الثابت عن رسول الله ﷺ فإنه مردود على قائله كائنًا من كان.
الوجه الثاني: أن الشاطبي رحمه الله تعالى نقل في كتاب "الاعتصام" عن القرافي أنه قال: «اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسم» ثم ذكر الشاطبي كلام القرافي على الأقسام الخمسة وأتبعه بكلام شيخه عز الدين ابن عبد السلام عليها ثم قال انتهى محصول ما قال وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة فلا يصح أن تحمل أدلة ذم البدع على العموم، بل لها مخصصات.
والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل ع ليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة إلا الكراهية والتحريم. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزم في خرق الإجماع، انتهى المقصود من كلام الشاطبي وقد رد على
стр. 107
القائلين بتقسيم البدع إلى خمسة أقسام ردًا وافيًا شافيًا فليراجع في الجزء الأول من كتاب "الاعتصام".
الوجه الثالث: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد أدخلا في مسمى البدعة أشياء ليست من البدع مثل الرد على أهل البدع وتعليم النحو وبناء المدارس والأذن على المآذن وصنع الإحسان الذي لم يعهد في الصدر الأول والتوسع في المأكل والمشرب، وهذه الأشياء ليست من البدع. ما الرد على أهل البدع فإنه من إنكار المنكر لأن البدع هي أعظم المنكرات بعد الشرك بالله، وهو أيضًا من الجهاد في سبيل الله ومن النصيحة للمسلمين. والآيات والأحاديث في الأمر بإنكار المنكر والحث على ذلك كثيرة جدًا وكذلك الآيات والأحاديث في فضل الجهاد. وكذلك الأحاديث في فضل النصيحة للمسلمين وقد أنكر النبي ﷺ على الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال آخر أنا أصوم ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فقال رسول الله ص: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي ورقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك ﵁، وروى الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ قال أرسل إلى النبي ﷺ فأتيته فقال لي: «أتصوم النهار» قلت: نعم قال: «وتقوم الليل» قلت: نعم قال: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهذه الأعمال التي كان يعملها عبد الله بن عمرو ﵄ والرجلان اللذان قال
стр. 108
أحدهما: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم ولا أفطر كلها من أعمال الخير، ومع هذا فقد أنكرها النبي ﷺ وعدها من الرغبة عن سنته، وفي هذا أبلغ رد على الذين يحتفلون بالمولد لأن الاحتفال به لم يكن من سنة النبي ﷺ .
وقد أنكر الصحابة ﵃، ما ابتدع في زمانهم من البدع، فمن ذلك ما تقدم (١) عن ابن مسعود، وأبي موسى ﵄ أنهما أنكرا على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى، وقال لهم ابن مسعود ﵁: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء»، وفي رواية أنه قال لهم: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ ، أو مفتتحو باب ضلالة»، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه»، وفي رواية أنه قال لهم: «والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالاً بعيدًا»، وفي رواية فأمرهم أن يتفرقوا، وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا».
ولما خرج الخوارج وأظهروا بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين
стр. 109
علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه من الصحابة وقاتلوهم، ولم يخالف أحد من الصحابة ﵃ في إنكار بدعتهم ووجوب قتالهم، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في ذمهم والأمر بقتالهم إذا خرجوا، وليس هذا موضع ذكرها.
ولما أظهر الغلاة من الروافض بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين علي ﵁ وحرقهم بالنار ولم يخالف أحد من الصحابة ﵃ في إنكار بدعتهم إلا أن ابن عباس ﵄ رأى أن يقتلوا قتلا ولا يحرقوا بالنار.
ولما أظهر القدرية بدعتهم أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة ﵃ وتبرءوا منهم.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ دليل على مشروعية الرد على هل البدع، وفيه أيضًا أبلغ رد على من جعل الرد على أهل البدع داخلا في أقسام البدعة.
وأما علم النحو فإنه مهم جدًا إذ به يعرف الإعراب، ويجتنب الإنسان اللحن في كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
وقد روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ هو أول من تكلم فيه ووضع أصوله، وعلي ﵁ أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمر النبي ﷺ بالأخذ بسنتهم، وعلى هذا فلا يجوز عد النحو مع البدع، ومن عده معها فقد أخطأ، وقد رد الشاطبي -رحمه الله تعالى- على من عده من البدع، فقال في أول كتابه الاعتصام بعد أن ذكر البدعة وأنها عبارة عن
стр. 110
طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله -سبحانه-: ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع: أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها: أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين: كعلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فأنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذًا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى.
وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلتها في الفروع العبادية (فإن قيل) فإن تصنيفها على ذلك الوجع مخترع.
(فالجواب) أن له أصلاً في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعيًا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدله التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد فليست ببدعة البتة. وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كل بدعة
стр. 111
ضلالة من غير إشكال، ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحًا وهو باطل بالإجماع فليس إذا ببدعة، ويلزم أن يكون له دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة، فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو، أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا، ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب ﵁ قيام الناس في ليالي رمضان بدعة، وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدًا به، ولا معتمدًا عليه، انتهى.
