← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

البادية، فسلّم عليه ثمّ قال: تجاوزتنا ولم تلتفت إلينا، فاعتذر له فعرّفه أنّه الشّيخ سيدي منصور الغلام، ففرح به، وقبل منه الخمس عشرة شاة، وشكره على ذلك، وودّعه وانصرف، فودّع الشاة وبات عند الشيخ اللّخمي، فرآه في النّوم وقال له: إذا صلّيت الصّبح سر لدار الغنم (٦٢٥)، فالرّجل الذي يلاقيك تجد عنده جملا صفته كذا بجحفته فخذه منه، فهو حصّتنا من إخواننا، ففعل ما أمره به وانصرف لقرية قرقور فسلّم عليه أهلها، ولمّا سمعوا إخوة البنت بقدومه ومعه ما طلبوا لاموا أباهم ونازعوه، وقالوا: لا يأخذها (٦٢٦) فقال لهم: لا أقدر أخالف فإنه رجل صالح، ولكن نشترط عليه شرطا آخر وهو أنّ ابنتي لا تنزل من جحفتها إذا وصلت باب (٦٢٧) البلد، وكان قصيرا لا يمكن دخول (٦٢٨) الجمل بجحفته عادة منه، فإذا لم يدخل (٦٢٩) الجمل بجحفته بقيت بنتنا وذهب إلى حال سبيله / فاستصوبوا قوله وشرطوه على الشّيخ فقبله، فلمّا وصل الجمل إلى الباب وضع الشّيخ يده على عتبة الباب فارتفعت بإذن الله حتى جاوز الجمل الباب، فسلّم الأولاد وعلموا أنّها عناية من الله تعالى. ورزق منها ثلاثة رجال: عمر وسعد وحسن. وكانت له خابية يخزن بها قوت عياله فتكفيهم طول سنتهم، ويزرع منها، فخرج لسياحته على بغيلته فلمّا قدم قال لأولاده: ليقم أحدكم يأت بعلف البغيلة من الخابية، فقام سعد فرجع بالمخلات فارغة وقال: لم أجد بالخابية شيئا، فقام حسن فرجع مثله، فقام عمر فأتى بالعلف من الخابية، فقال له: أنت صاحب الزّاوية وعندك البركة، وهي في عقبك، فمات أخواه عن غير عقب إلاّ بنتا لأحدهما. ومات الشّيخ ﵀ ودفن بضريحه المشهور في وسط صفاقس بالجهة الغربية منها، ولم نقف على تعيين سنة وفاته، ويؤخذ تقريبها من وفاة الشّيخ إبن عروس كما أسلفنا ذلك. وممّا وقع من كراماته بعد وفاته أنّ إبن نويرة كان خادما لقائد البلد، وكانت

стр. 947

عندهم إمرأة مسجونة ففرّت لزاوية الشّيخ فاقتفاها وجذبها وردّها، فاتّفق في ذلك اليوم عرس لبعض أهل البلد، وكانت عادتهم أنّهم يخرجون سابع العرس مصطفّين من باب البحر، يدورون خارج البلد، ويدخلون من باب الجبلي، بعد ما يكون اجتماعهم بحومة العروسين (٦٣٠) وإلى الآن تسمّى بذلك الإسم (٦٣١)، فخرج / إبن نويرة من جملة رجال ذلك العرس، وكانت معه بندقية فصرّخها، فانكسرت في يده، ورجع عليه منها قطعة فمات منها، وكان في ذلك الوقت رجل واقف بباب ضريح الشّيخ يقرأ فاتحة الكتاب على عادة المارّين بالشّيخ إبتغاء البركة، فسمع صوت بندقية من قبر الشّيخ، فوقعت له دهشة، فبينما هو كذلك إذ مرّ به أناس يتحدّثون بأنّ إبن نويرة إنكسرت في يده بندقية ومات بها، فأخبرهم بما سمع والله تعالى أعلم. وقد ألّف الشّيخ أبو الحسن (٦٣٢) - رحمه الله تعالى - كتابا في ذكر كرامات أجداده واستوفى ما أمكنه، فمن أراد استقصاء كرامات الشّيخ فليرجع إليه ففيه مقنع والله أعلم. ترجمة الشّيخ عمر الكرّاي: ولمّا مات الشّيخ الكرّاي قام مقامه ولده سيدي عمر الكراي، وسار إلى السّلطان الحفصي، فلقيه وزيره وفرح به، فأعلمه بوفاة الشّيخ، وأنّه يريد الإجتماع بالسّلطان. (فدخل إلى السّلطان) (٦٣٣) وأعلمه بموت الشّيخ وأنّ ولده يريد الإجتماع بك، وقال له: كنت سمعت أن سيدي عليا قال: عمر أعلى منّي درجة، فخرج وقابل سيدي عمر بالإجلال، وقضى له مآربه.

стр. 948

وكان لسيدي عمر ثلاثة أولاد محمد وعثمان وعلي شايب الأذرعة. فلمّا رجع سيدي عمر من تونس مجبور الخاطر عمّر زاوية أبيه، وربّي المريدين، وسار سيرة حسنة، وأتاه النّاس من كلّ جهة، وكان أهل الحامة يعتقدونه فيشتّي عندهم ببلد الحامة، كما كان والده يفعل ذلك، فلمّا خرجت الحامة على الحسن الحفصي / - حسبما مرّ - خرج لها بعساكره مرارا فلم يظفر منها بطائل. وكان سيدي علي دعا لأهلها فقال: الحامة حامية لأهلها ما (٦٣٤) لم يظهر فيهم الفسق وهتك حرمة الشّرع العزيز، فلمّا عجز الحسن عن الحامة أتى إلى الشّيخ سيدي عمر واستنجده بأن يسير لأهل الحامة ويطوّعهم ولهم الأمان التام، فقال له الشيخ: لا أفعل هذا لأنّك تخونهم وتسفك دماءهم وتستبيح أموالهم، فقال له: لا أخونهم وعاهده على ذلك وألحّ عليه في ذلك فأبى الشّيخ، فحلف أنّه لا يخونهم، فقال له الشّيخ: تخونهم ولا بدّ ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٦٣٥) فسار الشّيخ لأهل الحامة، فلمّا رأوه فرحوا به وقالوا له: هل لك من حاجة نفوز بقضائها؟ فعرّفهم بشأن الحسن وعهده وقسمه إن أطعتم لا يخونكم، ولكن ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ (٦٣٦) فقالوا له: أو يخوننا؟ قال: نعم، فقالوا: نطيعه إكراما لكم، ويفعل الله ما يشاء. فقدم الحسن بعساكره ففتحت البلاد ولم يقاتله أحد منهم، فلمّا توسّط جيشه خان وفعل ما سوّلت له نفسه الأمّارة، فلمّا سمع الشّيخ بذلك إغتاظ ودعا عليه، وقال: أللهم كما أوحشني في أولادي فرّق بينه وبين أحبّته، وأعم بصره كما أعميت بصيرته، فلمّا رجع إلى مدينة تونس وقع منه ما تقدّم، ولمّا رجع لمحلّة ولده فعمى من حينه حسبما مرّ ذلك مفصّلا. وسافر سيدي عمر لبلاد المشرق لحجّ البيت الحرام، فلمّا رجع من حجّه مات بوادي القصب وقبره / هناك معروف مزار، وكتب عند وفاته وصية لسيدي محمد الكراي وأوصاه بالقيام بالزّاوية والمحافظة على تقوى الله العظيم. ترجمة الشيخ محمد الكراي: فلمّا وصلت الوصيّة قام بالأمر سيدي محمد، وسار في طريق القوم سيرة حسنة، فأتاه المريدون من جميع البلاد.

стр. 949

وكان من أجلّ أصحابه من أهل صفاقس الشّيخ الصّالح سيدي محمد صريح فكان من أهل الكشف، فزوّجه الشّيخ أخته لما رأى من صلاحه ومتابعته لسيرة القوم والسّلف الصّالح، وقدّمه شيخا بزاوية الشّيخ سيدي أبي بكر القرقوري إلى أن مات. ومنهم الشّيخ ساسي اللّبيدي، كان كثير المتابعة للسّنّة، محافظا على رسوم الشريعة، ملازما لآداب الحقيقة والطّريقة، ولمّا ظهرت بركاته تزوّج الشّيخ أخته. وللشّيخ - رحمه الله تعالى - كرامات كثيرة ومكاشفات غزيرة، فمن مكاشفاته أنّه كان إماما بمقام الشّيخ سيدي أبي يحيى الضّابط، فمكث يوما بصحن المسجد يزيل القمل من ثيابه ويضعه في قارورة، فرآه إنسان من طاق فاعترض على الشّيخ في خاطره بأن يجهل هذا الشّيخ حكم قتل القمل بالمسجد، والشّيخ موليه ظهره، فرفع تلك القارورة وقصد بها ذلك المعترض قائلا: من بقّرنا تبّنه الله، أي من جعلنا من البقر حيث حكم بعدم معرفة حكم قتل القمل بالمسجد جعله الله تبنا تأكله البقر، فدخل ذلك المعترض تائبا، فعفا عنه ودعا له بالهداية والتّوبة. ومن كراماته ما وقع من قصّة المكّني وعبد المولى وغير ذلك. ولمّا توفي / أخبر أخوه سيدي علي شايب الأذرعة أنّه كان معه بقرية قلّوس من وطن صفاقس الشرقي قال: فلمّا قفلنا منها وصرنا بين ذراع ابن زياد وغدير النّصف (٦٣٧) وكان بيده قلعي وهو راكب، فهزّ القلعي وقال: يا علي، فنظرت إليه فما وجدته إلاّ قد سدّ بين السّماء والأرض، ثمّ قال: في يومي هذا في ساعتي هذه، قدمي على قدم سيدي عبد القادر الجيلاني، وقصدني، فهبته ممّا أفاض الله عليه من الهيبة والجلالة، وغبت عن حسّي، فلم أرجع لحسّي إلاّ بعد مدّة، فلمّا أفقت وجدت رأسي في حجره ويده على رأسي وقال لي: يا علي أكتم ما رأيت إلاّ بعد موتي، وإن والدي أوصاني بحفظك وأنا الخليفة عليك بعده. ولمّا حضرته الوفاة، استخلف بعده أخاه سيدي علي شايب الأذرعة، ودفن خارج البلد، ضريحه مشهور معروف من جهة ركن البلد الشمالي الغربي، وعلى ضريحه من الهيبة ما ليس على غيره - رحمه الله تعالى - ولم نقف على تعيين سنة وفاته.

