← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17054

الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (256 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد أنكر الصحابة ﵃ على الخوارج وقاتلهم علي ﵁ ومن معه، وأنكر الصحابة على الغلاة من الروافض وعلى القدرية، وقد تقدم كل هذا فليراجع (١) ففيه مع ما تقدم قبله من الأحاديث المرفوعة أبلغ رد على من نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف. الوجه الثالث: أن يُقال إن التسامح في المجادلة والمخاطبة والمناقشة مع المسلمين إنما تكون مع الجاهل منهم إذا وقع منه ما لا يجوز من قول أو فعل فيوعظ بلطف ولين فإن أصر بعد العلم عومل بما يستحقه من هجر أو تأديب، وأما غير الجاهل ممن يكابر في رد الحق أو يجادل في نصر الباطل فإنه يقابل بالشدة ويعامل بما يمنعه ويردعه وأما غير المسلمين فمن رجي إسلامهم فإنهم يجادلون بالتي هي أحسن، ومن لم يرج إسلامهم فإنهم يقاتلون إن أمكن قتالهم والله أعلم. فصل: والمنكرون لبدعة المولد كثيرون ، ومنهم شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» فقد بسط القول في ذم أعياد المشركين من أهل الكتاب والأعاجم وغيرهم ثم قال بعد ذلك: ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة فإنها من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه وذلك أن أعياد أهل الكتاب

стр. 142

والأعاجم نهي عنها لسببين أحدهما: أن فيها مشبهة للكفار والثاني: أنها من البدع، فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية للنسائي «وكل ضلالة في النار» وفيما رواه أيضًا في الصحيح عن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي لفظ في الصحيحين «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا

стр. 143

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ يا رسول الله ما عبدوهم قال: «ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» فمن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب، ويلحق الذم من يبين له الحق فيتركه أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل أو نحو ذلك. قال والأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وهذه المواسم المحدثة إنما نهي عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به، قال واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عظيمة ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بعد كلام طويل أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان ولنفس الزمان ولنفس الاجتماع، قال وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء. أما الزمان فثلاثة أنواع ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً ولم يكن له ذكر في وقت السلف ولا جري فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونة فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب، والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم وعن هذه الصلاة المحدثة وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية الأيام وحتى لا يكون له مزية أصلاً.

стр. 144

النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا ولا كان السلف يعظمونه كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب فيه النبي ﷺ بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، ثم ذكر الشيخ أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدً حتى يحدث فيه أعمالاً إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام معددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخول المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادًا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثل أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا واليهود، وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنًا وظاهرا، ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم

стр. 145

حرصاء على أمثال هذه البدع مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها إلى أن قال: فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله ﷺ كما قدمته لك، أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد انتهى المقصود من كلامه ملخصا. وقد علق الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى على موضعين من كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى أولهما قوله: عن الذين يتخذون المولد محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، قال الشيخ حامد الفقي كيف يكون لهم ثواب على هذا وهم مخالفون لهدي رسول الله ﷺ ولهدي أصحابه، فإن قيل لأنهم اجتهدوا فأخطئوا فنقول أي اجتهاد في هذا، وهل تركت نصوص العبادات مجالاً للاجتهاد؟، والأمر فيه واضح كل الوضوح، وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول ﷺ إلى دين اليهود والنصارى والوثنين فعليهم ما يسحقونه من لعنة الله وغضبه، وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله ﷺ بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه والمسارعة إلى

стр. 146

الوثنية واليهودية والنصرانية، ومن هم أولئك الذين أحيوا تلك الأعياد الوثنية هل هم مالك، أو الشافعي، أو أحمد، وأبو حنيفة، أو السفيانان، أو غيرهم من أئمة الهدي ﵃ حتى يعتذر لهم ولأخطائهم كلا بل ما أحدث هذه الأعياد الشركية إلا العبيديون الذين أجمعت الأمة على زندقتهم، وأنهم كانوا أكفر من اليهود والنصارى وأنهم كانوا وبالا على المسلمين وعلى أيديهم وبدسائسهم وما نفثوا في الأمة من سموم الصوفية الخبيثة، انحرف المسلمون عن الصراط المستقيم حتى كانوا مع المغضوب عليهم والضالين وكلام شيخ الإسلام نفسه يدل على خلاف ما يقول من إثابتهم؛ لأن حب الرسول وتعظيمه الواجب على كل مسلم إنما هو باتباع ما جاء به من عند الله كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. الموضع الثاني: قوله وكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع ما لهم فيها من حسن القصد الذي يرجى لهم به المثوبة إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره، قال الشيخ حامد الفقي: فكيف مع هذا يرجى لهم ثواب أو تقبل منهم دعوى حسن قصد، وهل الأعمال الظاهرة إلا عناوين للمقاصد والنوايا وإذا كان لهؤلاء ثواب على بدعتهم فليكن لليهود والنصارى وكل كافر إذا ثواب على ما يأتون من الكفر والوثنية لأنهم يقسمون جهد أيمانهم أنهم لا يقصدون به إلا الإحسان والتوفيق انتهى كلام الشيخ حامد الفقي. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الذين يتخذون المولد عيدًا أن الله تعالى قد يثيبهم، وقوله أيضًا: أنه يرجى لهم

стр. 147

المثوبة على حسن القصد والاجتهاد، وقوله أيضًا: إن تعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون فيه أجر عظيم، كل هذا فيه نظر وقد تتقدم حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومسّاكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي ورواه النسائي ولفظه: «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وفي النص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار أوضح دليل على أنه لا ثواب ولا أجر للذين يأخذون المولد عيدًا بل فيه دليل على الوعيد الشديد لهم؛ لأنهم قد فعلوا شرًا وضلالة وقد قال ﷺ : «وكل ضلالة في النار». وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وفي هذه الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن خالف أمر الرسول ﷺ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: مر رسول الله ﷺ هو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان انتهى. قلت: ولا يخفى ما في اتخاذ المولد عيدًا من الزيادة على ما شرعه الله ورسوله ﷺ من الأعياد وما في ذلك من مخالفة