وأما بناء المدارس فلا يدخل في مسمى البدعة؛ لأن البدعة عبارة عن الإحداث في الدين كما يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وبناء المدارس ليس فيه إحداث في الدين، وإنما فيه الإحسان إلى من بنيت لهم من الناس؛ ليتعلموا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وغير ذلك من العلوم النافعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقد رد الشاطبي في كتاب "الاعتصام" على من جعل بناء المدارس من قبيل البدع، فقال: وأما المدارس فلا يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله بدعة، إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد، وهذا لا يوجد بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل مكان من مسجد، أو منزل، أو سفر وحضر، أو غير ذلك حتى في الأسواق، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعني بإعدادها الطلبة، فلا يزيد بذلك على إعداده له منزلا من منازله، أو حائطًا من حوائطه
стр. 112
أو غير ذلك، فأين مدخل البدعة ههنا، وإن قيل أن البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره، قيل التخصيص ههنا ليس بتخصيص تعبدي، وإنما هو تعيين بالحبس كما تتعين سائر الأمور المحبسة وتخصيصها ليس ببدعة، فكذلك ما نحن فيه، انتهى.
وأما الأذان على المنار فلا يدخل في مسمى البدعة؛ لأن البدعة في الأذان هي لزيادة في ألفاظه، مثل قول الرافضة: أشهد أن عليا ولي الله، وقول بعضهم: أشهد أن عليًا حجة الله، وقولهم: حي على خير العمل، وتكريرهم قول: لا إله إلا الله مرتين في آخر الأذان، ورفعهم الصوت بالصلاة على النبي ﷺ وعلى آله بعد الأذان، فهذا هو المبتدع في الأذان، وأما الأذان على المكان المرتفع فهو مروي عن بلال ﵁ في زمن رسول الله ﷺ ، ومروي أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة ﵄ فأما المروي عن بلال ﵁ فهو في سنن أبي داود عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك واستعينك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة هذه الكلمات، وقد سكت عليه أبو داود، والمنذري، ورواه البيهقي في سننه من طريق أبي داود، وترجم له أبو داود بقوله: "باب الأذان فوق المنارة"، وترجم له البيهقي بقوله: "الأذان في المنارة"، ويستفاد من ترجمتي أبي داود، والبيهقي على حديث عروة أن الأذان فوق المنارة مثل الأذان فوق البيت المرتفع، ولا فرق بينهما.
وروي أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح عن
стр. 113
عروة بن الزبير، قال: أمر النبي ﷺ بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعبة، وقال ابن إسحاق حدثني والدي، حدثني بعض آل جبريل بن مطعم، أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، وروي عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال: قال ابن أبي مليكة أمر رسول الله ﷺ بلالا، فأذن يوم الفتح فوق الكعبة.
وأما المروي عن ابن مسعود ﵁، فقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الأعلى عن الجريري عن عبد الله بن شقيق، قال: من السنة الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد ترجم ابن أبي شيبة على هذا الأثر، والأثر الذي رواه عن عروة بن الزبير بقوله: «في المؤذن يؤذن على المواضع المرتفعة المنارة وغيرها».
وأما المروي عن أبي هريرة ﵁ فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة ﵁ أهكذا كان رسول الله ﷺ يصلي بكم، قال: وما أنكرت من صلاتي، قال: قلت أردت أن أسألك عن ذلك، قال: نعم وأوجز، قال: وكان قيامه قدر ما ينزل المؤذن من المنارة، ويصل إلى الصف، إسناده حسن، أبو خالد هو البجلي الأحمسي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": مقبول، وقد ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: قد صحح له الترمذي، وبقية رجال الإسناد كلهم من رجال الصحيحين.
стр. 114
وفيما ذكرته من الآثار والتراجم عليها كفاية في الرد على من جعل الأذان على المنار من البدع.
وأما صنع الإحسان فإنه من المعروف، وليس من البدع سواء كان معهودًا في الصدر الأول أو لم يكن معهودا فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، والآيات والأحاديث الصحيحة في الحث على الإحسان كثيرة جدًا، وإنما يذم منه ما تجاوز الحد وكان من التبذير.
وأما التوسع في المأكل والمشرب فلا يدخل في مسمى البدعة وإنما هو من المباح ما لم يبلغ إلى حد الإسراف فحينئذ يكون منهيًا عنه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وأما إحداث الربط فإن كان المراد بذلك ما أحدثه الصوفية من اتخاذ الربط والزوايا للاعتزال عن الناس والانقطاع للعبادة فهذا داخل في مسمى البدعة، وليس من المندوبات والدليل على ذلك قول النبي ﷺ في حديث عائشة ﵂: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقوله ﷺ في حديثي أنس وعبد الله بن عمرو ﵃: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية ﵁ «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله - صلى الله عليه
стр. 115
وسلم - في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب معزوة إلى مخرجيها فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على ابن علوي والرفاعي وغيرهما ممن زعم أن إحداث الربط من البدع المندوبة، وقد رد الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه "الاعتصام" على من جعل إحداث الربط من البدع المندوبة فقال: إن عني بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدا للرباط فيها فلا شك إن ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه.
وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع للعبادة لأن إحداث الربط التي شأنها أن تبني تدينًا للمنقطعين للعبادة في زعم المحدثين ويوقف عليها أوقاف يجري منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ولباس وغيرهما لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا، فإن لم يكن لها أصل دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات فضلاً عن أن تكون مندوبًا إليها، وإن كان لها أصل فليست ببدعة فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح.