стр. 950

ترجمة الشّيخ علي بن عمر ابن الشّيخ علي الكرّاي: ولمّا مات - رحمه الله تعالى - قام مقامه سيدي علي شايب الأذرعة فقام بتربية المريدين، وقصده النّاس فسار على طريقة آبائه الكرام، فظهرت منه بركات عظيمة، ومناقب جسيمة، ومكاشفات كريمة، فكان ينظر إلى السّماء ويخبر بما فيها من العجائب حتّى اشتهر ذلك عنه، وسمع به أخوه سيدي محمد، فكان معه يوما مارّا في بعض سكك البلد (٦٣٨) فرفع بصره إلى السّماء وقال: يا سيدي محمد أنظر كم في السّماء من أزقّة وانظر إلى الفلك الذي في السّماء كيف يدور فنظر / إليه سيدي محمد وقال له: بحقّ ما سمعت عنك، افتح فاك يا علي، ففتح سيدي علي فاه، فتفل فيه سيدي محمد، فانحطّ نظر سيدي علي قليلا عمّا كان يعهده. فكان ذات يوم فوق سور البلد فقال لأناس كانوا معه: الآن خرجت القافلة من القيروان، وفي المنكب الأيمن جمل صفته كذا، ويقدم القافلة جمل صفته كذا، فضبط ذلك الوقت، فلمّا قدمت القافلة سلّموا عليهم وسألوهم عن وقت خروجهم من القيروان، فأخبروا بما يطابق ما قاله الشّيخ، وبالجمل الذي كان في المنكب الأيمن والذي كان يتقدّم القافلة على نحو ما قاله الشّيخ. ولمّا أتت العمارة لقرقنة قال لأهل الزّاوية: لا تفتحوا عليّ باب الخلوة حتّى أفتحها بنفسي ولو مكثت أياما، فغلق عليه الباب بعد صلاة الظّهر والعصر، فكانوا يسمعونه يكرّ ويفرّ وينتده (٦٣٩) ويصرخ بقيّة نهاره وعامة ليلته وصبيحتها، ثمّ فتح الباب على نفسه فوجدوه مجروحا ملطّخ الثّياب بالدّماء، فغسلوا ما بها من الدّم وطلب كمّونا فتداوى به. وسبب هذه العمارة أنّ بلاد جنوة كان الحاكم عليها إمرأة نصرانية، وكان لها ولد يعزّ عليها، فركب سفينة سافر فيها لبعض بلادهم متنزّها مع وجوه قومه، فوقع عليهم النوّ فأدّتهم إلى قرقنة فشحط (٦٤٠) المركب فأخذهم أهل قرقنة وحملوهم لتونس لسلطان الوقت، فسمعت تلك الكافرة فجعلت عمارة في أسطول (٦٤١) ضخم فأخذوا جميع من

стр. 951

فيها وحملوهم لبلدهم، وكانوا فقراء، فلمّا قدموا على النّصرانية ورأت حالهم / قالت هؤلاء ما يجيء من فدائهم لا يساوي ثمن الخلّ والبشماط الذي صرفت على الأسطول. وفي قصّتهم أنشأ شاعرهم (٦٤٢) شلّوف قصيدة مشهورة يحفظها غالب أهل قرقنة تركناها خوف الطول. وكان الرّئيس عمر الزّواري له مركب يسافر به (٦٤٣) لإسكندرية في وقت معلوم من السّنة، ويأتي في وقت معلوم، فتخلّف في بعض السّنين عن وقته الذي يأتي فيه، ففقد وأيّس منه أهله، فطلع سيدي علي شايب الأذرعة فوق سور البلد، قرب باب البحر، فوجد النّاس ينظرون لناحية قدوم المراكب رجاء أن يظهر لهم مركب الرئيس عمر الزواري، فقال لهم: هو الآن أقلع من إسكندرية، فقيّد الحاضرون ما قاله، فلمّا قدم الرئيس عمر المذكور سئل عن وقت إقلاعه فطابق ما قيّده الحاضرون، وقال: لما نشرت القلوع مسافرا نزل طائر أبيض على المركب فما فارقني حتّى وصلت للبلد. وتزوّج الشّيخ إبنة الرئيس عمر المذكور، فولدت له ولدا سمّاه عمر، وعاش الشّيخ شايب الأذرعة خمسا وتسعين سنة، وكذا ولده المذكور، ودفن في تربة جدّه سيدي علي أبي بغيلة. ترجمة الشّيخ أبي الحسن الكرّاي: ومن أحفاد (٦٤٤) سيدي علي أبي بغيلة الشّيخ سيدي أبو الحسن بن أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن ميمون صاحب الموشّحات التي عدّتها ستّ وخمسون على طريقة السّادة الوفائية في تعظيم جانب الحق جلّ ثناؤه، وإمداح للمصطفى ﷺ وتشويق للكعبة المشرّفة وغير ذلك، وشرح معظمها بشرح يتكلّم فيه على طريقة القوم. وأنشأ وظيفة أرسلها إلى مصر فشرحها له الشّيخ عبد الوهاب / الأزهري ومدحه أيضا الشّيخ عبد الوهاب بقصيدة أرسلها له مع الشّرح المذكور. وكان الشّيخ فقيها عارفا بالطّريقة والحقيقة، أخذ علوم الظّاهر عن والده الشّيخ

стр. 952

سيدي أبي بكر الكراي، وعن الشيخ المفتي سيدي عبيد اللومي (٦٤٥)، ومن كان بعصره من فقهاء البلد. وحصل له الجذب على يد الشيخ سيدي سعيد الوحيشي ﵀ وذلك أنّ والده كان رجلا متّبعا للشّريعة متمسّكا بالحقيقة محبّا للصّالحين، ويكثر من زيارتهم. ففي كلّ سنة يخرج بتلاميذه لزيارة الصّالحين بوطن صفاقس، ويحثّ ولده أبا الحسن على الذّهاب للزّيارة، فأبى ذلك، فلمّا آن الأوان قال لوالده: أريد أن أخرج هذه السّنة للزّيارة ففرح والده بذلك، فلمّا تهيّأ التّلاميذ للخروج تجهّز وخرج معهم وقال لهم: لا بدّ من الذّهاب لزيارة الأشياخ بمدينة القيروان فامتنعوا من ذلك أوّلا لبعدها عنهم، ولم تجر العادة بمجاوزة الوطن، فأبى عليهم إلاّ المسير إليها، فلمّا رأوا جدّه في ذلك طاوعوه، فلمّا قربوا من القيروان نزل عن دابّته وذهب ودخل القيروان وحده ولم يكن قبل يعرفها، فلم يزل سائرا حتّى دخل الزّاوية الوحيشية، وكان سيدي سعيد إذ ذاك في خلوته ولا يدخل عليه أحد إلاّ بإذن، ولم يعلم ذلك الشّيخ أبو الحسن فدخل من غير استئذان فقبله الشّيخ سيدي سعيد الوحيشي، ولحظه وجذبه بهمّته، فخرج من هناك هائما لزيارة الصّالحين، وبقي على ذلك مدّة، ثمّ رجع إلى صفاقس وقد أخذه الحال وانجذب لطريق القوم، فأنشأ له / زاويته المشهورة به، واشتغل بنشر العلم واحتجب وشرع في إنشاء الموشحات على طريق السّادة الوفائية، وأكثر فيها من المواعظ والحظّ على الآخرة، فانتفع بها من هداه الله تعالى. وأقام في حجبته خمسين عاما، وقد تقدّم ما وقع له من محنة إبن عطية وابن الإنكشاري. وعند وفاته رثاه تلميذه الشّيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي المراكشي بقصيدة طويلة من جملتها قوله: [الطّويل] محقّق علم ثابت متلطّف ... عكوف على الطّاعات بالعلم عامل فخمسين عاما قد ثوى (٦٤٦) في اعتكافه ... مكبّا على التّعليم من غير شاغل وحقّق أيضا في اعتقاد لطالب ... عقائد في التّوحيد للشكّ زائل

стр. 953

بسيّدنا عثمان متّصل النّسب ... فيا حبّذا من نسل تلك الأماثل كراماته تنبيك عن طيب فعله ... تنير ضياء مثل شمس التّوافل بنى داره زاوية مسجد بهي ... وروضة دفن هي (٦٤٧) عذب المناهل فمولده في شهر رمضان ثابت ... بعشرين يوما مع ثمان فواضل مسمّى بيوم جمعة فيه ساعة ... يجاب دعاء البرّ فيها لسائل ففي عام واو ثمّ كاف محقّق ... وبعدهما ألف مضت برواحل وسار إلى عفو الإلاه مهلّلا ... وسبحته مقرونة بالأنامل بآخر يوم بالعروبة (٦٤٨) ينسب ... لشهر رجب فالعفو واللّطف نائل ففي عام ألف ثمّ خمس ومائة ... عفا عنه مولانا كريم الفعائل فعاش من الأعوام سبعين بعدها ... ثلاث وستّ غير شهري (٦٤٩) فواصل ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد المرّاكشي: وتفقّه به عدّة تلاميذ من أعيانهم خليفته على زاويته الشّيخ أبو عبد الله / سيدي محمّد المرّاكشي المقدّم الذّكر، أصله من مدينة مرّاكش. قدم أجداده لصفاقس من مقدار أربعمائة سنة على ما قيل وإنّما استخلفه على الزّاوية لأنّه تزوّج إمرأتين لم يفتح له منهما بذكر ولا أنثى، وكان له إبن أخ تبنّاه وأراد استخلافه فحصلت (٦٥٠) بينهما منافرة، فاستدعى أبا عبد الله المرّاكشي لما رأى من حسن سيرته وخلوص طويّته وإقباله على العلم النّافع، فجذبه بهمّته وتفقّه به، قيل إنّه أخذ عليه العهد أن يجتنب المناصب الشّرعية، ولعلّه لخوفه من الإشتغال بها عن القيام بالزّاوية أو لسيره على طريق القوم فإنّهم يفرّون منها إذ لا يسلم من غوائلها إلاّ الفرد النّادر سيّما في هذه الأعصار الّتي صار القابض فيها على دينه كالقابض على الجمر، فقبل العهد ووفى به، ثمّ استأذن شيخه في حجّ بيت الله (٦٥١)، فلمّا رجع أقامه الشّيخ مقامه في حياته، وصار يعمل الميعاد من

стр. 954

الجمعة للجمعة بقراءة كتب الوعظ والسّير والمغازي والتّحريض على الجهاد وأفعال الطّاعة، كما هو عادة أهل البلد في كلّ جمعة، ويعلّم التّلاميذ من علوم الطّريقة والحقيقة إلى أن انتقل الشّيخ أبو الحسن، فاستقلّ بعده وكتب الشّيخ في حبسه واستخلافه أنّه يقبض دخل الزّاوية، وينفق عليها، ولا حساب عليه، ولا يدخل معه في ذلك أحد، فقام، وكلّما فضل عنده شيء من غلال الحبس إشترى به عقارا للزاوية، فكثر بذلك دخلها، واتّسع حالها، وسار على طريقة شيخه فأنشأ القصائد / وعمل الموشّحات، وخمّس كثيرا من القصائد، ورثاه بعد وفاته تلميذه الشّيخ الصّالح أبو عبد الله محمّد الفرياني بمرثية من جملتها: [الطّويل] وبعد ثنائي (٦٥٢) بالجميل تأسّيا ... أردت بمرثاتي الذي كان لي يقري محمّد المراكشي الّذي سما ... على عصره في الجود والبذل والقدر له منطق عذب يشوّق من أتى ... لمجلسه المرسوم للوعظ كالعطر فوفّقه ربّ السّما في حياته ... إلى أن توفّاه الصّفوح عن الوزر ففي شهر شعبان المعظّم قدره ... عفا عنه ربّ جاد بالصّفح والسّتر بليلة عشر منه تتلو لتسعة ... توفّاه مولاه قبيل ضيا الفجر لدى عام ألف وأربعين ومائة (٦٥٣) ... تليها ثمان بالحساب وبالحصر ورثاه أيضا ولده الشّيخ أبو العبّاس أحمد بمرثية طويلة وقام مقامه بعده بالزّاوية، وكان رجلا رحيما رقيق القلب، ذا حظّ من الفقه، محبّا للفقراء والزوّار، باذلا للطّعام جوّادا: [البسيط] لا يألف الدرهم المضروب صرّته ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق ذا خمول وانجماع عن غير أبناء جنسه، ملازما لميعاد الجمعة، ناشرا للعلم بقدر وسعة سائرا على طريقة والده وشيخه إلى أن توفّاه الله سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٦٥٤) شهيدا بالطّاعون، فقام أبناؤه مقامه.