стр. 148

الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، وارتكاب ما حذر النبي ﷺ منه حيث قال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وعلى هذا فالذين يتخذون المولد عيدًا ليسوا من الذين ترجى لهم المثوبة على هذه البدعة وإنما هم من الذين تخشى عليهم العقوبة على مخالفتهم للأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وفي هذه الآية وعيد شديد لمن خالف أمر الرسول ﷺ وارتكب نهيه، ومن ذلك اتخاذ المولد عيدًا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به ولم يكن من هديه ولا من عمل أصحابه ﵃ وإنما هو نوع من أنواع المحدثات التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة، وما كان بهذه المثابة فإنه لا يرجى لفاعليه مثوبة وإنما تخشى عليهم العقوبة. وقد تقدم (١) ما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع، وأن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع وأنه ليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه على

стр. 149

لسان رسوله ﷺ من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، وأنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة، وأن من خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذ كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ فليراجع كلامه ففي كل جملة منه رد على الذين يتخذون المولد عيدًا، ورد أيضًا لقوله عن الذين يتخذون المولد عيدًا أن الله قد يثيبهم ولقوله أيضًا أنه يرجى لهم المثوبة على حسن القصد والاجتهاد ولقوله أيضًا أن تعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم فكلام الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الجمل الثلاث مردود بكلامه الذي تقدم ذكره في أثناء الكتاب (١) ومردود أيضًا بقوله في كلامه الذي تقدم ذكره قريبًا (٢) أن سائر الأعياد والمواسم المبتدعة من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه، وبقوله أيضًا: إن ما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب. وبقوله أيضًا: إن من ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به

стр. 150

الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، وبقوله إن من أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من الذم نصيب، فلتتأمل هذه الجمل من كلام شيخ الإسلام أبي العباس، رحمه الله تعالى ففيها رد لما جاء في كلامه من رجاء المثوبة والأجر العظيم للذين يخذون المولد عيدًا ويعظمونه وكيف ترجى المثوبة والأجر العظيم للذين لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله وكان عملهم مخالفًا لهدي رسول الله ﷺ وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان هذا بعيد جدًا والله أعلم. وقد ذكر الشاطبي في كتاب «الاعتصام» ما جاء في المبسوطة عن يحيى بن يحيى أنه ذكر الأعراف وأهله فتوجع واسترجع، ثم قال: قوم أرادوا وجهًا من الخير فلم يصيبوه فقيل له: يا أبا محمد أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب فقال ليس في خلاف السنة رجاء ثواب انتهى، وفيه رد لما جاء في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس أيضًا في جواب له في صفحة ٢٩٨ من المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى، وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها انتهى. ومن المنكرين لبدعة المولد من أكابر العلماء المحققين إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي رحمه الله تعالى فقد ذكر بعض

стр. 151

أنواع البدع في أول كتابه «الاعتصام» وعد منها اتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدًا وكلامه في ذم المولد في صفحة ٣٤ من الجزء الأول المطبوع في مطبعة المنار بمصر سنة ١٣٣١ هـ. ومنهم أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» فقد قال فيه «فصل في المولد» ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جمة، فمن ذلك استعمالهم الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع، ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومحرمات ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه فكيف به إذا انضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي ﷺ الكريم على ربه وقد نقل ابن الصلاح رحمه الله تعالى أن الإجماع منعقد على أن آلات الطرب إذا اجتمعت فهي محرمة، ومذهب مالك أن الطار الذي فيه الصراصر محرم، وكذلك الشبابة، ويجوز الغربال لإظهار النكاح فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبني تعظيم هذا الشهر الكريم الذي من الله تعالى علينا فيه بسيد الأولين والآخرين، ثم أطال الكلام في ذكر المولد وصرح في عدة مواضع من كلامه أنه بدعة وأطال الكلام أيضًا في ذكر ما يفعل فيه من أنواع المنكرات من الغناء والرقص واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات التي ذكرها وبالغ في ذمها والتحذير منها إلى أن قال: ألا ترى أنهم لما خالفوا السنة المطهرة وفعلوا المولد

стр. 152

لم يقتصروا على فعله، بل زادوا عليه ما تقدم ذكره من الأباطيل المتعددة فالسعيد من شد يده على امتثال الكتاب والسنة والطريق الموصلة إلى ذلك وهي اتباع السلف الماضين؛ لأنهم أعلم بالسنة منا إذ هم أعرف بالمقال وأفقه بالحال، وكذلك الاقتداء بمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وليحذر من عوائد أهل لوقت وممن يفعل العوائد الرديئة وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع فإن خلا منه وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط، إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى بل وجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه لأنهم أشد الناس اتباعًا لسنة رسول الله ﷺ وتعظيمًا له ولسنته ﷺ ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم إلى أن قال: ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى مخالفة السنة ما أشنعها، ألا ترى أنهم لما ابتدعوا فعل المولد على ما تقدم تشوفت نفوس النساء لفعل ذلك. وقد تقدم ما في مولد الرجال من البدع والمخالفة للسلف الماضين فكيف إذا فعله النساء لا جرم أنهن لما فعلنه ظهرت فيه عورات جمة ومفاسد عديدة، ثم ذكر بعض لمفاسد التي تقع في المولد الذي تفعله النساء إلى أن قال: وقد تقدم أن خروج المرأة لا يكون إلا لضرورة شرعية، وخروجها للمولد ليس لضرورة شرعية بل للبدع والمناكر والمحرمات، قال: ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد بالأغاني والفرح والسرور لأجل مولده، ﵊ في هذا الشهر الكريم، وهو ﵊ انتقل فيه إلى

