هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعوَّلي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إليَّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلوِّ إسنادك.
فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حقَّ معرفتي، لما سلَّمت عليّ، ولا جلست بين يديَّ، ثم بكى بكاءً طويلاً، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا.
يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضاً لسماع "الصحيح" ما شياً مع والدي من هراة إلى الداووديِّ ببوشنج، ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يديَّ حجرين، ويقول: احملهما، فكنت من خوفه أحفظهما بيديَّ، وأمشي وهو يتأمَّلني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجراً واحداً، فألقي ويخفُّ عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصِّر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعةً، ثم أعجز، فيأخذ الآخر، فيلقيه، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني.
وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم، فيقولون: يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول: معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله ﷺ ، بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله ورجاء ثوابه.
فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إليّ من الأمصار، ثم أشار إلى صاحبنا عبد الباقي بن عبد الجبار الهرويِّ أن يقدِّم لي حلواء، فقلت يا
стр. 107
سيدي، قراءتي لجزء أبي الجهم أحُّب إليّ من أكل الحلواء، فتبسَّم، وقال: إذا دخل الطعام خرج الكلام، وقدّم لنا صحناً فيه حلواء الفانيذ، فأكلنا، وأخرجت الجزء، وسألته إحضار الأصل، فاحضره، وقال: لا تخف ولا تحرص، فإني قد قبرت ممن سمع عليّ خلقاً كثيراً، فسل الله السلامة.
فقرأت الجزء، وسررت به، ويسَّر الله سماع "الصحيح" وغيره مراراً، ولم أزل في صحبته وخدمته إلى أن توفي ببغداد. قلت: وبيَّض لليوم وهو سادس الشهر قال: ودفنّاه بالشُّونيزيَّة. قال لي: تدفني تحت أقدام مشايخنا بالشُّونيزية. ولما احتضر سندته إلى صدري، وكان مستهتراً بالذكر، فدخل عليه محمد بن القاسم الصوفيُّ، وأكبَّ عليه، وقال: يا سيدي، قال النبي ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» فرفع طرفه إليه، وتلا: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧] فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة، وقال: الله الله الله، وتوفي وهو جالسٌ على السجادة [سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٣٠٧ - ٣٠٨].
٥ - ومنهم الشيخ العالم القدرة المفتي شيخ الشافعية فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي.
قال أبو شامة: أخبرني من حضره قال: صلى الظهر، وجعل يسأل عن العصر، وتوضأ ثم تشهَّد وهو جالس، وقال: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، لقّنني الله حجتي، وأقالني عثرتي، ورحم غربتي. ثم قال: وعليكم السلام، فعلمنا أنه حضرت الملائكة، ثم انقلب ميتاً [سير أعلام النبلاء: ٢٢/ ١٨٩].
стр. 108
المطلب الثاني سير المتقين وأخبارهم
تقديم:
تحدثت عن المتقين والتقوى فيما مضى، وسأسوق في هذا البحث شيئاً عن المتقين وقصصهم وأخبارهم، وهي قصص موثقة، بعضها مستمد من القرآن وبعضها من كتب السنّة النبوية الصحيحة، وبعضها مستمدة من تراجم الرجال التي دونها الفضلاء من أهل العلم.
وهذه القصص تحوي أنواعاً من أهل الفضل اختلفت أزمنتهم، كما اختلفت أعمالهم وإنجازاتهم، ولكنهم جميعاً يضمهم إطار واحد، فهم جميعاً من أهل التقوى، لقد ترجم كثيرون للأتقياء، ولكن في تراجم وسير بعض الذين ترجم لهم بعض الخلل في مقاصدهم أو أعمالهم أو عبادتهم، بل أدخلوا فيهم من ليس منهم، فقد أدخلوا فيهم بعض المجانين، أو من يسمونهم عقلاء المجانين، وأدخلوا فيهم من ليس له بصيرة بالعبادة والقيم والأخلاق.
لقد أدخلت في المتقين في هذا المبحث ملكة مصر التي كانت امرأة فرعون، فرفضت الملك، ورضيت بالإسلام، وطلبت الجنة، وأدخلت فيهم مؤمن آل فرعون، الذي وقف بجانب الحق، وصدع بالحق في مجلس فرعون وزبانيته.
وأدخلت فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم القائد الفذّ خالد ابن الوليد، ومنهم الذي ولي مدينة من المدن، ومنهم الذي التزم بالإسلام، ولم يجامل فيه أحداً، ومنهم بعض التابعين وأتباع التابعين، وبعض هؤلاء أعطاه الله الجمال، فطمعت فيه النساء فاستعصم، وبعضهم أصبح خليفة، فأقام الدين، وأحقَّ الحقَّ وأبطل الباطل.
стр. 109
وبعضهم من بلغ بعلمه درجة الإمامة في الدين، فقام بما كلفه الله به خير قيام، فوقف في وجه الحكام الذين أرادوا أن يحرفوا هذا الدين، كما عزف عن الذين أحسنوا الظن بالإمام من الحكام، فأرادوا أن يغرقوه بالمال ومتع الحياة، فأبى.
ومنهم العلماء الذين صدعوا بالحق، فابتلوا، وقدُّموا أنفسهم قرابين في مواجهة الطغاة الظالمين.
إن مجموع الذين اخترتهم من المتقين يمثلون شخصية واحدة، توضح التقوى الحقيقة التي ينبغي أن ينسج على منوالها، فهم جميعاً أخذوا الدين عن رضا واقتناع، وفقهوا هذا الدين على وجهه الصحيح، وأحيوا القلوب والنفوس به، ووقفوا في وجه الطغيان وقاوموه، وكانوا أصحاب بصيرة، أخذوا أنفسهم بالحق، ولم تشغلهم الدنيا عن إصلاح أنفسهم.
١ - ملكة مصر زوجة فرعون
بلغ الطغيان بفرعون موسى إلى أن يذبح أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، وفي تلك الفترة العصيبة من حياة بني إسرائيل ولد نبي الله موسى، فأمر الله أم موسى أن تضع ابنها في صندوق، ثم تلقيه في نهر النيل، فجرى به النهر إلى بركة في قصر فرعون، فأتي به إلى ملكة مصر زوجة فرعون، فلما رأته ألقى الله حبَّه في قلبها، فتوسلت إلى فرعون أن لا يقتله، لعله ينفعهما، أو يتخذانه ولداً، وهم لا يشعرون ﴿وَقَالَتْ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].
стр. 110
ونجّى الله ﵎ موسى من القتل، وعاش موسى في قصر فرعون، معزَّزاً مكرماً، فقد اتخذته الملكة ابناً لها، وبهذا ظهر عجز فرعون، وقلة علمه، فالذي كان يبحث عنه فرعون، ويريد قتله قبل أن يكبر، ويقضي على ملكه، كان يعيش في قصره، ويأكل طعامه، ويطيعه خدّامه.