стр. 955

ترجمة الشّيخ الولي عيسى بن عمران البلوي: ومن معاصري الشيخ أبي بغيلة الشيخ الفقيه العالم الولي الصّالح سيدي عيسى بن عمران البلوي، زوّج إبنته لولد الشّيخ أبي بغيلة، وكان ملازما له، وله مقامات وكرامات كثيرة. قال الشّيخ أبو الحسن الكراي - رحمه الله تعالى - نقلا عن أبيه: دخلت روضة / لسيدي عيسى بن عمران في صغري فرأيت بها أسدا فأخبرت بذلك والدي، فقال لي: ذلك سيدي عيسى. ومنها أنّ الباشا - رحمه الله تعالى - كان أمر بهدم ما بين سور البلد والدّور من الأبنية حتى يبقى السّور منفصلا عن الدّور قائما بنفسه، وكان ضريح الشيخ سيدي عيسى بن عمران (٦٥٥) متّصلا بالسّور، فلمّا وصل الفعلة إلى ضريح الشّيخ هاب النّاس أن يهدموا جدار الضّريح المتّصل بالسّور، فتقدّم رجل يقال له سعيد الأنشلي، وكان فاقدا لإحدى كريمتيه، فأخذ المعول وضرب الجدار، فعمت صحيحة كريمتيه فصار كفيفا. ووقعت فتنة بين السّلاطين، فخاف أهل البلد من عدوّ يطرقهم فركّبوا على الأسوار المدافع، ووضعوا منها مدفعا محاذيا لضريح سيدي عيسى، فلمّا نام المقدّم على تركيب المدافع بالأسوار رأى الشّيخ في منامه وقال له: أنزل ذلك المدفع وأنا أكفيكم هذه الجهة، وإن لا تنزله أقصم ظهرك، فبادر إلى تنزيله، وكفى الله المؤمنين شرّ تلك الفتنة. ترجمة الشّيخ مخلوف الشّرياني: ومن مشايخ وطن صفاقس الشرقي سيدي مخلوف الشرياني، أصله مغربي، صحب الشّيخ العيّاشي بطبلبة، وسكن شريانة، ثمّ انتقل لأنشلة (٦٥٦)، وهو من أكابر الصالحين والعلماء العاملين، له تخميس عظيم على بردة المديح إلاّ أنّه قليل الوجود بأيدي النّاس. وله عقب (٦٥٧) بأيديهم ظهير من أمر الحفاصة وأمراء العساكر العثمانية مراعاة لحقّه / - رحمه الله تعالى ونفعنا به -.

стр. 956

ترجمة الولي محمّد الرّقيق أبي عكّازين: ومن أعيان وطن صفاقس الغربي الشّيخ الولي الصّالح العارف بالله تعالى، المزار المتبرّك به، الإمام الخطيب، الحسيب النّسيب أبو عبد الله سيدي محمّد الرّقيق (٦٥٨) أبو عكّازين المدفون بالمسعودة (٦٥٩)، وهو من أولاد عنان من نسل مولاي إدريس، فيكون شريفا، أخذ الطريقة عن سيدي أبي يحيى القرقوري، مات أبوه وتركه صغيرا فسمّته أمّه محمّد اليتيم، وأسلمته للمعلّم، فلمّا ترعرع صار يذهب لقرية قرقور يقرأ على الشّيخ العارف بالله تعالى سيدي أبي يحيى القرقوري، وكان جميل الصّوت، حسنه رقيقه، فسمّاه الشّيخ بالرقيق، فاشتهر هذا اللقب، وكان شيخ من مشايخ العرب يتعرّض له في ذهابه للشّيخ القرقوري ويقول له: قل لأمّك تتزوجني، فأنكر ذلك ولم يخبر أمّه به، فجعل شيخ العرب يؤكّد عليه الوصيّة كلّ يوم حتى ضاق صدره من ذلك، وتغيّر حاله، فرآه الشّيخ القرقوري فسأله عن حاله، فعرّفه بما يقاسيه من مدافعة شيخ العرب، فقال له: خذ هذا القضيب واصحبه معك، فإذا لقيك فاستعذ بالله منه واسأله أن يعافيك من هذا القول، فإن رجع عن حاله فذلك المطلوب، وإن أبى فاضرب الأرض بهذا القضيب وقل: خذيه يا أرض، فإن أخذته كلّه وإلاّ فأعد عليها حتّى تأخذه أجمع، ففعل ما أمره به الشّيخ فأخذته الأرض، فعرّف الشّيخ، فقال: إذهب / إلى قريتك وبث علمك فقد بلغت مبلغ الرّجال فقام بقرية أومة. وكان خطيبا، فلمّا جاء العيد سأله أهل المحرس أن يخطب لهم ويصلّي بهم العيد فأبى أهل قريته وتشاجروا فأعطى أهل المحرس عكازا وهو القضيب الذي يعتمد عليه الخطيب، وأخذ أهل قريته العكّاز عندهم، فلمّا حضرت صلاة العيد هيّأ أهل كلّ قرية عكّازهم على منبرهم فإذا بالشيخ داخل عليهم فصلّى بهم وخطب لهم، فلمّا التقى أهل القريتين افتخر كلّ على الآخر بصلاة الشّيخ عندهم، فكذّب كلّ منهم الآخر فرجعوا إلى الشيخ، فقال: والله ما صلّيت إلاّ بالحرم الشّريف، ولكنّ الله كشف عن أبصاركم فرأيتموني، فكلّ فريق في بلاده يحسبني بإزائه كالشّمس في فلكها، وكلّ أحد يحسبها في

стр. 957

داره، فمن ثمّ سمّي بأبي عكّازين الرقيق، وتنوسي إسم محمد. وممّا شاع عند أهل قرية نقّطة أنّ أحفاد الشّيخ لمّا نزلوا نقّطة على شاطئ البحر وسكنوا بها، وعمرت بهم القرية، رآهم النّصارى فهيّؤوا لهم عمارة ثلاثين مركبا وهجموا عليهم ليلا وقاتلوهم قتالا شديدا حتّى مات الرّجال وهم ستّون، وسبي الحريم، فمن جملة الحريم المسبي إمرأة من أحفاد الشّيخ فأوثقوها وأوثقوا عبدها كتافا، فلمّا أراد الكفّار إدخالهم إلى المركب صاحت بعبدها فقال لها: أنا موثوق بالقياد فلا حيلة عندي، فقالت: اجذب يديك ينقطع القياد، ففعل، فانقطع القياد، ثمّ تقدّم لأوّل كافر / فاحتمله وضرب به الأرض، وأخذ سلاحه، وضربت البنت طبلا فسمعه من أراد الله سعادته، ففزع (٦٦٠) النّاس وبلغ صوته لبعض الصّالحين بأرض السّواسي، فأتى في الحين على جواده ومعه سلوقية (٦٦١) فأعان الله المسلمين، وقتلوا الكفّار أشدّ قتلة، ولم يفلت منهم إلاّ من بقي في السّفن، فأقلعوا لمّا أيسوا من رجالهم، ثمّ بعد ذلك أرادوا نقل الشّهداء لمقبرة الشّيخ بالمسعودة، فلم يكن عندهم ظهر للحمل غير ذلك الجواد الذي قدم عليه الرّجل الصّالح من أرض السواسي، فذهب منهم جماعة للحفر والدّفن، وبقي جماعة للتّحميل على الفرس، قيل إنّ الفرس يذهب بنفسه من غير سائق ولا قائد ويرجع كذلك، فكلّما أوصل جانبا رجع، فما فرغوا من الدّفن إلاّ وأتى بجانب إلى أن فرغوا، وكان من جملة القتلى (٦٦٢) صاحب الجواد فدفن مع جملة القتلى، وماتت الفرس والسلوقية (٦٦١) فدفنا معهم. ومن خاصية تربة هذا الشّيخ أبي عكّازين المشهورة الشّائعة إلى الآن أن من كان من نسله إذا دفنوه قبلته الأرض، ومن كان من غير نسله يصبح منبوذا، حتّى قيل إنّه جاء بعض الصّالحين زائرا فمات ولده فدفنه معهم، فرأى في النّوم قائلا: أنقله، فأبى، فأعيد عليه فأبى، فأصبح مطروحا بأرض قابس، فبعدها لم يتجاسر أحد على الدّفن من غير نسل الشّيخ. ولم نقف للشّيخ على تاريخ وفاة إلاّ إنّه وجد على قبر من قبور أحفاده: هذا ضريح

стр. 958

يعقوب بن عبد الله بن أبي عكّازين الرّقيق، توفّي عام سبعة وستين وثمانمائة (٦٦٣). / ووجدنا عقدا مؤرّخا بأواسط صفر سنة خمس وسبعمائة (٦٦٤)، وكتبه محمّد بن محمّد الرّقيق اهـ. فيكون الشّيخ ﵀ ونفعنا به - من أهل القرن السّابع. ترجمة الشّيخ منصور بن عبد الله القرقوري: ومن مشايخ الوطن الغربي الشّيخ الفقيه سيدي منصور بن عبد الله القرقوري، صاحب زاوية المحرس. كان خطيبا إماما بجامع المحرس، وجدنا له ظهيرا من المرحوم محمّد باي - رحمه الله تعالى - فيه سراحه والإيصاء باحترامه، مؤرّخا بجمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وألف، فكان من القرن الحادي عشر. ترجمة الشّيخ أبي محمّد عبد الله الأومي: ومن أجلّ فقهاء صفاقس المتأخّرين الشّيخ الفقيه المفتي العمدة الثّقة العالم الهمّام أبو محمد عبد الله اشتهر سيدي عبيد بن المنتصر الأومي، كان ﵀ أحد الأعلام الحذاق، وطار صيته وفتاويه فطبق الآفاق، وفتاويه تنبيء عن جلالة قدره، وكان ممّن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقام بالدّين لله، فحسده أهل عصره فسعوا به إلى السّلطان فأمر بنفيه مرّة إلى المهدية ومرّة إلى الحامة، فكانت له بالحامة آثار جميلة، فعمل المطاهر والميضاة على ماء الحامة، وهي إلى الآن باقية مشهورة باسمه، وكان مؤيدا في فتواه وتوثيقه، وذهب مرّة لتونس وكانت له عمامة الفقهاء، فرآه بعض أهل السّوق فظنّه خاليا من العلم كما هو شأن بعض المشبّهين بالفقهاء، فقال لآخر من أهل السّوق: إنّها لكبيرة، فأجابه صاحبه بقوله: محشوة قطنا، فقال الشّيخ: بل محشوة علما فاسألها تجبك، وكان السّلطان يرفع قدره ويعلي شأنه، فلامه بعض جلسائه / فقال: هو رجل ذو فضل ثمّ أمر غدا بإحضار العدول وملأ جابية من ماء، وأخذ نارنجة فاستخرج منها

стр. 959

لحمها بلطف بحيث لم يظهر تغيرها وألقاها خاوية في وسط الماء، ولم يدر أحد بما جعل، وجعل مكان إستخراج لحمها غامرا في الماء حتّى صار الظاهر صورة نارنجة صحيحة، ثمّ استدعى العدول وجعل يسألهم واحدا بعد واحد، هل هي أترجة أو نارنجة، فكلّ قال بحسب ما غلب على ظنّه، وكتب شهادتهم على ما صمّم عليه، ثمّ استدعى الشّيخ عبيد ﵀ فسأله كما سأل غيره، فأخذ مئزرا وفسخ ثيابه، فقال له السّلطان: ما لك؟ فقال: أنزل الماء، وآخذها في يدي فإذا تحقّقت شيئا أجبتك به، فقال له: كان يسعك ما وسع غيرك من إخوانك العدول، فقال: لا يكفي الأخذ بالظّنّ مع إمكان اليقين، فلمّا أخرجها من الماء فإذا هي قشر فارغ، فقال: هذا قشر نارنجة فارغ، فقال لمن لامه في رفع قدره: أتلومني في رفع قدر مثل هذا؟ وكان تفقّه أوّلا بأهل بلده، ثمّ انتقل لتونس وتفقّه على فقهاء عصره فاشتهر بالفضل والعدالة، وأخذ عنه أهل بلده في بلده وغيرهم في غيرها. وممّن أخذ عنه من أهل صفاقس الشّيخ أبو الحسن الكراي قيل إنّه سأله الشّيخ أبو الحسن قراءة صغرى الشّيخ السنوسي في آخر أمر الشّيخ عبيد، فاعتذر بعدم خلوّ الوقت لاشتغاله بوقائع النّاس، فصار الشّيخ أبو الحسن يأتيه كلّ ليلة وقت صلاة العشاء فسأله على عقيدة / من غير ترتيب ولا كتاب، فتارة من الآخر وتارة من الوسط، وتارة من الأول، فيجيبه عن كلّ مسألة بما تستحقّه، فلمّا كمل الكتاب قال له: يا شيخ أبا الحسن ختمت الكتاب وهذه آخر مسألة منه من غير درس ولا حضور كتاب. وكانت وفاته ﵀ بربيع الثّاني من شهور سنة ستّ وخمسين وألف (٦٦٥)، وقبره بالقرب من ضريح الشّيخ اللّخمي في جهة الغرب والجنوب، وعلى قبره سيف من رخام عليه التّعريف به وتاريخ وفاته - رحمه الله تعالى -. ترجمة الولي منصور الغلام: ومن أولياء الله تعالى العارفين بالله سيدي منصور الغلام (٦٦٦) ذو الكرامات المشهورة والفضائل المأثورة.