ثم إن كثيرًا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله ﷺ يجتمع فيها فقراء المهاجرين، وهم الذين نزل فيهم ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية
стр. 116
فوصفهم الله بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه قصدًا لله خالصًا فدل على أنهم انقطعوا لعبادة الله بدعائه قصدًا لله لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها يجتمع فيها من أراد الانقطاع إلى الله ويلتزم العبادة ويتجرد عن الدنيا والشغل بها وذلك كان شأن الأولياء ينقطعون عن الناس ويشتغلون بإصلاح بواطنهم ويولون وجوههم شطر الحق فهم على سيرة من تقدم، وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما بل هي سنة وأهلها متبعون للسنة فهي طريقة خاصة لأناس.
وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس، هكذا غير محققة ولا منزلة على الدليل الشرعي ولا على أحوال الصحابة والتابعين، ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة بحول الله حتى يتبين الحق فيها لمن أنصف ولم يغالط نفسه وبالله التوفيق، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكة أو غيرها، فكان منهم من احتال على نفسه فهاجر بماله أو شيء منه فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها كأبي بكر الصديق ﵁ فإنه هاجر بجميع ماله وكان خمسة آلاف، ومنهم من فرّ بنفسه ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله فقدم المدينة صفر اليدين، وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل، وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في موالهم وهم الأكثرون ومنهم من لم يجد وجهًا يكتسب به لقوت ولا لسكنى فجمعهم النبي ﷺ في صفة كانت في مسجده وهي سقيفة كانت من
стр. 117
جملته إليها يأوون وفيها يقعدون إذ لم يجدوا مالا ولا أهلا، وكان النبي ﷺ يحض الناس على إعانتهم والإحسان إليهم، وقد وصفهم أبو هريرة، ﵁ إذ كان من جملتهم وهو أعرف الناس بهم، قال في الصحيح وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته يعني النبي ﷺ صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فوصفهم أنهم أضياف وحكم لهم كما ترى بحكم الأضياف، وإنما وجبت الضيافة في الجملة لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلا ولا طعامًا لشراء إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشترى، ولا حانات يؤوى إليها فصار الضيف مضطرًا وإن كان ذا مال فوجب على أهل الموضع ضيافته وإيواؤه حتى
يرتحل، فإن كان لا مال له فذلك أحرى فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي ﷺ إلى المسجد حتى يجدوا، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي ﷺ إلى إعانتهم وفيهم نزل ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ألا ترى كيف قال: أخرجوا ولم يقل: خرجوا فإنه قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارًا فبان أنهم إنما خرجوا منها اضطرارًا ولو وجدوا سبيلا أن لا يخرجوا لفعلوا، ففيه دليل على أن الخروج عن المال اختيارًا ليس بمقصود للشارع وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة فلأجل ذلك بوأهم رسول الله ﷺ الصفة فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة كأبي هريرة فإنه قصر نفسه على ذلك، وكان منهم من يتفرغ لذكر الله وعبادته وقراءة القرآن فإذا غزا رسول الله ﷺ غزا معه وإذا أقام أقام معه
стр. 118
حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصار إلى ما صار إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتخاذ المسكن؛ لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض.
فالذي تحصل أن القعود في الصفة لم يكن مقصودًا لنفسه ولا بناء الصفة للفقراء مقصودًا بحيث يقال إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي رتبة شرعية تطلب بحيث يقال إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة وهي الرتبة العليا؛ لأنها تشبه بأهل صفة رسول الله ﷺ الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء بل كان على ما تقدم.
والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها ولا عمرت بعد النبي ﷺ ، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة لكانوا هم أحق بفهمها أولا ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل، وأولى بتجديد معاهدها لكنهم لم يفعلوا ذلك البتة، فالتشبه بأهل الصفة إذًا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والربط لا يصح، فليفهم الموفق هذا الموضع فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين.
ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أفضل من غيره إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر
стр. 119
هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا كفى المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين أن صدور هذه الطائفة المتصفين بالصوفية لم يتخذوا رباطًا ولا زاوية ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والجنيد وإبراهيم الخواص والحارث المحاسبي والشبلي وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان، وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله ﷺ ، وخالفوا السلف الصالح، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها ولا توفيق إلا بالله، انتهى كلام الشاطبي ﵀.
وأما قول الرفاعي وعمل المولد وإن حدث بعد النبي ﷺ وعهد صحابته رضوان الله عليهم ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله ﷺ ولا لإجماع المسلمين فلا يقال بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرًا وبدعة سيئة.
فجوابه أن يقال: إن عيد المولد محدث في الإسلام، والاحتفال بهذا العيد مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه المسلمون منذ زمان رسول الله ﷺ إلى آخر القرن السادس من الهجرة فأما مخالفته للكتاب فإن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله إليهم ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والاحتفال بالمولد داخل في عموم ما نهى الله عنه في هذه الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى لم يأمر به ولا أمر به رسوله ﷺ وإنما أمر به من أحدثه وهو سلطان إربل، فالمحتفلون بالمولد قد اتبعوا سلطان إربل وارتكبوا ما نهى الله عنه من اتباع الأولياء من دونه.
стр. 120
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وعيد المولد داخل في عموم هذه الآية الكريمة لأن الله تعالى لم يشرعه وإنما شرعه سلطان إربل، فالمحتفلون به قد اتبعوا شرعًا لم يأذن به الله.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ والنبي ﷺ لم يأمر أمته أن يحتفلوا بمولده وقد حذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير، وعيد المولد من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ فيكون داخلاً فيما أمر الله تعالى بالانتهاء عنه.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والاحتفال بالمولد لم يكن من هدي الرسول ﷺ ففي الاحتفال به مخالفة للأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ .
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ والآيات في الأمر بطاعة الرسول ﷺ والحث على اتباعه كثيرة جدًا ولا شك أن الاحتفال بالمولد خارج عن طاعة الرسول ﷺ واتباعه كما تقدم بيان ذلك وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
وأما مخالفة عيد المولد للسنة فإن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا
стр. 121
بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» والاحتفال بالمولد لم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هو من محدثات الأمور فيكون داخلاً فيما حذر منه رسول الله ﷺ .
وأيضًا فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية: «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» والاحتفال بالمولد لم يكن من هدي رسول الله ﷺ وإنما حدث بعده بنحو من ست مائة سنة فيكون داخلاً فيما حذر منه وأخبر أنه شر وضلالة.
وأيضًا فإن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» والاحتفال بالمولد محدث في الإسلام فيكون مردودًا بنص رسول الله ﷺ .
وأيضًا فإن النبي ﷺ شرع لأمته سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق، ولم يشرع لهم عيدًا في يوم مولده ولا أمرهم بالاحتفال به، وقد تقدم إيراد الأحاديث الدالة على مشروعية الأعياد السبعة وبيان أن ما سواها من الأعياد المحدثة فهو شر وضلالة فليراجع ذلك في أول الكتاب (١).
стр. 122
وفي قول النبي ﷺ «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وكل ضلالة في النار» أبلغ رد على قول الرفاعي ن عمل المولد لا يقال بأنه مذموم فضلاً عن كونه منكرا وبدعة سيئة.
ومما يرد به على الرفاعي أيضًا قول النبي ﷺ «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁، وهذا لفظ مسلم، وما أخبر به ﷺ عن الخلوف أنهم يفعلون ما لا يؤمرون ينطبق على الذين يحتفلون بالمولد فإنهم يفعلون فيه أفعالا لم يأمر الله بها ولا رسوله، ﷺ وفي الحديث الحث على جهادهم على قدر المستطاع باليد وباللسان أو بالقلب، وفي الحث على جهادهم دليل على أن فعلهم مذموم ومنكر وبدعة سيئة وفي ذلك أبلغ رد على الرفاعي.
وأما مخالفة عيد المولد لما كان عليه المسلمون في القرون الستة الأولى فهو معلوم مما ذكره بعض المؤرخين عن سلطان إربل الملك المظفر أنه هو أول من احتفل بالمولد وجعل ذلك عيدا يعود في كل عام، وكان ابتداعه له في آخر القرن السادس من الهجرة أو في أول
стр. 123
القرن السابع ولم يكن قبل ذلك معروفًا عند المسلمين، ولو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة ﵃، فإنهم كانوا أحرص على الخير ممن جاء بعدهم وكانوا أعظم الأمة محبة للنبي ﷺ وأشدها تمسكًا بسنته واتباعًا لهديه، وقد وصف رسول الله ﷺ الفرقة الناجية من أمته بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه، رضوان الله عليهم.
وأما قول الرفاعي وكون السلف الصالح لم يفعلوه ليس بدليل للمعترض وإنما هو عدم دليل.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذه الجملة مأخوذة من كلام محمد بن علوي المالكي وهي في ص (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"
الوجه الثاني: أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا أسبق إلى الخير وأحرص عليه ممن جاء بعدهم ومع هذا لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولو كان في ذلك خير لسبقوا إليه، وتركهم للشيء مع وجود سببه في زمانهم وعدم المانع من فعله يدل على أنه غير جائز.
الوجه الثالث: أن الله تعالى قال فيما امتن به على نبيه محمد ﷺ وعلى أصحابه، ﵃ وعلى سائر الأمة بعدهم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وفي هذه الآية دليل على أن الاحتفال بالمولد لا يجوز لأنه ليس من الدين الذي أكمله الله تعالى لهذه الأمة في حياة نبيها ورضيه لهم.
стр. 124
الوجه الرابع: أن رسول الله ﷺ قال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله. قال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وحسنه.
وهذا الحديث يدل على أن الاحتفال بالمولد لا يجوز لأنه من الأعمال التي لم يكن عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
الوجه الخامس: ما رواه ابن عبد البر عن ابن مسعود، ﵁ أنه قال: «من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم».
فقد ذكر ابن مسعود، ﵁ أن الصحابة، ﵃ كانوا أقوم الأمة هديًا وأحسنها حالا وأنهم كانوا على الهدى المستقيم، وهم مع هذا لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا فهل يقول عاقل مؤمن أن المحتفلين بالمولد قد أدركوا من الخير ما لم يحصل مثله لأصحاب رسول الله ﷺ أو يقول إن المحتفلين بالمولد كانوا أقوم هديًا, أحسن حالا من أصحاب رسول الله ﷺ كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل ودين.