وقتل موسى رجلاً من شيعة آل فرعون، ففرّ إلى مدين، وبقي هناك بضع سنين، ثم عاد إلى مصر، وأوحى الله إليه في عودته، وأرسله إلى فرعون وقومه، وطالبه بأن يرسل معه بني إسرائيل، ليخرج بهم إلى الأرض فلسطين، التي أعطاهم إياها في عهده لإبراهيم، فأبى فرعون، وطغا وبغى، وأعاد قتل الأبناء، واستحياء النساء، وفي هذه الفترة التي زاد فيها طغيان فرعون وعلوه آمنت زوجته، وتمردت على زوجها، فعذبها زوجها عذاباً شديداً، فلما اشتد بها العذاب توجهت إلى بها تدعوه، أن يقبضها إليه، وأن يبني لها عنده بيتاً في الجنة، وينجيها من فرعون وعمله، وأن ينجيها من القوم الظالمين، وقد ضرب الله بها المثل في كتابه العزيز، فأبقى ذكراها مثلاً يتلى إلى يوم القيامة، يقتدي به المؤمنون، ويتعظ به الصالحون، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] لقد آثرت امرأة فرعون، وهي الملكة التي حيزت لها الدنيا، آثرت ما عند الله، فأعرضت عن دنيا فرعون، وطلبت ما عند الله ورضوانه، وقد أخبرنا رسولنا ﷺ ، أنه لم يكمل من النساء على مستوى البشرية كلها إلا آسية زوجة فرعون، ومريم بنت عمران [صحيح البخاري: ٣٤١١].
وأخبرنا أن خير نساء العالمين مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ [صحيح ابن حبان: ٦٩٥١].
стр. 111
٢ - مؤمن آل فرعون
في العصر الفرعوني الذي اشتد فيه طغيان فرعون موسى، كان في الأسرة الفرعونية أمير فرعوني، هدى الله قلبه إلى الحق الذي جاء به موسى ﵇، وكان يدافع عن موسى عندما يبحث أمره في أعلى مستوى من مستويات شؤون الحكم، وقد أعلمنا ربنا بما كان من ذلك الأمير في دفاعه عن موسى أمام أعلى مستوى من رجال الدولة عندما أرادوا أن يتخذوا قراراً بقتل موسى، فقال لهم منذراً ومحذراً: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله، وقد جاءكم بالحجج والبينات الدالة على صدقة، فإن كان كاذباً، فعليه كذبه، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي توعدكم به.
ووعظهم قائلاً لهم: أنتم اليوم الملوك، لكم العز والغلب، ولكن من الذي ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، فقال فرعون في رده: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، عند ذلك خوفهم الأمير المؤمن أن ينزل الله تعالى بهم مثل العذاب الذي أنزله بقوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود والذين من بعدهم، والله لم يكن ظالماً عندما أحلّ بأولئك الأقوام ما أحلّه بهم. وخوفهم يوم القيامة الذي هو يوم التناد، حذرهم ذلك اليوم الذي يولون فيه مدبرين ما لهم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد.
وذكرهم بما كان من بعث الله لآبائهم نبيه ورسوله يوسف ﵇، فواجهه كثير منهم بالشك بالدين الذي جاءهم به، حتى إذا هلك قالوا: لن يبعث الله لهم رسولاً من بعده.
وواجه فرعون هذا الخطاب المليء بالحجج والبراهين بمزيد من الظلم والطغيان، وأمر فرعون وزيره هامان بأن، يبني له صرحاً عالياً، ليصعد فيه
стр. 112
ليرى هناك رب الأرض والسماوات، فعاد الأمير المؤمن ليصدع بالحق، وليخاطب بقية الفطرة في نفوس فرعون ومن معه، فذكرهم أن الدنيا متاع قليل، وأن الآخرة هي المتاع الحق، وأنها دار القرار، وأنبهم ووبخهم، فهم يدعوهم إلى النجاة، وهم يدعونه إلى النار، هم يدعونه إلى الكفر والشرك، وهو يدعوهم إلى العزيز الغفار، وبيَّن لهم أن الآلهة التي يدعونها، ويعبدونها آلهة باطلة ليس لها الشيء لا في الدنيا ولا الآخرة، وفوض في نهاية حديثه أمره إلى الله إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله شر ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب.
وقد حدثنا ربنا ﵎ عن ذلك كله في موضع واحد في سورة غافر، فقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ *وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَّبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا
إسلامه، وجاء الرسول ﷺ المدينة مهاجراً، فجعلت ابنها أنساً خادماً له، فخدمه عشر سنين، فاستفاد صحبته وعلمه وأدبه وكونت أم سليم أسرة ظللها الإسلام بظلَّه، واتصلت هذه الأسرة برسول الله ﷺ ، ففاز أعضاؤها كلهم، وسعدوا.
ترجمة أم سليم:
١ - التعريف بأم سليم: اشتهرت هذه المرأة الصالحة بكنيتها، وهي أم سليم، وأصحُّ ما قيل في اسمها أنها الغميصاء أو الرُّميصاء، وهي بنت ملحان ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، الخزرجية الأنصارية [سير أعلام النبلاء: ٢/ ٣٠٤].
وهي والدة الصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، جاء الإسلام، فشرق زوجها بالإسلام، وخرج من المدينة، وهلك بالشام.
٢ - زواج مهره إسلام الزوج: خطب أم سليم بعد هلاك زوجها أبو طلحة، وهو زيد بن سهل بن الأسود النجاري الخزرجي، فقالت له: "أنت كافر، وأنا مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري، فأسلم، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله ﷺ في غزواته، وبقى مجاهداً من بعده، وتوفي في سفينة تجري على ثبج البحر، ودفنوه بعد سبعة أيام في جزيرة نائبة غير معروفة".
٣ - قوة علاقة الرسول ﷺ بها وبأسرتها: وكان رسول الله ﷺ يأتي بيتها، وكان يقبل عندها، وكانت تجمع عرق رسول الله ﷺ إذا نام، وتضعه في قوارير، وتدوف به طيبها، وطيب أهلها، وكانت تهدي لرسول الله ﷺ من تمر بساتين زوجها، فيقبله منها، وكان زوجها يدعو رسول الله ﷺ ، فيأتي صحبة العدد الكبير من أصحابه، فيدعو الرسول ﷺ بالطعام القليل، فيكفي العدد الكثير.
стр. 115
وقد دعا لها الرسول ﷺ ، ودعا لابنها أنس، وأخبر أنها في الجنة.
٤ - قوة قلبها: وكانت تصحب زوجها في غزواته مع رسول الله ﷺ ، وقد اتخذت في بعض تلك الغزوات خنجراً لتجأ به بطن من يقترب منها من الكفار.