стр. 960

قيل كان عبدا لرجل من أهل صفاقس صنعته عمل القطن، وكان يتركه بالليل يشتغل فيصبح كلّ يوم ويأتيه فيجده قد استوفى جميع ما يبقي عنده قلّ أو كثر، ثم إنّه دعته حاجة في بعض الليالي فأتى للمحلّ الذي يشتغل فيه فلم يجده، وارتقبه أكثر الليل فلم يأت، فلمّا أصبح وجده قد استوفى عمل جميع ما عنده من القطن، ففطن له وعلم أنّ له عناية من الله تعالى فرصده ليلة من الليالي فوجده سائرا في سكّة من البلد، فتبعه من حيث لا يشعر به، فما زال سائرا حتّى انتهى لسور البلد، فنزل منه، فتبعه وسار خلفه، فما زال سائرا حتّى وصل إلى برج قزل (٦٦٧) فشرع في الصّلاة ولم يزل كذلك حتّى طلع الفجر فرجع وطلع من حيث نزل، فعند ذلك نجز عنه (٦٦٨)، فلمّا علم أنّ سيده اطّلع على سرّه وأفشاه اعتزل عن النّاس، فظهرت كراماته وبلغ خبره السّلطان / فطلبه فاختفى ولم يظهر، فوجد بعد زمان ميّتا مغسّلا مكفّنا في المكان الذي وجده سيّده يصلّي فيه عند برج قزل، فدفنوه فيه. ولم نعرف له زمانا، وهو أسبق من الشّيخ أبي بغيلة لأنّه تقدّم أنّه لمّا مرّ على ضريحه أعطاه الشّياه - حسبما مرّ -. ومن كراماته المشاهدة بالعين في عصرنا أنّ بعض صيادي (٦٦٩) السّمك تبعوا غلاما وقصدوه بالفاحشة فامتنع منهم وفرّ منهم هاربا حتّى دخل ضريح الشّيخ فتبعوه، وكانوا ثلاثة، فلمّا ضايقوه دخل تحت التّابوت الذي على القبر فتغلّبوا عليه وأخرجوه كرها، فكسر ظهور الثلاثة، فأمّا أحدهم فإنه خرجت روحه حالا، وأما الثّاني فزاد مدة قليلة وجعل يقذف الدم والقيح حتّى مات، وأمّا الثالث فطالت مدّته مكسور الظّهر ثمّ مات، وكلّ من انتهك حرمته وقع به عطب لا يسلم منه، وهذا شيء كثير، ومع هذا يأتيه الزّوّار فيظهرون من أنواع اللعب بجميع أنواع الملاهي والمفرحات فلا يصيبهم سوء ما لم يصدر منهم ما يؤذن (٦٧٠) بانتهاك حرمات الشريعة، فمن فعل شيئا فلا يسلم، ولكنّ الناس لا يقدرون ولا يقدمون على فعل شيء من ذلك احتراما وخوفا من تعجيل العقوبة.

стр. 961

ولأهل صفاقس وأوطانها فيه اعتقاد زائد فلا يقطعون زيارته على حول السّنة (٦٧١) وحقّ لهم ذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي الوحيشي: ومن أولياء الله العارفين بالله النّاشئين بصفاقس الشّيخ الصّالح المعتقد الجامع بين الحقيقة والطّريقة، الورع الزّاهد سيدي أبو الحسن / علي بن سعيد بن سعد الوحيشي، أصل جدّه - وهو الحاج سعد - من وادي العقيق وقيل من وادي الوحش من أرض الحجاز، نزل بقلّوس قرية من وطن صفاقس الشرقي، وتزوّج بامرأة من قصر تنيور (٦٧٢) وهو (٦٧٣) قصر علم جوفي صفاقس، واسم المرأة خديجة التنيورية، فولدت ولدين إسم أحدهما منصور واسم الثّاني سعيد، فانتقل سعيد لصفاقس فاستوطنها وحجّ وتزوّج بامرأة من صفاقس وصار يتّجر بين صفاقس والقيروان، وصارت له صحبة بذرّيّة الشّيخ عطاء الله (السلمي فزوّجوه بامرأة من ذرّية الشّيخ عطاء الله) (٦٧٤) فأقام بها بالقيروان مدّة يسيرة، ثمّ انتقل بها إلى صفاقس فولدت له سيدي علي الوحيشي، وتوفّيت (٦٧٥) وهو صغير، فحضنته زوجة أبيه الصفاقسية على كره منها له على عادة الرّبيب عند امرأة الأب، وكان في غاية الجمال، وغلب عليه الإنجذاب إلى الله، فلمّا ترعرع أسلمه أبوه للمكتب (٦٧٦)، فلم تمض عليه مدّة إلاّ وقالت له علّم ولدك صنعة يعيش بها، فعلّم صنعة نسج الكتان على عادة أهل صفاقس، فغلب عليه زيارة الأولياء (٦٧٧) كالشّيخ أبي بغيلة، والشّيخ اللّخمي، وابن التّين وغيرهم، وإذا أتى الليل جاء لأبيه (٦٧٨)

стр. 962

بمقطع (٦٧٩) فاستعجبت إمرأة أبيه وقالت: هذا لا يكون من عمل يده، فتركته حتّى خرج للمنسج وأمهلت قليلا ثمّ ذهبت للمنسج لتبصر كيف ينسج، فوجدت المحلّ مغلقا فجعلت عينها في خرق الباب، فإذا بالمنسج ينسج وحده لنفسه (٦٨٠) كأقوى ما يكون من النّسج (٦٨١)، فعلمت أنّ له شأنا /، ثمّ قالت لوالده إنّه كبر سنّه ولا يليق أن ينام معنا في بيت واحد، فافض (٦٨٢) له بيتا، فصار إذا غلق الباب [ودخل] (٦٨٣) البيت يسمع معه كلام، فقالت إمرأة أبيه: ما هذا الكلام مع ولدك فلعلّ معه أحدا، فيقول لها: دعيه فإني غلقت باب الدّار (٦٨٤)، ولا يمكن أن يدخل أحد (٦٨٥)، فقالت لا بدّ من أن أذهب وأنظر ما عنده، فذهبت ونظرت من خلال الباب، فوجدته على كرسي ومعه ديوان منصوب بأولياء الله (٦٨٦)، وهو يولي ويعزل، فيقول: أوليت فلانا وعزلت فلانا، [وهو] يتصرف في الولاة (٦٨٧) بما شاء، فالتفت إلى زوجة أبيه وقال لها: كشفت السّتر، أعمى الله بصرك وقطع يدك، فكان ذلك في الحين (٦٨٨)، فصاحت، فخرج والده فوجدها على تلك الحالة، فاعتذر إليه من فعلها وطلب منه العفو عنها إكراما له، فقال له (٦٨٩): هل تابت من شرّها؟ فقالت: تبت (٦٩٠)، فدعا لها ومسح عليها فرجعت لسلامة أعضائها. ثمّ زاد فيه الإنجذاب، وقوي به (٦٩١) الحال، فأمره والده بالذّهاب إلى البلاد الواسعة، فسار (٦٩٢) إلى تونس وفتح دكّان عطّار وجعل يبيع الكثير بالثّمن القليل، وكلّ

стр. 963

من سأله (٦٩٣) عن شيء أعطاه ولم يره أحد أدخل حانوته (٦٩٤) شيئا فتعجّب النّاس من أمره وكثر ازدحامهم عليه وقصدوه من جميع الجهات، وربحوا منه ربحا كثيرا فاقت الحصر، فغار منه (٦٩٥) أهل السوق، واشتكوه (٦٩٦) لمراد باي أبي (٦٩٧) حمّودة باشا وقالوا (٦٩٨): هذا رجل أقبلت عليه النّاس، ويخشى منه تغيير (٦٩٩) الدولة، فأمروه (٧٠٠) بالخروج من تونس ويتوجّه حيث شاء. وكان الشّيخ سيدي علي العيوني (٧٠١) ﵀ بالقيروان / عنده دلاعة محتفظا عليها (٧٠٢)، وكلّما سأله تلاميذه أن يعطيها لهم يقول هي لصاحبها، فلمّا خرج الشّيخ من تونس توجّه للقيروان، فزار السّيّد الصاحب ثمّ توجّه للشّيخ العيوني، فلمّا رآه من بعيد قادما عليه قال لتلاميذه: هذا صاحب الدّلاّعة قد أتى، فلمّا وصل سلّم على الشّيخ العيوني ففرح به وأخذ سكّينا وقطع الدّلاّعة قطعا بقدر ما تدخل فيها اليد، فجعل يعصرها في قشرها حتّى صارت ماء فقال: افتح فاك وسقاه جميع ما فيها فخرج وقد أخذه من الحال ما أدّى إلى نبذ ثيابه من فوق جسده، وكان نقي البشرة فجعل النّاس يسترونه وهو يلقي ما يوارونه به، وصار يدور بالأزقّة وهو غير مالك نفسه فغيّر الله بياض بشرته ببعض سواد سترا لجماله. ولمّا دخل حمودة باشا بن مراد للقيروان، وبين يديه شاويشه لمنع النّاس من الطّريق، لقي الشّيخ بالطّريق فأمره بالتنحّي عن الطّريق أوّلا وثانيا وثالثا وهو لا يلتفت إليه ولا يشعر به فضربه بقضيب بيده (٧٠٣) ثلاث ضربات فذهب الشّيخ ولم يقدر الشاويش على الإنتقال من موضع ووقف فرس الباشا ولا علم عنده بما صدر من

стр. 964

الشّاويش (٧٠٤) فسأل وقال هذه القيروان بلاد الصّالحين ولا ندري كيف الحال، فعرّفوه بما صدر من الشّاويش، فقال: وأين الذي ضربتموه؟ فقالوا: إنه يذهب للشّيخ العيوني، فنزل عن فرسه وأتى الشّيخ (٧٠٥) معتذرا يقبّل اليد والرّجل ويطلب الإقالة والصّفح، فقال: لا أصفح عنك حتّى تذهب معي، فقال: السّمع والطّاعة / فذهب معه إلى مكان الزّاوية الآن فقال له: تبني لي هاهنا زاوية، وحدّد الشّيخ طولها وعرضها وحرمها من المكان الذي وقفت فيه الفرس، فأجابه لما طلبه، فاشترى الأماكن التي أخذها الحدّ، فكانت إحدى عشرة دارا، فجعلت زاوية. ولمّا خرج القائد سعيد بن صندل قائد أعراب محلّة الجريد (وخلصت مجابي الجريد) (٧٠٦) طلب من كبير عساكر الترك أن يأخذ معلومه من المجابي، فأبى عليه كبير العسكر، فتشاجر إلى أن اغتاظ كبير العسكر، فاستلّ سيفه وضرب رأس القائد سعيد فقطع قطعة من رأسه لم تنفصل، فصاح القائد: يا رجال الله، فتقدّم إليه رجل ومسك القطعة وردّها إلى موضعها فصارت كما كانت، فقال: يا سيدي بالله عليك إلاّ ما عرّفتني من أنت؟ فسأله بالله ورسوله والكعبة المشرّفة وطلب له من الله حسن الختام، فبكى وقال: سألتني بالله الذي لا يغيب عن قلبي، وبرسول الله وهو لا يغيب عن بصري، وبالكعبة وأنا لا أصلّي إلاّ بها، ودعوت لي بحسن الختام وهو الموقف الصعب الهائل فلذا أبكاني وقد خاف منه فحول العلم والعمل، فأنا علي الوحيشي بالقيروان (٧٠٧)، فلمّا رجع دخل القيروان، وسأل عن (٧٠٨) الشّيخ، فلمّا رآه عرفه فحبّس على الزاوية حمّاما وهنشيرا وغير ذلك من الرّباع سنة إحدى وستّين وألف (٧٠٩). ثمّ إن الشّيخ كثرت كراماته، وشاعت بركاته، فقصد النّاس الشّيخ بالزّيارة واحتاجت الزّاوية للسّماط، فقام بذلك أخوال الشّيخ من ذرّيّة الشيخ عطاء الله، فقاموا / بذلك حقّ القيام، فتولّوا قبض مدخولها وبسط مخروجها، ومشى حال الزّاوية، فلمّا سمع بذلك عمّه الحاج منصور قدم إليه بولده سيدي سعيد فقام بالزّاوية عوضا عن أخوال الشّيخ.