стр. 153

كرامة ربه وفجعت الأمة فيه وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا، فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير لما أصيب به، فانظر في هذا الشهر الكريم كيف يلعبون فيه ويرقصون ولا يبكون ولا يحزنون، ولو فعلوا ذلك لكان أقرب إلى الحال، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان أيضًا بدعة، ولو قال قائل أنا أعمل المولد للفرح والسرور لولادته ﷺ ثم أعمل يومًا آخر للمأتم والحزن والبكاء عليه. فالجواب أنه قد تقدم أن من عمل طعامًا بنية المولد ليس إلا، وجمع له الإخوان فإن ذلك بدعة فكيف إذا كرر ذلك مرتين مرة للفرح ومرة للحزن فتزيد البدع ويكثر اللوم عليه من جهة الشرع؟، انتهى المقصود من كلامه ملخصا وفيه رد على ما زعمه الرفاعي تقليدًا للسيوطي، حيث أوهم من لا علم عندهم أن كلام ابن الحاج على عمل لمولد حاصله مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، والواقع في الحقيقة بخلاف ما زعمه السيوطي ومن قلده فإن ابن الحاج قد صرح في عدة مواضع من كلامه أن عمل المولد من البدع، وصرح أيضًا أنه زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين. وقد جاء في أول كلام ابن الحاج في ذم المولد جملة ينبغي التنبيه عليها وهي قوله: «فكان يجب أن يزاد فيه أي في شهر ربيع الأول من العبادات والخير شكرًا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي ﷺ لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته، ﷺ بأمته ورفقه بهم لأنه ﵊ كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم، لكن أشار

стр. 154

عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله ﵊: «ذلك يوم ولدت فيه» فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة إلى أن قال: فإن قال قائل قد التزم ﵊ ما التزمه في الأوقات الفاضلة مما قد علم ولم يلتزم في هذا الشهر ما التزمه في غيره، فالجواب إن المعنى الذي لأجله لم يلتزم ﵊ شيئًا في هذا الشهر الشريف إنما هو ما قد علم من عادته الكريمة في كونه ﵊ يريد الخفيف عن أمته - إلى أن قال- فتعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات انتهى. والجواب: أن يُقال أما زعمه أنه يجب أن يزد في شهر ربيع الأول من العبادات والخير فهو مردود بقوله: إن النبي ﷺ لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، وإذا كان النبي ﷺ لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات فلا يجوز لأحد أن يزيد فيه شيئًا لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع، وقد قال الله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقال ﷺ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال - صلى

стр. 155

الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١). وأما قوله إن النبي ﷺ لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات رحمة بأمته ورفقًا بهم. فجوابه أن يقال إنه يجب على كل أحد أن يتبع هدي رسول الله ﷺ ولا يزيد عليه فإن الزيادة على هديه شر وضلالة كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: «وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة». وقال أيضًا: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». وأما قوله أن النبي ﷺ أشار إلى فضيلة شهر ربيع الأول بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذلك يوم ولدت فيه». فجوابه أن يُقال إنه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على فضيلة شهر ربيع الأول وإنما جاء عنه الترغيب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع في السنة كلها كما جاء عنه الترغيب في صيام يوم الخميس أيضًا، وقد علل صيامهما بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم. وقد

стр. 156

ذكرت الوارد في ذلك في أول الكتاب فليراجع (١) ففيه أبلغ رد على من توهم أن ترغيب النبي ﷺ في صيام يوم الاثنين إنما أراد به الإشارة إلى فضيلة شهر ربيع الأول ولو كان الأمر على ما توهمه هذا القائل لكان الترغيب في صوم يوم الاثنين مقصورا على أيام الاثنين التي تكون في شهر ربيع الأول دون غيره من سائر الشهور. وأما قوله: فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة. فجوابه: أن يُقل إن الله تعالى قد نوه في كتابه العزيز بذكر شهر رمضان وأشهر الحج وعشر ذي الحجة ويوم الحج الأكبر وأيام التشريق والأشهر الحرم، ولم يذكر غيرها من الشهور، وعلى هذا فلا ينبغي أن يسوى في التفضيل بين ما نوه الله بذكره من الشهور والأيام وبين ما لم يذكر في القرآن فإن هذا من الجمع بين ما فرق الله بينه. وأما قوله: إن المعنى الذي لأجله لم يلتزم ﵊ في شهر ربيع الأول ما التزمه في غيره إنما هو ما قد علم من عادته في كونه ﵊ يريد التخفيف عن أمته. فجوابه: أن يُقال ليست إرادة النبي ﷺ التخفيف على الأمة خاصة بشهر ربيع الأول وإنما هي عامة في جميع الأشهر، ولم يأت عنه ﷺ ما يدل على أنه كان

стр. 157

يريد الإكثار من العمل في شهر ربيع الأول وأنه ترك ذلك قصدًا للتخفيف على الأمة وإنما هذا من التوهمات التي لم تستند إلى دليل. وأما قوله فتعظيم هذا الشهر إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات. فجوابه أن أقول قد ذكرت قريبًا القاعدة المشهورة: وهي أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع، وبناء على هذه القاعدة فإنه لم يقم دليل على ما ذهب إليه ابن لحاج في تعظيم شهر ربيع الأول، وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل، وقد كرر القول في ذم المولد وصرح في عدة مواضع من كلامه بأنه بدعة ومع هذا فقد قابل بدعة المولد ببدعة أخرى وهي الترغيب في تعظيم شهر ربيع الأول بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات وغير ذلك من القربات، وهذه البدع كلها مردودة بقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وبقوله أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني» وبقوله أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» وقد تقدمت هذه الأحاديث وأشرت إلى مواضعها قريبًا. وممن ألف في إنكار بدعة المولد وذمها تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية وقد سمي كتابه «المورد في الكلام على عمل المولد» وقال فيه بعد لخطبة ما بعد فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في