الوجه السادس: أن يقال إن عيد المولد النبوي قد وجد سببه في
стр. 125
عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃ ولم يوجد مانع يمنع من فعله ومع هذا لم يأمر به رسول الله ﷺ ولم يفعله ولم يأمر به أحد من الخلفاء الراشدين ولم يفعلوه ولم يفعله غيرهم من الصحبة، ﵃، وكما أن أمر النبي ﷺ وفعله حجة فكذلك تركه للشيء مع وجود سببه وعدم المانع من فعله يكون حجة على أنه غير جائز وكذلك ترك الصحابة ﵃ للشيء مع وجود سببه وعدم المانع من فعله يدل على أنه غير جائز والأصل في هذا قول النبي ﷺ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»،
وقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله ﷺ لما سئل عن الفرقة الناجية من هي قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
وهذه الأحاديث الثلاثة تدل على المنع من الأعمال التي لم تكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من عمل الصحابة ﵃ وفيها أبلغ رد على قول ابن علوي والرفاعي إن كون السلف الصالح الأول لم يعملوا المولد ليس بدليل على أنه ممنوع وإنما هو عدم دليل.
وأما قول الرفاعي ويستقيم الدليل على كونه ممنوعا أو منكرًا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله ﷺ في سنته الصحيحة ولم ينه عنه فيهما.
فجوابه أن يقال قد دل الكتاب والسنة على المنع من جميع البدع
стр. 126
والنهي عنها ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع.
فأما الدليل من الكتاب ففي عدة آيات منها قول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وهذه الآية تدل على المنع من الاحتفال بالمولد لأن الله تعالى لم يأمر به ولم يأمر به رسول الله ﷺ ، وإنما أمر به سلطان إربل فالمحتفلون بالمولد قد اتبعوا سلطان إربل وذلك من اتباع الأولياء من دون الله، واتباع الأولياء من دون الله من أعظم المنكرات.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
وهذه الآية عامة لك لبدعة في الدين ومنها بدعة المولد فهي من الشرع الذي لم يأذن به الله.
ومنها أيضًا الآيات الكثيرة في الأمر بطاعة الرسول ﷺ والتحذير من معصيته ومخالفة أمره، والنبي ﷺ قد أمر أمته بالأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وحذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير وأخبرهم أنها شر وضلالة وأنها في النار وأمرهم بردها، وفي هذا أوضح دليل على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع وبيان أنها من المنكرات.
وأما الدليل من السنة فهو ما أشرت إليه آنفًا مما هو ثابت عن النبي ﷺ من حديث العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، ﵃، وكذلك ما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ وقد ذكرت
стр. 127
أحاديثهم في أول الكتاب فلتراجع ففيها أوضح دليل على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع وبيان أنها من المنكرات.
وأما قول الرفاعي:
١٣ - ليس الاحتفال بالمولد من مخترعات الدولة الفاطمية كما أشار الأخ سليمان معرفي في تعليقه على مقالي السابق، بل هو السلطان مظفر صحب إربل المتوفى سنة ٦٣٠ هـ كما ذكرت سابقًا نقلا عن "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٣/ ٢٧٣) وسبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان" وقد أكد ذلك الإمام السيوطي في رسالة "حسن المقصد في عمل المولد" حيث قال: (وأول من أحدث المولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون) وقال ابن كثير في تاريخ عنه (كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهمًا شجاعًا بطلا عاقلا عالمًا عادلاً، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للإفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وست مائة محمود السيرة والسريرة.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال قد قرر الرفاعي في هذه الجملة أن أول من أحدث بدعة المولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي، وقد ذكر ذلك في أول مقاله أيضًا وعلى هذا فلا يخلو الرفاعي من أحد أمرين إما أن يكون جاهلا بما ثبت عن النبي ﷺ أنه حذر أمته من
стр. 128
المحدثات على وجه العموم من غير استثناء شيء منها وما ثبت عنه ﷺ أنه وصف المحدثات بالشر والضلالة من غير استثناء شيء منها وأنه ﷺ قال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وإما أن يكون عالمًا بهذه الأحاديث وببعضها ولكنه لم يبال بها ولم يقم لها وزنًا وما أعظم هذا الأمر وأشد خرطه كما أن الأمر الأول قبيح جدًا ممن ينتسب إلى العلم، ولا محيد للرفاعي من أحد هذين الأمرين الذميمين فليختر لنفسه ما يناسبه منهما.
الوجه الثاني: أن يقال إن ثناء ابن كثير والأسيوطي وغيرهما على سلطان إربل معارض بكلام ياقوت الحموي فيه وهو من معاصريه وقد مات قبله بأربع سنين، وقد دخل ياقوت مدينة إربل واطلع على أحوال سلطانها وغيره من أكابر أهلها، وقد ذكرها في كتابه «معجم البلدان» وذكر سلطانها الملك المظفر كوكبري وقال فيه ما نصه وطباع هذا أمير مختلفة متضادة فإنه كثير الظلم عسوف بالرعية راغب في أخذ الأموال من غير وجهها وهو مع ذلك مفضل على الفقراء كثير الصدقات على الغرباء يسير الأموال الجمة الوافرة يستفك بها الأسارى من أيدي الكفار،
وفي ذلك يقول الشاعر:
كساعية للخير من كسب فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
стр. 129
انتهى كلام ياقوت الحموي وما ذكره عن سلطان إربل من كثرة الظلم والعسف بالرعية وأخذ الأموال من غير وجهها فيه أبلغ رد على من تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه بالعدل وحسن السيرة والسريرة وقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" نقلاً عن سبط ابن الجوزي أنه قال فيما ذكره عن سلطان إربل أنه كان يعمل للصوفية في المولد سماعًا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم.
قلت: وهذا أيضًا مما يزري به ويقدح فيه لأن عمل السماع من البدع المحدثة في الإسلام والبدع كلها شر وضلالة بالنص الثابت عن النبي ﷺ في حديثي العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله ﵄ وكلها مردودة بالنص الثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١).