стр. 965

ثمّ إن الحاج منصور أعجلته منيّته وبقي ولده قائما بالزّاوية على غاية ما ينبغي، وكان رجلا صالحا فسار بسيرة الصّالحين من العفّة والورع وحسن السّمت والقيام على حقوق الشّريعة المطهّرة كما ينبغي، فقبلته القلوب ومال (٧١٠) إليه الخلق وطاعته الملوك، فما توجّه لمطلب إلاّ قبل ونال ما سأل، ثمّ لحظه الشّيخ سيدي علي وجذبه بهمّته، وأمره بامتثال أمر رجل عيّنه له، فقبل الحملة. وسار سيدي علي - رحمه الله تعالى - إلى عفو الله يوم السّبت ثامن عشر محرّم فاتح سنة ستّ وسبعين وألف (٧١١)، ودفن بزاويته. ترجمة الولي سعيد بن منصور الوحيشي: وصار سيدي سعيد إذا أخذه الحال لا يقدر أحد أن يقابله إلاّ ذلك الرّجل الذي عيّنه له الشّيخ، ثمّ إنّه أمره بالتّزوّج فامتثل، فأخذ له بنت محمّد خوجة من الأتراك، وكان ساكنا بالقيروان قرب المسجد الأعظم، فولدت له سيدي أحمد، وسيدي علي نزيل صفاقس، وصار ذلك الرّجل إذا أخذ سيدي سعيد الحال يقوم بشؤونه ويدخله الحمّام ويغسله كما تغسل الوالدة ولدها، وقد يشتدّ الحال بالشّيخ سيدي سعيد فيضرب النّاس بالعذرة، فمن اعتقد وجد ريحها طيّبا حتّى أنّ المرحوم مراد بن حمّودة باشا ضربه مرّة فأصاب ثيابه فحلف / لا يزيلها من ثيابه، وأمر بإدخالها في صندوقه بما فيها، فصار إذا فتح وجد لها طيبا لم يجد مثله. ومن كراماته أنّه أتاه رجل من أولاد الهاني بامرأة في هودج طالبا للذّرّية، فتلقّاه الشّيخ خارج البلد، وأنزل المرأة فوقع عليها، وصار يدعكها بيديه ورجليه، فلمّا رأى زوجها ذلك أخذ ثوبا وألقاه عليهما، فاجتمع النّاس وصار من لا يعتقد يضحك ويقول لزوجها: رضيت به يفعل بزوجك ويضحكون منه استهزاء به، فلمّا قام الشّيخ كشف لهم عورته فإذا به لا ذكر فيه بل على صورة المرأة، والتفت لزوجها وقال له: سترتنا سترك الله في الدّنيا والآخرة، فارجع بأهلك ولا تدخل القيروان، فرجع وولدت له سبعة ذكور، وما زالت أعقابه إلى الآن مستورين.

стр. 966

ووقع مرّة بسوق القيروان على حمارة، وظهر لمن لا يعتقد أنّه يعالج الجماع، وأهل الإعتقاد علموا أنّه لأمر لله أعلم به منهم، فقيّدوا ذلك الوقت فإذا بابن صابر السّوسي قادما من الحجار بهدايا وتحف وبيارق وقال: كنا في البحر فانخرقت المركب وأشرفنا على الهلاك، فاستغثنا الله بسيدي سعيد الوحيشي فإذا به واقف على جانب المركب واضعا فرجه على محلّ الخرق منها فانسدّ الخرق، ونجّانا الله تعالى ببركته، فحسب ما مضى من ذلك الوقت إلى زمن الإخبار فإذا به وقت وقوعه على الحمارة. ولمّا دخل / المرحومان محمّد باي وأخوه علي باي ولدا مراد باي قال سيدي سعيد لعلي باي: ائتني بولدك مراد، وكان في قماطه، فأحضروه فمسكه بيده وجعل يخاطبه ويقول له: يا مراد يكون خلاء القيروان على يديك، يكون قتل العواني الشريف على يديك، أبعد عن زاويتي، يا مراد تفسد في الأرض، وتقتل الناس ظلما وبغيا، وجعل يذكر شنائعه التي صدرت منه بعد في حال كبره (٧١٢)، فلمّا سمع أبوه بذلك، قال: لو نعلم يقع (٧١٣) هذا منه لقطعت عنقه، فقال له: أتردّ أمرا كان في الكتاب مسطورا؟ فلمّا كبر وقع جميع ما ذكر من شنائع أفعاله. وروي عن الشيخ الخطيب أبي فارس عبد العزيز الفراتي - رحمه الله تعالى - أنّه كان مجتازا ببعض طرقات القيروان فوجد دكّانا عليه خلق كثير وسيدي سعيد الوحيشي في حال انجذابه، وهو يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها، قال: فقلت هذا المجنون هكذا يكسّر كلام الله، فإذا به قد خرج من الحانوت وهو ينادي بأرفع صوته: يرفع كما أنزل يرفع كما أنزل على رغم أنف عبد العزيز الفراتي، قال: فتبت إلى الله ممّا وقع منّي من القول. وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بمدينة القيروان ليلة الخميس لعشر بقت من شوّال سنة إحدى ومائة وألف (٧١٤). ومات ولده سيدي أحمد بالقيروان ودفن مع أبيه.

стр. 967

ترجمة الشّيخ علي بن سعيد بن منصور الوحيشي: وأمّا سيدي علي الوحيشي إبن سيدي سعيد الوحيشي فإنه أقام بالقيروان ما شاء الله، وتروّج بها، وكان يكثر التّردّد على صفاقس، وكان / منجمعا عن (٧١٥) النّاس لا يحبّ ملاقاة الأمراء بل محبّا للخلوة ودرس (٧١٦) العلم وسماع القرآن، وإذا سمع بالسّلطان أتى للقيروان يخرج كلّ يوم لظاهر البلد صبحا ولا يرجع إلاّ ليلا. ولمّا وقعت فتنة (٧١٧) الباشا وسيدي حسين ﵀ وعمل أهل القيروان على غلق الأبواب خرج شيخنا سيدي عبد الله السّوسي لتونس، وخرج سيدي علي الوحيشي لصفاقس، فكان ملازما لدروس سيدي أحمد النوري من فقه وحديث وتفسير وصلاة جماعة ووعظ جمعة وغير ذلك، وكان محبّبا للخلق، فاتّفق أن اجتمع بعض الطّلبة يوما وقالوا: سيدي علي الوحيشي ما رأينا عليه شيئا من أمور الولاية، فلقي بعضهم من غير علم بما وقع بينهم، فقال: تسأل عن علي الوحيشي وهو من أهل الجنّة، فقال: ومن أعلمك بذلك؟ قال: لأنّ الخلق كلّهم يثنون علي بخير، وقال رسول الله ﷺ : «من أثنيتم عليه خيرا فقد وجبت، يعني الجنّة» (٧١٨). وركب يوما على حمارته وسار معه خديمه، رجل يقال له: الرّخيص (٧١٩) فقال: تحرّكت جوف الشّيخ وخرج منه ريح (٧٢٠)، فقال: يا رخيص (٧١٩) ما بقيت تسمع خيرا من فوق ولا من تحت، قال: فما مضت إلاّ مدّة قليلة واشتدّت الفتنة وكثرت فيها (٧٢١) الأقوال المرعبة فما تسمع إلاّ الهتك والفتك والهرج والمرج. وحضرته الوفاة بصفاقس سنة نيف وخمسين ومائة وألف (٧٢٢)، واختلف النّاس في موضع دفنه، فبعضهم يقول: نحمله للقيروان فيدفن مع آبائه، وبعضهم يقول: ندفنه /

стр. 968

بالجهة الغربية من المقبرة، وبعضهم يقول: بالجهة الشرقية، فجاء الرخيص (٧١٩) خديمه وقال: كنت يوما مع الشّيخ بسانيته التي أحدثها قرب سور البلد وقال: ههنا إن شاء الله (٧٢٣) التّربة، فأراهم المكان الذي عيّنه له الشّيخ فدفنوه به، ثمّ جمع أهل الفضل ما تيسّر من الدّراهم وبنوا عليه قبّة، فالنّاس يتبرّكون به. وكان شيخا نقيّ الثّياب، حسن الهيئة، جميل الذات، حسن الخلق، من رآه أحبّه، لا يفتر عن ذكر الله - رحمه الله تعالى -. ومن أعجب ما رأيت من بركاته فكمل فيه اعتقادي، أنّي كنت زمن المصيف بالحريم في البساتين (٧٢٤) على عادة أهل البلد، فلمّا فرغ المصيف عملنا على الرّجوع إلى المدينة فقلنا: ننزل ليلا نبيت عند الشّيخ الوحيشي وندخل صبحا محافظة على ستر الحريم، فأخذنا مفتاح الرّوضة من حفيظها ونزلنا بالحريم ليلا، فلمّا وصلنا للرّوضة فتحنا الباب الأوّل وأدخلنا المفتاح في الباب الثّاني وحاولنا انفتاحه فلم ينفتح، وعالجناه نحو ساعة، فلمّا لم يتيسّر فتحه تركنا (٧٢٥) المفتاح في الباب، وقلنا: لعلّ الشّيخ لم يرد دخولنا، وانكسرت قلوبنا، وحصل لنا حزن، فبينما نحن كذلك وإذا بطائر لطيف دار على المفتاح مرّتين أو ثلاث، فلمّا رأينا ذلك استبشرنا وقلنا: قد حصل الإذن من الشّيخ بالدّخول، فتقدّمت (٧٢٦) للمفتاح فأدرناه مرّة واحدة فانفتح الباب، فعلمنا أنّ العسر مقرون باليسر كما قال جلّ ثناؤه ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٧٢٧) الآية، فدخلنا وحصل لنا بذلك غاية / السّرور والفرح لحصول العناية من الشّيخ. ولمّا كان ثامن عشر ربيع الثاني بعد صلاة الجمعة من سنة ثمان وألف ومائتين (٧٢٨) إجتمعت بالشّيخ أبي العبّاس أحمد بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي العباس أحمد بن سيدي سعيد الوحيشي وبيده كم (٧٢٩) من (٧٣٠) ظهير من سلاطين تونس من العساكر

стр. 969

العثمانية - رحم الله أسلافهم ونصر أخلافهم - وبيده أيضا عدة عقود أحباس من الباشوات وغيرهم مشتمل كلّها على تعظيم الشّيخ سيدي علي الوحيشي الأكبر، وعلى وصفه بالولاية والصّلاح والقطبية وغير ذلك، وكان ذلك كالمتواتر بين عدول وقته وسلاطين زمانه، ثمّ سافر من عندنا، ثمّ وقع بالقيروان فبلغنا أنّه - رحمه الله تعالى - توفّاه الله شهيدا بالطاعون بشهر شوّال من السّنة المذكورة (٧٣١) ﵀ وكان رجلا فاضلا لطيفا ﵀. ترجمة الشّيخ أحمد الحكموني: ومن أجلّ أعيان فقهاء صفاقس العالم العلاّمة الشّيخ المفتي سيدي أبو العباس أحمد (بن علي) (٧٣٢) الحكموني، تفقّه بصفاقس على الشّيخ المفتي سيدي عبيد الأومي - المقدّم الذّكر - وعلى الشّيخ الإمام الخطيب أبي محمّد عبد السّلام الشّرفي، وعلى الشّيخ المفتي أبي القاسم الجنان السوسي، وارتحل سنة إثنتين وخمسين وألف (٧٣٣) إلى تونس فتفقّه على الشّيخ العالم سيدي مبارك زرّوق الكافي وله منه إجازة، وكذا تفقّه على غيره من فقهاء تونس، وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بالقيروان ليلة الأحد الثامنة والعشرين / من حجّة الحرام سنة ثلاث وثمانين وألف (٧٣٤)، ودفن من الغد تحت روضة أبي زمعة البلوي صاحب رسول الله ﷺ من الجهة الغربية. ولمّا توفّي - رحمه الله تعالى - تولّى عوضا عنه منصب الفتوى نجله الأسعد الحاج الأبر أبو عبد الله سيدي محمد، فقام مفتيا إلى أن وقعت فتنة إبن الإنكشاري ففرّ بدينه إلى مصر، فأقام هناك قاضيا بالمنصورة وما حواليها حتّى قطع الله فتنة إبن الإنكشاري فاسترجعه محمّد باي إبن مراد ﵀ فرجع إلى صفاقس فأقام بها مفتيا إلى وفاته. وكان تفقّه على الشّيخ سيدي أبي الحسن الكراي، وعلى الشّيخ الخطيب سيدي حسن الشّرفي، وعلى الشّيخ المفتي أبي العباس أحمد السّماوي، وعلى والده المذكور. وكانت وفاته بصفاقس يوم الأربعاء وقت الزّوال الخامس عشر خلت من شهر صفر سنة أربع عشرة ومائة وألف (٧٣٥).