стр. 158

الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك فقلت وبالله التوفيق؛ لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون بدليل أنا إذا درنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا وليس بواجب إجماعًا ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ولا جائز أن يكون مباحًا لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حرامًا وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين. أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئًا من الآثام وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام. والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه لا سيما إن أنصاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد وهذا لا يختلف في تحريمه اثنان إلى أن قال هذا مع أن الشهر الذي ولد

стр. 159

فيه ﷺ وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، انتهى المقصود من كلامه ملخصًا، وممن كتب في إنكار بدعة المولد أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي وشيخه بشير الدين القنوجي ذكر ذلك شمس الحق في تعليقه على "كتاب الأقضية والأحكام" من سنن الدارقطني عند الكلام على حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» قال شمس الحق ولشيخنا العلامة بشير الدين القنوجي في ذلك الباب كتاب مستقل سماه "غاية الكلام في إبطال عمل المولد والقيام". وممن كتب في إنكار بدعة المولد وذمها رشيد رضا في ﷺ ١١١ من الجزء السابع عشر من المنار وهو أيضًا في ﷺ ١٢٤٢ - ١٢٤٣ من المجلد الرابع من فتاوى رشيد رضا فقد سئل عن قراءة القصص المسماة بالموالد هل هي سنة أم بدعة ومن أول من فعل ذلك فأجاب بقوله: «هذه الموالد بدعة بلا نزاع وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر». قلت قد جزم السيوطي في رسالته التي سماها "حسن المقصد في عمل المولد" أن أول من أحدث الاحتفال بالمولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وكانت وفاته في سنة ثلاثين وست مائة وقد ذكر ابن كثير وابن خلكان وغيرهما عنه أنه كان يعمل المولد في ربيع الأول. ولرشيد رضا أيضًا جواب آخر عن بدعة المولد وهو مذكور في ص٦٦٤ - ٦٦٨ من الجزء التاسع والعشرين من المنار، وهو أيضًا

стр. 160

في ص٢١١٢ - ٢١١٥ من المجلد الخامس من فتاوى رشيد رضا. قال فيه سئل الحافظ ابن حجر عن الاحتفال بالمولد النبوي هل هو بدعة أم له أصل، فأجاب بقوله: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن جرد عمله في المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا. وأقول إن الحافظ رحمه الله تعالى حجة في النقل فقد كان أحفظ حفاظ السنة والآثار ولكنه لم يؤت ما أوتي الأئمة المجتهدون من قوة الاستنباط فحسبنا من فتواه ما تعلق بالنقل وهو أن عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من سلف الأمة الصالح من أهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون بشهادة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ومن زعم بأنه يأتي في هذا الدين بخير مما جاء به رسول الله ﷺ وجرى عليه ناقلو سنته بالعمل فقد زعم أنه ﷺ لم يؤد رسالة ربه كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد أحسن صاحب عقيدة الجوهرة في قوله. وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف وأما قول الحافظ: من عمل فيه المحاسن وتجنب ضدها كان عمله بدعة حسنة ومن لا فلا ففيه نظر، ويعني بالمحاسن قراءة القرآن وشيء من سيرة النبي ﷺ في بدء أمره من ولادته وتربيته وبعثته والصدقات وهي مشروعة لا تعد من البدع، وإنما البدعة فيها جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص، وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث

стр. 161

يظن العوام والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب المطلوبة شرعًا وهو بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله، ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم فكيف إذا وصل الجهل بالناس إلى تكفير تاركه؟ كأنه من قواعد العقائد المعلومة من الدين بالضرورة، ليس يعد في هذه الحال وبين هؤلاء الجهال من أكبر كبائر البدع التي قد تقوم الأدلة على كونها من الكفر بشرطه فإن الزيادة في ضروريات الدين القطعية وشعائره، كالنقص منها يخرجه عن كونه هو الدين الذي جاء به خاتم النبيين عن الله تعالى القائل فيه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فهو تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له ويقتضي أن مسلمي الصدر الأول كان دينهم ناقصًا أو كفارًا، وقد ورد أن أبا بكر وعمر وابن عباس ﵃ قد تركوا التضحية في عيد النحر لئلا يظن الناس أنها واجبة، أفلا يجب بالأولى ترك حضور هذه الحفلات المولدية وإن خلت من القبائح واشتملت على المحاسن؛ لئلا يظن العوام أنها من الفرائض التي يأثم فاعلها (١) أو يكفر كما يقول بعض مبتدعة العلويين الجاهلين فكيف إذا كانت مشتملة على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه الحفلات، وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ وإنشاد بعض الشعر أو الأغاني في ذلك فهو من جملة هذه البدع، وقد صرح بذلك الفقيه ابن حجر المكي الشافعي الذي يعتمد هؤلاء العلويون على كتبه في دينهم فقال عند ذكر الإنكار على من يقوم عند