٥ - قوة شخصيتها وقوة فقهها في دينها: وقد كانت أم سليم قوية الشخصية، تعقل ما تسمعه، وتتصرف وفق ما تراه صواباً، وقد رأينا كيف سارعت إلى الدخول في الإسلام، وكيف اقتنعت به، واستوعبت أنه الحق، وأن غيره من الأديان باطل، وبخاصة تلك الأصنام التي كانت تعبد في المدينة المنورة والجزيرة العربية، لقد فقهت أنها آلهة باطلة، لا تستحق أن تعبد من دون الواحد الأحد، وقد عارضها زوجها مالك بن النضر فيما ذهبت إليه، فلم تلتفت إلى معارضته، وكانت تلقن ابنها الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا يرضي تصرفها زوجه، ويحاول أن يصدها عن ذلك، فلا تقبل منه.
وعندما كانت تفعل ذلك، وتقول لأنس: "قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن محمداً رسول الله" كان يقول لها زوجها: لا تفسدي عليّ ابني، فتقول: "إنني لا أفسده" [طبقات ابن سعد: ٤٢٥ - ٤٢٦] وقد رأى منها زوجها ما عكَّر مزاجه، وأطار صوابه، فخرج من المدينة إلى الشام، وهناك هلك.
٦ - كيف اختارت زوجها: مات الزوج، وأصبحت أم سليم غير ذات زوج، وطمع في الاقتران بها بعض أفذاذ الرجال، لقد جاءها أبو طلحة خاطباً، وكان مثله مناسباً، تتمناه أي امرأة في المدينة، ولكنها بسهولة ويسر حسمت أمرها، وخاطبته بوضوح وصراحة: "يا أبا طلحة، ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة، لا يصح لي أن أتزوجك".
стр. 116
وقالت له أيضاً: "فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره" [الطيالسي: ٢٠٥٦، بوساطة: أحكام الجنائز: ص ٢٤].
وقالت لأبي طلحة قبل أن يدخل الإسلام تحاجّه: "أرأيت حجراً تعبده، لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبه تأتي بها النجار، فينجرها لك، هل يضرك؟ هل ينفعك؟ ".
قال أبو طلحة: "فوقع في قلبي الذي قالت" [سير أعلام النبلاء: ٢/ ٣٠٥، هامش الكتاب نقلاً عن ابن سعد في الطبقات: ٨/ ٤٢٦].
وذكر ابن سعد في طبقاته [بإسناد صحيح، ٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧] أن أم سليم قالت لأبي طلحة: "إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً، أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتهم فيها النار لاحترقت؟ ".
لقد كانت الحجج التي ساقتها أم سليم حججاً قوية، سهلة الفهم، فاقتنع أبو طلحة، ودخل في الإسلام، وكان إسلامه هو المهر الذي طلبته الزوجة، لم ترد المال والملابس والذهب والفضة، إنها تريد الإسلام دون سواه، لتقترن به.
٧ - عناية أم سليم باليتيمة التي كفلتها: وجاءت أم سليم يتيمة لها، وشكت إليها أن رسول الله ﷺ لقيها، فدعا عليها بأن لا يكبر سنُّها، فأذهلها ما سمعت وانطلقت إلى الرسول ﷺ مسرعة تلوث خمارها، حتى لقيته، فوضَّح لها ما غاب عنها، فعن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس (١)، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة، فقال: «آنت هية؟ لقد كبرت، لا
стр. 117
كبر سنُّك» فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية! قالت الجارية: دعا عليّ نبيّ الله ﷺ أن لا يكبر سنِّي، فالآن لا يكبر سنِّي أبداً، أو قالت: قرني.
فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمرها، حتى لقيت رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما لك يا أمَّ سليم! " فقالت: يا نبي الله! أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أمَّ سليم!» قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنُّها، ولا يكبر قرنها.
قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «يا أمَّ سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشرٌ، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحدٍ دعوت عليه، من أمتي، بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ، أن تجعلها لها طهوراً وزكاة وقربة تقرِّبه بها منه يوم القيامة».
لقد كان الرسول ﷺ مقنعاً لأم سليم فيما علل به دعوته، فعادت بعد علمها أن دعوة الرسول تزيد يتيمتها أجراً، ولا تضيرها.
٨ - قصة أم سليم عندما توفي انبها: كان لأبي طلحة وأم سليم ولد يحبانه حبّاً شديداً، ومرض الطفل، وتضعضع أبو طلحة لمرض ولده، وفي ويوم خرج أبو طلحة للصلاة مع الرسول ﷺ في صلاة العشاء فمات الغلام، فطلبت أم سليم من أهل دارها أن لا يعلم أحد منهم أبا طلحة بموت ولده، فلما عاد مع جمع من أصحابه، سأل عن الغلام، فأخبرته أنه أسكن ما يكون، وقدمت له ولأصحابه العشاء، وبعد أن أويا إلى فراشهما تزينت وتطيبت، فنال منها ما يناله المرء من زوجته، وفي الصباح أخبرته بما كان بطريقة فيها كثير من الروية والحكمة، فالمال والأهلون ودائع، ولا بدّ يوماً أن ترد الودائع.
стр. 118
فأصبح أبو طلحة يخبر الرسول ﷺ بما كان منهما في ليلتهما، فقال الرسول ﷺ : "اللهم بارك لهما"، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني، قالت أم سليم: هو أسكن ما كان فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: وراوا الصبي.
فلما أصبح أبو طلحة أتى الرسول ﷺ فأخبره فقال: «أعرستم الليلة؟» قال: نعم، قال: «اللهم بارك لهما» فولدت غلاماً.
قال لي أبو طلحة: احفظه حتى تأتي به النبي ﷺ ، فأتى به النبي ﷺ ، وأرسلت معه بتمرات، فأخذه النبي ﷺ فقال: «أمعه شيء؟» قالوا: نعم، تمرات، فأخذها النبي ﷺ فمضغها، ثم أخذ من فيه فجعلها في في الصبي وحنكه به، وسماه عبد الله [البخاري: ٥٤٧٠ مسلم: ٢١٤٤].
قليل من النساء والرجال يستطيع أن يفعل فعل أم سليم، فقد أفرغ الله عليها من الصبر أمراً عجباً، فقد عشَّت زوجها وأصحابه، وعندما خرج الضيوف تعطرت وتزينت، وواقعها زوجها، وقد أكرمها الله تعالى، فكانت عاقبتها إلى خير.
٩ - فعل أم سليم في الحروب: كانت أم سليم تخرج مع المقاتلين في الحروب، وتشهد مع رسول الله ﷺ غزواته، وكانت تداوي المرضى، وتقوم على الجرحى، وتنقل الماء على ظهرها، فتفرغه في أفواه المقاتلين، وقد نادت الرسول ﷺ يوم حنين بعد أن أنزل الله عليه نصره، وأمده بجند من عنده قائلة له: "يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك يا رسول الله"، فقال لها الرسول ﷺ : «يا أم سليم، إن الله كفانا وأحسن» [مسند أحمد: ٢١/ ٤٤٠، ورقمه: ١٤٠٤٩. قال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين].