стр. 970

ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد الحكموني: ثم تولّى بعده منصب الفتوى بعد القضاء نجله الأسعد أبو عبد الله محمد، تفقّه على الشّيخ النّوري، والشّيخ الخطيب أبي عبد الله محمد الشّرفي، والشّيخ الفراتي (٧٣٦) الأكبر، وعلى الشّيخ سيدي محمّد الشّرفي إبن المؤدب. وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس، أوّل يوم من شهر محرّم فاتح شهور سنة خمس وأربعين ومائة وألف (٧٣٧). ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي النّوري: ومن أجلّ أعيان فضلاء متأخّري (٧٣٨) صفاقس شيخ شيوخنا الشّيخ أبو الحسن سيدي علي النّوري (٧٣٩). كان - رحمه الله تعالى - ثقة عمدة في علوم الدّين من حديث وتفسير وفقه / وقراءة وعربية وأصول الدّين وأصول الفقه ومغاز وسير وميقات وتصوّف وما يتبع ذلك، وما يتوقّف عليه. ألّف في اختلاف القرّاء كتابا حافلا سمّاه غيث النفع، وكتابا في علوم التّجويد سمّاه تنبيه الغافلين حاذى به إبن المفضل (٧٤٠)، وألّف عقيدة في التّوحيد إعتنى النّاس

стр. 971

بشرحها كالشّيخ أحمد الغرقاوي (٧٤١) المصري، والشّيخ أبي الحسن علي المؤخّر (٧٤٢) تلميذه والشّيخ أحمد العصفوري (٧٤٣) التّونسي، وبعض فضلاء الفاسيين (٧٤٤)، وله رسالة مشتملة على قواعد الإسلام وأحكام الطّهارة والصّلاة شرحها الشّيخ النفراوي (٧٤٥) المصري، وشرحها هو بشرح ولم يستكمله (٧٤٦)، وله رسالة في الميقات سمّاها إنقاذ الوحلة في معرفة الأوقات والقبلة (٧٤٧). وكان إبتداء أمره يتعلّم على الشّيخ أبي الحسن الكرّاي وفقهاء بلده، فلمّا اشتدّ عمل على الذّهاب لتونس لتوفّر فقهائها فمنعه والده خوفا عليه فأبى إلاّ الذّهاب، فسافر إليها واشتغل بالعلم، ولم يكن بيده قوّة مال، فلمّا نفذ ما بيده اشتدّ به الحال حتى صار يشتري شيئا يسيرا من التّمر يغليه على بقيّة نار الطّلبة ويشرب ماؤه ليمسك به رمقه، ويفعل به ذلك مرّات، فإذا انقطعت (٧٤٨) حلاوته إشترى شيئا يسيرا غيره والطّلبة يظنون أنّ له (٧٤٩) طعام مثلهم، وذلك حرصا على العلم وتعفّفا كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (٧٥٠) وكان عليه سيماء الصّالحين فاطّلع عليه بعض أهل الخير، فعيّن له كلّ ليلة نصيبا من الطّعام يبعث له به يقتاته على جاري عادة أهل / الفضل من تونس المحمودة قلّ من يشاركهم فيها إلاّ من تشبّه بهم.

стр. 972

ثمّ أرشده (٧٥١) بعض أهل الخير والصّلاح للذّهاب إلى مصر لينال من بركة البقعة المباركة التي أسّست في ساعة سعد لهذه الأمّة، وهو الجامع الأنور الأزهر - جعله الله عامرا بالعلم وأهله إلى آخر الدّهر -، فذهب متوكّلا على الله تعالى ففتح الله عليه، ونال سعادة الدّنيا والآخرة، فأخذ عن الشّيخ أبي عبد الله سيدي محمد الخرشي، وعن الشهاب أبي العباس أحمد العجمي، وعن الشّيخ سيدي إبراهيم الشبرخيتي، والشّيخ أبي البركات سيدي يحيى الشّاوي الجزائري، والشّيخ العناني، والشّيخ الشيراملّسي (٧٥٢)، والشّيخ البشبيشي (٧٥٣) ومن في تلك الطبقة من فقهاء المذهب، وأخذ القراءات (٧٥٤) عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد الأفراني المغربي السوسي نزيل مصر، كما أخذ طريق القوم عن الشّيخ سيدي محمد بن ناصر [وقد رأيت مكتوبا بخطّه ما نصّه: قال كاتبه لطّف الله به: قرأت على شيخنا (٧٥٥) الشّيخ شرف الدّين شيخ الإسلام الأنصاري من صحيح مسلم الخ، وسمعت من شيخنا العجمي أوّل حديث من الشّمائل بقراءة صاحبها الشّيخ علي الفرغلي وأجازنا - حفظه الله - وقال أيضا: إجتمعت بالشّيخ الصّالح سيدي علي (٧٥٦) الشّنواني بعد زيارة سيدي أحمد البدوي وأخذت عليه الطّريقة الأحمدية وتلقّنت منه الذّكر، (ثمّ ارتحلت إلى المنصورة واجتمعت فيها بالشّيخ الصّالح المسنّ الشّيخ سالم البحري وتلقّنت منه الذّكر) (٧٥٧) وأخذت عليه الورد وهو أخذ عن قطب الزّمان سيدي أحمد الخامي اهـ كلامه ﵀، وهذا بعد ما كان ينكر عن أهل الحال (فصار منهم وأخذ طريقتهم نفعنا الله به آمين) (٧٥٨)] (٧٥٩). قيل لمّا فتح الله عليه بما قسم الله له من العلم عرض عليه بعض أغنياء التّجّار التّزويج ببعض بناته، فاستشار الشّيخ سيدي يحيى الشّاوي ﵀ في ذلك،

стр. 973

فأمره بالذهاب إلى ميضاة (٧٦٠) الجامع الأزهر وقال له: أمكث بها ليلا وارتقب ساعة انقطاع النّاس فإذا لم تجد إلاّ رجلا واحدا فهو صاحب الوقت فاستشره وافعل ما يأمرك به، ففعل، فلمّا رأى صاحب الوقت إستشاره، فقال له: يا علي يا نوري (٧٦١): إذهب نوّر المغرب فمن ذلك الوقت / إشتهر لقبه بالنّوري، فامتثل ما أمره به ورجع إلى المغرب بعد ما أخذ إجازات المشايخ المتقدّمين، وانتظم في سلكهم فقدم على صفاقس بما معه من علوم الدّين، فعلّم المسلمين بنصح، وبذل جهده ومهجته (٧٦٢). ولمّا قدم وجد النّاس يشكون جور أهل مالطة - دمّرها الله وأخلى منهم الأرض - فتشاور مع أهل الفضل في إنشاء سفن للجهاد، فوافقه أكثر النّاس على ذلك فأنشؤوا سفنا جعل الله فيها بركة وانقطع بها جور الكفرة، وغنم المسلمون منهم خيرا كثيرا، وجعل مقدّما على السفن يأتمرون بأمره، ويصلّي بهم إماما الشّيخ الصّالح إبن أخته الحاج الأبر أبا عبد الله محمد قوبعة معلّم أطفال المسلمين، وكان مقدّما على ضريح الشّيخ سيدي منصور الغلام - نفعنا الله به -. ولمّا كان كلّ ذي نعمة محسودا حسد أهل الشّرّ الشّيخ النّوري وسعوا به إلى سلطان الوقت بتونس وخوّفوه أن يكون سببا في تغيير الدّول لما رأى من إقبال الخلق عليه وامتثالهم أمره كما وقع في أيّام ابن تومرت وأمثاله - حسبما مرّ مفصّلا - فأرسل السّلطان جماعة من رجاله لأخذ الشّيخ وأتباعه ونهب أموالهم، فأرسل بعض أهل الفضل كتابا للشّيخ يحذّره قبل وصول رجال السّلطان، فلبس حرام إمرأة ونعلها وخرج [مع نسوان الشّيخ أبي عبد الله السيالة] (٧٦٣) مستخفيا مهاجرا بدينه، وقال: (٧٦٤) ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٧٦٥) فذهب في خفاء [مع خديمه إبن الأكحل إلى أن وصل] (٧٦٦) لزاوية الشّيخ سيدي أبي حجبة (٧٦٧) بين تونس وزغوان، ولمّا دخل رجال

стр. 974

السّلطان / نهبوا أتباعه وسجنوهم، وسلّم الله الشّيخ فأقام زمنا مشتغلا بالعلم، فلمّا ظهر خبره (٧٦٨) إعتقده أهل الخير وعرّفوا السّلطان أنّه من الصّالحين، ولم يكن قصده في بلده إلاّ الذّبّ عن المسلمين بالعلم والجهاد على سنّة المصطفى ﷺ فلمّا تحقّق السّلطان الأمر علم أنّ السّاعي كان حاسدا وعفا عن الشّيخ وأمره بالرّجوع لوطنه، وإظهار السّنّة وقمع البدعة، وإن عارضه معارض كاتب السّلطان بذلك، فرجع لوطنه محبورا مسرورا، فبذل جهده في نفع الخلق بقدر الإستطاعة، فكثرت أتباعه وشاع وانتشر فضله، فنصر الدّين ونصره الله وثبت قدمه وجاهد في الله حقّ جهاده فهداه الله لسبل الخيرات ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ (وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)﴾ (٧٦٩) ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ (٧٧٠). وكان ﵀ زاهدا في جميع المناصب لقول القطب الشيرازي (٧٧١): «المناصب مصائب والولايات بليّات». وهو - رحمه الله تعالى - صاحب وقت القرن الثاني عشر بوطن صفاقس، فأحبى الله به رسوم العلم بهذا الوطن بعد اندراسها، وأظهر على يديه التّعاليم بعد انطماسها، فتفقّه به جملة خلائق من جميع الأوطان (٧٧٢) كالشّيخ سيدي محمد إبن المؤدّب الشّرفي، والشّيخ أبي الحسن علي التميمي شهر المؤخّر (٧٧٣)، والشّيخ أبي عبد الله محمد المكّي، والشّيخ أبي الحسن سيدي علي بن خليفة (٧٧٤) المساكني (والشّيخ أبي عبد الله محمّد الغراب والشّيخ أبي علي / حسين الشرفي) (٧٧٥)، والشّيخ أبي عبد الله السيالة (٧٧٦)،