стр. 162

قراءة ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ما نصه ونظير ذلك فعل كثير عند مولده ﷺ ، ووضع أمه له من القيام، وهو أيضًا بدعة لم يرد فيه شيء، على أن العوام إنما يفعلون ذلك تعظيما له ﷺ فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص انتهى من الفتاوى الحديثية (٦٠). وإنما يصح قول الحافظ ابن حجر في كون حفلة المولد بدعة حسنة بشرط خلوها من المساوئ والمعاصي المعتادة فيها إذا كان القائمون بها لا يعدونها من القرب الثابتة في الشرع بحيث يكفر تاركها أو يأثم أو يعد مرتكبًا للكراهة الشرعية، فإن البدعة التي تعتريها الأحكام الخمسة ويقال إن منها حسنة وسيئة هي البدع في العادات، وأما البدع في الدين فلا تكون إلا سيئة كما صرح به المحققون وذكر ذلك الفقيه ابن حجر الهيتمي المكي في موضعين من الفتاوى الحديثية، انتهى المقصود من كلامه. وقد سئل رشيد رضا عن معنى البدعة والمحدثة في قول النبي ﷺ «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار». فأجاب بقوله: كل ما أحدثه الناس في أمر الدين ولم يأخذوه من كتاب الله أو سنة رسوله المبينة لكتابه فهو بدعة سيئة وضلالة يستحق متبعها العقوبة في النار، فقد أتم الله الدين وأكمله فمن زاد فيه كمن نقص منه كلاهما جان عليه وغير راض بما شرعه الله، وأعني بالدين هنا مسائل العقائد والعبادات والحلال والحرام دون الأحكام الدنيوية التي فوض الشرع أمرها إلى أولي الأمر ليقيسوها على الأصول العامة التي وضعها لها، ذلك أن الجزئيات لا تنحصر فيحددها الشرع، بل تختلف باختلاف العرف والزمان والمكان فمن ابتدع طريقة لتسهيل

стр. 163

التعامل أو التقاضي غير ما كان عليه السلف وكانت نافعة غير منافية للأصول الشرعية العامة كبعض نظام المحاكم الجديد كان له أجر ذلك، وأما ما يعتقد في الله واليوم الآخر وما يتقرب إلى الله تعالى به من العبادة فهو لا يختلف ولذلك لا يقبل رأي أحد فيه، بل يؤخذ كما ورد عن الشارع من غير زيادة ولا نقصان انتهى. وممن كتب في إنكار بدعة المولد وذمها محمد بن عبد السلام خضر الشقيري في كتابه المسمى «بالسنن والمبتدعات» قال فيه «فصل» في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه، لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر ولا عبادة ولا نفقة ولا صدقة ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجمع والأعياد التي رسمها لنا الشارع، صلوات الله وتسليماته عليه وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين ففي هذا الشهر ولد ﷺ وفيه توفي فلما يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته فاتخاذ مولده موسمًا والاحتفال به بدعة منكرة ضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة وأتباعهم، لا شك أنه ما أحدثه إلا المتصوفون الأكالون البطالون أصحاب البدع، وتبع الناس بعضهم بعضًا فيه إلا من عصمه الله ووفقه لفهم حقائق دين الإسلام. ثم أي فائدة تعود وأي ثواب في هذه الأموال الباهظة التي تعلق بها هذه التعاليق وتنصب بها هذه السرادقات وتضرب بها الصواريخ وأي رضا لله في اجتماع الرقاصين والرقاصات والمومسات والطبالين والزمارين واللصوص والنشالين والحاوي والقرداتي، وأي خير في اجتماع ذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء، أهل الإلحاد في أسماء الله والشخير والنخير والصفير بالغابة والدق بالبارات والكاسات والشهيق والنعيق بأح أح يا ابن المرة أم أم أن أن

стр. 164

سابينها يا رسول الله يا صاحب الفرح المداا آد يا عم يا عم، اللع اللع، كالقرود. ما فائدة هذا كله؟ فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوروبا فيفهمون أن محمدًا ﷺ حاشاه حاشه كان كذلك هو وأصحابه فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم هو خراب ودمار فوق ما فيه الناس من فقر وجوع وجهل وأمراض فلماذا لا تنفق هذه الأموال الطائلة في تأسيس مصانع يعمل فيها الألوف من العاطلين. أو لماذا لا تنفق هذه النفقات الباهظة في إيجاد آلات حربية تقاوم بها أعداء الإسلام والأوطان وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر، بل وأقروه، ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين، فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة انتهى. فلينظر العاقل إلى ما ذكره الشقيري، رحمه الله تعالى عن المفتونين ببدعة المولد من ذوي العمائم وغيرهم من العوام وأشباه الأنعام ومن هم أضل سبيلا من الأنعام، وليقابل بين ما ذكره عنهم من المنكرات التي يفعلونها في المولد وببين قول الرفاعي: «إن احتفال المسلمين بجمهوريتهم وغالبيتهم من أندونسيا حتى تركيا ومن المغرب حتى أفغانستان كل عام بهذه المناسبة الكريمة العظيمة ومشاركة الأزهر الشريف بعلمائه الأجلاء وجامعات الزيتونة والقيروان مرورًا بجامعة ديوبند الإسلامية العريقة في القارة الهندية لدليل ساطع على إجماع المسلمين عامة وخاصة على هذه السنة المباركة والبدعة الحسنة. وهذا الإجماع يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين» انتهى كلامه الذي لم يتثبت فيه ولم ينظر إلى ما يترتب عليه من تأييد بدعة

стр. 165

المولد بالباطل وإقرار ما يفعل فيها من المنكرات الشنيعة ومجاوزة الحد في وصفها بأنها سنة مباركة وبدعة حسنة، ثم إن الرفاعي لم يقف عند هذا الحد من الغلو في بدعة المولد، بل حملته جراءته على القول في دين الله بغير علم فجعل أفعال العوام وأشباههم من المنتسبين إلى العلم في المولد واحتفالهم به دليلاً ساطعًا على إجماع المسلمين عامة وخاصة على بدعة المولد، وزعم أن هذا الإجماع يعتبر إجماعا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين. وأقول إن هذا الإجماع المزعوم لا وجود له إلا في ذهن الرفاعي وظنه، وهل يقول عاقل إن الأفعال السيئة التي ذكرها ابن الحاج والشقيري عن المفتونين بالمولد تعتبر دليلا ساطعًا على إجماع المسلمين عامة وخاصة على بدعة المولد، وعلى القول بأنها سنة مباركة وبدعة حسنة، وأن هذا الإجماع يعتد به عند الفقهاء، كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل. وممن كتب في إنكار بدعة المولد وذمها الشيخ الفاضل العلامة مفتي البلاد السعودية في زمانه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمهم الله تعالى وله في ذلك عدة رسائل بعضها مطول وبعضها مختصر وهي في صفحة ٤٨ إلى آخر صفحة ٩٥ من الجزء الثالث من مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى فلتراجع فإنها قيمة ومفيدة. وممن كتب في إنكار بدعة المولد وذمها الشيخ الفاضل العلامة عبد الله بن محمد بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية وعضو هيئة كبار العلماء أيضًا، وله في ذلك رسالة