стр. 119
ومما يدل على قوة قلبها أنها اتخذت خنجراً، تريد به بعج بطن من يريدها من الأعداء، وقد أخبرنا أنس ﵁: "أن أبا طلحة جاء إلى الرسول ﷺ يوم حنين يضحك رسول الله ﷺ من أم سليم، قال: يا رسول الله، ألم تر إلى أم سليم مها خنجر"، فقال لها الرسول ﷺ : «ما تصنعين به يا أم سليم؟».
قالت: "أردت إن دنا مني أحد طعنته به" [مسند أحمد: ١٩/ ١٦٢، ورقمه: ١٢١٠٨ وقال محقوه: صحيح على شرط مسلم].
٤ - الصحابي الجليل عاصم بن ثابت قيس
تقديم:
عاصم بن ثابت صحابي جليل، أرسله الرسول ﷺ في ثلّة من أصحابه إلى هذيل بناءً على طلب طائفة منهم، ليعلمهم، فغدروا بهم، وأرادوا أسرهم، فأبى عاصم أن يعطيهم نفسه، وقاتلهم، فرماهم بنبل حتى فنيت نباله، وطاعنهم برمحه، حتى انكسر رمحه، وقتل رجلاً منهم، وجرح اثنين، ودعا ربه أن يحمي جسده من المشركين كما حمى دينه، فأجاب الله دعاءه.
ترجمته:
١ - التعريف به: قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في ترجمته: عاصم بن ثابت بن قيس، يكنى أبا سليمان، شهد بدراً وأحداً، وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ حين ولّى الناس وبايعه على الموت.
وكان من الرماة المذكورين، وقتل يوم أحد من أصحاب لواء المشركين مسافعاً والحارث، فنذرت أمهما سلافة بنت سعد أن تشرب في قحف (١) عاصم الخمر، وجعلت لمن جاءها برأسه مائة ناقة.
стр. 120
٢ - قوة عاصم في دينه: فقدم ناس من هذيل على رسول الله ﷺ ، فسألوه أن يوجه معهم من يعلِّمهم، فوجَّه عاصماً في جماعة، فقال لهم المشركون: استأسروا، فإنا لا نريد قتلكم، وإنما نريد أن ندخلكم مكة، فنصيب بكم ثمناً. فقال عاصم: لا أقبل جوار مشرك، وجعل يقاتلهم حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم، حتى انكسر رمحه، فقال: "اللهم إني حميت دينك أول النهار فاحم لحمي آخره" فجرح رجلين وقتل واحداً، وقتلوه، فأرادوا أن يحتزّوا رأسه فبعث الله الدَّبر (١). فحمته، ثم بعث الله إليه سيلاً في الليل فحمله، وذلك يوم الرَّجيع (٢).
وعن بريدة بن سفيان الأسلمي: أن رسول الله ﷺ بعث عاصم بن ثابت وزيد بن الدَّثنة، وخبيب بن عدي، ومرثد بن أبي مرثد، إلى بني لحيان بالرجيع فقاتلوهم، حتى أخذوا أماناً لأنفسهم إلا عاصماً فإنه أبى، وقال: لا أقبل اليوم عهداً من مشرك، ودعا عند ذلك، فقال: اللهم إني أحمي لك دينك، فاحم لي لحمي، فجعل يقاتل وهو يقول:
ما علّتي وأنا جلدٌ نابل ... والقوس فيها وترٌ عنابل
إن لم أقاتلهم فأمي هابل ... الموت حقّ والحياة باطل
وكلُّ ما حمَّ الإله نازل ... بالمرء، والمرء إليه آئل
قال: فلما قتلوه قال بعضهم لبعض: هذا الذي آلت فيه المكية وهي سلافة، فأرادوا أن يختزّوا رأسه ليذهبوا به إليها، فبعث الله رجلاً من
стр. 121
دبرٍ فلم يستطيعوا أن يحتزّوا (١) رأسه، رواه أبو يعلى الأصبهاني [صفة الصفوة ١/ ٤٦٠].
٥ - الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب
تقديم:
الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ﵁، ابن عم الرسول ﷺ ، أمير المؤمنين وقائدهم في الحبشة، وكان خطيبهم والمحاور عنهم بين يدي النجاشي، رجع هو ومن معهم إلى المدينة المنورة من الحبشة منصرف رسول الله ﷺ من خيبر، ولاّه رسول الله ﷺ إمرة جيش ثالث ثلاثة في معركة مؤتة.
ترجمته:
١ - التعريف بجعفر: قال ابن الجوزي في ترجمته: جعفر بن أبي طالب، أمه فاطمة بنت أسد، وكان أسنّ من عليّ ﵁ بعشر سنين، أسلم جعفر قديماً، وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، ومعه امرأته أسماء، فلم يزل هنالك حتى قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر سنة سبع، قال النبي ﷺ : «ما أدري بأيهما أنا أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر».
٢ - قوة عارضة جعفر في خطبة وجودة حواره: عن أم سلمة قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشيَّ، آمننا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا ان يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، فجمعوا له
стр. 122
أدماً (١) كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً (٢) إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشيّ فيهم، ثم قدِّموا إلى النجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أيكلمهم.
فخرجا فقد ما على النجاشي، فدفعا إلى كل بطريق هديته، وقالا: إنه قد صبأ إلى بلدكم منا غلمانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا ي دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع، وقد بعثنا إلى الملك فهمهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم، فأشيروا إلى الملك بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً، فقالوا: نعم.
ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلَّماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالت بطارقته: صدقوا، فأسلمهم إليهما.
فغضب النجاشي، ثم قال: لا، هيم الله (٣) إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد (٤) قوماً جاوروني، نزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى
стр. 123
أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قال: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ ، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم (١) حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين آخر من هذه الأمم؟
قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: "أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، دعانا إلى الله لنوحِّده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان.
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، وكفٍّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة.
وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدّقناه وآمنا به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما
стр. 124
حرَّم علينا، وأحللنا ما حلَّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذَّبونا، وفتنونا على ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحلّ ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا (١) وحالوا بيننا وبين قومنا خرجنا إلى بلدك، فاخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا تظلم عندم أيها الملك.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، قال: اقرأه عليّ، فققرأ عليه صدراً من (كهيعص) (٢) فبكى والله النجاشي، حتى أخضل لحيته (٣) وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكم أبداً.
قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل إن لهم أرحاماً، فقال: والله لأخبرَّنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. فقالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال فيه الله ، وما جاء به نبينا، كائن في ذلك ما هو كائن.
стр. 125
فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عسى ابن مريم؟ قال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا ﷺ ، هو عبد الله وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قال: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عوداً، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود. ثم قال: اذهبوا فأنتم سيوم (١) بأرضي - والسيُّوم: الآمنون - من سبَّكم غرم، ثم من سبَّكم غرم، ثم من سبَّكم غرم، ردوا عليهما هداياها فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي". [رواه الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في المسند برقم (١٧٤٠)، وهو في السيرة لابن هشام ١/ ٣٥٧ - ٣٦٢].
وعن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدثهم، ويحدثونه، وكان رسول الله ﷺ يسميه أبا المساكين (٢).
