريدون من جميع البلاد.

стр. 949

وكان من أجلّ أصحابه من أهل صفاقس الشّيخ الصّالح سيدي محمد صريح فكان من أهل الكشف، فزوّجه الشّيخ أخته لما رأى من صلاحه ومتابعته لسيرة القوم والسّلف الصّالح، وقدّمه شيخا بزاوية الشّيخ سيدي أبي بكر القرقوري إلى أن مات. ومنهم الشّيخ ساسي اللّبيدي، كان كثير المتابعة للسّنّة، محافظا على رسوم الشريعة، ملازما لآداب الحقيقة والطّريقة، ولمّا ظهرت بركاته تزوّج الشّيخ أخته. وللشّيخ - رحمه الله تعالى - كرامات كثيرة ومكاشفات غزيرة، فمن مكاشفاته أنّه كان إماما بمقام الشّيخ سيدي أبي يحيى الضّابط، فمكث يوما بصحن المسجد يزيل القمل من ثيابه ويضعه في قارورة، فرآه إنسان من طاق فاعترض على الشّيخ في خاطره بأن يجهل هذا الشّيخ حكم قتل القمل بالمسجد، والشّيخ موليه ظهره، فرفع تلك القارورة وقصد بها ذلك المعترض قائلا: من بقّرنا تبّنه الله، أي من جعلنا من البقر حيث حكم بعدم معرفة حكم قتل القمل بالمسجد جعله الله تبنا تأكله البقر، فدخل ذلك المعترض تائبا، فعفا عنه ودعا له بالهداية والتّوبة. ومن كراماته ما وقع من قصّة المكّني وعبد المولى وغير ذلك. ولمّا توفي / أخبر أخوه سيدي علي شايب الأذرعة أنّه كان معه بقرية قلّوس من وطن صفاقس الشرقي قال: فلمّا قفلنا منها وصرنا بين ذراع ابن زياد وغدير النّصف (٦٣٧) وكان بيده قلعي وهو راكب، فهزّ القلعي وقال: يا علي، فنظرت إليه فما وجدته إلاّ قد سدّ بين السّماء والأرض، ثمّ قال: في يومي هذا في ساعتي هذه، قدمي على قدم سيدي عبد القادر الجيلاني، وقصدني، فهبته ممّا أفاض الله عليه من الهيبة والجلالة، وغبت عن حسّي، فلم أرجع لحسّي إلاّ بعد مدّة، فلمّا أفقت وجدت رأسي في حجره ويده على رأسي وقال لي: يا علي أكتم ما رأيت إلاّ بعد موتي، وإن والدي أوصاني بحفظك وأنا الخليفة عليك بعده. ولمّا حضرته الوفاة، استخلف بعده أخاه سيدي علي شايب الأذرعة، ودفن خارج البلد، ضريحه مشهور معروف من جهة ركن البلد الشمالي الغربي، وعلى ضريحه من الهيبة ما ليس على غيره - رحمه الله تعالى - ولم نقف على تعيين سنة وفاته.

стр. 950

ترجمة الشّيخ علي بن عمر ابن الشّيخ علي الكرّاي: ولمّا مات - رحمه الله تعالى - قام مقامه سيدي علي شايب الأذرعة فقام بتربية المريدين، وقصده النّاس فسار على طريقة آبائه الكرام، فظهرت منه بركات عظيمة، ومناقب جسيمة، ومكاشفات كريمة، فكان ينظر إلى السّماء ويخبر بما فيها من العجائب حتّى اشتهر ذلك عنه، وسمع به أخوه سيدي محمد، فكان معه يوما مارّا في بعض سكك البلد (٦٣٨) فرفع بصره إلى السّماء وقال: يا سيدي محمد أنظر كم في السّماء من أزقّة وانظر إلى الفلك الذي في السّماء كيف يدور فنظر / إليه سيدي محمد وقال له: بحقّ ما سمعت عنك، افتح فاك يا علي، ففتح سيدي علي فاه، فتفل فيه سيدي محمد، فانحطّ نظر سيدي علي قليلا عمّا كان يعهده. فكان ذات يوم فوق سور البلد فقال لأناس كانوا معه: الآن خرجت القافلة من القيروان، وفي المنكب الأيمن جمل صفته كذا، ويقدم القافلة جمل صفته كذا، فضبط ذلك الوقت، فلمّا قدمت القافلة سلّموا عليهم وسألوهم عن وقت خروجهم من القيروان، فأخبروا بما يطابق ما قاله الشّيخ، وبالجمل الذي كان في المنكب الأيمن والذي كان يتقدّم القافلة على نحو ما قاله الشّيخ. ولمّا أتت العمارة لقرقنة قال لأهل الزّاوية: لا تفتحوا عليّ باب الخلوة حتّى أفتحها بنفسي ولو مكثت أياما، فغلق عليه الباب بعد صلاة الظّهر والعصر، فكانوا يسمعونه يكرّ ويفرّ وينتده (٦٣٩) ويصرخ بقيّة نهاره وعامة ليلته وصبيحتها، ثمّ فتح الباب على نفسه فوجدوه مجروحا ملطّخ الثّياب بالدّماء، فغسلوا ما بها من الدّم وطلب كمّونا فتداوى به. وسبب هذه العمارة أنّ بلاد جنوة كان الحاكم عليها إمرأة نصرانية، وكان لها ولد يعزّ عليها، فركب سفينة سافر فيها لبعض بلادهم متنزّها مع وجوه قومه، فوقع عليهم النوّ فأدّتهم إلى قرقنة فشحط (٦٤٠) المركب فأخذهم أهل قرقنة وحملوهم لتونس لسلطان الوقت، فسمعت تلك الكافرة فجعلت عمارة في أسطول (٦٤١) ضخم فأخذوا جميع من
следующие страницы →