стр. 166

لطيفة مطبوعة مع كتابه المسمى "هداية الناسك إلى أهم المناسك" فلتراجع فإنها قيمة ومفيدة. وممن كتب في إنكار بدعة المولد وذمها الشيخ الفاضل العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية وعضو هيئة كبار العلماء أيضًا. وقد نشرت كتاباته في إنكار بدعة المولد وذمها في أعداد كثيرة من الصحف والمجلات في سنين كثيرة وكتاباته في هذا الموضوع وفي غيره من المواضيع كلها قيمة ومفيدة فلتراجع. وممن كتب في إنكار بدعة المولد حامد الفقي وقد ذكرت كلامه في ذلك قريبًا فليراجع. تنبيه ليعلم طالب العلم إن الذين ذكر عنهم التساهل في الاحتفال بالمولد قد صرحوا بأن الاحتفال بالمولد بدعة ولكنهم قالوا إنها بدعة حسنة لما يترتب عليها من الأفعال المستحسنة عندهم، وهؤلاء قد جمعوا بين حق وباطل، أما الحق فهو تصريحهم بأن الاحتفال بالمولد بدعة وهذا التصريح يلائم الأحاديث الواردة في التحذير من البدع والأمر بردها ويوافق عمومها لجميع البدع، وأما الباطل فهو دعواهم أنها بدعة حسنة، وهذه الدعوى لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب بل هي مخالفة للأحاديث لصحيحة التي جاءت في ذم البدع والتحذير منها والأمر بردها والنص على أنها شر وضلالة وقد تقدم إيرادها في أول الكتاب فلتراجع (١).

стр. 167

فصل وبعد الانتهاء من الرد على كلام الرفاعي في المولد رأيت مقالاً منشورًا في مجلة المجتمع الكويتية الصادرة في ٨/ ٤/ ١٤٠٢ هـ عدد ٥٥٩ تحت عنوان "المولد النبوي" وقد ذكر صاحب المقال في ختام مقاله أنه من البلاد السعودية ولم يذكر اسمه، وكذلك لم يذكره أصحاب المجلة وقد قابلت بين المقال وبين كلام محمد بن علوي المالكي في المولد وهو ما ذكره في كتابه المسمى «بالذخائر المحمدية» فإذا هو هو بعينه إلا أنه قد قدم فيه وأخر وزاد ونقص، وقد ذكر أصحاب المجلة أن المقال مطول وأنهم قد اختصروه، فلعل اختصارهم له هو السبب في التقديم والتأخير والنقص عما كان عليه في كتاب ابن علوي، ويحتمل أن المقال لغير ابن علوي إلا أن صاحبه قد سلبه من كلام ابن علوي وزاد فيه ونقص كما قد فعل ذلك قبله يوسف بن هاشم الرفاعي في مقاله المنشور في جريدة السياسة الكويتية، فإن الأدلة التي استدل بها على جواز الاحتفال بالمولد وتحسين هذه البدعة كلها مأخوذة من كلام محمد بن علوي، وقد نبهت على ذلك فيما مضى من الرد على الرفاعي، وبالجملة فالرفاعي وصاحب المقال المنشور في مجلة المجتمع الكويتية كل منهما عيال على ابن علوي في تأييد بدعة المولد وتحسينها، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه

стр. 168

الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال النووي: سواء كان ذلك الهدى أو الضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقًا إليه انتهى، فليحذر ابن علوي ومن قلده وسار على طريقته في تأييد بدعة المولد والذب عنها أن يكون لهم نصيب وافر مما جاء في الآية والحديث. فصل: قال صاحب المقال المنشور في مجلة «المجتمع»: كلنا يعلم مدى محبة المسلمين لنبينا محمد ومدى تعظيمنا وتوقيرنا له، ﵌، ومن هنا أتى احتفالنا به. والجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال إن محبة النبي ﷺ وتعظيمه وتوقيره لا يكون بمخالفة هديه ﷺ والابتداع في الدين الذي قد أكمله الله له ولأمته، وإنما تكون محبته وتعظيمه وتوقيره بلزوم طاعته واتباع أمره والأخذ بهديه الذي هو خير الهدي والعض على سنته بالنواجذ وإحيائها بالقول والفعل واجتناب سائر المحدثات التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، وهذه الطريقة هي التي كان عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد

стр. 169

وسنن النسائي عن أنس بن مالك، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ مثله إسناده صحيح على شرط الشيخين. وروي الإمام أحمد أيضًا والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وروى عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» قال النووي في الأربعين: له حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. الوجه الثاني: أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ وأشدهم تعظيمًا له وكانوا أحرص على الخير ممن جاء بعدهم ومع هذا فإنهم لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولو كان في ذلك أدنى شيء من الفضل والمحبة للنبي ﷺ والتعظيم له لكان الصحابة ﵃ أحرص عليه وأسبق إليه من غيرهم وعلى هذا فهل يقول صاحب المقال وأمثاله من المفتونين ببدعة المولد أنهم أشد محبة للنبي ﷺ وتعظيمًا له من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، ﵃ أم يعترفون للخلفاء الراشدين وسائر الصحابة، ﵃ بفضل المحبة للنبي ﷺ والتعظيم له فإن قالوا بالأول فكل