٣ - استشهاد جعفر في مؤتة: استشهد جعفر بن أبي طالب بمؤتة سنة ثمانٍ من الهجرة.
وعن ابن عمر قال: وجدنا فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه تسعين ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف.
وعن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ نعى جعفراً وزيداً، نعاهما قبل أن يجيء خبرهما وعيناه تذرفان [صفة الصفوة: ١/ ٥١١ - ٥١٩].
стр. 126
٦ - الصحابي الجليل أبو ذر
تقديم:
الصحابي الجليل أبو ذر ﵁، أصدق الناس لهجة، كان شجاعاً صادقاً جريئاً، دعا قومه إلى الإسلام، فآمنوا شيئاً فشيئاً، صدع بالحق وهو بالشام، فأخرج من الشام، ورجع إلى المدينة، ثم خرج منها إلى الربذة، حتى جاءه الموت، فمات فيها غريباً، وهيأ الله له طائفة من المسلمين، غسلته، وكفنته، وصلّت عليه، ودفنته.
ترجمته:
١ - التعريف به: قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى فيه: أبون ذر، جندب بن جنادة، كان طوالاً آدم، وكان يتعبد قبل مبعث رسول الله ﷺ ، وأسلم بمكة قديماً، وقال: كنت في الإسلام رابعاً، ورجع إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم المدينة، قال خفاف بن إيماء: كان أبو ذر شجاعاً ينفرد وحده، فيقطع الطريق، ويغيره على الصِّرم (١) كأنه السبع، ثم إن الله تعالى قذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبي ﷺ بمكة فأتاه.
وعن عبد الله بن صامت قال: قال أبو ذر: لقد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قال فقلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين تتوجه؟ قال: حيث وجهني الله . قال: وأصلي عشاءً حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء (٢) حتى تعلوني الشمس.
стр. 127
٢ - أبو ذر يبحث عن الرسول ﷺ في مكة: قال أبو ذر: فانطلقنا حتى نزلت بحضرة مكة، وانطلق أخي أنيس فراث (١) عليّ فقتل: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلاً يزعم أن الله أرسله على دينك، قال: فقلت: ما يقول الناس فيه؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر وكاهن.
قال أنيس: قد سمعت قول الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على أقراء الشعراء (٢) فو الله ما يلتام، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
٣ - ما أصاب أبا ذر من الأذى حين سأل أهل مكة عن الرسول ﷺ : قال: فقلت له: هل أنت كافيَّ حتى أنطلق فأنظر؟ قال: نعم فكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له (٣) وتجهموا له. فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت (٤) رجلاً منهم فقلت له: أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إليّ. قال: الصابئ. قال: فمال أهل الوادي عليّ بكل مدرة (٥) وعظم حتى خررت مغشياً عليّ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، فدخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به يا بن أخي ثلاثين، من بين ليلة ويوم، ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن (٦) بطني، وما وجدت في كبدي سخفة (٧) جوع.
стр. 128
٤ - إغلاظ أبي ذر القول لامرأتين: قال: بينما أهل مكة في ليلة قمراء - أي مضيئةٍ - إضحيانٍ (١) وضرب الله على أصمخة أهل مكة (٢) وما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافاً ونائلة (٣)، فقلت: أنكحوا أحدهما الآخر، قال: فما ثناهما ذلك، قال: فأتتا عليّ فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لم أكن، فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا، قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان من الجبل فقالا: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قالا: فما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم.
٥ - مقابلة أبي ذر للرسول ﷺ وأبي بكر: قال: فجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر، فطاف بالبيت، ثم صلى ركعتين، قال: فأتيته فكنت أول من حيّاه بتحية الإسلام، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله (٤) ممن أنت؟» قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده، فوضعها على جبهته. قال: فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، قال: فأردت أن آخذ بيده، فقد عني صاحبه (٥) وكان أعلم به مني، قال: «متى أنت هاهنا؟» قال: قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين يوم وليلة. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع، فقال رسول الله ﷺ : «إنها مباركة، إنها طعامٌ طعم» (٦).
стр. 129
٦ - تضييف أبي بكر لأبي ذر: قال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله ﷺ في طعامه الليلة، قال: ففعل، قال: فانطلق النبي ﷺ وانطلقت معهما، حتى فتح أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها.
٧ - الرسول ﷺ يأمر أبا ذر بالرجوع إلى قومه ودعوتهم إلى الإسلام: فلبثت ما لبثت، ثم قال لي رسول الله ﷺ : إني وجّهت إلى أرض ذات نخل، فلا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك، ويأجرك فيهم، قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيساً. قال فقال لي: ما صنعت؟ قال: قلت: صنعت أبي قد أسلمت وصدّقت. قال: فما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت، ثم أتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت.
فتحملنا حتى أتينا قومنا غفاراً، فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان يؤمهم خفاف بن إيماء بن رخصة الغفاري، وكان سيدهم يومئذ. وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله ﷺ أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم بقيتهم، فقال رسول الله ﷺ : «غفار غفر الله، وأسلم سالمها الله». انفرد بإخراجه مسلم [الحديث صحيح أخرجه مسلم في فضل أبي ذر].
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن أبا ذر لما دخل على رسول الله ﷺ وأسلم، قال له النبي ﷺ : ارجع إلى قومك حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله". وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكبّ عليه فقال: ويلكم ألستم
стр. 130
تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ يعني عليهم. فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، وثاروا إليه، فضربوه فأكب عليه العباس فأنقذه [الحديث أخرجه البخاري في الفضائل، باب إسلام أبي ذر، وأخرجه مسلم في فضائل أبي ذر].
وعن أبي حرب بن أبي الأسود قال: سمعت عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر» [رواه الإمام أحمد، والحديث أخرجه أيضاً باختلاف يسير الترمذي بسند حسن في مناقب أبي ذر برقم ٣٨٠٣ وابن ماجه في المقدمة برقم ١٥٦ والطبراني والبزار].
٨ - خطبة أبي ذر في المسلمين عند الكعبة: وعن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال: يا أيها الناس أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلّغه؟ قالوا: بلى: قال: فإن سفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا ما يصلحكم. قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوماً شديداً حرُّه لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدَّق بما لك لعلك تنجو من عسيرها، اجعل الدنيا مجلسين مجلساً في طلب الحلال، ومجلساً في طلب الآخرة، الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده، اجعل المال درهمين درهماً تنفقه على عيالك من حلّه، ودرهماً تقدمه لآخرتك، الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده.
ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس قد قتلكم حرصٌ لا تدركونه أبداً.
٩ - أبو ذر يرسل إلى صاحب له أصبح أميراً يعظه: وعن نافع الطاحي قال: مررت بأبي ذر فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل العراق. قال: أتعرف
стр. 131
عبد الله بن عامر؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان يتقرأ معي ويلزمني، ثم طلب الإمارة. فإذا قدمت البصرة فترايا (١) له، فإنه سيقول: لك حاجة؟ فقل له: أخلني، فقل له: أنا رسول أبي ذر إليك، وهو يقرئك السلام، ويقول لك: إنا نأكل من التمر، ونشرب من الماء، ونعيش كما تعيش.