وأما الرقص فإنه من خوارم المروءة ومما يزري بالعقل والأدب قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الرقص لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، وقال أبو الفرج ابن الجوزي حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب، قال وقال أبو الفواء ابن عقيل قد نص القرآن على النهي عن الرقص فقال ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ والرقص أشد المرح والبطر، وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على أوقاع
стр. 130
الألحان انتهى وقد ذكر الفقهاء أن شهادة الرقاص غير مقبولة لأن الرقص من خوارم المروءة.
وفيما ذكرته في هذا الوجه أبلغ رد على من بالغ في إطراء سلطان إربل وتجاوز الحد في مدحه والثناء عليه.
وأما قول الرفاعي:
١٤ - لقد قيد العلماء رضوان الله عليهم حديث (وكل بدعة ضلالة) بالبدعة السيئة والدليل على هذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه ﷺ (راجع كتاب إقامة الحجة على أن الإكثار من العبادة ليس بدعة تحقيق أبي غدة) ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف الصالح وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل من العشر الأواخر في شهر رمضان (صلاة القيام بعد صلاة التراويح وكختم المصحف فيها وقراءة دعاء ختم القرآن وكخطبة الإمام بالحرمين الشريفين ليلة سبع وعشرين من رمضان في صلاة القيام، وكنداء المنادي بقوله (صلاة القيام أثابكم الله) وكالزيارات والتهاني المتبادلة في ليالي رمضان المبارك، فكل هذا لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من السلف فهل يكون فعلنا له بدعة سيئة.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن أول هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧٢ وصفحة ٢٧٣ من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية"
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي ﷺ قد
стр. 131
أطلق القول في التحذير من المحدثات ووصفها بالشر وأخبر أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وقال ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود والأحاديث في هذا مذكورة في أول الكتاب فلتراجع (١) وإذا كانت أقوال رسول الله ﷺ في التحذير من البدع وذمها والأمر بردها كلها على الإطلاق فلا يجوز لأحد أن يقيدها لأن تقييدها يكون استدراكًا على رسول الله ﷺ وما أعظم ذلك وأشد خرطه وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الوجه الثالث: أن يُقال ما ذكره ابن علوي والرفاعي عن أكابر الصحابة والتابعين أنه قد وقع منهم محدثات لم تكن في زمن النبي ﷺ إن أراد أنه قد وقع منهم محدثات في الدين فهذا لا صحة له، وإن أراد بها المحدثات في غير الدين فهذا غير مدفوع.
فإن اعترض بعض الناس وأورد في هذا ما فعله الخلفاء الراشدون من جمع القرآن وترتيب سوره وكتابته في المصاحف وجمع الناس على إمام واحد في صلاة القيام في رمضان وزيادة التأذين الأول يوم الجمعة قلنا هذه كلها من السنن بنص رسول الله - صلى الله
стр. 132
عليه وسلم -
في حديث العرباض بن سارية، ﵁ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقال في حديث حذيفة ﵁: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقد تقدم كل من الحديثين معزوًا إلى مخرجيه فليرجع إليهما (١).
الوجه الرابع: أن يُقال إن جمع الناس على إمام واحد في آخر الليل من العشر الأواخر من رمضان ليس بمحدث وإنما هو سنة لأن رسول الله ﷺ قد فعله ثم تركه خشية أن يُفرض على أمته، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في قيامه ﷺ بالناس في العشر الأواخر من رمضان في أول الكتاب فلتراجع (٢) وقد ذكر أبو ذر والنعمان بن بشير ﵄ في حديثهما أن رسول الله ﷺ قام بهم ليلة سبع وعشرين حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال أمر عمر بن لخطاب ﵁ أبي بن كعب وتميمًا الداري ﵄، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. وروى مالك أيضًا والبيهقي من طريقه عن عبد الله بن أبي بكر يعني ابن محمد بن عمرو بن حزم قال: سمعت أبي يقول كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر، وروى البيهقي أيضًا عن السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون
стр. 133
على عهد عمر بن لخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة قال: وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان، ﵁ من شدة القيام، وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة وقد تتقدم في رواية السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث والله أعلم انتهى.
وأما قول الرفاعي وكختم المصحف فيها.
فجوابه أن يقال: إن ختم القرآن في العشر الأواخر في رمضان ليس بمحدث فقد روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن حذيفة، ﵁، أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة, وفي رواية لأحمد والنسائي أن ذلك كان في رمضان، وهذا يدل على أنه ﷺ كان يكثر من قراءة القرآن في قيام رمضان، وعلى هذا فلا يبعد أنه كان يختم القرآن في العشر الأواخر من رمضان أكثر من مرة وقد تقدم في خبر السائب بن يزيد أن عمر ﵁ أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، وهذا يدل على أنهم كانوا يطيلون القيام ويكثرون من قراءة القرآن، وعلى هذا فلا يبعد أنهم كانوا يختمون في العشر الأواخر من رمضان أكثر من مرة والله أعلم.