стр. 170

عاقل يعلم أن ذلك حمق وسوء أدب مع أصحاب رسول الله ﷺ وإن اعترفوا للصحابة ﵃ بفضل المحبة للنبي ﷺ والتعظيم له، قيل لهم ينبغي أن يسعكم ما وسعهم من ترك الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا؛ لأن ذلك من الشرع الذي لم يأذن به الله ولم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه، ﵃ ومن لم يتسع له في المولد وغيره ما اتسع للصحابة، ﵃ فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة. وقد رأيت لرشيد رضا كلامًا حسنًا يرد به على الذين يعظمون رسول الله ﷺ بالأمور المحدثة فأحببت أن أذكره ههنا لما فيه من الرد على الذين يزعمون أن الاحتفال بالمولد النبوي فيه تعظيم للنبي ﷺ قال في كتابه «ذكرى المولد النبوي» إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم (١) في أمر الدين أو الدنيا لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس فيجعلونه بدلا مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر لدين والدنيا وإنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولا وملكه إن كان ملكًا، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيمًا للنبي ﷺ وناهيك ببذلك أموالهم وأنفسهم في هذا لسبيل ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم للساني، ولا شك أن الرسول الأعظم

стр. 171

- ﷺ أحق الخلق بكل تعظيم وليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به وإن كان بحسن نية فإن حسن النية لا يبيح الابتداع في الدين وقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت ديانتهم غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبرا بشبر وذراعًا بذراع لضاع أصل ديننا أيضًا، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل فعلينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ انتهى كلامه ولقد أجاد فيه وأفاد ﵀. وأما قول الكاتب المجهول وإن كان هناك أناس لا يحبون الاحتفال بالمولد فإنهم لا يستطيعون الإنكار على من يحتفل له طالما أن هناك علماء أجلاء خدموا العلم وبينوا الحق ومنهم الإمام ابن حجر والإمام السيوطي والإمام ابن كثير والشيخ ملا علي قاري والإمام العراقي وغيرهم كثير جوزوا ذلك. فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال ما ادعاه الكاتب المجهول في قوله إن الذين لا يحبون الاحتفال بالمولد لا يستطيعون الإنكار على من يحتفل به فهي دعوى مبنية على الظن والتوهم، وكيف لا يستطيع أهل الحق أن ينكروا على أهل الباطل الذين ابتدعوا في الدين واتخذوا عيدًا لم يأذن به الله ولم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه ﵃ ولا التابعون وتابعوهم بإحسان، بل الإنكار على المبتدعين لعيد المولد مستطاع ومحفوف بالأدلة الكثيرة من

стр. 172

الكتاب والسنة، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع (١) ولتراجع أيضًا أقوال العلماء الذين كتبوا في إنكار بدعة المولد ففيها أبلغ رد على دعوى الكاتب المجهول وقد تقدم إيرادها قريبًا (٢). الوجه الثاني: أن يُقال إن تجويز بعض العلماء لبدعة المولد معدود من أخطائهم وزلاتهم وقد ورد التحذير من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم وبيان أنها من هوادم الإسلام، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (٣) ففيها أبلغ رد على من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم وجادل بها ليدحض الحق ويؤيد الباطل كما قد فعل ذلك الرفاعي والكاتب المجهول وأمثالهما من أنصار الباطل. الوجه الثالث: أن أقول إني لم أر في شيء من كتب ابن كثير، رحمه الله تعالى، أنه كان يقول بجواز بدعة المولد وإنما ذكر الآثار الواردة في الحمل بالنبي، ﷺ وولادته ورضاعه وتربيته وما كان بعد ذلك من أحواله، ذكر ذلك مبسوطًا في كتابه "البداية والنهاية" وقد رأيت له جزءًا في المولد ذكر فيه ما ذكره في "البداية والنهاية" ولم يتعرض فيه للاحتفال بالمولد فضلا عن أن يقول بجوازه فالواجب على الكاتب وعلى غيره من الكتاب أن يتثبتوا فيما ينقلونه عن العلماء فلا يذكرون عنهم إلا ما رأوه ثابتًا في كتبهم أو ما نقله العلماء الأمناء عنهم.

стр. 173

الوجه الرابع: أن يُقال إن القائلين بجواز الاحتفال بالمولد محجوجون بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من محدثات الأمور والنص على أنها شر وضلالة وأنها في النار والأمر بردها ورد الأعمال التي ليست من أمر النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾ قال مجاهد رحمه الله تعالى: ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي، ﷺ رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح. وأما قول الكاتب المجهول إن المولد النبوي أو الاحتفال به لم يكن في عهده، ﷺ فهو بدعة ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي كما ستعلمه بعد قليل من وجوه الاستحسان. فجوابه من وجوه أحدها: أن يُقال هذا هو كلام محمد بن علوي المالكي في صفحة ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وهو الخامس من أدلته الوهمية على جواز الاحتفال بالمولد النبوي. الوجه الثاني: أن يُقال إن الكاتب المجهول قد اعترف تبعًا لابن علوي أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن في عهد النبي ﷺ وأنه بدعة وفي هذا الاعتراف أبلغ رد عليهما؛ لأن النبي ﷺ قد حذر أمته من محدثات الأمور على

стр. 174

وجه العموم وبالغ في التحذير وأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره والأمر بذلك يعم البدع كلها كما هو ظاهر النص. الوجه الثالث: أن يُقال ما زعمه الكاتب المجهول تبعًا لابن علوي أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة وأنها تندرج تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية فهو زعم باطل مردود بالنص الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وبقوله ﷺ «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وبقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث معزوة إلى مخرجيها في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الكاتب المجهول وابن علوي وعلى غيرهما ممن ادعى أن بدعة المولد بدعة حسنة وأنها تندرج تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية. وأما دعوى الكاتب المجهول وابن علوي أن أفراد بدعة المولد موجودة في العهد النبوي. فجوابه أن يُقال هذه الدعوى باطلة مردودة لأن أعظم أفرد بدعة المولد هو الاجتماع لها في ليلة مخصوصة من شهر ربيع الأول واتخاذ تلك الليلة عيدًا يعود في كل عام، وإظهار الفرح والسرور في تلك الليلة كما يفعل الناس في عيدي الفطر والأضحى أو أعظم،