فلما قدمت تراءيت له فقال: ألك حاجة؟ فقلت: أخلني أصلحك الله، فقلت: أنا رسول أبي ذر إليك، فلما قلتها خشع لها قلبه، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنا نأكل من التمر، ونشرب من الماء، ونعيش كما تعيش. قال: فحلل إزاره ثم أدخل رأسه في جيبه، ثم بكى حتى ملأ جيبه بالبكاء.
١٠ - أبو ذر العابد الزاهد: عن أبي بكر بن المنكدر قال: بعث حبيب بن مسلمة وهو أمير بالشام إلى أبي ذر بثلاث مائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك، فقال أبو ذر: ارجع بها إليه، أوما وجد أحداً أغرّ بالله منا؟ ما لنا إلا ظلٌّ نتوارى به، وثلّة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل.
وعن جعفر بن سليمان قال: دخل رجل على أبي ذر فجعل يقلّب بصره في بيته فقال: يا أبا ذر أين متاعكم؟ قال: لنا بيت نوجه إليه صالح متاعنا. قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ذر قال: والله لو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فرشكم، والله لوددت أن الله خلقني يوم خلقني شجرةً تعضد ويؤكل ثمرها.
стр. 132
عن ابن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: قال أبو ذر: الصاحب الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملي الخير خير من الصامت، والصامت خير من مملي الشر، والأمانة خير من الخاتم، والخاتم خير من ظن السوء (١).
روى البخاري في أفراده من حديث زيد بن وهب قال: مررت بالرّبذة فقلت لأبي ذر: ما أنزلك هنا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: فينا وفيهم. فكتب يشكوني إلى عثمان، فكتب عثمان: أقدم المدينة، فقدمت، فكثر الناس عليّ كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكر ذلك لعثمان فقالك: إن شئت تنحّيت، فكنت قريباً، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل.
روى ابن سيرين قال: قدم أبو ذر المدينة، فقال عثمان: كن عندي تغدو عليك تروح اللقاح (٢). قال: لا حاجة لي في دنياكم، ثم قال: ائذن لي حتى أخرج إلى الرَّبذة، فأذن له فخرج.
١١ - قصة وفاة أبي ذر: عن إبراهيم الأشتر عن أبيه، عن أم ذر قالت: لما حضر أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض، ولا يدان لي بنعشك، وليس معنا ثوب يسعك كفناً، ولا لك. فقال: لا تبكي وأبشري، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً».
стр. 133
وإني سمعت رسول الله يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتن رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين» (١). وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذبت، ولا كذبت، فأبصري الطريق، قالت: فقلت: أنَّى وقد ذهبت الحاجّ وتقطعت الطرق؟ فقال: انظري، فكنت أشتد إلى الكثيب فأقوم عليه، ثم أرجع إليه فأمرّضه.
قالت: فبينما أنا كذلك إذ أنا برجال على رواحلهم، كأنهم الرُّخم (٢). فألحت بهم، فأسرعوا إليّ ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إليّ، فقالوا: ما لك يا أمة الله؟ قلت: امرؤ من المسلمين تكفّنوه، يموت. قالوا: وما هو؟ قلت: أبو ذر. قالوا صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم.
قالت: ففدَّوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه، حتى دخلوا عليه، فسلموا عليه، فرحب بهم، وقال: أبشروا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً».، وسمعته يقول لنفرٍ أنا فيهم: «ليموتن رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين»، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية أو جماعة، وأنا الذي أموت بفلاة من الأرض، والله ما كذبت ولا كذبت، وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفناً أو لامرأتي ثوب يسعني كفناً لم أكفن إلا في ثوب ولي أو لها، وإني أنشدكم الله لا يكفنّي رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً، قال: فليس من القوم أحد إلا وقد فارق من
стр. 134
ذلك شيئاً إلا فتى من الأنصار فقال: أنا أكفنك في ردائي هذا، وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي (١). قال: أنت فكفني، فكفنه الأنصاري، ودفنه في النفر الذين معه، منهم حجر بن عديّ بن الأدبر، ومالك بن الأشتر في نفر كلهم يمانٍ. [أخرج هذا الخبر في وفاة أبي ذر الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح].
وقد ذكر محمد بن إسحاق في المغازي أن أبا ذر مات بالرَّبذة سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود منصرفه من الكوفة [صفة الصفوة: ١/ ٥٨٤ - ٥٩٩].
٧ - الصحابي الجليل خبيب بن عدي بن مالك
تقديم:
الصحابي الجليل خبيب بن عدي بن مالك أرسله الرسول ﷺ يستطلع الأخبار، فعلمت هذيل به وبمن معه، فلحقوا بهم، وقتلوا بعض أصحاب خبيب، وأسروا خبيباً، وقتلوه بعد أسره، فلم يظهر جزعاً، ولا فزعاً، وهو القائل:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي
ترجمته:
١ - قال ابن الجوزي في ترجمته لخبيب: "شهد خبيب أحداً مع النبي ﷺ ، وكان فيمن بعثه رسول الله ﷺ مع بني لحيان، فأسروه هو وزيد بن دثنة، فباعوهما من قريش فقتلوهما وصلبوهما بمكة بالتنعيم.
стр. 135
وروى البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة عيناً (١)، فأمر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدة (٢) بين عسفان ومكة ذكروا لحيٍّ من هذيل، يقال لهم بنو لحيان، فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزلٍ نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا، فأعطوا بأيدكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً.
فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصماً في سبعة، ونزل إليهم نفر على العهد والميثاق: منهم خبيب، وزيد بن الدَّثنة، ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، فو الله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة، يريد القتلى، فجرّروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنت الحارث موسى ليستحد بها فأعارته فدرج بنيٌّ لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق
стр. 136
بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين فتركوه، فركع ركعتين، وقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً (١)، ولا تبق منهم أحداً".
وقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزع (٢)
ثم قام إليه أبو سروعه عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلمٍ قتل صبراً (٣) الصلاة.
وأبو سروعة أسلم وروى الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأخرج له البخاري في الصحيح ثلاثة أحاديث.
وقال سعيد بن عامر بن حذيم: شهدت مصرع خبيب، وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعه (٤) فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة.
وعن إبراهيم بن إسماعيل قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه: أن رسول الله ﷺ بعثه وحده عيناً إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا
стр. 137
أتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيباً، فوقع إلى الأرض، فانتبذت عنه غير بعيد، ثم التفت فلم أر خبيباً، ولكأنما ابتلعته الأرض فلم ير لخبيب أثر حتى الساعة [صفة الصفوة: ١/ ٦١٩ - ٦٢٢].