стр. 134
وقد جاء في هذا آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين رواها أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، منها عن عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير أن كلا منهم قرأ القرآن في ركعة، وقرأه سعيد بن جبير أيضًا في ركعتين، وقرأه علقمة في ليلة وكان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان في كل ليلة، وكان ابن مسعود يقرأ القرآن في كل ثلاث، وكان أبي يختم القرآن في ثمان وكان تميم الداري يختم القرآن في سبع، وكان الأسود يقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلتين ويختم في سوى رمضان في ست، وكان علقمة يختمه في خمس، وكان عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم وعروة بن الزبير كل منهم يقرأ القرآن في كل سبع، وكان أبو مجلز واسمه لاحق بن حميد يؤم الحي في رمضان وكان يختم في سبع، وكان المسيب بن رافع يختم القرآن في كل ثلاث.
وفيما ذكرته عن النبي ﷺ وعن بعض الصحابة والتابعين أبلغ رد على زعم الرفاعي أن ختم المصحف في العشر الأواخر من رمضان محدث. وأما قول الرفاعي وقراءة دعاء ختم القرآن.
فجوابه أن يقال: قد ثبت عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم رواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله ثقات. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب "قيام رمضان" "باب الترغيب في الدعاء عند ختم القرآن" ثم ذكر في هذا الباب عن أنس ﵁ أنه كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم. وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن إبراهيم الحربي أنه قال سئل أحمد يعني ابن حنبل، ﵀ عن الرجل يختم القرآن في شهر رمضان في الصلاة، أيدعو
стр. 135
قائمًا في الصلاة أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلم فقال: بل يدعو في الصلاة وهو قائم بعد الختمة، قيل له فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم، وذكر القاضي أيضا عن الفضل بن زياد القطان قال: سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح حتى يكون لنا دعاءان اثنان كيف أصنع؟ قال إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام قلت بم أدعو؟ قال: بما شئت ففعلت كما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ورفع يديه.
وفيما ثبت عن أنس ﵁ وقول الإمام أحمد وفعله رد على الرفاعي حيث جعل الدعاء بعد ختم القرآن من المحدثات، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من أعلم الناس بالسنة وأتبعهم لها فلا يظن به أنه كان يفعل شيئًا محدثًا أو يفتي بجواز المحدثات.
وإذا علم هذا فينبغي لمن أراد أن يدعو بعد ختم القرآن أن يقتصر في الدعاء على الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ وأن يجتنب السجع والكلام الذي لا فائدة فيه.
وأما قول الرفاعي وكخطبة الإمام بالحرمين الشريفين ليلة سبع وعشرين من رمضان في صلاة القيام.
فجوابه أن يقال: ما فعله بعض الأئمة من الموعظة والتذكير في ليلة سبع وعشرين من رمضان قد ترك منذ سنوات فلا متعلق للرفاعي في ذكره.
وأما قوله وكنداء المنادي بقوله (صلاة القيام أثابكم الله).
стр. 136
فجوابه أن يُقال: هذا لا أصل له وينبغي أن يُترك.
وأما قوله وكالزيارات والتهاني المتبادلة في ليالي رمضان المبارك.
فجوابه أن يُقال: هذه من الأمور العادية وليست من العبادات فلا تدخل في مسمى البدعة.
وأما قول الرفاعي:
١٥ - ليس كل بدعة محرمة ولو كانت كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت ورضي الله عنهم القرآن الكريم وكتبه عنهم في حروب الردة ولما تم جمع وتدوين الحديث الشريف في كتب الصحاح والسنن وغيرها ولما ألف علم الفقه والتجويد والتوحيد وغيرها من العلوم الشرعية التي صنفت وابتكرت بعد العهد النبوي الشريف.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يُقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي بعضه بالنص وبعضه بالمعنى وهو في ص (٢٧٢) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال أما قول ابن علوي والرفاعي ليست كل بدعة محرمة فهو قول باطل مردود بقول النبي ﷺ «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة كل ضلالة في النار» وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
فهذه الأحاديث الثابتة تدل على رد البدع في الدين والتشديد فيها، وفي
стр. 137
وصفها بالشر والضلالة والإخبار عنها أنها في النار أوضح دليل على تحريمها والله أعلم.
وأما جمع القرآن وكتابته في المصاحف فهو سنة لقول النبي ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله أيضًا: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».
وأما جمع الحديث وتدوينه والتأليف في التوحيد والفقه والتجويد وغيرها من العلوم الشرعية فالأصل في جواز ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه أن يكتبوا خطبته التي خطب بها يوم الفتح لأبي شاه، وكذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يكتب كل ما سمعه منه، رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم من طرق وصححه الحاكم والذهبي وكذلك كتابة الصحيفة التي كانت عند علي ﵁، وكان فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وأشياء غير ذلك من الحكام، روى ذلك أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن وفي رواية لأحمد عن علي ﵁ أنه قال هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله ﷺ فيها فرائض الصدقة قال الحافظ ابن حجر سنده حسن وكذلك كتاب النبي ﷺ الذي كتبه لعمرو بن حزم وفيه الفرائض والسنن والديات وكذلك كتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي كتبه لأنس ﵁ حين وجهه إلى البحرين وفيه بيان
стр. 138
الصدقة ونصب الزكاة، فهذه الأحاديث هي الأصل في جواز جمع الحديث وتدوينه ثم انعقد الإجماع على الجواز، قال القاضي عياض فيما نقله النووي عنه في شرح مسلم كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع على جوازها وزال ذلك الخلاف. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير، وذكر الحافظ أيضًا أن السلف اختلفوا في كتابة العلم عملا وتركًا وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم انتهى.