стр. 175

وقراءة الآثار الواردة في المولد والشمائل والمعجزات والسيرة في تلك الليلة بخصوصها، وإنشاد المدائح التي قد قيلت في النبي ﷺ وعمل الأطعمة في تلك الليلة، وهذه الأمور لم تكن تفعل في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه، ﵃ ولا في عهد التابعين ولا في القرون الثلاثة المفضلة، وأول من أحدث ذلك سلطان إربل الملك المظفر في آخر القرن السادس وفي أول القرن السابع: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف وأما الأدلة التي استدل بها الكاتب المجهول على جواز الاحتفال بالمولد فهي ستة عشر دليلاً وكلها مأخوذة من كلام ابن علوي المالكي وهذا يقوي الظن بأنه هو صاحب المقال المنشور في مجلة المجتمع الكويتية، وسأذكر أدلته وأذكر مواضعها في كتاب ابن علوي إن شاء الله تعالى. قال الكاتب المجهول: الأول أن الاحتفال بالمولد النبوي يعبر عن البهجة والسرور والفرح وقد انتفع به الكافر كما جاء في صحيح البخاري بأنه يخفف عن أبي لهب كل يوم الاثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما فرحته وبشرته بولادة محمد ﷺ . والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٧ من كتاب المسمى «بالذخائر المحمدية»

стр. 176

وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١). وقال الكاتب المجهول: الثاني: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وما كان يبعث على المطلوب شرعًا فهو مطلوب شرعًا. والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢). وقال الكاتب المجهول: الثالث: أن المولد النبوي يشتمل على مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به وكلنا مأمورون بمعرفته والاقتداء به والتأسي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته، وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تمامًا. والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٣).

стр. 177

وقال الكاتب المجهول: الرابع: أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته وفضله، وكان تعبيره ﷺ بالصيام فقد جاء في صحيح مسلم كتاب الصيام عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل عليه» وهذا يدل على أن معنى الاحتفال موجود. والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ﷺ ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١). وقال الكاتب المجهول: الخامس: أن النبي ﷺ كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث العظيمة ودليل ذلك أنه ﷺ لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له إنهم يصومونه لأن الله نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرًا لله على هذه النعمة فقال ﵊: «نحن أولى بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه. والجواب أن يقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ﷺ ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).

стр. 178

وقال الكاتب المجهول: السادس: مدحه بالقصائد كان يفعل أمامه، ﷺ ويكافئ الشعراء على ذلك فكيف بمن جمع شمائله الشريفة. والجواب أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١). وقال الكاتب المجهول السابع: أن تعظيم الحبيب محمد ﷺ مطلوب ومشروع والفرح بيوم مولده من أفضل وأظهر مظاهر الابتهاج والسرور والشكر لله. والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية". الوجه الثاني: أن يُقال إن تعظيم النبي ﷺ واجب في جميع الأوقات على ممر الأزمان ومن لم يعظم النبي ﷺ إلا في ليلة مولده فقد بخسه حقه، وكذلك الفرح والسرور والابتهاج بإيجاد النبي ﷺ وبعثته وكوننا من أمته والشكر لله على ذلك يجب أن يكون على الدوام، ومن لم يكن فرحه وابتهاجه وسروره بالنبي ﷺ إلا في ليلة المولد فقد بخسه حقه.

стр. 179

الوجه الثالث: أن يُقال إن تعظيم النبي ﷺ لا يكون بفعل البدع التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، وإنما يكون تعظيمه بطاعته واتباع هديه والتمسك بسنته وإحياء ما أميت منها ونشر ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، وهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فمن سلك سبيلهم فهو من المعظمين للنبي ﷺ ومن خالفها وسلك سبيلاً من سبل أهل البدع فهو في الحقيقة معظم للبدع وأهل البدع وليس معظمًا للنبي ﷺ ، وإن زعم أنه معظم له وهل يقول عاقل إن تعظيم النبي ﷺ يكون بفعل المحدثات التي قد حذر منها غاية التحذير؟ وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل. الوجه الرابع: أن يُقال إن تعظيم النبي ﷺ لا يجتمع مع مخالفة أمره وارتكاب نهيه، فمن عظم النبي ﷺ بشيء من البدع فتعظيمه له أشبه بالسخرية والاستهزاء منه بالتعظيم وقد تقدم قريبًا (١) ما ذكره الشقيري في كتابه المسمى "بالسنن والمبتدعات" عن ذوي العمائم وغيرهم من أشباه الأنعام من أنواع المنكرات والسخافات التي يفعلونها في بدعة المولد، فهل يقول عاقل أن تلك المخازي من التعظيم للنبي ﷺ كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.

стр. 180

وقال الكاتب المجهول: الثامن يؤخذ من قوله ﷺ في فضل يوم الجمعة وما فيه من المزايا وإنه فيه ولد آدم فكيف باليوم الذي ولد فيه، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصا ولنوعه عمومًا مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة. والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه مع التنبيه على قول ابن علوي والرفاعي "وفيه ولد آدم" فليراجع ما تقدم (١). وقال الكاتب المجهول التاسع: قال تعالى: ﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ يظهر لنا من الآية أن الحكمة من قص أنباء الرسل تثبيت فؤاد المصطفى ﷺ ونحن اليوم أحوج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وذكره. والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي لمالكي وهو في صفحة (٢٧١) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢). وقال الكاتب المجهول: العاشر المولد النبوي ما هو إلا اجتماع
следующие страницы →