٨ - الصحابي المجاهد خالد بن الوليد
تقديم:
الصحابي الجليل المجاهد والقائد الفذ المحنّك خالد بن الوليد، الذي تحبه النفوس، وتتلو سيرته العطرة الألسنة، وتهفو القلوب إلى وجود قائد فذ مثله عندما يحيط بها الأعداء، وتتناوشها السهام من كل جانب.
ترجمته:
١ - التعرف به: قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في ترجمته: هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
يكنى أبا سليمان وأمّه عصماء، وهي لبابة الصغرى بنت الحارث، أخت أم الفضل امرأة العباس.
٢ - إسلام خالد بن الوليد: قال المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، قال: سمعت أبي يحدِّث، قال: قال خالد بن الوليد ﵁: لما أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي حبَّ الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا انصرفت وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمداً سيظهر، ودافعته قريش بالراح يوم الحديبية، فقلت: أين المذهب؟ وقلت: أخرج إلى هرقل، ثم قلت: أخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعاً لهم، مع عيب ذلك عليّ؟ ودخل رسول الله ﵁ مكة عام القضية، فتغيّبت فكتب إليّ أخي:
стр. 138
"لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد، فقلت: يأتي الله به، فقال: ما مثل خالد جهل الإسلام، استدرك يا أخي ما فاتك".
فما أتاني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرتني مقاله النبي ﷺ ، فأرى في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلد أخضر واسع، فقلت: إن هذه لرؤيا، فذكرتها بعد لأبي بكر فقال: هو مخرجك الذي هداك الله فيه للإسلام، والضيق: الشرك، فأجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وطلبت من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد، فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعاً، فأدلجنا سحراً، فلما كنا بالهدّة إذا عمرو بن العاص فقال: مرحباً بالقوم. فقلنا: وبك. فقال: أين مسيركم؟ فأخبرناه وأخبرنا أنه يريد أيضاً النبي ﷺ ، فاصطحبنا، حتى قدمنا المدينة على رسول الله ﷺ أول يوم من صفر سنة ثمان، فلما طلعت على رسول الله ﷺ سلمت عليه بالنبوة، فردّ عليّ السلام بوجه طلق فأسلمت، فقال رسول الله ﷺ : «قد كنت أرى لك عقلاً، رجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير» وبايعت رسول الله ﷺ ، وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدٍّ عن سبيل الله، فقال: «إن الإسلام يجبّ ما قبله»، ثم استغفر لي، وتقدَّم عمرو وعثمان بن طلحة فأسلما، فو الله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحداً من أصحابه فيما يجزبه.
٣ - تولي خالد الإمارة بعد استشهاد الأمراء في مؤتة: وعن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال: لما كان يوم مؤتة، وقتل الأمراء، أخذ اللواء ثابت ابن أقرم، وجعل يصيح يا للأنصار، فجعل الناس يثوبون إليه، فنظر إلى خالد ابن الوليد فقال: خد اللواء يا أبا سليمان، فقال: لا آخذه، أنت أحقُّ به، لك
стр. 139
سنّ، وقد شهدت بدراً، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فو الله ما أخذته إلا لك، وقال ثابت للناس: اصطلحتم على خالد؟ قالوا: نعم، فحمل اللواء، وحمل بأصحابه، ففضّ جمعاً من جمع المشركين.
وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية.
٤ - خالد سيف من سيوف الله: وعن عبد الملك بن عمير، قال: استعمل عمر أبا عبيدة بن الجراح على الشام، وعزل خالد بن الوليد، قال: فقال خالد ابن الوليد: بعث عليكم أمين هذه الأمة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة» [القصة وحديثا خالد وأبي عبيدة أخرجهما الإمام أحمد في المسند (٤/ ٩٠) ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن عبد الملك بن عمير لم يدرك أبا عبيدة، وهو حديث صحيح بشواهده - انظر مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٨)].
٥ - جهاد خالد بن الوليد: قال العلماء بالسير: بعث رسول الله ﷺ خالد ابن الوليد في سرايا، وخرج معه في غزاة الفتح، وإلى حنين، وتبوك، وفي حجة الوداع، فلما حلق رسول الله ﷺ رأسه أعطاه ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته، فكان لا يلقى أحداً إلا هزمه (١).
ولما خرج أبو بكر ﵁ إلى أهل الردة كان خالد بن الوليد يحمل لواءه، فلما تلاحق الناس به استعمل خالداً ورجع إلى المدينة، وكان خالد يقول: ما أدري من أي يوميّ أفرّ؟ من يوم أراد الله أن يهدي لي فيه شهادة، أو من يوم أراد الله أن يهدي لي فيه كرامة؟
стр. 140
٦ - وفاة خالد: ولما عزله عمر بن الخطاب لم يزل مرابطاً بحمص حتى مرض، فدخل عليه أبو الدرداء عائداً فقال: إن خيلي وسلاحي على ما جعلته في سبيل الله ، وداري بالمدينة صدقة، قد كنت أشهدت عليها عمر بن الخطاب، ونعم العون هو على الإسلام، وقد جعلت وصيتي وإنفاذ عهدي إلى عمر، فقدم بالوصية على عمر فقبلها، وترحم عليه.
ومات خالد فقير في بعض قرى حمص على ميل من حمص، وموضعه اليوم في وسط المدينة، سنة إحدى وعشرين، فحكى من غسله أنه ما كان في جسمه موضع صحيح من بين ضربةٍ بسيف أو طعنةٍ برمح أو رمية بسهم.
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى فقال: "لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء".
وعن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه، فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن فانههنّ. فقال عمر: وما عليهن أن يرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
قال وكيع: النقع: الشق، واللقلقة: الصوت ﵁. [صفة الصفوة: ١/ ٦٥٠ - ٦٥٥].
٩ - الصحابي الجلي سعيد بن عامر بن حذيم
تقديم:
هذا الصحابي الجليل سيرته سيرة عطرة، تملك عليك نفسك عندما تتأمل فيها، فإنك راءٍ فيها رجلاً جعل الله بين عينيه، وقصد ربّه في كل أفعاله
стр. 141
وأعماله، ولم يجعل للعباد حظاً فيما يقوم به، استعمله عمر بن الخطاب على حمص، فكان خير والٍ، ولم تشغله الولاية عن طاعة الله، وطالبته زوجته وأصهاره بالدنيا التي بين يديه، فأبى إلا أن يجعلها لله، وحسبه أن عمر ﵁ أبكاه ما كان عليه سعيد.
ترجمته:
١ - التعريف به وزمن إسلامه: قال ابن الجوزي: سعيد بن عامر بن حذيم بن سلامان بن ربيعة الجمحي، أسلم قبل خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ وما بعدها.
٢ - تولية عمر له حمص: وعن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعيد بن عامر، فقال: إنا مستعملوك على هؤلاء، فسر بهم إلى أرض العدو، فتجاهد بهم، فقال: يا عمر، لا تفتنّي، فقال عمر: والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي، ثم تخليتم عني.