стр. 975

والشيخ أبي إسحاق إبراهيم المزغنّي، والشّيخ إبراهيم الجمل، والشّيخ الحرقافي (٧٧٧)، والشّيخ رمضان أبي عصيدة (٧٧٨)، ونجله أبي العبّاس سيدي أحمد النّوري، وهو القائم بالزّاوية بعده، فهؤلاء مشاهير تلاميذه الذين تحمّلوا العلم عنه وعلّموه النّاس بعده، وأمّا من سمع ولم يعلم فكثير لا يحصى، والحاصل أنّه تنورّت به البلاد، وانتفع به العباد. قال تلميذه الشّيخ الصّالح سيدي علي بن خليفة - رحمه الله تعالى -: أوّل مشايخي الشّيخ الفاضل المربّي النّاصح الجامع بين الشّريعة والحقيقة سيدي علي النّوري الصّفاقسي، اجتمعت به سنة خمس وتسعين وألف (٧٧٩)، وأقمت عنده خمس سنين، وأخذت عنه جملة علوم في خلالها، وأجازني ولم أر مثله، له الإجازات الكثيرة والإطّلاعات الغزيرة، إطّلع على كثير من فهرسات الأكابر الجامعة لأسانيد المشايخ القريبة والغريبة، واجتمع بمشايخ الأسرار، وأخذ عنهم ما لا يؤخذ إلاّ من الأفواه (٧٨٠)، وبقي بعضها، مخزونا في سرّه (٧٨١)، مات ولم يبح به ولا فاه، وبعضها قال: أخذ عليّ العهد أن لا ألقّنها حتّى يبوح لي سرّها وأنا إلى الآن لم أشم (لها رائحة) (٧٨٢) كالأسماء الإدريسية والغوثية قال: وليس هذا (٧٨٣) مقامنا ولا (٧٨٤) نحن من أهله، ولم نشرب من علله ولا من نهله. والحاصل أنّ له اعتناء (٧٨٥) بالأخذ من (٧٨٦) المشايخ واتّصال السّند وقربه لأنّ قرب / السّند قربة إلى الله تعالى وإلى سيّد المرسلين، ومن ثمّ قال: عيني خامس عشرة عينا رأت رسول الله ﷺ لأنّ الحافظ السّيوطي أخرج العشاريات (٧٨٧) وبيني وبينه ثلاثة

стр. 976

وهو الرّابع، وكذلك الحافظ إبن حجر أخرج العشاريات (٧٨٧) وبيني وبينه ثلاثة (٧٨٨). وأخرج حديثا منها إلى السّيوطي مسندا إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني ومن رأى من رأى من رآني» (٧٨٩) اهـ. ومن اعتنائه بأخذ طريق القوم أن تلقّى عن الإمام الجليل المربّي سيف السّنّة سيدي محمّد بن ناصر الدّرعي ورد الذّكر، وهو أن تستغفر الله كلّ يوم مائة مرّة، وتصلي على النبيّ ﷺ مائة مرّة، وتهلّل بأن تقول: لا إلاه إلاّ الله ألف مرّة إن أمكن بعد صلاة الصّبح وهو الأولى وإلاّ ففي بقيّة الدورة إلى الفجر، وإن طلع فجر اليوم الثّاني فاقض بعده ولا تتركه اهـ. قال: قلت وزاد شيخنا سيدي حسن اليوسي، تلميذ سيدي محمّد بن ناصر الدّرعي، وصاحب حاشية الكبرى (٧٩٠) في الورد المذكور أن تقول: لا إلاه إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، مائة مرّة قبل التّهليل المطلق، سمعته منه حين التقيت (٧٩١) به في مصر سنة طلوعه للحجّ سنة إثنتين ومائة وألف، وامتدح سيدي علي بن خليفة المذكور شيخه النّوري بقصيدة بليغة وكذا غيره من / تلاميذه، ومن غرر ما مدح به قصيدة الشّيخ سيدي محمد إبن المؤدّب الشّرفي (٧٩٢) - رحمه الله تعالى - وهي هذه: [الطويل] ألا قل لمن قد ضلّ عن طرق الهدى ... وحاد عن النّهج القويم وحيّدا وأصبح في تيه الجهالة هائما ... يروح ويغدو مثل من راح واغتدى

стр. 977

إذا شئت أن تقفو إلى الحق (٧٩٣) منهجا ... قويما فلا تصحب سوى العلم مرشدا وشدّ نطاق الحزم وارحل لأهله ... فإنّ لهم سبلا تقيك من الرّدى وممّن له في ذاك حظّ موفّر ... وأضحى سناه في الدّجى متوقّدا إمام فريد عالم متورّع ... زكيّ سريّ طاب فرعا ومحتدا حوى من خلال الخير كلّ فضيلة ... ونال علا من كلّ مجد وسؤددا أبو الحسن النوريّ لا زال قدوة ... وتاجا على هام الزّمان منضّدا إمام لقد أضحت به النّاس تقتدي ... وتقبس من أنواره كلّما بدا فلا زال (٧٩٤) عصر هو فيه إمامه ... ولا زال (٧٩٥) فيه ما يعيش مؤيّدا أضا فاستضاءوا من سنا برق هديه (٧٩٦) ... وكانوا بليل حالك اللّون أسودا (٧٩٧) لقد راض ذا جهل بحسن سياسة (٧٩٨) ... وقاد إلى التّوفيق قلبا تشرّدا وأسدى (٧٩٩) إلينا من مواهب علمه ... أيادي لا تحصى، فأعظم بها يدا وناهيك ما أسداه من نشر (٨٠٠) كتبه ... وأودعه فيها من الرّشد والهدى فكم من علوم قد حوتها وحكمة ... وسرّ بديع فاق درّا وعسجدا جزاه إلاه العرش عنّا بفضله ... جزاء جميلا دائم الذّكر سرمدا وأسكنه في جنّة الخلد مسكنا (٨٠١) ... وبوّأه منها محلاّ ومقعدا وللشّيخ النّوري كرامات كثيرة، منها ما أخبرني به الشّيخ المسنّ الصّالح الثّقة العمدة ذو الصّدقات والخيرات (٨٠٢) والإحسان لفقراء / المسلمين أبو الفوز سيدي الحاج الأبر سعيد ذويب - أدام الله بقاءه في نعمة وعافية - انه سمع من شيخه الشّيخ أبي عبد الله سيدي الحاج محمّد الغراب أحد تلاميذ الشّيخ حال قراءته عليه مقدّمة القطر (٨٠٣)

стр. 978

أنّه قال له: لمّا عزمت على السّفر إلى الحجّ ودّعت الشّيخ فناولني كتابا وقال: أحمله معك إلى مدينة رسول الله ﷺ فلمّا خرجت من عنده نظرت في الكتاب فإذا هو مختوم ولا عنوان عليه، فقلت: لعلّه نسي فعرّفته، فقال: إنّ صاحبه يأتيك طالبه منك، قال: فلمّا وصلنا لمدينة الرّسول ﷺ فإذا برجل يسلّم عليّ ويقول: كيف حال الشّيخ علي؟ وسألني عن الشّيخ، فأخبرته بأنّه على أحسن الأحوال، فطلب منّي المكتوب فأعطيته إيّاه، ثمّ سألته: بالله من أين عرفته، أمن الحجّ أو من الجامع الأزهر حين كان يقرأ به؟ فقال: لا والله لا (٨٠٤) كان ذا ولا ذاك، إنما أرواحنا تجتمع. وأخبرني أيضا والشّيخ العدل العابد ملازم الصّوم والذّكر والتّلاوة ودروس (٨٠٥) العلم النّافع الحاج الأبر سيدي الحاج عبد السّلام الغراب أنّهما قالا: لمّا كان الشّيخ النّوري يفتي بتحريم الدّخان مشيا على قول الشّيخ اللقاني (٨٠٦) وغيره بذلك وحكم السّلطان محمّد العثماني ﵀ بذلك - وكان جميع أتباعه على رأيه حتى صار عنده كالمتحقّق (٨٠٧) على تحريمه ومنع من إظهار شربه، وكلّ من ظهر عليه وبّخه على فعله وأغلظ عليه، فاتّفق أن قدم السّلطان رمضان باي حاكم تونس في التّاريخ / ونزل بدار القفّال في رأس (٨٠٨) زقاق الذهب (٨٠٩) ممّا يلي سور البلد، وعرضت للشّيخ حاجة فوجّه في قضائها بعض تلاميذه فلمّا وصل الدّار وجد الحاجب واقفا بالباب وهو يشرب الدّخان، فوقف التّلميذ ساكتا، فلمّا فرغ من شرب الدّخان قال التّلميذ: السّلام عليكم الآن، فقال له الحاجب: ما هذا؟ قال: إنّ السّلام لا يجوز عليك إلاّ الآن لتلبّسك أوّلا بالمعصية، فعرّف الحاجب السّلطان بما وقع، فأدخل التّلميذ وقضيت حاجته، وسأله عمّا قاله للحاجب، فعرّفه بذلك وأنّ الدّخان حرام لأنّ الشّيخ متمسّك بتحريمه، فلمّا

стр. 979

دخل القائد عبد اللطيف الغراب سأله عن قول الشّيخ في الدّخان، فقال: هو يقول بالتّحريم، قال: إذهب إليه واطلبه بالنّص، فعرّف القائد الشّيخ بذلك، فقال له: لمّا نحرر أقوال المسألة، فعرّف السّلطان، فقال: أرجع إليه غدا وائتني بالنّصّ وإلاّ عاقبتك، فلمّا رجع إلى الشّيخ وعرّفه بما قاله صفع الباب بعنف وقال: إذهب فما بقيت تراه بعدها (٨١٠) أبدا (٨١١)، فلمّا رجع من الغد إلى السّلطان وجده رحل، فما وصل الجريد إلاّ وقد جاءه خبر مراد إبن أخيه وأنّه خرج من سوسة - كما مرّ - فرجع لتونس على طريق غير صفاقس مسرعا فقتله إبن أخيه، ولم يجتمع به (٨١٢) القائد بعد. ومع هذا كان (٨١٣) - رحمه الله تعالى - يفرّ من دعوى (٨١٤) الولاية ونسبتها له حتى جاءه رجل وقال: يا سيدي أصابتنا شدّة وهول في البحر، فنذرنا الله إن سلّمنا الله (٨١٥) لنعطينّه كذا من / الدّراهم، فرأيناك معنا في المركب ونجّانا الله تعالى من هول البحر بوجودك وحضورك معنا، فخذ هذه الدّراهم التي جمعناها، فقال: أنا نائم على فراشي وما غبت عن أهلي وإنّما نجّاكم الله ببركة اعتقادكم، إذهب بدراهمكم وتصدّقوا بها على فقراء المسلمين، فإني في غناء عنها. ولمّا قدم إبراهيم الشّريف متوجّها لطرابلس - حسبما مرّ - زار الشّيخ وقال له: لا بدّ أن تدخل هذه الدّور المجاورة في الزّاوية (٨١٦) لأنّها ضيّقة، فقال له: هذا القدر فيه بركة (٨١٧)، ولا نخرج النّاس من مساكنهم (٨١٨). وكان يأكل من كسبه فيتّجر ويشتغل القماش (٨١٩) ويتمعّش من ذلك طلبا للحلال وتوكّلا على الله في ضمان رزق خلقه، ولا يأخذ عن تعليمه شيئا طلبا لمرضاة ربّه.