وأما قول الرفاعي وأخيرًا نقول إن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف الذي أمرنا به مع المسلم وغيره عندما نجادله ونخاطبه ونناقشه.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن التسامح إنما يكون في الأمور الدنيوية وما لا يخل بالدين، فأما الشرك والبدع في الدين والمعاصي فلا يجوز التسامح فيها، بل يجب إنكار ما ظهر منها وتغييره بحسب القدرة لقول النبي ﷺ «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
стр. 139
أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من بذل جهده في تأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف.
الوجه الثاني: أن يُقال أن النبي ﷺ لم يكن يتسامح في البدع ولا مع أهل البدع، وكذلك الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدي من بعدهم، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا وهي مذكورة في كتب السنة وغيرها من الكتب المؤلفة في ذم البدع والتحذير منها وقد ذكرت طرفًا منها في "تحفة الإخوان، بما جاء في الموالاة والمعادة والحب والبغض والهجران" فلتراجع هناك، وقد قال النبي ﷺ في حديث العرباض بن سارية، ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». وقال في حديث جابر بن عبد الله ﵄: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» زاد النسائي في روايته «وكل
стр. 140
ضلالة في النار» وقال في حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» وقال فيما رواه أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث مع عزوها إلى مخرجيها في أول الكتاب وفي أثنائه فلتراجع (١).
وتقدم أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لما بلغه أن ناسًا يأتونها، وتقدم عنه أيضًا أنه أنكر على الذين يبتدرون إلى مسجد قد صلى فيه رسول الله ﷺ وقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه الصلاة فلا يصل» وتقدم أيضًا عن ابن مسعود ﵁ أنه أنكر أشد الإنكار على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى وقال لهم: «والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة»
وفي رواية أنه قال لهم: «والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا»
وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وقد أنكر عليهم أبو موسى الأشعري أيضًا
стр. 141
وقد أنكر الصحابة ﵃ على الخوارج وقاتلهم علي ﵁ ومن معه، وأنكر الصحابة على الغلاة من الروافض وعلى القدرية، وقد تقدم كل هذا فليراجع (١) ففيه مع ما تقدم قبله من الأحاديث المرفوعة أبلغ رد على من نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف.
الوجه الثالث: أن يُقال إن التسامح في المجادلة والمخاطبة والمناقشة مع المسلمين إنما تكون مع الجاهل منهم إذا وقع منه ما لا يجوز من قول أو فعل فيوعظ بلطف ولين فإن أصر بعد العلم عومل بما يستحقه من هجر أو تأديب، وأما غير الجاهل ممن يكابر في رد الحق أو يجادل في نصر الباطل فإنه يقابل بالشدة ويعامل بما يمنعه ويردعه وأما غير المسلمين فمن رجي إسلامهم فإنهم يجادلون بالتي هي أحسن، ومن لم يرج إسلامهم فإنهم يقاتلون إن أمكن قتالهم والله أعلم.
فصل: والمنكرون لبدعة المولد كثيرون ،
ومنهم شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» فقد بسط القول في ذم أعياد المشركين من أهل الكتاب والأعاجم وغيرهم ثم قال بعد ذلك: ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة فإنها من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه وذلك أن أعياد أهل الكتاب
стр. 142
والأعاجم نهي عنها لسببين أحدهما: أن فيها مشبهة للكفار والثاني: أنها من البدع، فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب لوجهين:
أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية للنسائي «وكل ضلالة في النار» وفيما رواه أيضًا في الصحيح عن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي لفظ في الصحيحين «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
стр. 143
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ يا رسول الله ما عبدوهم قال: «ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» فمن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد
لحقه من هذا الذم نصيب، ويلحق الذم من يبين له الحق فيتركه أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل أو نحو ذلك. قال والأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وهذه المواسم المحدثة إنما نهي عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به، قال واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عظيمة ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بعد كلام طويل أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان ولنفس الزمان ولنفس الاجتماع، قال وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء.
أما الزمان فثلاثة أنواع ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً ولم يكن له ذكر في وقت السلف ولا جري فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونة فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب، والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم وعن هذه الصلاة المحدثة وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية الأيام وحتى لا يكون له مزية أصلاً.
стр. 144
النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا ولا كان السلف يعظمونه كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب فيه النبي ﷺ بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، ثم ذكر الشيخ أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدً حتى يحدث فيه أعمالاً إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام معددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخول المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادًا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثل أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا واليهود، وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنًا وظاهرا، ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم
стр. 145
حرصاء على أمثال هذه البدع مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها إلى أن قال: فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله ﷺ كما قدمته لك، أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد انتهى المقصود من كلامه ملخصا.
وقد علق الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى على موضعين من كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى أولهما قوله: عن الذين يتخذون المولد محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، قال الشيخ حامد الفقي كيف يكون لهم ثواب على هذا وهم مخالفون لهدي رسول الله ﷺ ولهدي أصحابه، فإن قيل لأنهم اجتهدوا فأخطئوا فنقول أي اجتهاد في هذا، وهل تركت نصوص العبادات مجالاً للاجتهاد؟، والأمر فيه واضح كل الوضوح، وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول ﷺ إلى دين اليهود والنصارى والوثنين فعليهم ما يسحقونه من لعنة الله وغضبه، وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله ﷺ بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه والمسارعة إلى