وعنه قال: دعا عمر بن الخطاب رجلاً من بني جمح يقال له: سعيد بن عامر بن حذيم، فقال له: إني مستعملك على أرض كذا وكذا. فقال: لا تفتني يا أمير المؤمنين، فقال: والله لا أدعك، قلدتموها في عنقي وتركتموني، فقال عمر: ألا نفرض لك رزقاً؟ قال: قد جعل الله تعالى في عطائي ما يكفيني دونه أو فضلاً على ما أريد.
٣ - زهد سعيد في الدنيا: قال: وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوته منه وتصدّق ببقيته، فتقول له امرأته: أين فضل عطائك؟ فيقول لها: قد أقرضته، فأتاه ناس فقالوا: إن لأهلك عليك حقاً، وإن لأصهارك عليك حقاً، فقال: ما أنا بمستأثر عليهم، ولا بملتمس رضا أحدٍ من الناس لطلب الحور العين، ولو
стр. 142
اطّلعت خيرة (١) من خيرات الجنة، لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس، وما أنا بمتخلف عن العنق الأول بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجمع الله الناس ليوم، فيجيء فقراء المؤمنين فيزفّون كما يزفّ الحمام (٢)، فيقال لهم: قفوا عند الحساب. فيقولون: ما عندنا حساب ولا آتيتمونا شيئاً، فيقول ربهم : صدق عبادي، فيفتح لهم باب الجنة، فيدخلونها قبل الناس بسبعين عاماً» [قال في مجمع الزوائد: (١/ ٢٦١) أخرجه الطبراني، وروى الترمذي في الزهد «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً»].
فبلغ عمر أنه يمر به كذا وكذا لا يدخن في بيته، فأرسل إليه عمر بمال، فأخذه فصرره صرراً، فتصدق به يميناً وشمالاً.
وعن حسان بن عطية قال: لما عزل عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان عن الشام بعث سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي. قال: فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوجه، قال: فما لبث إلا يسيراً، حتى أصابته حاجة شديدة، قال: فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه بألف دينار، قال: فدخل بها على امرأته فقال: إن عمر بعث إلينا بما ترين، فقالت: لو أنك اشتريت أدماً وطعاماً وادخرت سائرها، فقال لها: أو لا أدلّك على أفضل من ذلك؟ نعطي هذا المال من يتجّر لنا فيه، فنأكل من ربحها وضمانها عليه، قالت: فنعم إذاً، فاشترى أدماً وطعاماً، واشترى غلامين وبعيرين يمتاران عليهما حوائجهم وفرقها على المساكين وأهل الحاجة.
стр. 143
قال: فما لبث إلا يسيراً حتى قالت له امرأته: إنه قد نفد كذا وكذا، فلو أتيت ذلك الرجل، فأخذت لنا من الربح، فاشتريت لنا مكانه، قال: فسكت عنها، ثم عاودته فسكت عنها، حتى آذته ولم يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل.
قال: وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله. فقال لها: ما تصنعين؟ إنك قد آذيته، وإنه قد تصدق بذلك قال: فبكت أسفاً على ذلك المال.
قال: ثم إنه دخل عليها يوماً فقال: على رسلك إنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب، ما أحبُّ أني صددت عنهم، وإن لي الدنيا وما فيها، ولو أن خيرة من خيرات الجنان اطّلعت من السماء لأضاءت لأهل الأرض، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكسى خير من الدنيا وما فيها. فلأنت في نفسي أحرى أن أدعك لهن من أن أدعهن لك، قال: فسمحت ورضيت.
٤ - عمر يتعجب مما عليه سعيد: وعن مالك بن دينار قال: لما أتى عمر ﵁ الشام طاف بكورها (١)، قال: فنزل بحضرة حمص، فأمر أن يكتبوا له فقراءهم قال: فرفع إليه الكتاب، فإذا فيه سعيد بن عامر بن حذيم أميرها فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا، قال: أميركم؟ قالوا: نعم. فعجب عمر، ثم قال: كيف يكون أميركم فقيراً، أين عطاؤه؟ أين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئاً. قال: فبكى عمر، ثم عمد إلى ألف دينار، فصرّها ثم بعث بها إليه، وقال: أقرئوه مني السلام، وقولوا: بعث بهذه إليك أمير المؤمنين، تستعين بها على حاجتك، قال: فجاء بها إليه الرسول، فنظر فإذا هي دنانير، قال: فجعل يسترجع، قال: تقول له امرأته: ما شأنك يا فلان أمات
стр. 144
أمير المؤمنين، قال: بل أعظم من ذلك، قالت: فما شأنك؟ قال: الدنيا أتتني، الفتنة دخلت عليّ، قالت: فاصنع فيها ما شئت، قال: عندك عون؟ قالت: نعم. قال فأخذ دريعة (١) فصرّ الدنانير فيها صراراً، ثم جعلها في مخلاة، ثم اعترض جيشاً من جيوش المسلمين، فأمضاها كلَّها. فقالت له امرأته: رحمك الله لو كنت حبست منها شيئاً نستعين به، قال: فقال لها: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض لملأت ريح مسك» وإني والله ما كنت لأختارك عليهن. فسكتت [أخرجه الطبراني في الأوسط، ورمز له السيوطي بأنه صحح. وقد ورد معناه في حديث آخر أخرجه البخاري في الرقاق، والترمذي].
٥ - عمر يكشف الحال الذي اشتكى أهل حمص من سعيد: عن خالد بن معدان قال: استعمل عمر بن الخطاب ﵁ بحمص سعيد بن عامر بن حذيم. فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه، وكان يقال لأهل حمص الكويفة الصغرى، لشكايتهم العمّال. قالوا: نشكوه أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها، قال: وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: وعظيمة، قال: وماذا؟ قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال: عظيمة، قال: وماذا؟ قالوا يغنظ الغنظة بين الأيام، أي: تأخذه موتة.
قال: فجمع عمر بينهم وبينه، وقال: اللهم لا تفيل رأيي (٢) فيه اليوم، ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يخرج حتى يتعالى النهار، قال: والله إن كنت لأكره ذكره، إنه ليس لأهلي خادم، فأعجن عجينهم. ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.
стр. 145
فقال: ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: ما يقولون؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله ، قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: ما يقولون؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجف، ثم أدلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار، قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة (١) بين الأيام. قال: ما يقولون؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذع، فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة. فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً، فتصيبني تلك الغنظة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي فيه [صفة الصفوة: ١/ ٦٦٠ - ٦٦٦].
١٠ - سليمان بن يسار
تقديم:
هذا أحد علماء التابعين، كان يشبه نبي الله يوسف، فقد كان من أحسن الناس وجهاً، وطمعت في جماله أكثر من امرأة، فكان خوفه من الله تعالى يردعه عن الفاحشة، ويقيه السوء.
ترجمته:
١ - التعريف به: قال ابن الجوزي: سليمان بن ياسر مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، ويقال: كان مكاتباً لها يكنى أبا أيوب.