стр. 980

وتوفّي ﵀ بمرض الشّق سنة سابع عشرة ومائة وألف (٨٢٠)، وقبره مشهور (٨٢١) مزار متبرّك به، وأكثر تلاميذه مدفون معه لتوصيته (٨٢٢) بذلك. ترجمة الشّيخ أحمد النّوري: فقام مقامه بالزّاوية ولده أبو العبّاس سيدي أحمد النّوري، فكان - رحمه الله تعالى - قائما بما قام به والده، وكان فائزا من العلوم الدّينية بالقدح المعلّى عربية وفقها وأصولا وحديثا وتفسيرا وقراءة وأدبا. وكان فصيحا، إذا أذّن حرّك القلوب الغافلة لحسن صوته وفصاحته. وقد رحل إلى المغرب، فلقي الرّجال بتونس والجزائر وتلمسان وفاس، وأراد المجاوزة إلى السوس فمنعه بعض الصّالحين، وزار الشّيخ أبا يعزى (٨٢٣)، وممّا اشتهر أن من زار قبره ووضع شيئا على تابوته وطلب شيئا / من الدّنيا والآخرة أعطاه الله ما سأل، (فوضع الشّيخ سيدي أحمد شيئا بقصد العلم فأعطاه الله ما سأل) (٨٢٤). وارتحل إلى المشرق بقصد حجّ بيت الله الحرام، فسافر من صفاقس إلى مكّة المشرفة، ولقي الأشياخ وأخذ عنهم، وصحب من الكتب شيئا كثيرا، فأكمل خزانة أبيه (٨٢٥) وأكثر من كتب (٨٢٦) الأدب لأنّه كان مطمح نظره، وأخذ عنه مشايخ لا يحصون كثرة، فمنهم بصفاقس الشّيخ أبو عبد الله محمّد كمّون، وشيخنا أبو عبد الله محمّد بن علي الفراتي، والشّيخ أبو عبد الله محمّد الخميري، والشّيخ أبو عبد الله محمّد البجّار، والشّيخ أبو عبد الله محمّد خروف في آخرين.

стр. 981

وسافر لتونس فأقام بها مدّة يقرئ بجامع الزّيتونة تفسير الكتاب العزيز فهرعت (٨٢٧) إليه العامة والخاصة، فيجلس القريب ويقف البعيد، قال من شاهد مجلسه: رأيت القائم أكثر من القاعد لأنّه - رحمه الله تعالى - كان متمكّنا من علوم العربية والحديث والسّير والأحكام الشرعيّة والعلوم الأدبية والتاريخ وأيّام النّاس، فبقي كذلك إلى أن أدركته وفاته بتونس سنة نيف وخمسين ومائة وألف (٨٢٨)، فنقل ودفن بجانب والده. ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي المؤخّر: ولنرجع إلى بيان حال من أخذ على سيدي علي غير ولده أحمد، فأمّا الشّيخ أبو الحسن علي المؤخّر (٨٢٩) التّميمي (٨٣٠) فتولّى إمامة مقام الشّيخ سيدي أبي الحسن اللخمي فاشتغل فيه بالتّدريس والتّجويد وكان رجلا محقّقا، من أكبر تلاميذ الشّيخ النّوري، وأخذ أيضا عن الشّيخ سيدي عبد العزيز الفراتي، فشرح عقيدة الشّيخ / النوري (٨٣١) بشرح لطيف مناسب للمبتدئين، وشرح جوهرة التّوحيد (٨٣٢)، وشرح ألفية الجلال السيوطي (٨٣٣) في النّحو. وكان ملازما لمقام الشّيخ اللخمي، قال شيخنا سيدي عبد الله السوسي - رحمه الله تعالى - قدمت من تونس لصفاقس عند توجهي لسيدي إبراهيم الجمّني بجربة فسألت عن الشّيخ النوري للزيارة، فأخبرت بوفاته، فسألت عن أكبر تلاميذه فأرشدت للشّيخ المؤخّر بمقام الإمام اللخمي، فذهبت لزيارته فوجدته بالمسجد وقد فقد إحدى كريمتيه،

стр. 982

فسلّمت، فأحسن الرد، وسألته الفاتحة وصالح الدّعاء فأسعفني بذلك ودخلت (٨٣٤) عليه بنيّة صغيرة قالت: أمي تدعوك، فقال لها: إذهبي وأتي بالفطور، فجاءت بشيء من دشيش الشعير (٨٣٥) مطبوخا فسألني الأكل معه فأكلت، فما وجدت حلاوة طعام مثله، وودعته وسافرت. وتوفّي ﵀ (٨٣٦) ودفن مع الشّيخ النوري مع إخوانه التلاميذ، ولم نقف على تعيين سنة وفاته. الشّيخان: الجمل والحرقاني: وأما الشّيخ الجمل والشّيخ الحرقافي فذهبا إلى تونس ونشرا بها علوم القراءة والتجويد إلاّ أنّ الشّيخ الجمل (٨٣٧) أسرعته منيته. وأما الشيخ الحرقافي (٨٣٨) فطالت مدّته وكثرت تلامذته. ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد الغراب: وأما الشّيخ سيدي أبي عبد الله محمّد الغراب فإنه اشتغل أيضا بنشر العلم وصار إماما بمقام الشّيخ اللخمي بعد وفاة الشّيخ المؤخر، وكان أبوه من التّجّار، فجهّز له مالا وافرا لحجّ بيت الله الحرام، وأمره أن يتّجر ببقية (٨٣٩) المال، فلمّا حجّ ونزل / إلى مصر

стр. 983

إشترى بما معه من الأموال كتبا (فلمّا قدم على والده حسب أنّه قدم ببضائع التجارة الفانية فنزل بخزنة كتب) (٨٤٠) لا غير، فقال: يا بني أين تجارتك؟ قال له: هذه الكتب (هي تجارتي) (٨٤١)، فغضب عليه وقال: أفقرتني وأتلفت علي أموالي، فاشتكى لشيخه من والده، فاستحضر الوالد وقال: لم غضبت من التّجارة الرّابحة الباقية، طيّب قلبك وابشر بالغنى (٨٤٢) فإن شراء الكتب يورث الغنى (٨٤٢) فهذه تجارة الآخرة حصلت ويعوّضك الله بتجارة الدنيا، ودعا له ولذريته بالسّتر والبركة فاستجاب الله له، وعوّض الله عليه المال، وبقيت الكتب إلى الآن ينتفع بها الخلق، وستره الله وذرّيته إلى الآن - أدام الله ستره علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين -. وكان الشّيخ الغراب - رحمه الله تعالى - عدلا فاضلا محبّبا (٨٤٣) عند جميع النّاس لا يذكره الخلق إلاّ بحسن الثناء، وكانت ولادته سنة أربع وسبعين وألف (٨٤٤)، ووفاته بربيع الآخر سنة خمس وثلاثين ومائة وألف (٨٤٥) وكان ذا عفّة حتّى إنّه لم يشرب من ماء النّاصرية (٨٤٦) ويقول: هو حبس على فقراء المسلمين. ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد المكّي: وأمّا الشّيخ أبو عبد الله محمّد المكّي فكان رجلا صالحا كثير الإعتقاد في أهل الخير، خاليا من أدواء (٨٤٧) النّفس، فقيها محدّثا مقرئا، وكان أكثر اشتغاله بعلوم القاراءات وأكثر من انتفع به أهل قابس لكثرة تردّده وإقامته عندهم، ونشأ (٨٤٨) فقيرا يتيما، حدّث عن نفسه قال: كنت أنسخ كلّ ما أقرأ، فحسدني أقراني المياسير وكانوا قادرين على اشتراء الكتب وقالوا لي: / الذي ينسخ يتعسر عليه العلم لاشتغال قلبه

стр. 984

بالنّسخ، وحملهم على ذلك أن يسبقوني بكتبهم ويعلمون عدم قدرتي على اشتراء الكتب، فلم ألتفت إليهم وسبقتهم بتحصيل ما نحتاجه. وكان رحيم القلب شفوقا على المسلمين، ملازما للشّيخ مدّة حياته، فكثرت كتبه وغلب بذلك أقرانه، ولحظه الشّيخ فحصلت له منه عناية، ولمّا بلغ قال له (٨٤٩) الشّيخ: يا بني زوّجتك إبنتي فلانة، وكان ذلك لا يخطر له ببال لقلّة ذات يده، فأخبر بذلك والدته، فأحالت (٨٥٠) ذلك وقالت: لعلّ أصابك أضغاث أحلام، فأقسم لها بالله ما كان إلاّ يقظة، فقالت: اكتم فإن أراد الله شيئا كان. وكانت له دار مخلّفة عن أبيه منهرشة (٨٥١)، فأرسل لها الشّيخ من ماله ما تحتاجه من أخشاب وحجر ومدد وأرسل لها الفعلة، فأقامها على أصولها، (وأعطاه ما يحتاجه من آلة الدّار وأثاثها) (٨٥٢) وأعطاه ما يتجهز به للعرس وقال لزوجته: زوّجت فلانة بفلان، فحسبت أن جميع ما قامت به الدّار وأصلح به شأنه من كسبه فرضيت به كفؤا لابنتها فتزوّج بها، واتّسع حاله، وأقبلت عليه الدّنيا وعلى ذرّيته ببركة الشّيخ وخدمة العلم وتقوى الله العظيم. وانتقل إلى رحمة الله تعالى ودفن بتربة شيخه سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٨٥٣). ترجمة الشّيخ رمضان أبو عصيدة: وأمّا الشّيخ سيدي رمضان ابو عصيدة فكان فقيها محدّثا مفسّرا أديبا متكلّما واعظا له اعتناء زائد بعلوم القراءات، فكان يقرأ للعشر، وهو أوّل من أخذنا عنه / العقيدة الصغرى للإمام السنوسي فصادفت قلبا خاليا فتمكّنت والحمد لله فوافقت الفطرة الاسلامية. ولقد رأيته بعد وفاته ﵀ فسألته ما فعل الله به فقال لي: يا بني عليك بكلمة التّوحيد والإخلاص فقد امتلأ بها التوراة والإنجيل والقرآن، فعلمت أنّ الله قبله ببركة علوم التّوحيد، وكان في كلامه بشارة بإذن الله تعالى، يطلعني على الأدلّة النّقلية في

стр. 985

الكتب السّماوية الدّالة على صدق نبيّنا ومولانا محمّد ﷺ المقويّة للأدلّة العقلية المصحّح جميعها للإعتقاد المطابق للنّطق بالشهادة عن يقين. وكان لمجلس وعظه رونق زائد تذرف منه عيون الجفاة (٨٥٤)، وكان مقرّه بزاوية الأستاذ الصّفّار، قلّ ما يفارقها (٨٥٥)، يدخلها من (٨٥٦) نصف الليل فيشتغل بما تيسّر من صلاة وتلاوة ونشر علم إلى صلاة الصّبح، فإذا فرغ من صلاة الصّبح شرع في أنواع الذكر إلى الزروق (٨٥٧)، فان حضر من يتعلم علّمه (٨٥٨) وإلاّ ذهب لبيته إلى أذان صلاة الظهر، فيأتي للمسجد الأعظم لتجويد القرآن العظيم إلى الصلاة، فيخرج للزّاوية فيصلّي بها الظهر ويقبل على نشر العلم إلى استيفاء بقيّة الصّلوات لأوقاتها، ويزيد بعد العشاء الأخيرة ما تيسّر من علم وتلاوة، ثمّ يرجع إلى بيته ويكون (٨٥٩) عشاؤه بالزّاوية أو لمّا يرجع لبيته. وكان في أوان (٨٦٠) قراءته على الشّيخ النوري وهو صغير السّنّ يحضر عقيدة الشّيخ، / فقال الشّيخ في بعض الأيام: هذه العقيدة أقعد من صغرى الشّيخ السنوسي (من حيث أنّي (٨٦١) كلّما ذكرت عقيدة) (٨٦٢) أتبعتها بدليلها، وأمّا الصغرى فإنّ الشّيخ السنوسي ساق عقائدها مجرّدة، وبعد استيفائها أتبعها بالأدلّة على طريق اللّفّ والنشر المرتّب. وكان الشّيخ رمضان مكفوف البصر فقال خفية بصوت خفي ظنّ أن لا أحد يسمعه: أتتشبهين بالحرائر يا لكّاع؟ فسمعها منه الشّيخ فغضب عليه ومنعه من الحضور لدرسه، فاستعفى فلم يعفه، فلمّا أيس سافر إلى تونس فتعلّم منها ما تيسر من علوم المعقول وغيره، ولم يزل يستشفع عند الشّيخ بأخيار النّاس حتّى قبل الشّفاعة فيه فعفا (٨٦٣)
следующие страницы →